Qur'an&Sunnah

İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm

حصہ V08/P149–V08/P151

حدثني أبو الطاهر، أخبرنا ابن وهب، حدثني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أن أباه كتب إلى عمر بن عبد الله بن الأرقم الزهري يأمره أن يدخل على سبيعة بنت الحارث الأسلمية فيسألها عن حديثها وعما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استفتته. فكتب عمر بن عبد الله يخبره أن سبيعة أخبرته أنها كانت تحت سعد بن خولة -وكان ممن شهد بدرا-فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك فقال لها: مالي أراك متجملة؟ لعلك ترجين النكاح، إنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي. هذا لفظ مسلم. ورواه البخاري مختصرا ثم قال البخاري بعد [ذلك، أي: بعد] رواية الحديث الأول عند هذه الآية: وقال سليمان بن حرب وأبو النعمان: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد -هو ابن سيرين-قال: كنت في حلقة فيها عبد الرحمن بن أبي ليلى، رحمه الله، وكان أصحابه يعظمونه، فذكر آخر الأجلين، فحدثت بحديث سبيعة بنت الحارث عن عبد الله بن عتبة، قال: فضمزلي بعض أصحابه، وقال محمد: ففطنت له فقلت: له إني لجريء أن أكذب على عبد الله وهو في ناحية الكوفة. قال: فاستحيا وقال: لكن عمه لم يقل ذلك. فلقيت أبا عطية مالك بن عامر فسألته، فذهب يحدثني بحديث سبيعة، فقلت: هل سمعت عن عبد الله شيئا؟ فقال: كنا عند عبد الله فقال: أتجعلون عليها التغليظ، ولا تجعلون عليها الرخصة؟ نزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} ورواه ابن جرير، من طريق سفيان بن عيينة وإسماعيل بن علية، عن أيوب به مختصرا ورواه النسائي في التفسير عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، فذكره وقال ابن جرير: حدثني زكريا بن يحيى بن أبان المصري، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، حدثني ابن شبرمة الكوفي، عن إبراهيم، عن علقمة بن قيس؛ أن عبد الله بن مسعود قال: من شاء لاعنته، ما نزلت: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} إلا بعد آية المتوفى عنها زوجها. قال: وإذا وضعت المتوفى عنها زوجها فقد حلت. يريد بآية المتوفى عنها زوجها {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] وقد رواه النسائي من حديث سعيد بن أبي مريم، به ثم قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: ذكر عند ابن مسعود آخر الأجلين، فقال: من شاء قاسمته بالله إن هذه الآية التي في النساء القصرى نزلت بعد الأربعة الأشهر والعشر ثم قال أجل الحامل أن تضع ما في بطنها . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: بلغ ابن مسعود أن عليا، رضي الله عنه، يقول: آخر الأجلين. فقال: من شاء لاعنته، إن التي في النساء القصرى نزلت بعد البقرة: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} ورواه أبو داود وابن ماجه، من حديث أبي معاوية، عن الأعمش وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثني محمد بن أبي بكر المقدمي، أخبرنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا المثنى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، عن أبي بن كعب قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} المطلقة ثلاثا أو المتوفى عنها ؟ فقال: "هي المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها"

حصہ V08/P151–V08/P152

هذا حديث غريب جدا، بل منكر؛ لأن في إسناده المثنى بن الصباح، وهو متروك الحديث بمرة ولكن رواه ابن أبي حاتم بسند آخر، فقال: حدثنا محمد بن داود السمناني، حدثنا عمرو بن خالد -يعني: الحراني-حدثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي بن كعب، أنه لما نزلت هذه الآية قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أدري أمشتركة أم مبهمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أية آية؟ ". قال: {أجلهن أن يضعن حملهن} المتوفى عنها والمطلقة؟ قال: "نعم". وكذا رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن موسى بن داود، عن ابن لهيعة، به. ثم رواه عن أبي كريب أيضا، عن مالك بن إسماعيل، عن ابن عيينة، عن عبد الكريم بن أبي المخارق أنه حدث عن أبي بن كعب قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} قال: "أجل، كل حامل أن تضع ما في بطنها" عبد الكريم هذا ضعيف، ولم يدرك أبيا. وقوله: {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا} أي: يسهل له أمره، وييسره عليه، ويجعل له فرجا قريبا ومخرجا عاجلا. ثم قال: {ذلك أمر الله أنزله إليكم} أي: حكمه وشرعه أنزله إليكم بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم، {ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا} أي: يذهب عنه المحذور، ويجزل له الثواب على العمل اليسير. {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا } يقول تعالى آمرا عباده إذا طلق أحدهم المرأة أن يسكنها في منزل حتى تنقضي عدتها، فقال: {أسكنوهن من حيث سكنتم} أي: عندكم، {من وجدكم} قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: يعني سعتكم. حتى قال قتادة: إن لم تجد إلا جنب بيتك فأسكنها فيه. وقوله: {ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن} قال مقاتل بن حيان: يعني يضاجرها لتفتدي منه بمالها أو تخرج من مسكنه. وقال الثوري، عن منصور، عن أبي الضحى: {ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن} قال: يطلقها، فإذا بقي يومان راجعها. وقوله: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} قال كثير من العلماء منهم ابن عباس، وطائفة من السلف، وجماعات من الخلف: هذه في البائن، إن كانت حاملا أنفق عليها حتى تضع حملها، قالوا: بدليل أن الرجعية تجب نفقتها، سواء كانت حاملا أو حائلا. وقال آخرون: بل السياق كله في الرجعيات، وإنما نص على الإنفاق على الحامل وإن كانت رجعية؛ لأن الحمل تطول مدته غالبا، فاحتيج إلى النص على وجوب الإنفاق إلى الوضع؛ لئلا يتوهم أنه إنما تجب النفقة بمقدار مدة العدة. واختلف العلماء: هل النفقة لها بواسطة الحمل، أم للحمل وحده؟ على قولين منصوصين عن الشافعي وغيره، ويتفرع عليها مسائل مذكورة في علم الفروع. وقوله: {فإن أرضعن لكم} أي: إذا وضعن حملهن وهن طوالق، فقد بن بانقضاء عدتهن، ولها حينئذ أن ترضع الولد، ولها أن تمتنع منه، ولكن بعد أن تغذيه باللبأ -وهو باكورة اللبن الذي لا قوام للولد غالبا إلا به-فإن أرضعت استحقت أجر مثلها، ولها أن تعاقد أباه أو وليه على ما يتفقان عليه من أجرة؛ ولهذا قال تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} وقوله: {وأتمروا بينكم بمعروف} أي: ولتكن أموركم فيما بينكم بالمعروف، من غير إضرار ولا مضارة، كما قال تعالى في سورة "البقرة": {لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده} [البقرة: 233] وقوله: {وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى} أي: وإن اختلف الرجل والمرأة، فطلبت المرأة أجرة الرضاع كثيرا ولم يجبها الرجل إلى ذلك، أو بذل الرجل قليلا ولم توافقه عليه، فليسترضع له غيرها. فلو رضيت الأم بما استؤجرت عليه الأجنبية فهي أحق بولدها.

حصہ V08/P152–V08/P154

وقوله: {لينفق ذو سعة من سعته} أي: لينفق على المولود والده، أو وليه، بحسب قدرته، {ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} كقوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] . روى ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام، عن أبي سنان قال: سأل عمر بن الخطاب عن أبي عبيدة، فقيل: إنه يلبس الغليظ من الثياب، ويأكل أخشن الطعام، فبعث إليه بألف دينار، وقال للرسول: انظر ما يصنع بها إذا هو أخذها: فما لبث أن لبس اللين من الثياب، وأكل أطيب الطعام، فجاءه الرسول فأخبره، فقال: رحمه الله، تأول هذه الآية: {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله} وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا هاشم بن مرثد الطبراني، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، أخبرني أبي، أخبرني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري -واسمه الحارث-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة نفر، كان لأحدهم عشرة دنانير، فتصدق منها بدينار. وكان لآخر عشر أواق، فتصدق منها بأوقية. وكان لآخر مائة أوقية، فتصدق منها بعشر أواق". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هم في الأجر سواء، كل قد تصدق بعشر ماله، قال الله تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته} هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقوله: {سيجعل الله بعد عسر يسرا} وعد منه تعالى، ووعده حق، لا يخلفه، وهذه كقوله تعالى: {فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا} [الشرح: 5، 6] وقد روى الإمام أحمد حديثا يحسن أن نذكره ها هنا، فقال: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، حدثنا شهر بن حوشب قال: قال أبو هريرة: بينما رجل وامرأة له في السلف الخالي لا يقدران على شيء، فجاء الرجل من سفره، فدخل على امرأته جائعا قد أصاب مسغبة شديدة، فقال لامرأته: عندك شيء؟ قالت: نعم، أبشر، أتاك رزق الله، فاستحثها، فقال: ويحك! ابتغي إن كان عندك شيء. قالت نعم، هنيهة -ترجو رحمة الله-حتى إذا طال عليه الطوى قال: ويحك! قومي فابتغي إن كان عندك شيء فائتيني به، فإني قد بلغت وجهدت. فقال: نعم، الآن ينضح التنور فلا تعجل. فلما أن سكت عنها ساعة وتحينت أن يقول لها، قالت من عند نفسها: لو قمت فنظرت إلى تنوري؟ فقامت فنظرت إلى تنورها ملآن من جنوب الغنم، ورحييها تطحنان. فقامت إلى الرحى فنفضتها، واستخرجت ما في تنورها من جنوب الغنم. قال أبو هريرة: فوالذي نفس أبي القاسم بيده، هو قول محمد صلى الله عليه وسلم: "لو أخذت ما في رحييها ولم تنفضها لطحنتا إلى يوم القيامة" وقال في موضع آخر: حدثنا أبو عامر، حدثنا أبو بكر، عن هشام، عن محمد -وهو ابن سيرين-عن أبي هريرة قال: دخل رجل على أهله، فلما رأى ما بهم من الحاجة خرج إلى البرية، فلما رأت امرأته قامت إلى الرحى فوضعتها، وإلى التنور فسجرته، ثم قالت: اللهم ارزقنا. فنظرت، فإذا الجفنة قد امتلأت، قال: وذهبت إلى التنور فوجدته ممتلئا، قال: فرجع الزوج قال: أصبتم بعدي شيئا؟ قالت امرأته: نعم، من ربنا. قام إلى الرحى، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما إنه لو لم ترفعها، لم تزل تدور إلى يوم القيامة" {وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا }

حصہ V08/P154–V08/P155

يقول تعالى متوعدا لمن خالف أمره، وكذب رسله، وسلك غير ما شرعه، ومخبرا عما حل بالأمم السالفة بسبب ذلك، فقال: {وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله} أي: تمردت وطغت واستكبرت عن اتباع أمر الله ومتابعة رسله، {فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا} أي: منكرا فظيعا. {فذاقت وبال أمرها} أي: غب مخالفتها، وندموا حيث لا ينفعهم الندم، {وكان عاقبة أمرها خسرا أعد الله لهم عذابا شديدا} أي: في الدار الآخرة، مع ما عجل لهم في الدنيا. ثم قال بعد ما قص من خبر هؤلاء: {فاتقوا الله يا أولي الألباب} أي: الأفهام المستقيمة، لا تكونوا مثلهم فيصيبكم ما أصابهم يا أولي الألباب، {الذين آمنوا} أي: صدقوا بالله ورسله، {قد أنزل الله إليكم ذكرا} يعني: القرآن. كقوله {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9] وقوله: {رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات} قال بعضهم: {رسولا} منصوب على أنه بدل اشتمال وملابسة؛ لأن الرسول هو الذي بلغ الذكر. وقال ابن جرير: الصواب أن الرسول ترجمة عن الذكر، يعني تفسيرا له ولهذا قال تعالى: {رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات} أي في حال كونها بينة واضحة جلية {ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور} كقوله تعالى {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور} [إبراهيم: 1] وقال تعالى {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} [البقرة: 257] أي من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم وقد سمى الله تعالى الوحي الذي أنزله نورا لما يحصل به من الهدى كما سماه روحا لما يحصل به من حياة القلوب فقال: تعالى {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} [الشورى: 52] وقوله: {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا} قد تقدم تفسير مثل هذا غير مرة بما أغنى عن إعادته. {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما } يقول تعالى مخبرا عن قدرته التامة وسلطانه العظيم ليكون ذلك باعثا على تعظيم ما شرع من الدين القويم {الله الذي خلق سبع سماوات} كقوله تعالى إخبارا عن نوح أنه قال لقومه {ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا} [نوح: 15] وقال تعالى {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن} [الإسراء: 44] . وقوله تعالى {ومن الأرض مثلهن} أي سبعا أيضا، كما ثبت في الصحيحين "من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين " وفي صحيح البخاري "خسف به إلى سبع أرضين " وقد ذكرت طرقه وألفاظه وعزوه في أول" البداية والنهاية" عند ذكر خلق الأرض ولله الحمد والمنة. ومن حمل ذلك على سبعة أقاليم فقد أبعد النجعة، وأغرق في النزع وخالف القرآن والحديث بلا مستند. وقد تقدم في سورة الحديد عند قوله: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن} [الآية: 3] ذكر الأرضين السبع، وبعد ما بينهن وكثافة كل واحدة منهن خمسمائة عام وهكذا قال ابن مسعود وغيره، وكذا في الحديث الآخر "ما السماوات السبع وما فيهن وما بينهن والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة" . وقال ابن جرير حدثنا عمرو بن علي، حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: {سبع سماوات ومن الأرض مثلهن} قال لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم وكفركم تكذيبكم بها.

حصہ V08/P155–V08/P157

وحدثنا ابن حميد حدثنا يعقوب بن عبد الله بن سعد القمي الأشعري عن جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي عن سعيد بن جبير، قال: قال رجل لابن عباس {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن} الآية. فقال: ابن عباس ما يؤمنك إن أخبرتك بها فتكفر. وقال ابن جرير حدثنا عمرو بن علي ومحمد بن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي الضحى عن ابن عباس في هذه الآية {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن} قال عمرو قال في كل أرض مثل إبراهيم ونحو ما على الأرض من الخلق. وقال ابن المثنى في حديثه في كل سماء إبراهيم وقد وروى البيهقي في كتاب الأسماء والصفات هذا الأثر عن ابن عباس بأبسط من هذا [السياق] فقال: أنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أحمد بن يعقوب حدثنا عبيد بن غنام النخعي أنا علي بن حكيم حدثنا شريك عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس قال {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن} قال سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدم ونوح كنوح وإبراهيم كإبراهيم وعيسى كعيسى. ثم رواه البيهقي من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي الضحى عن ابن عباس في قول الله عز وجل {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن} قال في كل أرض نحو إبراهيم عليه السلام. ثم قال البيهقي إسناد هذا عن ابن عباس صحيح وهو شاذ بمرة لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعا والله أعلم قال الإمام أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا القرشي في كتابه التفكر والاعتبار حدثني إسحاق بن حاتم المدائني حدثنا يحيى بن سليمان عن عثمان بن أبي دهرس قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى أصحابه وهم سكوت لا يتكلمون فقال: "ما لكم لا تتكلمون؟ "فقال: وا نتفكر في خلق الله عز وجل قال "فكذلك فافعلوا تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا فيه فإن بهذا المغرب أرضا بيضاء نورها ساحتها -أو قال ساحتها نورها -مسيرة الشمس أربعين يوما بها خلق الله تعالى لم يعصوا الله طرفة عين قط "قالوا فأين الشيطان عنهم؟ قال "ما يدرون خلق الشيطان أم لم يخلق؟ "قالوا أمن ولد آدم؟ قال "لا يدرون خلق آدم أم لم يخلق؟ " وهذا حديث مرسل وهو منكر جدا وعثمان بن أبي دهرش ذكره ابن أبي حاتم في كتابه فقال: روى عن رجل من آل الحكم بن أبي العاص وعنه سفيان بن عيينة ويحيى بن سليم الطائفي وابن المبارك سمعت أبي يقول ذلك. تفسير سورة التحريم وهي مدنية. بسم الله الرحمن الرحيم {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا } اختلف في سبب نزول صدر هذه السورة، فقيل: نزلت في شأن مارية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرمها، فنزل قوله: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك} الآية. قال أبو عبد الرحمن النسائي: أخبرنا إبراهيم بن يونس بن محمد، حدثنا أبي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها، فأنزل الله، عز وجل: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} ؟ إلى آخر الآية .

حصہ V08/P157–V08/P159

وقال ابن جرير: حدثني ابن عبد الرحيم البرقي حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسان، حدثني زيد بن أسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصاب أم إبراهيم في بيت بعض نسائه، فقالت: أي رسول الله، في بيتي وعلى فراشي؟! فجعلها عليه حراما فقالت: أي رسول الله، كيف يحرم عليك الحلال؟ فحلف لها بالله لا يصيبها. فأنزل الله: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} ؟ قال زيد: بن أسلم فقوله: أنت علي حرام لغو . وهكذا روى عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه. وقال ابن جرير أيضا حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، عن مالك، عن زيد بن أسلم، قال: قل لها: "أنت علي حرام، ووالله لا أطؤك". وقال سفيان الثوري وابن علية، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق قال: آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرم، فعوتب في التحريم، وأمر بالكفارة في اليمين. رواه ابن جرير. وكذا روي عن قتادة، وغيره، عن الشعبي، نفسه. وكذا قال غير واحد من السلف، منهم الضحاك، والحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وروى العوفي، عن ابن عباس القصة مطولة. وقال ابن جرير: حدثنا سعيد بن يحيى، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: قلت لعمر بن الخطاب من المرأتان؟ قال: عائشة وحفصة. وكان بدء الحديث في شأن أم إبراهيم القبطية، أصابها النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة في نوبتها فوجدت حفصة، فقالت: يا نبي الله، لقد جئت إلي شيئا ما جئت إلى أحد من أزواجك، في يومي، وفي دوري، وعلى فراشي. قال: "ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها؟ ". قالت: بلى. فحرمها وقال: "لا تذكري ذلك لأحد". فذكرته لعائشة، فأظهره الله عليه، فأنزل الله: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك} الآيات فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر [عن] يمينه، وأصاب جاريته . وقال الهيثم بن كليب في مسنده: حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لحفصة: "لا تخبري أحدا، وإن أم إبراهيم علي حرام". فقالت: أتحرم ما أحل الله لك؟ قال: "فوالله لا أقربها". قال: فلم يقربها حتى أخبرت عائشة. قال فأنزل الله: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} وهذا إسناد صحيح، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد اختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه المستخرج . وقال ابن جرير: أيضا حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا هشام الدستوائي قال: كتب إلي يحيى يحدث عن يعلى بن حكيم، عن سعيد بن جبير: أن ابن عباس كان يقول في الحرام: يمين تكفرها، وقال ابن عباس: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: 21] يعني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم جاريته فقال الله: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} ؟ إلى قوله: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} فكفر يمينه، فصير الحرام يمينا . ورواه البخاري عن معاذ بن فضالة، عن هشام -هو الدستوائي-عن يحيى -هو ابن كثير-عن ابن حكيم -وهو يعلى-عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في الحرام: يمين تكفر. وقال ابن عباس: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: 21] . ورواه مسلم من حديث هشام الدستوائي به . وقال النسائي: أنا عبد الله بن عبد الصمد بن علي، حدثنا مخلد -هو ابن يزيد-حدثنا سفيان، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتاه رجل فقال: إني جعلت امرأتي علي حراما؟ قال: كذبت ليس عليك بحرام. ثم تلا هذه الآية: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} ؟ عليك أغلظ الكفارات، عتق رقبة. تفرد به النسائي من هذا الوجه، بهذا اللفظ .

حصہ V08/P159–V08/P160

وقال الطبراني: حدثنا محمد بن زكريا، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} ؟ قال: حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريته . ومن هاهنا ذهب من ذهب من الفقهاء ممن قال بوجوب الكفارة على من حرم جاريته أو زوجته أو طعاما أو شرابا أو ملبسا أو شيئا من المباحات، وهو مذهب الإمام أحمد وطائفة. وذهب الشافعي إلى أنه لا تجب الكفارة فيما عدا الزوجة والجارية، إذا حرم عينيهما أو أطلق التحريم فيهما في قوله، فأما إن نوى بالتحريم طلاق الزوجة أو عتق الأمة، نفذ فيهما. وقال ابن أبي حاتم: حدثني أبو عبد الله الظهراني أخبرنا حفص بن عمر العدني، أخبرنا الحكم بن أبان، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} ؟ في المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم. وهذا قول غريب، والصحيح أن ذلك كان في تحريمه العسل، كما قال البخاري عند هذه الآية: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يشرب عسلا عند زينب بنت جحش، ويمكث عندها، فتواطأت أنا وحفصة على: أيتنا دخل عليها، فلتقل له: أكلت مغافير؟ إني أجد منك ريح مغافير. قال: "لا ولكني كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش، فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدا"، {تبتغي مرضاة أزواجك} . هكذا أورد هذا الحديث هاهنا بهذا اللفظ، وقال في كتاب "الأيمان والنذور": حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا الحجاج، عن ابن جريج قال: زعم عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يقول: سمعت عائشة تزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير؛ أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ذلك له، فقال: "لا بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش، ولن أعود له". فنزلت: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} ؟ إلى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} لعائشة وحفصة، {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا} لقوله: "بل شربت عسلا". وقال إبراهيم بن موسى، عن هشام: "ولن أعود له، وقد حلفت، فلا تخبري بذلك أحدا" . وهكذا رواه في كتاب "الطلاق" بهذا الإسناد، ولفظه قريب منه . ثم قال: المغافير: شبيه بالصمغ، يكون في الرمث فيه حلاوة، أغفر الرمث: إذا ظهر فيه. واحدها مغفور، ويقال: مغافير. وهكذا قال الجوهري، قال: وقد يكون المغفور أيضا للعشر والثمام والسلم والطلح. قال: والرمث، بالكسر: مرعى من مراعي الإبل، وهو من الحمض. قال: والعرفط: شجر من العضاه ينضح المغفور [منه] . وقد روى مسلم هذا الحديث في كتاب "الطلاق" من صحيحه، عن محمد بن حاتم، عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج، أخبرني عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة، به، ولفظه كما أورده البخاري في "الأيمان والنذور".

حصہ V08/P160–V08/P161

ثم قال البخاري في كتاب "الطلاق": حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلوى والعسل، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه، فيدنو من إحداهن. فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس، فغرت فسألت عن ذلك، فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل، فسقت النبي صلى الله عليه وسلم منه شربة، فقلت: أما والله لنحتالن له. فقلت لسودة بنت زمعة: إنه سيدنو منك، فإذا دنا منك فقولي: أكلت مغافير؟ فإنه سيقول ذلك لا. فقولي له: ما هذه الريح التي أجد؟ فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل. فقولي: جرست نحله العرفط. وسأقول ذلك، وقولي أنت له يا صفية ذلك، قالت -تقول سودة-: والله ما هو إلا أن قام على الباب، فأردت أن أناديه بما أمرتني فرقا منك، فلما دنا منها قالت له سودة: يا رسول الله، أكلت مغافير؟ قال: "لا ". قالت: فما هذه الريح التي أجد منك؟ قال: "سقتني حفصة شربة عسل". قالت: جرست نحله العرفط. فلما دار إلي قلت نحو ذلك، فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة قالت له: يا رسول الله، ألا أسقيك منه؟ قال: "لا حاجة لي فيه". قالت -تقول سودة-: والله لقد حرمناه. قلت لها: اسكتي . هذا لفظ البخاري. وقد رواه مسلم عن سويد بن سعيد، عن علي بن مسهر، به. وعن أبي كريب وهارون بن عبد الله والحسن بن بشر، ثلاثتهم عن أبي أسامة، حماد بن أسامة، عن هشام بن عروة، به وعنده قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه أن يوجد منه الريح يعني: الريح الخبيثة؛ ولهذا قلن له: أكلت مغافير لأن ريحها فيه شيء. فلما قال: "بل شربت عسلا ". قلن: جرست نحله العرفط، أي: رعت نحله شجر العرفط الذي صمغه المغافير؛ فلهذا ظهر ريحه في العسل الذي شربته. قال الجوهري: جرست نحله العرفط تجرس: إذا أكلته، ومنه قيل للنحل: جوارس، قال الشاعر: تظل على الثمراء منها جوارس وقال: الجرس والجرس: الصوت الخفي. ويقال: سمعت جرس الطير: إذا سمعت صوت مناقيرها على شيء تأكله، وفي الحديث: "فيسمعون جرس طير الجنة". قال الأصمعي: كنت في مجلس شعبة قال: "فيسمعون جرش طير الجنة" بالشين [المعجمة] فقلت: "جرس"؟! فنظر إلي فقال: خذوها عنه، فإنه أعلم بهذا منا . والغرض أن هذا السياق فيه أن حفصة هي الساقية للعسل، وهو من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن خالته عن عائشة. وفي طريق ابن جريج عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة أن زينب بنت جحش هي التي سقت العسل، وأن عائشة وحفصة تواطأتا وتظاهرتا عليه، فالله أعلم. وقد يقال: إنهما واقعتان، ولا بعد في ذلك، إلا أن كونهما سببا لنزول هذه الآية فيه نظر، والله أعلم.

حصہ V08/P161–V08/P162

ومما يدل على أن عائشة وحفصة، رضي الله عنهما، هما المتظاهرتان الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عباس قال: لم أزل حريصا على أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} حتى حج عمر وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة. فتبرز ثم أتاني، فسكبت على يديه فتوضأ، فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، اللتان قال الله تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} ؟ فقال عمر: واعجبا لك يا ابن عباس -قال الزهري: كره-والله ما سألته عنه ولم يكتمه قال: هي حفصة وعائشة. قال: ثم أخذ يسوق الحديث. قال: كنا معشر قريش قوما نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، قال: وكان منزلي في دار بني أمية بن زيد بالعوالي. قال: فغضبت يوما على امرأتي فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. قال: فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت: أتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: نعم. قلت: وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم. قلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله، فإذا هي قد هلكت؟ لا تراجعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسأليه شيئا، وسليني من مالي ما بدا لك، ولا يغرنك إن كانت جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك -يريد عائشة-قال: وكان لي جار من الأنصار، وكنا نتناوب النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل يوما وأنزل يوما، فيأتيني بخبر الوحي وغيره، وآتيه بمثل ذلك. قال: وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا، فنزل صاحبي يوما ثم أتى عشاء، فضرب بابي ثم ناداني، فخرجت إليه فقال: حدث أمر عظيم! فقلت: وما ذاك؟ أجاءت غسان؟ قال: لا بل أعظم من ذلك وأطول! طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، فقلت: قد خابت حفصة وخسرت، قد كنت أظن هذا كائنا. حتى إذا صليت الصبح شددت علي ثيابي ثم نزلت، فدخلت على حفصة وهي تبكي فقلت: أطلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: لا أدري، هو هذا معتزل في هذه المشربة فأتيت غلاما له أسود فقلت: استأذن لعمر. فدخل الغلام ثم خرج إلي فقال: ذكرتك له فصمت. فانطلقت حتى أتيت المنبر، فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم، فجلست قليلا ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر. فدخل ثم خرج فقال: قد ذكرتك له فصمت. فخرجت فجلست إلى المنبر، ثم غلبني ما أجد فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر. فدخل ثم خرج إلي فقال: قد ذكرتك له فصمت. فوليت مدبرا فإذا الغلام يدعوني فقال: ادخل، قد أذن لك. فدخلت فسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو متكئ على رمال حصير.

حصہ V08/P162–V08/P163

قال الإمام أحمد: وحدثناه يعقوب في حديث صالح: رمال حصير قد أثر في جنبه، فقلت: أطلقت يا رسول الله نساءك؟ فرفع رأسه إلي وقال: "لا". فقلت: الله أكبر، ولو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش قوما نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، فغضبت على امرأتي يوما، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فوالله أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. فقلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله، فإذا هي قد هلكت. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، فدخلت على حفصة فقلت: لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم -أو: أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك. فتبسم أخرى، فقلت: أستأنس يا رسول الله. قال: "نعم". فجلست فرفعت رأسي في البيت، فوالله ما رأيت في البيت شيئا يرد البصر إلا أهبة ثلاثة فقلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك، فقد وسع على فارس والروم، وهم لا يعبدون الله. فاستوى جالسا وقال: "أفي شك أنت يا بن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا". فقلت: استغفر لي يا رسول الله. وكان أقسم أن لا يدخل عليهن شهرا؛ من شدة موجدته عليهن حتى عاتبه الله، عز وجل . وقد رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، من طرق، عن الزهري، به وأخرجه الشيخان من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبيد بن حنين، عن ابن عباس، قال: مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية، فما أستطيع أن أسأله هيبة له، حتى خرج حاجا فخرجت معه، فلما رجعنا وكنا ببعض الطريق، عدل إلى الأراك لحاجة له، قال: فوقفت حتى فرغ، ثم سرت معه فقلت: يا أمير المؤمنين، من اللتان تظاهرتا على النبي صلى الله عليه وسلم؟ . هذا لفظ البخاري، ولمسلم: من المرأتان اللتان قال الله تعالى: {وإن تظاهرا عليه} ؟ قال: عائشة وحفصة. ثم ساق الحديث بطوله، ومنهم من اختصره. وقال مسلم أيضا: حدثني زهير بن حرب، حدثنا عمر بن يونس الحنفي، حدثنا عكرمة بن عمار، عن سماك بن الوليد -أبي زميل-حدثني عبد الله بن عباس، حدثني عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل نبي الله صلى الله عليه وسلم نساءه، دخلت المسجد، فإذا الناس ينكتون بالحصى، ويقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه! وذلك قبل أن يؤمر بالحجاب. فقلت: لأعلمن ذلك اليوم ... فذكر الحديث في دخوله على عائشة وحفصة، ووعظه إياهما، إلى أن قال: فدخلت، فإذا أنا برباح غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على أسكفة المشربة، فناديت فقلت: يا رباح، استأذن لي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فذكر نحو ما تقدم، إلى أن قال: فقلت يا رسول الله ما يشق عليك من أمر النساء، فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلما تكلمت -وأحمد الله-بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي، ونزلت هذه الآية، آية التخيير: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن} {وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير} فقلت: أطلقتهن؟ قال: "لا". فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه، ونزلت هذه الآية: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83] فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر . وكذا قال سعيد بن جبير، وعكرمة، ومقاتل بن حيان، والضحاك، وغيرهم: {وصالح المؤمنين} أبو بكر وعمر -زاد الحسن البصري: وعثمان. وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: {وصالح المؤمنين} قال: علي بن أبي طالب.

حصہ V08/P163–V08/P165

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن أبي عمر، حدثنا محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين قال: أخبرني رجل ثقة يرفعه إلى علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [في] قوله: {وصالح المؤمنين} قال: هو علي بن أبي طالب. إسناده ضعيف. وهو منكر جدا. وقال البخاري: حدثنا عمرو بن عون، حدثنا هشيم، عن حميد، عن أنس، قال: قال عمر: اجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة عليه، فقلت لهن: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن} فنزلت هذه الآية . وقد تقدم أنه وافق القرآن في أماكن، منها في نزول الحجاب، ومنها في أسارى بدر، ومنها قوله: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فأنزل الله: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} [البقرة: 125] . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا [أبي، حدثنا] الأنصاري، حدثنا حميد، عن أنس قال: قال عمر بن الخطاب: بلغني شيء كان بين أمهات المؤمنين وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فاستقريتهن أقول: لتكفن عن رسول الله أو ليبدلنه الله أزواجا خيرا منكن. حتى أتيت على آخر أمهات المؤمنين، فقالت: يا عمر، أما لي برسول الله ما يعظ نساءه، حتى تعظهن؟! فأمسكت، فأنزل الله، عز وجل: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا} وهذه المرأة التي ردته عما كان فيه من وعظ النساء هي أم سلمة، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري . وقال الطبراني، حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، حدثنا إسماعيل البجلي، حدثنا أبو عوانة، عن أبي سنان، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا} قال: دخلت حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها وهو يطأ مارية، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تخبري عائشة حتى أبشرك ببشارة، فإن أباك يلي الأمر من بعد أبي بكر إذا أنا مت". فذهبت حفصة فأخبرت عائشة، فقالت عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: من أنبأك هذا؟ قال: {نبأني العليم الخبير} فقالت عائشة: لا أنظر إليك حتى تحرم مارية فحرمها، فأنزل الله: {يا أيها النبي لم تحرم} . إسناده فيه نظر، وقد تبين مما أوردناه تفسير هذه الآيات الكريمات. ومعنى قوله: {مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات} ظاهر. وقوله {سائحات} أي: صائمات، قاله أبو هريرة، وعائشة، وابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومحمد بن كعب القرظي، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو مالك، وإبراهيم النخعي، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع بن أنس، والسدي، وغيرهم. وتقدم فيه حديث مرفوع عند قوله: {السائحون} من سورة "براءة"، ولفظه: "سياحة هذه الأمة الصيام". وقال زيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن: {سائحات} أي: مهاجرات، وتلا عبد الرحمن: {السائحون} [التوبة: 112] أي: المهاجرون. والقول الأول أولى، والله أعلم. وقوله: {ثيبات وأبكارا} أي: منهن ثيبات، ومنهن أبكارا، ليكون ذلك أشهى إلى النفوس، فإن التنوع يبسط النفس؛ ولهذا قال: {ثيبات وأبكارا} وقال أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا أبو بكر بن صدقة، حدثنا محمد بن محمد بن مرزوق، حدثنا عبد الله بن أمية، حدثنا عبد القدوس، عن صالح بن حيان، عن ابن بريدة، عن أبيه: {ثيبات وأبكارا} قال: وعد الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أن يزوجه، فالثيب: آسية امرأة فرعون، وبالأبكار: مريم بنت عمران . وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة "مريم عليها السلام" من طريق سويد بن سعيد حدثنا محمد بن صالح بن عمر، عن الضحاك ومجاهد، عن ابن عمر قال: جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بموت خديجة فقال: إن الله يقرئها السلام، ويبشرها ببيت في الجنة من قصب، بعيد من اللهب لا نصب فيه ولا صخب، من لؤلؤة جوفاء بين بيت مريم بنت عمران وبيت آسية بنت مزاحم .

حصہ V08/P165–V08/P167

ومن حديث أبي بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على خديجة، وهي في الموت فقال: "يا خديجة، إذا لقيت ضرائرك فأقرئيهن مني السلام". فقالت: يا رسول الله، وهل تزوجت قبلي؟ قال: "لا"، ولكن الله زوجني مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وكلثم أخت موسى". ضعيف أيضا . وقال أبو يعلى: حدثنا إبراهيم بن عرعرة، حدثنا عبد النور بن عبد الله، حدثنا يونس بن شعيب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعلمت أن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران، وكلثم أخت موسى، وآسية امرأة فرعون". فقلت: هنيئا لك يا رسول الله . وهذا أيضا ضعيف وروي مرسلا عن ابن أبي داود. {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون } {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير } قال سفيان الثوري، عن منصور، عن رجل، عن علي، رضي الله عنه، في قوله تعالى: {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} يقول: أدبوهم، علموهم. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} يقول: اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي الله، ومروا أهليكم بالذكر، ينجيكم الله من النار. وقال مجاهد: {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} قال: اتقوا الله، وأوصوا أهليكم بتقوى الله. . وقال قتادة: يأمرهم بطاعة الله، وينهاهم عن معصية الله، وأن يقوم عليهم بأمر الله، ويأمرهم به ويساعدهم عليه، فإذا رأيت لله معصية، قدعتهم عنها وزجرتهم عنها. وهكذا قال الضحاك ومقاتل: حق على المسلم أن يعلم أهله، من قرابته وإمائه وعبيده، ما فرض الله عليهم، وما نهاهم الله عنه. وفي معنى هذه الآية الحديث الذي رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، من حديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها" . هذا لفظ أبي داود، وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وروى أبو داود، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك . قال الفقهاء: وهكذا في الصوم؛ ليكون ذلك تمرينا له على العبادة، لكي يبلغ وهو مستمر على العبادة والطاعة ومجانبة المعصية وترك المنكر، والله الموفق. وقوله: {وقودها الناس والحجارة} {وقودها} أي: حطبها الذي يلقى فيها جثث بني آدم. {والحجارة} قيل: المراد بذلك الأصنام التي كانت تعبد لقوله: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} [الأنبياء: 98] . وقال ابن مسعود ومجاهد وأبو جعفر الباقر، والسدي: هي حجارة من كبريت -زاد مجاهد: أنتن من الجيفة. وروى ذلك ابن أبي حاتم، رحمه الله، ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن سنان المنقري، حدثنا عبد العزيز -يعني ابن أبي راود-قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة} وعنده بعض أصحابه، وفيهم شيخ، فقال الشيخ: يا رسول الله، حجارة جهنم كحجارة الدنيا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، لصخرة من صخر جهنم أعظم من جبال الدنيا كلها". قال: فوقع الشيخ مغشيا عليه، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على فؤاده فإذا هو حي فناداه قال: "يا شيخ"، قل: "لا إله إلا الله". فقالها، فبشره بالجنة، قال: فقال أصحابه: يا رسول الله، أمن بيننا؟ قال: "نعم، يقول الله تعالى: {ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد} [إبراهيم: 14] هذا حديث مرسل غريب.

حصہ V08/P167–V08/P168

وقوله: {عليها ملائكة غلاظ شداد} أي: طباعهم غليظة، قد نزعت من قلوبهم الرحمة بالكافرين بالله، {شداد} أي: تركيبهم في غاية الشدة والكثافة والمنظر المزعج. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، حدثنا أبي، عن عكرمة أنه قال: إذا وصل أول أهل النار إلى النار، وجدوا على الباب أربعمائة ألف من خزنة جهنم، سود وجوههم، كالحة أنيابهم، قد نزع الله من قلوبهم الرحمة، ليس في قلب واحد منهم مثقال ذرة من الرحمة، لو طير الطير من منكب أحدهم لطار شهرين قبل أن يبلغ منكبه الآخر، ثم يجدون على الباب التسعة عشر، عرض صدر أحدهم سبعون خريفا، ثم يهوون من باب إلى باب خمسمائة سنة، ثم يجدون على كل باب منها مثل ما وجدوا على الباب الأول، حتى ينتهوا إلى آخرها. وقوله: {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} أي: مهما أمرهم به تعالى يبادروا إليه، لا يتأخرون عنه طرفة عين، وهم قادرون على فعله ليس بهم عجز عنه. وهؤلاء هم الزبانية عياذا بالله منهم. وقوله: {يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون} أي: يقال للكفرة يوم القيامة: لا تعتذروا فإنه لا يقبل منكم، وإنما تجزون اليوم بأعمالكم. ثم قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا} أي: توبة صادقة جازمة، تمحو ما قبلها من السيئات وتلم شعث التائب وتجمعه، وتكفه عما كان يتعاطاه من الدناءات. قال ابن جرير: حدثنا ابن مثنى، حدثنا محمد، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب: سمعت النعمان بن بشير يخطب: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يقول: {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا} قال: يذنب الذنب ثم لا يرجع فيه. وقال الثوري، عن سماك، عن النعمان، عن عمر قال: التوبة النصوح: أن يتوب من الذنب ثم لا يعود فيه، أو لا يعود فيه. وقال أبو الأحوص وغيره، عن سماك، عن النعمان، سئل عمر عن التوبة النصوح، فقال: أن يتوب الرجل من العمل السيئ، ثم لا يعود إليه أبدا. وقال الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: {توبة نصوحا} قال: يتوب ثم لا يعود. وقد روي هذا مرفوعا فقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "التوبة من الذنب أن يتوب منه، ثم لا يعود فيه". تفرد به أحمد من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري، وهو ضعيف، والموقوف أصح والله أعلم. ولهذا قال العلماء: التوبة النصوح هو أن يقلع عن الذنب في الحاضر، ويندم على ما سلف منه في الماضي، ويعزم على ألا يفعل في المستقبل. ثم إن كان الحق لآدمي رده إليه بطريقه. قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن عبد الكريم، أخبرني زياد بن أبي مريم، عن عبد الله بن معقل قال: دخلت مع أبي على عبد الله بن مسعود فقال: أنت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "الندم توبة؟ ". قال: نعم. وقال مرة: نعم سمعته يقول: "الندم توبة". ورواه ابن ماجه، عن هشام بن عمار، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الكريم -وهو ابن مالك الجزري-به .

حصہ V08/P168–V08/P170

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثني الوليد بن بكير أبو خباب، عن عبد الله بن محمد العدوي، عن أبي سنان البصري، عن أبي قلابة، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب قال: قيل لنا أشياء تكون في آخر هذه الأمة عند اقتراب الساعة، منها نكاح الرجل امرأته أو أمته في دبرها، وذلك مما حرم الله ورسوله، ويمقت الله عليه ورسوله، ومنها: نكاح الرجل الرجل، وذلك مما حرم الله ورسوله، ويمقت الله عليه ورسوله. ومنها نكاح المرأة المرأة، وذلك مما حرم الله ورسوله، ويمقت الله عليه ورسوله. وليس لهؤلاء صلاة ما أقاموا على هذا، حتى يتوبوا إلى الله توبة نصوحا. قال زر: فقلت لأبي بن كعب: فما التوبة النصوح؟ فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هو الندم على الذنب حين يفرط منك، فتستغفر الله بندامتك منه عند الحاضر، ثم لا تعود إليه أبدا" . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا عباد بن عمرو، حدثنا أبو عمرو بن العلاء، سمعت الحسن يقول: التوبة النصوح: أن تبغض الذنب كما أحببته، وتستغفر منه إذا ذكرته. فأما إذا حزم بالتوبة وصمم عليها فإنها تجب ما قبلها من الخطيئات، كما ثبت في الصحيح: "الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها" . وهل من شرط التوبة النصوح الاستمرار على ذلك إلى الممات، كما تقدم في الحديث وفي الأثر: "لا يعود فيه أبدا"، أو يكفي العزم على ألا يعود في تكفير الماضي، بحيث لو وقع منه ذلك الذنب بعد ذلك لا يكون ذلك ضارا في تكفير ما تقدم، لعموم قوله، عليه السلام: "التوبة تجب ما قبلها؟ ". وللأول أن يحتج بما ثبت في الصحيح أيضا: "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر" فإذا كان هذا في الإسلام الذي هو أقوى من التوبة، فالتوبة بطريق الأولى، والله أعلم. وقوله: {عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار} و {عسى} من الله موجبة، {يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} أي: ولا يخزيهم معه يعني: يوم القيامة، {نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم} كما تقدم في سورة الحديد. {يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير} قال مجاهد، والضحاك، والحسن البصري وغيرهم: هذا يقوله المؤمنون حين يرون يوم القيامة نور المنافقين قد طفئ. وقال محمد بن نصر المروزي: حدثنا محمد بن مقاتل المروزي، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، أنه سمع أبا ذر وأبا الدرداء قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا أول من يؤذن له في السجود يوم القيامة، وأول من يؤذن له برفع رأسه، فأنظر بين يدي فأعرف أمتي من بين الأمم، وأنظر عن يميني فأعرف أمتي من بين الأمم، وأنظر عن شمالي فأعرف أمتي من بين الأمم". فقال رجل: يا رسول الله، وكيف تعرف أمتك من بين الأمم. قال: "غر محجلون من آثار الطهور ولا يكون أحد من الأمم كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم من أثر السجود، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم" . وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، حدثنا ابن المبارك، عن يحيى بن حسان، عن رجل من بني كنانة قال: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، فسمعته يقول: "اللهم، لا تخزني يوم القيامة" . {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين } يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم بجهاد الكفار والمنافقين، هؤلاء بالسلاح والقتال، وهؤلاء بإقامة الحدود عليهم، {واغلظ عليهم} أي: في الدنيا، {ومأواهم جهنم وبئس المصير} أي: في الآخرة .

حصہ V08/P170–V08/P171

ثم قال: {ضرب الله مثلا للذين كفروا} أي: في مخالطتهم المسلمين ومعاشرتهم لهم، أن ذلك لا يجدي عنهم شيئا ولا ينفعهم عند الله، إن لم يكن الإيمان حاصلا في قلوبهم، ثم ذكر المثل فقال: {امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين} أي: نبيين رسولين عندهما في صحبتها ليلا ونهارا يؤاكلانهما ويضاجعانهما ويعاشرانهما أشد العشرة والاختلاط {فخانتاهما} أي: في الإيمان، لم يوافقاهما على الإيمان، ولا صدقاهما في الرسالة، فلم يجد ذلك كله شيئا، ولا دفع عنهما محذورا؛ ولهذا قال: {فلم يغنيا عنهما من الله شيئا} أي: لكفرهما، {وقيل} أي: للمرأتين: {ادخلا النار مع الداخلين} وليس المراد: {فخانتاهما} في فاحشة، بل في الدين، فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة؛ لحرمة الأنبياء، كما قدمنا في سورة النور. قال سفيان الثوري، عن موسى بن أبي عائشة، عن سليمان بن قتة: سمعت ابن عباس يقول في هذه الآية {فخانتاهما} قال: ما زنتا، أما امرأة نوح فكانت تخبر أنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدل قومها على أضيافه. وقال العوفي، عن ابن عباس قال: كانت خيانتهما أنهما كانتا على عورتيهما فكانت امرأة نوح تطلع على سر نوح، فإذا آمن مع نوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به، وأما امرأة لوط فكانت إذا أضاف لوط أحدا أخبرت به أهل المدينة ممن يعمل السوء. وهكذا قال عكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وغيرهم. [وقال الضحاك عن ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط، إنما كانت خيانتهما في الدين] . وقد استدل بهذه الآية الكريمة بعض العلماء على ضعف الحديث الذي يأثره كثير من الناس: من أكل مع مغفور له غفر له. وهذا الحديث لا أصل له، وإنما يروى هذا عن بعض الصالحين أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال: يا رسول الله، أنت قلت: من أكل مع مغفور له غفر؟ قال: "لا ولكني الآن أقوله" . {وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين } وهذا مثل ضربه الله للمؤمنين أنهم لا تضرهم مخالطة الكافرين إذا كانوا محتاجين إليهم، كما قال تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة} [آل عمران: 28] . قال: قتادة كان فرعون أعتى أهل الأرض وأبعده فوالله ما ضر امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها لتعلموا أن الله حكم عدل، لا يؤاخذ أحدا إلا بذنبه. وقال ابن جرير: حدثنا إسماعيل بن حفص الأبلي، حدثنا محمد بن جعفر، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي عن سلمان قال: كانت امرأة فرعون تعذب في الشمس، فإذا انصرف عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة. ثم رواه عن محمد بن عبيد المحاربي عن أسباط بن محمد، عن سليمان التيمي، به . ثم قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي، حدثنا القاسم بن أبي بزة قال: كانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال: غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون، فأرسل إليها فرعون فقالت: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن رجعت عن قولها فهي امرأته، فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها، وانتزع روحها، وألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح . فقولها: {رب ابن لي عندك بيتا في الجنة} قال العلماء: اختارت الجار قبل الدار. وقد ورد شيء من ذلك في حديث مرفوع، {ونجني من فرعون وعمله} أي: خلصني منه، فإني أبرأ [إليك] من عمله، {ونجني من القوم الظالمين} وهذه المرأة هي آسية بنت مزاحم، رضي الله عنها.

حصہ V08/P171–V08/P173

وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: كان إيمان امرأة فرعون من قبل إيمان امرأة خازن فرعون، وذلك أنها جلست تمشط ابنة فرعون، فوقع المشط من يدها، فقالت تعس من كفر بالله؟ فقالت لها ابنة فرعون: ولك رب غير أبي؟ قالت: ربي ورب أبيك ورب كل شيء الله. فلطمتها بنت فرعون وضربتها، وأخبرت أباها، فأرسل إليها فرعون فقال: تعبدين ربا غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك ورب كل شيء الله. وإياه أعبد فعذبها فرعون وأوتد لها أوتادا فشد رجليها ويديها وأرسل عليها الحيات، وكانت كذلك، فأتى عليها يوما فقال لها: ما أنت منتهية؟ فقالت له: ربي وربك ورب كل شيء الله. فقال لها: إني ذابح ابنك في فيك إن لم تفعلي. فقالت له: اقض ما أنت قاض. فذبح ابنها في فيها، وإن روح ابنها بشرها، فقال لها: أبشري يا أمه، فإن لك عند الله من الثواب كذا وكذا. فصبرت ثم أتى [عليها] فرعون يوما آخر فقال لها مثل ذلك، فقالت له، مثل ذلك، فذبح ابنها الآخر في فيها، فبشرها روحه أيضا، وقال لها. اصبري يا أمه فإن لك عند الله من الثواب كذا وكذا. قال: وسمعت امرأة فرعون كلام روح ابنها الأكبر ثم الأصغر، فآمنت امرأة فرعون، وقبض الله روح امرأة خازن فرعون، وكشف الغطاء عن ثوبها ومنزلتها وكرامتها في الجنة لامرأة فرعون حتى رأت فازدادت إيمانا ويقينا وتصديقا، فاطلع فرعون على إيمانها، فقال للملإ ما تعلمون من آسية بنت مزاحم؟ فأثنوا عليها، فقال لهم: إنها تعبد غيري. فقالوا له: اقتلها. فأوتد لها أوتادا فشد يديها ورجليها، فدعت آسية ربها فقالت: {رب ابن لي عندك بيتا في الجنة} فوافق ذلك أن حضرها، فرعون فضحكت حين رأت بيتها في الجنة، فقال فرعون: ألا تعجبون من جنونها، إنا نعذبها وهي تضحك، فقبض الله روحها، رضي الله عنها . وقوله: {ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها} أي حفظته وصانته. والإحصان: هو العفاف والحرية، {فنفخنا فيه من روحنا} أي: بواسطة الملك، وهو جبريل، فإن الله بعثه إليها فتمثل لها في صورة بشر سوي، وأمره الله تعالى أن ينفخ بفيه في جيب درعها، فنزلت النفخة فولجت في فرجها، فكان منه الحمل بعيسى، عليه السلام. ولهذا قال: {فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه} أي: بقدره وشرعه {وكانت من القانتين} قال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن علباء، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض أربعة خطوط، وقال: "أتدرون ما هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون" . وثبت في الصحيحين من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مرة الهمداني، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" . وقد ذكرنا طرق هذه الأحاديث وألفاظها والكلام عليها في قصة عيسى ابن مريم، عليهما السلام، في كتابنا "البداية والنهاية" ولله الحمد والمنة وذكرنا ما ورد من الحديث من أنها تكون هي وآسية بنت مزاحم من أزواجه، عليه السلام، في الجنة عند قوله: {ثيبات وأبكارا} تفسير سورة الملك وهي مكية. قال أحمد: حدثنا حجاج بن محمد وابن جعفر قالا حدثنا شعبة، عن قتادة، عن عباس الجشمي، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن سورة في القرآن ثلاثين آية شفعت لصاحبها حتى غفر له: " تبارك الذي بيده الملك ". ورواه أهل السنن الأربعة، من حديث شعبة، به وقال الترمذي: هذا حديث حسن.

حصہ V08/P173–V08/P174

وقد روى الطبراني والحافظ الضياء المقدسي، من طريق سلام بن مسكين عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سورة في القرآن خاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنة: " تبارك الذي بيده الملك " . وقال الترمذي: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا يحيى بن مالك النكري، عن أبيه، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: ضرب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خباءه على قبر، وهو لا يحسب أنه قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر، فإذا إنسان يقرأ سورة الملك " تبارك " حتى ختمها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هي المانعة، هي المنجية، تنجيه من عذاب القبر" ثم قال: "هذا حديث غريب من هذا الوجه. وفي الباب عن أبي هريرة. ثم روى الترمذي أيضا من طريق ليث بن أبي سليم، عن أبي الزبير، عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ " الم تنزيل " [سورة السجدة] ، و " تبارك الذي بيده الملك ". وقال ليث عن طاوس: يفضلان كل سورة في القرآن بسبعين حسنة . وقال الطبراني: حدثنا محمد بن الحسين بن عجلان الأصبهاني، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي" يعني: " تبارك الذي بيده الملك " . هذا حديث غريب، وإبراهيم ضعيف، وقد تقدم مثله في سورة "يس" وقد روى هذا الحديث عبد بن حميد في مسنده بأبسط من هذا، فقال: حدثنا إبراهيم بن الحكم، عن أبيه، عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال لرجل: ألا أتحفك بحديث تفرح به؟ قال: بلى. قال اقرأ: " تبارك الذي بيده الملك " وعلمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيتك وجيرانك، فإنها المنجية والمجادلة، تجادل -أو تخاصم-يوم القيامة عند ربها لقارئها، وتطلب له أن [ينجيه] من عذاب النار، وينجي بها صاحبها من عذاب القبر؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي" . وقد روى الحافظ ابن عساكر في تاريخه، في ترجمة أحمد بن نصر بن زياد، أبي عبد الله القرشي النيسابوري المقرئ الزاهد الفقيه، أحد الثقات الذين روى عنهم البخاري ومسلم، ولكن في غير الصحيحين، وروى عنه الترمذي وابن ماجه وابن خزيمة. وعليه تفقه في مذهب أبي عبيد بن حربويه، وخلق سواهم، ساق بسنده من حديثه عن فرات بن السائب، عن الزهري، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن رجلا ممن كان قبلكم مات، وليس معه شيء من كتاب الله إلا " تبارك "، فلما وضع في حفرته أتاه الملك فثارت السورة في وجهه، فقال لها: إنك من كتاب الله، وأنا أكره مساءتك، وإني لا أملك لك ولا له ولا لنفسي ضرا ولا نفعا، فإن أردت هذا به فانطلقي إلى الرب تبارك وتعالى فاشفعي له. فتنطلق إلى الرب فتقول: يا رب، إن فلانا عمد إلي من بين كتابك فتعلمني وتلاني أفتحرقه أنت بالنار وتعذبه وأنا في جوفه؟ فإن كنت فاعلا ذاك به فامحني من كتابك. فيقول: ألا أراك غضبت؟ فتقول: وحق لي أن أغضب. فيقول: اذهبي فقد وهبته لك، وشفعتك فيه. قال: فتجيء فيخرج الملك، فيخرج كاسف البال لم يحل منه بشيء. قال: فتجيء فتضع فاها على فيه، فتقول مرحبا بهذا الفم، فربما تلاني، ومرحبا بهذا الصدر، فربما وعاني، ومرحبا بهاتين القدمين، فربما قامتا بي. وتؤنسه في قبره مخافة الوحشة عليه". قال: فلما حدث بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق صغير ولا كبير ولا حر ولا عبد، إلا تعلمها، وسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم المنجية .

حصہ V08/P174–V08/P176

قلت: وهذا حديث منكر جدا، وفرات بن السائب هذا ضعفه الإمام أحمد، ويحيى بن معين، والبخاري، وأبو حاتم، والدارقطني وغير واحد. وقد ذكره ابن عساكر من وجه آخر، عن الزهري، من قوله مختصرا. وروى البيهقي في كتاب "إثبات عذاب القبر" عن ابن مسعود موقوفا ومرفوعا ما يشهد لهذا وقد كتبناه في كتاب الجنائز من الأحكام الكبرى، ولله الحمد . بسم الله الرحمن الرحيم {تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير } يمجد تعالى نفسه الكريمة، ويخبر أنه بيده الملك، أي: هو المتصرف في جميع المخلوقات بما يشاء لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل لقهره وحكمته وعدله. ولهذا قال: {وهو على كل شيء قدير} ثم قال: {الذي خلق الموت والحياة} واستدل بهذه الآية من قال: إن الموت أمر وجودي لأنه مخلوق. ومعنى الآية: أنه أوجد الخلائق من العدم، ليبلوهم ويختبرهم أيهم أحسن عملا؟ كما قال: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم} [البقرة: 28] فسمى الحال الأول -وهو العدم-موتا، وسمى هذه النشأة حياة. ولهذا قال: {ثم يميتكم ثم يحييكم} [البقرة: 28] . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا خليد، عن قتادة في قوله: {الذي خلق الموت والحياة} قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله أذل بني آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت، وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء". ورواه معمر، عن قتادة . وقوله: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} أي: خير عملا كما قال محمد بن عجلان: ولم يقل أكثر عملا. ثم قال: {وهو العزيز الغفور} أي: هو العزيز العظيم المنيع الجناب، وهو مع ذلك غفور لمن تاب إليه وأناب، بعدما عصاه وخالف أمره، وإن كان تعالى عزيزا، هو مع ذلك يغفر ويرحم ويصفح ويتجاوز. ثم قال: {الذي خلق سبع سماوات طباقا} أي: طبقة بعد طبقة، وهل هن متواصلات بمعنى أنهن علويات بعضهم على بعض، أو متفاصلات بينهن خلاء؟ فيه قولان، أصحهما الثاني، كما دل على ذلك حديث الإسراء وغيره. وقوله: {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت} أي: بل هو مصطحب مستو، ليس فيه اختلاف ولا تنافر ولا مخالفة، ولا نقص ولا عيب ولا خلل؛ ولهذا قال: {فارجع البصر هل ترى من فطور} أي: انظر إلى السماء فتأملها، هل ترى فيها عيبا أو نقصا أو خللا؛ أو فطورا؟. قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والثوري، وغيرهم في قوله: {فارجع البصر هل ترى من فطور} أي: شقوق. وقال السدي: {هل ترى من فطور} أي: من خروق. وقال ابن عباس في رواية: {من فطور} أي: من وهي وقال قتادة: {هل ترى من فطور} أي: هل ترى خللا يا ابن آدم؟. وقوله: {ثم ارجع البصر كرتين} قال: مرتين. {ينقلب إليك البصر خاسئا} قال ابن عباس: ذليلا؟ وقال مجاهد، وقتادة: صاغرا. {وهو حسير} قال ابن عباس: يعني: وهو كليل. وقال مجاهد، وقتادة، والسدي: الحسير: المنقطع من الإعياء. ومعنى الآية: إنك لو كررت البصر، مهما كررت، لانقلب إليك، أي: لرجع إليك البصر، {خاسئا} عن أن يرى عيبا أو خللا {وهو حسير} أي: كليل قد انقطع من الإعياء من كثرة التكرر، ولا يرى نقصا. ولما نفى عنها في خلقها النقص بين كمالها وزينتها فقال: {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح} وهي الكواكب التي وضعت فيها من السيارات والثوابت. وقوله: {وجعلناها رجوما للشياطين} عاد الضمير في قوله: {وجعلناها} على جنس المصابيح لا على عينها؛ لأنه لا يرمي بالكواكب التي في السماء، بل بشهب من دونها، وقد تكون مستمدة منها، والله أعلم.

حصہ V08/P176–V08/P178

وقوله: {وأعتدنا لهم عذاب السعير} أي: جعلنا للشياطين هذا الخزي في الدنيا، وأعتدنا لهم عذاب السعير في الأخرى، كما قال: في أول الصافات: {إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب} [الصافات: 6 -10] . قال قتادة: إنما خلقت هذه النجوم لثلاث خصال: خلقها الله زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك فقد قال برأيه وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. {وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير } يقول تعالى: {و} أعتدنا {للذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير} أي: بئس المآل والمنقلب. {إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا} قال ابن جرير: يعني الصياح. {وهي تفور} قال الثوري: تغلي بهم كما يغلي الحب القليل في الماء الكثير. وقوله: {تكاد تميز من الغيظ} أي: يكاد ينفصل بعضها من بعض، من شدة غيظها عليهم وحنقها بهم، {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير} يذكر تعالى عدله في خلقه، وأنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه وإرسال الرسول إليه، كما قال: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] وقال تعالى: {حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} [الزمر: 71] . وهكذا عادوا على أنفسهم بالملامة، وندموا حيث لا تنفعهم الندامة، فقالوا: {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} أي: لو كانت لنا عقول ننتفع بها أو نسمع ما أنزله الله من الحق، لما كنا على ما كنا عليه من الكفر بالله والاغترار به، ولكن لم يكن لنا فهم نعي به ما جاءت به الرسل، ولا كان لنا عقل يرشدنا إلى اتباعهم، قال الله تعالى: {فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير} قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري الطائي قال: أخبرني من سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم" وفي حديث آخر: "لا يدخل أحد النار، إلا وهو يعلم أن النار أولى به من الجنة" . {إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير } {وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور } يقول تعالى مخبرا عمن يخاف مقام ربه فيما بينه وبينه إذا كان غائبا عن الناس، فينكف عن المعاصي ويقوم بالطاعات، حيث لا يراه أحد إلا الله، بأنه له مغفرة وأجر كبير، أي: يكفر عنه ذنوبه، ويجازى بالثواب الجزيل، كما ثبت في الصحيحين: "سبعة يظلهم الله تعالى في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله"، فذكر منهم: "رجلا دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجلا تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" . وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا الحارث بن عبيد، عن ثابت، عن أنس قال: قالوا: يا رسول الله، إنا نكون عندك على حال، فإذا فارقناك كنا على غيره؟ قال: "كيف أنتم وربكم؟ " قالوا: الله ربنا في السر والعلانية. قال: "ليس ذلكم النفاق" .

حصہ V08/P178–V08/P179

لم يروه عن ثابت إلا الحارث بن عبيد فيما نعلمه. ثم قال تعالى منبها على أنه مطلع على الضمائر والسرائر: {وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور} أي: بما خطر في القلوب. {ألا يعلم من خلق} ؟ أي: ألا يعلم الخالق. وقيل: معناه ألا يعلم الله مخلوقه؟ والأول أولى، لقوله: {وهو اللطيف الخبير} ثم ذكر نعمته على خلقه في تسخيره لهم الأرض وتذليله إياها لهم، بأن جعلها قارة ساكنة لا تمتد ولا تضطرب بما جعل فيها من الجبال، وأنبع فيها من العيون، وسلك فيها من السبل، وهيأها فيها من المنافع ومواضع الزروع والثمار، فقال: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها} أي: فسافروا حيث شئتم من أقطارها، وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات، واعلموا أن سعيكم لا يجدي عليكم شيئا، إلا أن ييسره الله لكم؛ ولهذا قال: {وكلوا من رزقه} فالسعي في السبب لا ينافي التوكل، كما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، أخبرني بكر بن عمرو، أنه سمع عبد الله بن هبيرة يقول: إنه سمع أبا تميم الجيشاني يقول: إنه سمع عمر بن الخطاب يقول: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا". رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث ابن هبيرة وقال الترمذي: حسن صحيح. فأثبت لها رواحا وغدوا لطلب الرزق، مع توكلها على الله، عز وجل، وهو المسخر المسير المسبب. {وإليه النشور} أي: المرجع يوم القيامة. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {مناكبها} أطرافها وفجاجها ونواحيها. وقال ابن عباس وقتادة: {مناكبها} الجبال. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن حكام الأزدي، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن بشير بن كعب: أنه قرأ هذه الآية: {فامشوا في مناكبها} فقال لأم ولد له: إن علمت {مناكبها} فأنت عتيقة. فقالت: هي الجبال. فسأل أبا الدرداء فقال: هي الجبال. {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير } وهذا أيضا من لطفه ورحمته بخلقه أنه قادر على تعذيبهم، بسبب كفر بعضهم به وعبادتهم معه غيره وهو مع هذا يحلم ويصفح، ويؤجل ولا يعجل، كما قال: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا} [فاطر: 45] . وقال هاهنا: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور} أي: تذهب وتجيء وتضطرب، {أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا} أي: ريحا فيها حصباء تدمغكم، كما قال: {أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا} [الإسراء: 68] . وهكذا توعدهم هاهنا بقوله: {فستعلمون كيف نذير} أي: كيف يكون إنذاري وعاقبة من تخلف عنه وكذب به. ثم قال: {ولقد كذب الذين من قبلهم} أي: من الأمم السالفة والقرون الخالية، {فكيف كان نكير} أي: فكيف كان إنكاري عليهم ومعاقبتي لهم؟ أي: عظيما شديدا أليما. ثم قال تعالى: {أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن} أي: تارة يصففن أجنحتهن في الهواء، وتارة تجمع جناحا وتنشر جناحا {ما يمسكهن} أي: في الجو {إلا الرحمن} أي: بما سخر لهن من الهواء، من رحمته ولطفه، {إنه بكل شيء بصير} أي: بما يصلح كل شيء من مخلوقاته. وهذه كقوله: {ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} [النحل: 79] .

سوالات