Qur'an&Sunnah

İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm

حصہ V06/P306–V06/P307

ثم قال: {وعشيا وحين تظهرون} فالعشاء هو: شدة الظلام، والإظهار: قوة الضياء. فسبحان خالق هذا وهذا، فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا، كما قال: {والنهار إذا جلاها. والليل إذا يغشاها} [الشمس: 3، 4] ، وقال {والليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى} [الليل: 1، 2] ، وقال: {والضحى. والليل إذا سجى} [الضحى: 1، 2] ، والآيات في هذا كثيرة. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى: سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون" . وقال الطبراني: حدثنا مطلب بن شعيب الأزدي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث بن سعد، عن سعيد بن بشير، عن محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، عن أبيه ، عن عبد الله بن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قال حين يصبح: {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون. وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون} الآية بكمالها، أدرك ما فاته في يومه،ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته". إسناد جيد ورواه أبو داود في سننه . وقوله: {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} هو ما نحن فيه من قدرته على خلق الأشياء المتقابلة. وهذه الآيات المتتابعة الكريمة كلها من هذا النمط، فإنه يذكر فيها خلقه الأشياء وأضدادها، ليدل خلقه على كمال قدرته، فمن ذلك إخراج النبات من الحب، والحب من النبات، والبيض من الدجاج، والدجاج من البيض، والإنسان من النطفة، والنطفة من الإنسان، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. وقوله: {ويحيي الأرض بعد موتها} كقوله: {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون. وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون} [يس: 33، 34] ، وقال: {وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج. ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير. وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور} [الحج: 5 -7] ، وقال: {وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون} [الأعراف: 57] ؛ ولهذا قال هاهنا: {وكذلك تخرجون} . {ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } . يقول تعالى: {ومن آياته} الدالة على عظمته وكمال قدرته أنه خلق أباكم آدم من تراب، {ثم إذا أنتم بشر تنتشرون} ، فأصلكم من تراب، ثم من ماء مهين، ثم تصور فكان علقة، ثم مضغة، ثم صار عظاما، شكله على شكل الإنسان، ثم كسا الله تلك العظام لحما، ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو سميع بصير. ثم خرج من بطن أمه صغيرا ضعيف القوى والحركة، ثم كلما طال عمره تكاملت قواه وحركاته حتى آل به الحال إلى أن صار يبني المدائن والحصون، ويسافر في أقطار الأقاليم، ويركب متن البحور، ويدور أقطار الأرض ويتكسب ويجمع الأموال، وله فكرة وغور، ودهاء ومكر، ورأي وعلم، واتساع في أمور الدنيا والآخرة كل بحسبه. فسبحان من أقدرهم وسيرهم وسخرهم وصرفهم في فنون المعايش والمكاسب، وفاوت بينهم في العلوم والفكرة، والحسن والقبح، والغنى والفقر، والسعادة والشقاوة؛ ولهذا قال تعالى: {ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون} .

حصہ V06/P307–V06/P309

وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد وغندر، قالا حدثنا عوف، عن قسامة بن زهير ، عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب، والسهل والحزن، وبين ذلك". ورواه أبو داود والترمذي من طرق، عن عوف الأعرابي، به . وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقوله: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا} أي: خلق لكم من جنسكم إناثا يكن لكم أزواجا، {لتسكنوا إليها} ، كما قال تعالى: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها} [الأعراف: 189] يعني بذلك: حواء، خلقها الله من آدم من ضلعه الأقصر الأيسر. ولو أنه جعل بني آدم كلهم ذكورا وجعل إناثهم من جنس آخر [من غيرهم] إما من جان أو حيوان، لما حصل هذا الائتلاف بينهم وبين الأزواج، بل كانت تحصل نفرة لو كانت الأزواج من غير الجنس. ثم من تمام رحمته ببني آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم، وجعل بينهم وبينهن مودة: وهي المحبة، ورحمة: وهي الرأفة، فإن الرجل يمسك المرأة إما لمحبته لها، أو لرحمة بها، بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق، أو للألفة بينهما، وغير ذلك، {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} . {ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون } . يقول تعالى: ومن آيات قدرته العظيمة {خلق السموات والأرض} أي: خلق السموات في ارتفاعها واتساعها، وشفوف أجرامها وزهارة كواكبها ونجومها الثوابت والسيارات، والأرض في انخفاضها وكثافتها وما فيها من جبال وأودية، وبحار وقفار، وحيوان وأشجار. وقوله: {واختلاف ألسنتكم} يعني: اللغات، فهؤلاء بلغة العرب، وهؤلاء تتر لهم لغة أخرى، وهؤلاء كرج، وهؤلاء روم، وهؤلاء إفرنج، وهؤلاء بربر، وهؤلاء تكرور، وهؤلاء حبشة، وهؤلاء هنود، وهؤلاء عجم، وهؤلاء صقالبة، وهؤلاء خزر، وهؤلاء أرمن، وهؤلاء أكراد، إلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله من اختلاف لغات بني آدم، واختلاف ألوانهم وهي حلاهم، فجميع أهل الأرض -بل أهل الدنيا -منذ خلق الله آدم إلى قيام الساعة: كل له عينان وحاجبان، وأنف وجبين، وفم وخدان. وليس يشبه واحد منهم الآخر، بل لا بد أن يفارقه بشيء من السمت أو الهيئة أو الكلام، ظاهرا كان أو خفيا، يظهر عند التأمل، كل وجه منهم أسلوب بذاته وهيئة لا تشبه الأخرى. ولو توافق جماعة في صفة من جمال أو قبح ، لا بد من فارق بين كل واحد منهم وبين الآخر، {إن في ذلك لآيات للعالمين ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله} أي: ومن الآيات ما جعل لكم من صفة النوم في الليل والنهار، فيه تحصل الراحة وسكون الحركة، وذهاب الكلال والتعب، وجعل لكم الانتشار والسعي في الأسباب والأسفار في النهار، وهذا ضد النوم، {إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون} أي: يعون. قال الطبراني: حدثنا حجاج بن عمران السدوسي، حدثنا عمرو بن الحصين العقيلي، حدثنا محمد بن عبد الله بن علاثة، حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، سمعت عبد الملك بن مروان يحدث عن أبيه ، عن زيد بن ثابت، رضي الله عنه، قال: أصابني أرق من الليل، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "قل: اللهم غارت النجوم، وهدأت العيون، وأنت حي قيوم، يا حي يا قيوم، [أنم عيني و] أهدئ ليلي" فقلتها فذهب عني . {ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون } .

حصہ V06/P309–V06/P311

يقول تعالى: {ومن آياته} الدالة على عظمته أنه {يريكم البرق [خوفا وطمعا} أي:] تارة تخافون مما يحدث بعده من أمطار مزعجة، أو صواعق متلفة، وتارة ترجون وميضه وما يأتي بعده من المطر المحتاج إليه؛ ولهذا قال: {وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها} أي: بعدما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء، فلما جاءها الماء {اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج} [الحج: 5] . وفي ذلك عبرة ودلالة واضحة على المعاد وقيام الساعة؛ ولهذا قال: {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} . ثم قال: {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} كقوله: {ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه} [الحج: 65] ، وقوله: {إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا} [فاطر: 41] . وكان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، إذا اجتهد في اليمين يقول: لا والذي تقوم السماء والأرض بأمره، أي: هي قائمة ثابتة بأمره لها وتسخيره إياها، ثم إذا كان يوم القيامة بدلت الأرض غير الأرض والسموات، وخرجت الأموات من قبورها أحياء بأمره تعالى ودعائه إياهم؛ ولهذا قال: {ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون} كما قال تعالى: {يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا} [الإسراء: 52] . وقال تعالى: {فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة} [النازعات: 13، 14] ، وقال: {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون} [يس: 53] . {وله من في السموات والأرض كل له قانتون وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم } . يقول تعالى: {وله من في السموات والأرض} أي: ملكه وعبيده، {كل له قانتون} أي: خاضعون خاشعون طوعا وكرها. وفي حديث دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، مرفوعا: " كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة" . وقوله: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} قال [علي] بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني: أيسر عليه. وقال مجاهد: الإعادة أهون عليه من البداءة، والبداءة عليه هين. وكذا قال عكرمة وغيره. وقال البخاري: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، أخبرنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته. وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد" . انفرد بإخراجه البخاري كما انفرد بروايته -أيضا -من حديث عبد الرزاق عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، به . وقد رواه الإمام أحمد منفردا به عن حسن بن موسى، عن ابن لهيعة، حدثنا أبو يونس سليم بن جبير، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، أو مثله . وقال آخرون: كلاهما بالنسبة إلى القدرة على السواء. قال العوفي، عن ابن عباس: كل عليه هين. وكذا قال الربيع بن خثيم. ومال إليه ابن جرير، وذكر عليه شواهد كثيرة، قال: ويحتمل أن يعود الضمير في قوله: {وهو أهون عليه} إلى الخلق، أي: وهو أهون على الخلق. وقوله: {وله المثل الأعلى في السموات والأرض} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس كقوله: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] . وقال قتادة: مثله أنه لا إله إلا هو، ولا رب غيره، وقال مثل هذا ابن جرير. وقد أنشد بعض المفسرين عند ذكر هذه الآية لبعض أهل المعارف: إذا سكن الغدير على صفاء وجنب أن يحركه النسيم ترى فيه السماء بلا امتراء كذاك الشمس تبدو والنجوم كذاك قلوب أرباب التجلي يرى في صفوها الله العظيم {وهو العزيز} الذي لا يغالب ولا يمانع، بل قد غلب كل شيء، وقهر كل شيء بقدرته وسلطانه، {الحكيم} في أفعاله وأقواله، شرعا وقدرا.

حصہ V06/P311–V06/P313

وعن مالك في تفسيره المروي عنه، عن محمد بن المنكدر، في قوله تعالى: {وله المثل الأعلى} ، قال: لا إله إلا الله. {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين } هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين به، العابدين معه غيره، الجاعلين له شركاء وهم مع ذلك معترفون أن شركاءه من الأصنام والأنداد عبيد له، ملك له، كما كانوا في تلبيتهم يقولون: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. فقال تعالى: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم} أي: تشهدونه وتفهمونه من أنفسكم، {هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء} أي: لا يرتضي أحد منكم أن يكون عبده شريكا له في ماله، فهو وهو فيه على السواء {تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} أي: تخافون أن يقاسموكم الأموال. قال أبو مجلز: إن مملوكك لا تخاف أن يقاسمك مالك، وليس له ذاك ، كذلك الله لا شريك له. والمعنى: أن أحدكم يأنف من ذلك، فكيف تجعلون لله الأنداد من خلقه. وهذا كقوله تعالى: {ويجعلون لله ما يكرهون} [النحل: 62] أي: من البنات، حيث جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا، وجعلوها بنات الله، وقد كان أحدهم إذا بشر بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب، فهم يأنفون من البنات. وجعلوا الملائكة بنات الله، فنسبوا إليه ما لا يرتضونه لأنفسهم، فهذا أغلظ الكفر. وهكذا في هذا المقام جعلوا له شركاء من عبيده وخلقه، وأحدهم يأبى غاية الإباء ويأنف غاية الأنفة من ذلك، أن يكون عبده شريكه في ماله، يساويه فيه. ولو شاء لقاسمه عليه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. قال الطبراني: حدثنا محمود بن الفرج الأصبهاني، حدثنا إسماعيل بن عمرو البجلي، حدثنا حماد بن شعيب، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال: كان يلبي أهل الشرك: لبيك اللهم [لبيك] ، لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. فأنزل الله: {هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} . ولما كان التنبيه بهذا المثل على براءته تعالى ونزاهته بطريق الأولى والأحرى، قال: {كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون} . ثم قال تعالى مبينا أن المشركين إنما عبدوا غيره سفها من أنفسهم وجهلا {بل اتبع الذين ظلموا} أي: المشركون {أهواءهم} أي: في عبادتهم الأنداد بغير علم، {فمن يهدي من أضل الله} [أي: فلا أحد يهديهم إذا كتب الله إضلالهم] ، {وما لهم من ناصرين} أي: ليس لهم من قدرة الله منقذ ولا مجير، ولا محيد لهم عنه؛ لأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون } يقول تعالى: فسدد وجهك واستمر على الذي شرعه الله لك، من الحنيفية ملة إبراهيم، الذي هداك الله لها، وكملها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة، التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على [معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره، كما تقدم عند قوله تعالى: {وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى} [الأعراف: 172] ، وفي الحديث: "إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم". وسنذكر في الأحاديث أن الله تعالى فطر خلقه على] الإسلام، ثم طرأ على بعضهم الأديان الفاسدة كاليهودية أو النصرانية أو المجوسية .

حصہ V06/P313–V06/P314

وقوله: {لا تبديل لخلق الله} قال بعضهم: معناه لا تبدلوا خلق الله، فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها. فيكون خبرا بمعنى الطلب، كقوله تعالى: {ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: 97] ، وهذا معنى حسن صحيح. وقال آخرون: هو خبر على بابه، ومعناه: أنه تعالى ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبلة المستقيمة، لا يولد أحد إلا على ذلك، ولا تفاوت بين الناس في ذلك؛ ولهذا قال ابن عباس، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، وابن زيد في قوله: {لا تبديل لخلق الله} أي: لدين الله. وقال البخاري: قوله: {لا تبديل لخلق الله} : لدين الله، خلق الأولين: [دين الأولين] ، والدين والفطرة: الإسلام. حدثنا عبدان، أخبرنا عبد الله، أخبرنا يونس، عن الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء"؟ ثم يقول: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم} . ورواه مسلم من حديث عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، به . وأخرجاه -أيضا -من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وفي معنى هذا الحديث قد وردت أحاديث عن جماعة من الصحابة، فمنهم الأسود بن سريع التميمي. قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا يونس، عن الحسن عن الأسود بن سريع [التميمي] قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزوت معه، فأصبت ظهرا ، فقتل الناس يومئذ، حتى قتلوا الولدان. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما بال أقوام جاوزهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية؟ ". فقال رجل: يا رسول الله، أما هم أبناء المشركين؟ فقال: "ألا إنما خياركم أبناء المشركين". ثم قال: "لا تقتلوا ذرية، لا تقتلوا ذرية". وقال: "كل نسمة تولد على الفطرة، حتى يعرب عنها لسانها، فأبواها يهودانها أو ينصرانها". ورواه النسائي في كتاب السير، عن زياد بن أيوب، عن هشيم، عن يونس -وهو ابن عبيد -عن الحسن البصري، به . ومنهم جابر بن عبد الله الأنصاري، قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، عن الحسن، عن جابر عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة، حتى يعرب عنه لسانه، فإذا عبر عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا" . ومنهم عبد الله بن عباس الهاشمي، قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أولاد المشركين، فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم". أخرجاه في الصحيحين، من حديث أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعا بذلك . وقد قال أحمد أيضا: حدثنا عفان، حدثنا حماد -يعني ابن سلمة -أنبأنا عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس قال: أتى علي زمان وأنا أقول: أولاد المسلمين مع أولاد المسلمين، وأولاد المشركين مع المشركين. حتى حدثني فلان عن فلان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنهم فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين". قال: فلقيت الرجل فأخبرني. فأمسكت عن قولي . ومنهم عياض بن حمار المجاشعي، قال الإمام أحمد:

حصہ V06/P314–V06/P316

حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، حدثنا قتادة، عن مطرف، عن عياض بن حمار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم فقال في خطبته: "إن ربي، عز وجل، أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا، كل مال نحلته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، ثم إن الله، عز وجل، نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظان. ثم إن الله أمرني أن أحرق قريشا، فقلت: يا رب إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة. قال : استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وأنفق عليهم فسننفق عليك. وابعث جيشا نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك". قال: "وأهل الجنة: ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، ورجل عفيف فقير متصدق. وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبعا، لا يبتغون أهلا ولا مالا. والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه. ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك" وذكر البخيل، أو الكذاب، والشنظير: الفحاش . انفرد بإخراجه مسلم، فرواه من طرق عن قتادة، به . وقوله تعالى: {ذلك الدين القيم} أي: التمسك بالشريعة والفطرة السليمة هو الدين القويم المستقيم، {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي: فلهذا لا يعرفه أكثر الناس، فهم عنه ناكبون، كما قال تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف: 103] ، {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} الآية [الأنعام: 116] . وقوله: {منيبين إليه} قال ابن زيد، وابن جريج: أي راجعين إليه، {واتقوه} أي: خافوه وراقبوه، {وأقيموا الصلاة} وهي الطاعة العظيمة، {ولا تكونوا من المشركين} أي: بل من الموحدين المخلصين له العبادة، لا يريدون بها سواه. قال ابن جرير: [حدثنا ابن حميد] ، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن يزيد بن أبي مريم قال: مر عمر، رضي الله عنه، بمعاذ بن جبل فقال: ما قوام هذه الأمة ؟ قال معاذ: ثلاث، وهن [من] المنجيات: الإخلاص، وهي الفطرة، فطرة الله التي فطر الناس عليها، والصلاة وهي الملة، والطاعة وهي العصمة. فقال عمر: صدقت. حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة: أن عمر، رضي الله عنه، قال لمعاذ: ما قوام هذا الأمر؟ فذكره نحوه . وقوله: {من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} أي: لا تكونوا من المشركين الذين قد فرقوا دينهم أي: بدلوه وغيروه وآمنوا ببعض وكفروا ببعض. وقرأ بعضهم: "فارقوا دينهم" أي: تركوه وراء ظهورهم، وهؤلاء كاليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان، وسائر أهل الأديان الباطلة، مما عدا أهل الإسلام، كما قال تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} [الأنعام: 159] ، فأهل الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء وملل باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنهم على شيء، وهذه الأمة أيضا اختلفوا فيما بينهم على نحل كلها ضلالة إلا واحدة، وهم أهل السنة والجماعة، المتمسكون بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه، كما رواه الحاكم في مستدركه أنه سئل، عليه السلام عن الفرقة الناجية منهم، فقال: "ما أنا عليه [اليوم] وأصحابي" .

حصہ V06/P316–V06/P317

{وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } . يقول تعالى مخبرا عن الناس إنهم في حال الاضطرار يدعون الله وحده لا شريك له، وأنه إذا أسبغ عليهم النعم، إذا فريق منهم [أي] في حالة الاختبار يشركون بالله، ويعبدون معه غيره. وقوله: {ليكفروا بما آتيناهم} ، هي لام العاقبة عند بعضهم، ولام التعليل عند آخرين، ولكنها تعليل لتقييض الله لهم ذلك. ثم توعدهم بقوله: {فسوف تعلمون} ، قال بعضهم: والله لو توعدني حارس درب لخفت منه، فكيف والمتوعد هاهنا [هو] الذي يقول للشيء: كن، فيكون. ثم قال منكرا على المشركين فيما اختلقوه من عبادة الأوثان بلا دليل ولا حجة ولا برهان. {أم أنزلنا عليهم سلطانا} أي: حجة {فهو يتكلم} أي: ينطق {بما كانوا به يشركون} ؟ وهذا استفهام إنكار، أي: لم يكن [لهم] شيء من ذلك. ثم قال: {وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون} ، هذا إنكار على الإنسان من حيث هو، إلا من عصمه الله ووفقه؛ فإن الإنسان إذا أصابته نعمة بطر وقال: {ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور} [هود: 10] ، أي: يفرح في نفسه ويفخر على غيره، وإذا أصابته شدة قنط وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير بالكلية؛ قال الله: {إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات} [هود: 11] ، أي: صبروا في الضراء، وعملوا الصالحات في الرخاء، كما ثبت في الصحيح: "عجبا للمؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له" . وقوله تعالى: {أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} أي: هو المتصرف الفاعل لذلك بحكمته وعدله، فيوسع على قوم ويضيق على آخرين، {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} . {فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون } يقول تعالى آمرا بإعطاء ذي {القربى حقه} أي: من البر والصلة، {والمسكين} وهو: الذي لا شيء له ينفق عليه، أو له شيء لا يقوم بكفايته، {وابن السبيل} وهو المسافر المحتاج إلى نفقة وما يحتاج إليه في سفره، {ذلك خير للذين يريدون وجه الله} أي: النظر إليه يوم القيامة، وهو الغاية القصوى، {وأولئك هم المفلحون} أي: في الدنيا وفي الآخرة . ثم قال: {وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله} أي: من أعطى عطية يريد أن يرد الناس عليه أكثر مما أهدى لهم، فهذا لا ثواب له عند الله -بهذا فسره ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وعكرمة، ومحمد بن كعب، والشعبي -وهذا الصنيع مباح وإن كان لا ثواب فيه إلا أنه قد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، قاله الضحاك، واستدل بقوله: {ولا تمنن تستكثر} [المدثر: 6] أي: لا تعط العطاء تريد أكثر منه. وقال ابن عباس: الربا رباءان، فربا لا يصح يعني: ربا البيع؟ وربا لا بأس به، وهو هدية الرجل يريد فضلها وأضعافها. ثم تلا هذه الآية: {وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله} .

حصہ V06/P317–V06/P319

وإنما الثواب عند الله في الزكاة؛ ولهذا قال: {وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون} أي: الذين يضاعف الله لهم الثواب والجزاء، كما [جاء] في الصحيح: "وما تصدق أحد بعدل تمرة من كسب طيب إلا أخذها الرحمن بيمينه، فيربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، حتى تصير التمرة أعظم من أحد" . وقوله: {الله الذي خلقكم ثم رزقكم} أي: هو الخالق الرازق يخرج الإنسان من بطن أمه عريانا لا علم له ولا سمع ولا بصر ولا قوى، ثم يرزقه جميع ذلك بعد ذلك، والرياش واللباس والمال والأملاك والمكاسب، كما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن سلام أبي شرحبيل، عن حبة وسواء ابني خالد قالا دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلح شيئا فأعناه، فقال: "لا تيأسا من الرزق ما تهززت رؤوسكما؛ فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشرة، ثم يرزقه الله عز وجل" . وقوله: {ثم يميتكم} ، أي: بعد هذه الحياة {ثم يحييكم} أي: يوم القيامة. وقوله: {هل من شركائكم} أي: الذين تعبدونهم من دون الله. {من يفعل من ذلكم من شيء} أي: لا يقدر أحد منهم على فعل شيء من ذلك، بل الله سبحانه وتعالى هو المستقل بالخلق والرزق، والإحياء والإماتة، ثم يبعث الخلائق يوم القيامة؛ ولهذا قال بعد هذا كله: {سبحانه وتعالى عما يشركون} أي: تعالى وتقدس وتنزه وتعاظم وجل وعز عن أن يكون له شريك أو نظير أو مساو، أو ولد أو والد، بل هو الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون } {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين } . قال ابن عباس، وعكرمة، والضحاك، والسدي، وغيرهم: المراد بالبر هاهنا: الفيافي، وبالبحر: الأمصار والقرى، وفي رواية عن ابن عباس وعكرمة: البحر: الأمصار والقرى، ما كان منها على جانب نهر. وقال آخرون: بل المراد بالبر هو البر المعروف، وبالبحر: البحر المعروف. وقال زيد بن رفيع: {ظهر الفساد} يعني: انقطاع المطر عن البر يعقبه القحط، وعن البحر تعمى دوابه. رواه ابن أبي حاتم. وقال: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، عن سفيان، عن حميد بن قيس الأعرج، عن مجاهد: {ظهر الفساد في البر والبحر} ، قال: فساد البر: قتل ابن آدم، وفساد البحر: أخذ السفينة غصبا. وقال عطاء الخراساني: المراد بالبر: ما فيه من المدائن والقرى، وبالبحر: جزائره. والقول الأول أظهر، وعليه الأكثر، ويؤيده ما ذكره محمد بن إسحاق في السيرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم صالح ملك أيلة، وكتب إليه ببحره، يعني: ببلده. ومعنى قوله تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس} أي: بان النقص في الثمار والزروع بسبب المعاصي. وقال أبو العالية: من عصى الله في الأرض فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة؛ ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود: "لحد يقام في الأرض أحب إلى أهلها من أن يمطروا أربعين صباحا" . والسبب في هذا أن الحدود إذا أقيمت، انكف الناس -أو أكثرهم، أو كثير منهم -عن تعاطي المحرمات، وإذا ارتكبت المعاصي كان سببا في محاق البركات من السماء والأرض؛ ولهذا إذا نزل عيسى [ابن مريم] عليه السلام، في آخر الزمان فحكم بهذه الشريعة المطهرة في ذلك الوقت، من قتل الخنزير وكسر الصليب ووضع الجزية، وهو تركها -فلا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فإذا أهلك الله في زمانه الدجال وأتباعه ويأجوج ومأجوج، قيل للأرض: أخرجي بركاتك. فيأكل من الرمانة الفئام من الناس، ويستظلون بقحفها، ويكفي لبن اللقحة الجماعة من الناس. وما ذاك إلا ببركة تنفيذ شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلما أقيم العدل كثرت البركات والخير؛ [ولهذا] ثبت في الصحيح: "إن الفاجر إذا مات تستريح منه العباد والبلاد، والشجر والدواب" .

حصہ V06/P319–V06/P321

ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا محمد والحسين قالا حدثنا عوف، عن أبي قحذم قال : وجد رجل في زمان زياد -أو: ابن زياد -صرة فيها حب، يعني من بر أمثال النوى، عليه مكتوب: هذا نبت في زمان كان يعمل فيه بالعدل . وروى مالك، عن زيد بن أسلم: أن المراد بالفساد هاهنا الشرك. وفيه نظر. وقوله: {ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} أي: يبتليهم بنقص الأموال والأنفس والثمرات، اختبارا منه، ومجازاة على صنيعهم، {لعلهم يرجعون} أي: عن المعاصي، كما قال تعالى: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون} [الأعراف: 168] . ثم قال تعالى: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل} أي: من قبلكم، {كان أكثرهم مشركين} أي: فانظروا ماذا حل بهم من تكذيب الرسل وكفر النعم. {فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين } . يقول تعالى آمرا عباده بالمبادرة إلى الاستقامة في طاعته، والمبادرة إلى الخيرات: {فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله} أي: يوم القيامة، إذا أراد كونه فلا راد له، {يومئذ يصدعون} أي: يتفرقون، ففريق في الجنة وفريق في السعير؛ ولهذا قال: {من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله} أي: يجازيهم مجازاة الفضل: الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى ما يشاء الله، {إنه لا يحب الكافرين} ، ومع هذا هو العادل فيهم، الذي لا يجور. {ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين } . يذكر تعالى نعمه على خلقه، في إرساله الرياح مبشرات بين يدي رحمته، بمجيء الغيث عقيبها؛ ولهذا قال: {وليذيقكم من رحمته} أي: المطر الذي ينزله فيحيي به العباد والبلاد، {ولتجري الفلك بأمره} أي: في البحر، وإنما سيرها بالريح، {ولتبتغوا من فضله} أي: في التجارات والمعايش، والسير من إقليم إلى إقليم، وقطر إلى قطر، {ولعلكم تشكرون} أي: تشكرون الله على ما أنعم به عليكم من النعم الظاهرة والباطنة، التي لا تعد ولا تحصى. ثم قال: {ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا} هذه تسلية من الله لعبده ورسوله محمد، صلوات الله وسلامه عليه ، بأنه وإن كذبه كثير من قومه ومن الناس، فقد كذبت الرسل المتقدمون مع ما جاءوا أممهم به من الدلائل الواضحات، ولكن الله انتقم ممن كذبهم وخالفهم، وأنجى المؤمنين بهم، {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} ، هو حق أوجبه على نفسه الكريمة، تكرما وتفضلا كقوله تعالى: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} [الأنعام: 54] . قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا موسى بن أعين، عن ليث، عن شهر بن حوشب ، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من امرئ مسلم يرد عن عرض أخيه، إلا كان حقا على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة". ثم تلا هذه الآية: {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} . {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير } {ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون } .

حصہ V06/P321–V06/P322

يبين تعالى كيف يخلق السحاب التي ينزل منها الماء فقال: {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا} ، إما من البحر على ما ذكره غير واحد، أو مما يشاء الله عز وجل. {فيبسطه في السماء كيف يشاء} أي: يمده فيكثره وينميه، ويجعل من القليل كثيرا، ينشئ سحابة فترى في رأي العين مثل الترس، ثم يبسطها حتى تملأ أرجاء الأفق. وتارة يأتي السحاب من نحو البحر ثقالا مملوءة ماء، كما قال تعالى: {وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون} [الأعراف: 57] ، وكذلك قال هاهنا: {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا} . قال مجاهد، وأبو عمرو بن العلاء، ومطر الوراق، وقتادة: يعني قطعا. وقال غيره: متراكما، قاله الضحاك. وقال غيره: أسود من كثرة الماء، تراه مدلهما ثقيلا قريبا من الأرض. وقوله {فترى الودق يخرج من خلاله} أي: فترى المطر -وهو القطر -يخرج من بين ذلك السحاب، {فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون} أي: لحاجتهم إليه يفرحون بنزوله عليهم ووصوله إليهم. وقوله: {وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين} ، معنى الكلام: أن هؤلاء القوم الذين أصابهم هذا المطر كانوا قنطين أزلين من نزول المطر إليهم قبل ذلك، فلما جاءهم، جاءهم على فاقة، فوقع منهم موقعا عظيما. وقد اختلف النحاة في قوله: {من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين} ، فقال ابن جرير: هو تأكيد. وحكاه عن بعض أهل العربية. وقال آخرون: [وإن كانوا] من قبل أن ينزل عليهم المطر، {من قبله} أي: الإنزال {لمبلسين} . ويحتمل أن يكون ذلك من دلالة التأسيس، ويكون معنى الكلام: أنهم كانوا محتاجين إليه قبل نزوله، ومن قبله -أيضا -قد فات عندهم نزوله وقتا بعد وقت، فترقبوه في إبانه فتأخر، فمضت مدة فترقبوه فتأخر، ثم جاءهم بغتة بعد الإياس منه والقنوط، فبعد ما كانت أرضهم مقشعرة هامدة أصبحت وقد اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج؛ ولهذا قال: {فانظر إلى آثار رحمة الله} يعني: المطر {كيف يحيي الأرض بعد موتها} . ثم نبه بذلك على إحياء الأجساد بعد موتها وتفرقها وتمزقها، فقال: {إن ذلك لمحيي الموتى} أي: إن الذي فعل ذلك لقادر على إحياء الأموات، {إنه على كل شيء قدير} . ثم قال تعالى: {ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون} ، يقول {ولئن أرسلنا ريحا} يابسة على الزرع الذي زرعوه، ونبت وشب واستوى على سوقه، فرأوه مصفرا، أي: قد اصفر وشرع في الفساد، لظلوا من بعده، أي: بعد هذا الحال يكفرون، أي: يجحدون ما تقدم [إليهم] من النعم، كما قال: {أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون. لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون. إنا لمغرمون بل نحن محرومون} [الواقعة: 63 -67] . قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، حدثنا هشيم ، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه عن عبد الله بن عمرو، قال: الرياح ثمانية، أربعة منها رحمة، وأربعة عذاب، فأما الرحمة فالناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات. وأما العذاب فالعقيم والصرصر، وهما في البر، والعاصف والقاصف، وهما في البحر [فإذا شاء سبحانه وتعالى حركه بحركة الرحمة فجعله رخاء ورحمة وبشرى بين يدي رحمته، ولاقحا للسحاب تلقحه بحمله الماء، كما يلقح الذكر الأنثى بالحمل، وإن شاء حركه بحركة العذاب فجعله عقيما، وأودعه عذابا أليما، وجعله نقمة على من يشاء من عباده، فيجعله صرصرا وعاتيا ومفسدا لما يمر عليه، والرياح مختلفة في مهابها: صبا ودبور، وجنوب، وشمال، وفي منفعتها وتأثيرها أعظم اختلاف، فريح لينة رطبة تغذي النبات وأبدان الحيوان، وأخرى تجففه، وأخرى تهلكه وتعطبه، وأخرى تسيره وتصلبه، وأخرى توهنه وتضعفه] .

حصہ V06/P322–V06/P324

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا عبد الله بن عياش ، حدثني عبد الله بن سليمان، عن دراج، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الريح مسخرة من الثانية -يعني الأرض الثانية -فلما أراد الله أن يهلك عادا، أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحا تهلك عادا، فقال: يا رب، أرسل عليهم من الريح قدر منخر الثور. قال له الجبار تبارك وتعالى: لا إذا تكفأ الأرض وما عليها، ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم"، فهي التي قال الله في كتابه: {ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم} [الذرايات: 42] . هذا حديث غريب، ورفعه منكر. والأظهر أنه من كلام عبد الله بن عمرو، رضي الله عنه. {فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون } . يقول تعالى: كما أنك ليس في قدرتك أن تسمع الأموات في أجداثها، ولا تبلغ كلامك الصم الذين لا يسمعون، وهم مع ذلك مدبرون عنك، كذلك لا تقدر على هداية العميان عن الحق، وردهم عن ضلالتهم، بل ذلك إلى الله تعالى، فإنه بقدرته يسمع الأموات أصوات الأحياء إذا شاء، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وليس ذلك لأحد سواه؛ ولهذا قال: {إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون} أي: خاضعون مستجيبون مطيعون، فأولئك هم الذين يستمعون الحق ويتبعونه، وهذا حال المؤمنين، والأول مثل الكافرين، كما قال تعالى: {إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون} [الأنعام: 36] . وقد استدلت أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، بهذه الآية: {إنك لا تسمع الموتى} ، على توهيم عبد الله بن عمر في روايته مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم القتلى الذين ألقوا في قليب بدر ، بعد ثلاثة أيام، ومعاتبته إياهم وتقريعه لهم، حتى قال له عمر: يا رسول الله، ما تخاطب من قوم قد جيفوا؟ فقال: "والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون". وتأولته عائشة على أنه قال: "إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق" . وقال قتادة: أحياهم الله له حتى سمعوا مقالته تقريعا وتوبيخا ونقمة. والصحيح عند العلماء رواية ابن عمر، لما لها من الشواهد على صحتها من وجوه كثيرة، من أشهر ذلك ما رواه ابن عبد البر مصححا [له] ، عن ابن عباس مرفوعا: "ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم، كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه، إلا رد الله عليه روحه، حتى يرد عليه السلام" . [وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له، إذا انصرفوا عنه، وقد شرع النبي صلى الله عليه وسلم لأمته إذا سلموا على أهل القبور أن يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه فيقول المسلم: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل، ولولا هذا الخطاب لكانوا بمنزلة خطاب المعدوم والجماد، والسلف مجمعون على هذا، وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف بزيارة الحي له ويستبشر، فروى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده، إلا استأنس به ورد عليه حتى يقوم". وروي عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: إذا مر رجل بقبر يعرفه فسلم عليه، رد عليه السلام.

حصہ V06/P324–V06/P325

وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن رجل من آل عاصم الجحدري قال: رأيت عاصما الجحدري في منامي بعد موته بسنتين، فقلت: أليس قد مت؟ قال: بلى، قلت: فأين أنت؟ قال: أنا -والله -في روضة من رياض الجنة، أنا ونفر من أصحابي نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى بكر بن عبد الله المزني، فنتلقى أخباركم. قال: قلت: أجسامكم أم أرواحكم؟ قال: هيهات! قد بليت الأجسام، وإنما تتلاقى الأرواح، قال: قلت: فهل تعلمون بزيارتنا إياكم؟ قال: نعلم بها عشية الجمعة ويوم الجمعة كله ويوم السبت إلى طلوع الشمس، قال: قلت: فكيف ذلك دون الأيام كلها؟ قال: لفضل يوم الجمعة وعظمته. قال: وحدثنا محمد بن الحسين، ثنا بكر بن محمد، ثنا حسن القصاب قال: كنت أغدو مع محمد بن واسع في كل غداة سبت حتى نأتي أهل الجبان، فنقف على القبور فنسلم عليهم، وندعو لهم ثم ننصرف، فقلت ذات يوم: لو صيرت هذا اليوم يوم الاثنين؟ قال: بلغني أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويوما قبلها ويوما بعدها. قال: ثنا محمد، ثنا عبد العزيز بن أبان قال: ثنا سفيان الثوري قال: بلغني عن الضحاك أنه قال: من زار قبرا يوم السبت قبل طلوع الشمس علم الميت بزيارته، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: لمكان يوم الجمعة. حدثنا خالد بن خداش، ثنا جعفر بن سليمان، عن أبي التياح يقول: كان مطرف يغدو، فإذا كان يوم الجمعة أدلج. قال: وسمعت أبا التياح يقول: بلغنا أنه كان ينزل بغوطة، فأقبل ليلة حتى إذا كان عند المقابر يقوم وهو على فرسه، فرأى أهل القبور كل صاحب قبر جالسا على قبره، فقالوا: هذا مطرف يأتي الجمعة ويصلون عندكم يوم الجمعة؟ قالوا: نعم، ونعلم ما يقول فيه الطير. قلت: وما يقولون؟ قال: يقولون سلام عليكم؛ حدثني محمد بن الحسن، ثنا يحيى بن أبي بكر، ثنا الفضل بن الموفق ابن خال سفيان بن عيينة قال: لما مات أبي جزعت عليه جزعا شديدا، فكنت آتي قبره في كل يوم، ثم قصرت عن ذلك ما شاء الله، ثم إني أتيته يوما، فبينا أنا جالس عند القبر غلبتني عيناي فنمت، فرأيت كأن قبر أبي قد انفرج، وكأنه قاعد في قبره متوشح أكفانه، عليه سحنة الموتى، قال: فكأني بكيت لما رأيته. قال: يا بني، ما أبطأ بك عني؟ قلت: وإنك لتعلم بمجيئي؟ قال: ما جئت مرة إلا علمتها، وقد كنت تأتيني فأسر بك ويسر من حولي بدعائك، قال: فكنت آتيه بعد ذلك كثيرا. حدثني محمد، حدثنا يحيى بن بسطام، ثنا عثمان بن سويد الطفاوي قال: وكانت أمه من العابدات، وكان يقال لها: راهبة، قال: لما احتضرت رفعت رأسها إلى السماء فقالت: يا ذخري وذخيرتي من عليه اعتمادي في حياتي وبعد موتي، لا تخذلني عند الموت ولا توحشني. قال: فماتت. فكنت آتيها في كل جمعة فأدعو لها وأستغفر لها ولأهل القبور، فرأيتها ذات يوم في منامي، فقلت لها: يا أمي، كيف أنت؟ قالت: أي: بني، إن للموت لكربة شديدة، وإني بحمد الله لفي برزخ محمود يفرش فيه الريحان، ونتوسد السندس والإستبرق إلى يوم النشور، فقلت لها: ألك حاجة؟ قالت: نعم، قلت: وما هي؟ قالت: لا تدع ما كنت تصنع من زياراتنا والدعاء لنا، فإني لأبشر بمجيئك يوم الجمعة إذا أقبلت من أهلك، يقال لي: يا راهبة، هذا ابنك، قد أقبل، فأسر ويسر بذلك من حولي من الأموات.

حصہ V06/P325–V06/P326

حدثني محمد، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن سليمان، حدثنا بشر بن منصور قال: لما كان زمن الطاعون كان رجل يختلف إلى الجبان، فيشهد الصلاة على الجنائز، فإذا أمسى وقف على المقابر فقال: آنس الله وحشتكم، ورحم غربتكم، وتجاوز عن مسيئكم، وقبل حسناتكم، لا يزيد على هؤلاء الكلمات، قال: فأمسيت ذات ليلة وانصرفت إلى أهلي ولم آت المقابر فأدعو كما كنت أدعو، قال: فبينا أنا نائم إذا بخلق قد جاءوني، فقلت: ما أنتم وما حاجتكم؟ قالوا: نحن أهل المقابر، قلت: ما حاجتكم؟ قالوا: إنك عودتنا منك هدية عند انصرافك إلى أهلك، قلت: وما هي؟ قالوا: الدعوات التي كنت تدعو بها، قال: قلت فإني أعود لذلك، قال: فما تركتها بعد. وأبلغ من ذلك أن الميت يعلم بعمل الحي من أقاربه وإخوانه. قال عبد الله بن المبارك: حدثني ثور بن يزيد، عن إبراهيم، عن أيوب قال: تعرض أعمال الأحياء على الموتى، فإذا رأوا حسنا فرحوا واستبشروا وإن رأوا سوءا قالوا: اللهم راجع به. وذكر ابن أبي الدنيا عن أحمد بن أبي الحوارى قال: ثنا محمد أخي قال: دخل عباد بن عباد على إبراهيم بن صالح وهو على فلسطين فقال: عظني، قال: بم أعظك، أصلحك الله؟ بلغني أن أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم من الموتى، فانظر ما يعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم من عملك، فبكى إبراهيم حتى أخضل لحيته. قال ابن أبي الدنيا: وحدثني محمد بن الحسين، ثنا خالد بن عمرو الأموي، ثنا صدقة بن سليمان الجعفري قال: كانت لي شرة سمجة، فمات أبي فتبت وندمت على ما فرطت، ثم زللت أيما زلة، فرأيت أبي في المنام، فقال: أي بني، ما كان أشد فرحي بك وأعمالك تعرض علينا، فنشبهها بأعمال الصالحين، فلما كانت هذه المرة استحييت لذلك حياء شديدا، فلا تخزني فيمن حولي من الأموات، قال: فكنت أسمعه بعد ذلك يقول في دعائه في السحر، وكان جارا لي بالكوفة: أسألك إيابة لا رجعة فيها ولا حور، يا مصلح الصالحين، ويا هادي المضلين، ويا أرحم الراحمين. وهذا باب فيه آثار كثيرة عن الصحابة. وكان بعض الأنصار من أقارب عبد الله بن رواحة يقول: اللهم إني أعوذ بك من عمل أخزى به عند عبد الله بن رواحة، كان يقول ذلك بعد أن استشهد عبد الله. وقد شرع السلام على الموتى، والسلام على من لم يشعر ولا يعلم بالمسلم محال، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أمته إذا رأوا القبور أن يقولوا: "سلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية"، فهذا السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويعقل ويرد، وإن لم يسمع المسلم الرد، والله أعلم] . {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير } . ينبه تعالى على تنقل الإنسان في أطوار الخلق حالا بعد حال، فأصله من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم يصير عظاما ثم يكسى لحما، وينفخ فيه الروح، ثم يخرج من بطن أمه ضعيفا نحيفا واهن القوى. ثم يشب قليلا قليلا حتى يكون صغيرا، ثم حدثا، ثم مراهقا، ثم شابا. وهو القوة بعد الضعف، ثم يشرع في النقص فيكتهل ، ثم يشيخ ثم يهرم، وهو الضعف بعد القوة. فتضعف الهمة والحركة والبطش، وتشيب اللمة، وتتغير الصفات الظاهرة والباطنة؛ ولهذا قال: {ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء} أي: يفعل ما يشاء ويتصرف في عبيده بما يريد، {وهو العليم القدير} .

حصہ V06/P326–V06/P328

قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن فضيل ويزيد، حدثنا فضيل بن مرزوق ، عن عطية العوفي، قال: قرأت على ابن عمر: {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا} ، فقال: {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا} ، ثم قال: قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قرأت علي، فأخذ علي كما أخذت عليك. ورواه أبو داود والترمذي -وحسنه -من حديث فضيل، به . ورواه أبو داود من حديث عبد الله بن جابر، عن عطية، عن أبي سعيد، بنحوه . {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون } يخبر تعالى عن جهل الكفار في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا فعلوا ما فعلوا من عبادة الأوثان، وفي الآخرة يكون منهم جهل عظيم أيضا، فمنه إقسامهم بالله أنهم ما لبثوا في الدنيا إلا ساعة واحدة، ومقصودهم هم بذلك عدم قيام الحجة عليهم، وأنهم لم ينظروا حتى يعذر إليهم. قال الله تعالى: {كذلك كانوا يؤفكون. وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث} أي: فيرد عليهم المؤمنون العلماء في الآخرة، كما أقاموا عليهم حجة الله في الدنيا، فيقولون لهم حين يحلفون ما لبثوا غير ساعة: {لقد لبثتم في كتاب الله} أي: في كتاب الأعمال، {إلى يوم البعث} أي: من يوم خلقتم إلى أن بعثتم، {ولكنكم كنتم لا تعلمون} . قال الله تعالى: {فيومئذ} أي: يوم القيامة، {لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم} أي: [لا ينفعهم] اعتذارهم عما فعلوا، {ولا هم يستعتبون} أي: ولا هم يرجعون إلى الدنيا، كما قال تعالى: {وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين} [فصلت: 24] . {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون } يقول تعالى: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} أي: قد بينا لهم الحق، ووضحناه لهم، وضربنا لهم فيه الأمثال ليتبينوا الحق ويتبعوه. {ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون} أي: لو رأوا أي آية كانت، سواء كانت باقتراحهم أو غيره، لا يؤمنون بها، ويعتقدون أنها سحر وباطل، كما قالوا في انشقاق القمر ونحوه، كما قال [الله] تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون. ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96، 97] ؛ ولهذا قال هاهنا: {كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون. فاصبر إن وعد الله حق} أي: اصبر على مخالفتهم وعنادهم، فإن الله تعالى منجز لك ما وعدك من نصره إياك، وجعله العاقبة لك ولمن اتبعك في الدنيا والآخرة، {ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} أي: بل اثبت على ما بعثك الله به، فإنه الحق الذي لا مرية فيه، ولا تعدل عنه وليس فيما سواه هدى يتبع، بل الحق كله منحصر فيه. قال سعيد عن قتادة: نادى رجل من الخوارج عليا، رضي الله عنه، وهو في الصلاة -صلاة الغداة -فقال: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} [الزمر: 65] ، فأنصت له علي حتى فهم ما قال، فأجابه وهو في الصلاة: {فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} . رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. وقد رواه ابن جرير من وجه آخر فقال:

حصہ V06/P328–V06/P330

حدثنا ابن وكيع، حدثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن عثمان بن أبي زرعة، عن علي بن ربيعة قال: نادى رجل من الخوارج عليا وهو في صلاة الفجر، فقال: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} ، فأجابه علي وهو في الصلاة: {فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} . طريق أخرى: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شريك، عن عمران بن ظبيان، عن أبي تحيا قال: صلى علي رضي الله عنه، صلاة الفجر، فناداه رجل من الخوارج: {لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} ، فأجابه علي ، وهو في الصلاة: {فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} . [ما روي في فضل هذه السورة الشريفة، واستحباب قراءتها في الفجر] : قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عبد الملك بن عمير، سمعت شبيب -أبا روح -يحدث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الصبح، فقرأ فيها الروم فأوهم، فقال: "إنه يلبس علينا القرآن، فإن أقواما منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء" . وهذا إسناد حسن ومتن حسن وفيه سر عجيب، ونبأ غريب، وهو أنه، عليه السلام تأثر بنقصان وضوء من ائتم به، فدل ذلك أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام. [آخر تفسير سورة "الروم"] . _ تفسير سورة لقمان وهي مكية. بسم الله الرحمن الرحيم {ألم تلك آيات الكتاب الحكيم هدى ورحمة للمحسنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون } . تقدم في أول سورة "البقرة" عامة الكلام على ما يتعلق بصدر هذه السورة، وهو أنه تعالى جعل هذا القرآن هدى وشفاء ورحمة للمحسنين، وهم الذين أحسنوا العمل في اتباع الشريعة، فأقاموا الصلاة المفروضة بحدودها وأوقاتها، وما يتبعها من نوافل راتبة وغير راتبة، وآتوا الزكاة المفروضة عليهم إلى مستحقيها، ووصلوا قراباتهم وأرحامهم، وأيقنوا بالجزاء في الدار الآخرة، فرغبوا إلى الله في ثواب ذلك، لم يراؤوا به ولا أرادوا جزاء من الناس ولا شكورا، فمن فعل ذلك كذلك فهو من الذين قال الله تعالى: {أولئك على هدى من ربهم} أي: على بصيرة وبينة ومنهج واضح وجلي، {وأولئك هم المفلحون} أي: في الدنيا والآخرة. {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم } . لما ذكر تعالى حال السعداء، وهم الذين يهتدون بكتاب الله وينتفعون بسماعه، كما قال [الله] تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد} [الزمر: 23] ، عطف بذكر حال الأشقياء، الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله، وأقبلوا على استماع المزامير والغناء بالألحان وآلات الطرب، كما قال ابن مسعود في قوله تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} قال: هو -والله- الغناء. قال ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يزيد بن يونس، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء البكري، أنه سمع عبد الله بن مسعود -وهو يسأل عن هذه الآية: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله} -فقال عبد الله: الغناء، والله الذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات . حدثنا عمرو بن علي، حدثنا صفوان بن عيسى، أخبرنا حميد الخراط، عن عمار، عن سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء: أنه سأل ابن مسعود عن قول الله: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} قال: الغناء .

حصہ V06/P330–V06/P331

وكذا قال ابن عباس، وجابر، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومكحول، وعمرو بن شعيب، وعلي بن بذيمة. وقال الحسن البصري: أنزلت هذه الآية: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم} في الغناء والمزامير. وقال قتادة: قوله: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم} : والله لعله لا ينفق فيه مالا ولكن شراؤه استحبابه، بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق، وما يضر على ما ينفع. وقيل: عنى بقوله: {يشتري لهو الحديث} : اشتراء المغنيات من الجواري. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي: حدثنا وكيع، عن خلاد الصفار، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن، وأكل أثمانهن حرام، وفيهن أنزل الله عز وجل علي: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} . وهكذا رواه الترمذي وابن جرير، من حديث عبيد الله بن زحر بنحوه ، ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب. وضعف علي بن يزيد المذكور. قلت: علي، وشيخه، والراوي عنه، كلهم ضعفاء. والله أعلم. وقال الضحاك في قوله تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} يعني: الشرك. وبه قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ واختار ابن جرير أنه كل كلام يصد عن آيات الله واتباع سبيله. وقوله: {ليضل عن سبيل الله} أي: إنما يصنع هذا للتخالف للإسلام وأهله. وعلى قراءة فتح الياء، تكون اللام لام العاقبة، أو تعليلا للأمر القدري، أي: قيضوا لذلك ليكونوا كذلك. وقوله: {ويتخذها هزوا} قال مجاهد: ويتخذ سبيل الله هزوا، يستهزئ بها. وقال قتادة: يعني: ويتخذ آيات الله هزوا. وقول مجاهد أولى. وقوله تعالى: {أولئك لهم عذاب مهين} أي: كما استهانوا بآيات الله وسبيله، أهينوا يوم القيامة في العذاب الدائم المستمر. ثم قال تعالى: {وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا} أي: هذا المقبل على اللهو واللعب والطرب، إذا تليت عليه الآيات القرآنية، ولى عنها وأعرض وأدبر وتصام وما به من صمم، كأنه ما يسمعها؛ لأنه يتأذى بسماعها، إذ لا انتفاع له بها، ولا أرب له فيها، {فبشره بعذاب أليم} أي: يوم القيامة يؤلمه، كما تألم بسماع كتاب الله وآياته. {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم } . هذا ذكر مآل الأبرار من السعداء في الدار الآخرة، الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، وعملوا الأعمال الصالحة المتابعة لشريعة الله {لهم جنات النعيم} أي: يتنعمون فيها بأنواع الملاذ والمسار، من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن، والمراكب والنساء، والنضرة والسماع الذي لم يخطر ببال أحد، وهم في ذلك مقيمون دائما فيها، لا يظعنون، ولا يبغون عنها حولا. وقوله: {وعد الله حقا} أي: هذا كائن لا محالة؛ لأنه من وعد الله، والله لا يخلف الميعاد؛ لأنه الكريم المنان، الفعال لما يشاء، القادر على كل شيء، {وهو العزيز} ،الذي قد قهر كل شيء، ودان له كل شيء، {الحكيم} ،في أقواله وأفعاله، الذي جعل القرآن هدى للمؤمنين {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى} [فصلت: 44] ، {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} [الإسراء: 82] . {خلق السموات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين } . يبين سبحانه بهذا قدرته العظيمة على خلق السموات والأرض، وما فيهما وما بينهما، فقال: {خلق السموات بغير عمد} ، قال الحسن وقتادة: ليس لها عمد مرئية ولا غير مرئية. وقال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد: لها عمد لا ترونها. وقد تقدم تقرير هذه المسألة في أول سورة "الرعد" بما أغنى عن إعادته.

حصہ V06/P331–V06/P333

{وألقى في الأرض رواسي} يعني: الجبال أرست الأرض وثقلتها لئلا تضطرب بأهلها على وجه الماء؛ ولهذا قال: {أن تميد بكم} أي: لئلا تميد بكم. وقوله: {وبث فيها من كل دابة} أي: وذرأ فيها من أصناف الحيوانات مما لا يعلم عدد أشكالها وألوانها إلا الذي خلقها. ولما قرر أنه الخالق نبه على أنه الرازق بقوله تعالى {وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم} أي: من كل زوج من النبات كريم، أي: حسن المنظر. وقال الشعبي: والناس -أيضا -من نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم. وقوله: {هذا خلق الله} أي: هذا الذي ذكره تعالى من خلق السموات، والأرض وما بينهما، صادر عن فعل الله وخلقه وتقديره، وحده لا شريك له في ذلك؛ ولهذا قال: {فأروني ماذا خلق الذين من دونه} أي: مما تعبدون وتدعون من الأصنام والأنداد، {بل الظالمون} يعني: المشركين بالله العابدين معه غيره {في ضلال} أي: جهل وعمى، {مبين} أي: واضح ظاهر لا خفاء به. {ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد } . اختلف السلف في لقمان، عليه السلام: هل كان نبيا، أو عبدا صالحا من غير نبوة؟ على قولين، الأكثرون على الثاني. وقال سفيان الثوري، عن الأشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان لقمان عبدا حبشيا نجارا. وقال قتادة، عن عبد الله بن الزبير، قلت لجابر بن عبد الله: ما انتهى إليكم من شأن لقمان؟ قال: كان قصيرا أفطس من النوبة. وقال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب قال: كان لقمان من سودان مصر، ذا مشافر، أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة. وقال الأوزاعي: رحمه الله، حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء رجل أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله، فقال له سعيد بن المسيب: لا تحزن من أجل أنك أسود، فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان: بلال، ومهجع مولى عمر بن الخطاب، ولقمان الحكيم، كان أسود نوبيا ذا مشافر . وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن أبي الأشهب ، عن خالد الربعي قال: كان لقمان عبدا حبشيا نجارا، فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة. فذبحها، فقال: أخرج أطيب مضغتين فيها. فأخرج اللسان والقلب، فمكث ما شاء الله ثم قال: اذبح لنا هذه الشاة. فذبحها، فقال: أخرج أخبث مضغتين فيها. فأخرج اللسان والقلب، فقال له مولاه: أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فيها فأخرجتهما، وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها فأخرجتهما. فقال لقمان: إنه ليس من شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا . وقال شعبة، عن الحكم، عن مجاهد: كان لقمان عبدا صالحا، ولم يكن نبيا. وقال الأعمش: قال مجاهد: كان لقمان عبدا أسود عظيم الشفتين، مشقق القدمين. وقال حكام بن سلم، عن سعيد الزبيدي، عن مجاهد: كان لقمان الحكيم عبدا حبشيا غليظ الشفتين، مصفح القدمين، قاضيا على بني إسرائيل. وذكر غيره: أنه كان قاضيا على بني إسرائيل في زمن داود، عليه السلام. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا الحكم، حدثنا عمرو بن قيس قال: كان لقمان، عليه السلام، عبدا أسود غليظ الشفتين، مصفح القدمين، فأتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدثهم، فقال له: ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا، قال: نعم. فقال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد عن جابر قال: إن الله رفع لقمان الحكيم بحكمته، فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك، فقال له: ألست عبد بني فلان الذي كنت ترعى بالأمس؟ قال: بلى. قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: قدر الله، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وتركي ما لا يعنيني.

حصہ V06/P333–V06/P334

فهذه الآثار منها ما هو مصرح فيه بنفي كونه نبيا، ومنها ما هو مشعر بذلك؛ لأن كونه عبدا قد مسه الرق ينافي كونه نبيا؛ لأن الرسل كانت تبعث في أحساب قومها؛ ولهذا كان جمهور السلف على أنه لم يكن نبيا، وإنما ينقل كونه نبيا عن عكرمة -إن صح السند إليه، فإنه رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث وكيع عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة فقال: كان لقمان نبيا. وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي، وهو ضعيف، والله أعلم. وقال عبد الله بن وهب: أخبرني عبد الله بن عياش القتباني، عن عمر مولى غفرة قال: وقف رجل على لقمان الحكيم فقال: أنت لقمان، أنت عبد بني الحسحاس؟ قال: نعم. قال: أنت راعي الغنم؟ قال: نعم. قال: أنت الأسود؟ قال: أما سوادي فظاهر، فما الذي يعجبك من أمري؟ قال: وطء الناس بساطك، وغشيهم بابك، ورضاهم بقولك. قال: يا بن أخي إن صغيت إلى ما أقول لك كنت كذلك. قال لقمان: غضي بصري، وكفي لساني، وعفة طعمتي، وحفظي فرجي، وقولي بصدق، ووفائي بعهدي، وتكرمتي ضيفي، وحفظي جاري، وتركي ما لا يعنيني، فذاك الذي صيرني إلى ما ترى. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا عمرو بن واقد، عن عبدة بن رباح، عن ربيعة، عن أبي الدرداء، رضي الله عنه، أنه قال يوما -وذكر لقمان الحكيم -فقال: ما أوتي ما أوتي عن أهل ولا مال، ولا حسب ولا خصال، ولكنه كان رجلا صمصامة سكيتا، طويل التفكر، عميق النظر، لم ينم نهارا قط، ولم يره أحد قط يبزق ولا يتنخع، ولا يبول ولا يتغوط، ولا يغتسل، ولا يعبث ولا يضحك، وكان لا يعيد منطقا نطقه إلا أن يقول حكمة يستعيدها إياه أحد، وكان قد تزوج وولد له أولاد، فماتوا فلم يبك عليهم. وكان يغشى السلطان، ويأتي الحكام، لينظر ويتفكر ويعتبر ،فبذلك أوتي ما أوتي. وقد ورد أثر غريب عن قتادة، رواه ابن أبي حاتم، فقال: حدثنا أبي، حدثنا العباس بن الوليد، حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي، حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة قال: خير الله لقمان الحكيم بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة على النبوة. قال: فأتاه جبريل وهو نائم فذر عليه الحكمة -أو: رش عليه الحكمة -قال: فأصبح ينطق بها. قال سعيد: فسمعت عن قتادة يقول: قيل للقمان: كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خيرك ربك؟ فقال: إنه لو أرسل إلي بالنبوة عزمة لرجوت فيه الفوز منه، ولكنت أرجو أن أقوم بها، ولكنه خيرني فخفت أن أضعف عن النبوة، فكانت الحكمة أحب إلي. فهذا من رواية سعيد بن بشير، وفيه ضعف قد تكلموا فيه بسببه، فالله أعلم. والذي رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، في قوله تعالى: {ولقد آتينا لقمان الحكمة} أي: الفقه في الإسلام، ولم يكن نبيا، ولم يوح إليه. وقوله: {ولقد آتينا لقمان الحكمة} أي: الفهم والعلم والتعبير، {أن اشكر لله} أي: أمرناه أن يشكر الله، عز وجل، على ما أتاه الله ومنحه ووهبه من الفضل، الذي خصه به عمن سواه من أبناء جنسه وأهل زمانه. ثم قال تعالى: {ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه} أي: إنما يعود نفع ذلك وثوابه على الشاكرين لقوله تعالى: {ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون} [الروم: 44] . وقوله: {ومن كفر فإن الله غني حميد} أي: غني عن العباد، لا يتضرر بذلك، ولو كفر أهل الأرض كلهم جميعا، فإنه الغني عمن سواه؛ فلا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه. {وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون } .

حصہ V06/P334–V06/P336

يقول تعالى مخبرا عن وصية لقمان لولده -وهو: لقمان بن عنقاء بن سدون. واسم ابنه: ثاران في قول حكاه السهيلي. وقد ذكره [الله] تعالى بأحسن الذكر، فإنه آتاه الحكمة، وهو يوصي ولده الذي هو أشفق الناس عليه وأحبهم إليه، فهو حقيق أن يمنحه أفضل ما يعرف؛ ولهذا أوصاه أولا بأن يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا، ثم قال محذرا له: {إن الشرك لظلم عظيم} أي: هو أعظم الظلم. قال البخاري حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة ،عن عبد الله، رضي الله عنه، قال: لما نزلت: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: 82] ، شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنه ليس بذاك، ألا تسمع إلى قول لقمان: {يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} . ورواه مسلم من حديث الأعمش، به . ثم قرن بوصيته إياه بعبادة الله وحده البر بالوالدين. كما قال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} [الإسراء: 23] . وكثيرا ما يقرن تعالى بين ذلك في القرآن. وقال هاهنا {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن} . قال مجاهد: مشقة وهن الولد. وقال قتادة: جهدا على جهد. وقال عطاء الخراساني: ضعفا على ضعف. وقوله: {وفصاله في عامين} أي: تربيته وإرضاعه بعد وضعه في عامين، كما قال تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة: 233] . ومن هاهنا استنبط ابن عباس وغيره من الأئمة أن أقل مدة الحمل ستة أشهر؛ لأنه قال تعالى في الآية الأخرى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] . وإنما يذكر تعالى تربية الوالدة وتعبها ومشقتها في سهرها ليلا ونهارا، ليذكر الولد بإحسانها المتقدم إليه، كما قال تعالى: {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} [الإسراء: 24] ؛ ولهذا قال: {أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير} أي: فإني سأجزيك على ذلك أوفر الجزاء. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن أبي شيبة، ومحمود بن غيلان قالا حدثنا عبيد الله، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن سعيد بن وهب قال: قدم علينا معاذ بن جبل، وكان بعثه النبي صلى الله عليه وسلم، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إني [رسول] رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تطيعوني لا آلوكم خيرا، وأن المصير إلى الله، وإلى الجنة أو إلى النار، إقامة فلا ظعن، وخلود فلا موت. وقوله: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما} أي: إن حرصا عليك كل الحرص على أن تتابعهما على دينهما، فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنعنك ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا معروفا، أي: محسنا إليهما، {واتبع سبيل من أناب إلي} يعني: المؤمنين، {ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون} . قال الطبراني في كتاب العشرة: حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أحمد بن أيوب بن راشد، حدثنا مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند [عن أبي عثمان النهدي] :أن سعد بن مالك قال: أنزلت في هذه الآية: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما} الآية، وقال: كنت رجلا برا بأمي، فلما أسلمت قالت: يا سعد، ما هذا الذي أراك قد أحدثت؟ لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت، فتعير بي، فيقال: "يا قاتل أمه". فقلت: لا تفعلي يا أمه، فإني لا أدع ديني هذا لشيء. فمكثت يوما وليلة لم تأكل فأصبحت قد جهدت، فمكثت يوما [آخر] وليلة أخرى لا تأكل، فأصبحت قد اشتد جهدها، فلما رأيت ذلك قلت: يا أمه، تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا، ما تركت ديني هذا لشيء، فإن شئت فكلي، وإن شئت لا تأكلي. فأكلت .

حصہ V06/P336–V06/P338

{يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير } . هذه وصايا نافعة قد حكاها الله تعالى عن لقمان الحكيم؛ ليمتثلها الناس ويقتدوا بها، فقال: {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل} أي: إن المظلمة أو الخطيئة لو كانت مثقال حبة [من] خردل. وجوز بعضهم أن يكون الضمير في قوله: {إنها} ضمير الشأن والقصة. وجوز على هذا رفع {مثقال} والأول أولى. وقوله: {يأت بها الله} أي: أحضرها الله يوم القيامة حين يضع الموازين القسط، وجازى عليها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. كما قال تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} [الأنبياء: 47] ، وقال تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة:7، 8] ، ولو كانت تلك الذرة محصنة محجبة في داخل صخرة صماء، أو غائبة ذاهبة في أرجاء السموات أو الأرض فإن الله يأتي بها؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض؛ ولهذا قال: {إن الله لطيف خبير} أي: لطيف العلم، فلا تخفى عليه الأشياء وإن دقت ولطفت وتضاءلت {خبير} بدبيب النمل في الليل البهيم. وقد زعم بعضهم أن المراد بقوله: {فتكن في صخرة} أنها صخرة تحت الأرضين السبع، ذكره السدي بإسناده ذلك المطروق عن ابن عباس وابن مسعود وجماعة من الصحابة إن صح ذلك، ويروى هذا عن عطية العوفي، وأبي مالك، والثوري، والمنهال بن عمرو، وغيرهم. وهذا والله أعلم، كأنه متلقى من الإسرائيليات التي لا تصدق، ولا تكذب، والظاهر -والله أعلم -أن المراد: أن هذه الحبة في حقارتها لو كانت داخل صخرة، فإن الله سيبديها ويظهرها بلطيف علمه، كما قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء، ليس لها باب ولا كوة، لخرج عمله للناس كائنا ما كان" . ثم قال: {يا بني أقم الصلاة} أي: بحدودها وفروضها وأوقاتها، {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر} أي: بحسب طاقتك وجهدك، {واصبر على ما أصابك} ،علم أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، لا بد أن يناله من الناس أذى، فأمره بالصبر. وقوله: {إن ذلك من عزم الأمور} أي: إن الصبر على أذى الناس لمن عزم الأمور. وقوله: {ولا تصعر خدك للناس} يقول: لا تعرض بوجهك عن الناس إذا كلمتهم أو كلموك، احتقارا منك لهم، واستكبارا عليهم ولكن ألن جانبك، وابسط وجهك إليهم، كما جاء في الحديث: "ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط، وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة، والمخيلة لا يحبها الله". قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {ولا تصعر خدك للناس} يقول: لا تتكبر فتحقر عباد الله، وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك. وكذا روى العوفي وعكرمة عنه. وقال مالك، عن زيد بن أسلم: {ولا تصعر خدك للناس} : لا تكلم وأنت معرض. وكذا روي عن مجاهد، وعكرمة، ويزيد بن الأصم، وأبي الجوزاء، وسعيد بن جبير، والضحاك، وابن يزيد، وغيرهم. وقال إبراهيم النخعي: يعني بذلك: التشديق في الكلام. والصواب القول الأول. قال ابن جرير: وأصل الصعر: داء يأخذ الإبل في أعناقها أو رؤوسها، حتى تلفت أعناقها عن رؤوسها، فشبه به الرجل المتكبر، ومنه قول عمرو بن حني التغلبي: وكنا إذا الجبار صعر خده أقمنا له من ميله فتقوما وقال أبو طالب في شعره:

سوالات

İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm · 102 · Qur'an & Sunnah