Qur'an&Sunnah

İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm

حصہ V04/P288–V04/P290

وكذا قال مجاهد، وأبو مالك، والربيع بن أنس، والضحاك، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأبوه زيد بن أسلم: وكأن هذا -والله أعلم -لما اشتد بهم البلاء من قبل فرعون وقومه، وضيقوا عليهم، أمروا بكثرة الصلاة، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة} [البقرة: 156] . وفي الحديث: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى. أخرجه أبو داود. ولهذا قال تعالى في هذه الآية: {واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين} أي: بالثواب والنصر القريب. وقال العوفي، عن ابن عباس، في تفسير هذه الآية قال: قالت بنو إسرائيل لموسى، عليه السلام: لا نستطيع أن نظهر صلاتنا مع الفراعنة، فأذن الله تعالى لهم أن يصلوا في بيوتهم، وأمروا أن يجعلوا بيوتهم قبل القبلة. وقال مجاهد: {واجعلوا بيوتكم قبلة} قال: لما خاف بنو إسرائيل من فرعون أن يقتلوا في الكنائس الجامعة، أمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة، يصلون فيها سرا. وكذا قال قتادة، والضحاك. وقال سعيد بن جبير: {واجعلوا بيوتكم قبلة} أي: يقابل بعضها بعضا. {وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم } {قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون } هذا إخبار من الله تعالى عما دعا به موسى، عليه السلام، على فرعون وملئه، لما أبوا قبول الحق واستمروا على ضلالهم وكفرهم معاندين جاحدين، ظلما وعلوا وتكبرا وعتوا، قال: {ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة} أي: من أثاث الدنيا ومتاعها، {وأموالا} أي: جزيلة كثيرة، {في} هذه {الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك} -بفتح الياء -أي: أعطيتهم ذلك وأنت تعلم أنهم لا يؤمنون بما أرسلتني به إليهم استدراجا منك لهم، كما قال تعالى: {لنفتنهم فيه} وقرأ آخرون: {ليضلوا} بضم الياء، أي: ليفتتن بما أعطيتهم من شئت من خلقك، ليظن من أغويته أنك إنما أعطيت هؤلاء هذا لحبك إياهم واعتنائك بهم. {ربنا اطمس على أموالهم} قال ابن عباس، ومجاهد: أي: أهلكها. وقال الضحاك، وأبو العالية، والربيع بن أنس: جعلها الله حجارة منقوشة كهيئة ما كانت. وقال قتادة: بلغنا أن زروعهم تحولت حجارة. وقال محمد بن كعب القرظي: اجعل سكرهم حجارة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا يحيى بن أبي بكير، عن أبي معشر، حدثني محمد بن قيس: أن محمد بن كعب قرأ سورة يونس على عمر بن عبد العزيز: {وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه} إلى قوله: {اطمس على أموالهم} إلى آخرها [فقال له: عمر يا أبا حمزة أي شيء الطمس؟ قال: عادت أموالهم كلها حجارة] فقال عمر بن عبد العزيز لغلام له: ائتني بكيس. [فجاءه بكيس] فإذا فيه حمص وبيض، قد قطع حول حجارة. وقوله: {واشدد على قلوبهم} قال ابن عباس: أي اطبع عليها، {فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} وهذه الدعوة كانت من موسى، عليه السلام، غضبا لله ولدينه على فرعون وملئه، الذين تبين له أنه لا خير فيهم، ولا يجيء منهم شيء كما دعا نوح، عليه السلام، فقال: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا} [نوح: 26، 27] ؛ ولهذا استجاب الله تعالى لموسى، عليه السلام، فيهم هذه الدعوة، التي أمن عليها أخوه هارون، فقال تعالى: {قد أجيبت دعوتكما} قال أبو العالية، وأبو صالح، وعكرمة، ومحمد بن كعب القرظي، والربيع بن أنس: دعا موسى وأمن هارون، أي: قد أجبناكما فيما سألتما من تدمير آل فرعون. وقد يحتج بهذه الآية من يقول: "إن تأمين المأموم على قراءة الفاتحة ينزل منزلة قراءتها؛ لأن موسى دعا وهارون أمن". وقال تعالى: {قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما [ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون] } أي: كما أجيبت دعوتكما فاستقيما على أمري. قال ابن جريج، عن ابن عباس: {فاستقيما} فامضيا لأمري، وهي الاستقامة. قال ابن جريج: يقولون: إن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة.

حصہ V04/P290–V04/P292

وقال محمد بن علي بن الحسين: أربعين يوما. {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون } يذكر تعالى كيفية إغراقه فرعون وجنوده؛ فإن بني إسرائيل لما خرجوا من مصر صحبة موسى، عليه السلام، وهم -فيما قيل -ستمائة ألف مقاتل سوى الذرية، وقد كانوا استعاروا من القبط حليا كثيرا، فخرجوا به معهم، فاشتد حنق فرعون عليهم، فأرسل في المدائن حاشرين يجمعون له جنوده من أقاليمه، فركب وراءهم في أبهة عظيمة، وجيوش هائلة لما يريده الله تعالى بهم، ولم يتخلف عنه أحد ممن له دولة وسلطان في سائر مملكته، فلحقوهم وقت شروق الشمس، {فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون} [الشعراء: 61] وذلك أنهم لما انتهوا إلى ساحل البحر، وأدركهم فرعون، ولم يبق إلا أن يتقاتل الجمعان، وألح أصحاب موسى، عليه السلام، عليه في السؤال كيف المخلص مما نحن فيه؟ فيقول: إني أمرت أن أسلك هاهنا، {كلا إن معي ربي سيهدين} [الشعراء: 62] فعندما ضاق الأمر اتسع، فأمره الله تعالى أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فانفلق البحر، {فكان كل فرق كالطود العظيم} [الشعراء: 63] أي: كالجبل العظيم، وصار اثني عشر طريقا، لكل سبط واحد. وأمر الله الريح فنشفت أرضه، {فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى} [طه: 77] وتخرق الماء بين الطرق كهيئة الشبابيك، ليرى كل قوم الآخرين لئلا يظنوا أنهم هلكوا. وجازت بنو إسرائيل البحر، فلما خرج آخرهم منه انتهى فرعون وجنوده إلى حافته من الناحية الأخرى، وهو في مائة ألف أدهم سوى بقية الألوان، فلما رأى ذلك هاله وأحجم وهاب وهم بالرجوع، وهيهات ولات حين مناص، نفذ القدر، واستجيبت الدعوة. وجاء جبريل، عليه السلام، على فرس -وديق حائل -فمر إلى جانب حصان فرعون فحمحم إليها وتقدم جبريل فاقتحم البحر ودخله، فاقتحم الحصان وراءه، ولم يبق فرعون يملك من نفسه شيئا، فتجلد لأمرائه، وقال لهم: ليس بنو إسرائيل بأحق بالبحر منا، فاقتحموا كلهم عن آخرهم وميكائيل في ساقتهم، لا يترك أحدا منهم، إلا ألحقه بهم. فلما استوسقوا فيه وتكاملوا، وهم أولهم بالخروج منه، أمر الله القدير البحر أن يرتطم عليهم، فارتطم عليهم، فلم ينج منهم أحد، وجعلت الأمواج ترفعهم وتخفضهم، وتراكمت الأمواج فوق فرعون، وغشيته سكرات الموت، فقال وهو كذلك: {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} فآمن حيث لا ينفعه الإيمان، {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون} [غافر: 84، 85] . وهكذا قال الله تعالى في جواب فرعون حين قال ما قال: {آلآن وقد عصيت قبل} أي: أهذا الوقت تقول، وقد عصيت الله قبل هذا فيما بينك وبينه؟ {وكنت من المفسدين} أي: في الأرض الذين أضلوا الناس، {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون} [القصص: 41] وهذا الذي حكى الله تعالى عن فرعون من قوله هذا في حاله ذاك من أسرار الغيب التي أعلم الله بها رسوله؛ ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما قال فرعون: {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل} قال: قال لي جبريل: [يا محمد] لو رأيتني وقد أخذت [حالا] من حال البحر، فدسسته في فيه مخافة أن تناله الرحمة" ورواه الترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم في تفاسيرهم، من حديث حماد بن سلمة، به وقال الترمذي: حديث حسن.

حصہ V04/P292–V04/P293

وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال لي جبريل: لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر، فأدسه في فم فرعون مخافة أن تدركه الرحمة". وقد رواه أبو عيسى الترمذي أيضا، وابن جرير أيضا، من غير وجه، عن شعبة، به وقال الترمذي: حسن غريب صحيح. ووقع في رواية عند ابن جرير، عن محمد بن المثنى، عن غندر، عن شعبة، عن عطاء وعدي، عن سعيد، عن ابن عباس، رفعه أحدهما -وكأن الآخر لم يرفعه، فالله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أغرق الله فرعون، أشار بأصبعه ورفع صوته: {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل} قال: فخاف جبريل أن تسبق رحمة الله فيه غضبه، فجعل يأخذ الحال بجناحيه فيضرب به وجهه فيرمسه. وكذا رواه ابن جرير، عن سفيان بن وكيع، عن أبي خالد، به موقوفا وقد روي من حديث أبي هريرة أيضا، فقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام، عن عنبسة -هو ابن سعيد -عن كثير بن زاذان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال لي جبريل: يا محمد، لو رأيتني وأنا أغطه وأدس من الحال في فيه، مخافة أن تدركه رحمة الله فيغفر له" يعني: فرعون كثير بن زاذان هذا قال ابن معين: لا أعرفه، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: مجهول، وباقي رجاله ثقات. وقد أرسل هذا الحديث جماعة من السلف: قتادة، وإبراهيم التيمي، وميمون بن مهران. ونقل عن الضحاك بن قيس: أنه خطب بهذا للناس، فالله أعلم. وقوله: {فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية} قال ابن عباس وغيره من السلف: إن بعض بني إسرائيل شكوا في موت فرعون، فأمر الله تعالى البحر أن يلقيه بجسده بلا روح، وعليه درعه المعروفة [به] على نجوة من الأرض وهو المكان المرتفع، ليتحققوا موته وهلاكه؛ ولهذا قال تعالى: {فاليوم ننجيك} أي: نرفعك على نشز من الأرض، {ببدنك} قال مجاهد: بجسدك. وقال الحسن: بجسم لا روح فيه. وقال عبد الله بن شداد: سويا صحيحا، أي: لم يتمزق ليتحققوه ويعرفوه. وقال أبو صخر: بدرعك وكل هذه الأقوال لا منافاة بينها، كما تقدم، والله أعلم. وقوله: {لتكون لمن خلفك آية} أي: لتكون لبني إسرائيل دليلا على موتك وهلاكك، وأن الله هو القادر الذي ناصية كل دابة بيده، وأنه لا يقوم لغضبه شيء؛ ولهذا قرأ بعض السلف: " لتكون لمن خلقك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون" أي: لا يتعظون بها، ولا يعتبرون. وقد كان [إهلاك فرعون وملئه] يوم عاشوراء، كما قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، واليهود تصوم يوم عاشوراء فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "أنتم أحق بموسى منهم، فصوموه" {ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون }

حصہ V04/P293–V04/P295

يخبر تعالى عما أنعم به على بني إسرائيل من النعم الدينية والدنيوية ف {مبوأ صدق} قيل: هو بلاد مصر والشام، مما يلي بيت المقدس ونواحيه، فإن الله تعالى لما أهلك فرعون وجنوده استقرت يد الدولة الموسوية على بلاد مصر بكمالها، كما قال الله تعالى: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون} [الأعراف: 137] وقال في الآية الأخرى: {فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل} [الشعراء: 57-59] ولكن استمروا مع موسى، عليه السلام، طالبين إلى بلاد بيت المقدس [وهي بلاد الخليل عليه السلام فاستمر موسى بمن معه طالبا بيت المقدس] وكان فيه قوم من العمالقة، [فنكل بنو إسرائيل عن قتال العمالقة] فشردهم الله تعالى في التيه أربعين سنة، ومات فيه هارون، ثم، موسى، عليهما السلام، وخرجوا بعدهما مع يوشع بن نون، ففتح الله عليهم بيت المقدس، واستقرت أيديهم عليها إلى أن أخذها منهم بختنصر حينا من الدهر، ثم عادت إليهم، ثم أخذها ملوك اليونان، وكانت تحت أحكامهم مدة طويلة، وبعث الله عيسى ابن مريم، عليه السلام، في تلك المدة، فاستعانت اليهود -قبحهم الله -على معاداة عيسى، عليه السلام، بملوك اليونان، وكانت تحت أحكامهم، ووشوا عندهم، وأوحوا إليهم أن هذا يفسد عليكم الرعايا فبعثوا من يقبض عليه، فرفعه الله إليه، وشبه لهم بعض الحواريين بمشيئة الله وقدره فأخذوه فصلبوه، واعتقدوا أنه هو، {وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما} [النساء: 157، 158] ثم بعد المسيح، عليه السلام بنحو [من] ثلثمائة سنة، دخل قسطنطين أحد ملوك اليونان -في دين النصرانية، وكان فيلسوفا قبل ذلك. فدخل في دين النصارى قيل: تقية، وقيل: حيلة ليفسده، فوضعت له الأساقفة منهم قوانين وشريعة وبدعا أحدثوها، فبنى لهم الكنائس والبيع الكبار والصغار، والصوامع والهياكل، والمعابد، والقلايات. وانتشر دين النصرانية في ذلك الزمان، واشتهر على ما فيه من تبديل وتغيير وتحريف، ووضع وكذب، ومخالفة لدين المسيح. ولم يبق على دين المسيح على الحقيقة منهم إلا القليل من الرهبان، فاتخذوا لهم الصوامع في البراري والمهامة والقفار، واستحوذت يد النصارى على مملكة الشام والجزيرة وبلاد الروم، وبنى هذا الملك المذكور مدينة قسطنطينية، والقمامة، وبيت لحم، وكنائس [بلاد] بيت المقدس، ومدن حوران كبصرى وغيرها من البلدان بناءات هائلة محكمة، وعبدوا الصليب من حينئذ، وصلوا إلى الشرق، وصوروا الكنائس، وأحلوا لحم الخنزير، وغير ذلك مما أحدثوه من الفروع في دينهم والأصول، ووضعوا له الأمانة الحقيرة، التي يسمونها الكبيرة، وصنفوا له القوانين، وبسط هذا يطول. والغرض أن يدهم لم تزل على هذه البلاد إلى أن انتزعها منهم الصحابة، رضي الله عنهم، وكان فتح بيت المقدس على يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ولله الحمد والمنة. وقوله: {ورزقناهم من الطيبات} أي: الحلال، من الرزق الطيب النافع المستطاب طبعا وشرعا. وقوله: {فما اختلفوا حتى جاءهم العلم} أي: ما اختلفوا في شيء من المسائل إلا من بعد ما جاءهم العلم، أي: ولم يكن لهم أن يختلفوا، وقد بين الله لهم وأزال عنهم اللبس. وقد ورد في الحديث: أن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة، وأن النصارى اختلفوا على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، منها واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي". رواه الحاكم في مستدركه بهذا اللفظ، وهو في السنن والمسانيد ولهذا قال الله تعالى: {إن ربك يقضي بينهم} أي: يفصل بينهم {يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم }

حصہ V04/P295–V04/P297

قال قتادة بن دعامة: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا أشك ولا أسأل" وكذا قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وهذا فيه تثبيت للأمة، وإعلام لهم أن صفة نبيهم صلى الله عليه وسلم موجودة في الكتب المتقدمة التي بأيدي أهل الكتاب، كما قال تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل} الآية [الأعراف: 157] . ثم مع هذا العلم يعرفونه من كتبهم كما يعرفون أبناءهم، يلبسون ذلك ويحرفونه ويبدلونه، ولا يؤمنون به مع قيام الحجة عليهم؛ ولهذا قال تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} أي: لا يؤمنون إيمانا ينفعهم، بل حين لا ينفع نفسا إيمانها؛ ولهذا لما دعا موسى، عليه السلام، على فرعون وملئه قال: {ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 88] ، كما قال تعالى: {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون} [الأنعام: 111] ثم قال تعالى: {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين } يقول تعالى: فهلا كانت قرية آمنت بكمالها من الأمم السالفة الذين بعثنا إليهم الرسل، بل ما أرسلنا من قبلك يا محمد من رسول إلا كذبه قومه، أو أكثرهم كما قال تعالى: {يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون} [يس: 30] ، {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون} [الذاريات:52] ، {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} [الزخرف:23] وفي الحديث الصحيح: "عرض علي الأنبياء، فجعل النبي يمر ومعه الفئام من الناس، والنبي معه الرجل والنبي معه الرجلان، والنبي ليس معه أحد" ثم ذكر كثرة أتباع موسى، عليه السلام، ثم ذكر كثرة أمته، صلوات الله وسلامه عليه، كثرة سدت الخافقين الشرقي والغربي. والغرض أنه لم توجد قرية آمنت بكمالها بنبيهم ممن سلف من القرى، إلا قوم يونس، وهم أهل نينوى، وما كان إيمانهم إلا خوفا من وصول العذاب الذي أنذرهم به رسولهم، بعد ما عاينوا أسبابه، وخرج رسولهم من بين أظهرهم، فعندها جأروا إلى الله واستغاثوا به، وتضرعوا لديه. واستكانوا وأحضروا أطفالهم ودوابهم ومواشيهم، وسألوا الله تعالى أن يرفع عنهم العذاب الذي أنذرهم به نبيهم. فعندها رحمهم الله، وكشف عنهم العذاب وأخروا، كما قال تعالى: {إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين} . واختلف المفسرون: هل كشف عنهم العذاب الأخروي مع الدنيوي؟ أو إنما كشف عنهم في الدنيا فقط؟ على قولين، أحدهما: إنما كان ذلك في الحياة الدنيا، كما هو مقيد في هذه الآية. والقول الثاني فيهما لقوله تعالى: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين} [الصافات: 147، 148] فأطلق عليهم الإيمان، والإيمان منقذ من العذاب الأخروي، وهذا هو الظاهر، والله أعلم. قال قتادة في تفسير هذه الآية: لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين حضرها العذاب، فتركت، إلا قوم يونس، لما فقدوا نبيهم وظنوا أن العذاب قد دنا منهم، قذف الله في قلوبهم التوبة، ولبسوا المسوح، وفرقوا بين كل بهيمة وولدها ثم عجوا إلى الله أربعين ليلة. فلما عرف الله منهم الصدق من قلوبهم، والتوبة والندامة على ما مضى منهم كشف الله عنهم العذاب بعد أن تدلى عليهم -قال قتادة: وذكر أن قوم يونس كانوا بنينوى أرض الموصل. وكذا روي عن ابن مسعود، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وغير واحد من السلف، وكان ابن مسعود يقرؤها: "فهلا كانت قرية آمنت".

حصہ V04/P297–V04/P298

وقال أبو عمران، عن أبي الجلد قال: لما نزل بهم العذاب، جعل يدور على رءوسهم كقطع الليل المظلم، فمشوا إلى رجل من علمائهم فقالوا: علمنا دعاء ندعوا به، لعل الله يكشف عنا العذاب، فقال: قولوا: يا حي حين لا حي، يا محيي الموتى لا إله إلا أنت. قال: فكشف عنهم العذاب. وتمام القصة سيأتي مفصلا في سورة الصافات إن شاء الله. {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون } يقول تعالى: {ولو شاء ربك} -يا محمد -لأذن لأهل الأرض كلهم في الإيمان بما جئتهم به، فآمنوا كلهم، ولكن له حكمة فيما يفعله تعالى كما قال تعالى: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} [هود: 118، 119] ، وقال تعالى: {أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا} [الرعد: 31] ؛ ولهذا قال تعالى: {أفأنت تكره الناس} أي: تلزمهم وتلجئهم {حتى يكونوا مؤمنين} أي: ليس ذلك عليك ولا إليك، بل [إلى] الله {يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر: 8] ، {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء} [البقرة: 272] ، {لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين} [الشعراء: 3] ، {إنك لا تهدي من أحببت} [القصص:56] ، {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} [الرعد: 40] ، {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر} [الغاشية: 21، 22] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى هو الفعال لما يريد، الهادي من يشاء، المضل لمن يشاء، لعلمه وحكمته وعدله؛ ولهذا قال: {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس} وهو الخبال والضلال، {على الذين لا يعقلون} أي: حجج الله وأدلته، وهو العادل في كل ذلك، في هداية من هدى، وإضلال من ضل. {قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين } يرشد تعالى عباده إلى التفكر في آلائه وما خلق في السموات والأرض من الآيات الباهرة لذوي الألباب، مما في السموات من كواكب نيرات، ثوابت وسيارات، والشمس والقمر، والليل والنهار، واختلافهما، وإيلاج أحدهما في الآخر، حتى يطول هذا ويقصر هذا، ثم يقصر هذا ويطول هذا، وارتفاع السماء واتساعها، وحسنها وزينتها، وما أنزل الله منها من مطر فأحيا به الأرض بعد موتها، وأخرج فيها من أفانين الثمار والزروع والأزاهير، وصنوف النبات، وما ذرأ فيها من دواب مختلفة الأشكال والألوان والمنافع، وما فيها من جبال وسهول وقفار وعمران وخراب. وما في البحر من العجائب والأمواج، وهو مع هذا [مسخر] مذلل للسالكين، يحمل سفنهم، ويجري بها برفق بتسخير القدير له، لا إله إلا هو، ولا رب سواه. وقوله: {وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون} أي: وأي شيء تجدي الآيات السماوية والأرضية، والرسل بآياتها وحججها وبراهينها الدالة على صدقها، عن قوم لا يؤمنون، كما قال: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96، 69] . وقوله: {فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم} أي: فهل ينتظر هؤلاء المكذبون لك يا محمد من النقمة والعذاب إلا مثل أيام الله في الذين خلوا من قبلهم من الأمم المكذبة لرسلهم، {قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا} أي: ونهلك المكذبين بالرسل، {كذلك حقا علينا ننج المؤمنين} [أي] حقا: أوجبه تعالى على نفسه الكريمة: كقوله {كتب على نفسه الرحمة} [الأنعام: 12] كما جاء في الصحيحين، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله كتب كتابا فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي"

حصہ V04/P298–V04/P301

{قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين } {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم } يقول تعالى لرسوله محمد، صلوات الله وسلامه عليه: قل: يا أيها الناس، إن كنتم في شك من صحة ما جئتكم من الدين الحنيف، الذي أوحاه الله إلي، فها أنا لا أعبد الذين تعبدون من دون الله، ولكن أعبد الله وحده لا شريك له، وهو الذي يتوفاكم كما أحياكم، ثم إليه مرجعكم؛ فإن كانت آلهتكم التي تدعون من دون الله حقا، فأنا لا أعبدها فادعوها فلتضرني، فإنها لا تضر ولا تنفع، وإنما الذي بيده الضر والنفع هو الله وحده لا شريك له، وأمرت أن أكون من المؤمنين. وقوله: {وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين} أي: أخلص العبادة لله وحده حنيفا، أي: منحرفا عن الشرك؛ ولهذا قال: {ولا تكونن من المشركين} وهو معطوف على قوله: {وأمرت أن أكون من المؤمنين} وقوله: {وإن يمسسك الله بضر} إلى آخرها، بيان لأن الخير والشر والنفع والضر إنما هو راجع إلى الله تعالى وحده لا يشاركه في ذلك أحد، فهو الذي يستحق العبادة وحده، لا شريك له. روى الحافظ ابن عساكر، في ترجمة صفوان بن سليم، من طريق عبد الله بن وهب: أخبرني يحيى بن أيوب عن عيسى بن موسى، عن صفوان بن سليم، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اطلبوا الخير دهركم كله، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته، يصيب بها من يشاء من عباده واسألوه أن يستر عوراتكم، ويؤمن روعاتكم" ثم رواه من طريق الليث، عن عيسى بن موسى، عن صفوان، عن رجل من أشجع، عن أبي هريرة مرفوعا؛ بمثله سواء وقوله: {وهو الغفور الرحيم} أي: لمن تاب إليه وتوكل عليه، ولو من أي ذنب كان، حتى من الشرك به، فإنه يتوب عليه. {قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين } يقول تعالى آمرا لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه، أن يخبر الناس أن الذي جاءهم به من عند الله هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، فمن اهتدى به واتبعه فإنما يعود نفع ذلك الاتباع على نفسه، [ومن ضل عنه فإنما يرجع وبال ذلك عليه ] {وما أنا عليكم بوكيل} أي: وما أنا موكل بكم حتى تكونوا مؤمنين به، وإنما أنا نذير لكم، والهداية على الله تعالى. وقوله: {واتبع ما يوحى إليك واصبر} أي: تمسك بما أنزل الله عليك وأوحاه واصبر على مخالفة من خالفك من الناس، {حتى يحكم الله} أي: يفتح بينك وبينهم، {وهو خير الحاكمين} أي: خير الفاتحين بعدله وحكمته. تفسير سورة هود [وهي مكية] . قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا خلف بن هشام البزار، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عكرمة قال: قال أبو بكر: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما شيبك؟ قال: " شيبتني هود، والواقعة، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت " . وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، حدثنا معاوية بن هشام، عن شيبان، عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله، قد شبت؟ قال: " شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت " وفي رواية: " هود وأخواتها ".

حصہ V04/P301–V04/P303

وقال الطبراني: حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا حماد بن الحسن، حدثنا سعيد بن سلام، حدثنا عمر بن محمد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " شيبتني هود وأخواتها: الواقعة، والحاقة، وإذا الشمس كورت " وفي رواية: " هود وأخواتها " . وقد روي من حديث ابن مسعود، فقال الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أحمد بن طارق الرائشي ، حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه؛ أن أبا بكر قال: يا رسول الله، ما شيبك؟ قال: " هود، والواقعة " . عمرو بن ثابت متروك، وأبو إسحاق لم يدرك ابن مسعود. والله أعلم. بسم الله الرحمن الرحيم {الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير } قد تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هاهنا، وبالله التوفيق. وأما قوله: {أحكمت آياته ثم فصلت} أي: هي محكمة في لفظها، مفصلة في معناها، فهو كامل صورة ومعنى. هذا معنى ما روي عن مجاهد، وقتادة، واختاره ابن جرير. وقوله: {من لدن حكيم خبير} أي: من عند الله الحكيم في أقواله، وأحكامه، الخبير بعواقب الأمور. {ألا تعبدوا إلا الله} أي: نزل هذا القرآن المحكم المفصل لعبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء:25] ، قال: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل:36] . وقوله: {إنني لكم منه نذير وبشير} أي: إني لكم نذير من العذاب إن خالفتموه، وبشير بالثواب إن أطعتموه، كما جاء في الحديث الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد الصفا، فدعا بطون قريش الأقرب ثم الأقرب، فاجتمعوا، فقال يا معشر قريش، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا تصبحكم ، ألستم مصدقي؟ " فقالوا: ما جربنا عليك كذبا. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" . وقوله: {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله} أي: وآمركم بالاستغفار من الذنوب السالفة والتوبة منها إلى الله عز وجل فيما تستقبلونه، وأن تستمروا على ذلك، {يمتعكم متاعا حسنا} أي: في الدنيا {إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله} أي: في الدار الآخرة، قاله قتادة، كقوله: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [النحل:97] ، وقد جاء في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسعد: "وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في في امرأتك" . وقال ابن جرير: حدثت عن المسيب بن شريك، عن أبي بكر، عن سعيد بن جبير، عن ابن مسعود في قوله: {ويؤت كل ذي فضل فضله} قال: من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات. فإن عوقب بالسيئة التي كان عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات، وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من الحسنات العشر واحدة وبقيت له تسع حسنات. ثم يقول: هلك من غلب آحاده أعشاره .

حصہ V04/P303–V04/P305

وقوله: {وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير} هذا تهديد شديد لمن تولى عن أوامر الله تعالى، وكذب رسله، فإن العذاب يناله يوم معاده لا محالة، {إلى الله مرجعكم} أي: معادكم يوم القيامة، {وهو على كل شيء قدير} أي: وهو القادر على ما يشاء من إحسانه إلى أوليائه، وانتقامه من أعدائه، وإعادة الخلائق يوم القيامة، وهذا مقام الترهيب، كما أن الأول مقام ترغيب. {ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور } قال ابن عباس: كانوا يكرهون أن يستقبلوا السماء بفروجهم، وحال وقاعهم، فأنزل الله هذه الآية. رواه البخاري من حديث ابن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر؛ أن ابن عباس قرأ: "ألا إنهم تثنوني صدورهم"، فقلت: يا أبا عباس، ما تثنوني صدورهم؟ قال: الرجل كان يجامع امرأته فيستحيي -أو: يتخلى فيستحيي فنزلت: "ألا إنهم تثنوني صدورهم". وفي لفظ آخر له: قال ابن عباس: أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا، فيفضوا إلى السماء، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم. ثم قال: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو قال: قرأ ابن عباس "ألا إنهم يثنوني صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم". قال البخاري: وقال غيره، عن ابن عباس: {يستغشون} يغطون رءوسهم . وقال ابن عباس في رواية أخرى في تفسير هذه الآية: يعني به الشك في الله، وعمل السيئات، وكذا روي عن مجاهد، والحسن، وغيرهم: أي أنهم كانوا يثنون صدورهم إذا قالوا شيئا أو عملوه، يظنون أنهم يستخفون من الله بذلك، فأعلمهم الله تعالى أنهم حين يستغشون ثيابهم عند منامهم في ظلمة الليل، {يعلم ما يسرون} من القول: {وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور} أي: يعلم ما تكن صدورهم من النيات والضمائر والسرائر. وما أحسن ما قال زهير بن أبي سلمى في معلقته المشهورة: فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ليخفى، فمهما يكتم الله يعلم يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم حساب، أو يعجل فينقم فقد اعترف هذا الشاعر الجاهلي بوجود الصانع وعلمه بالجزئيات، وبالمعاد وبالجزاء، وبكتابة الأعمال في الصحف ليوم القيامة. وقال عبد الله بن شداد: كان أحدهم إذا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ثنى صدره، وغطى رأسه فأنزل الله ذلك. وعود الضمير على الله أولى؛ لقوله: {ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون} . وقرأ ابن عباس: "ألا إنهم تثنوني صدورهم"، برفع الصدور على الفاعلية، وهو قريب المعنى. {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين } أخبر تعالى أنه متكفل بأرزاق المخلوقات، من سائر دواب الأرض، صغيرها وكبيرها، بحريها، وبريها، وأنه {يعلم مستقرها ومستودعها} أي: يعلم أين منتهى سيرها في الأرض، وأين تأوي إليه من وكرها، وهو مستودعها. وقال علي بن أبي طلحة وغيره، عن ابن عباس: {ويعلم مستقرها} أي: حيث تأوي، {ومستودعها} حيث تموت. وعن مجاهد: {مستقرها} في الرحم، {ومستودعها} في الصلب، كالتي في الأنعام: وكذا روي عن ابن عباس والضحاك، وجماعة. وذكر ابن أبي حاتم أقوال المفسرين هاهنا، كما ذكره عند تلك الآية: فالله أعلم، وأن جميع ذلك مكتوب في كتاب عند الله مبين عن جميع ذلك، كما قال تعالى: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون} [الأنعام:38] ، وقوله : {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} [الأنعام:59] . {وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون }

حصہ V04/P305–V04/P307

يخبر تعالى عن قدرته على كل شيء، وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام، وأن عرشه كان على الماء قبل ذلك، كما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز، عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقبلوا البشرى يا بني تميم". قالوا: قد بشرتنا فأعطنا. قال: "اقبلوا البشرى يا أهل اليمن". قالوا: قد قبلنا، فأخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان؟ قال: "كان الله قبل كل شيء، وكان عرشه على الماء، وكتب في اللوح المحفوظ ذكر كل شيء". قال: فأتاني آت فقال: يا عمران، انحلت ناقتك من عقالها. قال: فخرجت في إثرها، فلا أدري ما كان بعدي . وهذا الحديث مخرج في صحيحي البخاري ومسلم بألفاظ كثيرة ؛ فمنها: قالوا: جئناك نسألك عن أول هذا الأمر فقال: "كان الله ولم يكن شيء قبله -وفي رواية: غيره -وفي رواية: معه -وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض". وفي صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء" . وقال البخاري في تفسير هذه الآية: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله عز وجل: أنفق أنفق عليك". وقال: "يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار" وقال "أفرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض ما في يده، وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض ويرفع" . وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عدس، عن عمه أبي رزين -واسمه لقيط بن عامر بن المنتفق العقيلي -قال: قلت: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: "كان في عماء، ما تحته هواء وما فوقه هواء، ثم خلق العرش بعد ذلك". وقد رواه الترمذي في التفسير، وابن ماجه في السنن من حديث يزيد بن هارون به وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال مجاهد: {وكان عرشه على الماء} قبل أن يخلق شيئا. وكذا قال وهب بن منبه، وضمرة بن حبيب، وقاله قتادة، وابن جرير، وغير واحد. وقال قتادة في قوله: {وكان عرشه على الماء} ينبئكم كيف كان بدء خلقه قبل أن يخلق السموات والأرض. وقال الربيع بن أنس: {وكان عرشه على الماء} فلما خلق السموات والأرض، قسم ذلك الماء قسمين، فجعل نصفا تحت العرش، وهو البحر المسجور. وقال ابن عباس: إنما سمي العرش عرشا لارتفاعه. وقال إسماعيل بن أبي خالد، سمعت سعدا الطائي يقول: العرش ياقوتة حمراء. وقال محمد بن إسحاق في قوله تعالى: {وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء} فكان كما وصف نفسه تعالى، إذ ليس إلا الماء وعليه العرش، وعلى العرش ذو الجلال والإكرام، والعزة والسلطان، والملك والقدرة، والحلم والعلم، والرحمة والنعمة، الفعال لما يريد. وقال الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس عن قول الله: {وكان عرشه على الماء} على أي شيء كان الماء؟ قال: على متن الريح. وقوله تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} أي: خلق السموات والأرض لنفع عباده الذين خلقهم ليعبدوه وحده لا شريك له، ولم يخلق ذلك عبثا، كما قال تعالى: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار}، وقال تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم} [المؤمنون:115، 116] ، وقال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات:56] .

حصہ V04/P307–V04/P308

وقوله: {ليبلوكم} أي: ليختبركم {أيكم أحسن عملا} ولم يقل: أكثر عملا بل {أحسن عملا} ولا يكون العمل حسنا حتى يكون خالصا لله عز وجل، على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمتى فقد العمل واحدا من هذين الشرطين بطل وحبط. وقوله: {ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} يقول تعالى: ولئن أخبرت يا محمد هؤلاء المشركين أن الله سيبعثهم بعد مماتهم كما بدأهم، مع أنهم يعلمون أن الله تعالى هو الذي خلق السموات والأرض، [كما قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} [الزخرف: 87] ، {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض] وسخر الشمس والقمر ليقولن الله} [العنكبوت:61] ، وهم مع هذا ينكرون البعث والمعاد يوم القيامة، الذي هو بالنسبة إلى القدرة أهون من البداءة، كما قال تعالى: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم:27] ، وقال تعالى: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} [لقمان:28] وقولهم : {إن هذا إلا سحر مبين} أي: يقولون كفرا وعنادا ما نصدقك على وقوع البعث، وما يذكر ذلك إلا من سحرته، فهو يتبعك على ما تقول. وقوله: {ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه} يقول تعالى: ولئن أخرنا العذاب والمؤاخذة عن هؤلاء المشركين إلى أجل معدود وأمد محصور، وأوعدناهم به إلى مدة مضروبة، ليقولن تكذيبا واستعجالا {ما يحبسه} أي: يؤخر هذا العذاب عنا، فإن سجاياهم قد ألفت التكذيب والشك، فلم يبق لهم محيص عنه ولا محيد. و"الأمة" تستعمل في القرآن والسنة في معان متعددة، فيراد بها: الأمد، كقوله في هذه الآية: {إلى أمة معدودة} وقوله في [سورة] يوسف: {وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة} [يوسف:45] ، وتستعمل في الإمام المقتدى به، كقوله: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين} [النحل:120] ، وتستعمل في الملة والدين، كقوله إخبارا عن المشركين أنهم قالوا: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} [الزخرف:23] ، وتستعمل في الجماعة، كقوله: {ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون} [القصص:23] ، وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل:36] ، وقال تعالى: {ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون} [يونس:47] . والمراد من الأمة هاهنا: الذين يبعث فيهم الرسول مؤمنهم وكافرهم، كما [جاء] في صحيح مسلم: "والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار" . وأما أمة الأتباع، فهم المصدقون للرسل، كما قال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] وفي الصحيح: " فأقول: أمتي أمتي". وتستعمل الأمة في الفرقة والطائقة، كقوله تعالى: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} [الأعراف:159] ، وقال تعالى: {من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون} [آل عمران:113] . {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير }

حصہ V04/P308–V04/P309

يخبر تعالى عن الإنسان وما فيه من الصفات الذميمة، إلا من رحم الله من عباده المؤمنين، فإنه إذا أصابته شدة بعد نعمة، حصل له يأس وقنوط من الخير بالنسبة إلى المستقبل، وكفر وجحود لماضي الحال، كأنه لم ير خيرا، ولم يرج بعد ذلك فرجا. وهكذا إن أصابته نعمة بعد نقمة {ليقولن ذهب السيئات عني} أي: يقول: ما بقي ينالني بعد هذا ضيم ولا سوء، {إنه لفرح فخور} أي: فرح بما في يده، بطر فخور على غيره. قال الله تعالى: {إلا الذين صبروا} أي: في الشدائد والمكاره، {وعملوا الصالحات} أي: في الرخاء والعافية، {أولئك لهم مغفرة} أي: بما يصيبهم من الضراء، {وأجر كبير} بما أسلفوه في زمن الرخاء، كما جاء في الحديث: "والذي نفسي بيده، لا يصيب المؤمن هم ولا غم، ولا نصب ولا وصب، ولا حزن حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله عنه بها من خطاياه ، وفي الصحيحين: "والذي نفسي بيده، لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له، وليس ذلك لأحد غير المؤمن" وهكذا قال الله تعالى: {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [سورة العصر] ، وقال تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين} الآية [المعارج:19 -22] . {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل } {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون } يقول تعالى مسليا لرسوله الله صلى الله عليه وسلم، عما كان يتعنت به المشركون، فيما كانوا يقولونه عن الرسول -كما أخبر تعالى عنهم -: {وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا} [الفرقان:7، 8] . فأمر الله تعالى رسوله، صلوات الله تعالى وسلامه عليه، وأرشده إلى ألا يضيق بذلك منهم صدره، ولا يهيدنه ذلك ولا يثنينه عن دعائهم إلى الله عز وجل آناء الليل وأطراف النهار، كما قال تعالى: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} [الحجر:97 -99] ، وقال هاهنا: {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا} أي: لقولهم ذلك، فإنما أنت نذير، ولك أسوة بإخوانك من الرسل قبلك، فإنهم كذبوا وأوذوا فصبروا حتى أتاهم نصر الله عز وجل. ثم بين تعالى إعجاز القرآن، وأنه لا يستطيع البشر الإتيان بمثله، ولا بعشر سور [من] مثله، ولا بسورة من مثله؛ لأن كلام الرب لا يشبهه كلام المخلوقين، كما أن صفاته لا تشبه صفات المحدثات ، وذاته لا يشبهها شيء، تعالى وتقدس وتنزه، لا إله إلا هو ولا رب سواه. ثم قال تعالى: {فإن لم يستجيبوا لكم} أي: فإن لم يأتوا بمعارضة ما دعوتموهم إليه، فاعلموا أنهم عاجزون عن ذلك، وأن هذا الكلام منزل من عند الله، متضمن علمه وأمره ونهيه، {وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون} . {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون }

حصہ V04/P309–V04/P311

قال العوفي، عن ابن عباس، في هذه الآية: إن أهل الرياء يعطون بحسناتهم في الدنيا، وذلك أنهم لا يظلمون نقيرا، يقول: من عمل صالحا التماس الدنيا، صوما أو صلاة أو تهجدا بالليل، لا يعمله إلا التماس الدنيا، يقول الله: أوفيه الذي التمس في الدنيا من المثابة، وحبط عمله الذي كان يعمله التماس الدنيا، وهو في الآخرة من الخاسرين. وهكذا روي عن مجاهد، والضحاك، وغير واحد. وقال أنس بن مالك، والحسن: نزلت في اليهود والنصارى. وقال مجاهد وغيره: نزلت في أهل الرياء . وقال قتادة: من كانت الدنيا همه وسدمه وطلبته ونيته، جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها جزاء. وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة. وقد ورد في الحديث المرفوع نحو من هذا . وقال تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا} [الإسراء: 18 -21] ، وقال تعالى: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} [الشورى:20] . {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } يخبر تعالى عن حال المؤمنين الذين هم على فطرة الله تعالى التي فطر عليها عباده، من الاعتراف له بأنه لا إله إلا هو، كما قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم} [الروم: 30] ، وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ " . وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم" . وفي المسند والسنن: "كل مولود يولد على هذه الملة، حتى يعرب عنه لسانه" الحديث، فالمؤمن باق على هذه الفطرة. [وقوله: {ويتلوه شاهد منه} أي] : وجاءه شاهد من الله، وهو ما أوحاه إلى الأنبياء، من الشرائع المطهرة المكملة المعظمة المختتمة بشريعة محمد، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. ولهذا قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو العالية، والضحاك، وإبراهيم النخعي، والسدي، وغير واحد في قوله تعالى: {ويتلوه شاهد منه} إنه جبريل عليه السلام. وعن علي، والحسن، وقتادة: هو محمد صلى الله عليه وسلم. وكلاهما قريب في المعنى؛ لأن كلا من جبريل ومحمد، صلوات الله عليهما، بلغ رسالة الله تعالى، فجبريل إلى محمد، ومحمد إلى الأمة . وقيل: هو علي. وهو ضعيف لا يثبت له قائل، والأول والثاني هو الحق؛ وذلك أن المؤمن عنده من الفطرة ما يشهد للشريعة من حيث الجملة، والتفاصيل تؤخذ من الشريعة، والفطرة تصدقها وتؤمن بها؛ ولهذا قال تعالى: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه} وهو القرآن، بلغه جبريل إلى النبي [محمد] صلى الله عليه وسلم، وبلغه النبي محمد إلى أمته. ثم قال تعالى: {ومن قبله كتاب موسى} أي: ومن قبل [هذا] القرآن كتاب موسى، وهو التوراة، {إماما ورحمة} أي: أنزل الله تعالى إلى تلك الأمة إماما لهم، وقدوة يقتدون بها، ورحمة من الله بهم. فمن آمن بها حق الإيمان قاده ذلك إلى الإيمان بالقرآن؛ ولهذا قال تعالى: {أولئك يؤمنون به} .

حصہ V04/P311–V04/P313

ثم قال تعالى متوعدا لمن كذب بالقرآن أو بشيء منه: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} أي: ومن كفر بالقرآن من سائر أهل الأرض مشركيهم: أهل الكتاب وغيرهم، من سائر طوائف بني آدم على اختلاف ألوانهم وأشكالهم وأجناسهم، ممن بلغه القرآن، كما قال تعالى: {لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] ، وقال تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 158] . وقال تعالى: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} وفي صحيح مسلم، من حديث شعبة، عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار" . وقال أيوب السختياني، عن سعيد بن جبير قال: كنت لا أسمع بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجهه إلا وجدت مصداقه -أو قال: تصديقه -في القرآن، فبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، ولا يهودي ولا نصراني، فلا يؤمن بي إلا دخل النار". فجعلت أقول: أين مصداقه في كتاب الله؟ قال: وقلما سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وجدت له تصديقا في القرآن، حتى وجدت هذه الآية: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} قال: "من الملل كلها" . قوله: {فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك} أي: القرآن حق من الله، لا مرية فيه ولا شك، كما قال تعالى: {الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين} [السجدة:1، 2] ، وقال تعالى: {الم ذلك الكتاب لا ريب فيه [هدى للمتقين] } [البقرة:1، 2] . وقوله: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} كما قال تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف: 103] ، وقال تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} [الأنعام:116] ، وقال تعالى: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين} [سبأ: 20] . {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون } {أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون } يبين تعالى حال المفترين عليه وفضيحتهم في الدار الآخرة على رءوس الخلائق؛ من الملائكة، والرسل، والأنبياء، وسائر البشر والجان، كما قال الإمام أحمد: حدثنا بهز وعفان قالا أخبرنا همام، حدثنا قتادة، عن صفوان بن محرز قال: كنت آخذا بيد ابن عمر، إذ عرض له رجل قال: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول: "إن الله عز وجل يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا ؟ أتعرف ذنب كذا ؟ أتعرف ذنب كذا ؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم. ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول: {الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين} أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين، من حديث قتادة به . وقوله: {الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا} أي يردون الناس عن اتباع الحق وسلوك طريق الهدى الموصلة إلى الله عز وجل ويجنبونهم الجنة، {ويبغونها عوجا} أي: ويريدون أن يكون طريقهم عوجا غير معتدلة، {وهم بالآخرة هم كافرون} أي: جاحدون بها مكذبون بوقوعها وكونها.

حصہ V04/P313–V04/P314

{أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء} أي: بل كانوا تحت قهره وغلبته، وفي قبضته وسلطانه، وهو قادر على الانتقام منهم في الدار الدنيا قبل الآخرة، ولكن {يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} [إبراهيم: 42] ، وفي الصحيحين: "إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته"؛ ولهذا قال تعالى: {يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} أي: يضاعف عليهم العذاب، وذلك لأن الله تعالى جعل لهم سمعا وأبصارا وأفئدة، فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم [من شيء] ، بل كانوا صما عن سماع الحق، عميا عن اتباعه، كما أخبر تعالى عنهم حين دخولهم النار: {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} [الملك: 10] ، وقال تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون} [النحل: 88] ؛ ولهذا يعذبون على كل أمر تركوه، وعلى كل نهي ارتكبوه؛ ولهذا كان أصح الأقوال أنهم مكلفون بفروع الشرائع أمرها ونهيها بالنسبة إلى الدار الآخرة. وقوله: {أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي: خسروا أنفسهم لأنهم دخلوا نارا حامية، فهم معذبون فيها لا يفتر عنهم من عذابها طرفة عين، كما قال تعالى: {كلما خبت زدناهم سعيرا} [الإسراء: 97] . و {ضل عنهم} أي: ذهب عنهم {ما كانوا يفترون} من دون الله من الأنداد والأصنام، فلم تجد عنهم شيئا، بل ضرتهم كل الضرر، كما قال تعالى: {وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} [الأحقاف: 6] ، وقال تعالى: {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} [مريم: 81، 82] ، وقال الخليل لقومه: {إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين} [العنكبوت: 25] ، وقال تعالى: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب} [البقرة: 166] ؛ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على خسرهم ودمارهم؛ ولهذا قال: {لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون} يخبر تعالى عن حالهم أنهم أخسر الناس صفقة في الدار الآخرة؛ لأنهم استبدلوا بالدركات عن الدرجات، واعتاضوا عن نعيم الجنان بحميم آن، وعن شرب الرحيق المختوم، بسموم وحميم، وظل من يحموم، وعن الحور العين بطعام من غسلين، وعن القصور العالية بالهاوية، وعن قرب الرحمن، ورؤيته بغضب الديان وعقوبته، فلا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون. {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون } لما ذكر تعالى حال الأشقياء ثنى بذكر السعداء، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فآمنت قلوبهم وعملت جوارحهم الأعمال الصالحة قولا وفعلا من الإتيان بالطاعات وترك المنكرات، وبهذا ورثوا الجنات، المشتملة على الغرف العاليات، والسرر المصفوفات، والقطوف الدانيات، والفرش المرتفعات، والحسان الخيرات، والفواكه المتنوعات، والمآكل المشتهيات والمشارب المستلذات، والنظر إلى خالق الأرض والسموات، وهم في ذلك خالدون، لا يموتون ولا يهرمون ولا يمرضون، وينامون ولا يتغطون، ولا يبصقون ولا يتمخطون، إن هو إلا رشح مسك يعرقون. ثم ضرب [الله] تعالى مثل الكافرين والمؤمنين، فقال: {مثل الفريقين} أي: الذين وصفهم أولا بالشقاء والمؤمنين السعداء، فأولئك كالأعمى والأصم، وهؤلاء كالبصير والسميع. فالكافر أعمى عن وجه الحق في الدنيا، وفي الآخرة لا يهتدي إلى خير ولا يعرفه، أصم عن سماع الحجج، فلا يسمع ما ينتفع به، {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} [الأنفال: 23] ، وأما المؤمن ففطن ذكي لبيب، بصير بالحق، يميز بينه وبين الباطل، فيتبع الخير ويترك الشر، سميع للحجة، يفرق بينها وبين الشبهة، فلا يروج عليه باطل، فهل يستوي هذا وهذا.

حصہ V04/P314–V04/P316

{أفلا تذكرون} أفلا تعتبرون وتفرقون بين هؤلاء وهؤلاء، كما قال في الآية الأخرى: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون} [الحشر: 20] وقال {وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور إن أنت إلا نذير إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} [فاطر:19 -24] . {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين } يخبر تعالى عن نوح، عليه السلام، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض من المشركين عبدة الأصنام أنه قال لقومه: {إني لكم نذير مبين} أي: ظاهر النذارة لكم من عذاب الله إن أنتم عبدتم غير الله؛ ولهذا قال: {أن لا تعبدوا إلا الله} وقوله {إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم} أي إن استمررتم على ما أنتم عليه عذبكم الله عذابا أليما موجعا شاقا في الدار الآخرة. {فقال الملأ الذين كفروا من قومه} والملأ هم: السادة والكبراء من الكافرين منهم: {ما نراك إلا بشرا مثلنا} أي: لست بملك، ولكنك بشر، فكيف أوحي إليك من دوننا؟ ثم ما نراك اتبعك إلا أراذلنا كالباعة والحاكة وأشباههم ولم يتبعك الأشراف ولا الرؤساء [منا] ثم هؤلاء الذين اتبعوك لم يكن عن ترو منهم ولا فكرة ولا نظر، بل بمجرد ما دعوتهم أجابوك فاتبعوك ؛ ولهذا قال: {وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي} أي: في أول بادئ الرأي، {وما نرى لكم علينا من فضل} يقولون: ما رأينا لكم علينا فضيلة في خلق ولا خلق، ولا رزق ولا حال، لما دخلتم في دينكم هذا، {بل نظنكم كاذبين} أي: فيما تدعونه لكم من البر والصلاح والعبادة، والسعادة في الدار الآخرة إذا صرتم إليها. هذا اعتراض الكافرين على نوح، عليه السلام، وأتباعه، وذلك دليل على جهلهم وقلة علمهم وعقلهم، فإنه ليس بعار على الحق رذالة من اتبعه، فإن الحق في نفسه صحيح، وسواء اتبعه الأشراف أو الأراذل بل الحق الذي لا شك فيه أن أتباع الحق هم الأشراف، ولو كانوا فقراء، والذين يأبونه هم الأراذل، ولو كانوا أغنياء. ثم الواقع غالبا أن ما يتبع الحق ضعفاء الناس، والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته، كما قال تعالى: {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} [الزخرف: 23] ، ولما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان صخر بن حرب عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم، قال له فيما قال: أشراف الناس اتبعوه أو ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم. فقال هرقل: هم أتباع الرسل. وقولهم {بادي الرأي} ليس بمذمة ولا عيب؛ لأن الحق إذا وضح لا يبقى للتروي ولا للفكر مجال، بل لا بد من اتباع الحق والحالة هذه لكل ذي زكاء وذكاء ولا يفكر وينزوي هاهنا إلا عيي أو غبي . والرسل، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، إنما جاءوا بأمر جلي واضح. وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت له كبوة، غير أبي بكر، فإنه لم يتلعثم" أي: ما تردد ولا تروى، لأنه رأى أمرا جليا عظيما واضحا، فبادر إليه وسارع. وقولهم: {وما نرى لكم علينا من فضل} هم لا يرون ذلك؛ لأنهم عمي عن الحق، لا يسمعون ولا يبصرون: بل هم في ريبهم يترددون، في ظلمات الجهل يعمهون، وهم الأفاكون الكاذبون، الأقلون الأرذلون، وفي الآخرة هم الأخسرون. {قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون }

حصہ V04/P316–V04/P318

يقول تعالى مخبرا عن نوح ما رد على قومه في ذلك: {أرأيتم إن كنت على بينة من ربي} أي: على يقين وأمر جلي، ونبوة صادقة، وهي الرحمة العظيمة من الله به وبهم، {فعميت عليكم} أي: خفيت عليكم، فلم تهتدوا إليها، ولا عرفتم قدرها، بل بادرتم إلى تكذيبها وردها، {أنلزمكموها} أي: نغضبكم بقبولها وأنتم لها كارهون. {ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون } يقول لقومه: لا أسألكم على نصحي [لكم] مالا؛ أجرة آخذها منكم، إنما أبتغي الأجر من الله عز وجل، {وما أنا بطارد الذين آمنوا} كأنهم طلبوا منه أن يطرد المؤمنين عنه، احتشاما ونفاسة منهم أن يجلسوا معهم، كما سأل أمثالهم خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم أن يطرد عنهم جماعة من الضعفاء ويجلس معهم مجلسا خاصا، فأنزل الله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} [الأنعام: 52] ، {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم} [الكهف: 28] ، وقال تعالى: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين} الآيات [الأنعام: 53] . {ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين } يخبرهم أنه رسول من الله، يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، بإذن الله له في ذلك، ولا يسألهم على ذلك أجرا، بل هو يدعو من لقيه من شريف ووضيع، فمن استجاب له فقد نجا. ويخبرهم أنه لا يقدر على التصرف في خزائن الله، ولا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، وليس هو بملك من الملائكة، بل بشر مرسل، مؤيد بالمعجزات. ولا أقول عن هؤلاء الذين تحتقرونهم وتزدرونهم : إنه ليس لهم عند الله ثواب على إيمانهم الله أعمل بما في أنفسهم، فإن كانوا مؤمنين باطنا، كما هو الظاهر من حالهم، فلهم جزاء الحسنى، ولو قطع لهم أحد بشر بعد ما آمنوا، لكان ظالما قائلا ما لا علم له به. {قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون } يقول تعالى مخبرا عن استعجال قوم نوح نقمة الله وعذابه وسخطه، والبلاء موكل بالمنطق: {قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا} أي: حاججتنا فأكثرت من ذلك، ونحن لا نتبعك {فأتنا بما تعدنا} أي: من النقمة والعذاب، ادع علينا بما شئت، فليأتنا ما تدعو به ، {إن كنت من الصادقين قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين} أي: إنما الذي يعاقبكم ويعجلها لكم الله الذي لا يعجزه شيء، {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم} أي: أي شيء يجدي عليكم إبلاغي لكم وإنذاري إياكم ونصحي، إن كان الله يريد إغواءكم ودماركم، {هو ربكم وإليه ترجعون} أي: هو مالك أزمة الأمور، والمتصرف الحاكم العادل الذي لا يجور، له الخلق وله الأمر، وهو المبدئ المعيد، مالك الدنيا والآخرة. {أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون } هذا كلام معترض في وسط هذه القصة، مؤكد لها ومقرر بشأنها . يقول تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: أم يقول هؤلاء الكافرون الجاحدون: افترى هذا وافتعله من عنده {قل إن افتريته فعلي إجرامي} أي: فإثم ذلك علي، {وأنا بريء مما تجرمون} أي: ليس ذلك مفتعلا ولا مفترى ، لأني أعلم ما عند الله من العقوبة لمن كذب عليه.

حصہ V04/P318–V04/P319

{وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون } {ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم } يخبر تعالى أنه أوحى إلى نوح لما استعجل قومه نقمة الله بهم وعذابه لهم، فدعا عليهم نوح دعوته التي قال الله تعالى مخبرا عنه أنه قال: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} [نوح: 26] ، {فدعا ربه أني مغلوب فانتصر} [القمر: 10] ، فعند ذلك أوحى الله تعالى إليه: {أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} فلا تحزن عليهم ولا يهمنك أمرهم. {واصنع الفلك} يعني: السفينة {بأعيننا} أي: بمرأى منا، {ووحينا} أي: وتعليمنا لك ماذا تصنعه، {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} . فقال بعض السلف: أمره الله تعالى أن يغرز الخشب ويقطعه وييبسه، فكان ذلك في مائة سنة، ونجرها في مائة سنة أخرى، وقيل: في أربعين سنة، فالله أعلم. وذكر محمد بن إسحاق عن التوراة: أن الله أمره أن يصنعها من خشب الساج، وأن يجعل طولها ثمانين ذراعا وعرضها خمسين ذراعا. وأن يطلي باطنها وظاهرها بالقار، وأن يجعل لها جؤجؤا أزور يشق الماء. وقال قتادة: كان طولها ثلاثمائة ذراع، في عرض خمسين. وعن الحسن: طولها ستمائة ذراع وعرضها ثلاثمائة ذراع. وعنه مع ابن عباس: طولها ألف ومائتا ذراع، في عرض ستمائة. وقيل: طولها ألفا ذراع، وعرضها مائة ذراع، فالله أعلم. قالوا كلهم: وكان ارتفاعها في السماء ثلاثين ذراعا، ثلاث طبقات، كل طبقة عشرة أذرع، فالسفلى للدواب والوحوش: والوسطى للإنس: والعليا للطيور. وكان بابها في عرضها، ولها غطاء من فوقها مطبق عليها. وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير أثرا غريبا، من حديث علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن عبد الله بن عباس؛ أنه قال: قال الحواريون لعيسى ابن مريم: لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فحدثنا عنها. قال: فانطلق بهم حتى أتى إلى كثيب من تراب، فأخذ كفا من ذلك التراب بكفه، قال أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا كعب حام بن نوح. قال: وضرب الكثيب بعصاه، قال: قم بإذن الله فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه، قد شاب. قال له عيسى، عليه السلام: هكذا هلكت؟ قال: لا. ولكني مت وأنا شاب، ولكنني ظننت أنها الساعة، فمن ثم شبت. قال: حدثنا عن سفينة نوح؟ قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات، فطبقة فيها الدواب والوحوش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير، فلما كثر أرواث الدواب، أوحى الله عز وجل إلى نوح، عليه السلام، أن اغمز ذنب الفيل، فغمزه، فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبلا على الروث، فلما وقع الفأر بخرز السفينة يقرضه وحبالها، أوحى إلى نوح؛ أن اضرب بين عيني الأسد، فخرج من منخره سنور وسنورة، فأقبلا على الفأر. فقال له عيسى، عليه السلام: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت؟ قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر، فوجد جيفة فوقع عليها، فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت قال: ثم بعث الحمامة، فجاءت بورق زيتون بمنقارها، وطين برجليها، فعلم أن البلاد قد غرقت. قال: فطوقها الخضرة التي في عنقها، ودعا لها أن تكون في أنس وأمان، فمن ثم تألف البيوت. قال: فقلنا: يا رسول الله، ألا ننطلق به إلى أهلينا فيجلس معنا ويحدثنا؟ قال: كيف يتبعكم من لا رزق له؟ قال: فقال له: عد بإذن الله، فعاد ترابا وقوله: {ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه} أي: يطنزون به ويكذبون بما يتوعدهم به من الغرق، {قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون} وعيد شديد، وتهديد أكيد، {من يأتيه عذاب يخزيه} أي: يهنه في الدنيا، {ويحل عليه عذاب مقيم} أي: دائم مستمر أبدا.

حصہ V04/P319–V04/P321

{حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل } هذه مواعدة من الله تعالى لنوح، عليه السلام، إذا جاء أمر الله من الأمطار المتتابعة، والهتان الذي لا يقلع ولا يفتر، بل هو كما قال تعالى: {ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر} [القمر:11 -14] . وأما قوله: {وفار التنور} فعن ابن عباس: التنور: وجه الأرض، أي: صارت الأرض عيونا تفور، حتى فار الماء من التنانير التي هي مكان النار، صارت تفور ماء، وهذا قول جمهور السلف وعلماء الخلف. وعن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: التنور: فلق الصبح، وتنوير الفجر، وهو ضياؤه وإشراقه. والأول أظهر. وقال مجاهد والشعبي: كان هذا التنور بالكوفة، وعن ابن عباس: عين بالهند. وعن قتادة: عين بالجزيرة، يقال لها: عين الوردة. وهذه أقوال غريبة. فحينئذ أمر الله نوحا، عليه السلام، أن يحمل معه في السفينة من كل زوجين -من صنوف المخلوقات ذوات الأرواح، قيل: وغيرها من النباتات -اثنين. ذكرا وأنثى، فقيل: كان أول من أدخل من الطيور الدرة، وآخر من أدخل من الحيوانات الحمار، فدخل إبليس متعلقا بذنبه، فدخل بيده ، وجعل يريد أن ينهض فيثقله إبليس وهو متعلق بذنبه، فجعل يقول له نوح: مالك؟ ويحك. ادخل. فينهض ولا يقدر، فقال: ادخل وإن كان إبليس معك فدخلا في السفينة. وذكر أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود أنهم لم يستطيعوا أن يحملوا معهم الأسد، حتى ألقيت عليه الحمى. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني الليث، حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم. عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لما حمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين، قال أصحابه: وكيف يطمئن أو: تطمئن -المواشي ومعها الأسد؟ فسلط الله عليه الحمى، فكانت أول حمى نزلت الأرض، ثم شكوا الفأرة فقالوا: الفويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا. فأوحى الله إلى الأسد، فعطس، فخرجت الهرة منه، فتخبأت الفأرة منها . وقوله: {وأهلك إلا من سبق عليه القول} أي: "واحمل فيها أهلك، وهم أهل بيته وقرابته" إلا من سبق عليه القول منهم، ممن لم يؤمن بالله، فكان منهم ابنه "يام" الذي انعزل وحده، وامرأة نوح وكانت كافرة بالله ورسوله. وقوله: {ومن آمن} أي: من قومك، {وما آمن معه إلا قليل} أي: نزر يسير مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاما، فعن ابن عباس: كانوا ثمانين نفسا منهم نساؤهم. وعن كعب الأحبار: كانوا اثنين وسبعين نفسا. وقيل: كانوا عشرة. وقيل: إنما كانوا نوح وبنوه الثلاثة سام، وحام، ويافث، وكنائنه الأربع نساء هؤلاء الثلاثة وامرأة يام. وقيل: بل امرأة نوح كانت معهم في السفينة، وهذا فيه نظر، بل الظاهر أنها هلكت؛ لأنها كانت على دين قومها، فأصابها ما أصابهم، كما أصاب امرأة لوط ما أصاب قومها، والله أعلم وأحكم. {وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين } يقول تعالى إخبارا عن نوح، عليه السلام، أنه قال للذين أمر بحملهم معه في السفينة: {اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها} أي: بسم الله يكون جريها على وجه الماء، وبسم الله يكون منتهى سيرها، وهو رسوها. وقرأ أبو رجاء العطاردي: "بسم الله مجريها ومرسيها".

حصہ V04/P321–V04/P322

وقال الله تعالى : {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين} [المؤمنون:28، 29] ؛ ؛ ولهذا تستحب التسمية في ابتداء الأمور: عند الركوب على السفينة وعلى الدابة، كما قال تعالى: {والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون} [الزخرف:12 -14] ، وجاءت السنة بالحث على ذلك، والندب إليه، كما سيأتي في سورة "الزخرف"، إن شاء الله وبه الثقة. وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا إبراهيم بن هاشم البغوي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي -وحدثنا زكريا بن يحيى الساجي، حدثنا محمد بن موسى الحرشي -قالا حدثنا عبد الحميد بن الحسن الهلالي، عن نهشل بن سعيد، عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن أن يقولوا: بسم الله الملك، {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} [الزمر: 67] ، {بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم} . وقوله: {إن ربي لغفور رحيم} مناسب عند ذكر الانتقام من الكافرين بإغراقهم أجمعين ذكر أنه غفور رحيم، كما قال: {إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم} [الأعراف: 167] ، وقال: { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب} [الرعد: 6] ، إلى غير ذلك من الآيات التي يقرن فيها بين انتقامه ورحمته. وقوله: {وهي تجري بهم في موج كالجبال} أي: السفينة سائرة بهم على وجه الماء، الذي قد طبق جميع الأرض، حتى طفت على رءوس الجبال، وارتفع عليها بخمسة عشر ذراعا، وقيل: بثمانين ميلا وهذه السفينة على وجه الماء سائرة بإذن الله وتحت كنفه وعنايته وحراسته وامتنانه كما قال تعالى: {إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية} [الحاقة: 11، 12] ، وقال تعالى: {وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر ولقد تركناها آية فهل من مدكر} [القمر: 13 -15] . وقوله: {ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين} هذا هو الابن الرابع، واسمه "يام"، وكان كافرا، دعاه أبوه عند ركوب السفينة أن يؤمن ويركب معهم ولا يغرق مثل ما يغرق الكافرون، {قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء} وقيل: إنه اتخذ له مركبا من زجاج، وهذا من الإسرائيليات، والله أعلم بصحته. والذي نص عليه القرآن أنه قال: {قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء} اعتقد بجهله أن الطوفان لا يبلغ إلى رءوس الجبال، وأنه لو تعلق في رأس جبل لنجاه ذلك من الغرق، فقال له أبوه نوح، عليه السلام: {لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم} أي: ليس شيء يعصم اليوم من أمر الله. وقيل: إن عاصما بمعنى معصوم، كما يقال: "طاعم وكاس"، بمعنى مطعوم ومكسو، {وحال بينهما الموج فكان من المغرقين} . {وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين } يخبر تعالى أنه لما غرق أهل الأرض إلا أصحاب السفينة، أمر الأرض أن تبلع ماءها الذي نبع منها واجتمع عليها، وأمر السماء أن تقلع عن المطر، {وغيض الماء} أي: شرع في النقص، {وقضي الأمر} أي: فرغ من أهل الأرض قاطبة، ممن كفر بالله، لم يبق منهم ديار، {واستوت} السفينة بمن فيها {على الجودي} قال مجاهد: وهو جبل بالجزيرة، تشامخت الجبال يومئذ من الغرق وتطاولت، وتواضع هو لله عز وجل، فلم يغرق، وأرست عليه سفينة نوح عليه السلام.

سوالات