Qur'an&Sunnah

İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm

حصہ V05/P045–V05/P046

ثم قال: {ذرية من حملنا مع نوح} تقديره: يا ذرية من حملنا مع نوح. فيه تهييج وتنبيه على المنة، أي: يا سلالة من نجينا فحملنا مع نوح في السفينة، تشبهوا بأبيكم، {إنه كان عبدا شكورا} فاذكروا أنتم نعمتي عليكم بإرسالي إليكم محمدا صلى الله عليه وسلم. وقد ورد في الحديث وفي الأثر عن السلف: أن نوحا، عليه السلام، كان يحمد الله [تعالى] على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه كله; فلهذا سمي عبدا شكورا. قال: الطبراني حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن أبي حصين، عن عبد الله بن سنان، عن سعد بن مسعود الثقفي قال: إنما سمي نوح عبدا شكورا؛ لأنه كان إذا أكل أو شرب حمد الله . وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو أسامة، حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمد الله عليها". وهكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من طريق أبي أسامة، به . وقال مالك، عن زيد بن أسلم: كان يحمد الله على كل حال. وقد ذكر البخاري هنا حديث أبي زرعة، عن أبي هريرة [رضي الله عنه] ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنا سيد الناس يوم القيامة -بطوله، وفيه -: فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدا شكورا، اشفع لنا إلى ربك" وذكر الحديث بكماله . {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا } {عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا } يقول تعالى: إنه قضى إلى بني إسرائيل في الكتاب، أي: تقدم إليهم وأخبرهم في الكتاب الذي أنزله عليهم أنهم سيفسدون في الأرض مرتين ويعلون علوا كبيرا، أي: يتجبرون ويطغون ويفجرون على الناس كما قال تعالى: {وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين} [الحجر: 66] أي: تقدمنا إليه وأخبرناه بذلك وأعلمناه به. وقوله: {فإذا جاء وعد أولاهما} أي: أولى الإفسادتين {بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد} أي: سلطنا عليكم جندا من خلقنا أولي بأس شديد، أي: قوة وعدة وسلطة شديدة {فجاسوا خلال الديار} أي: تملكوا بلادكم وسلكوا خلال بيوتكم، أي: بينها ووسطها، وانصرفوا ذاهبين وجائين لا يخافون أحدا {وكان وعدا مفعولا} وقد اختلف المفسرون من السلف والخلف في هؤلاء المسلطين عليهم: من هم؟ فعن ابن عباس وقتادة: أنه جالوت الجزري وجنوده، سلط عليهم أولا ثم أديلوا عليه بعد ذلك. وقتل داود جالوت؛ ولهذا قال: {ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا} وعن سعيد بن جبير: أنه ملك الموصل سنجاريب وجنوده. وعنه أيضا، وعن غيره: أنه بختنصر ملك بابل. وقد ذكر ابن أبي حاتم له قصة عجيبة في كيفية ترقيه من حال إلى حال، إلى أن ملك البلاد، وأنه كان فقيرا مقعدا ضعيفا يستعطي الناس ويستطعمهم، ثم آل به الحال إلى ما آل، وأنه سار إلى بلاد بيت المقدس، فقتل بها خلقا كثيرا من بني إسرائيل. وقد روى ابن جرير في هذا المكان حديثا أسنده عن حذيفة مرفوعا مطولا وهو حديث موضوع لا محالة، لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث! والعجب كل العجب كيف راج عليه مع إمامته وجلالة قدره! وقد صرح شيخنا الحافظ العلامة أبو الحجاج المزي، رحمه الله، بأنه موضوع مكذوب، وكتب ذلك على حاشية الكتاب.

حصہ V05/P046–V05/P048

وقد وردت في هذا آثار كثيرة إسرائيلية لم أر تطويل الكتاب بذكرها؛ لأن منها ما هو موضوع، من وضع [بعض] زنادقتهم، ومنها ما قد يحتمل أن يكون صحيحا، ونحن في غنية عنها، ولله الحمد. وفيما قص الله تعالى علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم. وقد أخبر الله تعالى أنهم لما بغوا وطغوا سلط الله عليهم عدوهم، فاستباح بيضتهم، وسلك خلال بيوتهم وأذلهم وقهرهم، جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد؛ فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء. وقد روى ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: ظهر بختنصر على الشام، فخرب بيت المقدس وقتلهم، ثم أتى دمشق فوجد بها دما يغلي على كبا، فسألهم: ما هذا الدم؟ فقالوا أدركنا آباءنا على هذا، وكلما ظهر عليه الكبا ظهر. قال: فقتل على ذلك الدم سبعين ألفا من المسلمين وغيرهم، فسكن . وهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب، وهذا هو المشهور، وأنه قتل أشرافهم وعلماءهم، حتى إنه لم يبق من يحفظ التوراة، وأخذ معه خلقا منهم أسرى من أبناء الأنبياء وغيرهم، وجرت أمور وكوائن يطول ذكرها. ولو وجدنا ما هو صحيح أو ما يقاربه، لجاز كتابته وروايته، والله أعلم. ثم قال تعالى: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها} أي: فعليها، كما قال تعالى: {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها} [فصلت: 46] . وقوله: {فإذا جاء وعد الآخرة} أي: المرة الآخرة أي: إذا أفسدتم المرة الثانية وجاء أعداؤكم {ليسوءوا وجوهكم} أي: يهينوكم ويقهروكم {وليدخلوا المسجد} أي بيت المقدس {كما دخلوه أول مرة} أي: في التي جاسوا فيها خلال الديار {وليتبروا} أي: يدمروا ويخربوا {ما علوا} أي: ما ظهروا عليه {تتبيرا عسى ربكم أن يرحمكم} أي: فيصرفهم عنكم {وإن عدتم عدنا} أي: متى عدتم إلى الإفساد {عدنا} إلى الإدالة عليكم في الدنيا مع ما ندخره لكم في الآخرة من العذاب والنكال، ولهذا قال [تعالى] {وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا} أي: مستقرا ومحصرا وسجنا لا محيد لهم عنه. قال ابن عباس [رضي الله عنهما] : {حصيرا} أي: سجنا. وقال مجاهد: يحصرون فيها. وكذا قال غيره. وقال الحسن: فراش ومهاد. وقال قتادة: قد عاد بنو إسرائيل، فسلط الله عليهم هذا الحي، محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، يأخذون منهم الجزية عن يد وهم صاغرون. {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما } يمدح تعالى كتابه العزيز الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن، بأنه يهدي لأقوم الطرق، وأوضح السبل {ويبشر المؤمنين} به {الذين يعملون الصالحات} على مقتضاه {أن لهم أجرا كبيرا} أي: يوم القيامة. {وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي: ويبشر الذين لا يؤمنون بالآخرة أن {لهم عذابا أليما} أي: يوم القيامة، كما قال تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم} [آل عمران: 21] . {ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا } يخبر تعالى عن عجلة الإنسان، ودعائه في بعض الأحيان على نفسه أو ولده أو ماله {بالشر} أي: بالموت أو الهلاك والدمار واللعنة ونحو ذلك، فلو استجاب له ربه لهلك بدعائه، كما قال تعالى: {ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم} [يونس: 11] ، وكذا فسره ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وقد تقدم في الحديث: "لا تدعوا على أنفسكم ولا على أموالكم، أن توافقوا من الله ساعة إجابة يستجيب فيها". وإنما يحمل ابن آدم على ذلك عجلته وقلقه؛ ولهذا قال تعالى {وكان الإنسان عجولا}

حصہ V05/P048–V05/P049

وقد ذكر سلمان الفارسي وابن عباس -رضي الله عنهما-هاهنا قصة آدم، عليه السلام، حين هم بالنهوض قائما قبل أن تصل الروح إلى رجليه، وذلك أنه جاءته النفخة من قبل رأسه، فلما وصلت إلى دماغه عطس، فقال: الحمد لله. فقال الله: يرحمك ربك يا آدم. فلما وصلت إلى عينيه فتحهما، فلما سرت إلى أعضائه وجسده جعل ينظر إليه ويعجبه، فهم بالنهوض قبل أن تصل إلى رجليه فلم يستطع وقال: يا رب عجل قبل الليل. {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا } يمتن تعالى على خلقه بآياته العظام، فمنها مخالفته بين الليل والنهار، ليسكنوا في الليل وينتشروا في النهار للمعايش والصناعات والأعمال والأسفار، وليعلموا عدد الأيام والجمع والشهور والأعوام، ويعرفوا مضي الآجال المضروبة للديون والعبادات والمعاملات والإجارات وغير ذلك؛ ولهذا قال: {لتبتغوا فضلا من ربكم} أي: في معايشكم وأسفاركم ونحو ذلك {ولتعلموا عدد السنين والحساب} فإنه لو كان الزمان كله نسقا واحدا وأسلوبا متساويا لما عرف شيء من ذلك، كما قال تعالى: {قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} [القصص: 71 -73] ، وقال تعالى: {تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا} [الفرقان: 61، 62] وقال تعالى: {وله اختلاف الليل والنهار} [المؤمنون: 80] ، وقال: {يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار} [الزمر: 5] ، وقال تعالى: {فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم} [الأنعام: 96] ، وقال تعالى: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم} [يس: 37، 38] . ثم إنه تعالى جعل لليل آية، أي: علامة يعرف بها وهي الظلام وظهور القمر فيه، وللنهار علامة، وهي النور وظهور الشمس النيرة فيه، وفاوت بين ضياء القمر وبرهان الشمس ليعرف هذا من هذا، كما قال تعالى: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق} إلى قوله: {لآيات لقوم يتقون} [يونس: 5، 6] ، كما قال تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} الآية [البقرة: 189] . قال ابن جريج، عن عبد الله بن كثير في قوله: {فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة} قال: ظلمة الليل وسدفة النهار. وقال ابن جريج عن مجاهد: الشمس آية النهار، والقمر آية الليل {فمحونا آية الليل} قال: السواد الذي في القمر، وكذلك خلقه الله تعالى. وقال ابن جريج: قال ابن عباس: كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، والقمر آية الليل، والشمس آية النهار {فمحونا آية الليل} السواد الذي في القمر. وقد روى أبو جعفر بن جرير من طرق متعددة جيدة: أن ابن الكواء سأل [أمير المؤمنين] علي ابن أبي طالب فقال: يا أمير المؤمنين، ما هذه اللطخة التي في القمر؟ فقال: ويحك أما تقرأ القرآن؟ {فمحونا آية الليل} فهذه محوه. وقال قتادة في قوله: {فمحونا آية الليل} كنا نحدث أن محو آية الليل سواد القمر الذي فيه، وجعلنا آية النهار مبصرة، أي: منيرة، خلق الشمس أنور من القمر وأعظم. وقال ابن أبي نجيح عن ابن عباس: {وجعلنا الليل والنهار آيتين} قال: ليلا ونهارا، كذلك خلقهما الله، عز وجل . {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا }

حصہ V05/P049–V05/P051

يقول تعالى بعد ذكر الزمان وذكر ما يقع فيه من أعمال بني آدم: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} وطائره: هو ما طار عنه من عمله، كما قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: من خير وشر، يلزم به ويجازى عليه {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 5، 6] ، وقال تعالى: {عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} [ق: 17، 18] ، وقال تعالى: {وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم} [الانفطار: 10 -14] ، قال: {إنما تجزون ما كنتم تعملون} [الطور: 16] وقال: {من يعمل سوءا يجز به} [النساء: 123] . والمقصود أن عمل ابن آدم محفوظ عليه، قليله وكثيره، ويكتب عليه ليلا ونهارا، صباحا ومساء. وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى الزبير، عن جابر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لطائر كل إنسان في عنقه". قال ابن لهيعة: يعني الطيرة . وهذا القول من ابن لهيعة في تفسير هذا الحديث، غريب جدا، والله أعلم. وقوله [تعالى] {ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا} أي: نجمع له عمله كله في كتاب يعطاه يوم القيامة، إما بيمينه إن كان سعيدا، أو بشماله إن كان شقيا {منشورا} أي: مفتوحا يقرؤه هو وغيره، فيه جميع عمله من أول عمره إلى آخره {ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره} [القيامة: 13 -15] ، ولهذا قال تعالى: {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} أي: إنك تعلم أنك لم تظلم ولم يكتب عليك غير ما عملت؛ لأنك ذكرت جميع ما كان منك، ولا ينسى أحد شيئا مما كان منه، وكل أحد يقرأ كتابه من كاتب وأمي. وقوله [تعالى] {ألزمناه طائره في عنقه} إنما ذكر العنق؛ لأنه عضو لا نظير له في الجسد، ومن ألزم بشيء فيه فلا محيد له عنه، كما قال الشاعر: . اذهب بها اذهب بها طوقتها طوق الحمامة قال قتادة، عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنه عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا عدوى ولا طيرة وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه". كذا رواه ابن جرير . وقد رواه الإمام عبد بن حميد، رحمه الله، في مسنده متصلا فقال: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر [رضي الله عنه] قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "طير كل عبد في عنقه" . وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله، حدثنا ابن لهيعة، حدثني يزيد: أن أبا الخير حدثه: أنه سمع عقبة بن عامر [رضي الله عنه] يحدث، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس من عمل يوم إلا وهو يختم عليه، فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة: يا ربنا، عبدك فلان، قد حبسته؟ فيقول الرب جل جلاله: اختموا له على مثل عمله، حتى يبرأ أو يموت" . إسناده جيد قوي، ولم يخرجوه. وقال معمر، عن قتادة: {ألزمناه طائره في عنقه} قال: عمله. {ونخرج له يوم القيامة} قال: نخرج ذلك العمل {كتابا يلقاه منشورا} قال معمر: وتلا الحسن البصري {عن اليمين وعن الشمال قعيد} [ق: 17] يا ابن آدم، بسطت لك صحيفتك ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك والآخر عن يسارك فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة كتابا تلقاه منشورا {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} قد عدل -والله -عليك من جعلك حسيب نفسك. هذا من حسن كلام الحسن، رحمه الله. {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا }

حصہ V05/P051–V05/P052

يخبر تعالى أن من اهتدى واتبع الحق واقتفى آثار النبوة، فإنما يحصل عاقبة ذلك الحميدة لنفسه {ومن ضل} أي: عن الحق، وزاغ عن سبيل الرشاد، فإنما يجني على نفسه، وإنما يعود وبال ذلك عليه. ثم قال: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} أي: لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يجني جان إلا على نفسه، كما قال تعالى: {وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء} [فاطر: 18] . ولا منافاة بين هذا وبين قوله تعالى: {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} [العنكبوت: 13] ، وقوله [تعالى] {ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم} [النحل: 25] ، فإن الدعاة عليهم إثم ضلالهم في أنفسهم، وإثم آخر بسبب ما أضلوا من أضلوا من غير أن ينقص من أوزار أولئك، ولا يحملوا عنهم شيئا. وهذا من عدل الله ورحمته بعباده. وكذا قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} إخبار عن عدله تعالى، وأنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه، كما قال تعالى: {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير} [الملك: 8، 9] ، وكذا قوله [تعالى] : {وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} [الزمر: 71] ، وقال تعالى: {وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير} [فاطر: 37] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى لا يدخل أحدا النار إلا بعد إرسال الرسول إليه، ومن ثم طعن جماعة من العلماء في اللفظة التي جاءت مقحمة في صحيح البخاري عند قوله تعالى: {إن رحمة الله قريب من المحسنين} [الأعراف: 56] . حدثنا عبيد الله بن سعد، حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن الأعرج بإسناده إلى أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اختصمت الجنة والنار" فذكر الحديث إلى أن قال: "وأما الجنة فلا يظلم الله من خلقه أحدا، وأنه ينشئ للنار خلقا فيلقون فيها، فتقول: هل من مزيد؟ ثلاثا، وذكر تمام الحديث . فإن هذا إنما جاء في الجنة لأنها دار فضل، وأما النار فإنها دار عدل، لا يدخلها أحد إلا بعد الإعذار إليه وقيام الحجة عليه. وقد تكلم جماعة من الحفاظ في هذه اللفظة وقالوا: لعله انقلب على الراوي بدليل ما أخرجاه في الصحيحين واللفظ للبخاري من حديث عبد الرزاق عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تحاجت الجنة والنار" فذكر الحديث إلى أن قال: "فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع فيها قدمه، فتقول: قط، قط، فهنالك تمتلئ ويزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدا، وأما الجنة فينشئ الله لها خلقا" . بقي هاهنا مسألة قد اختلف الأئمة رحمهم الله تعالى، فيها قديما وحديثا وهي: الولدان الذين ماتوا وهم صغار وآباؤهم كفار، ماذا حكمهم؟ وكذا المجنون والأصم والشيخ الخرف، ومن مات في الفترة ولم تبلغه الدعوة. وقد ورد في شأنهم أحاديث أنا ذاكرها لك بعون الله [تعالى] وتوفيقه ثم نذكر فصلا ملخصا من كلام الأئمة في ذلك، والله المستعان. فالحديث الأول: عن الأسود بن سريع:

حصہ V05/P052–V05/P054

قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع [رضي الله عنه] أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب، قد جاء الإسلام وما أسمع شيئا، وأما الأحمق فيقول: رب، قد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب، ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطعنه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما" . وبالإسناد عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، مثل هذا الحديث غير أنه قال في آخره: "من دخلها كانت عليه بردا وسلاما، ومن لم يدخلها يسحب إليها" . وكذا رواه إسحاق بن راهويه، عن معاذ بن هشام، ورواه البيهقي في كتاب الاعتقاد، من حديث حنبل بن إسحاق، عن علي بن عبد الله المديني، به وقال: هذا إسناد صحيح، وكذا رواه حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أربعة كلهم يدلي على الله بحجة" فذكر نحوه . ورواه ابن جرير، من حديث معمر، عن همام، عن أبي هريرة، فذكره موقوفا، ثم قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} . وكذا رواه معمر عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة موقوفا. الحديث الثاني: عن أنس بن مالك: قال أبو داود الطيالسي: حدثنا الربيع، عن يزيد بن أبان قال: قلنا لأنس: يا أبا حمزة، ما تقول في أطفال المشركين؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم يكن لهم سيئات فيعذبوا بها فيكونوا من أهل النار، ولم يكن لهم حسنات فيجازوا بها فيكونوا من ملوك أهل الجنة هم من خدم أهل الجنة" . الحديث الثالث: عن أنس أيضا: قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا جرير، عن ليث، عن عبد الوارث، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يؤتى بأربعة يوم القيامة: بالمولود، والمعتوه، ومن مات في الفترة، والشيخ الفاني الهرم، كلهم يتكلم بحجته، فيقول الرب تبارك وتعالى لعنق من النار: ابرز. ويقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلا من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم ادخلوا هذه. قال: فيقول من كتب عليه الشقاء: يا رب، أنى ندخلها ومنها كنا نفر؟ قال: ومن كتبت عليه السعادة يمضي فيقتحم فيها مسرعا، قال: فيقول الله تعالى: أنتم لرسلي أشد تكذيبا ومعصية، فيدخل هؤلاء الجنة، وهؤلاء النار". وهكذا رواه الحافظ أبو بكر البزار، عن يوسف بن موسى، عن جرير بن عبد الحميد، بإسناده مثله . الحديث الرابع: عن البراء بن عازب، رضي الله عنه: قال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده أيضا: حدثنا قاسم بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله. -يعني ابن داود-عن عمر بن ذر، عن يزيد بن أمية، عن البراء قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطفال المسلمين قال: "هم مع آبائهم". وسئل عن أولاد المشركين فقال: "هم مع آبائهم". فقيل: يا رسول الله، ما يعملون؟ قال: "الله أعلم بهم" . ورواه عمر بن ذر، عن يزيد بن أمية، عن رجل، عن البراء، عن عائشة، فذكره . الحديث الخامس: عن ثوبان:

حصہ V05/P054–V05/P055

قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا ريحان بن سعيد، حدثنا عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم عظم شأن المسألة، قال: "إذا كان يوم القيامة، جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم فيسألهم ربهم، فيقولون: ربنا لم ترسل إلينا رسولا ولم يأتنا لك أمر، ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك، فيقول لهم ربهم: أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيقولون: نعم، فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها، فينطلقون حتى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيظا وزفيرا، فرجعوا إلى ربهم فيقولون: ربنا أخرجنا -أو: أجرنا-منها، فيقول لهم: ألم تزعموا أني إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيأخذ على ذلك مواثيقهم. فيقول: اعمدوا إليها، فادخلوها. فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا ورجعوا، فقالوا: ربنا فرقنا منها، ولا نستطيع أن ندخلها فيقول: ادخلوها داخرين". فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "لو دخلوها أول مرة كانت عليهم بردا وسلاما". ثم قال البزار: ومتن هذا الحديث غير معروف إلا من هذا الوجه، لم يروه عن أيوب إلا عباد، ولا عن عباد إلا ريحان بن سعيد . قلت: وقد ذكره ابن حبان في ثقاته، وقال يحيى بن معين والنسائي: لا بأس به، ولم يرضه أبو داود. وقال أبو حاتم: شيخ لا بأس به يكتب حديثه ولا يحتج به. الحديث السادس: عن أبي سعيد-سعد بن مالك بن سنان الخدري: قال الإمام محمد بن يحيى الذهلي: حدثنا سعيد بن سليمان، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الهالك في الفترة والمعتوه والمولود: يقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب، ويقول المعتوه: رب، لم تجعل لي عقلا أعقل به خيرا ولا شرا، ويقول المولود: رب لم أدرك العقل فترفع لهم نار فيقال لهم : ردوها"، قال: فيردها من كان في علم الله سعيدا لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا لو أدرك العمل، فيقول: إياي عصيتم، فكيف لو أن رسلي أتتكم؟ ". وكذا رواه البزار، عن محمد بن عمر بن هياج الكوفي، عن عبيد الله بن موسى، عن فضيل بن مرزوق، به ثم قال: لا يعرف من حديث أبي سعيد إلا من طريقه، عن عطية عنه، وقال في آخره: "فيقول الله: إياي عصيتم فكيف برسلي بالغيب؟ " الحديث السابع: عن معاذ بن جبل، رضي الله عنه: قال هشام بن عمار ومحمد بن المبارك الصوري حدثنا عمر بن واقد، عن يونس بن حلبس، عن أبي إدريس الخولاني، عن معاذ بن جبل، عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلا وبالهالك في الفترة، وبالهالك صغيرا. فيقول الممسوخ: يا رب، لو آتيتني عقلا ما كان من آتيته عقلا بأسعد مني -وذكر في الهالك في الفترة والصغير نحو ذلك-فيقول الرب عز وجل: إني آمركم بأمر فتطيعوني؟ فيقولون: نعم، فيقول: اذهبوا فادخلوا النار -قال: ولو دخلوها ما ضرتهم-فتخرج عليهم قوابص، فيظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء، فيرجعون سراعا، ثم يأمرهم الثانية فيرجعون كذلك، فيقول الرب عز وجل: قبل أن أخلقكم علمت ما أنتم عاملون، وعلى علمي خلقتكم، وإلى علمي تصيرون، ضميهم، فتأخذهم النار" . الحديث الثامن: عن أبي هريرة، رضي الله عنه: قد تقدم روايته مندرجة مع رواية الأسود بن سريع، رضي الله عنه: وفي الصحيحين، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ " . وفي رواية قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت صغيرا؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" .

حصہ V05/P055–V05/P057

وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت، عن عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم -فيما أعلم، شك موسى-قال: "ذراري المسلمين في الجنة، يكفلهم إبراهيم عليه السلام " . وفي صحيح مسلم، عن عياض بن حمار، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الله، عز وجل، أنه قال: "إني خلقت عبادي حنفاء" وفي رواية لغيره "مسلمين". الحديث التاسع: عن سمرة، رضي الله عنه: رواه الحافظ أبو بكر البرقاني في كتابه "المستخرج على البخاري" من حديث عوف الأعرابي، عن أبي رجاء العطاردي، عن سمرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل مولود يولد على الفطرة" فناداه الناس: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: "وأولاد المشركين" . وقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا عقبة بن مكرم الضبي، عن عيسى بن شعيب، عن عباد بن منصور، عن أبي رجاء، عن سمرة قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطفال المشركين فقال: "هم خدم أهل الجنة" . الحديث العاشر: عن عم حسناء . قال [الإمام] أحمد: [حدثنا إسحاق، يعني الأزرق] ، أخبرنا روح، حدثنا عوف، عن حسناء بنت معاوية من بني صريم قالت: حدثني عمي قال: قلت: يا رسول الله، من في الجنة؟ قال: "النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والوئيد في الجنة" . فمن العلماء من ذهب إلى التوقف فيهم لهذا الحديث، ومنهم من جزم لهم بالجنة، لحديث سمرة بن جندب في صحيح البخاري: أنه عليه الصلاة والسلام قال في جملة ذلك المنام، حين مر على ذلك الشيخ تحت الشجرة وحوله ولدان، فقال له جبريل: هذا إبراهيم، عليه السلام، وهؤلاء أولاد المسلمين وأولاد المشركين، قالوا: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟. قال "نعم، وأولاد المشركين" . ومنهم من جزم لهم بالنار، لقوله عليه السلام : "هم مع آبائهم". ومنهم من ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة في العرصات، فمن أطاع دخل الجنة وانكشف علم الله فيهم بسابق السعادة، ومن عصى دخل النار داخرا، وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة. وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض. وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، رحمه الله، عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في "كتاب الاعتقاد" وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ النقاد. وقد ذكر الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري بعد ما تقدم من أحاديث الامتحان، ثم قال: وأحاديث هذا الباب ليست قوية، ولا تقوم بها حجة وأهل العلم ينكرونها؛ لأن الآخرة دار جزاء وليست دار عمل ولا ابتلاء، فكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها؟! والجواب عما قال: أن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح، كما قد نص على ذلك غير واحد من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يقوى بالصحيح والحسن. وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متعاضدة على هذا النمط، أفادت الحجة عند الناظر فيها، وأما قوله: "إن الآخرة دار جزاء". فلا شك أنها دار جزاء، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار، كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة، من امتحان الأطفال، وقد قال الله تعالى: {يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود} [ن: 42] وقد ثبتت السنة في الصحاح وغيرها: أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة، وأما المنافق فلا يستطيع ذلك ويعود ظهره طبقا واحدا كلما أراد السجود خر لقفاه . وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجا منها أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه ألا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرر ذلك مرارا، ويقول الله تعالى: يا ابن آدم، ما أغدرك! ثم يأذن له في دخول الجنة .

حصہ V05/P057–V05/P059

وأما قوله: "وكيف يكلفهم دخول النار، وليس ذلك في وسعهم؟ " فليس هذا بمانع من صحة الحديث، فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط، وهو جسر على جهنم أحد من السيف وأدق من الشعرة، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم، كالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، ومنهم الساعي ومنهم الماشي، ومنهم من يحبو حبوا، ومنهم المكدوش على وجهه في النار، وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا بل هذا أطم وأعظم، وأيضا فقد ثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار، فإنه يكون عليه بردا وسلاما، فهذا نظير ذلك، وأيضا فإن الله تعالى [قد] أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، فقتل بعضهم بعضا حتى قتلوا فيما قيل في غداة واحدة سبعين ألفا، يقتل الرجل أباه وأخاه وهم في عماية غمامة أرسلها الله عليهم، وذلك عقوبة لهم على عبادتهم العجل، وهذا أيضا شاق على النفوس جدا لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور، والله أعلم. فصل فإذا تقرر هذا، فقد اختلف الناس في ولدان المشركين على أقوال: أحدها: أنهم في الجنة، واحتجوا بحديث سمرة أنه، عليه السلام رأى مع إبراهيم أولاد المسلمين وأولاد المشركين وبما تقدم في رواية أحمد عن حسناء عن عمها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والمولود في الجنة". وهذا استدلال صحيح، ولكن أحاديث الامتحان أخص منه. فمن علم الله [عز وجل] منه أنه يطيع جعل روحه في البرزخ مع إبراهيم وأولاد المسلمين الذين ماتوا على الفطرة، ومن علم منه أنه لا يجيب، فأمره إلى الله تعالى، ويوم القيامة يكون في النار كما دلت عليه أحاديث الامتحان، ونقله الأشعري عن أهل السنة [والجماعة] ثم من هؤلاء القائلين بأنهم في الجنة من يجعلهم مستقلين فيها، ومنهم من يجعلهم خدما لهم، كما جاء في حديث علي بن زيد، عن أنس، عند أبي داود الطيالسي وهو ضعيف، والله أعلم. القول الثاني: أنهم مع آبائهم في النار، واستدل عليه بما رواه الإمام أحمد بن حنبل عن أبي المغيرة حدثنا عتبة بن ضمرة بن حبيب، حدثني عبد الله بن أبى قيس مولى غطيف، أنه أتى عائشة فسألها عن ذراري الكفار فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هم تبع لآبائهم". فقلت: يا رسول الله، بلا عمل؟ فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" . وأخرجه أبو داود من حديث محمد بن حرب، عن محمد بن زياد الألهاني، سمعت عبد الله بن أبي قيس سمعت، عائشة تقول: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذراري المؤمنين قال : "هم من آبائهم". قلت: فذراري المشركين؟ قال: "هم مع آبائهم" قلت: بلا عمل؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" . ورواه [الإمام] أحمد أيضا، عن وكيع، عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل -وهو متروك-عن مولاته بهية عن عائشة؛ أنها ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أطفال المشركين فقال: "إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار" . وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، عن محمد بن فضيل بن غزوان، عن محمد بن عثمان، عن زاذان عن علي، رضي الله عنه، قال: سألت خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ولدين لها ماتا في الجاهلية فقال: "هما في النار". قال: فلما رأى الكراهية في وجهها [قال] لو رأيت مكانهما لأبغضتهما". قالت: فولدي منك؟ قال: [قال: "في الجنة". قال: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم] . "إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار" ثم قرأ: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان [ألحقنا بهم ذريتهم] } [الطور: 21] . وهذا حديث غريب؛ فإن محمد بن عثمان هذا مجهول الحال، وشيخه زاذان لم يدرك عليا، والله أعلم.

حصہ V05/P059–V05/P060

وروى أبو داود من حديث ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن الشعبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوائدة والموءودة في النار". ثم قال الشعبي: حدثني به علقمة، عن أبي وائل، عن ابن مسعود . وقد رواه جماعة عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن سلمة بن قيس الأشجعي قال: أتيت أنا وأخي النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا: إن أمنا ماتت في الجاهلية، وكانت تقري الضيف وتصل الرحم، وأنها وأدت أختا لنا في الجاهلية لم تبلغ الحنث. فقال: "الوائدة والموءودة في النار، إلا أن تدرك الوائدة الإسلام، فتسلم". وهذا إسناد حسن . والقول الثالث: التوقف فيهم، واعتمدوا على قوله صلى الله عليه وسلم: "الله أعلم بما كانوا عاملين". وهو في الصحيحين من حديث جعفر بن أبي إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين قال : الله أعلم بما كانوا عاملين" وكذلك هو في الصحيحين، من حديث الزهري، عن عطاء بن يزيد، وعن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه سئل عن أطفال المشركين، فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" . ومنهم من جعلهم من أهل الأعراف. وهذا القول يرجع إلى قول من ذهب إلى أنهم من أهل الجنة؛ لأن الأعراف ليس دار قرار، ومآل أهلها إلى الجنة كما تقدم تقرير ذلك في "سورة الأعراف"، والله أعلم. فصل وليعلم أن هذا الخلاف مخصوص بأطفال المشركين، فأما ولدان المؤمنين فلا خلاف بين العلماء كما حكاه القاضي أبو يعلى بن الفراء الحنبلي، عن الإمام أحمد أنه قال: لا يختلف فيهم أنهم من أهل الجنة. وهذا هو المشهور بين الناس، وهو الذي نقطع به إن شاء الله، عز وجل. فأما ما ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر، عن بعض العلماء: أنهم توقفوا في ذلك، وأن الولدان كلهم تحت شيئة الله، عز وجل . قال أبو عمر: ذهب إلى هذا القول جماعة من أهل الفقه والحديث منهم: حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وابن المبارك، وإسحاق بن راهويه وغيرهم قالوا: وهو يشبه ما رسم مالك في موطئه في أبواب القدر، وما أورده من الأحاديث في ذلك، وعلى ذلك أكثر أصحابه. وليس عن مالك فيه شيء منصوص، إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين في الجنة وأطفال المشركين خاصة في المشيئة انتهى كلامه وهو غريب جدا. وقد ذكر أبو عبد الله القرطبي في كتاب "التذكرة" نحو ذلك أيضا، والله أعلم. وقد ذكروا في ذلك حديث عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين قالت: دعي النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله، طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه، فقال: "أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم". رواه أحمد مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه . ولما كان الكلام في هذه المسألة يحتاج إلى دلائل صحيحة جيدة، وقد يتكلم فيها من لا علم عنده عن الشارع، كره جماعة من العلماء الكلام فيها، روي ذلك عن ابن عباس، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ومحمد بن الحنفية وغيرهم. وأخرج ابن حبان في صحيحه، عن جرير بن حازم سمعت أبا رجاء العطاردي، سمعت ابن عباس وهو على المنبر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال أمر هذه الأمة مواتيا -أو مقاربا-ما لم يتكلموا في الولدان والقدر". قال ابن حبان: يعني أطفال المشركين. وهكذا رواه أبو بكر البزار من طريق جرير بن حازم، به . ثم قال: وقد رواه جماعة عن أبي رجاء، عن ابن عباس موقوفا. {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا }

حصہ V05/P060–V05/P062

اختلف القراء في قراءة قوله: {أمرنا} فالمشهور قراءة التخفيف، واختلف المفسرون في معناها، فقيل: معناها أمرنا مترفيها ففسقوا فيها أمرا قدريا، كقوله تعالى: {أتاها أمرنا ليلا أو نهارا} [يونس: 24] ، فإن الله لا يأمر بالفحشاء، قالوا: معناه: أنه سخرهم إلى فعل الفواحش فاستحقوا العذاب. وقيل: معناه: أمرناهم بالطاعات ففعلوا الفواحش فاستحقوا العقوبة. رواه ابن جريج عن ابن عباس، وقاله سعيد بن جبير أيضا. وقال ابن جرير: وقد يحتمل أن يكون معناه جعلناهم أمراء. قلت: إنما يجيء هذا على قراءة من قرأ "أمرنا مترفيها" قال علي بن طلحة، عن ابن عباس قوله: {أمرنا مترفيها ففسقوا فيها} يقول: سلطنا أشرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكتهم بالعذاب، وهو قوله: {وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها} [الأنعام: 123] ، وكذا قال أبو العالية ومجاهد والربيع بن أنس. وقال العوفي عن ابن عباس: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها} يقول: أكثرنا عددهم، وكذا قال عكرمة، والحسن، والضحاك، وقتادة، وعن مالك عن الزهري: {أمرنا مترفيها} : أكثرنا. وقد استشهد بعضهم بالحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا أبو نعامة العدوي، عن مسلم بن بديل، عن إياس بن زهير، عن سويد بن هبيرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خير مال امرئ له مهرة مأمورة أو سكة مأبورة". قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام، رحمه الله، في كتابه "الغريب": المأمورة: كثيرة النسل. والسكة: الطريقة المصطفة من النخل، والمأبورة: من التأبير، وقال بعضهم: إنما جاء هذا متناسبا كقوله: "مأزورات غير مأجورات" . {وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا } يقول تعالى منذرا كفار قريش في تكذيبهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بأنه قد أهلك أمما من المكذبين للرسل من بعد نوح، ودل هذا على أن القرون التي كانت بين آدم ونوح على الإسلام، كما قاله ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام. ومعناه: أنكم أيها المكذبون لستم أكرم على الله منهم، وقد كذبتم أشرف الرسل وأكرم الخلائق، فعقوبتكم أولى وأحرى. وقوله [تعالى] {وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا} أي: هو عالم بجميع أعمالهم، خيرها وشرها، لا يخفى عليه منها خافية [سبحانه وتعالى] . {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا } . يخبر تعالى أنه ما كل من طلب الدنيا وما فيها من النعيم يحصل له، بل إنما يحصل لمن أراد الله ما يشاء. وهذه مقيدة لإطلاق ما سواها من الآيات فإنه قال: {عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها} أي: في الآخرة {يصلاها} أي: يدخلها حتى تغمره من جميع جوانبه {مذموما} أي: في حال كونه مذموما على سوء تصرفه وصنيعه إذ اختار الفاني على الباقي {مدحورا} : مبعدا مقصيا حقيرا ذليلا مهانا. قال الإمام أحمد: حدثنا حسين، حدثنا ذويد ، عن أبي إسحاق، عن زرعة، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له" . وقوله: {ومن أراد الآخرة} أي: أراد الدار الآخرة وما فيها من النعيم والسرور {وسعى لها سعيها} أي: طلب ذلك من طريقه وهو متابعة الرسول {وهو مؤمن} أي: وقلبه مؤمن، أي: مصدق بالثواب والجزاء {فأولئك كان سعيهم مشكورا} {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا }

حصہ V05/P062–V05/P064

[يقول تعالى: {كلا} أي كل واحد من الفريقين الذين أرادوا الدنيا والذين أرادوا الآخرة، نمدهم فيما هم فيه {من عطاء ربك} أي: هو المتصرف الحاكم الذي لا يجور، فيعطي كلا ما يستحقه من الشقاوة والسعادة ولا راد لحكمه ولا مانع لما أعطى، ولا مغير لما أراد؛ ولهذا قال: {وما كان عطاء ربك محظورا} أي: ممنوعا، أي: لا يمنعه أحد ولا يرده راد. قال قتادة: {وما كان عطاء ربك محظورا} أي: منقوصا. وقال الحسن وابن جريج وابن زيد: ممنوعا. ثم قال تعالى: {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} في الدنيا، فمنهم الغني والفقير وبين ذلك، والحسن والقبيح وبين ذلك، ومن يموت صغيرا، ومن يعمر حتى يبقى شيخا كبيرا، وبين ذلك {وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا} أي: ولتفاوتهم في الدار الآخرة أكبر من الدنيا؛ فإن منهم من يكون في الدركات في جهنم وسلاسلها وأغلالها، ومنهم من يكون في الدرجات العلى ونعيمها وسرورها، ثم أهل الدركات يتفاوتون فيما هم فيه، كما أن أهل الدرجات يتفاوتون، فإن الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. وفي الصحيحين: "إن أهل الدرجات العلى ليرون أهل عليين، كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء" ؛ ولهذا قال تعالى: {وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا} ] . {لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا } يقول تعالى: والمراد المكلفون من الأمة، لا تجعل أيها المكلف في عبادتك ربك له شريكا {فتقعد مذموما} على إشراكك {مخذولا} لأن الرب تعالى لا ينصرك، بل يكلك إلى الذي عبدت معه، وهو لا يملك لك ضرا ولا نفعا؛ لأن مالك الضر والنفع هو الله وحده لا شريك له. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا بشير بن سلمان، عن سيار أبي الحكم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله -هو ابن مسعود -قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى، إما أجل [عاجل] وإما غنى عاجل". ورواه أبو داود، والترمذي من حديث بشير بن سلمان، به ، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا } يقول تعالى آمرا بعبادته وحده لا شريك له؛ فإن القضاء هاهنا بمعنى الأمر. قال مجاهد: {وقضى} يعني: وصى، وكذا قرأ أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، والضحاك بن مزاحم: "ووصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه" ولهذا قرن بعبادته بر الوالدين فقال: {وبالوالدين إحسانا} أي: وأمر بالوالدين إحسانا، كما قال في الآية الأخرى: {أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير} [لقمان: 14] . وقوله: {إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف} أي: لا تسمعهما قولا سيئا، حتى ولا التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيئ {ولا تنهرهما} أي: ولا يصدر منك إليهما فعل قبيح، كما قال عطاء بن أبي رباح في قوله: {ولا تنهرهما} أي: لا تنفض يدك على والديك. ولما نهاه عن القول القبيح والفعل القبيح، أمره بالقول الحسن والفعل الحسن فقال: {وقل لهما قولا كريما} أي: لينا طيبا حسنا بتأدب وتوقير وتعظيم. {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} أي: تواضع لهما بفعلك {وقل رب ارحمهما} أي: في كبرهما وعند وفاتهما {كما ربياني صغيرا} قال ابن عباس: ثم أنزل الله [تعالى] : {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} [التوبة: 113] .

حصہ V05/P064–V05/P065

وقد جاء في بر الوالدين أحاديث كثيرة، منها الحديث المروي من طرق عن أنس وغيره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صعد المنبر قال: "آمين آمين آمين": فقالوا: يا رسول الله، علام أمنت؟ قال: "أتاني جبريل فقال: يا محمد رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقل: آمين. فقلت: آمين. ثم قال: رغم أنف امرئ دخل عليه شهر رمضان ثم خرج ولم يغفر له، قل: آمين. فقلت آمين. ثم قال: رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، قل: آمين. فقلت: آمين" . حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا علي بن زيد، أخبرنا زرارة بن أوفى، عن مالك بن الحارث -رجل منهم -أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من ضم يتيما بين أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يستغني عنه، وجبت له الجنة البتة، ومن أعتق امرأ مسلما كان فكاكه من النار، يجزى بكل عضو منه عضوا منه". ثم قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت علي بن زيد -فذكر معناه، إلا أنه قال: عن رجل من قومه يقال له: مالك أو ابن مالك، وزاد: "ومن أدرك والديه أو أحدهما فدخل النار، فأبعده الله" . حديث آخر: وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا علي بن زيد، عن زرارة بن أوفى عن مالك بن عمرو القشيري: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أعتق رقبة مسلمة فهي فداؤه من النار، مكان كل عظم من عظامه محرره بعظم من عظامه، ومن أدرك أحد والديه ثم لم يغفر له فأبعده الله عز وجل، ومن ضم يتيما بين أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله، وجبت له الجنة" . حديث آخر: وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج ومحمد بن جعفر قالا حدثنا شعبة، عن قتادة سمعت زرارة بن أوفى يحدث عن أبي بن مالك القشيري قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار من بعد ذلك، فأبعده الله وأسحقه". ورواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة به وفيه زيادات أخر. حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف رجل أدرك والديه أحدهما أو كلاهما عند الكبر ولم يدخل الجنة". صحيح من هذا الوجه، ولم يخرجه سوى مسلم، من حديث أبي عوانة وجرير وسليمان بن بلال، عن سهيل، به . حديث آخر: وقال الإمام أحمد: حدثنا ربعي بن إبراهيم -قال أحمد: وهو أخو إسماعيل بن علية، وكان يفضل على أخيه -عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي! ورغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان، فانسلخ قبل يغفر له! ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة" قال ربعي: لا أعلمه إلا قال: "أحدهما". ورواه الترمذي، عن أحمد بن إبراهيم الدورقي، عن ربعي بن إبراهيم، ثم قال: غريب من هذا الوجه . حديث آخر: وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل، حدثنا أسيد بن علي، عن أبيه، علي بن عبيد، عن أبي أسيد وهو مالك بن ربيعة الساعدي، قال: بينما أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، هل بقي علي من بر أبوي شيء بعد موتهما أبرهما به؟ قال: "نعم، خصال أربع: الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما، فهو الذي بقي عليك بعد موتهما من برهما" . ورواه أبو داود وابن ماجه، من حديث عبد الرحمن بن سليمان -وهو ابن الغسيل -به .

حصہ V05/P065–V05/P067

حديث آخر: وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا ابن جريج، أخبرني محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن معاوية بن جاهمة السلمي؛ أن جاهمة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أردت الغزو، وجئتك أستشيرك؟ فقال: "فهل لك من أم؟ " قال . نعم. فقال: "الزمها. فإن الجنة عند رجليها ثم الثانية، ثم الثالثة في مقاعد شتى، كمثل هذا القول. ورواه النسائي وابن ماجه، من حديث ابن جريج، به . حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا ابن عياش، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معد يكرب الكندي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يوصيكم بآبائكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بالأقرب فالأقرب". وقد أخرجه ابن ماجه، من حديث [عبد الله] بن عياش، به . حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا أبو عوانة، عن الأشعث بن سليم، عن أبيه، عن رجل من بني يربوع قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته وهو يكلم الناس يقول: "يد المعطي [العليا] أمك وأباك وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك" . حديث آخر: قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده: حدثنا إبراهيم ابن المستمر العروقي، حدثنا عمرو بن سفيان، حدثنا الحسن بن أبي جعفر، عن ليث بن أبي سليم، عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة، عن أبيه؛ أن رجلا كان في الطواف حاملا أمه يطوف بها، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل أديت حقها؟ قال: "لا ولا بزفرة واحدة" أو كما قال. ثم قال البزار: لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه . قلت: والحسن بن أبي جعفر ضعيف، والله أعلم. {ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا } قال سعيد بن جبير: هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه، وفي نيته وقلبه أنه لا يؤخذ به -وفي رواية: لا يريد إلا الخير بذلك -فقال: {ربكم أعلم بما في نفوسكم} وقوله [تعالى] : {فإنه كان للأوابين غفورا} قال قتادة: للمطيعين أهل الصلاة. وعن ابن عباس: المسبحين. وفي رواية عنه: المطيعين المحسنين. وقال بعضهم: هم الذين يصلون بين العشاءين. وقال بعضهم: هم الذين يصلون الضحى . وقال شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في قوله: { [فإنه] كان للأوابين غفورا} قال: الذي يصيب الذنب ثم يتوب، ويصيب الذنب ثم يتوب. وكذا رواه عبد الرزاق، عن الثوري ومعمر، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب نحوه، وكذا رواه الليث وابن جريج، عن يحيى بن سعيد، عن ابن] المسيب، به وكذا قال عطاء بن يسار. وقال مجاهد، وسعيد بن جبير: هم الراجعون إلى الخير. وقال مجاهد عن عبيد بن عمير في قوله: {فإنه كان للأوابين غفورا} قال: هو الذي إذا ذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر الله منها. ووافقه على ذلك مجاهد . وقال عبد الرزاق: أخبرنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير، في قوله: {فإنه كان للأوابين غفورا} قال: كنا نعد الأواب الحفيظ، أن يقول: اللهم اغفر لي ما أصبت في مجلسي هذا . وقال ابن جرير: والأولى في ذلك قول من قال: هو التائب من الذنب، الراجع عن المعصية إلى الطاعة، مما يكره الله إلى ما يحبه ويرضاه . وهذا الذي قاله هو الصواب؛ لأن الأواب مشتق من الأوب وهو الرجوع، يقال: آب فلان إذا رجع، قال الله تعالى: {إن إلينا إيابهم} [الغاشية: 25] ، وفي الحديث الصحيح، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رجع من سفر قال : آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون" . {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا } . {وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا }

حصہ V05/P067–V05/P069

لما ذكر تعالى بر الوالدين، عطف بذكر الإحسان إلى القرابة وصلة الأرحام، كما تقدم في الحديث: "أمك وأباك، ثم أدناك أدناك" وفي رواية: "ثم الأقرب فالأقرب". وفي الحديث: "من أحب أن يبسط له رزقه وينسأ له في أجله، فليصل رحمه" . وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عباد بن يعقوب، حدثنا أبو يحيى التيمي حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد قال لما نزلت، هذه الآية {وآت ذا القربى حقه} دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فأعطاها "فدك". ثم قال: لا نعلم حدث به عن فضيل بن مرزوق إلا أبو يحيى التيمي وحميد بن حماد بن أبي الخوار . وهذا الحديث مشكل لو صح إسناده؛ لأن الآية مكية، وفدك إنما فتحت مع خيبر سنة سبع من الهجرة فكيف يلتئم هذا مع هذا؟! وقد تقدم الكلام على المساكين وابن السبيل في "سورة براءة" بما أغنى عن إعادته هاهنا. قوله [تعالى] {ولا تبذر تبذيرا} لما أمر بالإنفاق نهى عن الإسراف فيه، بل يكون وسطا، كما قال في الآية الأخرى: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} [الفرقان: 67] . ثم قال: منفرا عن التبذير والسرف: {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} أي: أشباههم في ذلك. وقال ابن مسعود: التبذير: الإنفاق في غير حق. وكذا قال ابن عباس. وقال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كله في الحق، لم يكن مبذرا، ولو أنفق مدا في غير حقه كان تبذيرا. وقال قتادة: التبذير: النفقة في معصية الله تعالى، وفي غير الحق وفي الفساد. وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا ليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبى هلال، عن أنس بن مالك أنه قال: أتى رجل من بني تميم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني ذو مال كثير، وذو أهل وولد وحاضرة، فأخبرني كيف أنفق وكيف أصنع؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تخرج الزكاة من مالك، فإنها طهرة تطهرك، وتصل أقرباءك، وتعرف حق السائل والجار والمسكين ". فقال: يا رسول الله، أقلل لي؟ فقال: {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا} فقال: : حسبي يا رسول الله، إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله وإلى رسوله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم، إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها، فلك أجرها، وإثمها على من بدلها" . وقوله [تعالى] {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} أي: في التبذير والسفه وترك طاعة الله وارتكاب معصيته؛ ولهذا قال: {وكان الشيطان لربه كفورا} أي: جحودا؛ لأنه أنكر نعمة الله عليه ولم يعمل بطاعته؛ بل أقبل على معصيته ومخالفته. وقوله [تعالى] {وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا} أي: وإذا سألك أقاربك ومن أمرنا بإعطائهم وليس عندك شيء، وأعرضت عنهم لفقد النفقة {فقل لهم قولا ميسورا} أي: عدهم وعدا بسهولة، ولين إذا جاء رزق الله فسنصلكم إن شاء الله، هكذا فسر قوله {فقل لهم قولا ميسورا} بالوعد: مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة وغير واحد. {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } . يقول تعالى آمرا بالاقتصاد في العيش ذاما للبخل ناهيا عن السرف: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} أي: لا تكن بخيلا منوعا، لا تعطي أحدا شيئا، كما قالت اليهود عليهم لعائن الله: {يد الله مغلولة} [المائدة: 64] أي نسبوه إلى البخل، تعالى وتقدس الكريم الوهاب. وقوله: {ولا تبسطها كل البسط} أي: ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك، وتخرج أكثر من دخلك، فتقعد ملوما محسورا. وهذا من باب اللف والنشر أي: فتقعد إن بخلت ملوما، يلومك الناس ويذمونك ويستغنون عنك كما قال زهير بن أبي سلمى في المعلقة: ومن كان ذا مال ويبخل بماله على قومه يستغن عنه ويذمم

حصہ V05/P069–V05/P071

ومتى بسطت يدك فوق طاقتك، قعدت بلا شيء تنفقه، فتكون كالحسير، وهو: الدابة التي قد عجزت عن السير، فوقفت ضعفا وعجزا فإنها تسمى الحسير، وهو مأخوذ من الكلال، كما قال تعالى: {فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير} [الملك: 3، 4] أي: كليل عن أن يرى عيبا. هكذا فسر هذه الآية -بأن المراد هنا البخل والسرف -ابن عباس والحسن وقتادة وابن جريج وابن زيد وغيرهم. وقد جاء في الصحيحين، من حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مثل البخيل والمنفق، كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثدييهما إلى تراقيهما. فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت -أو: وفرت -على جلده، حتى تخفي بنانه وتعفو أثره. وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا إلا لزقت كل حلقة مكانها، فهو يوسعها فلا تتسع". هذا لفظ البخاري في الزكاة . وفي الصحيحين من طريق هشام بن عروة، عن زوجته فاطمة بنت المنذر، عن جدتها أسماء بنت أبي بكر قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنفقي هكذا وهكذا وهكذا، ولا توعي فيوعي الله عليك، ولا توكي فيوكي الله عليك" وفي لفظ: "ولا تحصي فيحصي الله عليك" . وفي صحيح مسلم من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قال لي: أنفق أنفق عليك" . وفي الصحيحين من طريق معاوية بن أبي مزرد، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان من السماء يقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا" . وروى مسلم، عن قتيبة، عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا: "ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا ومن تواضع لله رفعه الله" . وفي حديث أبي كثير، عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: "إياكم والشح، فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا" . وروى البيهقي من طريق سعدان بن نصر، عن أبي معاوية، عن الأعمش، [عن ابن بريدة] عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما يخرج رجل صدقة، حتى يفك لحيى سبعين شيطانا" . وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبيدة الحداد، حدثنا سكين بن عبد العزيز، حدثنا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعوده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما عال من اقتصد" . وقوله [تعالى] {إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} إخبار أنه تعالى هو الرزاق، القابض الباسط، المتصرف في خلقه بما يشاء، فيغني من يشاء، ويفقر من يشاء، بما له في ذلك من الحكمة؛ ولهذا قال: {إنه كان بعباده خبيرا بصيرا} أي: خبير بصير بمن يستحق الغنى ومن يستحق الفقر ، كما جاء في الحديث: "إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه، وإن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه". وقد يكون الغنى في حق بعض الناس استدراجا، والفقر عقوبة عياذا بالله من هذا وهذا. {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا } هذه الآية الكريمة دالة على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده؛ لأنه ينهى [تعالى] عن قتل الأولاد، كما أوصى بالأولاد في الميراث، وكان أهل الجاهلية لا يورثون البنات، بل كان أحدهم ربما قتل ابنته لئلا تكثر عيلته، فنهى الله [تعالى] عن ذلك فقال: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} أي: خوف أن تفتقروا في ثاني الحال؛ ولهذا قدم الاهتمام برزقهم فقال: {نحن نرزقهم وإياكم} وفي الأنعام {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} أي: من فقر {نحن نرزقكم وإياهم } [الأنعام: 151] .

حصہ V05/P071–V05/P072

وقوله: {إن قتلهم كان خطئا كبيرا} أي: ذنبا عظيما. وقرأ بعضهم: "كان خطأ كبيرا" وهو بمعناه. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك". قلت:ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك". قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني بحليلة جارك" . {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا } . يقول تعالى ناهيا عباده عن الزنا وعن مقاربته، وهو مخالطة أسبابه ودواعيه {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة} أي: ذنبا عظيما {وساء سبيلا} أي: وبئس طريقا ومسلكا. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا جرير، حدثنا سليم بن عامر، عن أبي أمامة قال: إن فتى شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه. فقال: "ادنه". فدنا منه قريبا فقال اجلس". فجلس، قال: "أتحبه لأمك؟ " قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: "ولا الناس يحبونه لأمهاتهم". قال: "أفتحبه لابنتك"؟ قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك. قال: "ولا الناس يحبونه لبناتهم"، قال: "أتحبه لأختك"؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: "ولا الناس يحبونه لأخواتهم"، قال: "أفتحبه لعمتك"؟ قال: لا والله جعلني الله فداك. قال: "ولا الناس يحبونه لعماتهم" قال: "أفتحبه لخالتك"؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: "ولا الناس يحبونه لخالاتهم" قال: فوضع يده عليه وقال: "اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه" قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء . وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا عمار بن نصر، حدثنا بقية، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن الهيثم بن مالك الطائي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له" . {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا } يقول تعالى ناهيا عن قتل النفس بغير حق شرعي، كما ثبت في الصحيحين؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والزاني المحصن، والتارك لدينه المفارق للجماعة" . وفي السنن: "لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مسلم ". وقوله: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} أي: سلطة على القاتل، فإنه بالخيار فيه إن شاء قتله قودا، وإن شاء عفا عنه على الدية، وإن شاء عفا عنه مجانا، كما ثبتت السنة بذلك. وقد أخذ الإمام الحبر ابن عباس من عموم هذه الآية الكريمة ولاية معاوية السلطنة، وأنه سيملك؛ لأنه كان ولي عثمان، وقد قتل عثمان مظلوما، رضي الله عنه، وكان معاوية يطالب عليا، رضي الله عنه، أن يسلمه قتلته حتى يقتص منهم؛ لأنه أموي، وكان علي، رضي الله عنه، يستمهله في الأمر حتى يتمكن ويفعل ذلك، ويطلب علي من معاوية أن يسلمه الشام فيأبى معاوية ذلك حتى يسلمه القتلة، وأبى أن يبايع عليا هو وأهل الشام، ثم مع المطاولة تمكن معاوية وصار الأمر إليه كما تفاءل ابن عباس واستنبط من هذه الآية الكريمة. وهذا من الأمر العجب وقد روى ذلك الطبراني في معجمه حيث قال:

حصہ V05/P072–V05/P074

حدثنا يحيى بن عبد الباقي، حدثنا أبو عمير بن النحاس، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب، عن مطر الوراق، عن زهدم الجرمي قال: كنا في سمر ابن عباس فقال: إني محدثكم حديثا ليس بسر ولا علانية؛ إنه لما كان من أمر هذا الرجل ما كان -يعني عثمان -قلت لعلي: اعتزل فلو كنت في جحر طلبت حتى تستخرج، فعصاني، وايم الله ليتأمرن عليكم معاوية، وذلك أن الله تعالى يقول: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل} الآية وليحملنكم قريش على سنة فارس والروم وليقيمن عليكم النصارى واليهود والمجوس، فمن أخذ منكم يومئذ بما يعرف نجا، ومن ترك وأنتم تاركون، كنتم كقرن من القرون، هلك فيمن هلك . وقوله [تعالى] {فلا يسرف في القتل} قالوا: معناه: فلا يسرف الولي في قتل القاتل بأن يمثل به أو يقتص من غير القاتل. وقوله: {إنه كان منصورا} أي أن الولي منصور على القاتل شرعا، وغالبا قدرا. {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا } . يقول تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} أي: لا تتصرفوا له إلا بالغبطة {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا} [النساء: 2] و {لا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} [النساء: 6] . وقد جاء في صحيح مسلم؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: "يا أبا ذر، إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي: لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم " . وقوله [تعالى] : {وأوفوا بالعهد} أي الذي تعاهدون عليه الناس والعقود التي تعاملونهم بها، فإن العهد والعقد كل منهما يسأل صاحبه عنه {إن العهد كان مسئولا} أي: عنه. وقوله [تعالى] : {وأوفوا الكيل إذا كلتم} أي: من غير تطفيف، ولا تبخسوا الناس أشياءهم. {وزنوا بالقسطاس} قرئ بضم القاف وكسرها، كالقرطاس وهو الميزان. وقال مجاهد: هو العدل بالرومية. وقوله: {المستقيم} أي: الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا اضطراب. {ذلك خير} أي: لكم في معاشكم ومعادكم؛ ولهذا قال: {وأحسن تأويلا} أي: مآلا ومنقلبا في آخرتكم. قال: سعيد، عن قتادة: {ذلك خير وأحسن تأويلا} أي: خير ثوابا وعاقبة. وأما ابن عباس كان يقول: يا معشر الموالي، إنكم وليتم أمرين بهما هلك الناس قبلكم: هذا المكيال، وهذا الميزان. قال وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه، ليس به إلا مخافة الله، إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك" . {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا } . قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يقول: لا تقل. وقال العوفي عنه: لا ترم أحدا بما ليس لك به علم. وقال محمد بن الحنفية: يعني شهادة الزور. وقال قتادة: لا تقل: رأيت، ولم تر، وسمعت، ولم تسمع، وعلمت، ولم تعلم؛ فإن الله سائلك عن ذلك كله. ومضمون ما ذكروه: أن الله تعالى نهى عن القول بلا علم، بل بالظن الذي هو التوهم والخيال، كما قال تعالى: {اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم} [الحجرات: 12] ، وفي الحديث: "إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث" . وفي سنن أبي داود: "بئس مطية الرجل: زعموا" ، وفي الحديث الآخر: "إن أفرى الفرى أن يري عينيه ما لم تريا" . وفي الصحيح: "من تحلم حلما كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين، وليس بعاقد . وقوله: {كل أولئك} أي: هذه الصفات من السمع والبصر والفؤاد {كان عنه مسئولا} أي: سيسأل العبد عنها يوم القيامة، وتسأل عنه وعما عمل فيها. ويصح استعمال "أولئك" مكان "تلك"، كما قال الشاعر . ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأيام ...

حصہ V05/P074–V05/P076

{ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها } . يقول تعالى ناهيا عباده، عن التجبر والتبختر في المشية: {ولا تمش في الأرض مرحا} أي: متبخترا متمايلا مشي الجبارين {إنك لن تخرق الأرض} أي: لن تقطع الأرض بمشيتك قاله ابن جرير، واستشهد عليه بقول رؤبة بن العجاج: وقاتم الأعماق خاوي المخترق وقوله [تعالى] : {ولن تبلغ الجبال طولا} أي: بتمايلك وفخرك وإعجابك بنفسك، بل قد يجازى فاعل ذلك بنقيض قصده. كما ثبت في الصحيح: "بينما رجل يمشي فيمن كان قبلكم، وعليه بردان يتبختر فيهما، إذ خسف به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة" . وكذلك أخبر الله [تعالى] عن قارون أنه خرج على قومه في زينته، وأن الله تعالى خسف به وبداره الأرض، وفي الحديث: "من تواضع لله رفعه الله، فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير، ومن استكبر وضعه الله، فهو في نفسه كبير وعند الناس حقير، حتى لهو أبغض إليهم من الكلب أو الخنزير" . وقال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب "الخمول والتواضع": حدثنا أحمد بن إبراهيم بن كثير، حدثنا حجاج بن محمد، بن أبي بكر الهذلي قال: بينما نحن مع الحسن، إذ مر عليه ابن الأهتم -يريد المنصور -وعليه جباب خز قد نضد بعضها فوق بعض على ساقه، وانفرج عنها قباؤه، وهو يمشي ويتبختر، إذ نظر إليه الحسن نظرة فقال: أف أف، شامخ بأنفه، ثان عطفه، مصعر خده، ينظر في عطفيه، أي حميق ينظر في عطفه في نعم غير مشكورة ولا مذكورة، غير المأخوذ بأمر الله فيها، ولا المؤدي حق الله منها! والله إن يمشي أحدهم طبيعته يتلجلج تلجلج المجنون، في كل عضو منه نعمة، وللشيطان به لعنة، فسمعه ابن الأهتم فرجع يعتذر إليه، فقال: لا تعتذر إلي، وتب إلى ربك، أما سمعت قول الله تعالى: {ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا} . ورأى البختري العابد رجلا من آل علي يمشي وهو يخطر في مشيته، فقال له: يا هذا، إن الذي أكرمك به لم تكن هذه مشيته! قال: فتركها الرجل بعد. ورأى ابن عمر رجلا يخطر في مشيته، فقال: إن للشياطين إخوانا. وقال: خالد بن معدان: إياكم والخطر، فإن الرجل يده من سائر جسده. رواهما ابن أبي الدنيا. وقال: ابن أبي الدنيا: حدثنا خلف بن هشام البزار، حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى، عن سعيد، عن يحنس قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مشت أمتي المطيطاء، وخدمتهم فارس والروم، سلط بعضهم على بعض" . وقوله تعالى: {كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها} أما من قرأ "سيئة" أي: فاحشة. فمعناه عنده: كل هذا الذي نهينا عنه، من قوله: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} إلى هاهنا، فهو سيئة مؤاخذ عليها {مكروها} عند الله، لا يحبه ولا يرضاه. وأما من قرأ {سيئه} على الإضافة فمعناه عنده: كل هذا الذي ذكرناه من قوله: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} إلى هاهنا فسيئه، أي: فقبيحه مكروه عند الله، هكذا وجه ذلك ابن جرير، رحمه الله . {ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا } . يقول تعالى: هذا الذي أمرناك به من الأخلاق الجميلة، ونهيناك عنه من الصفات الرذيلة، مما أوحينا إليك يا محمد لتأمر به الناس. {ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما} أي: تلومك نفسك [ويلومك الله] والخلق. {مدحورا} . قال ابن عباس وقتادة: مطرودا. والمراد من هذا الخطاب الأمة بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإنه صلوات الله وسلامه عليه معصوم. {أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما } .

حصہ V05/P076–V05/P078

يقول تعالى رادا على المشركين الكاذبين الزاعمين -عليهم لعائن الله -أن الملائكة بنات الله، فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا، ثم ادعوا أنهم بنات الله، ثم عبدوهم فأخطئوا في كل من المقامات الثلاث خطأ عظيما، قال تعالى منكرا عليهم: {أفأصفاكم ربكم بالبنين} أي: خصصكم بالذكور {واتخذ من الملائكة إناثا} أي: اختار لنفسه على زعمكم البنات؟ ثم شدد الإنكار عليهم فقال: {إنكم لتقولون قولا عظيما} أي: في زعمكم لله ولدا، ثم جعلكم ولده الإناث التي تأنفون أن يكن لكم، وربما قتلتموهن بالوأد، فتلك إذا قسمة ضيزى. وقال [الله] تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} [مريم: 88 -95] . {ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا } . يقول تعالى: {ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا } أي: صرفنا فيه من الوعيد لعلهم يذكرون ما فيه من الحجج والبينات والمواعظ، فينزجروا عما هم فيه من الشرك والظلم والإفك، {وما يزيدهم} أي: الظالمين منهم {إلا نفورا} أي: عن الحق، وبعدا منه. {قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا } . يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الزاعمين أن لله شريكا من خلقه، العابدين معه غيره ليقربهم إليه زلفى: لو كان الأمر كما تقولون، وأن معه آلهة تعبد لتقرب إليه وتشفع لديه -لكان أولئك المعبودون يعبدونه ويتقربون إليه ويبتغون إليه الوسيلة والقربة، فاعبدوه أنتم وحده كما يعبده من تدعونه من دونه، ولا حاجة لكم إلى معبود يكون واسطة بينكم وبينه، فإنه لا يحب ذلك ولا يرضاه، بل يكرهه ويأباه. وقد نهى عن ذلك على ألسنة جميع رسله وأنبيائه. ثم نزه نفسه الكريمة وقدسها فقال: {سبحانه وتعالى عما يقولون} أي: هؤلاء المشركون المعتدون الظالمون في زعمهم أن معه آلهة أخرى {علوا كبيرا} أي: تعاليا كبيرا، بل هو الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا } . يقول تعالى: تقدسه السموات السبع والأرض ومن فيهن، أي: من المخلوقات، وتنزهه وتعظمه وتجله وتكبره عما يقول هؤلاء المشركون، وتشهد له بالوحدانية في ربوبيته وإلهيته: ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد كما قال: تعالى: {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا [وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا] } [مريم: 90 -92] . وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا مسكين ابن ميمون مؤذن مسجد الرملة، حدثنا عروة بن رويم، عن عبد الرحمن بن قرط؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري إلى المسجد الأقصى، كان بين المقام وزمزم، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فطار به حتى بلغ السماوات السبع ، فلما رجع قال: سمعت تسبيحا في السماوات العلى مع تسبيح كثير: سبحت السماوات العلى من ذي المهابة مشفقات لذي العلو بما علا سبحان العلي الأعلى، سبحانه وتعالى . وقوله: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} أي: وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} أي: لا تفقهون تسبيحهم أيها الناس؛ لأنها بخلاف لغتكم. وهذا عام في الحيوانات والنبات والجماد، وهذا أشهر القولين، كما ثبت في صحيح البخاري، عن ابن مسعود أنه قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل . وفي حديث أبي ذر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ في يده حصيات، فسمع لهن تسبيح كحنين النحل، وكذا يد أبي بكر وعمر وعثمان، رضي الله عنهم [أجمعين] ، وهو حديث مشهور في المسانيد .

سوالات