İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm
وقوله: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} ، نهى [تعالى] أن يقال بعد هذا: "زيد بن محمد" أي: لم يكن أباه وإن كان قد تبناه، فإنه، صلوات الله عليه وسلامه، لم يعش له ولد ذكر حتى بلغ الحلم؛ فإنه ولد له القاسم، والطيب، والطاهر، من خديجة فماتوا صغارا، وولد له إبراهيم من مارية القبطية، فمات أيضا رضيعا ، وكان له من خديجة أربع بنات: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، رضي الله عنهم أجمعين، فمات في حياته ثلاث وتأخرت فاطمة حتى أصيبت به، صلوات الله وسلامه عليه، ثم ماتت بعده لستة أشهر. وقوله: {ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما} كقوله: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام:124] فهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول [بعده] بطريق الأولى والأحرى؛ لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي، ولا ينعكس. وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث جماعة من الصحابة. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر الأزدي، حدثنا زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب ، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثلي في النبيين كمثل رجل بنى دارا فأحسنها وأكملها، وترك فيها موضع لبنة لم يضعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه، ويقولون: لو تم موضع هذه اللبنة؟ فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة". ورواه الترمذي، عن بندار، عن أبي عامر العقدي، به ، وقال: حسن صحيح. حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا المختار بن فلفل، حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي." قال: فشق ذلك على الناس قال: قال : ولكن المبشرات". قالوا: يا رسول الله، وما المبشرات؟ قال: "رؤيا الرجل المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة". وهكذا روى الترمذي عن الحسن بن محمد الزعفراني، عن عفان بن مسلم، به وقال: صحيح غريب من حديث المختار بن فلفل. حديث آخر: قال أبو داود الطيالسي: حدثنا سليم بن حيان، عن سعيد بن ميناء، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فكان من دخلها فنظر إليها قال: ما أحسنها إلا موضع هذه اللبنة! فأنا موضع اللبنة، ختم بي الأنبياء، عليهم السلام". ورواه البخاري، ومسلم، والترمذي من طرق، عن سليم بن حيان، به. وقال الترمذي: صحيح غريب من هذا الوجه. حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثلي ومثل النبيين [من قبلي] كمثل رجل بنى دارا فأتمها إلا لبنة واحدة، فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة". انفرد بإخراجه مسلم من رواية الأعمش، به . حديث آخر: قال [الإمام] أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عثمان بن عبيد الراسبي قال: سمعت أبا الطفيل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا نبوة بعدي إلا المبشرات". قال: قيل: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: "الرؤيا الحسنة -أو قال -الرؤيا الصالحة." حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتا فأحسنها وأكملها وأجملها، إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها، فجعل الناس يطوفون ويعجبهم البنيان ويقولون: ألا وضعت هاهنا لبنة فيتم بنيانك؟! " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فكنت أنا اللبنة". أخرجاه من حديث عبد الرزاق.
حديث آخر: عن أبي هريرة أيضا: قال الإمام مسلم: حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وعلي بن حجر قالوا: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون". ورواه الترمذي وابن ماجه، من حديث إسماعيل بن جعفر، وقال الترمذي: حسن صحيح. حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى دارا فأتمها إلا موضع لبنة واحدة، فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة". ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية، به. حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح عن سعيد بن سويد الكلبي، عن عبد الأعلى بن هلال السلمي، عن العرباض بن سارية قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته." حديث آخر: قال الزهري: أخبرني محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله تعالى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي." أخرجاه في الصحيحين . وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن عبد الرحمن بن جبير قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما كالمودع، فقال: "أنا محمد النبي الأمي -ثلاثا -ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلم وجوامعه وخواتمه، وعلمت كم خزنة النار وحملة العرش، وتجوز بي، وعوفيت وعوفيت أمتي؛ فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم، فإذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله، أحلوا حلاله، وحرموا حرامه". تفرد به الإمام أحمد. ورواه [الإمام] أحمد أيضا عن يحيى بن إسحاق، عن ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن عبد الله بن مريج الخولاني، عن أبي قيس -مولى عمرو بن العاص -عن عبد الله بن عمرو فذكر مثله سواء . والأحاديث في هذا كثيرة، فمن رحمة الله تعالى بالعباد إرسال محمد، صلوات الله وسلامه عليه، إليهم، ثم من تشريفه لهم ختم الأنبياء والمرسلين به، وإكمال الدين الحنيف له. وقد أخبر تعالى في كتابه، ورسوله في السنة المتواترة عنه: أنه لا نبي بعده؛ ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك، دجال ضال مضل، ولو تخرق وشعبذ، وأتى بأنواع السحر والطلاسم والنيرجيات ، فكلها محال وضلال عند أولي الألباب، كما أجرى الله، سبحانه وتعالى، على يد الأسود العنسي باليمن، ومسيلمة الكذاب باليمامة، من الأحوال الفاسدة والأقوال الباردة، ما علم كل ذي لب وفهم وحجى أنهما كاذبان ضالان، لعنهما الله. وكذلك كل مدع لذلك إلى يوم القيامة حتى يختموا بالمسيح الدجال، [فكل واحد من هؤلاء الكذابين] يخلق الله معه من الأمور ما يشهد العلماء والمؤمنون بكذب من جاء بها. وهذا من تمام لطف الله تعالى بخلقه، فإنهم بضرورة الواقع لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر إلا على سبيل الاتفاق، أو لما لهم فيه من المقاصد إلى غيره، ويكون في غاية الإفك والفجور في أقوالهم وأفعالهم، كما قال تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم} الآية [الشعراء:221، 222] . وهذا بخلاف الأنبياء، عليهم السلام، فإنهم في غاية البر والصدق والرشد والاستقامة [والعدل] فيما يقولونه ويفعلونه ويأمرون به وينهون عنه، مع ما يؤيدون به من الخوارق للعادات، والأدلة الواضحات، والبراهين الباهرات، فصلوات الله وسلامه عليهم دائما مستمرا ما دامت الأرض والسموات.
{يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما } {تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما } . يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بكثرة ذكرهم لربهم تعالى، المنعم عليهم بأنواع النعم وأصناف المنن، لما لهم في ذلك من جزيل الثواب، وجميل المآب. قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن سعيد ، حدثني مولى بن عياش عن أبي بحرية ، عن أبي الدرداء، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ " قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال: "ذكر الله عز وجل". وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه، من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن زياد -مولى ابن عياش -عن أبي بحرية -واسمه عبد الله بن قيس التراغمي -عن أبي الدرداء، به . قال الترمذي: ورواه بعضهم عنه فأرسله. قلت: وقد تقدم هذا الحديث عند قوله تعالى: {والذاكرين الله كثيرا والذاكرات} في مسند [الإمام] أحمد، من حديث زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عياش: أنه بلغه عن معاذ بن جبل، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه، فالله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا فرج بن فضالة، عن أبي سعد الحمصي قال: سمعت أبا هريرة يقول: دعاء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أدعه: "اللهم، اجعلني أعظم شكرك، وأتبع نصيحتك، وأكثر ذكرك، وأحفظ وصيتك". ورواه الترمذي عن يحيى بن موسى، عن وكيع، عن أبي فضالة الفرج بن فضالة، عن أبي سعيد الحمصي، عن أبي هريرة، فذكر مثله وقال: غريب. وهكذا رواه الإمام أحمد أيضا عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن فرج بن فضالة، عن أبي سعيد المدني عن أبي هريرة فذكره. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن عمرو بن قيس قال: سمعت عبد الله بن بسر يقول: جاء أعرابيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أحدهما: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: "من طال عمره وحسن عمله". وقال الآخر: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا ، فمرني بأمر أتشبث به. قال: "لا يزال لسانك رطبا بذكر الله". وروى الترمذي وابن ماجه [منه] الفصل الثاني، من حديث معاوية بن صالح، به. وقال الترمذي: حسن غريب. وقال الإمام أحمد: حدثنا سريج ، حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث قال: أن دراجا أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أكثروا ذكر الله حتى يقولوا: مجنون." وقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا عقبة بن مكرم العمي، حدثنا سعيد بن سفيان الجحدري، حدثنا الحسن بن أبي جعفر، عن عقبة بن أبي ثبيت الراسبي، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اذكروا الله ذكرا كثيرا [حتى] يقول المنافقون: تراءون." وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا شداد أبو طلحة الراسبي، سمعت أبا الوازع جابر بن عمرو يحدث عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من قوم جلسوا مجلسا لم يذكروا الله فيه، إلا رأوه حسرة يوم القيامة."
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: {اذكروا الله ذكرا كثيرا} : إن الله لم يفرض [على عباده] فريضة إلا [جعل لها حدا معلوما، ثم] عذر أهلها في حال عذر، غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حدا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدا في تركه، إلا مغلوبا على تركه، فقال: {فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم} [النساء:103] ، بالليل والنهار، [في البر والبحر] ، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والصحة والسقم، والسر والعلانية، وعلى كل حال، وقال: {وسبحوه بكرة وأصيلا} فإذا فعلتم ذلك صلى عليكم هو وملائكته. والأحاديث والآيات والآثار في الحث على ذكر الله كثيرة جدا، وفي هذه الآية الكريمة الحث على الإكثار من ذلك. وقد صنف الناس في الأذكار المتعلقة بآناء الليل والنهار كالنسائي والمعمري وغيرهما ، ومن أحسن الكتب المؤلفة في ذلك كتاب الأذكار للشيخ محيي الدين النووي، رحمه الله تعالى وقوله: {وسبحوه بكرة وأصيلا} أي: عند الصباح والمساء، كقوله: {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون} [الروم:17، 18] وقوله: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته} : هذا تهييج إلى الذكر، أي: إنه سبحانه يذكركم فاذكروه أنتم، كقوله تعالى: {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون. فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} [البقرة: 151، 152] . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يقول الله: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم" والصلاة من الله ثناؤه على العبد عند الملائكة، حكاه البخاري عن أبي العالية. ورواه أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عنه. وقال غيره: الصلاة من الله: الرحمة [ورد بقوله: {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} ] وقد يقال: لا منافاة بين القولين والله أعلم. وأما الصلاة من الملائكة، فبمعنى الدعاء للناس والاستغفار ، كقوله: {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم وقهم السيئات} الآية. [غافر: 7-9] . وقوله: {ليخرجكم من الظلمات إلى النور} أي: بسبب رحمته بكم وثنائه عليكم، ودعاء ملائكته لكم، يخرجكم من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الهدى واليقين. {وكان بالمؤمنين رحيما} أي: في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا: فإنه هداهم إلى الحق الذي جهله غيرهم، وبصرهم الطريق الذي ضل عنه وحاد عنه من سواهم من الدعاة إلى الكفر أو البدعة وأشياعهم من الطغام . وأما رحمته بهم في الآخرة: فآمنهم من الفزع الأكبر، وأمر ملائكته يتلقونهم بالبشارة بالفوز بالجنة والنجاة من النار، وما ذاك إلا لمحبته لهم ورأفته بهم. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن حميد، عن أنس، رضي الله عنه، قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه وصبي في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى وتقول: ابني ابني، وسعت فأخذته، فقال القوم: يا رسول الله، ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار. قال: فخفضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "ولا الله ، لا يلقي حبيبه في النار". إسناده على شرط الصحيحين، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة ، ولكن في صحيح الإمام البخاري، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة من السبي قد أخذت صبيا لها، فألصقته إلى صدرها، وأرضعته فقال: "أترون هذه تلقي ولدها في النار وهي تقدر على ذلك؟ " قالوا: لا. قال: "فوالله، لله أرحم بعباده من هذه بولدها" . وقوله: {تحيتهم يوم يلقونه سلام} الظاهر أن المراد -والله أعلم - {تحيتهم} أي: من الله تعالى يوم يلقونه {سلام} أي: يوم يسلم عليهم كما قال تعالى: {سلام قولا من رب رحيم} [يس:58] .
وزعم قتادة أن المراد أنهم يحيي بعضهم بعضا بالسلام، يوم يلقون الله في الدار الآخرة. واختاره ابن جرير. قلت: وقد يستدل بقوله تعالى: {دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} [يونس: 10] ، وقوله: {وأعد لهم أجرا كريما} يعني: الجنة وما فيها من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن، والمناكح والملاذ والمناظر وما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا } . قال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا فليح بن سليمان، عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة. قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا} وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لست بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا". وقد رواه البخاري في "البيوع" عن محمد بن سنان، عن فليح بن سليمان، عن هلال بن علي به. ورواه في التفسير عن عبد الله -قيل: ابن رجاء، وقيل: ابن صالح -عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو، به . ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن عبد الله بن رجاء، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، به. وقال البخاري في البيوع: وقال سعيد، عن هلال، عن عطاء، عن عبد الله بن سلام. وقال وهب بن منبه: إن الله أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل -يقال له: شعياء -أن قم في قومك بني إسرائيل، فإني منطق لسانك بوحي وأبعث أميا من الأميين، أبعثه [مبشرا] ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، لو يمر إلى جنب سراج لم يطفئه، من سكينته، ولو يمشي على القصب لم يسمع من تحت قدميه، أبعثه مبشرا ونذيرا، لا يقول الخنا، أفتح به أعينا كمها ، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، أسدده لكل أمر جميل، وأهب له كل خلق كريم، وأجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة منطقه، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والحق شريعته، والعدل سيرته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه، أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأعرف به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين أمم متفرقة، وقلوب مختلفة، وأهواء متشتتة، وأستنقذ به فئاما من الناس عظيمة من الهلكة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، موحدين مؤمنين مخلصين، مصدقين لما جاءت به رسلي ، ألهمهم التسبيح والتحميد، والثناء والتكبير والتوحيد، في مساجدهم ومجالسهم، ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم، يصلون لي قياما وقعودا، ويقاتلون في سبيل الله صفوفا وزحوفا، ويخرجون من ديارهم ابتغاء مرضاتي ألوفا، يطهرون الوجوه والأطراف، ويشدون الثياب في الأنصاف، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم في صدورهم، رهبان بالليل ليوث بالنهار، وأجعل في أهل بيته وذريته السابقين والصديقين والشهداء والصالحين، أمته من بعده يهدون بالحق وبه يعدلون، أعز من نصرهم، وأؤيد من دعا لهم، وأجعل دائرة السوء على من خالفهم أو بغى عليهم، أو أراد أن ينتزع شيئا مما في أيديهم. أجعلهم ورثة لنبيهم، والداعية إلى ربهم، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ويوفون بعهدهم، أختم بهم الخير الذي بدأته بأولهم، ذلك فضلي أوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل العظيم. هكذا رواه ابن أبي حاتم، عن وهب بن منبه اليماني، رحمه الله.
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي ، عن شيبان النحوي، أخبرني قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت: {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا} -وقد كان أمر عليا ومعاذا أن يسيرا إلى اليمن -فقال: "انطلقا فبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، إنه قد أنزل علي: {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا} . ورواه الطبراني عن محمد بن نصر بن حميد البزاز البغدادي، عن عبد الرحمن بن صالح الأزدي، عن عبد الرحمن [بن محمد] بن عبيد الله العرزمي، بإسناده مثله . وقال في آخره: "فإنه قد أنزل علي: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا على أمتك ومبشرا بالجنة، ونذيرا من النار، وداعيا إلى شهادة أن لا إله إلا الله بإذنه، وسراجا منيرا بالقرآن". وقوله: {شاهدا} أي: لله بالوحدانية، وأنه لا إله غيره، وعلى الناس بأعمالهم يوم القيامة، {وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} ، [كقوله: {لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} ] [البقرة: 143] . وقوله: {ومبشرا ونذيرا} أي: بشيرا للمؤمنين بجزيل الثواب، ونذيرا للكافرين من وبيل العقاب. وقوله: {وداعيا إلى الله بإذنه} أي: داعيا للخلق إلى عبادة ربهم عن أمره لك بذلك، {وسراجا منيرا} أي: وأمرك ظاهر فيما جئت به من الحق، كالشمس في إشراقها وإضاءتها، لا يجحدها إلا معاند. وقوله: {ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم} ، أي: لا تطعهم و [لا] تسمع منهم في الذي يقولونه {ودع أذاهم} أي: اصفح وتجاوز عنهم، وكل أمرهم إلى الله، فإن فيه كفاية لهم؛ ولهذا قال: {وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا} . {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا } . هذه الآية الكريمة فيها أحكام كثيرة. منها: إطلاق النكاح على العقد وحده، وليس في القرآن آية أصرح في ذلك منها، وقد اختلفوا في النكاح: هل هو حقيقة في العقد وحده، أو في الوطء، أو فيهما؟ على ثلاثة أقوال، واستعمال القرآن إنما هو في العقد والوطء بعده، إلا في هذه الآية فإنه استعمل في العقد وحده؛ لقوله: {إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} . وفيها دلالة لإباحة طلاق المرأة قبل الدخول بها. وقوله: {المؤمنات} خرج مخرج الغالب؛ إذ لا فرق في الحكم بين المؤمنة والكتابية في ذلك بالاتفاق. وقد استدل ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعلي بن الحسين، زين العابدين، وجماعة من السلف بهذه الآية على أن الطلاق لا يقع إلا إذا تقدمه نكاح؛ لأن الله تعالى قال: {إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن} ، فعقب النكاح بالطلاق، فدل على أنه لا يصح ولا يقع قبله. وهذا مذهب الشافعي، وأحمد بن حنبل، وطائفة كثيرة من السلف والخلف، رحمهم الله تعالى. وذهب مالك وأبو حنيفة، رحمهما الله، إلى صحة الطلاق قبل النكاح؛ فيما إذا قال: "إن تزوجت فلانة فهي طالق". فعندهما متى تزوجها طلقت منه. واختلفا فيما إذا قال: "كل امرأة أتزوجها فهي طالق". فقال مالك: لا تطلق حتى يعين المرأة. وقال أبو حنيفة، رحمه الله: كل امرأة يتزوجها بعد هذا الكلام تطلق منه، فأما الجمهور فاحتجوا على عدم وقوع الطلاق بهذه الآية. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور المروزي، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا يونس -يعني: ابن أبي إسحاق -سمعت آدم مولى خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: [إذا قال] : كل امرأة أتزوجها فهي طالق، قال: ليس بشيء من أجل أن الله تعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن} الآية. وحدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن مطر، عن الحسن بن مسلم بن يناق ، عن ابن عباس قال: إنما قال الله تعالى: {إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن} ، ألا ترى أن الطلاق بعد النكاح؟!
وهكذا روى محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال الله: {إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن} فلا طلاق [قبل النكاح] . وقد ورد الحديث بذلك عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا طلاق لابن آدم فيما لا يملك". رواه الإمام أحمد والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه . وقال الترمذي: "هذا حديث حسن". وهو أحسن شيء روي في هذا الباب. وهكذا روى ابن ماجه عن علي، والمسور بن مخرمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا طلاق قبل نكاح" . [وفي الآية دليل على أن المسيس مطلق، ويراد به الوطء] . وقوله : {فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} : هذا أمر مجمع عليه بين العلماء: أن المرأة إذا طلقت قبل الدخول بها لا عدة عليها فتذهب فتتزوج في فورها من شاءت، ولا يستثنى من هذا إلا المتوفى عنها زوجها، فإنها تعتد منه أربعة أشهر وعشرا، وإن لم يكن دخل بها بالإجماع أيضا. وقوله: {فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا} : المتعة هاهنا أعم من أن تكون نصف الصداق المسمى، أو المتعة الخاصة إن لم يكن قد سمى لها، قال الله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} [البقرة: 237] ، وقال {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين} [البقرة: 236] . وفي صحيح البخاري، عن سهل بن سعد وأبي أسيد؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج أميمة بنت شراحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين . قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، رضي الله عنهما: إن كان سمى لها صداقا، فليس لها إلا النصف، وإن لم يكن سمى لها صداقا فأمتعها على قدر عسره ويسره، وهو السراح الجميل. {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما } . يقول تعالى مخاطبا نبيه، صلوات الله وسلامه عليه، بأنه قد أحل له من النساء أزواجه اللاتي أعطاهن مهورهن، وهي الأجور هاهنا. كما قاله مجاهد وغير واحد، وقد كان مهره لنسائه اثنتي عشرة أوقية ونشا وهو نصف أوقية، فالجميع خمسمائة درهم، إلا أم حبيبة بنت أبي سفيان فإنه أمهرها عنه النجاشي، رحمه الله، أربعمائة دينار، وإلا صفية بنت حيي فإنه اصطفاها من سبي خيبر، ثم أعتقها وجعل عتقها صداقها. وكذلك جويرية بنت الحارث المصطلقية، أدى عنها كتابتها إلى ثابت بن قيس بن شماس وتزوجها، رضي الله عن جميعهن . وقوله: {وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك} أي: وأباح لك التسري مما أخذت من المغانم ، وقد ملك صفية وجويرية فأعتقهما وتزوجهما. وملك ريحانة بنت شمعون النضرية، ومارية القبطية أم ابنه إبراهيم، عليه السلام، وكانتا من السراري، رضي الله عنهما. وقوله: {وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك} : هذا عدل وسط بين الإفراط والتفريط؛ فإن النصارى لا يتزوجون المرأة إلا إذا كان الرجل بينه وبينها سبعة أجداد فصاعدا، واليهود يتزوج أحدهم بنت أخيه وبنت أخته، فجاءت هذه الشريعة الكاملة الطاهرة بهدم إفراط النصارى، فأباح بنت العم والعمة، وبنت الخال والخالة، وتحريم ما فرطت فيه اليهود من إباحة بنت الأخ والأخت، وهذا بشع فظيع.
وإنما قال: {وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك} فوحد لفظ الذكر لشرفه، وجمع الإناث لنقصهن كقوله: {عن اليمين والشمائل} [النحل:48] ، {يخرجهم من الظلمات إلى النور} [البقرة: 257] ، {وجعل الظلمات والنور} [الأنعام: 1] ، وله نظائر كثيرة. وقوله: {اللاتي هاجرن معك} قال ابن أبي حاتم، رحمه الله: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث الرازي، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن السدي، عن أبي صالح ، عن أم هانئ قالت: خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه بعذري، ثم أنزل الله: {إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك} إلى قوله: {اللاتي هاجرن معك} قالت: فلم أكن أحل له، ولم أكن ممن هاجر معه، كنت من الطلقاء. ورواه ابن جرير عن أبي كريب، عن عبيد الله بن موسى، به . ثم رواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، عنها بنحوه. ورواه الترمذي في جامعه . وهكذا قال أبو رزين وقتادة: إن المراد: من هاجر معه إلى المدينة. وفي رواية عن قتادة: {اللاتي هاجرن معك} أي: أسلمن. وقال الضحاك: قرأ ابن مسعود: "واللاتي هاجرن معك". وقوله: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها} أي: ويحل لك -يأيها النبي -المرأة المؤمنة إذا وهبت نفسها لك أن تتزوجها بغير مهر إن شئت ذلك. وهذه الآية توالى فيها شرطان، كقوله تعالى إخبارا عن نوح، عليه السلام، أنه قال لقومه: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم} [هود: 34] ، وكقول موسى: {يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} [يونس: 84] . وقال هاهنا: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها} وقد قال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق، أخبرنا مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله، إني قد وهبت نفسي لك. فقامت قياما طويلا فقام رجل فقال: يا رسول الله، زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل عندك من شيء تصدقها إياه"؟ فقال: ما عندي إلا إزاري هذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك، فالتمس شيئا". فقال: لا أجد شيئا. فقال: "التمس ولو خاتما من حديد" فالتمس فلم يجد شيئا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "هل معك من القرآن شيء؟ " قال: نعم؛ سورة كذا، وسورة كذا -لسور يسميها -فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "زوجتكها بما معك من القرآن". أخرجاه من حديث مالك . وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان ، حدثنا مرحوم، سمعت ثابتا يقول : كنت مع أنس جالسا وعنده ابنة له، فقال أنس: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا نبي الله، هل لك في حاجة؟ فقالت ابنته: ما كان أقل حياءها. فقال: "هي خير منك، رغبت في النبي، فعرضت عليه نفسها". انفرد بإخراجه البخاري، من حديث مرحوم بن عبد العزيز [العطار] ، عن ثابت البناني، عن أنس، به . وقال أحمد أيضا: حدثنا عبد الله بن بكر، حدثنا سنان بن ربيعة، عن الحضرمي، عن أنس بن مالك: أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ابنة لي كذا وكذا. فذكرت من حسنها وجمالها، فآثرتك بها. فقال: "قد قبلتها".فلم تزل تمدحها حتى ذكرت أنها لم تصدع ولم تشتك شيئا قط، فقال: "لا حاجة لي في ابنتك". لم يخرجوه . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا ابن أبي الوضاح -يعني: محمد بن مسلم -عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم خولة بنت حكيم .
وقال ابن وهب، عن سعيد بن عبد الرحمن وابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن خولة بنت حكيم بن الأوقص، من بني سليم، كانت من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وفي رواية له عن سعيد بن عبد الرحمن، عن هشام، عن أبيه: كنا نتحدث أن خولة بنت حكيم كانت وهبت نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت امرأة صالحة . فيحتمل أن أم سليم هي خولة بنت حكيم، أو هي امرأة أخرى. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، حدثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، وعمر بن الحكم، وعبد الله بن عبيدة قالوا: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة امرأة، ست من قريش، خديجة، وعائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة. وثلاث من بني عامر بن صعصعة، وامرأتان من بني هلال بن عامر: ميمونة بنت الحارث، وهي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، وزينب أم المساكين -امرأة من بني أبي بكر بن كلاب من القرطاء -وهي التي اختارت الدنيا، وامرأة من بني الجون، وهي التي استعاذت منه، وزينب بنت جحش الأسدية، والسبيتان صفية بنت حيي بن أخطب، وجويرية بنت الحارث بن عمرو بن المصطلق الخزاعية . وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن ابن عباس: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} قال: هي ميمونة بنت الحارث. فيه انقطاع: هذا مرسل، والمشهور أن زينب التي كانت تدعى أم المساكين هي زينب بنت خزيمة الأنصارية، وقد ماتت عند النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، فالله أعلم. والغرض من هذا أن اللاتي وهبن أنفسهن من النبي صلى الله عليه وسلم كثير، كما قال البخاري، حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا أبو أسامة قال: هشام بن عروة حدثنا عن أبيه، عن عائشة قالت: كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهن من النبي صلى الله عليه وسلم وأقول: أتهب امرأة نفسها؟ فلما أنزل الله: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك} قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك . وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن منصور الجعفي، حدثنا يونس بن بكير، عن عنبسة بن الأزهر، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له. ورواه ابن جرير عن أبي كريب، عن يونس بن بكير . أي: إنه لم يقبل واحدة ممن وهبت نفسها له، وإن كان ذلك مباحا له ومخصوصا به؛ لأنه مردود إلى مشيئته، كما قال الله تعالى: {إن أراد النبي أن يستنكحها} أي: إن اختار ذلك. وقوله: {خالصة لك من دون المؤمنين} قال عكرمة: أي: لا تحل الموهوبة لغيرك، ولو أن امرأة وهبت نفسها لرجل لم تحل له حتى يعطيها شيئا. وكذا قال مجاهد والشعبي وغيرهما. أي: إنها إذا فوضت المرأة نفسها إلى رجل، فإنه متى دخل بها وجب لها عليه بها مهر مثلها، كما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق لما فوضت، فحكم لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بصداق مثلها لما توفي عنها زوجها، والموت والدخول سواء في تقرير المهر وثبوت مهر المثل في المفوضة لغير النبي صلى الله عليه وسلم فأما هو، عليه السلام، فإنه لا يجب عليه للمفوضة شيء ولو دخل بها؛ لأن له أن يتزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود، كما في قصة زينب بنت جحش، رضي الله عنها. ولهذا قال قتادة في قوله: {خالصة لك من دون المؤمنين} ، يقول: ليس لامرأة تهب نفسها لرجل بغير ولي ولا مهر إلا للنبي صلى الله عليه وسلم.
[وقوله تعالى: {قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم} ] قال أبي بن كعب، ومجاهد، والحسن، وقتادة وابن جرير في قوله: {قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم} أي: من حصرهم في أربع نسوة حرائر وما شاءوا من الإماء، واشتراط الولي والمهر والشهود عليهم، وهم الأمة، وقد رخصنا لك في ذلك، فلم نوجب عليك شيئا منه؛ {لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما} . {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما } . قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بشر ، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة، رضي الله عنها؛ أنها كانت تعير النساء اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ألا تستحي المرأة أن تعرض نفسها بغير صداق؟ فأنزل الله، عز وجل: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك} ، قالت: إني أرى ربك إلا يسارع في هواك . وقد تقدم أن البخاري رواه من حديث أبي أسامة، عن هشام بن عروة، فدل هذا على أن المراد بقوله: {ترجي} أي: تؤخر {من تشاء منهن} أي: من الواهبات [أنفسهن] {وتؤوي إليك من تشاء} أي: من شئت قبلتها، ومن شئت رددتها، ومن رددتها فأنت فيها أيضا بالخيار بعد ذلك، إن شئت عدت فيها فآويتها؛ ولهذا قال: {ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك} . قال عامر الشعبي في قوله: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} : كن نساء وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم فدخل ببعضهن وأرجأ بعضهن لم ينكحن بعده، منهن أم شريك. وقال آخرون: بل المراد بقوله: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} أي: من أزواجك، لا حرج عليك أن تترك القسم لهن، فتقدم من شئت، وتؤخر من شئت، وتجامع من شئت، وتترك من شئت. هكذا يروى عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وأبي رزين، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم، ومع هذا كان، صلوات الله وسلامه عليه، يقسم لهن؛ ولهذا ذهب طائفة من الفقهاء من الشافعية وغيرهم إلى أنه لم يكن القسم واجبا عليه، صلوات الله وسلامه عليه، واحتجوا بهذه الآية الكريمة. وقال البخاري: حدثنا حبان بن موسى، حدثنا عبد الله -هو ابن المبارك -أخبرنا عاصم الأحول، عن معاذة عن عائشة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن نزلت هذه الآية: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك} ، فقلت لها: ما كنت تقولين؟ فقالت: كنت أقول: إن كان ذاك إلي فإني لا أريد يا رسول الله أن أؤثر عليك أحدا . فهذا الحديث عنها يدل على أن المراد من ذلك عدم وجوب القسم، وحديثها الأول يقتضي أن الآية نزلت في الواهبات، ومن هاهنا اختار ابن جرير أن الآية عامة في الواهبات وفي النساء اللاتي عنده، أنه مخير فيهن إن شاء قسم وإن شاء لم يقسم. وهذا الذي اختاره حسن جيد قوي، وفيه جمع بين الأحاديث؛ ولهذا قال تعالى: {ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن} أي: إذا علمن أن الله قد وضع عنك الحرج في القسم، فإن شئت قسمت، وإن شئت لم تقسم، لا جناح عليك في أي ذلك فعلت، ثم مع هذا أنت تقسم لهن اختيارا منك لا أنه على سبيل الوجوب، فرحن بذلك واستبشرن به وحملن جميلك في ذلك، واعترفن بمنتك عليهن في قسمك لهن وتسويتك بينهن وإنصافك لهن وعدلك فيهن. وقوله: {والله يعلم ما في قلوبكم} أي: من الميل إلى بعضهن دون بعض، مما لا يمكن دفعه، كما قال الإمام أحمد:
حدثنا يزيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: "اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك". ورواه أهل السنن الأربعة، من حديث حماد بن سلمة - وزاد أبو داود بعد قوله: فلا تلمني فيما تملك ولا أملك: يعني القلب. وإسناده صحيح، ورجاله كلهم ثقات. ولهذا عقب ذلك بقوله: {وكان الله عليما} أي: بضمائر السرائر، {حليما} أي: يحلم ويغفر. {لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا } . ذكر غير واحد من العلماء -كابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وابن زيد، وابن جرير، وغيرهم -أن هذه الآية نزلت مجازاة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورضا عنهن، على حسن صنيعهن في اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة، لما خيرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما تقدم في الآية. فلما اخترن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان جزاؤهن أن [الله] قصره عليهن، وحرم عليه أن يتزوج بغيرهن، أو يستبدل بهن أزواجا غيرهن، ولو أعجبه حسنهن إلا الإماء والسراري فلا حجر عليه فيهن. ثم إنه تعالى رفع عنه الحجر في ذلك ونسخ حكم هذه الآية، وأباح له التزوج ، ولكن لم يقع منه بعد ذلك تزوج لتكون المنة للرسول صلى الله عليه وسلم عليهن. قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له النساء . ورواه أيضا من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير ، عن عائشة. ورواه الترمذي والنسائي في سننيهما . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة، حدثني عمر بن أبي بكر، حدثني المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي ، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله ، عن عبد الله بن وهب بن زمعة، عن أم سلمة أنها قالت: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء، إلا ذات محرم، وذلك قول الله، عز وجل: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} . فجعلت هذه ناسخة للتي بعدها في التلاوة، كآيتي عدة الوفاة في البقرة، الأولى ناسخة للتي بعدها، والله أعلم. وقال آخرون: بل معنى الآية: {لا يحل لك النساء من بعد} أي: من بعد ما ذكرنا لك من صفة النساء اللاتي أحللنا لك من نسائك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك، وبنات العم والعمات والخال والخالات والواهبة وما سوى ذلك من أصناف النساء فلا يحل لك. هذا مروي عن أبي بن كعب، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك -في رواية -وأبي رزين -في رواية عنه -وأبي صالح، والحسن، وقتادة -في رواية -والسدي، وغيرهم. قال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن داود بن أبي هند، حدثني محمد بن أبي موسى، عن زياد -رجل من الأنصار -قال: قلت لأبي بن كعب: أرأيت لو أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم توفين، أما كان له أن يتزوج؟ فقال: وما يمنعه من ذلك؟ قال: قلت: قوله: {لا يحل لك النساء من بعد} . فقال: إنما أحل الله له ضربا من النساء، فقال: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك} إلى قوله: {إن وهبت نفسها للنبي} ثم قيل له: {لا يحل لك النساء من بعد} .
ورواه عبد الله بن أحمد من طرق، عن داود، به . وروى الترمذي، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء، إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات بقوله: {لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك} ، فأحل الله فتياتكم المؤمنات {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} ، وحرم كل ذات دين غير الإسلام، ثم قال: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين} وقال {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك} إلى قوله: {خالصة لك من دون المؤمنين} ، وحرم ما سوى ذلك من أصناف النساء . وقال مجاهد: {لا يحل لك النساء من بعد} أي: من بعد ما سمى لك، لا مسلمة ولا يهودية ولا نصرانية ولا كافرة. وقال أبو صالح: {لا يحل لك النساء من بعد} : أمر ألا يتزوج أعرابية ولا غربية ، ويتزوج بعد من نساء تهامة، وما شاء من بنات العم والعمة، والخال والخالة، إن شاء ثلاثمائة. وقال عكرمة: {لا يحل لك النساء من بعد} أي: التي سمى الله. واختار ابن جرير، رحمه الله، أن الآية عامة فيمن ذكر من أصناف النساء، وفي النساء اللواتي في عصمته وكن تسعا. وهذا الذي قاله جيد، ولعله مراد كثير ممن حكينا عنه من السلف؛ فإن كثيرا منهم روي عنه هذا وهذا، ولا منافاة، والله أعلم. ثم أورد ابن جرير على نفسه ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ثم راجعها، وعزم على فراق سودة حتى وهبته يومها لعائشة، ثم أجاب بأن هذا كان قبل نزول قوله: {لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن} ، وهذا الذي قاله من أن هذا كان قبل نزول الآية صحيح، ولكن لا يحتاج إلى ذلك؛ فإن الآية إنما دلت على أنه لا يتزوج بمن عدا اللواتي في عصمته، وأنه لا يستبدل بهن غيرهن، ولا يدل ذلك على أنه لا يطلق واحدة منهن من غير استبدال، والله أعلم. فأما قضية سودة ففي الصحيح عن عائشة، رضي الله عنها، وهي سبب نزول قوله تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا [والصلح خير ] } الآية [النساء: 128] . وأما قضية حفصة فروى أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه، من طرق عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن صالح بن صالح بن حي عن سلمة أن بن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن عمر؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ثم راجعها. وهذا إسناد قوي . وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير، عن الأعمش، عن أبي صالح ، عن ابن عمر قال: دخل عمر على حفصة وهي تبكي، فقال: ما يبكيك؟ لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم طلقك؟ إنه قد كان طلقك مرة ثم راجعك من أجلي؛ والله لئن كان طلقك مرة أخرى لا أكلمك أبدا. ورجاله على شرط الصحيحين . وقوله: {ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن} ، فنهاه عن الزيادة عليهن، أو طلاق واحدة منهن واستبدال غيرها بها إلا ما ملكت يمينه . وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثا مناسبا ذكره هاهنا، فقال:
حدثنا إبراهيم بن نصر، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن إسحاق بن عبد الله القرشي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: بادلني امرأتك وأبادلك بامرأتي: أي: تنزل لي عن امرأتك، وأنزل لك عن امرأتي. فأنزل الله: {ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن} قال: فدخل عيينة بن حصن على النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده عائشة، فدخل بغير إذن، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأين الاستئذان؟ " فقال يا رسول الله، ما استأذنت على رجل من مضر منذ أدركت. ثم قال: من هذه الحميراء إلى جنبك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذه عائشة أم المؤمنين". قال: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق ؟ قال: "يا عيينة إن الله قد حرم ذلك". فلما أن خرج قالت عائشة: من هذا؟ قال: هذا أحمق مطاع، وإنه على ما ترين لسيد قومه". ثم قال البزار إسحاق بن عبد الله: لين الحديث جدا، وإنما ذكرناه لأنا لم نحفظه إلا من هذا الوجه، وبينا العلة فيه . {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما } . هذه آية الحجاب، وفيها أحكام وآداب شرعية، وهي مما وافق تنزيلها قول عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كما ثبت ذلك في الصحيحين عنه أنه قال: وافقت ربي في ثلاث، فقلت: يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فأنزل الله: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} [البقرة: 125] . وقلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو حجبتهن؟ فأنزل الله آية الحجاب. وقلت لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم لما تمالأن عليه في الغيرة: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن} [التحريم:5] ، فنزلت كذلك . وفي رواية لمسلم ذكر أسارى بدر، وهي قضية رابعة. وقد قال البخاري: حدثنا مسدد، عن يحيى، عن حميد، أن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؟ فأنزل الله آية الحجاب . وكان وقت نزولها في صبيحة عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش، التي تولى الله تعالى تزويجها بنفسه، وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة، في قول قتادة والواقدي وغيرهما. وزعم أبو عبيدة معمر بن المثنى، وخليفة بن خياط: أن ذلك كان في سنة ثلاث، فالله أعلم. قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله الرقاشي، حدثنا معتمر بن سليمان، سمعت أبي، حدثنا أبو مجلز، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش، دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون، فإذا هو [كأنه] يتهيأ للقيام فلم يقوموا. فلما رأى ذلك قام، فلما قام [قام] من قام، وقعد ثلاثة نفر. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقت، فجئت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا. فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل، فألقى [الحجاب] بيني وبينه، فأنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي} الآية.
وقد رواه أيضا في موضع آخر، ومسلم والنسائي، من طرق، عن معتمر بن سليمان، به . ثم رواه البخاري منفردا به من حديث أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، [بنحوه . ثم قال : حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك] قال: بني [على] النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش بخبز ولحم، فأرسلت على الطعام داعيا، فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون، ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون. فدعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه، فقلت: يا نبي الله، ما أجد أحدا أدعوه. قال: "ارفعوا طعامكم"، وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق إلى حجرة عائشة، فقال: "السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته". قالت: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك، بارك الله لك؟ فتقرى حجر نسائه كلهن، يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة. ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا رهط ثلاثة [في البيت] يتحدثون. وكان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحياء، فخرج منطلقا نحو حجرة عائشة، فما أدري أخبرته أم أخبر أن القوم خرجوا؟ فرجع حتى إذا وضع رجله في أسكفة الباب داخله، وأخرى خارجه، أرخى الستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب. انفرد به البخاري من بين أصحاب الكتب [الستة] ، سوى النسائي في اليوم والليلة، من حديث عبد الوارث . ثم رواه عن إسحاق -هو ابن منصور -عن عبد الله بن بكر السهمي، عن حميد، عن أنس، بنحو ذلك ، وقال: "رجلان" انفرد به من هذا الوجه. وقد تقدم في أفراد مسلم من حديث سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس. وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا أبو المظفر، حدثنا جعفر بن سليمان، عن الجعد -أبي عثمان اليشكري -عن أنس بن مالك قال: أعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض نسائه، فصنعت أم سليم حيسا ثم وضعته في تور، فقالت: اذهب بهذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقرئه مني السلام، وأخبره أن هذا منا له قليل -قال أنس: والناس يومئذ في جهد -فجئت به فقلت: يا رسول الله، بعثت بهذا أم سليم إليك، وهي تقرئك السلام، وتقول: أخبره أن هذا منا له قليل، فنظر إليه ثم قال: "ضعه" فوضعته في ناحية البيت، ثم قال: "اذهب فادع لي فلانا وفلانا". وسمى رجالا كثيرا، وقال: "ومن لقيت من [المسلمين". فدعوت من قال لي، ومن لقيت من] المسلمين، فجئت والبيت والصفة والحجرة ملأى من الناس -فقلت: يا أبا عثمان، كم كانوا؟ فقال: كانوا زهاء ثلاثمائة -قال أنس: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جئ به". فجئت به إليه، فوضع يده عليه، ودعا وقال: "ما شاء الله". ثم قال: "ليتحلق عشرة عشرة، وليسموا ، وليأكل كل إنسان مما يليه". فجعلوا يسمون ويأكلون، حتى أكلوا كلهم. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ارفعه". قال: فجئت فأخذت التور فما أدري أهو حين وضعت أكثر أم حين أخذت؟ قال: وتخلف رجال يتحدثون في بيت رسول الله، وزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم التي دخل بها معهم مولية وجهها إلى الحائط، فأطالوا الحديث، فشقوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أشد الناس حياء -ولو أعلموا كان ذلك عليهم عزيزا -فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج فسلم على حجره وعلى نسائه، فلما رأوه قد جاء ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه، ابتدروا الباب فخرجوا، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أرخى الستر، ودخل البيت وأنا في الحجرة، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته يسيرا، وأنزل الله عليه القرآن، فخرج وهو يقرأ هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا} إلى قوله: {بكل شيء عليما} . قال أنس: فقرأهن علي قبل الناس، فأنا أحدث الناس بهن عهدا.
وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي جميعا، عن قتيبة، عن جعفر بن سليمان، به . وقال الترمذي: حسن صحيح وعلقه البخاري في كتاب النكاح فقال: وقال إبراهيم بن طهمان، عن الجعد أبي عثمان، عن أنس، فذكر نحوه . ورواه مسلم أيضا عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الجعد، به . وقد روى هذا الحديث عبد الله بن المبارك، عن شريك، عن بيان بن بشر، عن أنس، بنحوه. وروى البخاري والترمذي، من طريقين آخرين، عن بيان بن بشر الأحمسي الكوفي، عن أنس، بنحوه . ورواه ابن أبي حاتم أيضا، من حديث أبي نضرة العبدي، عن أنس بن مالك، بنحوه ورواه ابن جرير من حديث عمرو بن سعيد، ومن حديث الزهري، عن أنس، بنحو ذلك . وقال الإمام أحمد: حدثنا بهز وهاشم بن القاسم قالا حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليزيد "اذهب فاذكرها علي". قال: فانطلق زيد حتى أتاها، قال: وهي تخمر عجينها، فلما رأيتها عظمت في صدري ... وذكر تمام الحديث، كما قدمناه عند قوله: {فلما قضى زيد منها وطرا} ، وزاد في آخره بعد قوله: ووعظ القوم بما وعظوا به. قال هاشم في حديثه: {لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق} . وقد أخرجه مسلم والنسائي، من حديث سليمان بن المغيرة ، به . وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن عبد الرحمن -ابن أخي ابن وهب -حدثني عمي عبد الله بن وهب، حدثني يونس عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: إن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع -وهو صعيد أفيح -وكان عمر يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: احجب نساءك. فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة. حرصا أن ينزل الحجاب، قالت : فأنزل الله الحجاب . هكذا وقع في هذه الرواية. والمشهور أن هذا كان بعد نزول الحجاب، كما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم، من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودة، أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين؟ قالت: فانكفأت راجعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، وإنه ليتعشى، وفي يده عرق، فدخلت فقالت: يا رسول الله، إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا. قالت: فأوحى الله إليه، ثم رفع عنه وإن العرق في يده، ما وضعه. فقال: "إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن". لفظ البخاري . فقوله: {لا تدخلوا بيوت النبي} : حظر على المؤمنين أن يدخلوا منازل رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذن، كما كانوا قبل ذلك يصنعون في بيوتهم في الجاهلية وابتداء الإسلام، حتى غار الله لهذه الأمة، فأمرهم بذلك، وذلك من إكرامه تعالى هذه الأمة؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والدخول على النساء" . ثم استثنى من ذلك فقال: {إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه} . قال مجاهد وقتادة وغيرهما: أي غير متحينين نضجه واستواءه، أي: لا ترقبوا الطعام حتى إذا قارب الاستواء تعرضتم للدخول، فإن هذا يكرهه الله ويذمه. وهذا دليل على تحريم التطفيل، وهو الذي تسميه العرب الضيفن، وقد صنف الخطيب البغدادي في ذلك كتابا في ذم الطفيليين. وذكر من أخبارهم أشياء يطول إيرادها.
ثم قال تعالى: {ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا} . وفي صحيح مسلم عن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعا أحدكم أخاه فليجب، عرسا كان أو غيره" . وأصله في الصحيحين وفي الصحيح أيضا، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو دعيت إلى ذراع لأجبت، ولو أهدي إلي كراع لقبلت، فإذا فرغتم من الذي دعيتم إليه فخففوا عن أهل المنزل، وانتشروا في الأرض" ؛ ولهذا قال: {ولا مستأنسين لحديث} أي: كما وقع لأولئك النفر الثلاثة الذين استرسل بهم الحديث، ونسوا أنفسهم، حتى شق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال [الله] تعالى: {إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم} . وقيل: المراد أن دخولكم منزله بغير إذنه كان يشق عليه ويتأذى به، لكن كان يكره أن ينهاهم عن ذلك من شدة حيائه، عليه السلام، حتى أنزل الله عليه النهي عن ذلك؛ ولهذا قال: {والله لا يستحيي من الحق} أي: ولهذا نهاكم عن ذلك وزجركم عنه. ثم قال تعالى: {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب} أي: وكما نهيتكم عن الدخول عليهن، كذلك لا تنظروا إليهن بالكلية، ولو كان لأحدكم حاجة يريد تناولها منهن فلا ينظر إليهن، ولا يسألهن حاجة إلا من وراء حجاب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن مسعر، عن موسى بن أبي كثير، عن مجاهد، عن عائشة قالت: كنت آكل مع النبي صلى الله عليه وسلم حيسا في قعب، فمر عمر فدعاه، فأصابت إصبعه إصبعي، فقال: حس -أو: أوه -لو أطاع فيكن ما رأتك عين. فنزل الحجاب . {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} أي: هذا الذي أمرتكم به وشرعته لكم من الحجاب أطهر وأطيب. وقوله: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما} : قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن أبي حماد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} قال: نزلت في رجل هم أن يتزوج بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم. قال رجل لسفيان: أهي عائشة؟ قال: قد ذكروا ذاك. وكذا قال مقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وذكر بسنده عن السدي أن الذي عزم على ذلك طلحة بن عبيد الله، رضي الله عنه، حتى نزل التنبيه على تحريم ذلك؛ ولهذا أجمع العلماء قاطبة على أن من توفي عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه أنه يحرم على غيره تزويجها من بعده؛ لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة وأمهات المؤمنين، كما تقدم. واختلفوا فيمن دخل بها ثم طلقها في حياته هل يحل لغيره أن يتزوجها؟ على قولين، مأخذهما: هل دخلت هذه في عموم قوله: {من بعده} أم لا؟ فأما من تزوجها ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فما نعلم في حلها لغيره -والحالة هذه -نزاعا، والله أعلم. وقال ابن جرير: حدثني [محمد] بن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا داود، عن عامر؛ أن نبي الله صلى الله عليه وسلم مات وقد ملك قيلة بنت الأشعث -يعني: ابن قيس -فتزوجها عكرمة بن أبي جهل بعد ذلك، فشق ذلك على أبي بكر مشقة شديدة، فقال له عمر: يا خليفة رسول الله، إنها ليست من نسائه، إنها لم يخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يحجبها، وقد برأها الله منه بالردة التي ارتدت مع قومها. قال: فاطمأن أبو بكر، رضي الله عنهما وسكن . وقد عظم الله تبارك وتعالى ذلك، وشدد فيه وتوعد عليه بقوله: {إن ذلكم كان عند الله عظيما} ، ثم قال: {إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما} أي: مهما تكنه ضمائركم وتنطوي عليه سرائركم، فإن الله يعلمه؛ فإنه لا تخفى عليه خافية، {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} [غافر: 19] .
{لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل شيء شهيدا } . لما أمر تعالى النساء بالحجاب من الأجانب، بين أن هؤلاء الأقارب لا يجب الاحتجاب منهم، كما استثناهم في سورة النور، عند قوله: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن} إلى آخرها، [النور: 31] ، وفيها زيادات على هذه. وقد تقدم تفسيرها والكلام عليها بما أغنى عن إعادته. وقد سأل بعض السلف فقال: لم لم يذكر العم والخال في هاتين الآيتين؟ فأجاب عكرمة والشعبي: بأنهما لم يذكرا؛ لأنهما قد يصفان ذلك لبنيهما. قال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد، حدثنا داود، عن الشعبي وعكرمة في قوله: {لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن} قلت: ما شأن العم والخال لم يذكرا؟ قالا هما ينعتانها لأبنائهما. وكرها أن تضع خمارها عند خالها وعمها. وقوله: {ولا نسائهن} : يعني بذلك: عدم الاحتجاب من النساء المؤمنات. وقوله: {ولا ما ملكت أيمانهن} يعني به: أرقاءهن من الذكور والإناث، كما تقدم التنبيه عليه، وإيراد الحديث فيه . قال سعيد بن المسيب: إنما يعني به: الإماء فقط. رواه ابن أبي حاتم. وقوله: {واتقين الله إن الله كان على كل شيء شهيدا} أي: واخشينه في الخلوة والعلانية، فإنه شهيد على كل شيء، لا تخفى عليه خافية، فراقبن الرقيب. {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } قال البخاري: قال أبو العالية: صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة: الدعاء. وقال ابن عباس: يصلون: يبركون. هكذا علقه البخاري عنهما . وقد رواه أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية كذلك. وروي مثله عن الربيع أيضا. وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس كما قاله سواء، رواهما ابن أبي حاتم. وقال أبو عيسى الترمذي: وروي عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم قالوا: صلاة الرب: الرحمة، وصلاة الملائكة: الاستغفار. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو الأودي، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، قال الأعمش عن عطاء بن أبي رباح {إن الله وملائكته يصلون على النبي} قال: صلاته تبارك وتعالى: سبوح قدوس، سبقت رحمتي غضبي. والمقصود من هذه الآية: أن الله سبحانه أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى، بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه. ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعا. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر - يعني: ابن المغيرة -عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن بني إسرائيل قالوا لموسى عليه السلام: هل يصلي ربك؟ فناداه ربه: يا موسى، سألوك: "هل يصلي ربك؟ " فقل: نعم، إنما أصلي أنا وملائكتي على أنبيائي ورسلي. فأنزل الله عز وجل، على نبيه صلى الله عليه وسلم: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} .
وقد أخبر أنه سبحانه وتعالى ، يصلي على عباده المؤمنين في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا. هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما} [الأحزاب:41-43] . وقال تعالى: {وبشر الصابرين . الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} [البقرة: 155-157] . وفي الحديث: "إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف". وفي الحديث الآخر: "اللهم، صل على آل أبي أوفى". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة جابر -وقد سألته أن يصلي عليها وعلى زوجها -"صلى الله عليك، وعلى زوجك . وقد جاءت الأحاديث المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بالصلاة عليه، وكيفية الصلاة عليه، ونحن نذكر منها إن شاء الله تعالى ما تيسر، والله المستعان. قال البخاري -عند تفسير هذه الآية -: حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد، حدثنا أبي، عن مسعر، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: قيل: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة؟ فقال: "قولوا: اللهم، صل على محمد، وعلى آل محمد، [كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم، بارك على محمد وعلى آل محمد] كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" . وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة ، عن الحكم قال: سمعت ابن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية؟ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله، قد علمنا -أو: عرفنا -كيف السلام ، عليك، فكيف الصلاة؟ قال: "قولوا: اللهم، صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على [آل] إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم، بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". وهذا الحديث قد أخرجه الجماعة في كتبهم، من طرق متعددة، عن الحكم -وهو ابن عتبة زاد البخاري: وعبد الله بن عيسى، كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، فذكره . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا هشيم بن بشير، عن يزيد بن أبي زياد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: لما نزلت: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} . قال: قلنا: يا رسول الله، قد علمنا السلام فكيف الصلاة عليك؟ قال: "قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. إنك حميد مجيد". وكان عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول: وعلينا معهم. ورواه الترمذي بهذه الزيادة . ومعنى قولهم: "أما السلام عليك فقد عرفناه": هو الذي في التشهد الذي كان يعلمهم إياه، كما كان يعلمهم السورة من القرآن، وفيه: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته". حديث آخر: قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال: قلنا: يا رسول الله، هذا السلام فكيف نصلي عليك: قال: "قولوا: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، كما صليت على آل إبراهيم. وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم". [وفي رواية] : قال أبو صالح، عن الليث: "على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم". حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا ابن أبي حازم والدراوردي، عن يزيد -يعني: ابن الهاد -قال: "كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم". وأخرجه النسائي وابن ماجه، من حديث ابن الهاد، به .
حديث آخر: قال الإمام أحمد: قرأت على عبد الرحمن: مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرو بن سليم أنه قال: أخبرني أبو حميد الساعدي أنهم قالوا: يا رسول الله، كيف نصلي عليك؟ قال: "قولوا: اللهم" صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على [آل] إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". وقد أخرجه بقية الجماعة، سوى الترمذي، من حديث مالك، به . حديث آخر: قال مسلم: حدثنا يحيى التميمي قال: قرأت على مالك، عن نعيم بن عبد الله المجمر، أخبرني محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري -قال: وعبد الله بن زيد هو الذي كان أري النداء بالصلاة -أخبره عن أبي مسعود الأنصاري -قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك [يا رسول الله] ، فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم". وقد رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي من حديث مالك، به . وقال الترمذي: حسن صحيح. وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم في مستدركه، من حديث محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، عن أبي مسعود البدري أنهم قالوا: يا رسول الله، أما السلام فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا؟ فقال: "قولوا: اللهم، صل على محمد وعلى آل محمد ... " وذكره . ورواه الشافعي، رحمه الله، في مسنده، عن أبي هريرة، بمثله . ومن هاهنا ذهب الشافعي، رحمه الله، إلى أنه يجب على المصلي أن يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير، فإن تركه لم تصح صلاته. وقد شرع بعض المتأخرين من المالكية وغيرهم يشنع على الإمام الشافعي في اشتراطه ذلك في الصلاة، ويزعم أنه قد تفرد بذلك، وحكى الإجماع على خلافه أبو جعفر الطبري والطحاوي والخطابي وغيرهم، فيما نقله القاضي عياض. وقد تعسف القائل في رده على الشافعي، وتكلف في دعواه الإجماع في ذلك، [وقال ما لم يحط به علما] ، فإنه قد روينا وجوب ذلك والأمر بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة كما هو ظاهر الآية، ومفسر بهذا الحديث عن جماعة من الصحابة، منهم: ابن مسعود، وأبو مسعود البدري، وجابر بن عبد الله، ومن التابعين: الشعبي، وأبو جعفر الباقر، ومقاتل بن حيان. وإليه ذهب الشافعي، لا خلاف عنه في ذلك ولا بين أصحابه أيضا، وإليه ذهب [الإمام] أحمد أخيرا فيما حكاه عنه أبو زرعة الدمشقي، به. وبه قال إسحاق بن راهويه، والفقيه الإمام محمد بن إبراهيم المعروف بابن المواز المالكي، رحمهم الله، حتى إن بعض أئمة الحنابلة أوجب أن يقال في الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم كما علمهم أن يقولوا لما سألوه، وحتى إن بعض أصحابنا أوجب الصلاة على الآل ممن حكاه البندنيجي، وسليم الرازي، وصاحبه نصر بن إبراهيم المقدسي، ونقله إمام الحرمين وصاحبه الغزالي قولا عن الشافعي. والصحيح أنه وجه، على أن الجمهور على خلافه، وحكوا الإجماع على خلافه، وللقول بوجوبه ظواهر الحديث، والله أعلم. والغرض أن الشافعي، رحمه الله، لقوله بوجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة -سلف وخلف كما تقدم، لله الحمد والمنة، فلا إجماع على خلافه في هذه المسألة لا قديما ولا حديثا، والله أعلم.
ومما يؤيد ذلك: الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي -وصححه -والنسائي وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما، من رواية حيوة بن شريح المصري، عن أبي هانئ حميد بن هانئ، عن عمرو بن مالك أبي علي الجنبي ، عن فضالة بن عبيد، رضي الله عنه، قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو في صلاته، لم يمجد الله ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجل هذا". ثم دعاه فقال له ولغيره: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله، عز وجل، والثناء عليه، ثم ليصل على النبي ثم ليدع [بعد] بما شاء" . وكذا الحديث الذي رواه ابن ماجه، من رواية عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا صلاة لمن لم يصل على النبي، ولا صلاة لمن لم يحب الأنصار . ولكن عبد المهيمن هذا متروك. وقد رواه الطبراني من رواية أخيه "أبي بن عباس"، ولكن في ذلك نظر . وإنما يعرف من رواية "عبد المهيمن"، والله أعلم. حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا إسماعيل، عن أبي داود الأعمى، عن بريدة قال: قلنا: يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: "قولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد، كما جعلتها على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد". أبو داود الأعمى اسمه: نفيع بن الحارث، متروك . حديث آخر موقوف: رويناه من طريق سعيد بن منصور وزيد بن الحباب ويزيد بن هارون، ثلاثتهم عن نوح بن قيس: حدثنا سلامة الكندي: أن عليا، رضي الله عنه، كان يعلم الناس هذا الدعاء: اللهم داحي المدحوات، وبارئ المسموكات، وجبار القلوب على فطرتها شقيها وسعيدها. اجعل شرائف صلواتك، ونوامي بركاتك، ورأفة تحننك، على محمد عبدك ورسولك، الخاتم لما سبق، والفاتح لما أغلق، والمعلن الحق بالحق، والدامغ جيشات الأباطيل، كما حمل فاضطلع بأمرك لطاعتك، مستوفزا في مرضاتك، غير نكل في قدم، ولا وهن في عزم، واعيا لوحيك، حافظا لعهدك، ماضيا على نفاذ أمرك، حتى أورى قبسا لقابس، آلاء الله تصل بأهله أسبابه، به هديت القلوب بعد خوضات الفتن والإثم، [وأقام] موضحات الأعلام، ومنيرات الإسلام ونائرات الأحكام، فهو أمينك المأمون، وخازن علمك المخزون، وشهيدك يوم الدين، وبعيثك نعمة، ورسولك بالحق رحمة. اللهم افسح له مفسحات في عدلك، واجزه مضاعفات الخير من فضلك. مهنآت له غير مكدرات، من فوز ثوابك المعلول، وجزيل عطائك المجمول. اللهم، أعل على بناء البانين بنيانه وأكرم مثواه لديك ونزله. وأتمم له نوره، واجزه من ابتعاثك له مقبول الشهادة، مرضي المقالة، ذا منطق عدل، وخطة فصل، وحجة وبرهان عظيم . هذا مشهور من كلام علي، رضي الله عنه، وقد تكلم عليه ابن قتيبة في مشكل الحديث، وكذا أبو الحسين أحمد بن فارس اللغوي في جزء جمعه في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن في إسناده نظرا. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: سلامة الكندي هذا ليس بمعروف، ولم يدرك عليا . كذا قال. وقد روى الحافظ أبو القاسم الطبراني هذا الأثر عن محمد بن علي الصائغ، عن سعيد بن منصور، حدثنا نوح بن قيس، عن سلامة الكندي قال: كان علي، رضي الله عنه، يعلمنا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: "اللهم، داحي المدحوات" وذكره .
سوالات
- اسلام میں ایمان کے چھ ارکان کیا ہیں؟
- اسلام موت کے بعد کی زندگی کے بارے میں کیا تعلیم دیتا ہے؟
- مسلمان انبیاء کے بارے میں کیا عقیدہ رکھتے ہیں؟
- سورۂ فاتحہ کا کیا مطلب ہے؟
- قرآن صبر کے بارے میں کیا تعلیم دیتا ہے؟
- قرآن زندگی کے مقصد کے بارے میں کیا کہتا ہے؟
- اسلام تزکیۂ قلب کو کیسے بیان کرتا ہے؟
- نبی محمد صلی اللہ علیہ وسلم کون ہیں؟