Qur'an&Sunnah

İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm

حصہ V08/P319–V08/P320

وقال أبو يعلى وابن جرير: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثني أبي، عن هشام بن عروة مما عرضه عليه عن عروة، عن عائشة قالت: أنزلت: (عبس وتولى) في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: أرشدني. قالت: وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم من عظماء المشركين. قالت: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ويقبل على الآخر، ويقول: "أترى بما أقول بأسا؟ ". فيقول: لا. ففي هذا أنزلت: (عبس وتولى) . وقد روى الترمذي هذا الحديث، عن سعيد بن يحيى الأموي، بإسناده، مثله، ثم قال: وقد رواه بعضهم عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: أنزلت (عبس وتولى) في ابن أم مكتوم، ولم يذكر فيه عن عائشة . قلت: كذلك هو في الموطأ . ثم روى ابن جرير وابن أبي حاتم أيضا من طريق العوفي، عن ابن عباس قوله: (عبس وتولى أن جاءه الأعمى) قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يناجي عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب-وكان يتصدى لهم كثيرا، ويحرص عليهم أن يؤمنوا-فأقبل إليه رجل أعمى-يقال له عبد الله بن أم مكتوم-يمشي وهو يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرئ النبي صلى الله عليه وسلم آية من القرآن، وقال: يا رسول الله، علمني مما علمك الله. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبس في وجهه، وتولى وكره كلامه، وأقبل على الآخرين، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم نجواه، وأخذ ينقلب إلى أهله، أمسك الله بعض بصره، ثم خفق برأسه، ثم أنزل الله: (عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى) فلما نزل فيه ما نزل، أكرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما حاجتك؟ هل تريد من شيء؟ " وإذا ذهب من عنده قال: "هل لك حاجة في شيء؟ ". وذلك لما أنزل الله تعالى: (أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى) . فيه غرابة ونكارة، وقد تكلم في إسناده. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، حدثنا يونس، عن ابن شهاب قال: قال سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم". وهو الأعمى الذي أنزل الله فيه: (عبس وتولى أن جاءه الأعمى) وكان يؤذن مع بلال. قال سالم: وكان رجلا ضرير البصر، فلم يك يؤذن حتى يقول له الناس-حين ينظرون إلى بزوغ الفجر-: أذن . وهكذا ذكر عروة بن الزبير، ومجاهد، وأبو مالك، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، وغير واحد من السلف والخلف: أنها نزلت في ابن أم مكتوم. والمشهور أن اسمه عبد الله، ويقال: عمرو. والله أعلم. وقوله: (كلا إنها تذكرة) أي: هذه السورة، أو الوصية بالمساواة بين الناس في إبلاغ العلم من شريفهم ووضيعهم. وقال قتادة والسدي: (كلا إنها تذكرة) يعني: القرآن، (فمن شاء ذكره) أي: فمن شاء ذكر الله في جميع أموره. ويحتمل عود الضمير على الوحي؛ لدلالة الكلام عليه. وقوله: (في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة) أي: هذه السورة أو العظة، وكلاهما متلازم، بل جميع القرآن (في صحف مكرمة) أي: معظمة موقرة (مرفوعة) أي: عالية القدر، (مطهرة) أي: من الدنس والزيادة والنقص. وقوله: (بأيدي سفرة) قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وابن زيد: هي الملائكة. وقال وهب بن منبه: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وقال قتادة: هم القراء. وقال ابن جريج، عن ابن عباس: السفرة بالنبطية: القراء. وقال ابن جرير: الصحيح أن السفرة الملائكة، والسفرة يعني بين الله وبين خلقه، ومنه يقال: السفير: الذي يسعى بين الناس في الصلح والخير، كما قال الشاعر: وما أدع السفارة بين قومي وما أمشي بغش إن مشيت

حصہ V08/P320–V08/P322

وقال البخاري: سفرة: الملائكة. سفرت: أصلحت بينهم. وجعلت الملائكة إذا نزلت بوحي الله وتأديته كالسفير الذي يصلح بين القوم . وقوله: (كرام بررة) أي: خلقهم كريم حسن شريف، وأخلاقهم وأفعالهم بارة طاهرة كاملة. ومن هاهنا ينبغي لحامل القرآن أن يكون في أفعاله وأقواله على السداد والرشاد. قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا هشام، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه وهو عليه شاق له أجران". أخرجه الجماعة من طريق قتادة، به .{قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره كلا لما يقض ما أمره فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم } يقول تعالى ذاما لمن أنكر البعث والنشور من بني آدم: (قتل الإنسان ما أكفره) قال الضحاك، عن ابن عباس: (قتل الإنسان) لعن الإنسان. وكذا قال أبو مالك. وهذا لجنس الإنسان المكذب؛ لكثرة تكذيبه بلا مستند، بل بمجرد الاستبعاد وعدم العلم. قال ابن جرير (ما أكفره) ما أشد كفره! وقال ابن جرير: ويحتمل أن يكون المراد: أي شيء جعله كافرا؟ أي: ما حمله على التكذيب بالمعاد . وقال قتادة-وقد حكاه البغوي عن مقاتل والكلبي-: (ما أكفره) ما ألعنه. ثم بين تعالى له كيف خلقه من الشيء الحقير، وأنه قادر على إعادته كما بدأه، فقال: (من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره) أي: قدر أجله ورزقه وعمله وشقي أو سعيد. (ثم السبيل يسره) قال العوفي، عن ابن عباس: ثم يسر عليه خروجه من بطن أمه. وكذا قال عكرمة، والضحاك، وأبو صالح، وقتادة، والسدي، واختاره ابن جرير . وقال مجاهد: هذه كقوله: {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا} [الإنسان: 3] أي: بينا له ووضحناه وسهلنا عليه عمله وهكذا قال الحسن، وابن زيد. وهذا هو الأرجح والله أعلم. وقوله: (ثم أماته فأقبره) أي: إنه بعد خلقه له (أماته فأقبره) أي: جعله ذا قبر. والعرب تقول: "قبرت الرجل": إذا ولي ذلك منه، وأقبره الله. وعضبت قرن الثور، وأعضبه الله، وبترت ذنب البعير وأبتره الله. وطردت عني فلانا، وأطرده الله، أي: جعله طريدا قال الأعشى: لو أسندت ميتا إلى نحرها عاش، ولم ينقل إلى قابر وقوله: (ثم إذا شاء أنشره) أي: بعثه بعد موته، ومنه يقال: البعث والنشور، {ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون} [الروم: 20] ، {وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما} [البقرة: 259] . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أصبغ بن الفرج، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث: أن دراجا أبا السمح أخبره، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه قيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: "مثل حبة خردل منه ينشئون" . وهذا الحديث ثابت في الصحيح من رواية الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، بدون هذه الزيادة، ولفظه: "كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق وفيه يركب" . وقوله: (كلا لما يقض ما أمره) قال ابن جرير: يقول: كلا ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر؛ من أنه قد أدى حق الله عليه في نفسه وماله، (لما يقض ما أمره) يقول: لم يؤد ما فرض عليه من الفرائض لربه عز وجل.

حصہ V08/P322–V08/P323

ثم روى-هو وابن أبي حاتم-من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (كلا لما يقض ما أمره) قال: لا يقضي أحد أبدا كل ما افترض عليه. وحكاه البغوي، عن الحسن البصري، بنحو من هذا. ولم أجد للمتقدمين فيه كلاما سوى هذا. والذي يقع لي في معنى ذلك-والله أعلم-أن المعنى: (ثم إذا شاء أنشره) أي: بعثه، (كلا لما يقض ما أمره) [أي] لا يفعله الآن حتى تنقضي المدة، ويفرغ القدر من بني آدم ممن كتب تعالى له أن سيوجد منهم، ويخرج إلى الدنيا، وقد أمر به تعالى كونا وقدرا، فإذا تناهى ذلك عند الله أنشر الله الخلائق وأعادهم كما بدأهم. وقد روى ابن أبي حاتم، عن وهب بن منبه قال: قال عزير، عليه السلام: قال الملك الذي جاءني: فإن القبور هي بطن الأرض، وإن الأرض هي أم الخلق، فإذا خلق الله ما أراد أن يخلق وتمت هذه القبور التي مد الله لها، انقطعت الدنيا ومات من عليها، ولفظت الأرض ما في جوفها، وأخرجت القبور ما فيها، وهذا شبيه بما قلنا من معنى الآية، والله -سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. وقال: (فلينظر الإنسان إلى طعامه) فيه امتنان، وفيه استدلال بإحياء النبات من الأرض الهامدة على إحياء الأجسام بعدما كانت عظاما بالية وترابا متمزقا، (أنا صببنا الماء صبا) أي: أنزلناه من السماء على الأرض، (ثم شققنا الأرض شقا) أي: أسكناه فيها فدخل في تخومها وتخلل في أجزاء الحب المودع فيها فنبت وارتفع وظهر على وجه الأرض، (فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا) فالحب: كل ما يذكر من الحبوب، والعنب معروف والقضب هو: الفصفصة التي تأكلها الدواب رطبة. ويقال لها: القت أيضا قال ذلك ابن عباس، وقتادة، والضحاك. والسدي. وقال الحسن البصري: القضب العلف. (وزيتونا) وهو معروف، وهو أدم وعصيره أدم، ويستصبح به، ويدهن به. (ونخلا) يؤكل بلحا بسرا، ورطبا، وتمرا، ونيئا، ومطبوخا، ويعتصر منه رب وخل. (وحدائق غلبا) أي: بساتين. قال الحسن، وقتادة: ( غلبا) نخل غلاظ كرام. وقال ابن عباس، ومجاهد: "الحدائق": كل ما التف واجتمع. وقال ابن عباس أيضا: (غلبا) الشجر الذي يستظل به. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وحدائق غلبا) أي: طوال. وقال عكرمة: (غلبا) أي: غلاظ الأوساط. وفي رواية: غلاظ الرقاب ، ألم تر إلى الرجل إذا كان غليظ الرقبة قيل: والله إنه لأغلب. رواه ابن أبي حاتم، وأنشد ابن جرير للفرزدق: عوى فأثار أغلب ضيغميا فويل ابن المراغة ما استثارا وقوله: (وفاكهة وأبا) أما الفاكهة فهو ما يتفكه به من الثمار. قال ابن عباس: الفاكهة: كل ما أكل رطبا. والأب ما أنبتت الأرض، مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس-وفي رواية عنه: هو الحشيش للبهائم. وقال مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو مالك: الأب: الكلأ. وعن مجاهد، والحسن، وقتادة، وابن زيد: الأب للبهائم كالفاكهة لبني آدم. وعن عطاء: كل شيء نبت على وجه الأرض فهو أب. وقال الضحاك: كل شيء أنبتته الأرض سوى الفاكهة فهو أب. وقال ابن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس: الأب: نبت الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس. ورواه ابن جرير من ثلاث طرق، عن ابن إدريس، ثم قال: حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس، حدثنا عبد الملك، عن سعيد بن جبير قال: عد ابن عباس وقال: الأب: ما أنبتت الأرض للأنعام. هذا لفظ أبي كريب، وقال أبو السائب: ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس وتأكل الأنعام. وقال العوفي، عن ابن عباس: الأب: الكلأ والمرعى. وكذا قال مجاهد، والحسن، وقتادة، وابن زيد، وغير واحد. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي قال: سئل أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، عن قوله تعالى: (وفاكهة وأبا) فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إن قلت في كتاب الله ما لا أعلم .

حصہ V08/P323–V08/P325

وهذا منقطع بين إبراهيم التيمي والصديق. فأما ما رواه ابن جرير حيث قال: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، حدثنا حميد، عن أنس قال: قرأ عمر بن الخطاب (عبس وتولى) فلما أتي على هذه الآية: (وفاكهة وأبا) قال: عرفنا ما الفاكهة، فما الأب؟ فقال: لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا لهو التكلف . فهو إسناد صحيح، وقد رواه غير واحد عن أنس، به. وهذا محمول على أنه أراد أن يعرف شكله وجنسه وعينه، وإلا فهو وكل من قرأ هذه الآية يعلم أنه من نبات الأرض، لقوله: (فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا) وقوله: (متاعا لكم ولأنعامكم) أي: عيشة لكم ولأنعامكم في هذه الدار إلى يوم القيامة. {فإذا جاءت الصاخة يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة } قال ابن عباس: (الصاخة) اسم من أسماء يوم القيامة، عظمه الله، وحذره عباده. قال ابن جرير: لعله اسم للنفخة في الصور. وقال البغوي: (الصاخة) يعني صيحة القيامة؛ سميت بذلك لأنها تصخ الأسماع، أي: تبالغ في إسماعها حتى تكاد تصمها . (يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه) أي: يراهم، ويفر منهم، ويبتعد عنهم؛ لأن الهول عظيم، والخطب جليل. قال عكرمة: يلقى الرجل زوجته فيقول لها: يا هذه، أي بعل كنت لك؟ فتقول: نعم البعل كنت! وتثني بخير ما استطاعت، فيقول لها: فإني أطلب إليك اليوم حسنة واحدة تهبينها لي لعلي أنجو مما ترين. فتقول له: ما أيسر ما طلبت، ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئا أتخوف مثل الذي تخاف. قال: وإن الرجل ليلقى ابنه فيتعلق به فيقول: يا بني، أي والد كنت لك؟ فيثني بخير. فيقول له: يا بني، إني احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك لعلي أنجو بها مما ترى. فيقول ولده: يا أبت، ما أيسر ما طلبت، ولكني أتخوف مثل الذي تتخوف، فلا أستطيع أن أعطيك شيئا. يقول الله تعالى (يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه) وفي الحديث الصحيح-في أمر الشفاعة-: أنه إذا طلب إلى كل من أولي العزم أن يشفع عند الله في الخلائق، يقول: نفسي نفسي، لا أسأله اليوم إلا نفسي، حتى إن عيسى ابن مريم يقول: لا أسأله اليوم إلا نفسي، لا أسأله مريم التي ولدتني. ولهذا قال تعالى: (يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه) . قال قتادة: الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب، من هول ذلك اليوم. وقوله: (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) أي: هو في شغل شاغل عن غيره. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، حدثنا الوليد بن صالح، حدثنا ثابت أبو زيد العباداني، عن هلال بن خباب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تحشرون حفاة عراة مشاة غرلا " قال: فقالت زوجته: يا رسول الله، أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: " (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) أو قال: "ما أشغله عن النظر". وقد رواه النسائي منفردا به، عن أبي داود، عن عارم، عن ثابت بن يزيد-وهو أبو زيد الأحول البصري، أحد الثقات-عن هلال بن خباب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به وقد رواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن محمد بن الفضل، عن ثابت بن يزيد، عن هلال ابن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تحشرون حفاة عراة غرلا". فقالت امرأة: أيبصر-أو: يرى-بعضنا عورة بعض؟ قال: "يا فلانة، (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) . ثم قال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن ابن عباس، رضي الله عنه .

حصہ V08/P325–V08/P327

وقال النسائي: أخبرني عمرو بن عثمان، حدثنا بقية، حدثنا الزبيدي، أخبرني الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يبعث الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا". فقالت عائشة: يا رسول الله، فكيف بالعورات؟ فقال: " (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) . انفرد به النسائي من هذا الوجه. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أزهر بن حاتم، حدثنا الفضل بن موسى، عن عائد ابن شريح، عن أنس بن مالك قال: سألت عائشة، رضي الله عنها، رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، إني سائلتك عن حديث فتخبرني أنت به. فقال: "إن كان عندي منه علم". قالت: يا نبي الله، كيف يحشر الرجال؟ قال: "حفاة عراة". ثم انتظرت ساعة فقالت: يا نبي الله، كيف يحشر النساء؟ قال: "كذلك حفاة عراة". قالت: واسوأتاه من يوم القيامة! قال: "وعن أي ذلك تسألين؟ إنه قد نزل علي آية لا يضرك كان عليك ثياب أو لا يكون". قالت: أية آية هي يا نبي الله؟ قال: " (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) . وقال البغوي في تفسيره: أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني الحسين بن عبد الله، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن عبد العزيز، حدثنا ابن أبي أويس، حدثنا أبي، عن محمد بن أبي عياش، عن عطاء بن يسار، عن سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يبعث الناس حفاة عراة غرلا قد ألجمهم العرق، وبلغ شحوم الآذان". فقلت: يا رسول الله، واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ فقال: "قد شغل الناس، (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) . هذا حديث غريب من هذا الوجه جدا، وهكذا رواه ابن جرير عن أبي عمار الحسين بن حريث المروزي، عن الفضل بن موسى، به . ولكن قال أبو حاتم الرازي: عائذ بن شريح ضعيف، في حديثه ضعف . وقوله: (وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة) أي: يكون الناس هنالك فريقين: (وجوه يومئذ مسفرة) أي: مستنيرة، (ضاحكة مستبشرة) أي: مسرورة فرحة من سرور قلوبهم، قد ظهر البشر على وجوههم، وهؤلاء أهل الجنة. (ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة) أي: يعلوها ويغشاها قترة، أي: سواد. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سهل بن عثمان العسكري، حدثنا أبو علي محمد مولى جعفر بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يلجم الكافر العرق ثم تقع الغبرة على وجوههم". قال: فهو قوله: (ووجوه يومئذ عليها غبرة) . وقال ابن عباس: (ترهقها قترة) أي: يغشاها سواد الوجوه. وقوله: (أولئك هم الكفرة الفجرة) أي: الكفرة قلوبهم، الفجرة في أعمالهم، كما قال تعالى: {ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا} [نوح: 27] . آخر تفسير سورة "عبس" ولله الحمد والمنة. تفسير سورة التكوير وهي مكية. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا عبد الله بن بحير القاص: أن عبد الرحمن بن يزيد الصنعاني أخبره: أنه سمع ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ: " إذا الشمس كورت "، و " وإذا السماء انفطرت "، و " إذا السماء انشقت ". وهكذا رواه الترمذي، عن العباس بن عبد العظيم العنبري، عن عبد الرزاق، به . بسم الله الرحمن الرحيم {إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت وإذا الجبال سيرت وإذا العشار عطلت وإذا الوحوش حشرت وإذا البحار سجرت وإذا النفوس زوجت وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت وإذا الصحف نشرت وإذا السماء كشطت وإذا الجحيم سعرت وإذا الجنة أزلفت علمت نفس ما أحضرت } قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {إذا الشمس كورت} يعني: أظلمت. وقال العوفي، عنه: ذهبت، وقال مجاهد: اضمحلت وذهبت. وكذا قال الضحاك. وقال قتادة: ذهب ضوءها. وقال سعيد بن جبير: {كورت} غورت.

حصہ V08/P327–V08/P329

وقال الربيع بن خثيم: {كورت} يعني: رمي بها. وقال أبو صالح: {كورت} ألقيت. وعنه أيضا: نكست. وقال زيد بن أسلم: تقع في الأرض. قال ابن جرير: والصواب من القول عندنا في ذلك أن التكوير جمع الشيء بعضه إلى بعض، ومنه تكوير العمامة [وهو لفها على الرأس، وكتكوير الكاره، وهي] جمع الثياب بعضها إلى بعض، فمعنى قوله: {كورت} جمع بعضها إلى بعض، ثم لفت فرمى بها، وإذا فعل بها ذلك ذهب ضوءها . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج وعمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا أبو أسامة، عن مجالد، عن شيخ من بجيلة، عن ابن عباس: {إذا الشمس كورت} قال: يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر، ويبعث الله ريحا دبورا فتضرمها نارا. وكذا قال عامر الشعبي. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن ابن يزيد بن أبي مريم، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قول الله: {إذا الشمس كورت} قال: "كورت في جهنم" . وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا موسى بن محمد بن حيان، حدثنا درست بن زياد، حدثنا يزيد الرقاشي، حدثنا أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الشمس والقمر ثوران عقيران في النار" . هذا حديث ضعيف؛ لأن يزيد الرقاشي ضعيف، والذي رواه البخاري في الصحيح بدون هذه الزيادة، ثم قال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، حدثنا عبد الله الداناج، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الشمس والقمر يكوران يوم القيامة" . انفرد به البخاري وهذا لفظه، وإنما أخرجه في كتاب "بدء الخلق"، وكان جديرا أن يذكره هاهنا أو يكرره، كما هي عادته في أمثاله! وقد رواه البزار فجود إيراده فقال: حدثنا إبراهيم بن زياد البغدادي، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن عبد الله الداناج قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن خالد بن عبد الله القسري في هذا المسجد-مسجد الكوفة، وجاء الحسن فجلس إليه فحدث قال: حدثنا أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الشمس والقمر نوران في النار يوم القيامة". فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: أحسبه قال: وما ذنبهما. ثم قال: لا يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه، ولم يرو عبد الله الداناج عن أبي سلمة سوى هذا الحديث. وقوله: {وإذا النجوم انكدرت} أي: انتثرت، كما قال تعالى: {وإذا الكواكب انتثرت} [الانفطار: 2] ، وأصل الانكدار: الانصباب. قال الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: ست آيات قبل يوم القيامة، بينا الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت واختلطت، ففزعت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب والطير والوحوش، فماجوا بعضهم في بعض: {وإذا الوحوش حشرت} قال: اختلطت، {وإذا العشار عطلت} قال: أهملها أهلها، {وإذا البحار سجرت} قال: قالت الجن: نحن نأتيكم بالخبر. قال: فانطلقوا إلى البحر فإذا هو نار تأجج، قال: فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى وإلى السماء السابعة العليا، قال فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم. رواه ابن جرير -وهذا لفظه-وابن أبي حاتم، ببعضه، وهكذا قال مجاهد والربيع بن خثيم ، والحسن البصري، وأبو صالح، وحماد بن أبي سليمان، والضحاك في قوله: {وإذا النجوم انكدرت} ي: تناثرت. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وإذا النجوم انكدرت} أي: تغيرت. وقال يزيد بن أبي مريم عن النبي صلى الله عليه وسلم: {وإذا النجوم انكدرت} قال: "انكدرت في جهنم، وكل من عبد من دون الله فهو في جهنم، إلا ما كان من عيسى وأمه، ولو رضيا أن يعبدا لدخلاها". رواه ابن أبي حاتم بالإسناد المتقدم.

حصہ V08/P329–V08/P331

وقوله: {وإذا الجبال سيرت} أي: زالت عن أماكنها ونسفت، فتركت الأرض قاعا صفصفا. وقوله: {وإذا العشار عطلت} قال عكرمة، ومجاهد: عشار الإبل. قال مجاهد: {عطلت} تركت وسيبت. وقال أبي بن كعب، والضحاك: أهملها أهلها: وقال الربيع بن خثيم لم تحلب ولم تصر، تخلى منها أربابها. وقال الضحاك: تركت لا راعي لها. والمعنى في هذا كله متقارب. والمقصود أن العشار من الإبل-وهي: خيارها والحوامل منها التي قد وصلت في حملها إلى الشهر العاشر-واحدها عشراء، ولا يزال ذلك اسمها حتى تضع-قد اشتغل الناس عنها وعن كفالتها والانتفاع بها، بعد ما كانوا أرغب شيء فيها، بما دهمهم من الأمر العظيم المفظع الهائل، وهو أمر القيامة وانعقاد أسبابها، ووقوع مقدماتها. وقيل: بل يكون ذلك يوم القيامة، يراها أصحابها كذلك ولا سبيل لهم إليها. وقد قيل في العشار: إنها السحاب يعطل عن المسير بين السماء والأرض، لخراب الدنيا. و [قد] قيل: إنها الأرض التي تعشر. وقيل: إنها الديار التي كانت تسكن تعطل لذهاب أهلها. حكى هذه الأقوال كلها الإمام أبو عبد الله القرطبي في كتابه "التذكرة"، ورجح أنها الإبل، وعزاه إلى أكثر الناس . قلت: بل لا يعرف عن السلف والأئمة سواه، والله أعلم. وقوله: {وإذا الوحوش حشرت} أي: جمعت. كما قال تعالى: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون} [الأنعام: 38] . قال ابن عباس: يحشر كل شيء حتى الذباب. رواه ابن أبي حاتم. وكذا قال الربيع بن خثيم والسدي، وغير واحد. وكذا قال قتادة في تفسير هذه الآية: إن هذه الخلائق [موافية] فيقضي الله فيها ما يشاء. وقال عكرمة: حشرها: موتها. وقال ابن جرير: حدثني علي بن مسلم الطوسي، حدثنا عباد بن العوام، أخبرنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: {وإذا الوحوش حشرت} قال: حشر البهائم: موتها، وحشر كل شيء الموت غيره الجن والإنس، فإنهما يوقفان يوم القيامة. حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيع بن خثيم : {وإذا الوحوش حشرت} قال: أتى عليها أمر الله. قال سفيان: قال أبي: فذكرته لعكرمة، فقال: قال ابن عباس: حشرها: موتها. وقد تقدم عن أبي بن كعب أنه قال: {وإذا الوحوش حشرت} اختلطت. قال ابن جرير: والأولى قول من قال: {حشرت} جمعت، قال الله تعالى: {والطير محشورة} [ص: 19] ، أي: مجموعة. وقوله: {وإذا البحار سجرت} قال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن داود، عن سعيد بن المسيب قال: قال علي، رضي الله عنه، لرجل من اليهود: أين جهنم؟ قال: البحر. فقال: ما أراه إلا صادقا. {والبحر المسجور} [الطور: 6] ، {وإذا البحار سجرت} [مخففة] . وقال ابن عباس وغير واحد: يرسل الله عليها الدبور فتسعرها، وتصير نارا تأجج، وقد تقدم الكلام على ذلك عند قوله: {والبحر المسجور} وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أبو طاهر، حدثني عبد الجبار بن سليمان أبو سليمان النفاط-شيخ صالح يشبه مالك بن أنس-عن معاوية بن سعيد قال: إن هذا البحر بركة-يعني بحر الروم-وسط الأرض، والأنهار كلها تصب فيه، والبحر الكبير يصب فيه، وأسفله آبار مطبقة بالنحاس، فإذا كان يوم القيامة أسجر. وهذا أثر غريب عجيب. وفي سنن أبي داود: "لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز، فإن تحت البحر نارا، وتحت النار بحرا" الحديث، وقد تقدم الكلام عليه في سورة "فاطر" . وقال مجاهد، والحسن بن مسلم: {سجرت} أوقدت. وقال الحسن: يبست. وقال الضحاك، وقتادة: غاض ماؤها فذهب ولم يبق فيها قطرة. وقال الضحاك أيضا: {سجرت} فجرت. وقال السدي: فتحت وسيرت. وقال الربيع بن خثيم {سجرت} فاضت. وقوله: {وإذا النفوس زوجت} أي: جمع كل شكل إلى نظيره، كقوله: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} [الصافات: 22] .

حصہ V08/P331–V08/P333

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الصباح البزار، حدثنا الوليد بن أبي ثور، عن سماك، عن النعمان بن بشير أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وإذا النفوس زوجت} قال: الضرباء، كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون عمله"، وذلك بأن الله عز وجل يقول: {وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون} [الواقعة: 7 -10] ، قال: هم الضرباء . ثم رواه ابن أبي حاتم من طرق أخر، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير أن عمر خطب الناس فقرأ: {وإذا النفوس زوجت} فقال: تزوجها: أن تؤلف كل شيعة إلى شيعتهم. وفي رواية: هما الرجلان يعملان العمل فيدخلان به الجنة أو النار . وفي رواية عن النعمان قال: سئل عمر عن قوله تعالى: {وإذا النفوس زوجت} فقال: يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار، فذلك تزويج الأنفس. وفي رواية عن النعمان أن عمر قال للناس: ما تقولون في تفسير هذه الآية: {وإذا النفوس زوجت} ؟ فسكتوا. قال: ولكن هو الرجل يزوج نظيره من أهل الجنة، والرجل يزوج نظيره من أهل النار، ثم قرأ: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: {وإذا النفوس زوجت} قال: ذلك حين يكون الناس أزواجا ثلاثة. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وإذا النفوس زوجت} قال: الأمثال من الناس جمع بينهم. وكذا قال الربيع بن خثيم والحسن، وقتادة. واختاره ابن جرير، وهو الصحيح. قول آخر في قوله: {وإذا النفوس زوجت} قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث [بن سوار] ، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: يسيل واد من أصل العرش من ماء فيما بين الصيحتين، ومقدار ما بينهما أربعون عاما، فينبت منه كل خلق بلي، من الإنسان أو طير أو دابة، ولو مر عليهم مار قد عرفهم قبل ذلك لعرفهم على الأرض. قد نبتوا، ثم ترسل الأرواح فتزوج الأجساد، فذلك قول الله تعالى : {وإذا النفوس زوجت} وكذا قال أبو العالية، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والشعبي، والحسن البصري أيضا في قوله: {وإذا النفوس زوجت} أي: زوجت بالأبدان. وقيل: زوج المؤمنون بالحور العين، وزوج الكافرون بالشياطين. حكاه القرطبي في "التذكرة" . وقوله: {وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت} هكذا قراءة الجمهور: {سئلت} والموءودة هي التي كان أهل الجاهلية يدسونها في التراب كراهية البنات، فيوم القيامة تسأل الموءودة على أي ذنب قتلت، ليكون ذلك تهديدا لقاتلها، فإذا سئل المظلوم فما ظن الظالم إذا؟! وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وإذا الموءودة سئلت} أي: سألت. وكذا قال أبو الضحى: "سألت" أي: طالبت بدمها. وعن السدي، وقتادة، مثله . وقد وردت أحاديث تتعلق بالموءودة، فقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني أبو الأسود-وهو: محمد بن عبد الرحمن بن نوفل-عن عروة، عن عائشة، عن جدامة بنت وهب-أخت عكاشة-قالت حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس وهو يقول: " لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم، ولا يضر أولادهم ذلك شيئا". ثم سألوه عن العزل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ذلك الوأد الخفي، وهو الموءودة سئلت". ورواه مسلم من حديث أبي عبد الرحمن المقرئ-وهو عبد الله بن يزيد-عن سعيد بن أبي أيوب ورواه أيضا ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن إسحاق السيلحيني، عن يحيى بن أيوب ورواه مسلم أيضا وأبو داود والترمذي، والنسائي، من حديث مالك بن أنس، ثلاثتهم عن أبي الأسود، به .

حصہ V08/P333–V08/P334

وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن سلمة بن يزيد الجعفي قال: انطلقت أنا وأخي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله، إن أمنا مليكة كانت تصل الرحم وتقري الضيف، وتفعل [وتفعل] هلكت في الجاهلية، فهل ذلك نافعها شيئا؟ قال: "لا". قلنا: فإنها كانت وأدت أختا لنا في الجاهلية، فهل ذلك نافعها شيئا؟ قال: "الوائدة والموءودة في النار، إلا أن يدرك الوائدة الإسلام، فيعفو الله عنها". ورواه النسائي، من حديث داود بن أبي هند، به . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا أبو أحمد الزبيري ، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن علقمة وأبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوائدة والموءودة في النار" . وقال أحمد أيضا: حدثنا إسحاق الأزرق، أخبرنا عوف، حدثتني حسناء ابنة معاوية الصريمية، عن عمها قال: قلت: يا رسول الله، من في الجنة؟ قال: "النبي في الجنة والشهيد في الجنة والمولود في الجنة والموءودة في الجنة" . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا قرة قال: سمعت الحسن يقول: قيل: يا رسول الله، من في الجنة؟ قال: "الموءودة في الجنة". هذا حديث مرسل من مراسيل الحسن، ومنهم من قبله. وقال ابن أبي حاتم: حدثني أبو عبد الله الظهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: قال ابن عباس: أطفال المشركين في الجنة، فمن زعم أنهم في النار فقد كذب، يقول الله عز وجل {وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت} قال ابن عباس: هي المدفونة. وقال عبد الرزاق: أخبرنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير، عن عمر بن الخطاب في قوله: {وإذا الموءودة سئلت [بأي ذنب قتلت] } ، قال: جاء قيس بن عاصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني وأدت بنات لي في الجاهلية، فقال: "أعتق عن كل واحدة منهن رقبة". قال: يا رسول الله، إني صاحب إبل؟ قال: "فانحر عن كل واحدة منهن بدنة". قال الحافظ أبو بكر البزار: خولف فيه عبد الرزاق، ولم نكتبه إلا عن الحسين بن مهدي، عنه . وقد رواه ابن أبي حاتم فقال: أخبرنا أبو عبد الله الظهراني -فيما كتب إلي-قال: حدثنا عبد الرزاق فذكره بإسناده مثله، إلا أنه قال: "وأدت ثمان بنات لي في الجاهلية". وقال في آخره: "فأهد إن شئت عن كل واحدة بدنة". ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا قيس بن الربيع، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حصين قال: قدم قيس بن عاصم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني وأدت اثنتي عشرة ابنة لي في الجاهلية- أو: ثلاث عشرة-قال :" أعتق عددهن نسما". قال: فأعتق عددهن نسما، فلما كان في العام المقبل جاء بمائة ناقة، فقال: يا رسول الله، هذه صدقة قومي على أثر ما صنعت بالمسلمين. قال علي بن أبي طالب: فكنا نريحها، ونسميها القيسية . وقوله: {وإذا الصحف نشرت} قال الضحاك: أعطي كل إنسان صحيفته بيمينه أو بشماله. وقال قتادة: [صحيفتك] يا ابن آدم، تملى فيها، ثم تطوى، ثم تنشر عليك يوم القيامة، فلينظر رجل ماذا يملي في صحيفته. وقوله: {وإذا السماء كشطت} قال مجاهد: اجتذبت. وقال السدي: كشفت. وقال الضحاك: تنكشط فتذهب. وقوله: {وإذا الجحيم سعرت} قال السدي: أحميت. وقال قتادة: أوقدت. قال: وإنما يسعرها غضب الله وخطايا بني آدم. وقوله: {وإذا الجنة أزلفت} قال الضحاك، وأبو مالك، وقتادة، والربيع بن خثيم أي: قربت إلى أهلها.

حصہ V08/P334–V08/P336

وقوله: {علمت نفس ما أحضرت} هذا هو الجواب، أي: إذا وقعت هذه الأمور حينئذ تعلم كل نفس ما عملت وأحضر ذلك لها، كما قال تعالى: {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا} [آل عمران: 30] . وقال تعالى: {ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر} [القيامة: 13] . قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: لما نزلت: {إذا الشمس كورت} قال عمر: لما بلغ {علمت نفس ما أحضرت} قال: لهذا أجرى الحديث. {فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين وما هو بقول شيطان رجيم فأين تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين } روى مسلم في صحيحه، والنسائي في تفسيره عند هذه الآية، من حديث مسعر بن كدام، عن الوليد بن سريع، عن عمرو بن حريث قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم الصبح، فسمعته يقرأ: {فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس} . ورواه النسائي عن بندار، عن غندر، عن شعبة، عن الحجاج بن عاصم، عن أبي الأسود، عن عمرو بن حريث، به نحوه . قال ابن أبي حاتم وابن جرير، من طريق الثوري، عن أبي إسحاق، عن رجل من مراد، عن علي: {فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس} قال: هي النجوم تخنس بالنهار، وتظهر بالليل. وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، سمعت خالد بن عرعرة، سمعت عليا وسئل عن: {فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس} فقال: هي النجوم، تخنس بالنهار وتكنس بالليل . وحدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن خالد، عن علي قال: هي النجوم. وهذا إسناد جيد صحيح إلى خالد بن عرعرة، وهو السهمي الكوفي، قال أبو حاتم الرازي: روى عن علي، وروى عنه سماك والقاسم بن عوف الشيباني ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا والله أعلم. وروى يونس، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي: أنها النجوم. رواه ابن أبي حاتم وكذا روي عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والسدي، وغيرهم: أنها النجوم. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا هوذة بن خليفة، حدثنا عوف، عن بكر بن عبد الله في قوله: {فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس} قال: هي النجوم الدراري، التي تجري تستقبل المشرق. وقال بعض الأئمة: إنما قيل للنجوم: "الخنس"، أي: في حال طلوعها، ثم هي جوار في فلكها، وفي حال غيبوبتها يقال لها: "كنس" من قول العرب: أوى الظبي إلى كناسة: إذا تغيب فيه. وقال الأعمش، عن إبراهيم قال: قال عبد الله: {فلا أقسم بالخنس} قال: بقر الوحش. وكذا قال الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عبد الله: {فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس} ما هي يا عمرو؟ قلت: البقر. قال: وأنا أرى ذلك. وكذا روى يونس عن أبي إسحاق، عن أبيه. وقال أبو داود الطيالسي، عن عمرو، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {الجواري الكنس} قال: البقر [الوحش] تكنس إلى الظل. وكذا قال سعيد بن جبير. وقال العوفي، عن ابن عباس: هي الظباء. وكذا قال سعيد أيضا، ومجاهد، والضحاك. وقال أبو الشعثاء جابر بن زيد: هي الظباء والبقر.

حصہ V08/P336–V08/P338

وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا مغيرة عن إبراهيم ومجاهد: أنهما تذاكرا هذه الآية: {فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس} فقال إبراهيم لمجاهد: قل فيها بما سمعت. قال: فقال مجاهد: كنا نسمع فيها شيئا، وناس يقولون: إنها النجوم. قال: فقال إبراهيم: قل فيها بما سمعت. قال: فقال مجاهد: كنا نسمع أنها بقر الوحش حين تكنس في حجرتها. قال: فقال إبراهيم: إنهم يكذبون على علي، هذا كما رووا عن علي أنه ضمن الأسفل الأعلى، والأعلى الأسفل. وتوقف ابن جرير في قوله: {الخنس الجواري الكنس} هل هو النجوم، أو الظباء وبقر الوحش؟ قال: ويحتمل أن يكون الجميع مرادا. وقوله: {والليل إذا عسعس} فيه قولان: أحدهما: إقباله بظلامه. قال مجاهد: أظلم. وقال سعيد بن جبير: إذا نشأ. وقال الحسن البصري: إذا غشى الناس. وكذا قال عطية العوفي. وقال علي بن أبي طلحة، والعوفي عن ابن عباس: {إذا عسعس} إذا أدبر. وكذا قال مجاهد، وقتادة، والضحاك، وكذا قال زيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن: {إذا عسعس} أي: إذا ذهب فتولى. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، سمع أبا عبد الرحمن السلمي قال: خرج علينا علي، رضي الله عنه، حين ثوب المثوب بصلاة الصبح فقال: أين السائلون عن الوتر: {والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس} ؟ هذا حين أدبر حسن. وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: {إذا عسعس} إذا أدبر. قال لقوله: {والصبح إذا تنفس} أي: أضاء، واستشهد بقول الشاعر أيضا: حتى إذا الصبح له تنفسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا أي: أدبر. وعندي أن المراد بقوله: {عسعس} إذا أقبل، وإن كان يصح استعماله في الإدبار، لكن الإقبال هاهنا أنسب؛ كأنه أقسم تعالى بالليل وظلامه إذا أقبل، وبالفجر وضيائه إذا أشرق، كما قال: {والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى} [الليل: 1، 2] ، وقال: {والضحى والليل إذا سجى} [الضحى: 1، 2] ، وقال {فالق الإصباح وجعل الليل سكنا} [الأنعام: 96] ، وغير ذلك من الآيات. وقال كثير من علماء الأصول: إن لفظة "عسعس" تستعمل في الإقبال والإدبار على وجه الاشتراك، فعلى هذا يصح أن يراد كل منهما، والله أعلم. قال ابن جرير: وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب يزعم أن "عسعس": دنا من أوله وأظلم. وقال الفراء: كان أبو البلاد النحوي ينشد بيتا: عسعس حتى لو يشاء ادنا كان له من ضوئه مقبس يريد: لو يشاء إذ دنا، أدغم الذال في الدال. وقال الفراء: وكانوا يرون أن هذا البيت مصنوع . وقوله: {والصبح إذا تنفس} قال الضحاك: إذا طلع. وقال قتادة: إذا أضاء وأقبل. وقال سعيد بن جبير: إذا نشأ. وهو المروي عن علي، رضي الله عنه. وقال ابن جرير: يعني: وضوء النهار إذا أقبل وتبين. وقوله: {إنه لقول رسول كريم} يعني: أن هذا القرآن لتبليغ رسول كريم، أي: ملك شريف حسن الخلق، بهي المنظر، وهو جبريل، عليه الصلاة والسلام. قاله ابن عباس، والشعبي، وميمون بن مهران، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، وغيرهم. {ذي قوة} كقوله {علمه شديد القوى ذو مرة [فاستوى] } [النجم: 5، 6] ، أي: شديد الخلق، شديد البطش والفعل، {عند ذي العرش مكين} أي: له مكانة عند الله عز وجل ومنزلة رفيعة. قال أبو صالح في قوله: {عند ذي العرش مكين} قال: جبريل يدخل في سبعين حجابا من نور بغير إذن، {مطاع ثم} أي: له وجاهة، وهو مسموع القول مطاع في الملأ الأعلى. قال قتادة: {مطاع ثم} أي: في السموات، يعني: ليس هو من أفناد الملائكة، بل هو من السادة والأشراف، معتنى به، انتخب لهذه الرسالة العظيمة. وقوله: {أمين} صفة لجبريل بالأمانة، وهذا عظيم جدا أن الرب عز وجل يزكي عبده ورسوله الملكي جبريل كما زكى عبده ورسوله البشري محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله: {وما صاحبكم بمجنون} قال الشعبي، وميمون بن مهران، وأبو صالح، ومن تقدم ذكرهم: المراد بقوله: {وما صاحبكم بمجنون} يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم.

حصہ V08/P338–V08/P340

وقوله تعالى: {ولقد رآه بالأفق المبين} يعني: ولقد رأى محمد جبريل الذي يأتيه بالرسالة عن الله عز وجل على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح {بالأفق المبين} أي: البين، وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء، وهي المذكورة في قوله: {علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى} [النجم: 5 -10] ، كما تقدم تفسير ذلك وتقريره. والدليل أن المراد بذلك جبريل، عليه السلام. والظاهر-والله أعلم-أن هذه السورة نزلت قبل ليلة الإسراء؛ لأنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤية وهي الأولى، وأما الثانية وهي المذكورة في قوله: {ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى} [النجم: 13 -16] ، فتلك إنما ذكرت في سورة "النجم"، وقد نزلت بعد [سورة] الإسراء. وقوله: {وما هو على الغيب بضنين} أي: وما محمد على ما أنزله الله إليه بظنين، أي: بمتهم. ومنهم من قرأ ذلك بالضاد، أي: ببخيل، بل يبذله لكل أحد. قال سفيان بن عيينة: ظنين وضنين سواء، أي: ما هو بكاذب، وما هو بفاجر. والظنين: المتهم، والضنين: البخيل. وقال قتادة: كان القرآن غيبا، فأنزله الله على محمد، فما ضن به على الناس، بل بلغه ونشره وبذله لكل من أراده. وكذا قال عكرمة، وابن زيد، وغير واحد. واختار ابن جرير قراءة الضاد . قلت: وكلاهما متواتر، ومعناه صحيح كما تقدم. وقوله: {وما هو بقول شيطان رجيم} أي: وما هذا القرآن بقول شيطان رجيم، أي: لا يقدر على حمله، ولا يريده، ولا ينبغي له. كما قال: {وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون} [الشعراء: 210 -212] . وقوله: {فأين تذهبون} ؟ أي: فأين تذهب عقولكم في تكذيبكم بهذا القرآن، مع ظهوره ووضوحه، وبيان كونه جاء من عند الله عز وجل، كما قال الصديق، رضي الله عنه، لوفد بني حنيفة حين قدموا مسلمين، وأمرهم فتلوا عليه شيئا من قرآن مسيلمة الذي هو في غاية الهذيان والركاكة، فقال: ويحكم، أين يذهب بعقولكم ؟ والله إن هذا الكلام لم يخرج من إل، أي: من إله. وقال قتادة: {فأين تذهبون} أي: عن كتاب الله وعن طاعته. وقوله: {إن هو إلا ذكر للعالمين} أي: هذا القرآن ذكر لجميع الناس، يتذكرون به ويتعظون، {لمن شاء منكم أن يستقيم} أي: من أراد الهداية فعليه بهذا القرآن، فإنه منجاة له وهداية، ولا هداية فيما سواه، {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} أي: ليست المشيئة موكولة إليكم، فمن شاء اهتدى ومن شاء ضل، بل ذلك كله تابع لمشيئة الله عز وجل رب العالمين. قال سفيان الثوري، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى: لما نزلت هذه الآية: {لمن شاء منكم أن يستقيم} قال أبو جهل: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم. فأنزل الله: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين } . آخر تفسير سورة "التكوير" ولله الحمد [والمنة] . تفسير سورة الانفطار وهي مكية. قال النسائي: أخبرنا محمد بن قدامة، حدثنا جرير عن الأعمش، عن محارب بن دثار، عن جابر قال: قام معاذ فصلى العشاء الآخرة فطول، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أفتان يا معاذ؟! [أفتان يا معاذ؟!] أين كنت عن سبح اسم ربك الأعلى، والضحى، وإذا السماء انفطرت؟! " . وأصل الحديث مخرج في الصحيحين ولكن ذكر " إذا السماء انفطرت " في أفراد النسائي. وتقدم من رواية عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من سره أن ينظر إلى القيامة رأي عين فليقرأ: " إذا الشمس كورت " و " إذا السماء انفطرت " و " إذا السماء انشقت " " . بسم الله الرحمن الرحيم

حصہ V08/P340–V08/P342

{إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت وإذا البحار فجرت وإذا القبور بعثرت علمت نفس ما قدمت وأخرت يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك كلا بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون } يقول تعالى: {إذا السماء انفطرت} أي: انشقت. كما قال: {السماء منفطر به} [الزمر: 18] . {وإذا الكواكب انتثرت} أي: تساقطت. {وإذا البحار فجرت} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: فجر الله بعضها في بعض. وقال الحسن: فجر الله بعضها في بعض، فذهب ماؤها. وقال قتادة: اختلط مالحها بعذبها. وقال الكلبي: ملئت. {وإذا القبور بعثرت} قال ابن عباس: بحثت. وقال السدي: تبعثر: تحرك فيخرج من فيها. {علمت نفس ما قدمت وأخرت} أي: إذا كان هذا حصل هذا. وقوله: {ياأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} ؟ : هذا تهديد، لا كما يتوهمه بعض الناس من أنه إرشاد إلى الجواب؛ حيث قال: {الكريم} حتى يقول قائلهم: غره كرمه. بل المعنى في هذه الآية: ما غرك يا ابن آدم بربك الكريم-أي: العظيم-حتى أقدمت على معصيته، وقابلته بما لا يليق؟ كما جاء في الحديث: "يقول الله يوم القيامة: ابن آدم، ما غرك بي؟ ابن آدم، ماذا أجبت المرسلين؟ ". قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان: أن عمر سمع رجلا يقرأ: {ياأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} فقال عمر: الجهل . وقال أيضا: حدثنا عمر بن شبة، حدثنا أبو خلف، حدثنا يحيى البكاء، سمعت ابن عمر يقول وقرأ هذه الآية: {ياأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} قال ابن عمر: غره-والله-جهله. قال: وروي عن ابن عباس، والربيع بن خثيم والحسن، مثل ذلك. وقال قتادة: {ما غرك بربك الكريم} شيء، ما غر ابن آدم غير هذا العدو الشيطان. وقال الفضيل بن عياض: لو قال لي:"ما غرك بي لقلت: ستورك المرخاة. وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: {ما غرك بربك الكريم} لقلت: غرني كرم الكريم. قال البغوي: وقال بعض أهل الإشارة: إنما قال: {بربك الكريم} دون سائر أسمائه وصفاته، كأنه لقنه الإجابة . وهذا الذي تخيله هذا القائل ليس بطائل؛ لأنه إنما أتى باسمه {الكريم} ؛ لينبه على أنه لا ينبغي أن يقابل الكريم بالأفعال القبيحة، وأعمال السوء. و [قد] حكى البغوي، عن الكلبي ومقاتل أنهما قالا نزلت هذه الآية في الأسود بن شريق، ضرب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعاقب في الحالة الراهنة، فأنزل الله: {ما غرك بربك الكريم} ؟ . وقوله: {الذي خلقك فسواك فعدلك} أي: ما غرك بالرب الكريم {الذي خلقك فسواك فعدلك} أي: جعلك سويا معتدل القامة منتصبها، في أحسن الهيئات والأشكال. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا حريز، حدثني عبد الرحمن بن ميسرة، عن جبير ابن نفير، عن بسر بن جحاش القرشي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق يوما في كفه، فوضع عليها أصبعه، ثم قال: "قال الله عز وجل: ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه؟ حتى إذا سويتك وعدلتك، مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق، وأنى أوان الصدقة". وكذا رواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن حريز بن عثمان، به . قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: وتابعه يحيى بن حمزة، عن ثور بن يزيد، عن عبد الرحمن بن ميسرة . وقوله: {في أي صورة ما شاء ركبك} قال مجاهد: في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم؟

حصہ V08/P342–V08/P343

وقال ابن جرير: حدثني محمد بن سنان القزاز، حدثنا مطهر بن الهيثم، حدثنا موسى بن علي بن رباح، حدثني أبي، عن جدي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "ما ولد لك؟ " قال: يا رسول الله، ما عسى أن يولد لي؟ إما غلام وإما جارية. قال: "فمن يشبه؟ ". قال: يا رسول الله، من عسى أن يشبه؟ إما أباه وإما أمه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم عندها: "مه. لا تقولن هكذا، إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم؟ أما قرأت هذه الآية في كتاب الله: {في أي صورة ما شاء ركبك} " قال: سلكك . وهكذا رواه ابن أبي حاتم والطبراني، من حديث مطهر بن الهيثم، به وهذا الحديث لو صح لكان فيصلا في هذه الآية، ولكن إسناده ليس بالثابت؛ لأن "مطهر بن الهيثم" قال فيه أبو سعيد بن يونس: كان متروك الحديث. وقال ابن حبان: يروى عن موسى بن علي وغيره ما لا يشبه حديث الأثبات. ولكن في الصحيحين عن أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلاما أسود؟. قال: "هل لك من إبل؟ ". قال: نعم. قال: "فما ألوانها؟ " قال: حمر. قال: "فهل فيها من أورق؟ " قال: نعم. قال: "فأنى أتاها ذلك؟ " قال: عسى أن يكون نزعة عرق. قال: "وهذا عسى أن يكون نزعة عرق" . وقد قال عكرمة في قوله: {في أي صورة ما شاء ركبك} إن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة خنزير. وكذا قال أبو صالح: إن شاء في صورة كلب، وإن شاء في صورة حمار، وإن شاء في صورة خنزير. وقال قتادة: {في أي صورة ما شاء ركبك} قال: قادر-والله -ربنا على ذلك. ومعنى هذا القول عند هؤلاء: أن الله، عز وجل، قادر على خلق النطفة على شكل قبيح من الحيوانات المنكرة الخلق، ولكن بقدرته ولطفه وحلمه يخلقه على شكل حسن مستقيم معتدل تام، حسن المنظر والهيئة. وقوله: {كلا بل تكذبون بالدين} أي: بل إنما يحملكم على مواجهة الكريم ومقابلته بالمعاصي، تكذيب في قلوبكم بالمعاد والجزاء والحساب. وقوله تعالى: {وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون} يعني: وإن عليكم لملائكة حفظة كراما فلا تقابلوهم بالقبائح، فإنهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان ومسعر، عن علقمة بن مرثد، عن مجاهد قال:: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى حالتين: الجنابة والغائط. فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بحرم حائط أو ببعيره، أو ليستره أخوه". وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار، فوصله بلفظ آخر، فقال: حدثنا محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن حفص بن سليمان، عن علقمة بن مرثد، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ينهاكم عن التعري، فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم، الكرام الكاتبين، الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حالات: الغائط، والجنابة، والغسل. فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه، أو بحرم حائط، أو ببعيره". ثم قال: حفص بن سليمان لين الحديث، وقد روي عنه، واحتمل حديثه . وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، حدثنا تمام ابن نجيح، عن الحسن-يعني البصري-عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من حافظين يرفعان إلى الله، عز وجل، ما حفظا في يوم، فيرى في أول الصحيفة وفي آخرها استغفار إلا قال الله تعالى: قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة". ثم قال:تفرد به تمام بن نجيح، وهو صالح الحديث . قلت: وثقه ابن معين وضعفه البخاري، وأبو زرعة، وابن أبي حاتم والنسائي، وابن عدي. ورماه ابن حبان بالوضع. وقال الإمام أحمد: لا أعرف حقيقة أمره.

حصہ V08/P343–V08/P345

وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إسحاق بن سليمان البغدادي المعروف بالقلوسي حدثنا بيان بن حمران حدثنا سلام، عن منصور بن زاذان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لله ملائكة يعرفون بني آدم-وأحسبه قال: ويعرفون أعمالهم-فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة الله ذكروه بينهم وسموه، وقالوا: أفلح الليلة فلان، نجا الليلة فلان. وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية الله وذكروه بينهم وسموه، وقالوا:هلك الليلة فلان". ثم قال البزار: سلام هذا، أحسبه سلام المدائني، وهو لين الحديث . {إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله } يخبر تعالى عما يصير الأبرار إليه من النعيم، وهم الذين أطاعوا الله عز وجل، ولم يقابلوه بالمعاصي. وقد روى ابن عساكر في ترجمة "موسى بن محمد"، عن هشام بن عمار، عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق، عن عبيد الله، عن محارب، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما سماهم الله الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء" . ثم ذكر ما يصير إليه الفجار من الجحيم والعذاب المقيم؛ ولهذا قال: {يصلونها يوم الدين} أي: يوم الحساب والجزاء والقيامة، {وما هم عنها بغائبين} أي: لا يغيبون عن العذاب ساعة واحدة، ولا يخفف عنهم من عذابها، ولا يجابون إلى ما يسألون من الموت أو الراحة، ولو يوما واحدا. وقوله: {وما أدراك ما يوم الدين} تعظيم لشأن يوم القيامة، ثم أكده بقوله: {ثم ما أدراك ما يوم الدين} ثم فسره بقوله: {يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله} أي:لا يقدر واحد على نفع أحد ولا خلاصه مما هو فيه، إلا أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى. ونذكر هاهنا حديث: "يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، لا أملك لكم من الله شيئا". وقد تقدم في آخر تفسير سورة "الشعراء"؛ ولهذا قال: {والأمر يومئذ لله} كقوله {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} [غافر: 16] ، وكقوله: {الملك يومئذ الحق للرحمن} [الفرقان: 26] ، وكقوله {مالك يوم الدين} [الفاتحة: 4] . قال قتادة:} يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله والأمر-والله- اليوم لله، ولكنه يومئذ لا ينازعه أحد. آخر تفسير سورة "الانفطار" ولله الحمد. تفسير سورة المطففين وهي مدنية. بسم الله الرحمن الرحيم {ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين } قال النسائي وابن ماجه: أخبرنا محمد بن عقيل -زاد ابن ماجه: وعبد الرحمن بن بشر-قالا حدثنا علي بن الحسين بن واقد، حدثني أبي، عن يزيد-هو ابن أبي سعيد النحوي، مولى قريش-عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما قدم نبي الله صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا فأنزل الله: {ويل للمطففين} فحسنوا الكيل بعد ذلك . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن النضر بن حماد، حدثنا محمد بن عبيد، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن هلال بن طلق قال: بينا أنا أسير مع ابن عمر فقلت: من أحسن الناس هيئة وأوفاه كيلا؟ أهل مكة أو المدينة؟ قال: حق لهم، أما سمعت الله يقول: {ويل للمطففين} وقال ابن جرير: حدثنا أبو السائب، حدثنا ابن فضيل، عن ضرار، عن عبد الله المكتب، عن رجل، عن عبد الله قال: قال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، إن أهل المدينة ليوفون الكيل. قال: وما يمنعهم أن يوفوا الكيل وقد قال الله عز وجل: {ويل للمطففين} حتى بلغ: {يوم يقوم الناس لرب العالمين} . فالمراد بالتطفيف هاهنا: البخس في المكيال والميزان، إما بالازدياد إن اقتضى من الناس، وإما بالنقصان إن قضاهم. ولهذا فسر تعالى المطففين

حصہ V08/P345–V08/P347

الذين وعدهم بالخسار والهلاك وهو الويل، بقوله: {الذين إذا اكتالوا على الناس} أي: من الناس {يستوفون} أي: يأخذون حقهم بالوافي والزائد، {وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} أي: ينقصون. والأحسن أن يجعل "كالوا" و "وزنوا" متعديا، ويكون هم في محل نصب، ومنهم من يجعلها ضميرا مؤكدا للمستتر في قوله: "كالوا" و "وزنوا"، ويحذف المفعول لدلالة الكلام عليه، وكلاهما متقارب. وقد أمر الله-تعالى-بالوفاء في الكيل والميزان، فقال: {وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا} [الإسراء: 35] ، وقال: {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها} [الأنعام: 152] ، وقال: {وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان} [الرحمن: 9] . وأهلك الله قوم شعيب ودمرهم على ما كانوا يبخسون الناس في المكيال والميزان. ثم قال تعالى متوعدا لهم: {ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم} ؟ أي: أما يخاف أولئك من البعث والقيام بين يدي من يعلم السرائر والضمائر، في يوم عظيم الهول، كثير الفزع، جليل الخطب، من خسر فيه أدخل نارا حامية؟ وقوله: {يوم يقوم الناس لرب العالمين} أي: يقومون حفاة عراة غرلا في موقف صعب حرج ضيق ضنك على المجرم، ويغشاهم من أمر الله-ما تعجز القوى والحواس عنه. قال الإمام مالك: عن نافع، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {يوم يقوم الناس لرب العالمين} حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه". رواه البخاري، من حديث مالك وعبد الله بن عون، كلاهما عن نافع، به . ورواه مسلم من الطريقين أيضا. وكذلك رواه صالح [وثابت بن كيسان] وأيوب بن يحيى، وعبد الله وعبيد الله ابنا عمر، ومحمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، به . ولفظ الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول::" {يوم يقوم الناس لرب العالمين} لعظمة الرحمن عز وجل يوم القيامة، حتى إن العرق ليلجم الرجال إلى أنصاف آذانهم" . حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدثنا ابن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني سليم بن عامر، حدثني المقداد-يعني ابن الأسود الكندي-قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد، حتى تكون قيد ميل أو ميلين، قال: فتصهرهم الشمس، فيكونون في العرق كقدر أعمالهم، منهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجاما". رواه مسلم، عن الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة-والترمذي، عن سويد، عن ابن المبارك-كلاهما عن ابن جابر، به . حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن سوار، حدثنا الليث بن سعد، عن معاوية ابن صالح: أن أبا عبد الرحمن حدثه، عن أبي أمامة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تدنو الشمس يوم القيامة على قدر ميل، ويزاد في حرها كذا وكذا، تغلي منها الهوام كما تغلي القدور، يعرقون فيها على قدر خطاياهم، منهم من يبلغ إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى ساقيه، ومنهم من يبلغ إلى وسطه، ومنهم من يلجمه العرق". انفرد به أحمد . حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو عشانة حي بن يؤمن، أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: "تدنو الشمس من الأرض فيعرق الناس، فمن الناس من يبلغ عرقه عقبيه، ومنهم من يبلغ إلى نصف الساق، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ العجز، ومنهم من يبلغ الخاصرة، ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ وسط فيه-وأشار بيده فألجمها فاه، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير هكذا- ومنهم من يغطيه عرقه". وضرب بيده إشارة. انفرد به أحمد .

حصہ V08/P347–V08/P349

وفي حديث: أنهم يقومون سبعين سنة لا يتكلمون. وقيل: يقومون ثلاثمائة سنة. وقيل: يقومون أربعين ألف سنة. ويقضى بينهم في مقدار عشرة آلاف سنة، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعا: "في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة" . وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو عون الزيادي، أخبرنا عبد السلام بن عجلان، سمعت أبا يزيد المدني، عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لبشير الغفاري: "كيف أنت صانع في يوم يقوم الناس فيه ثلاثمائة سنة لرب العالمين، من أيام الدنيا، لا يأتيهم فيه خبر من السماء ولا يؤمر فيه بأمر؟ ". قال بشير: المستعان الله. قال: "فإذا أويت إلى فراشك فتعوذ بالله من كرب يوم القيامة، وسوء الحساب". ورواه ابن جرير من طريق عبد السلام، به . وفي سنن أبي داود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بالله من ضيق المقام يوم القيامة . وعن ابن مسعود: يقومون أربعين سنة رافعي رءوسهم إلى السماء، لا يكلمهم أحد، قد ألجم العرق برهم وفاجرهم. وعن ابن عمر: يقومون مائة سنة. رواهما ابن جرير . وفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه، من حديث زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، عن أزهر بن سعيد الحواري، عن عاصم بن حميد، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفتتح قيام الليل: يكبر عشرا، ويحمد عشرا، ويسبح عشرا، ويستغفر عشرا، ويقول: "اللهم اغفر لي واهدني، وارزقني وعافني". ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة . {كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين الذين يكذبون بيوم الدين وما يكذب به إلا كل معتد أثيم إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالو الجحيم ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون } يقول: حقا {إن كتاب الفجار لفي سجين} أي: إن مصيرهم ومأواهم لفي سجين- فعيل من السجن، وهو الضيق-كما يقال: فسيق وشريب وخمير وسكير، ونحو ذلك. ولهذا عظم أمره فقال: {وما أدراك ما سجين} ؟ أي: هو أمر عظيم، وسجن مقيم وعذاب أليم. ثم قد قال قائلون: هي تحت الأرض السابعة. وقد تقدم في حديث البراء بن عازب، في حديثه الطويل: يقول الله عز وجل في روح الكافر: اكتبوا كتابه في سجين. وسجين: هي تحت الأرض السابعة. وقيل: صخرة تحت السابعة خضراء. وقيل: بئر في جهنم. وقد روى ابن جرير في ذلك حديثا غريبا منكرا لا يصح فقال: حدثنا إسحاق بن وهب الواسطي، حدثنا مسعود بن موسى بن مشكان الواسطي، حدثنا نصر بن خزيمة الواسطي، عن شعيب بن صفوان، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الفلق: جب في جهنم مغطى، وأما سجين فمفتوح" . والصحيح أن "سجينا" مأخوذ من السجن، وهو الضيق، فإن المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق، وكل ما تعالى منها اتسع، فإن الأفلاك السبعة كل واحد منها أوسع وأعلى من الذي دونه، وكذلك الأرضون كل واحدة أوسع من التي دونها، حتى ينتهي السفول المطلق والمحل الأضيق إلى المركز في وسط الأرض السابعة. ولما كان مصير الفجار إلى جهنم وهي أسفل السافلين، كما قال تعالى: {ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [التين] : 5، 6] . وقال هاهنا: {كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين} وهو يجمع الضيق والسفول، كما قال: {وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا} [الفرقان: 13] . وقوله: {كتاب مرقوم} ليس تفسيرا لقوله: {وما أدراك ما سجين} وإنما هو تفسير لما كتب لهم من المصير إلى سجين، أي: مرقوم مكتوب مفروغ منه، لا يزاد فيه أحد ولا ينقص منه أحد؛ قاله محمد بن كعب القرظي.

حصہ V08/P349–V08/P350

ثم قال: {ويل يومئذ للمكذبين} أي: إذا صاروا يوم القيامة إلى ما أوعدهم الله من السجن والعذاب المهين. وقد تقدم الكلام على قوله: {ويل} بما أغنى عن إعادته، وأن المراد من ذلك الهلاك والدمار، كما يقال: ويل لفلان. وكما جاء في المسند والسنن من رواية بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويل للذي يحدث فيكذب، ليضحك الناس، ويل له، ويل له" . ثم قال تعالى مفسرا للمكذبين الفجار الكفرة: {الذين يكذبون بيوم الدين} أي: لا يصدقون بوقوعه، ولا يعتقدون كونه، ويستبعدون أمره. قال الله تعالى: {وما يكذب به إلا كل معتد أثيم} أي: معتد في أفعاله؛ من تعاطي الحرام والمجاوزة في تناول المباح والأثيم في أقواله: إن حدث كذب، وإن وعد أخلف، وإن خاصم فجر. وقوله: {إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين} أي: إذا سمع كلام الله من الرسول، يكذب به، ويظن به ظن السوء، فيعتقد أنه مفتعل مجموع من كتب الأوائل، كما قال تعالى: {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين} [النحل: 24] ، وقال: {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} [الفرقان: 5] ، قال الله تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} أي: ليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا، إن هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام الله ووحيه وتنزيله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما حجب قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الرين الذي قد لبس قلوبهم من كثرة الذنوب والخطايا؛ ولهذا قال تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} والرين يعتري قلوب الكافرين، والغيم للأبرار، والغين للمقربين. وقد روى ابن جرير والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب منها صقل قلبه، وإن زاد زادت، فذلك قول الله: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} . وقال الترمذي: حسن صحيح. ولفظ النسائي: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، فهو الران الذي قال الله: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} وقال أحمد:حدثنا صفوان بن عيسى، أخبرنا ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، فإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، وذاك الران الذي ذكر الله في القرآن: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} " . وقال الحسن البصري:هو الذنب على الذنب، حتى يعمى القلب، فيموت. وكذا قال مجاهد ابن جبر وقتادة، وابن زيد، وغيرهم. وقوله: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} أي: لهم يوم القيامة منزل ونزل سجين، ثم هم يوم القيامة مع ذلك محجوبون عن رؤية ربهم وخالقهم. قال الإمام أبو عبد الله الشافعي: [في] هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه عز وجل يومئذ . وهذا الذي قاله الإمام الشافعي، رحمه الله، في غاية الحسن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية، كما دل عليه منطوق قوله: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} [القيامة: 22، 23] . وكما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربهم عز وجل في الدار الآخرة، رؤية بالأبصار في عرصات القيامة، وفي روضات الجنان الفاخرة. وقد قال ابن جرير [محمد بن عمار الرازي] : حدثنا أبو معمر المنقري، حدثنا عبد الوارث ابن سعيد، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن في قوله: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} قال: يكشف الحجاب، فينظر إليه المؤمنون والكافرون، ثم يحجب عنه الكافرون وينظر إليه المؤمنون. كل يوم غدوة وعشية-أو كلاما هذا معناه.

حصہ V08/P350–V08/P352

قوله: {ثم إنهم لصالو الجحيم} أي: ثم هم مع هذا الحرمان عن رؤية الرحمن من أهل النيران، {ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون} أي: يقال لهم ذلك على وجه التقريع والتوبيخ، والتصغير والتحقير. {كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون } يقول تعالى: حقا {إن كتاب الأبرار} وهم بخلاف الفجار، {لفي عليين} أي: مصيرهم إلى عليين، وهو بخلاف سجين. قال الأعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف قال: سأل ابن عباس كعبا وأنا حاضر عن سجين، قال: هي الأرض السابعة، وفيها أرواح الكفار. وسأله عن عليين فقال: هي السماء السابعة، وفيها أرواح المؤمنين. وهكذا قال غير واحد: إنها السماء السابعة. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين} يعني: الجنة. وفي رواية العوفي، عنه: أعمالهم في السماء عند الله. وكذا قال الضحاك. وقال قتادة: عليون: ساق العرش اليمنى. وقال غيره: عليون عند سدرة المنتهى. والظاهر: أن عليين مأخوذ من العلو، وكلما علا الشيء وارتفع عظم واتسع؛ ولهذا قال معظما أمره ومفخما شأنه: {وما أدراك ما عليون} ثم قال مؤكدا لما كتب لهم: {كتاب مرقوم يشهده المقربون} وهم الملائكة، قاله قتادة. وقال العوفي، عن ابن عباس: يشهده من كل سماء مقربوها. ثم قال تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم} أي: يوم القيامة هم في نعيم مقيم، وجنات فيها فضل عميم، {على الأرائك} وهي: السرر تحت الحجال، {ينظرون} قيل: معناه: ينظرون في ملكهم وما أعطاهم الله من الخير والفضل الذي لا ينقضي ولا يبيد. وقيل: معناه {على الأرائك ينظرون} إلى الله عز وجل. وهذا مقابلة لما وصف به أولئك الفجار: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} فذكر عن هؤلاء أنهم يباحون النظر إلى الله عز وجل وهم على سررهم وفرشهم، كما تقدم في حديث ابن عمر: "إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه، وإن أعلاه لمن ينظر إلى الله في اليوم مرتين" . وقوله: {تعرف في وجوههم نضرة النعيم} أي: تعرف إذا نظرت إليهم في وجوههم نضرة النعيم، أي: صفة الترافة والحشمة والسرور والدعة والرياسة؛ مما هم فيه من النعيم العظيم. وقوله: {يسقون من رحيق مختوم} أي: يسقون من خمر من الجنة. والرحيق: من أسماء الخمر. قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وابن زيد. قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا زهير، عن سعد أبي المجاهد الطائي، عن عطية بن سعد العوفي، عن أبي سعيد الخدري-أراه قد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم-قال: "أيما مؤمن سقى مؤمنا شربة على ظمأ، سقاه الله تعالى يوم القيامة من الرحيق المختوم. وأيما مؤمن أطعم مؤمنا على جوع، أطعمه الله من ثمار الجنة. وأيما مؤمن كسا مؤمنا ثوبا على عري، كساه الله من خضر الجنة" . وقال ابن مسعود في قوله: {ختامه مسك} أي: خلطه مسك. وقال العوفي، عن ابن عباس: طيب الله لهم الخمر، فكان آخر شيء جعل فيها مسك، ختم بمسك. وكذا قال قتادة والضحاك. وقال إبراهيم والحسن: {ختامه مسك} أي: عاقبته مسك. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا أبو حمزة، عن جابر، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي الدرداء: {ختامه مسك} قال: شراب أبيض مثل الفضة، يختمون به شرابهم. ولو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها، لم يبق ذو روح إلا وجد طيبها . وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ختامه مسك} قال: طيبه مسك. وقوله: {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} أي: وفي مثل هذا الحال فليتفاخر المتفاخرون، وليتباهى ويكاثر ويستبق إلى مثله المستبقون. كقوله: {لمثل هذا فليعمل العاملون} [الصافات: 61] .

حصہ V08/P352–V08/P354

وقوله: {ومزاجه من تسنيم} أي: ومزاج هذا الرحيق الموصوف من تسنيم، أي: من شراب يقال له تسنيم، وهو أشرف شراب أهل الجنة وأعلاه. قاله أبو صالح والضحاك؛ ولهذا قال: {عينا يشرب بها المقربون} أي: يشربها المقربون صرفا، وتمزج لأصحاب اليمين مزجا. قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومسروق، وقتادة، وغيرهم. {إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليهم حافظين فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون } {على الأرائك ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } يخبر تعالى عن المجرمين أنهم كانوا في الدار الدنيا يضحكون من المؤمنين، أي: يستهزئون بهم ويحتقرونهم وإذا مروا بالمؤمنين يتغامزون عليهم، أي:محتقرين لهم، {وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين} أي: إذا انقلب، أي: رجع هؤلاء المجرمون إلى منازلهم، انقلبوا إليها فاكهين، أي: مهما طلبوا وجدوا، ومع هذا ما شكروا نعمة الله عليهم، بل اشتغلوا بالقوم المؤمنين يحتقرونهم ويحسدونهم، {وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون} أي: لكونهم على غير دينهم، قال الله تعالى: {وما أرسلوا عليهم حافظين} أي: وما بعث هؤلاء المجرمون حافظين على هؤلاء المؤمنين ما يصدر من أعمالهم وأقوالهم، ولا كلفوا بهم؟ فلم اشتغلوا بهم وجعلوهم نصب أعينهم، كما قال تعالى: {قال اخسئوا فيها ولا تكلمون إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون} [المؤمنون: 108 -111] . ولهذا قال هاهنا: {فاليوم} يعني: يوم القيامة {الذين آمنوا من الكفار يضحكون} أي: في مقابلة ما ضحك بهم أولئك، {على الأرائك ينظرون} أي: إلى الله عز وجل، في مقابلة من زعم فيهم أنهم ضالون، ليسوا بضالين، بل هم من أولياء الله المقربين، ينظرون إلى ربهم في دار كرامته. وقوله: {هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون} ؟ أي: هل جوزي الكفار على ما كانوا يقابلون به المؤمنين من الاستهزاء والتنقص أم لا؟ يعني: قد جوزوا أوفر الجزاء وأتمه وأكمله. آخر [تفسير سورة] "المطففين". تفسير سورة الانشقاق وهي مكية. قال مالك، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي سلمة: أن أبا هريرة قرأ بهم: " إذا السماء انشقت " فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فيها. رواه مسلم والنسائي، من طريق مالك، به . وقال البخاري: حدثنا أبو النعمان، حدثنا معتمر، عن أبيه، عن بكر، عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ: " إذا السماء انشقت " فسجد، فقلت له، قال: سجدت خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه . ورواه أيضا عن مسدد، عن معتمر، به. ثم رواه عن مسدد، عن يزيد بن زريع، عن التيمي، عن بكر، عن أبي رافع، فذكره وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق، عن سليمان بن طرخان التيمي، به وقد روى مسلم وأهل السنن من حديث سفيان بن عيينة-زاد النسائي: وسفيان الثوري-كلاهما عن أيوب بن موسى، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في " إذا السماء انشقت " و " اقرأ باسم ربك الذي خلق " . بسم الله الرحمن الرحيم {إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت وأذنت لربها وحقت يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا إنه كان في أهله مسرورا إنه ظن أن لن يحور بلى إن ربه كان به بصيرا }

سوالات