Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
طه : ( 111 ) وعنت الوجوه للحي . . . . . > > < > ( طه 111 : 112 ) < > قوله تعالى : ( وعنت الوجوه ) أي ذلت وخضعت قاله بن الأعرابي وغيره ومنه قيل للاسير عان قال أمية بن أبي الصلت : مليك على عرش السماء مهيمن لعزته تعنو الوجوه وتسجد وقال أيضا : وعنا له وجهي وخلقي كله في الساجدين لوجهه مشكورا قال الجوهري : عنا يعنو خضع وذل وأعناه غيره ومنه قوله تعالى : ( وعنت الوجوه للحي القيوم ) ويقال أيضا : عنا فيهم فلان أسيرا أي أقام فيهم على إساره واحتبس وعناه غيره تعنية حبسه والعاني الأسير وقوم عناة ونسوة عوان وعنت به أمور نزلت وقال بن عباس : ( عنت ) ذلت وقال مجاهد : خشعت الماوردي : والفرق بين الذل والخشوع وإن تقارب معناهما أن الذل أن يكون ذليل النفس والخشوع أن يتذلل لذي طاعة وقال الكلبي : ( عنت ) أي علمت عطية العوفي : استسلمت وقال طلق بن حبيب : إنه وضع الجبهة والأنف على الأرض في السجود النحاس : ( وعنت الوجوه ) في معناه قولان : أحدهما أن هذا في الآخرة وروى عكرمة عن بن عباس ( وعنت الوجوه للحي القيوم ) قال : الركوع والسجود ومعنى ( عنت ) في اللغة القهر والغلبة ومنه فتحت البلاد عنوة أي غلبة قال الشاعر : فما أخذوها عنوة عن مودة ولكن ضرب المشرفي استقالها وقيل : هو من العناء بمعنى التعب وكني عن الناس بالوجوه لأن آثار الذل إنما تتبين في الوجه ( للحي القيوم ) وفي القيوم ثلاث تأويلات أحدها أنه القائم بتدبير الخلق الثاني أنه القائم على كل نفس بما كسبت الثالث أنه الدائم الذي لا يزول ولا يبيد وقد مضى في [ البقرة ] هذا ( وقد خاب من حمل ظلما ) أي خسر من حمل شركا قوله تعالى : ( ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن ) لأن العمل لا يقبل من غير إيمان و ( من ) في قوله : ( من الصالحات ) للتبعيض أي شيئا من الصالحات وقيل للجنس ( فلا يخاف ) قرأ بن كثير ومجاهد وبن محيص ( يخف ) بالجزم جوابا لقوله : ( ومن يعمل ) الباقون ( يخاف ) رفعا على الخبر أي فهو لا يخاف أو فإنه لا يخاف ( ظلما ) أي نقصا لثواب طاعتة ولا زيادة عليه في سيئاته ( ولا هضما ) بالانتقاص من حقه والهضم النقص والكسر يقال : هضمت ذلك من حقي أي حططته وتركته وهذا يهضم الطعام أي ينقص ثقله وامرأة هضيم الكشح ضامرة البطن الماوردي والفرق بين الظلم والهضم أن الظلم المنع من الحق كله والهضم المنع من بعضه والهضم ظلم وإن افترقا من وجه قال المتوكل الليثي : إن الأذلة واللئام لمعشر مولاهم المتهضم المظلوم قال الجوهري : ورجل هضيم ومهتضم أي مظلوم وتهضمه أي ظلمه واهتضمه إذا ظلمه وكسر عليه حقه < < طه : ( 113 ) وكذلك أنزلناه قرآنا . . . . . > > < > ( طه 113 : 114 ) <
> قوله تعالى : ( وكذلك ) أي كما بينا لك في هذه السورة من البيان فكذلك جعلناه ( قرآنا عربيا ) أي بلغة العرب ( وصرفنا فيه من الوعيد ) أي بينا ما فيه من التخويف والتهديد والثواب والعقاب ( لعلهم يتقون ) أي يخافون الله فيجتنبون معاصيه ويحذرون عقابه ( أو يحدث لهم ذكرا ) أي موعظة وقال قتادة : حذرا وورعا وقيل : شرفا فالذكر ها هنا بمعنى الشرف كقوله : وإنه لذكر لك ولقومك وقيل : أي ليتذكروا العذاب الذي توعدوا به وقرأ الحسن ( أو نحدث ) بالنون وروى عنه رفع الثاء وجزمها قوله تعالى : ( فتعالى الله الملك الحق ) لما عرف العباد عظيم نعمه وإنزال القرآن نزه نفسه عن الأولاد والأنداد فقال : ( فتعالى الله ) أي جل الله الملك الحق أي ذو الحق ( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ) علم نبيه كيف يتلقى القرآن قال بن عباس : كان عليه السلام يبادر جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل من الوحي حرصا على الحفظ وشفقة على القرآن مخافة النسيان فنهاه الله عن ذلك وأنزل ( ولا تعجل بالقرآن ) وهذا كقوله : لا تحرك به لسانك لتعجل به القيامة على ما يأتي وروى بن أبي نجيح عن مجاهد قال : لا تتله قبل أن تتبينه وقيل : ( ولا تعجل ) أي لا تسل إنزاله ( من قبل أن يقضى ) أي يأتيك ( وحيه ) وقيل : المعنى لا تلقه إلى الناس قبل أن يأتيك بيان تأويله وقال الحسن : نزلت في رجل لطم وجه امرأته فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تطلب القصاص فجعل النبي صلى الله عليه وسلم لها القصاص فنزل الرجال قوامون على النساء ولهذا قال : ( وقل رب زدني علما ) أي فهما لأنه عليه السلام حكم بالقصاص وأبى الله ذلك وقرأ بن مسعود وغيره ( من قبل أن نقضى ) بالنون وكسر الضاد ( وحيه ) بالنصب < < طه : ( 115 ) ولقد عهدنا إلى . . . . . > > < > ( طه 115 ) < > قوله تعالى : ( ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ) قرأ الأعمش باختلاف عنه ( فنسي ) بإسكان الياء وله معنيان : أحدهما ترك أي ترك الأمر والعهد وهذا قول مجاهد وأكثر المفسرين ومنه نسوا الله فنسيهم وثانيهما قال بن عباس : ( نسى ) هنا من السهو والنسيان وإنما أخذ الانسان منه لأنه عهد إليه فنسي قال بن زيد : نسى ما عهد الله إليه في ذلك ولو كان له عزم ما أطاع عدوه إبليس وعلى هذا القول يحتمل أن يكون آدم عليه السلام في ذلك الوقت مأخوذا بالنسيان وإن كان النسيان عنا اليوم مرفوعا ومعنى ( من قبل ) أي من قبل أن يأكل من الشجرة لأنه نهى عنها والمراد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم أي طاعة بني آدم الشيطان أمر قديم أي إن نقض هؤلاء العهد فإن آدم أيضا عهدنا إليه فنسي حكاه القشيري وكذلك الطبري أي وإن يعرض يا محمد هؤلاء الكفرة عن آياتي ويخالفوا رسلي ويطيعوا إبليس فقدما فعل ذلك أبوهم آدم قال بن عطية : وهذا التأويل ضعيف وذلك كون آدم مثالا للكفار الجاحدين بالله ليس بشيء وآدم إنما عصى بتأويل ففي هذا غضاضة عليه صلى الله عليه وسلم وإنما الظاهر في الآية إما أن يكون ابتداء قصص لا تعلق له بما قبله وإما أن يجعل تعلقه أنه لما عهد إلى محمد صلى الله عليه وسلم ألا يعجل بالقرآن مثل له بنبي قبله عهد إليه فنسي فعوقب ليكون أشد في التحذير وأبلغ في العهد إلى محمد صلى الله عليه وسلم والعهد ها هنا في معنى الوصية ( ونسي ) معناه ترك ونسيان الذهول لا يمكن هنا لأنه لا يتعلق بالناسي عقاب والعزم المضى على المعتقد في أي شيء كان وآدم عليه السلام قد كان يعتقد ألا يأكل من الشجرة لكن لما وسوس إليه إبليس لم يعزم على معتقده والشيء الذي عهد إلى آدم هو ألا يأكل من الشجرة وأعلم مع ذلك أن إبليس عدو له واختلف في معنى قوله : ( ولم نجد له عزما ) فقال بن عباس وقتادة : لم نجد له صبرا عن أكل الشجرة ومواظبة على التزام الأمر قال النحاس : وكذلك هو في اللغة يقال : لفلان عزم أي صبر وثبات على التحفظ من المعاصي حتى يسلم منها ومنه فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل وعن بن عباس أيضا وعطية العوفي : حفظا لما أمر به أي لم يتحفظ مما نهيته حتى نسى وذهب عن علم ذلك بترك الاستدلال وذلك أن إبليس قال له : إن أكلتها خلدت في الجنة يعني عين تلك الشجرة فلم يطعه فدعاه إلى نظير تلك الشجرة مما دخل في عموم النهي وكان يجب أن يستدل عليه فلم يفعل وظن أنها لم تدخل في النهي فأكلها تأويلا ولا يكون ناسيا للشيء من يعلم أنه معصية وقال بن زيد : ( عزما ) محافظة على أمر الله وقال الضحاك : عزيمة أمر بن كيسان : إصرارا ولا إضمارا للعود إلى الذنب قال القشيري : والأول أقرب إلى تأويل الكلام ولهذا قال قوم : آدم لم يكن من أولي العزم من الرسل لأن الله تعالى قال : ( ولم نجد له عزما ) وقال المعظم : كل الرسل أولو العزم وفي الخبر : ( ما من نبي إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة ما خلا يحيى بن زكريا ( فلو خرج آدم بسبب خطيئته من جملة أولى العزم لخرج جميع الأنبياء سوى يحيى وقد قال أبو أمامة : لو أن أحلام بني آدم جمعت منذ خلق الله الخلق إلى يوم القيامة ووضعت في كفة ميزان ووضع حلم آدم في كفة أخرى لرجحهم وقد قال الله تبارك وتعالى : ( ولم نجد له عزما ) < <
طه : ( 116 ) وإذ قلنا للملائكة . . . . . > > < > ( طه 116 : 119 ) <
> قوله تعالى : ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى ) تقدم في [ البقرة ] مستوفى ( فقلنا يا آدم هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما ) نهى ومجازه لا تقبلا منه فيكون ذلك سببا لخروجكما ( من الجنة ) ( فتشقى ) يعني أنت وزوجك لأنهما في استواء العلة واحد ولم يقل فتشقيا لأن المعنى معروف وآدم عليه السلام هو المخاطب وهو المقصود وأيضا لما كان الكاد عليها والكاسب لها كان بالشقاء اخص وقيل : الاخراج واقع عليهما والشقاوة على آدم وحده وهو شقاوة البدن ألا ترى أنه عقبه بقوله : ( إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى ) اي في الجنة ( وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى ) فأعلمه أن له في الجنة هذا كله : الكسوة والطعام والشراب والمسكن وأنك إن ضيعت الوصية وأطعت العدو أخرجكما من الجنة فشقيت تعبا ونصبا أي جعت وعريت وظمئت وأصابتك الشمس لأنك ترد إلى الأرض إذا أخرجت من الجنة وإنما خصه بذكر الشقاء ولم يقل فتشقيان : يعلمنا أن نفقة الزوجة على الزوج فمن يومئذ جرت نفقة النساء على الأزواج فلما كانت نفقة حواء على آدم كذلك نفقات بناتها على بني آدم بحق الزوجية وأعلمنا في هذه الآية أن النفقة التي تجب للمرأة على زوجها هذه الأربعة : الطعام والشراب والكسوة والمسكن فإذا أعطاها هذه الأربعة فقد خرج إليها من نفقتها فإن تفضل بعد ذلك فهو مأجور فأما هذه الأربعة فلا بد لها منها لأن بها إقامة المهجة قال الحسن المراد بقوله : ( فتشقى ) شقاء الدنيا لا يرى بن آدم إلا ناصبا وقال الفراء : هو أن يأكل من كد يديه وقال سعيد بن جبير : أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه فهو شقاؤه الذي قال الله تبارك وتعالى وقيل : لما أهبط من الجنة كان من أول شقائه أن جبريل أنزل عليه حبات من الجنة فقال : يا آدم ازرع هذا فحرث وزرع ثم حصد ثم درس ثم نقى ثم طحن ثم عجن ثم خبز ثم جلس ليأكل بعد التعب فتدحرج رغيفه من يده حتى صار أسفل الجبل وجرى وراءه آدم حتى تعب وقد عرق جبينه قال : يا آدم فكذلك رزقك بالتعب والشقاء ورزق ولدك من بعدك ما كنت في الدنيا قوله تعالى : ( إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى ) فيه مسئلتان : الأولى : قوله تعالى : ( إن لك ألا تجوع فيها ) أي في الجنة ( ولا تعرى ) ( وأنك لا تظمأ فيها ) أي لا تعطش والظمأ العطش ( ولا تضحى ) أي تبرز للشمس فتجد حرها إذ ليس في الجنة شمس إنما هو ظل ممدود كما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس قال أبو العالية : نهار الجنة هكذا : وأشار إلى ساعة المصلين صلاة الفجر قال أبو زيد : ضحا الطريق يضحو ضحوا إذا بدا لك وظهر وضحيت وضحيت ( بالكسر ) ضحا عرقت وضحيت أيضا للشمس ضحاء ممدود برزت وضحيت ( بالفتح ) مثله والمستقبل أضحى في اللغتين جميعا قال عمر بن أبي ربيعة : رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت فيضحى وأما بالعشي فيخصر وفي الحدث أن بن عمر رأى رجلا محرما قد استظل فقال : أضح لمن أحرمت له هكذا يرويه المحدثون بفتح الألف وكسر الحاء من أضحيت وقال الأصمعي : إنما هو اضح لمن أحرمت له بكسر الألف وفتح الحاء من ضحيت أضحى لأنه أمره بالبروز للشمس ومنه قوله تعالى : ( وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى ) وأنشد : ضحيت له كي أستظل بظله إذا الظل أضحى في القيامة قالصا وقرأ أبو عمرو والكوفيون إلا عاصما في رواية أبو بكر عنه ( وأنك ) بفتح الهمزة عطفا على ( ألا تجوع ) ويجوز أن يكون في موضع رفع عطفا على الموضع والمعنى : ولك أنك لا تظمأ فيها الباقون بالكسر على الاستئناف أو على العطف على ( إن لك ) < <
طه : ( 120 ) فوسوس إليه الشيطان . . . . . > > < > ( طه 120 : 122 ) <
> قوله تعالى : ( فوسوس إليه الشيطان ) تقدم في [ الأعراف ] ( قال ) يعني الشيطان ( يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ) وهذا يدل على المشافهة وأنه دخل الجنة في جوف الحية على ما تقدم في [ البقرة ] بيانه وتقدم هناك تعيين الشجرة وما للعلماء فيها فلا معنى للأعادة ( فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ) تقدم في [ الأعراف ] مستوفى وقال الفراء : ( وطفقا ) في العربية أقبلا قال وقيل : جعلا يلصقان عليهما ورق التين قوله تعالى : ( وعصى آدم ربه فغوى ) فيه ست مسائل : الاولى قوله تعالى : ( وعصى ) تقدم في [ البقرة ] القول في ذنوب الأنبياء وقال بعض المتأخرين من علمائنا والذي ينبغي أن يقال : إن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ونسبها إليهم وعاتبهم عليها وأخبروا بذلك عن نفوسهم وتنصلوا منها واستغفروا منها وتابوا وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا يقبل التأويل جملتها وإن قبل ذلك آحادها وكل ذلك مما لا يزري بمناصبهم وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور وعلى جهة الخطأ والنسيان أو تأويل دعا إلى ذلك فهي بالنسبة إلى غيرهم حسنات وفي حقهم سيئات بالنسبة إلى مناصبهم وعلو أقدارهم إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائس فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة قال : وهذا هو الحق ولقد أحسن الجنيد حيث قال : حسنات الأبرار سيئات المقربين فهم صلوات الله وسلامه عليهم وإن كانوا قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم فلم يخل ذلك بمناصبهم ولا قدح في رتبتهم بل قد تلافاهم واجتباهم وهداهم ومدحهم وزكاهم واختارهم واصطفاهم صلوات الله عليهم وسلامه الثانية قال القاضي أبو بكر بن العربي : لا يجوز لأحد منا اليوم أن يخبر بذلك عن آدم إلا إذا ذكرناه في أثناء قوله تعالى عنه أو قول نبيه فأما أن يبتدئ ذلك من قبل نفسه فليس بجائز لنا في آبائنا الأدنين إلينا المماثلين لنا فكيف في أبينا الأقدم الاعظم الأكرم النبي المقدم الذي عذره الله سبحانه وتعالى وتاب عليه وغفر له قلت : وإذا كان هذا في المخلوق لا يجوز فالاخبار عن صفات الله عز وجل كاليد والرجل والاصبع والجنب والنزول إلى غير ذلك أولى بالمنع وأنه لا يجوز الابتداء بشيء من ذلك إلا في أثناء قراءة كتابه أو سنة رسوله ولهذا قال الامام مالك بن أنس رضي الله عنه : من وصف شيئا من ذات الله عزوجل مثل قوله : وقالت اليهود يد الله مغلولة فأشار بيده إلى عنقه قطعت يده وكذلك في السمع والبصر يقطع ذلك منه لأنه شبه الله تعالى بنفسه الثالثة روى الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فقال آدم يا موسى اصطفاك الله عز وجل بكلامه وخط لك بيده يا موسى : أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة فحج آدم موسى ثلاثا ( قال المهلب قوله : ( فحج آدم موسى ( أي غلبه بالحجة قال الليث بن سعد إنما صحت الحجة في هذه القصة لآدم على موسى عليهما السلام من أجل أن الله تعالى قد غفر لآدم خطيئته وتاب عليه فلم يكن لموسى أن يعيره بخطيئة قد غفرها الله تعالى له ولذلك قال آدم : أنت موسى الذي آتاك الله التوراة وفيها علم كل شيء فوجدت فيها أن الله قد قدر علي المعصية وقدر على التوبة منها وأسقط بذلك اللوم عني افتلومني أنت والله لا يلومني وبمثل هذا احتج بن عمر على الذي قال له : إن عثمان فر يوم أحد فقال بن عمر : ما على عثمان ذنب لأن الله تعالى قد عفا عنه بقوله : ولقد عفا الله عنهم آل عمرانك وقد قيل : إن آدم عليه السلام أب وليس تعييره من بره أن لو كان مما يعير به غيره فإن الله تبارك وتعالى يقول في الأبوين الكافرين : وصاحبهما في الدنيا معروفا لقمانك ولهذا إن إبراهيم عليه السلام لما قال له أبوه وهو كافر : لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا قال سلام عليك فكيف بأب هو نبي قد اجتباه ربه وتاب عليه وهدى الرابعة وأما من عمل الخطايا ولم تأته المغفرة فإن العلماء مجمعون على أنه لا يجوز له أن يحتج بمثل حجة آدم فيقول تلومني على أن قتلت أو زنيت أو سرقت وقد قدر الله على ذلك والأمة مجمعة على جواز حمد المحسن على إحسانه ولوم المسيء على إساءته وتعديد ذنوبه عليه الخامسة قوله تعالى : ( فغوى ) أي ففسد عليه عيشه حكاه النقاش واختاره القشيري وسمعت شيخنا الأستاذ المقرئ أبا جعفر القرطبي يقول : ( فغوى ) ففسد عيشه بنزوله إلى الدنيا والغي الفساد وهو تأويل حسن وهو أولى من تأويل من يقول : ( فغوى ) معناه ضل من الغي الذي هو ضد الرشد وقيل : معناه جهل موضع رشده أي جهل أن تلك الشجرة هي التي نهي عنها والغي الجهل وعن بعضهم ( فغوى ) فبشم من كثرة الأكل الزمخشري : وهذا وإن صح على لغة من يقلب الياء المكسور ما قبلها ألفا فيقول في فني وبقي : فنى وبقى وهم بنو طي تفسير خبيث السادسة قال القشيري أبو نصر قال قوم يقال : عصى آدم وغوى ولا يقال له عاص ولا غاو كما أن من خاط مرة يقال له : خاط ولا يقال له خياط ما لم تتكرر منه الخياطة وقيل : يجوز للسيد أن يطلق في عبده عند معصيته ما لا يجوز لغيره أن يطلقه وهذا تكلف وما أضيف من هذا إلى الأنبياء فإما أن تكون صغائر أو ترك الأولى أو قبل النبوة قلت : هذا حسن قال الامام أبو بكر بن فورك رحمه الله تعالى : كان هذا من آدم قبل النبوة ودليل ذلك قوله تعالى : ( ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ) فذكر أن الاجتباء والهداية كانا بعد العصيان وإذا كان هذا قبل النبوة فجائز عليهم الذنوب وجها واحدا لأن قبل النبوة لا شرع علينا في تصديقهم فإذا بعثهم الله تعالى إلى خلقه وكانوا مأمونين في الأداء معصومين لم يضر ما قد سلف منهم من الذنوب وهذا نفيس والله أعلم < <
طه : ( 123 ) قال اهبطا منها . . . . . > > < > ( طه 123 : 127 ) < > قوله تعالى : ( قال اهبطا منها جميعا ) خاطب آدم وإبليس ( منها ) أي من الجنة وقد قال لابليس : اخرج منها مذءوما مدحورا فلعله أخرج من الجنة إلى موضع من السماء ثم أهبط إلى الأرض ( بعضكم لبعض عدو ) تقدم في البقرة أى أنت عدو للحية ولابليس وهما عدوان لك وهذا يدل على أن قوله : ( اهبطا ) ليس خطابا لآدم وحواء لأنهما ما كانا متعاديين وتضمن هبوط آدم هبوط حواء ( فإما يأتينكم مني هدى ) أى رشدا وقولا حقا وقد تقدم في [ البقرة ] ( فمن اتبع هداى ) يعني الرسل والكتب ( فلا يضل ولا يشقى ) قال بن عباس : ضمن الله تعالى لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة وتلا الآية ( من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ووقاه يوم القيامة سوء الحساب ثم تلا الآية ) أي ديني وتلاوة كتابي والعمل بما فيه وقيل عما أنزلت من الدلائل ويحتمل أن يحمل الذكر على الرسول لأنه كان منه الذكر ( فإن له معيشة ضنكا ) أي عيشا ضيقا يقال : منزل ضنك وعيش ضنك يستوى فيه الواحد والاثنان والمذكر والمؤنث والجمع قال عنترة : إن يلحقوا أكرر وإن يستلحموا أشدد وإن يلفوا بضنك أنزل وقال أيضا : إن المنية لو تمثل مثلت مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل وقريء ) ضنكى ( على وزن فعلى : ومعنى ذلك أن الله عز وجل جعل مع الدين التسليم والقناعة والتوكل عليه وعلى قسمته فصاحبه ينفق مما رزقه الله عز وجل بسماح وسهولة ويعيش عيشا رافغا كما قال الله تعالى : فلنحيينه حياة طيبة والمعرض عن الدين مستول عليه الحرص الذي لا يزال يطمح به إلى الأزدياد من الدنيا مسلط عليه الشح الذي يقبض يده على الانفاق فعيشه ضنك وحاله مظلمة كما قال بعضهم : لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقته وتشوش عليه رزقه وكان في عيشه ضنك وقال عكرمة : ) ضنكا ( كسبا حراما الحسن : طعام الضريع والزقوم وقول رابع وهو الصحيح أنه عذاب القبر قاله أبو سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود ورواه أبو هريرة مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكرناه في كتاب [ التذكرة ] قال أبو هريرة : يضيق على الكافر قبره حتى تختلف فيه أضلاعه وهو المعيشة الضنك ( ونحشره يوم القيامة أعمى ) قيل : أعمى في حال وبصيرا في حال وقد تقدم في آخر [ سبحان ] وقيل : أعمى عن الحجة قاله مجاهد وقيل : أعمى عن جهات الخير لا يهتدي لشيء منها وقيل : عن الحيلة في دفع العذاب عن نفسه كالأعمى الذي لا حيلة له فيما لا يراه ) قال رب لم حشرتني أعمى ) أي بأي ذنب عاقبتني بالعمى ( وقد كنت بصيرا ) أي في الدنيا وكأنه يظن أنه لا ذنب له وقال بن عباس ومجاهد : أي ) لم حشرتني أعمى ( عن حجتي ( وقد كنت بصيرا ) أي عالما بحجتي القشيري : وهو بعيد إذ ما كان للكافر حجة في الدنيا ) قال كذلك لأتتك آياتنا ) أي قال الله تعالى له : ( كذلك أتتك آياتنا ) أي دلالاتنا على وحدانيتنا وقدرتنا ( فنسيتها ) أي تركتها ولم تنظر فيها وأعرضت عنها ( وكذلك اليوم تنسى ) أي تترك في العذاب يريد جهنم ( وكذلك نجزي من أسرف ) أي وكما جزينا من أعرض عن القرآن وعن النظر في المصنوعات والتفكر فيها وجاوز الحد في المعصية ( ولم يؤمن بآيات ربه ) أي لم يصدق بها ( ولعذاب الآخرة أشد ) أي أفظع من المعيشة الضنك وعذاب القبر ( وأبقى ) أي أدوم وأثبت لأنه لا ينقطع ولا ينقضي < <
طه : ( 128 ) أفلم يهد لهم . . . . . > > < > ( طه 128 : 130 ) < > قوله تعالى : ( أفلم يهد لهمم ) يريد أهل مكة أي أفلم يتبين لهم خبر من أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إذا سافروا وخرجوا في التجارة طلب المعيشة فيرون بلاد الأمم الماضية والقرون الخالية خاوية أي أفلا يخافون أن يحل بهم مثل ما حل بالكفار قبلهم وقرأ بن عباس والسلمي وغيرهما ( نهد لهم ) بالنون وهي أبين و ( يهد ) بالياء مشكل لأجل الفاعل فقال الكوفيون : ( كم ) الفاعل النحاس : وهذا خطأ لأن ( كم ) استفهام فلا يعمل فيها ما قبلها وقال الزجاج : المعنى أو لم يهد لهم الأمر بإهلاكنا من أهلكنا وحقيقة ( يهد ) يدل على الهدى فالفاعل هو الهدى تقديره : أفلم يهد الهدى لهم قال الزجاج : ( كم ) في موضع نصب ب ( أهلكنا ) قوله تعالى : ( ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما ) فيه تقديم وتأخير أي لولا كلمت سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما قاله قتادة واللزام الملازمة أي لكان العذاب لازما لهم وأضمر اسم كان قال الزجاج : ( وأجل مسمى ) عطف على ( كلمة ) قتادة : والمراد القيامة وقاله القتبي وقيل : تأخيرهم إلى يوم بدر قوله تعالى : ( فاصبر على ما يقولون ) أمره تعالى بالصبر على أقوالهم : إنه ساحر إنه كاهن إنه كذاب إلى غير ذلك والمعنى : لا تحفل بهم فإن لعذابهم وقتا مضروبا لا يتقدم ولا يتأخر ثم قيل : هذا منسوخ بآية القتال وقيل : ليس منسوخا إذ لم يستأصل الكفار بعد آية القتال بل بقى المعظم منهم قوله تعالى : ( وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ) قال أكثر المتأولين : هذا إشارة إلى الصلوات الخمس ( قبل طلوع الشمس ) صلاة الصبح ( وقبل غروبها ) صلاة العصر ( ومن آناء الليل ) العتمة ( وأطراف النهار ) المغرب والظهر لأن الظهر في آخر طرف النهار الأول وأول طرف النهار الآخر فهي في طرفين منه والطرف الثالث غروب الشمس وهو وقت المغرب وقيل : النهار ينقسم قسمين فصلهما الزوال ولكل قسم طرفان فعند الزوال طرفان الآخر من القسم الأول والأول من القسم الآخر فقال عن الطرفين أطرافا على نحو فقد صغت قلوبكما التحريم وأشار إلى هذا النظر بن فورك في المشكل وقيل : النهار للجنس فلكل يوم طرف وهو إلى جمع لأنه يعود في كل نهار و ( آناء الليل ) ساعاته وواحد الآناء إني وإني وأني وقالت فرقة : المراد بالآية صلاة التطوع قاله الحسن قوله تعالى : ( لعلك ترضى ) بفتح التاء أي لعلك تثاب على هذه الأعمال بما ترضى به وقرأ الكسائي وأبو بكر عن عاصم ( ترضى ) بضم التاء أي لعلك تعطى ما يرضيك < < طه : ( 131 ) ولا تمدن عينيك . . . . . > > < > ( طه 131 : 132 ) <
> قوله تعالى : ( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ) وقد تقدم معناه في [ الحجر ] ( أزواجا ) مفعول ب ( متعنا ) و ( زهرة ) نصب على الحال وقال الزجاج : ( زهرة ) منصوبة بمعنى ( متعنا ) لأن معناه جعلنا لهم الحياة الدنيا زهرة أو بفعل مضمر وهو ( جعلنا ) أي جعلنا لهم زهرة الحياة الدنيا عن الزجاج أيضا وقيل : هي بدل من الهاء في ( به ) على الموضع كما تقول : مررت به أخاك وأشار الفراء إلى نصبه على الحال والعامل فيه متعنا ) قال : كما تقول مررت به المسكين وقدره : متعناهم به زهرة الحياة في الدنيا وزينة فيها ويجوز أن ينتصب على المصدر مثل صنع الله ووعد الله وفيه نظر والاحسن أن ينتصب على الحال ويحذف التنوين لسكونه وسكون اللام من الحياة كما قرئ ولا الليل سابق النهار بنصب النهار بسابق على تقدير حذف التنوين لسكونه وسكون اللام وتكون ( الحياة ) مخفوضة على البدل من ( ما ) في قوله إلي ما متعنا به فيكون التقدير ولا تمدن عينيك إلى الحياة الدنيا زهرة أي في حال زهرتها ولا يحسن أن يكون زهرة بدلا من ما على الموضع في قوله : ( إلى ما متعنا ) لأن ( لنفتنهم ) متعلق ب ( متعنا ) و ( زهرة الحياة الدنيا ) يعني زينتها بالنبات والزهرة بالفتح في الزاي والهاء نور النبات والزهرة بضم الزاي وفتح الهاء النجم وبنو زهرة بسكون الهاء قاله بن عزيز وقرأ عيسى بن عمر ( زهرة ) بفتح الهاء مثل نهر ونهر ويقال : سراج زاهر أي له بريق وزهر الأشجار ما يروق من ألوانها وفي الحديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم أزهر اللون أي نير اللون يقال لكل شيء مستنير : زاهر وهو أحسن الألوان ( لنفتنهم فيه ) أي لنبتليهم وقيل : لنجعل ذلك فتنة لهم وضلالا ومعنى الآية : لا تجعل يا محمد لزهرة الدنيا وزنا فإنه لا بقاء لها ( ولا تمدن ) أبلغ من لا تنظرن لأن الذي يمد بصره إنما يحمله على ذلك حرص مقترن والذي ينظر قد لا يكون ذلك معه مسألة قال بعض الناس : سبب نزول هذه الآية ما رواه أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نزل ضيف برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلني عليه السلام إلى رجل من اليهود وقال قل له يقول لك محمد : نزل بنا ضيف ولم يلف عندنا بعض الذي يصلحه فبعنى كذا وكذا من الدقيق أو أسلفني إلى هلال رجب فقال : لا إلا برهن قال : فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال : ( والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض ولو أسلفني أو باعني لأديت إليه اذهب بدرعي إليه ( ونزلت الآية تعزيه له عن الدنيا قال بن عطية : وهذا معترض أن يكون سببا لأن السورة مكية والقصة المذكورة مدنية في آخر عمر النبي صلى الله عليه وسلم لأنه مات ودرعه مرهونة عند يهودي بهذه القصة التي ذكرت وإنما الظاهر أن الآية متناسقة مع ما قبلها وذلك أن الله تعالى وبخهم على ترك الاعتبار بالأمم السالفة ثم توعدهم بالعذاب المؤجل ثم أمر نبيه بالاحتقار لشأنهم والصبر على أقوالهم والاعراض عن أموالهم وما في أيديهم من الدنيا إذ ذلك منصرم عنهم صائر إلى خزي قلت : وكذلك ما روى عنه عليه السلام أنه مر بإبل بني المصطلق وقد عبست في أبوالها وأبعارها من السمن فتقنع بثوبه ثم مضى لقوله عز وجل : ( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ) الآية ثم سلاه فقال : ( ورزق ربك خيرا وأبقى ) أي ثواب الله على الصبر وقلة المبالاة بالدنيا أولى لأنه يبقى والدنيا تفنى وقيل : يعني بهذا الرزق ما يفتح الله على المؤمنين من البلاد والغنائم قوله تعالى : ( وأمر أهلك بالصلاة ) أمره تعالى بأن يأمر أهله بالصلاة ويمتثلها معهم ويصطبر عليها ويلازمها وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويدخل في عمومه جميع أمته وأهل بيته على التخصيص وكان عليه السلام بعد نزول هذه الآية يذهب كل صباح إلى بيت فاطمة وعلي رضوان الله عليهما فيقول : ( الصلاة ( ويروى أن عروة بن الزبير رضي الله عنه كان إذا رأى شيئا من أخبار السلاطين وأحوالهم بادر إلى منزله فدخله وهو يقرأ ( ولا تمدن عينيك ) الآية إلى قوله : ( وأبقى ) ثم ينادي بالصلاة : الصلاة يرحمكم الله ويصلي وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوقظ أهل داره لصلاة الليل ويصلي وهو يتمثل بالآية قوله تعالى : ( لانسئلك رزقا ) أي لا نسألك أن ترزق نفسك وإياهم وتشتغل عن الصلاة بسبب الرزق بل نحن نتكفل برزقك وإياهم فكان عليه السلام إذا نزل بأهله ضيق أمرهم بالصلاة وقد قال الله تعالى : وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق قوله تعالى : ( والعاقبة للتقوى ) أي الجنة لأهل التقوى يعني العاقبة المحمودة وقد تكون لغير التقوى عاقبة ولكنها مذمومة فهي كالمعدومة < <
طه : ( 133 ) وقالوا لولا يأتينا . . . . . > > < > ( طه 133 : 135 ) <
> قوله تعالى : ( وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه ) يريد كفار مكة أي لولا يأتينا محمد بآية توجب العلم الضروري أو بآية ظاهرة كالناقة والعصا أو هلا يأتينا بالآيات التي نقترحها نحن كما أتي الأنبياء من قبله قال الله تعالى : ( أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ) يريد التوراة والانجيل والكتب المتقدمة وذلك أعظم آية إذ أخبر بما فيها وقريء ( الصحف ) بالتخفيف وقيل : أو لم تأتهم الآية الدالة على نبوته بما وجدوه في الكتب المتقدمة من البشارة وقيل : أو لم يأتهم إهلاكنا الأمم الذين كفروا واقترحوا الآيات فما يؤمنهم إن أتتهم الآيات أن يكون حالهم حال أولئك وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وابو عمرو ويعقوب وبن أبي إسحاق وحفص ( أو لم تأتهم ) بالتاء لتأنيث البينة الباقون بالياء لتقدم الفعل ولأن البينة هي البيان والبرهان فردوه إلى المعنى واختاره أبو عبيد وأبو حاتم وحكى الكسائي ( أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ) قال : ويجوز على هذا ( بينة ما في الصحف الأولى ) قال النحاس : إذا نونت ( بينة ) ورفعت جعلت ( ما ) بدلا منها وإذا نصبتها فعلى الحال والمعنى : أو لم يأتهم ما في الصحف الأولى مبينا قوله تعالى : ( ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله ) أي من قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن ( لقالوا ) أي يوم القيامة ( ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ) أي هلا أرسلت إلينا رسولا ( فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ) وقريء ( نذل ونخزى ) على ما لم يسم فاعله 0 وروى أبو سعيد الخدرى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهالك في الفترة والمعتوه والمولود قال : ( يقول الهالك في الفترة لم يأتني كتاب ولا رسول ثم تلا ( ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا ارسلت الينا رسولا ) الآية ويقول المعتوه رب لم تجعل لي عقلا أعقل به خيرا ولا شرا ويقول المولود رب لم أدرك العمل فترفع لهم نار فيقول لهم ردوها وادخلوها قال فيردها أو يدخلها من كان في علم الله سعيدا لو ادرك العمل ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا لو أدرك العمل فيقول الله تبارك وتعالى إياي عصيتم فكيف رسلي لو أتتكم ( ويروى موقوفا عن أبي سعيد قوله فيه نظر وقد بيناه في كتاب [ التذكرة ] وبه احتج من قال : إن الأطفال وغيرهم يمتحنون في الآخرة ( فنتبع ) نصب بجواب التخصيص ( آياتك ) يريد ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ( من قبل أن نذل ) أي في العذاب ( ونخزى ) في جهنم قاله بن عباس وقيل : ( من قبل أن نذل ) في الدنيا بالعذاب ( ونخزى ) في الآخرة بعذابها ( قل كل متربص ) أي قل لهم يا محمد كل متربص أي كل المؤمنين والكافرين منتظر دوائر الزمان ولمن يكون النصر ( فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى ) يريد الدين المستقيم والهدى والمعنى : فستعلمون بالنصر من اهتدى إلى دين الحق وقيل : فستعلمون يوم القيامة من اهتدى إلى طريق الجنة وفي هذا ضرب من الوعيد والتخويف والتهديد ختم به السورة وقريء ( فسوف تعلمون ) قال أبو رافع : حفظته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره الزمخشري و ( من ) في موضع رفع عند الزجاج وقال الفراء : يجوز أن يكون في موضع نصب مثل والله يعلم المفسد من المصلح قال أبو إسحاق : هذا خطأ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله و ( من ) ها هنا استفهام في موضع رفع بالابتداء والمعنى : فستعلمون أصحاب الصراط السوي نحن أم أنتم قال النحاس : والفراء يذهب إلى أن معنى ( من أصحاب الصراط السوي ) من لم يضل وإلى أن معنى ( ومن اهتدى ) من ضل ثم اهتدى وقرأ يحيى بن يعمر وعاصم الجحدري ( فسيعلمون من أصحاب الصراط السوي ) بتشديد الواو بعدها ألف التأنيث على فعلى بغير همزة وتأنيث الصراط شاذ قليل قال الله تعالى : اهدنا الصراط المستقيم الفاتحة فجاء مذكرا في هذا وفي غيره وقد رد هذا أبو حاتم قال : إن كان من السوء وجب أن يقال السوءى وإن كان من السواء وجب أن يقال السيا بكسر السين والأصل السويا قال الزمخشري وقرئ السواء بمعنى الوسط والعدل أو المستوى النحاس : وجواز قراءة يحيى بن يعمر والجحدري أن يكون الأصل ( السوءى ) والساكن ليس بحاجز حصين فكأنه قلب الهمزة ضمة فأبدل منها واوا كما يبدل منها ألف إذا انفتح ما قبلها تمت والحمد لله وحده <
> تفسير سورة الأنبياء < > مكية في قول الجميع وهي مائة واثنتا عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم < < الأنبياء : ( 1 ) اقترب للناس حسابهم . . . . . > > < > ( الانبياء 1 : 3 ) <
> قوله تعالى : ( اقترب للناس حسابهم ) قال عبد الله بن مسعود : الكهف ومريم وطه والأنبياء من العتاق الأول وهن من تلادي يريد من قديم ما كسب وحفظ من القرآن كالمال التلاد وروى أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبني جدارا فمر به آخر في يوم نزول هذه السورة فقال الذي كان يبني الجدار : ماذا نزل اليوم من القرآن فقال الآخر : نزل ( اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ) فنفض يده من البنيان وقال : والله لا بنيت أبدا وقد اقترب الحساب ( اقترب ) أي قرب الوقت الذي يحاسبون فيه على أعمالهم ( للناس ) قال بن عباس : المراد بالناس هنا المشركون بدليل قوله تعالى : ( إلا استمعوه وهم يلعبون ) إلى قوله : ( أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ) وقيل : الناس عموم وإن كان المشار إليه في ذلك الوقت كفار قريش يدل على ذلك ما بعد من الآيات ومن علم اقتراب الساعة قصر أمله وطابت نفسه بالتوبة ولم يركن إلى الدنيا فكأن ما كان لم يكن إذا ذهب وكل آت قريب والموت لا محالة آت وموت كل إنسان قيام ساعته والقيامة أيضا قريبة بالاضافة إلى ما مضى من الزمان فما بقي من الدنيا أقل مما مضى وقال الضحاك : معنى ( اقترب للناس حسابهم ) أي عذابهم يعني أهل مكة لأنهم استبطئوا ما وعدوا به من العذاب تكذيبا وكان قتلهم يوم بدر النحاس : ولا يجوز في الكلام اقترب حسابهم للناس لئلا يتقدم مضمر على مظهر لا يجوز أن ينوي به التأخير ( وهم في غفلة معرضون ) ابتداء وخبر ويجوز النصب في غير القرآن على الحال وفيه وجهان : أحدهما ( وهم في غفلة معرضون ) يعني بالدنيا عن الآخرة الثاني عن التأهب للحساب وعما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وهذه الواو عند سيبويه بمعنى ( إذ ) وهي التي يسميها النحويون واو الحال كما قال الله تبارك وتعالى : يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم قوله تعالى : ( ما ياتيهم من ذكر من ربهم محدث ) ( محدث ) نعت ل ( ذكر ) وأجاز الكسائي والفراء ( محدثا ) بمعنى ما يأتيهم محدثا نصب على الحال وأجاز الفراء أيضا رفع ( محدث ) على النعت للذكر لأنك لو حذفت ( من ) رفعت ذكرا أي ما يأتيهم ذكر من ربهم محدث يريد في النزول وتلاوة جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان ينزل سورة بعد سورة وآية بعد آية كما كان ينزله الله تعالى عليه في وقت بعد وقت لا أن القرآن مخلوق وقيل : الذكر ما يذكرهم به النبي صلى الله عليه وسلم ويعظهم به وقال : ( من ربهم ) لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق إلا بالوحي فوعظ النبي صلى الله عليه وسلم وتحذيره ذكر وهو محدث قال الله تعالى : فذكر إنما أنت مذكر الغاشية ويقال : فلان في مجلس الذكر وقيل : الذكر الرسول نفسه قاله الحسين بن الفضل بدليل ما في سياق الآية ( هل هذا إلا بشر مثلكم ) ولو أراد بالذكر القرآن لقال : هل هذا إلا أساطير الأولين ودليل هذا التأويل قوله تعالى : ويقولون إنه لمجنون وما هو إلا ذكر للعالمين القلم يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وقال : قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا الطلاق ( إلا استمعوه ) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم أو القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم أو من أمته ( وهم يلعبون ) الواو واو الحال يدل عليه ( لاهية قلوبهم ) ومعنى ( يلعبون ) أي يلهون وقيل : يشتغلون فإن حمل تأويله على اللهو احتمل ما يلهون به وجهين : أحدهما بلذاتهم الثاني بسماع ما يتلى عليهم وإن حمل تأويله على الشغل احتمل ما يتشاغلون به وجهين : أحدهما بالدنيا لأنها لعب كما قال الله تعالى : إنما الحياة الدنيا لعب ولهو الثاني يتشاغلون بالقدح فيه والاعتراض عليه قال الحسن : كلما جدد لهم الذكر استمروا على الجهل وقيل : يستمعون القرآن مستهزئين قوله تعالى : ( لاهية قلوبهم ) أي ساهية قلوبهم معرضة عن ذكر الله متشاغلة عن التأمل والتفهم من قول العرب : لهيت عن ذكر الشيء إذا تركته وسلوت عنه ألهي لهيا ولهيانا و ( لاهية ) نعت تقدم الاسم ومن حق النعت أن يتبع المنعوت في جميع الإعراب فإذا تقدم النعت الاسم انتصب كقوله : خاشعة أبصارهم القلم وودانية عليهم ظلالها و ( لاهية قلوبهم ) قال الشاعر : لعزة موحشا طلل يلوح كأنه خلل أراد : طلل موحش وأجاز الكسائي والفراء ( لاهية قلوبهم ) بالرفع بمعنى قلوبهم لاهية وأجاز غيرهما الرفع على أن يكون خبرا بعد خبر وعلى إضمار مبتدأ وقال الكسائي : ويجوز أن يكون المعنى إلا استمعوه لاهية قلوبهم ( وأسروا النجوى الذين ظلموا ) أي تناجوا فيما بينهم بالتكذيب ثم بين من هم فقال : ( الذين ظلموا ) أي الذين أشركوا ف الذين ظلموا ) بدل من الواو في ( أسروا ) وهو عائد على الناس المتقدم ذكرهم ولا يوقف على هذا القول على ( النجوى ) قال المبرد وهو كقولك : إن الذين في الدار انطلقوا بنو عبد الله فبنو بدل من الواو في انطلقوا وقيل : هو رفع على الذم أي هم الذين ظلموا وقيل : على حذف القول التقدير : يقول الذين ظلموا وحذف القول مثل والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم واختار هذا القول النحاس قال : والدليل على صحة هذا الجواب أن بعده ( هل هذا إلا بشر مثلكم ) وقول رابع : يكون منصوبا بمعنى أعنى الذين ظلموا وأجاز الفراء أن يكون خفضا بمعنى اقترب للناس الذين ظلموا حسابهم ولا يوقف على هذا الوجه على ( النجوى ) ويوقف على الوجوه المتقدمة الثلاثة قبله فهذه خمسة أقوال وأجاز الأخفش الرفع على لغة من قال : أكلوني البراغيث وهو حسن قال الله تعالى : ثم عموا وصموا كثير منهم وقال الشاعر : بك نال النضال دون المساعي فاهتدين النبال للأغراض وقال آخر : ولكن ديافي أبوه وأمه بحوران يعصرن السليط أقاربه وقال الكسائي : فيه تقديم وتأخير مجازه : والذين ظلموا أسروا النجوى أبو عبيدة : ( أسروا ) هنا من الأضداد فيحتمل أن يكونوا أخفوا كلامهم ويحتمل أن يكونوا أظهروه وأعلنوه قوله تعلى : ( هل هذا إلا بشر مثلكم ) أي تناجوا بينهم وقالوا : هل هذا الذكر الذي هو الرسول أو هل هذا الذي يدعوكم إلا بشر مثلكم لا يتميز عنكم بشيء يأكل الطعام ويمشي في الأسواق كما تفعلون وما علموا أن الله عز وجل بين أنه لا يجوز أن يرسل إليهم إلا بشرا ليتفهموا ويعلمهم ( أفتأتون السحر ) أي إن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم سحر فكيف تجيئون إليه وتتبعونه فأطلع الله نبيه عليه السلام على ما تناجوا به و ( السحر ) في اللغة كل مموه لا حقيقة له ولا صحة ( وأنتم تبصرون ) أنه إنسان مثلكم مثل : وأنتم تعقلون لأن العقل البصر بالأشياء وقيل : المعنى أفتقبلون السحر وأنتم تعلمون أنه سحر وقيل : المعنى أفتعدلون إلى الباطل وأنتم تعرفون الحق ومعنى الكلام التوبيخ < <
الأنبياء : ( 4 ) قال ربي يعلم . . . . . > > < > ( الانبياء 4 : 6 ) < > قوله تعالى : ( قل ربي يعلم القول في السماء والأرض ) أي لا يخفى عليه شيء مما يقال في السماء والأرض وفي مصاحف أهل الكوفة ( قال ربي ) أي قال محمد ربي يعلم القول أي هو عالم بما تناجيتم به وقيل : إن القراءة الأولى أولى لأنهم أسروا هذا القول فأظهر الله عز وجل عليه نبيه صلى الله عليه وسلم وأمره أن يقول لهم هذا قال النحاس : والقراءتان صحيحتان وهما بمنزلة الآيتين وفيهما من الفائدة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر وأنه قال كما أمر وقوله تعالى : ( بل قالوا أضغاث أحلام ) قال الزجاج : أي قالوا الذي يأتي به أضغاث أحلام وقال غيره : أي قالوا هو أخلاط كالأحلام المختلطة أي أهاويل رآها في المنام قال معناه مجاهد وقتادة ومنه قول الشاعر : كضغث حلم غر منه حالمه وقال القتبي : إنها الرؤيا الكاذبة وفيه قول الشاعر : أحاديث طسم أو سراب بفدفد ترقرق للساري وأضغاث حالم وقال اليزيدي : الأضغاث ما لم يكن له تأويل وقد مضى هذا في [ يوسف ] فلما رأوا أن الأمر ليس كما قالوا انتقلوا عن ذلك فقالوا : ( بل افتراه ) ثم انتقلوا عن ذلك فقالوا : ( بل هو شاعر ) أي هم متحيرون لا يستقرون على شيء : قالوا مرة سحر ومرة أضغاث أحلام ومرة افتراه ومرة شاعر وقيل : أي قال فريق إنه ساحر وفريق إنه أضغاث أحلام وفريق إنه افتراه وفريق إنه شاعر والافتراء الاختلاق وقد تقدم ( فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ) أي كما أرسل موسى بالعصا وغيرها من الآيات ومثل ناقة صالح وكانوا عالمين بأن القرآن ليس بسحر ولا رؤيا ولكن قالوا : ينبغي أن يأتي بآية نقترحها ولم يكن لهم الاقتراح بعد ما رأوا آية واحدة وأيضا إذا لم يؤمنوا بآية هي من جنس ما هم أعلم الناس به ولا مجال للشبهة فيها فكيف يؤمنون بآية غيرها ولو أبرأ الأكمه والأبرص لقالوا : هذا من باب الطب وليس ذلك من صناعتنا وإنما كان سؤالهم تعنتا إذ كان الله أعطاهم من الآيات ما فيه كفاية وبين الله عز وجل أنهم لو كانوا يؤمنون لأعطاهم ما سالوه لقوله عز وجل : ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون قوله تعالى : ( ما آمنت قبلهم من قرية ) قال بن عباس : يريد قوم صالح وقوم فرعون ( أهلكناها ) يريد كان في علمنا هلاكها ( أفهم يؤمنون ) يريد يصدقون أي فما آمنوا بالآيات فاستؤصلوا فلو رأى هؤلاء ما اقترحوا لما آمنوا لما سبق من القضاء بأنهم لا يؤمنون أيضا وإنما تأخر عقابهم لعلمنا بأن في أصلابهم من يؤمن و ( من ) زائدة في قوله : ( من قرية ) كقوله : فما منكم من أحد عنه حاجزين < < الأنبياء : ( 7 ) وما أرسلنا قبلك . . . . . > > < > ( الانبياء 7 : 10 ) <
> قوله تعالى : ( وما أرسلنا قبلك إلا رجالا يوحى إليهم ) هذا رد عليهم في قولهم : ( هل هذا إلا بشر مثلكم ) وتأنيس لنبيه صلى الله عليه وسلم أي لم يرسل قبلك إلا رجالا ( فاسئلوا اهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) يريد أهل التوراة والإنجيل الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم قاله سفيان وسماهم اهل الذكر لأنهم كانوا يذكرون خبر الأنبياء مما لم تعرفه العرب وكان كفار قريش يراجعون أهل الكتاب في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وقال بن زيد : أراد بالذكر القرآن أي فاسألوا المؤمنين العالمين من اهل القرأن قال جابر الجعفي : لما نزلت هذه الآية قال علي رضي الله عنه نحن أهل الذكر وقد ثبت بالتواتر أن الرسل كانوا من البشر فالمعنى لا تبدءوا بالإنكار وبقولكم ينبغي أن يكون الرسول من الملائكة بل ناظروا المؤمنين ليبينوا لكم جواز أن يكون الرسول من البشر والملك لا يسمى رجلا لأن الرجل يقع على ماله ضد من لفظه تقول : رجل وامرأة ورجل وصبي فقوله : ( إلا رجالا ) من بني آدم وقرأ حفص وحمزة والكسائي ( نوحي إليهم ) مسألة لم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها وأنهم المراد بقول الله عز وجل : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) وأجمعوا على أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره ممن يثق بميزه بالقبلة إذا أشكلت عليه فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به لا بد له من تقليد عالمه وكذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحليل والتحريم قوله تعالى : ( وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام ) الضمير في ( جعلناهم ) للأنبياء أي لم نجعل الرسل قبلك خارجين عن طباع البشر لا يحتاجون إلى طعام وشراب ( وما كانوا خالدين ) يريد لا يموتون وهذا جواب لقولهم : ما هذا إلا بشر مثلكم وقولهم : ( ما لهذا الرسول يأكل الطعام ) و ( جسدا ) اسم جنس ولهذا لم يقل أجسادا وقيل : لم يقل أجسادا لأنه أراد وما جعلنا كل واحد منهم جسدا والجسد البدن تقول منه : تجسد كما تقول من الجسم تجسم والجسد أيضا الزعفران أو نحوه من الصبغ وهو الدم أيضا قال النابغة : وما هريق على الأنصاب من جسد وقال الكلبي : والجسد هو المتجسد الذي فيه الروح يأكل ويشرب فعلى مقتضى هذا القول يكون ما لا يأكل ولا يشرب جسما وقال مجاهد : الجسد ما لا يأكل ولا يشرب فعلى مقتضى هذا القول يكون ما يأكل ويشرب نفسا ذكره الماوردي قوله تعالى : ( ثم صدقناهم الوعد ) يعني الأنبياء أي بإنجائهم ونصرهم وإهلاك مكذبيهم ( ومن نشاء ) أي الذين صدقوا الأنبياء ( وأهلكنا المسرفين ) أي المشركين قوله تعالى : ( لقد أنزلنا إليكم كتابا ) يعني القرآن ( فيه ذكركم ) رفع بالابتداء والجملة في موضع نصب لأنها نعت لكتاب والمراد بالذكر هنا الشرف أي فيه شرفكم مثل وإنه لذكر لك ولقومك ثم نبههم بالاستفهام الذي معناه التوقيف فقال عز وجل : ( أفلا تعقلون ) وقيل : فيه ذكركم أي ذكر أمر دينكم وأحكام شرعكم وما تصيرون إليه من ثواب وعقاب أفلا تعقلون هذه الأشياء التي ذكرناها وقال مجاهد : ( فيه ذكركم ) أي حديثكم وقيل : مكارم أخلاقكم ومحاسن أعمالكم وقال سهل بن عبد الله : العمل بما فيه حياتكم قلت : وهذه الأقوال بمعنى والأول يعمها إذ هي شرف كلها والكتاب شرف لنبينا عليه السلام لأنه معجزته وهو شرف لنا إن عملنا بما فيه دليله قوله عليه السلام : ( القرآن حجة لك وعليك ( < < الأنبياء : ( 11 ) وكم قصمنا من . . . . . > > < > ( الانبياء 11 : 15 ) <
> قوله تعالى : ( وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة ) يريد مدائن كانت باليمن وقال أهل التفسير والأخبار : إنه أراد أهل حضور وكان بعث إليهم نبي اسمه شعيب بن ذي مهدم وقبر شعيب هذا باليمن بجبل يقال له ضنن كثير الثلج وليس بشعيب صاحب مدين لأن قصة حضور قبل مدة عيسى عليه السلام وبعد مئين من السنين من مدة سليمان عليه السلام وأنهم قتلوا نبيهم وقتل أصحاب الرس في ذلك التاريخ نبيا لهم اسمه حنظلة بن صفوان وكانت حضور بأرض الحجاز من ناحية الشام فأوحى الله إلى أرميا أن ايت بختنصر فأعلمه أني قد سلطته على أرض العرب وأني منتقم بك منهم وأوحى الله إلى أرميا أن احمل معد بن عدنان على البراق إلى أرض العراق كي لا تصيبه النقمة والبلاء معهم فإني مستخرج من صلبه نبيا في آخر الزمان اسمه محمد فحمل معدا وهو بن اثنتى عشرة سنة فكان مع بني إسرائيل إلى أن كبر وتزوج امرأة اسمها معانة ثم إن بختنصر نهض بالجيوش وكمن للعرب في مكان وهو أول من اتخذ المكامن فيما ذكروا ثم شن الغارات على حضور فقتل وسبى وخرب العامر ولم يترك بحضور أثرا ثم انصرف راجعا إلى السواد و ( كم ) في موضع نصب ب ( قصمنا ) والقصم الكسر يقال : قصمت ظهر فلان وانقصمت سنه إذا انكسرت والمعنى به ها هنا الاهلاك وأما الفصم ( بالفاء ) فهو الصدع في الشيء من غير بينونة قال الشاعر : كأنه دملج من فضة نبه في ملعب من عذارى الحي مفصوم ومنه الحديث ( فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا ( وقوله : ( كانت ظالمة ) أي كافرة يعني أهلها والظلم وضع الشيء في غير موضعه وهم وضعوا الكفر موضع الايمان ( وأنشأنا ) أي أوجدنا وأحدثنا بعد إهلاكهم ( قوما آخرين ) ( فلما أحسوا ) أي رأوا عذابنا يقال : أحسست منه ضعفا وقال الأخفش : ( أحسوا ) خافوا وتوقعوا ( إذا هم منها يركضون ) أي يهربون ويفرون والركض العدو بشدة الوطء والركض تحريك الرجل ومنه قوله تعالى : اركض برجلك وركضت الفرس برجلي استحثثته ليعدو ثم كثر حتى قيل ركض الفرس إذا عدا وليس بالأصل والصواب ركض الفرس على ما لم يسم فاعله فهو مركوض ( لا تركضوا ) أي لا تفروا وقيل : إن الملائكة نادتهم لما انهزموا استهزاء بهم وقالت : ( لا تركضوا ) ( وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ) أي إلى نعمكم التي كانت سبب بطركم والمترف المتنعم يقال : أترف على فلان أي وسع عليه في معاشه وإنما أترفهم الله عز وجل كما قال : وأترفناهم في الحياة الدنيا ( لعلكم تسألون ) أي لعلكم تسألون شيئا من دنياكم استهزاء بهم قاله قتادة وقيل : المعنى ( لعلكم تسئلون ) عما نزل بكم من العقوبة فتخبرون به وقيل المعنى ( لعلكم تسئلون ) أن تؤمنوا كما كنتم تسألون ذلك قبل نزول البأس بكم قيل لهم ذلك استهزاء بهم قاله قتادة وقيل : المعنى ( لعلكم تسئلون ) عما نزل بكم من العقوبة فتخبرون به وقيل : المعنى ( لعلكم تسئلون ) أن تؤمنوا كما كنتم تسألون ذلك قبل نزول البأس بكم قيل لهم ذلك استهزاء وتقريعا وتوبيخا ( قالوا يا ويلنا ) لما قالت لهم الملائكة : ( لا تركضوا ) ونادت بالثارات الأنبياء ولم يروا شخصا يكلمهم عرفوا أن الله عز وجل هو الذي سلط عليهم عدوهم بقتلهم النبي الذي بعث فيهم فعند ذلك قالوا ( يا ويلنا إنا كنا ظالمين ) فاعترفوا بأنهم ظلموا حين لا ينفع الاعتراف ( فما زالت تلك دعواهم ) أي لم يزالوا يقولون : ( يا ويلنا إنا كنا ظالمين ) ( حتى جعلناهم حصيدا ) أي بالسيوف كما يحصد الزرع بالمنجل قاله مجاهد وقال الحسن : أي بالعذاب ( خامدين ) أي ميتين والخمود الهمود كخمود النار إذا طفئت فشبه خمود الحياة بخمود النار كما يقال لمن مات قد طفيء تشبيها بانطفاء النار < <
الأنبياء : ( 16 ) وما خلقنا السماء . . . . . > > < > ( الانبياء 16 : 18 ) < > قوله تعالى : ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ) أي عبثا وباطلا بل للتنبيه على أن لها خالقا قادرا يجب امتثال أمره وأنه يجازى المسيء والمحسن أي ما خلقنا السماء والأرض ليظلم بعض الناس بعضا ويكفر بعضهم ويخالف بعضهم ما أمر به ثم يموتوا ولا يجازوا ولا يؤمروا في الدنيا بحسن ولا ينهوا عن قبيح وهذا اللعب المنفي عن الحكيم ضده الحكمة قوله تعالى : ( لو أردنا أن نتخذ لهوا ) لما اعتقد قوم أن له ولدا قال : ( لو أردنا أن نتخذ لهوا ) واللهو المرأة بلغة اليمن قاله قتادة وقال عقبة بن أبي جسرة وجاء طاوس وعطاء ومجاهد يسألونه عن قوله تعالى : ( لو أردنا أن نتخذ لهوا ) فقال : اللهو الزوجة وقاله الحسن وقال بن عباس : اللهو الولد وقاله الحسن أيضا قال الجوهري : وقد يكنى باللهو عن الجماع قلت : ومنه قول امريء القيس : ألا زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت وألا يحسن اللهو أمثالي وإنما سمي الجماع لهوا لأنه ملهى للقلب كما قال : وفيهن ملهى للصديق ومنظر الجوهري : وقوله تعالى : ( لو أردنا أن نتخذ لهوا ) قالوا امرأة ويقال : ولدا ( لاتخذناه من لدنا ) أي من عندنا لا من عندكم قال بن جريج : من أهل السماء لا من أهل الأرض قيل : أراد الرد على من قال إن الأصنام بنات الله أي كيف يكون منحوتكم ولدا لنا وقال بن قتيبة : الآية رد على النصارى ( إن كنا فاعلين ) قال قتادة ومقاتل وبن جريج والحسن : المعنى ما كنا فاعلين مثل إن أنت إلا نذير أي ما أنت إلا نذير و ( إن ) بمعنى الجحد وتم الكلام عند قوله : ( لاتخذناه من لدنا ) وقيل : إنه على معنى الشرط أي إن كنا فاعلين ذلك ولكن لسنا بفاعلين ذلك لاستحالة أن يكون لنا ولد إذ لو كان ذلك لم نخلق جنة ولا نارا ولا موتا ولا بعثا ولا حسابا وقيل : لو أردنا أن نتخذ ولدا على طريق التبني لاتخذناه من عندنا من الملائكة ومال إلى هذا قوم لأن الارادة قد تتعلق بالتبني فأما اتخاذ الولد فهو محال والارادة لا تتعلق بالمستحيل ذكره القشيري قوله تعالى : ( بل نقذف بالحق على الباطل ) القذف الرمي أي نرمي بالحق على الباطل ( فيدمغه ) أي يقهره ويهلكه وأصل الدمغ شج الرأس حتى يبلغ الدماغ ومنه الدامغة والحق هنا القرآن والباطل الشيطان في قول مجاهد قال : وكل ما في القرآن من الباطل فهو الشيطان وقيل : الباطل كذبهم ووصفهم الله عز وجل بغير صفاته من الولد وغيره وقيل : أراد بالحق الحجة وبالباطل شبههم وقيل : الحق المواعظ والباطل المعاصي والمعنى متقارب والقرآن يتضمن الحجة والموعظة ( فإذا هو زاهق ) أي هالك وتالف قاله قتادة : ( ولكم الويل ) أي العذاب في الآخرة بسبب وصفكم الله بما لا يجوز وصفه وقال بن عباس : الويل واد في جهنم وقد تقدم ( مما تصفون ) أي مما تكذبون عن قتادة ومجاهد نظيره سيجزيهم وصفهم أي بكذبهم وقيل : مما تصفون الله به من المحال وهو اتخاذه سبحانه الولد < < الأنبياء : ( 19 ) وله من في . . . . . > > < > ( الانبياء 19 : 21 ) <
> قوله تعالى : ( وله من في السماوات والأرض ) أي ملكا وخلقا فكيف يجوز أن يشرك به ما هو عبده وخلقه ( ومن عنده ) يعني الملائكة الذين ذكرتم أنهم بنات الله ( لا يستكبرون ) أي لا يأنفون ( عن عبادته ) والتذلل له ( ولا يستحسرون ) أي يعيون قاله قتادة مأخوذ من الحسير وهو البعير المنقطع بالاعياء والتعب يقال : حسر البعير يحسر حسورا أعيا وكل واستحسر وتحسر مثله وحسرته أنا حسرا يتعدى ولا يتعدى وأحسرته أيضا فهو حسير وقال بن زيد : لا يملون بن عباس : لا يستنكفون وقال أبو زيد : لا يكلون وقيل : لا يفشلون ذكره بن الأعرابي والمعنى واحد ( يسبحون الليل والنهار ) أي يصلون ويذكرون الله وينزهونه دائما ( لا يفترون ) أي لا يضعفون ولا يسأمون يلهمون التسبيح والتقديس كما يلهمون النفس قال عبد الله بن الحرث سألت كعبا فقلت : أما لهم شغل عن التسبيح أما يشغلهم عنه شيء فقال : من هذا فقلت : من بني عبد المطلب فضمني إليه وقال : يا بن أخي هل يشغلك شيء عن النفس إن التسبيح لهم بمنزلة النفس وقد استدل بهذه الآية من قال : إن الملائكة أفضل من بني آدم وقد تقدم والحمد لله قوله تعالى : ( أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون ) قال المفضل : مقصود هذا الاستفهام الجحد أي لم يتخذوا آلهة تقدر على الاحياء وقيل : ( أم ) بمعنى ( هل ) أي هل اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض يحيون الموتى ولا تكون ( أم ) هنا بمعنى بل لأن ذلك يوجب لهم إنشاء الموتى إلا أن تقدر ( أم ) مع الاستفهام فتكون ( أم ) المنقطعة فيصح المعنى قاله المبرد وقيل : ( أم ) عطف على المعنى أي أفخلقنا السماء والأرض لعبا أم هذا الذي أضافوه إلينا من عندنا فيكون لهم موضع شبهة أو هل ما اتخذوه من الآلهة في الأرض يحيى الموتى فيكون موضع شبهة وقيل : ( لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون ) ثم عطف عليه بالمعاتبة وعلى هذين التأويلين تكون ( أم ) متصلة وقرأ الجمهور ( ينشرون ) بضم الياء وكسر الشين من أنشر الله الميت فنشر أي أحياه فحيي وقرأ الحسن بفتح الياء أي يحيون ولا يموتون < < الأنبياء : ( 22 ) لو كان فيهما . . . . . > > < > ( الانبياء 22 : 24 ) <
> قوله تعالى : ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) أي لو كان في السماوات والأرضين آلهة غير الله معبودون لفسدتا قال الكسائي وسيبويه : ( إلا ) بمعنى غير فلما جعلت إلا في موضع غير أعرب الاسم الذي بعدها بإعراب غير كما قال : وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان وحكى سيبويه : لو كان معنا رجل إلا زيد لهلكنا وقال الفراء : ( إلا ) هنا في موضع سوى والمعنى : لو كان فيهما آلهة سوى الله لفسد اهلها وقال غيره : اي لو كان فيهما إلهان لفسد التدبير لأن احدهما إن أراد شيئا والآخر ضده كان أحدهما عاجزا وقيل : معنى ( لفسدتا ) أي خربتا وهلك من فيهما بوقوع التنازع بالاختلاف الواقع بين الشركاء ( فسبحان الله رب العرش عما يصفون ) نزه نفسه وأمر العباد أن ينزهوه عن أن يكون له شريك أو ولد قوله تعالى : ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) قاصمة للقدرية وغيرهم قال بن جريج : المعنى لا يسأله الخلق عن قضائه في خلقه وهو يسأل الخلق عن عملهم لأنهم عبيد بين بهذا أن من يسأل غدا عن أعماله كالمسيح والملائكة لا يصلح للالهية وقيل : لا يؤاخذ على أفعاله وهم يؤاخذون وروى عن علي رضي الله عنه أن رجلا قال له يا أمير المؤمنين : أيحب ربنا أن يعصى قال : أفيعصى ربنا قهرا قال : أرأيت إن منعني الهدى ومنحني الردى أأحسن إلي أم أساء قال : إن منعك حقك فقد أساء وإن منعك فضله فهو فضله يؤتيه من يشاء ثم تلا الآية لا يسأل عما يفعل وهم يسألون وعن بن عباس قال : لما بعث الله عز وجل موسى وكلمه وأنزل عليه التوراة قال : اللهم إنك رب عظيم لو شئت أن تطاع لأطعت ولو شئت ألا تعصى ما عصيت وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تعصى فكيف هذا يا رب فأوحى الله إليه : إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون قوله تعالى : ( أم اتخذوا من دونه آلهة ) أعاد التعجب في اتخاذ الآلهة من دون الله مبالغة في التوبيخ أي صفتهم كما تقدم في الانشاء والاحياء فتكون ( أم ) بمعنى هل على ما تقدم فليأتوا بالبرهان على ذلك وقيل : الأول احتجاج من حيث المعقول لأنه قال : ( هم ينشرون ) ويحيون الموتى هيهات والثاني احتجاج بالمنقول أي هاتوا برهانكم من هذه الجهة ففي أي كتاب نزل هذا في القرآن أم في الكتب المنزلة على سائر الأنبياء ( هذا ذكر من معي ) بإخلاص التوحيد في القرآن ( وذكر من قبلي ) في التوراة والانجيل وما أنزل الله من الكتب فانظروا هل في كتاب من هذه الكتب أن الله أمر باتخاذ آلهة سواه فالشرائع لم تختلف فيما يتعلق بالتوحيد وإنما اختلفت في الأوامر والنواهي وقال قتادة : الاشارة إلى القرآن المعنى : ( هذا ذكر من معي ) بما يلزمهم من الحلال والحرام ( وذكر من قبلي ) من الأمم ممن نجا بالايمان وهلك بالشرك وقيل : ( ذكر من معي ) بما لهم من الثواب على الايمان والعقاب على الكفر ( وذكر من قبلي ) من الأمم السالفة فيما يفعل بهم في الدنيا وما يفعل بهم في الآخرة وقيل : معنى الكلام الوعيد والتهديد أي افعلوا ما شئتم فعن قريب ينكشف الغطاء وحكى أبو حاتم : إن يحيى بن يعمر وطلحة بن مصرف قرأ ( هذا ذكر من معي وذكر من قبلي ) بالتنوين وكسر الميم وزعم أنه لا وجه لهذا وقال أبو إسحاق الزجاج في هذه القراءة : المعنى هذا ذكر مما أنزل إلي ومما هو معي وذكر من قبلي وقيل : ذكر كائن من قبلي أي جئت بما جاءت به الأنبياء من قبلي ( بل أكثرهم لا يعلمون الحق ) وقرأ بن محيصن والحسن ( الحق ) بالرفع بمعنى هو الحق وهذا هو الحق وعلى هذا يوقف على ( لا يعلمون ) ولا يوقف عليه على قراءة النصب فهم معرضون أي عن الحق وهو القرآن فلا يتأملون حجة التوحيد < <
الأنبياء : ( 25 ) وما أرسلنا من . . . . . > > < > ( الانبياء 25 ) < > قوله تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه ) وقرأ حفص وحمزة والكسائي ( نوحي إليه ) بالنون لقوله : ( أرسلنا ) ( أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) أي قلنا للجميع لا إله إلا الله فأدلة العقل شاهدة أنه لا شريك له والنقل عن جميع الأنبياء موجود والدليل إما معقول وإما منقول وقال قتادة : لم يرسل نبي إلا بالتوحيد والشرائع مختلفة في التوراة والانجيل والقرآن وكل ذلك على الاخلاص والتوحيد < < الأنبياء : ( 26 ) وقالوا اتخذ الرحمن . . . . . > > < > ( الانبياء 26 : 29 ) < > قوله تعالى : ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه ) نزلت في خزاعة حيث قالوا : الملائكة بنات الله وكانوا يعبدونهم طمعا في شفاعتهم لهم وروى معمر عن قتادة قال قالت اليهود قال معمر في روايته أو طوائف من الناس : خاتن إلى الجن والملائكة من الجن فقال الله عز وجل : ( سبحانه ) تنزيها له ( بل عباد ) أي بل هم عباد ( مكرمون ) أي ليس كما زعم هؤلاء الكفار ويجوز النصب عند الزجاج على معنى بل اتخذ عبادا مكرمين وأجازه الفراء على أن يرده على ولد أي بل لم نتخذهم ولدا بل اتخذناهم عبادا مكرمين والولد ها هنا للجمع وقد يكون الواحد والجمع ولدا ويجوز أن يكون لفظ الولد للجنس كما يقال لفلان مال ( لا يسبقونه بالقول ) أي لا يقولون حتى يقول ولا يتكلمون إلا بما يأمرهم ( وهم بأمره يعملون ) أي بطاعته وأوامره ( يعلم ما بين أيديهم ) أي يعلم ما عملوا وما هم عاملون قاله بن عباس وعنه أيضا : ( ما بين أيديهم ) الآخرة ( وما خلفهم ) الدنيا ذكر الأول الثعلبي والثاني القشيري ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) قال بن عباس : هم أهل شهادة أن لا إله إلا الله وقال مجاهد : هم كل من رضى الله عنه والملائكة يشفعون غدا في الآخرة كما في صحيح مسلم وغيره وفي الدنيا أيضا فإنهم يستغفرون للمؤمنين ولمن في الأرض كما نص عليه التنزيل على ما يأتي ( وهم ) يعني الملائكة ( من خشيته ) يعني من خوفه ( مشفقون ) أي خائفون لا يأمنون مكره قوله تعالى : ( ومن يقل منهم إني إله من دونه ) قال قتادة والضحاك وغيرهما : عني بهذه الآية إبليس حيث ادعى الشركة ودعا إلى عبادة نفسه وكان من الملائكة ولم يقل أحد من الملائكة إني إله غيره وقيل : الاشارة إلى جميع الملائكة أي فذلك القائل ( نجزيه جهنم ) وهذا دليل على أنهم وإن أكرموا بالعصمة فهم متعبدون وليسوا مضطرين إلى العبادة كما ظنه بعض الجهال وقد استدل بن عباس بهذه الآية على أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل أهل السماء وقد تقدم في [ البقرة ] ( كذلك نجزي الظالمين ) أي كما جزينا هذا بالنار فكذلك نجزي الظالمين الواضعين الألوهية والعبادة في غير موضعهما < < الأنبياء : ( 30 ) أولم ير الذين . . . . . > > < > ( الانبياء 30 : 33 ) <
Pertanyaan
- Apa yang diyakini umat Islam tentang para nabi?
- Apa itu zakat, dan siapa yang wajib menunaikannya?
- Apa yang diajarkan Islam tentang makanan halal dan haram?
- Apa makna Surah Al-Fatihah?
- Apa yang diajarkan Al-Qur'an tentang kesabaran (sabar)?
- Apa yang dikatakan Al-Qur'an tentang tujuan hidup?
- Apa itu ikhlas (keikhlasan), dan mengapa penting?