İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm
يقول تعالى مخبرا عما يفعله بالكفار يوم القيامة: إنه يعرض عليهم جهنم، أي: يبرزها لهم ويظهرها، ليروا ما فيها من العذاب والنكال قبل دخولها، ليكون ذلك أبلغ في تعجيل الهم والحزن لهم. وفي صحيح مسلم، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يؤتى بجهنم تقاد يوم القيامة بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك [يجرونها] ثم قال مخبرا عنهم: {الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري} أي: تعاموا وتغافلوا وتصاموا عن قبول الهدى واتباع الحق، كما قال تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} [الزخرف: 36] وقال هاهنا: {وكانوا لا يستطيعون سمعا} أي: لا يعقلون عن الله أمره ونهيه. ثم قال {أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء} أي: اعتقدوا أنهم يصح لهم ذلك، وينتفعون بذلك؟ {كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} [مريم: 82] ؛ ولهذا أخبر أنه قد أعد لهم جهنم يوم القيامة منزلا. {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا } . قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو، عن مصعب قال: سألت أبي -يعني سعد بن أبي وقاص-: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا} أهم الحرورية؟ قال: لا هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم، وأما النصارى كفروا بالجنة، وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب. والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه. وكان سعد رضي الله عنه، يسميهم الفاسقين . وقال علي بن أبي طالب والضحاك، وغير واحد: هم الحرورية. ومعنى هذا عن علي، رضي الله عنه: أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم، لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص ولا هؤلاء بل هي أعم من هذا؛ فإن هذه الآية مكية قبل خطاب اليهود والنصارى وقبل وجود الخوارج بالكلية، وإنما هي عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول، وهو مخطئ، وعمله مردود، كما قال تعالى: {وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية} [الغاشية: 2-4] وقوله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} [الفرقان: 23] وقال تعالى: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا} [النور: 39] . وقال في هذه الآية الكريمة: {قل هل ننبئكم} أي: نخبركم {بالأخسرين أعمالا} ؟ ثم فسرهم فقال: {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا} أي: عملوا أعمالا باطلة على غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة، {وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} أي" يعتقدون أنهم على شيء، وأنهم مقبولون محبوبون. وقوله: {أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه} أي: جحدوا آيات الله في الدنيا، وبراهينه التي أقام على وحدانيته، وصدق رسله، وكذبوا بالدار الآخرة، {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} أي: لا نثقل موازينهم؛ لأنها خالية عن الخير . قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا المغيرة، حدثني أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة" وقال: "اقرؤوا إن شئتم: {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} . وعن يحيى بن بكير، عن مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، مثله . هكذا ذكره عن يحيى بن بكير معلقا . وقد رواه مسلم عن أبي بكر محمد بن إسحاق، عن يحيى بن بكير، به .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يؤتى بالرجل الأكول الشروب العظيم، فيوزن بحبة فلا يزنها". قال: وقرأ: {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} وكذا رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن أبي الصلت، عن أبي الزناد، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، مرفوعا فذكره بلفظ البخاري سواء. وقال أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار: حدثنا العباس بن محمد، حدثنا عون بن عمارة حدثنا هشام بن حسان، عن واصل، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل رجل من قريش يخطر في حلة له. فلما قام على النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا بريدة، هذا ممن لا يقيم الله له يوم القيامة وزنا" . ثم قال: تفرد به واصل مولى أبي عنبسة وعون بن عمارة وليس بالحافظ، ولم يتابع عليه. وقد قال ابن جرير أيضا: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن شمر عن أبي يحيى، عن كعب قال: يؤتى يوم القيامة برجل عظيم طويل، فلا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرؤوا: {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} . وقوله: {ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا} أي: إنما جازيناهم بهذا الجزاء جهنم، بسبب كفرهم واتخاذهم آيات الله ورسله هزوا، استهزءوا بهم، وكذبوهم أشد التكذيب. {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا خالدين فيها لا يبغون عنها حولا } يخبر تعالى عن عباده السعداء، وهم الذين آمنوا بالله ورسوله، وصدقوهم فيما جاؤوا به بأن لهم جنات الفردوس. قال مجاهد: الفردوس هو: البستان بالرومية. وقال كعب، والسدي، والضحاك: هو البستان الذي فيه شجر الأعناب. وقال أبو أمامة الفردوس: سرة الجنة. وقال قتادة: الفردوس: ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها. وقد روي هذا مرفوعا من حديث سعيد بن بشير ، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الفردوس ربوة الجنة، أوسطها وأحسنها" وهكذا رواه إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن سمرة مرفوعا. وروي عن قتادة، عن أنس بن مالك مرفوعا بنحوه. وقد نقله ابن جرير، رحمه الله وفي الصحيحين: "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة" وقوله: {نزلا} أي ضيافة، فإن النزل هو الضيافة. وقوله: {خالدين فيها} أي: مقيمين ساكنين فيها، لا يظعنون عنها أبدا، {لا يبغون عنها حولا} أي: لا يختارون غيرها، ولا يحبون سواها، كما قال الشاعر فحلت سويدا القلب لا أنا باغيا سواها ولا عن حبها أتحول وفي قوله: {لا يبغون عنها حولا} تنبيه على رغبتهم فيها، وحبهم لها، مع أنه قد يتوهم فيمن هو مقيم في المكان دائما أنه يسأمه أو يمله، فأخبر أنهم مع هذا الدوام والخلود السرمدي، لا يختارون عن مقامهم ذلك متحولا ولا انتقالا ولا ظعنا ولا رحلة ولا بدلا {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا } . يقول تعالى: قل يا محمد: لو كان ماء البحر مدادا للقلم الذي تكتب به كلمات ربى وحكمه وآياته الدالة عليه، {لنفد البحر} أي: [لفرغ البحر] قبل أن يفرغ من كتابة ذلك {ولو جئنا بمثله} أي: بمثل البحر آخر، ثم آخر، وهلم جرا، بحور تمده ويكتب بها، لما نفدت كلمات الله، كما قال تعالى: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم} [لقمان: 27] . قال الربيع بن أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها، وقد أنزل الله ذلك: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} .
يقول: لو كان البحر مدادا [لكلمات الله] ، والشجر كله أقلام ، لانكسرت الأقلام وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء؛ لأن أحدا لا يستطيع أن يقدر قدره ولا يثني عليه كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه، إن ربنا كما يقول وفوق ما نقول ، إن مثل نعيم الدنيا أولها وآخرها في نعيم الآخرة ، كحبة من خردل في خلال الأرض [كلها] . {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } . روى الطبراني من طريق هشام بن عمار، عن إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن قيس الكوفي، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان أنه قال: هذه آخر آية أنزلت . يقول لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم : {قل} لهؤلاء المشركين المكذبين برسالتك إليهم: {إنما أنا بشر مثلكم} فمن زعم أني كاذب، فليأت بمثل ما جئت به، فإني لا أعلم الغيب فيما أخبرتكم به من الماضي، عما سألتم من قصة أصحاب الكهف، وخبر ذي القرنين، مما هو مطابق في نفس الأمر، لولا ما أطلعني الله عليه، وأنا أخبركم {أنما إلهكم} الذي أدعوكم إلى عبادته، {إله واحد} لا شريك له، {فمن كان يرجو لقاء ربه} أي: ثوابه وجزاءه الصالح، {فليعمل عملا صالحا} ، ما كان موافقا لشرع الله {ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبل. لا بد أن يكون خالصا لله، صوابا على شريعة رسول الله [صلى الله عليه وسلم] . وقد روى ابن أبي حاتم من حديث معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن طاوس قال: قال رجل: يا رسول الله، إني أقف المواقف أريد وجه الله، وأحب أن يرى موطني. فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا. حتى نزلت هذه الآية: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} . وهكذا أرسل هذا مجاهد، وغير واحد. وقال الأعمش: حدثنا حمزة أبو عمارة مولى بني هاشم، عن شهر بن حوشب قال: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت فقال: أنبئني عما أسألك عنه: أرأيت رجلا يصلي، يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويصوم ويبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويتصدق ويبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويحج ويبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، فقال عبادة: ليس له شيء، إن الله تعالى يقول: "أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك فهو له كله، لا حاجة لي فيه". وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير، ثنا كثير بن زيد، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، عن جده قال: كنا نتناوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنبيت عنده، تكون له الحاجة، أو يطرقه أمر من الليل، فيبعثنا. فكثر المحتسبون وأهل النوب، فكنا نتحدث، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما هذه النجوى؟ [ألم أنهكم عن النجوى] . قال: فقلنا: تبنا إلى الله، أي نبي الله، إنما كنا في ذكر المسيح، وفرقنا منه، فقال: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح عندي؟ " قال: قلنا: بلى. قال: "الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يصلي لمكان الرجل".
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد -يعني ابن بهرام- قال: قال شهر بن حوشب: قال ابن غنم: لما دخلنا مسجد الجابية أنا وأبو الدرداء، لقينا عبادة بن الصامت، فأخذ يميني بشماله، وشمال أبي الدرداء بيمينه، فخرج يمشي بيننا ونحن نتناجى، والله أعلم بما نتناجى به، فقال عبادة بن الصامت: إن طال بكما عمر أحدكما أو كليكما، لتوشكان أن تريا الرجل من ثبج المسلمين -يعني من وسط-قرأ القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فأعاده وأبدأه، وأحل حلاله وحرم حرامه، ونزل عند منازله، لا يحور فيكم إلا كما يحور رأس الحمار الميت. قال: فبينما نحن كذلك، إذ طلع شداد بن أوس، رضي الله عنه، وعوف بن مالك، فجلسا إلينا، فقال شداد: إن أخوف ما أخاف عليكم أيها الناس لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من الشهوة الخفية والشرك". فقال عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء: اللهم غفرا. أو لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حدثنا أن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب. وأما الشهوة الخفية فقد عرفناها، هي شهوات الدنيا من نسائها وشهواتها، فما هذا الشرك الذي تخوفنا به يا شداد؟ فقال شداد: أرأيتكم لو رأيتم رجلا يصلي لرجل، أو يصوم لرجل، [أو تصدق له، أترون أنه قد أشرك؟ قالوا: نعم، والله إنه من صلى لرجل أو صام له] أو تصدق له، لقد أشرك. فقال شداد: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [يقول] : من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك؟ " فقال عوف بن مالك عند ذلك: أفلا يعمد الله إلى ما ابتغي به وجهه من ذلك العمل كله، فيقبل ما خلص له ويدع ما أشرك به؟ فقال شداد عن ذلك: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي، من أشرك بي شيئا فإن [حشده] عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به، وأنا عنه غني" . طريق [أخرى] لبعضه: قال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني عبد الواحد بن زياد، أخبرنا عبادة بن نسي، عن شداد بن أوس، رضي الله عنه، أنه بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: شيء سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله [فذكرته] فأبكاني، سمعت رسول الله يقول: "أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية". قلت: يا رسول الله، أتشرك أمتك [من بعدك؟] قال: "نعم، أما إنهم لا يعبدون شمسا ولا قمرا، ولا حجرا ولا وثنا، ولكن يراؤون بأعمالهم، والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائما فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه . ورواه ابن ماجه من حديث الحسن بن ذكوان، عن عبادة بن نسي، به . وعبادة فيه ضعف وفي سماعه من شداد نظر. حديث آخر: قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا الحسين بن علي بن جعفر الأحمر، حدثنا علي بن ثابت، حدثنا قيس بن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله يوم القيامة: أنا خير شريك، من أشرك بي أحدا فهو له كله". وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت العلاء يحدث عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، يرويه عن ربه، عز وجل، أنه قال: "أنا خير الشركاء، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري، فأنا منه برئ، وهو للذي أشرك". تفرد به من هذا الوجه . حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا ليث، عن يزيد -يعني ابن الهاد-عن عمرو، عن محمود بن لبيد؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر". قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: "الرياء، يقول الله يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء"
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر أخبرنا عبد الحميد -يعني ابن جعفر-أخبرني أبي، عن زياد بن ميناء، عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري -وكان من الصحابة-أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة ليوم لا ريب فيه، نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله أحدا، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك". وأخرجه الترمذي وابن ماجه، [من حديث محمد بن] بكر وهو البرساني، به حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا بكار، حدثني أبي -يعني عبد العزيز بن أبي بكرة -عن أبي بكرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سمع سمع الله به، ومن راءى راءى الله به" . وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية، حدثنا شيبان، عن فراس، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من يرائي يرائي الله به، ومن يسمع يسمع الله به" . حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، حدثني عمرو بن مرة، قال: سمعت رجلا في بيت أبي عبيدة؛ أنه سمع عبد الله بن عمرو يحدث ابن عمر ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من سمع الناس بعمله سمع الله به، سامع خلقه وصغره وحقره" [قال] : فذرفت عينا عبد الله . وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن يحيى الأيلي، حدثنا الحارث بن غسان، حدثنا أبو عمران الجوني، عن أنس، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعرض أعمال بني آدم بين يدي الله، عز وجل، يوم القيامة في صحف مختومة ، فيقول الله: ألقوا هذا، واقبلوا هذا، فتقول الملائكة: يا رب، والله ما رأينا منه إلا خيرا. فيقول: إن عمله كان لغير وجهي، ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما أريد به وجهي". ثم قال الحارث بن غسان: روى عنه جماعة وهو بصري ليس به بأس وقال ابن وهب: حدثني يزيد بن عياض، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن قيس الخزاعي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قام رياء وسمعة، لم يزل في مقت الله حتى يجلس". وقال أبو يعلى: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا محمد بن دينار، عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص، عن عوف بن مالك، عن ابن مسعود، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحسن الصلاة حيث يراه الناس وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة استهان بها ربه، عز وجل". وقال ابن جرير: حدثنا أبو عامر إسماعيل بن عمرو السكوني، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا ابن عياش ، حدثنا عمرو بن قيس الكندي؛ أنه سمع معاوية بن أبي سفيان تلا هذه الآية {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} وقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن. وهذا أثر مشكل، فإن هذه الآية [هي] آخر سورة الكهف. والكهف كلها مكية، ولعل معاوية أراد أنه لم ينزل بعدها ما تنسخها ولا يغير حكمها بل هي مثبتة محكمة، فاشتبه ذلك على بعض الرواة، فروى بالمعنى على ما فهمه، والله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا أبو قررة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ في ليلة: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} ، كان له من نور، من عدن أبين إلى [مكة] حشوه الملائكة غريب جدا. آخر [تفسير] سورة الكهف ولله الحمد تفسير سورة مريم [عليها السلام] وهي مكية.
وقد روى محمد بن إسحاق في السيرة من حديث أم سلمة، وأحمد بن حنبل عن ابن مسعود في قصة الهجرة إلى أرض الحبشة من مكة: أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، قرأ صدر هذه السورة على النجاشي وأصحابه . بسم الله الرحمن الرحيم {كهيعص ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا } . أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة. وقوله: {ذكر رحمة ربك} أي: هذا ذكر رحمة الله بعبده زكريا. وقرأ يحيى بن يعمر "ذكر رحمة ربك عبده زكريا". [و] {زكريا} : يمد ويقصر قراءتان مشهورتان. وكان نبيا عظيما من أنبياء بني إسرائيل. وفي صحيح البخاري: أنه كان نجارا، أي: كان يأكل من عمل يديه في النجارة. وقوله: {إذ نادى ربه نداء خفيا} : قال بعض المفسرين: إنما أخفى دعاءه، لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة لكبره. حكاه الماوردي. وقال آخرون: إنما أخفاه لأنه أحب إلى الله. كما قال قتادة في هذه الآية {إذ نادى ربه نداء خفيا} : إن الله يعلم القلب التقي ، ويسمع الصوت الخفي. وقال بعض السلف: قام من الليل، عليه السلام، وقد نام أصحابه، فجعل يهتف بربه يقول خفية: يا رب، يا رب، يا رب فقال الله: لبيك، لبيك، لبيك. {قال رب إني وهن العظم مني} أي: ضعفت وخارت القوى، {واشتعل الرأس شيبا} أي اضطرم المشيب في السواد، كما قال ابن دريد في مقصورته : إما ترى رأسي حاكى لونه طرة صبح تحت أذيال الدجى واشتعل المبيض في مسوده مثل اشتعال النار في جمر الغضا والمراد من هذا: الإخبار عن الضعف والكبر، ودلائله الظاهرة والباطنة. وقوله: {ولم أكن بدعائك رب شقيا} أي: ولم أعهد منك إلا الإجابة في الدعاء، ولم تردني قط فيما سألتك. وقوله: {وإني خفت الموالي من ورائي} : قرأ الأكثرون بنصب "الياء" من {الموالي} على أنه مفعول، وعن الكسائي أنه سكن الياء، كما قال الشاعر: كأن أيديهن في القاع الفرق أيدي جوار يتعاطين الورق وقال الآخر: فتى لو يباري الشمس ألقت قناعها أو القمر الساري لألقى المقالدا ومنه قول أبي تمام حبيب بن أوس الطائي: تغاير الشعر فيه إذ سهرت له حتى ظننت قوافيه ستقتتل وقال مجاهد، وقتادة، والسدي: أراد بالموالي العصبة. وقال أبو صالح: الكلالة. وروي عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي الله عنه، أنه كان يقرؤها: "وإني خفت الموالي من ورائي" بتشديد الفاء بمعنى: قلت عصباتي من بعدي. وعلى القراءة الأولى، وجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا [من] بعده في الناس تصرفا سيئا، فسأل الله ولدا، يكون نبيا من بعده، ليسوسهم بنبوته وما يوحى إليه. فأجيب في ذلك، لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدرا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده أن يأنف من وراثة عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد، فيحوز ميراثه دونه دونهم. هذا وجه. الثاني: أنه لم يذكر أنه كان ذا مال، بل كان نجارا يأكل من كسب يديه، ومثل هذا لا يجمع مالا ولا سيما الأنبياء، عليهم السلام، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا.
الثالث: أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا نورث، ما تركنا فهو صدقة" وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح: "نحن معشر الأنبياء لا نورث" وعلى هذا فتعين حمل قوله: {فهب لي من لدنك وليا يرثني} على ميراث النبوة؛ ولهذا قال: {ويرث من آل يعقوب} ، كما قال تعالى: {وورث سليمان داود} [النمل: 16] أي: في النبوة؛ إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة". قال مجاهد في قوله: {يرثني ويرث من آل يعقوب} [قال] : كان وراثته علما وكان زكريا من ذرية يعقوب. وقال هشيم: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: {يرثني ويرث من آل يعقوب} قال: [قد] يكون نبيا كما كانت آباؤه أنبياء. وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن: يرث نبوته وعلمه. وقال السدي: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب. وعن مالك، عن زيد بن أسلم: {ويرث من آل يعقوب} قال: نبوتهم. وقال جابر بن نوح ويزيد بن هارون، كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: {يرثني ويرث من آل يعقوب} قال: يرث مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة. وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يرحم الله زكريا، وما كان عليه من ورثة، ويرحم الله لوطا، إن كان ليأوي إلى ركن شديد" وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا جابر بن نوح، عن مبارك -هو ابن فضالة -عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رحم الله أخي زكريا، ما كان عليه من ورثة ماله حين يقول: {فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب} وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح، والله أعلم. وقوله: {واجعله رب رضيا} أي مرضيا عندك وعند خلقك، تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه. {يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا } . هذا الكلام يتضمن محذوفا، وهو أنه أجيب إلى ما سأل في دعائه فقيل [له] : {يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى} ، كما قال تعالى: {هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين} [آل عمران: 38، 39] وقوله: {لم نجعل له من قبل سميا} قال قتادة، وابن جريج، وابن زيد: أي لم يسم أحد قبله بهذا الاسم، واختاره ابن جرير، رحمه الله. وقال مجاهد: {لم نجعل له من قبل سميا} أي: شبيها. أخذه من معنى قوله: {فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا} [مريم: 65] أي: شبيها. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي لم تلد العواقر قبله مثله. وهذا دليل على أن زكريا عليه السلام، كان لا يولد له، وكذلك امرأته كانت عاقرا من أول عمرها، بخلاف إبراهيم وسارة، عليهما السلام، فإنهما إنما تعجبا من البشارة بإسحاق على كبرهما لا لعقرهما ؛ ولهذا قال: {أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون} [الحجر: 54] مع أنه كان قد ولد له قبله إسماعيل بثلاث عشرة سنة. وقالت امرأته: {يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد} [هود: 72، 73] . {قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا } .
هذا تعجب من زكريا، عليه السلام، حين أجيب إلى ما سأل، وبشر بالولد، ففرح فرحا شديدا، وسأل عن كيفية ما يولد له، والوجه الذي يأتيه منه الولد، مع أن امرأته [كانت] عاقرا لم تلد من أول عمرها مع كبرها، ومع أنه قد كبر وعتا، أي عسا عظمه ونحل ولم يبق فيه لقاح ولا جماع. تقول العرب للعود إذا يبس: "عتا يعتو عتيا وعتوا، وعسا يعسو عسوا وعسيا". وقال مجاهد: {عتيا} بمعنى: نحول العظم. وقال ابن عباس وغيره: {عتيا} يعني: الكبر. والظاهر أنه أخص من الكبر. وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لقد علمت السنة كلها، غير أني لا أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر أم لا؟ ولا أدري كيف كان يقرأ هذا الحرف: {وقد بلغت من الكبر عتيا} أو "عسيا". ورواه الإمام أحمد عن سريج بن النعمان، وأبو داود، عن زياد بن أيوب، كلاهما عن هشيم، به. {قال} أي الملك مجيبا لزكريا عما استعجب منه: {كذلك قال ربك هو علي هين} أي: إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها {هين} أي: يسير سهل على الله. ثم ذكر له ما هو أعجب مما سأل عنه، فقال: {وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا} كما قال تعالى: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا} [الإنسان: 1] {قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا } . يقول تعالى مخبرا عن زكريا، عليه السلام، أنه {قال رب اجعل لي آية} أي: علامة ودليلا على وجود ما وعدتني، لتستقر نفسي ويطمئن قلبي بما وعدتني كما قال إبراهيم، عليه السلام: {رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} الآية [البقرة: 260] . {قال آيتك} أي: علامتك {ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا} أي: أن تحبس لسانك عن الكلام ثلاث ليال وأنت صحيح سوي من غير مرض ولا علة قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، ووهب [بن منبه] ، والسدي وقتادة وغير واحد: اعتقل لسانه من غير مرض. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان يقرأ ويسبح ولا يستطيع أن يكلم قومه إلا إشارة. وقال العوفي، عن ابن عباس: {ثلاث ليال سويا} أي: متتابعات. والقول الأول عنه وعن الجمهور أصح كما قال تعالى في [أول] آل عمران: {قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار} [آل عمران: 41] وقال مالك، عن زيد بن أسلم: {ثلاث ليال سويا} من غير خرس. وهذا دليل على أنه لم يكن يكلم الناس في هذه الليالي الثلاث وأيامها {إلا رمزا} أي: إشارة؛ ولهذا قال في هذه الآية الكريمة: {فخرج على قومه من المحراب} أي: الذي بشر فيه بالولد، {فأوحى إليهم} أي: أشار إشارة خفية سريعة: {أن سبحوا بكرة وعشيا} أي: موافقة له فيما أمر به في هذه الأيام الثلاثة زيادة على أعماله، وشكرا لله على ما أولاه. قال مجاهد: {فأوحى إليهم} أي: أشار. وبه قال وهب، وقتادة. وقال مجاهد في رواية عنه: {فأوحى إليهم} أي: كتب لهم في الأرض، كذا قال السدي. {يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا } .
وهذا أيضا تضمن محذوفا، تقديره: أنه وجد هذا الغلام المبشر به، وهو يحيى، عليه السلام، وأن الله علمه الكتاب، وهو التوراة التي كانوا يتدارسونها بينهم، ويحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار. وقد كان سنه إذ ذاك صغيرا، فلهذا نوه بذكره، وبما أنعم به عليه وعلى والديه، فقال: {يا يحيى خذ الكتاب بقوة} أي: تعلم الكتاب {بقوة} أي: بجد وحرص واجتهاد {وآتيناه الحكم صبيا} أي: الفهم والعلم والجد والعزم، والإقبال على الخير، والإكباب عليه، والاجتهاد فيه وهو صغير حدث [السن] . قال عبد الله بن المبارك: قال معمر: قال الصبيان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب. قال: ما للعب خلقت ، قال: فلهذا أنزل الله: {وآتيناه الحكم صبيا} . وقوله: {وحنانا من لدنا} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وحنانا من لدنا} يقول: ورحمة من عندنا، وكذا قال عكرمة، وقتادة، والضحاك وزاد: لا يقدر عليها غيرنا. وزاد قتادة: رحم بها زكريا. وقال مجاهد: {وحنانا من لدنا} وتعطفا من ربه عليه. وقال عكرمة: {وحنانا من لدنا} [قال: محبة عليه. وقال ابن زيد: أما الحنان فالمحبة. وقال عطاء بن أبي رباح: {وحنانا من لدنا} ] ، قال: تعظيما من لدنا . وقال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع عكرمة عن ابن عباس قال: لا والله ما أدري ما حنانا. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن منصور: سألت سعيد بن جبير عن قوله: {وحنانا من لدنا} ، فقال: سألت عنها عباس، فلم يحر فيها شيئا. والظاهر من هذا السياق أن: {وحنانا [من لدنا] } معطوف على قوله: {وآتيناه الحكم صبيا} أي: وآتيناه الحكم وحنانا، {وزكاة} أي: وجعلناه ذا حنان وزكاة، فالحنان هو المحبة في شفقة وميل كما تقول العرب: حنت الناقة على ولدها، وحنت المرأة على زوجها. ومنه سميت المرأة "حنة" من الحنة، وحن الرجل إلى وطنه، ومنه التعطف والرحمة، كما قال الشاعر تحنن علي هداك المليك فإن لكل مقام مقالا وفي المسند للإمام أحمد، عن أنس، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه قال: "يبقى رجل في النار ينادي ألف سنة: يا حنان يا منان" وقد يثني ومنهم من يجعل ما ورد من ذلك لغة بذاتها، كما قال طرفة: أنا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض وقوله: {وزكاة} معطوف على {وحنانا} فالزكاة الطهارة من الدنس والآثام والذنوب. وقال قتادة: الزكاة العمل الصالح. وقال الضحاك وابن جريج: العمل الصالح الزكي. وقال العوفي عن ابن عباس: {وزكاة} [قال: بركة] {وكان تقيا} طهر، فلم يعمل بذنب. وقوله: {وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا} لما ذكر تعالى طاعته لربه، وأنه خلقه ذا رحمة وزكاة وتقى، عطف بذكر طاعته لوالديه وبره بهما، ومجانبته عقوقهما، قولا وفعلا [وأمرا] ونهيا؛ ولهذا قال: {ولم يكن جبارا عصيا} ثم قال بعد هذه الأوصاف الجميلة جزاء له على ذلك: {وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا} أي: له الأمان في هذه الثلاثة الأحوال. وقال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد، فيرى نفسه خارجا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم، ويوم يبعث، فيرى نفسه في محشر عظيم. قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا فخصه بالسلام عليه، {وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا} رواه ابن جرير عن أحمد بن منصور المروزي عن صدقة بن الفضل عنه. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {جبارا عصيا} ، قال: كان ابن المسيب يذكر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلا ذا ذنب، إلا يحيى بن زكريا". قال قتادة: ما أذنب ولا هم بامرأة، مرسل
وقال محمد بن إسحاق، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، حدثني ابن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب، إلا ما كان من يحيى بن زكريا" ابن إسحاق هذا مدلس، وقد عنعن هذا الحديث، فالله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ، أو هم بخطيئة، ليس يحيى بن زكريا، وما ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى" وهذا أيضا ضعيف؛ لأن علي بن زيد بن جدعان له منكرات كثيرة، والله أعلم. وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: أن حسن قال: إن يحيى وعيسى، عليهما السلام، التقيا، فقال له عيسى: استغفر لي، أنت خير مني، فقال له الآخر: استغفر لي فأنت خير مني. فقال له عيسى: أنت خير مني، سلمت على نفسي، وسلم الله عليك، فعرف والله فضلهما. {واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا } . لما ذكر تعالى قصة زكريا، عليه السلام، وأنه أوجد منه، في حال كبره وعقم زوجته، ولدا زكيا طاهرا مباركا -عطف بذكر قصة مريم في إيجاده ولدها عيسى، عليهما السلام، منها من غير أب، فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة ؛ ولهذا ذكرهما في آل عمران وهاهنا وفي سورة الأنبياء، يقرن بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى، ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه، وأنه على ما يشاء قادر ، فقال: {واذكر في الكتاب مريم} وهي مريم بنت عمران، من سلالة داود، عليه السلام، وكانت من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل. وقد ذكر الله تعالى قصة ولادة أمها لها في "آل عمران"، وأنها نذرتها محررة، أي: تخدم مسجد بيت المقدس، وكانوا يتقربون بذلك، {فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا} [آل عمران: 37] ونشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة، فكانت إحدى العابدات الناسكات المشهورات بالعبادة العظيمة والتبتل والدءوب، وكانت في كفالة زوج أختها -وقيل: خالتها-زكريا نبي بني إسرائيل إذ ذاك وعظيمهم، الذي يرجعون إليه في دينهم. ورأى لها زكريا من الكرامات الهائلة ما بهره {كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} [آل عمران: 37] فذكر أنه كان يجد عندها ثمر الشتاء في الصيف وثمر الصيف في الشتاء، كما تقدم بيانه في "آل عمران". فلما أراد الله تعالى -وله الحكمة والحجة البالغة-أن يوجد منها عبده ورسوله عيسى عليه السلام، أحد الرسل أولي العزم الخمسة العظام، {انتبذت من أهلها مكانا شرقيا} أي: اعتزلتهم وتنحت عنهم، وذهبت إلى شرق المسجد المقدس. قال السدي: لحيض أصابها. وقيل لغير ذلك. قال أبو كدينة، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه عن ابن عباس قال: إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت والحج إليه، وما صرفهم عنه إلا قيل ربك: {انتبذت من أهلها مكانا شرقيا} قال: خرجت مريم مكانا شرقيا، فصلوا قبل مطلع الشمس. رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير. وقال ابن جرير أيضا: حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عامر، عن ابن عباس قال: إني لأعلم خلق الله لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة؛ لقول الله تعالى {انتبذت من أهلها مكانا شرقيا} واتخذوا ميلاد عيسى قبلة وقال قتادة: {مكانا شرقيا} شاسعا متنحيا. وقال محمد بن إسحاق: ذهبت بقلتها تستقي [من] الماء.
وقال نوف البكالي: اتخذت لها منزلا تتعبد فيه. فالله أعلم. وقوله: {فاتخذت من دونهم حجابا} أي: استترت منهم وتوارت، فأرسل الله تعالى إليها جبريل عليه السلام {فتمثل لها بشرا سويا} أي: على صورة إنسان تام كامل. قال مجاهد، والضحاك، وقتادة، وابن جريج ووهب بن منبه، والسدي، في قوله: {فأرسلنا إليها روحنا} يعني: جبريل، عليه السلام. وهذا الذي قالوه هو ظاهر القرآن فإنه تعالى قد قال في الآية الأخرى: {نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين} [الشعراء: 193، 194] . وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: إن روح عيسى، عليه السلام، من جملة الأرواح التي أخذ عليها العهد في زمان آدم، وهو الذي تمثل لها بشرا سويا، أي: روح عيسى، فحملت الذي خاطبها وحل في فيها. وهذا في غاية الغرابة والنكارة، وكأنه إسرائيلي. {قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} أي: لما تبدى لها الملك في صورة بشر، وهي في مكان منفرد وبينها وبين قومها حجاب، خافته وظنت أنه يريدها على نفسها، فقالت: {إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} أي: إن كنت تخاف الله. تذكير له بالله، وهذا هو المشروع في الدفع أن يكون بالأسهل فالأسهل، فخوفته أولا بالله، عز وجل. قال ابن جرير: حدثني أبو كريب، حدثنا أبو بكر، عن عاصم قال: قال أبو وائل -وذكر قصة مريم-فقال: قد علمت أن التقي ذو نهية حين قالت: {إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك} أي: فقال لها الملك مجيبا لها ومزيلا ما حصل عندها من الخوف على نفسها: لست مما تظنين، ولكني رسول ربك، أي: بعثني إليك، ويقال: إنها لما ذكرت الرحمن انتفض جبريل فرقا وعاد إلى هيئته وقال: "إنما أنا رسول ربك ليهب لك غلاما زكيا". [هكذا قرأ أبو عمرو بن العلاء أحد مشهوري القراء. وقرأ الآخرون: {لأهب لك غلاما زكيا} ] وكلا القراءتين له وجه حسن، ومعنى صحيح، وكل تستلزم الأخرى. {قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا} أي: فتعجبت مريم من هذا وقالت: كيف يكون لي غلام؟ أي: على أي صفة يوجد هذا الغلام مني، ولست بذات زوج، ولا يتصور مني الفجور؛ ولهذا قالت: {ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا} والبغي: هي الزانية؛ ولهذا جاء في الحديث نهي عن مهر البغي. {قال كذلك قال ربك هو علي هين} أي: فقال لها الملك مجيبا لها عما سألت: إن الله قد قال: إنه سيوجد منك غلاما، وإن لم يكن لك بعل ولا توجد منك فاحشة، فإنه على ما يشاء قادر ؛ ولهذا قال: {ولنجعله آية للناس} أي: دلالة وعلامة للناس على قدرة بارئهم وخالقهم، الذي نوع في خلقهم، فخلق أباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى، إلا عيسى فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر، فتمت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه فلا إله غيره ولا رب سواه. وقوله: {ورحمة منا} أي ونجعل هذا الغلام رحمة من الله نبيا من الأنبياء يدعو إلى عبادة الله تعالى وتوحيده، كما قال تعالى في الآية الأخرى: {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين} [آل عمران: 45، 46] أي: يدعو إلى عبادة الله ربه في مهده وكهولته. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحيم بن إبراهيم -دحيم-حدثنا مروان، حدثنا العلاء بن الحارث الكوفي، عن مجاهد قال: قالت مريم، عليها السلام: كنت إذا خلوت حدثني عيسى وكلمني وهو في بطني وإذا كنت مع الناس سبح في بطني وكبر.
وقوله: {وكان أمرا مقضيا} يحتمل أن هذا من كلام جبريل لمريم، يخبرها أن هذا أمر مقدر في علم الله تعالى وقدره ومشيئته. ويحتمل أن يكون من خبر الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأنه كنى بهذا عن النفخ في فرجها، كما قال تعالى: {ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا} [التحريم: 12] وقال {والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا} [الأنبياء: 91] قال محمد بن إسحاق: {وكان أمرا مقضيا} أي: أن الله قد عزم على هذا، فليس منه بد، واختار هذا أيضا ابن جرير في تفسيره، ولم يحك غيره، والله أعلم. {فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا } يقول تعالى مخبرا عن مريم أنها لما قال لها جبريل عن الله تعالى ما قال، إنها استسلمت لقضاء الله تعالى فذكر غير واحد من علماء السلف أن الملك -وهو جبريل عليه السلام-عند ذلك نفخ في جيب درعها، فنزلت النفخة حتى ولجت في الفرج، فحملت بالولد بإذن الله تعالى. فلما حملت به ضاقت ذرعا به ولم تدر ماذا تقول للناس، فإنها تعلم أن الناس لا يصدقونها فيما تخبرهم به، غير أنها أفشت سرها وذكرت أمرها لأختها امرأة زكريا. وذلك أن زكريا عليه السلام، كان قد سأل الله الولد، فأجيب إلى ذلك، فحملت امرأته، فدخلت عليها مريم فقامت إليها فاعتنقتها، وقالت: أشعرت يا مريم أني حبلى؟ فقالت لها مريم: وهل علمت أيضا أني حبلى؟ وذكرت لها شأنها وما كان من خبرها وكانوا بيت إيمان وتصديق، ثم كانت امرأة زكريا بعد ذلك إذا واجهت مريم تجد الذي في جوفها يسجد للذي في بطن مريم، أي: يعظمه ويخضع له، فإن السجود كان في ملتهم عند السلام مشروعا، كما سجد ليوسف أبواه وإخوته، وكما أمر الله الملائكة أن تسجد لآدم، عليه السلام، ولكن حرم في ملتنا هذه تكميلا لتعظيم جلال الرب تعالى. قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين قال: قرئ على الحارث بن مسكين وأنا أسمع، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم قال: قال مالك رحمه الله: بلغني أن عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا ابنا خالة، وكان حملهما جميعا معا، فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم: إني أرى أن ما في بطني يسجد لما في بطنك. قال مالك: أرى ذلك لتفضيل عيسى عليه السلام؛ لأن الله جعله يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص. ثم اختلف المفسرون في مدة حمل عيسى عليه السلام فالمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر. وقال عكرمة: ثمانية أشهر -قال: ولهذا لا يعيش ولد لثمانية أشهر. وقال ابن جريج: أخبرني المغيرة بن عثمان بن عبد الله الثقفي، سمع ابن عباس وسئل عن حبل مريم، قال: لم يكن إلا أن حملت فوضعت .
وهذا غريب، وكأنه أخذه من ظاهر قوله تعالى: {فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة} فالفاء وإن كانت للتعقيب، ولكن تعقيب كل شيء بحسبه، كما قال تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما} [المؤمنون: 12 -14] فهذه الفاء للتعقيب بحسبها. وقد ثبت في الصحيحين: أن بين كل صفتين أربعين يوما وقال تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة} [الحج: 63] فالمشهور الظاهر -والله على كل شيء قدير-أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن؛ ولهذا لما ظهرت مخايل الحمل عليها وكان معها في المسجد رجل صالح من قراباتها يخدم معها البيت المقدس، يقال له: يوسف النجار، فلما رأى ثقل بطنها وكبره، أنكر ذلك من أمرها، ثم صرفه ما يعلم من براءتها ونزاهتها ودينها وعبادتها، ثم تأمل ما هي فيه، فجعل أمرها يجوس في فكره، لا يستطيع صرفه عن نفسه، فحمل نفسه على أن عرض لها في القول، فقال: يا مريم، إني سائلك عن أمر فلا تعجلي علي. قالت: وما هو؟ قال: هل يكون قط شجر من غير حب؟ وهل يكون زرع من غير بذر؟ وهل يكون ولد من غير أب؟ فقالت: نعم -فهمت ما أشار إليه-أما قولك: "هل يكون شجر من غير حب وزرع من غير بذر؟ " فإن الله قد خلق الشجر والزرع أول ما خلقهما من غير حب، ولا بذر "وهل خلق يكون من غير أب؟ " فإن الله قد خلق آدم من غير أب ولا أم. فصدقها، وسلم لها حالها. ولما استشعرت مريم من قومها اتهامها بالريبة، انتبذت منهم مكانا قصيا، أي: قاصيا منهم بعيدا عنهم؛ لئلا تراهم ولا يروها. قال محمد بن إسحاق: فلما حملت به وملأت قلتها ورجعت، استمسك عنها الدم وأصابها ما يصيب الحامل على الولد من الوصب والترحم وتغير اللون، حتى فطر لسانها، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل زكريا، وشاع الحديث في بني إسرائيل، فقالوا: "إنما صاحبها يوسف"، ولم يكن معها في الكنيسة غيره، وتوارت من الناس، واتخذت من دونهم حجابا، فلا يراها أحد ولا تراه. وقوله: {فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة} [أي: فاضطرها وألجأها الطلق إلى جذع النخلة] وهي نخلة في المكان الذي تنحت إليه. وقد اختلفوا فيه، فقال السدي: كان شرقي محرابها الذي تصلي فيه من بيت المقدس. وقال وهب بن منبه: ذهبت هاربة، فلما كانت بين الشام وبلاد مصر، ضربها الطلق. وفي رواية عن وهب: كان ذلك على ثمانية أميال من بيت المقدس، في قرية هناك يقال لها: "بيت لحم". قلت: وقد تقدم في حديث الإسراء، من رواية النسائي عن أنس، رضي الله عنه، والبيهقي عن شداد بن أوس، رضي الله عنه: أن ذلك ببيت لحم، فالله أعلم، وهذا هو المشهور الذي تلقاه الناس بعضهم عن بعض، ولا يشك فيه النصارى أنه ببيت لحم، وقد تلقاه الناس. وقد ورد به الحديث إن صح. وقوله تعالى إخبارا عنها: {قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا} فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدقونها في خبرها، وبعدما كانت عندهم عابدة ناسكة، تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية، فقالت: {يا ليتني مت قبل هذا} أي قبل هذا الحال، {وكنت نسيا منسيا} أي لم أخلق ولم أك شيئا. قاله ابن عباس. وقال السدي: قالت وهي تطلق من الحبل -استحياء من الناس: يا ليتني مت قبل هذا الكرب الذي أنا فيه، والحزن بولادتي المولود من غير بعل {وكنت نسيا منسيا} نسي فترك طلبه، كخرق الحيض إذا ألقيت وطرحت لم تطلب ولم تذكر. وكذلك كل شيء نسي وترك فهو نسي. وقال قتادة: {وكنت نسيا منسيا} أي: شيئا لا يعرف، ولا يذكر، ولا يدرى من أنا. وقال الربيع بن أنس: {وكنت نسيا منسيا} وهو السقط.
وقال ابن زيد: لم أكن شيئا قط. وقد قدمنا الأحاديث الدالة على النهي عن تمني الموت إلا عند الفتنة، عند قوله: {توفني مسلما وألحقني بالصالحين} [يوسف: 101] {فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا } {فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا } قرأ بعضهم {من تحتها} بمعنى الذي تحتها. وقرأ آخرون: {من تحتها} على أنه حرف جر. واختلف المفسرون في المراد بذلك من هو؟ فقال العوفي وغيره، عن ابن عباس: {فناداها من تحتها} جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها، وكذا قال سعيد بن جبير، والضحاك، وعمرو بن ميمون، والسدي، وقتادة: إنه الملك جبريل عليه الصلاة والسلام، أي: ناداها من أسفل الوادي. وقال مجاهد: {فناداها من تحتها} قال: عيسى ابن مريم، وكذا قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: قال الحسن: هو ابنها. وهو إحدى الروايتين عن سعيد بن جبير: أنه ابنها، قال: أولم تسمع الله يقول: {فأشارت إليه} [مريم: 29] ؟ واختاره ابن زيد، وابن جرير في تفسيره وقوله: {ألا تحزني} أي: ناداها قائلا لا تحزني، {قد جعل ربك تحتك سريا} قال سفيان الثوري وشعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب: {قد جعل ربك تحتك سريا} قال: الجدول. وكذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: السري: النهر. وبه قال عمرو بن ميمون: نهر تشرب منه. وقال مجاهد: هو النهر بالسريانية. وقال سعيد بن جبير: السري: النهر الصغير بالنبطية. وقال الضحاك: هو النهر الصغير بالسريانية. وقال إبراهيم النخعي: هو النهر الصغير. وقال قتادة: هو الجدول بلغة أهل الحجاز. وقال وهب بن منبه: السري: هو ربيع الماء. وقال السدي: هو النهر، واختار هذا القول ابن جرير. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع، فقال الطبراني: حدثنا أبو شعيب الحراني: حدثنا يحيى بن عبد الله البابلتي حدثنا أيوب بن نهيك، سمعت عكرمة مولى ابن عباس يقول: سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن السري الذي قال الله لمريم: {قد جعل ربك تحتك سريا} نهر أخرجه الله لتشرب منه" وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه. وأيوب بن نهيك هذا هو الحبلي قال فيه أبو حاتم الرازي: ضعيف. وقال أبو زرعة: منكر الحديث. وقال أبو الفتح الأزدي: متروك الحديث. وقال آخرون: المراد بالسري: عيسى، عليه السلام، وبه قال الحسن، والربيع بن أنس، ومحمد بن عباد بن جعفر. وهو إحدى الروايتين عن قتادة، وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والقول الأول أظهر؛ ولهذا قال بعده: {وهزي إليك بجذع النخلة} أي: وخذي إليك بجذع النخلة. قيل: كانت يابسة، قاله ابن عباس. وقيل: مثمرة. قال مجاهد: كانت عجوة. وقال الثوري، عن أبي داود نفيع الأعمى: كانت صرفانة والظاهر أنها كانت شجرة، ولكن لم تكن في إبان ثمرها، قاله وهب بن منبه؛ ولهذا امتن عليها بذلك، أن جعل عندها طعاما وشرابا، فقال: {تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا} أي: طيبي نفسا؛ ولهذا قال عمرو بن ميمون: ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب، ثم تلا هذه الآية الكريمة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا شيبان، حدثنا مسرور بن سعيد التميمي حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن عروة بن رويم، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم عليه السلام، وليس من الشجر شيء يلقح غيرها". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أطعموا نساءكم الولد الرطب، فإن لم يكن رطب فتمر، وليس من الشجرة شجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران". هذا حديث منكر جدا، ورواه أبو يعلى، عن شيبان، به
وقرأ بعضهم قوله: "تساقط" بتشديد السين، وآخرون بتخفيفها، وقرأ أبو نهيك: {تساقط عليك رطبا جنيا} وروى أبو إسحاق عن البراء: أنه قرأها: "تساقط" أي: الجذع. والكل متقارب. وقوله: {فإما ترين من البشر أحدا} أي: مهما رأيت من أحد، {فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا} المراد بهذا القول: الإشارة إليه بذلك. لا أن المراد به القول اللفظي؛ لئلا ينافي: {فلن أكلم اليوم إنسيا} قال أنس بن مالك في قوله: {إني نذرت للرحمن صوما} أي: صمتا وكذا قال ابن عباس، والضحاك. وفي رواية عن أنس: "صوما وصمتا"، وكذا قال قتادة وغيرهما. والمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم يحرم عليهم الطعام والكلام، نص على ذلك السدي، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد. وقال أبو إسحاق، عن حارثة قال: كنت عند ابن مسعود، فجاء رجلان فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر، فقال: ما شأنك؟ قال أصحابه: حلف ألا يكلم الناس اليوم. فقال عبد الله بن مسعود: كلم الناس وسلم عليهم، فإنما تلك امرأة علمت أن أحدا لا يصدقها أنها حملت من غير زوج. يعني بذلك مريم، عليها السلام؛ ليكون عذرا لها إذا سئلت. ورواه ابن أبي حاتم، وابن جرير، رحمهما الله. وقال عبد الرحمن بن زيد: لما قال عيسى لمريم: {ألا تحزني} قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي؟! لا ذات زوج ولا مملوكة، أي شيء عذري عند الناس؟ يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا، قال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام: {فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا} قال: هذا كله من كلام عيسى لأمه. وكذا قال وهب. {فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا } . يقول تعالى مخبرا عن مريم حين أمرت أن تصوم يومها ذلك، وألا تكلم أحدا من البشر فإنها ستكفى أمرها ويقام بحجتها فسلمت لأمر الله، عز وجل، واستسلمت لقضائه، وأخذت ولدها {فأتت به قومها تحمله} فلما رأوها كذلك، أعظموا أمرها واستنكروه جدا، وقالوا: {يا مريم لقد جئت شيئا فريا} أي: أمرا عظيما. قاله مجاهد، وقتادة والسدي، وغير واحد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سيار حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا أبو عمران الجوني، عن نوف البكالي قال: وخرج قومها في طلبها، وكانت من أهل بيت نبوة وشرف. فلم يحسوا منها شيئا، فرأوا راعي بقر فقالوا: رأيت فتاة كذا وكذا نعتها؟ قال: لا ولكني رأيت الليلة من بقري ما لم أره منها قط. قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيتها سجدا نحو هذا الوادي. قال عبد الله بن أبي زياد: وأحفظ عن سيار أنه قال: رأيت نورا ساطعا. فتوجهوا حيث قال لهم، فاستقبلتهم مريم، فلما رأتهم قعدت وحملت ابنها في حجرها، فجاءوا حتى قاموا عليها، {قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا} أمرا عظيما. {يا أخت هارون} أي: يا شبيهة هارون في العبادة {ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا} أي: أنت من بيت طيب طاهر، معروف بالصلاح والعبادة والزهادة ، فكيف صدر هذا منك؟ قال علي بن أبي طلحة ، والسدي: قيل لها: {يا أخت هارون} أي: أخي موسى، وكانت من نسله كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وللمضري: يا أخا مضر. وقيل: نسبت إلى رجل صالح كان فيهم اسمه هارون، فكانت تقاس به في العبادة، والزهادة. وحكى ابن جرير عن بعضهم: أنهم شبهوها برجل فاجر كان فيهم. يقال له: هارون. ورواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير. وأغرب من هذا كله ما رواه ابن أبي حاتم.
حدثنا علي بن الحسين الهسنجاني حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا المفضل بن فضالة، حدثنا أبو صخر، عن القرظي في قول الله عز وجل: {يا أخت هارون} قال: هي أخت هارون لأبيه وأمه، وهي أخت موسى أخي هارون التي قصت أثر موسى، {فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون} [القصص: 11] وهذا القول خطأ محض، فإن الله تعالى قد ذكر في كتابه أنه قفى بعيسى بعد الرسل، فدل على أنه آخر الأنبياء بعثا وليس بعده إلا محمد صلوات الله وسلامه عليه ؛ ولهذا ثبت في الصحيح عند البخاري، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أنا أولى الناس بابن مريم؛ إلا أنه ليس بيني وبينه نبي" ولو كان الأمر كما زعم محمد بن كعب القرظي، لم يكن متأخرا عن الرسل سوى محمد. ولكان قبل سليمان و داود؛ فإن الله قد ذكر أن داود بعد موسى، عليهما السلام في قوله تعالى: {ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا ومالنا ألا نقاتل في سبيل الله} [البقرة: 246] فذكر القصة إلى أن قال: {وقتل داود جالوت} الآية [البقرة: 251] ، والذي جرأ القرظي على هذه المقالة ما في التوراة بعد خروج موسى وبني إسرائيل من البحر، وإغراق فرعون وقومه، قال: وكانت مريم بنت عمران أخت موسى وهارون النبيين، تضرب بالدف هي والنساء معها يسبحن الله ويشكرنه على ما أنعم به على بني إسرائيل، فاعتقد القرظي أن هذه هي أم عيسى. وهي هفوة وغلطة شديدة، بل هي باسم هذه، وقد كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم وصالحيهم، كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن إدريس، سمعت أبي يذكره عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران، فقالوا: أرأيت ما تقرءون: {يا أخت هارون} ، وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ألا أخبرتهم أنهم كانوا يتسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم؟ ". انفرد بإخراجه مسلم، والترمذي، والنسائي، من حديث عبد الله بن إدريس، عن أبيه، عن سماك، به ، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن إدريس. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي صدقة، عن محمد بن سيرين قال نبئت أن كعبا قال: إن قوله: {يا أخت هارون} : ليس بهارون أخي موسى. قال: فقالت له عائشة: كذبت، قال يا أم المؤمنين، إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله، فهو أعلم وأخبر، وإلا فإني أجد بينهما ستمائة سنة. قال: فسكتت وفي هذا التاريخ نظر. وقال ابن جرير أيضا: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: {يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا} قال: كانت من أهل بيت يعرفون بالصلاح، ولا يعرفون بالفساد، [ومن الناس من يعرفون بالصلاح ويتوالدون به، وآخرون يعرفون بالفساد] ويتوالدون به. وكان هارون مصلحا محببا، في عشيرته، وليس بهارون أخي موسى، ولكنه هارون آخر، قال: وذكر لنا أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفا، كلهم يسمى هارون، من بني إسرائيل. وقوله: {فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} أي: إنهم لما استرابوا في أمرها واستنكروا قضيتها ، وقالوا لها ما قالوا معرضين بقذفها ورميها بالفرية، وقد كانت يومها ذلك صائمة، صامتة فأحالت الكلام عليه، وأشارت لهم إلى خطابه وكلامه، فقالوا متهكمين بها، ظانين أنها تزدري بهم وتلعب بهم: {كيف نكلم من كان في المهد صبيا} ؟ قال ميمون بن مهران: {فأشارت [إليه] } ، قالت: كلموه. فقالوا: على ما جاءت به من الداهية تأمرنا أن نكلم من كان في المهد صبيا! وقال السدي: لما أشارت إليه غضبوا، وقالوا: لسخريتها بنا حين تأمرنا أن نكلم هذا الصبي أشد علينا من زناها.
{قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} أي: من هو موجود في مهده في حال صباه وصغره، كيف يتكلم؟ قال: {إني عبد الله} أول شيء تكلم به أن نزه جناب ربه تعالى وبرأ الله عن الولد، وأثبت لنفسه العبودية لربه. وقوله: {آتاني الكتاب وجعلني نبيا} : تبرئة لأمه مما نسبت إليه من الفاحشة. قال نوف البكالي: لما قالوا لأمه ما قالوا، كان يرتضع ثديه، فنزع الثدي من فمه، واتكأ على جنبه الأيسر، وقال: {إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا} إلى قوله: {ما دمت حيا} وقال حماد بن سلمة، عن ثابت البناني: رفع إصبعه السبابة فوق منكبه، وهو يقول: {إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا} الآية. وقال عكرمة: {آتاني الكتاب} أي: قضى أنه يؤتيني الكتاب فيما قضى. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد العزيز بن زياد، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: كان عيسى ابن مريم قد درس الإنجيل وأحكمه في بطن أمه فذلك قوله: {إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا} . يحيى بن سعيد العطار الحمصي: متروك. وقوله: {وجعلني مباركا أين ما كنت} قال مجاهد، وعمرو بن قيس، والثوري: وجعلني معلما للخير. وفي رواية عن مجاهد: نفاعا. وقال ابن جرير: حدثني سليمان بن عبد الجبار، حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس المخزومي، سمعت وهيب بن الورد مولى بني مخزوم قال: لقي عالم عالما هو فوقه في العلم، فقال له: يرحمك الله، ما الذي أعلن من عملي؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه إلى عباده، وقد أجمع الفقهاء على قول الله: {وجعلني مباركا أين ما كنت} ، وقيل: ما بركته؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أينما كان. وقوله: {وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا} كقوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} [الحجر: 99] . وقال عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك بن أنس في قوله: {وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا} قال: أخبره بما هو كائن من أمره إلى أن يموت ، ما أثبتها لأهل القدر. وقوله: {وبرا بوالدتي} أي: وأمرني ببر والدتي، ذكره بعد طاعة الله ربه؛ لأن الله تعالى كثيرا ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين، كما قال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} [الإسراء: 23] وقال {أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير} [لقمان: 14] . وقوله: {ولم يجعلني جبارا شقيا} أي: ولم يجعلني جبارا مستكبرا عن عبادته وطاعته وبر والدتي، فأشقى بذلك. قال سفيان الثوري: الجبار الشقي: الذي يقبل على الغضب. وقال بعض السلف: لا تجد أحدا عاقا لوالديه إلا وجدته جبارا شقيا، ثم قرأ: {وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا} ، قال: ولا تجد سيئ الملكة إلا وجدته مختالا فخورا، ثم قرأ: {وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا} [النساء: 36] وقال قتادة: ذكر لنا أن امرأة رأت ابن مريم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص، في آيات سلطه الله عليهن، وأذن له فيهن، فقالت: طوبى للبطن الذي حملك وللثدي الذي أرضعت به، فقال نبي الله عيسى، عليه السلام، يجيبها: طوبى لمن تلا كلام الله، فاتبع ما فيه ولم يكن جبارا شقيا. وقوله: {والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا} : إثبات منه لعبوديته لله عز وجل، وأنه مخلوق من خلق الله يحيا ويموت ويبعث كسائر الخلائق، ولكن له السلامة في هذه الأحوال التي هي أشق ما يكون على العباد، [صلوات الله وسلامه عليه] {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم } .
يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: عليه ذلك الذي قصصنا عليك من خبر عيسى، {قول الحق الذي فيه يمترون} أي: يختلف المبطلون والمحقون ممن آمن به وكفر به؛ ولهذا قرأ الأكثرون: "قول الحق" برفع قول. وقرأ عاصم، وعبد الله بن عامر: {قول الحق} . وعن ابن مسعود أنه قرأ: "ذلك عيسى ابن مريم قال الحق"، والرفع أظهر إعرابا، ويشهد له قوله تعالى: {الحق من ربك فلا تكن من الممترين} [آل عمران: 59، 60] . ولما ذكر تعالى أنه خلقه عبدا نبيا، نزه نفسه المقدسة فقال: {ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه} أي: عما يقول هؤلاء الجاهلون الظالمون المعتدون علوا كبيرا، {إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} أي: إذا أراد شيئا فإنما يأمر به، فيصير كما يشاء، كما قال تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين} [آل عمران: 59، 60] وقوله: {وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم} أي: ومما أمر عيسى به قومه وهو في مهده، أن أخبرهم إذ ذاك أن الله ربهم وربه ، وأمرهم بعبادته، فقال: {فاعبدوه هذا صراط مستقيم} أي: هذا الذي جئتكم به عن الله صراط مستقيم، أي: قويم، من اتبعه رشد وهدى، ومن خالفه ضل وغوى. وقوله: {فاختلف الأحزاب من بينهم} أي: اختلفت أقوال أهل الكتاب في عيسى بعد بيان أمره ووضوح حاله، وأنه عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فصممت طائفة -وهم جمهور اليهود، عليهم لعائن الله -على أنه ولد زنية، وقالوا: كلامه هذا سحر. وقالت طائفة أخرى: إنما تكلم الله. وقال آخرون: هو ابن الله، وقال آخرون: ثالث ثلاثة. وقال آخرون: بل هو عبد الله ورسوله. وهذا هو قول الحق، الذي أرشد الله إليه المؤمنين. وقد روي [نحو هذا] عن عمرو بن ميمون، وابن جريج، وقتادة، وغير واحد من السلف والخلف. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون} ، قال: اجتمع بنو إسرائيل فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كل قوم عالمهم، فامتروا في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء -وهم اليعقوبية. فقال الثلاثة: كذبت. ثم قال اثنان منهم للثالث: قل أنت فيه، قال: هو ابن الله -وهم النسطورية. فقال الاثنان: كذبت. ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه. قال: هو ثالث ثلاثة: الله إله، وهو إله، وأمه إله -وهم الإسرائيلية ملوك النصارى، عليهم لعائن الله. قال الرابع: كذبت، بل هو عبد الله ورسوله وروحه، وكلمته، وهم المسلمون. فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قالوا، فاقتتلوا فظهر على المسلمين، وذلك قول الله تعالى: {ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس} [آل عمران: 21] وقال قتادة: وهم الذين قال الله: {فاختلف الأحزاب من بينهم} قال: اختلفوا فيه فصاروا أحزابا
وقد روى ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، وعن عروة بن الزبير، وعن بعض أهل العلم، قريبا من ذلك. وقد ذكر غير واحد من علماء التاريخ من أهل الكتاب وغيرهم: أن قسطنطين جمعهم في محفل كبير من مجامعهم الثلاثة المشهورة عندهم، فكان جماعة الأساقفة منهم ألفين ومائة وسبعين أسقفا، فاختلفوا في عيسى ابن مريم، عليه السلام، اختلافا متباينا، فقالت كل شرذمة فيه قولا فمائة تقول فيه قولا وسبعون تقول فيه قولا آخر، وخمسون تقول فيه شيئا آخر، ومائة وستون تقول شيئا، ولم يجتمع على مقالة واحدة أكثر من ثلاثمائة وثمانية منهم، اتفقوا على قول وصمموا عليه ومال إليهم الملك، وكان فيلسوفا، فقدمهم ونصرهم وطرد من عداهم، فوضعوا له الأمانة الكبيرة، بل هي الخيانة العظيمة، ووضعوا له كتب القوانين، وشرعوا له أشياء وابتدعوا بدعا كثيرة، وحرفوا دين المسيح، وغيروه، فابتنى حينئذ لهم الكنائس الكبار في مملكته كلها: بلاد الشام، والجزيرة، والروم، فكان مبلغ الكنائس في أيامه ما يقارب اثنتي عشرة ألف كنيسة، وبنت أمه هيلانة قمامة على المكان الذي صلب فيه المصلوب الذي تزعم اليهود والنصارى أنه المسيح، وقد كذبوا، بل رفعه الله إلى السماء. وقوله: {فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم} تهديد ووعيد شديد لمن كذب على الله، وافترى، وزعم أن له ولدا. ولكن أنظرهم تعالى إلى يوم القيامة وأجلهم حلما وثقة بقدرته عليهم؛ فإنه الذي لا يعجل على من عصاه، كما جاء في الصحيحين: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} [هود: 102] وفي الصحيحين أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ويعافيهم" . وقد قال الله تعالى: {وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير} [الحج: 48] وقال تعالى: {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} [إبراهيم: 42] ولهذا قال هاهنا: {فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم} أي: يوم القيامة، وقد جاء في الحديث الصحيح المتفق على صحته، عن عبادة بن الصامت، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله [ورسوله] وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" {أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين } {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون } . يقول تعالى مخبرا عن الكفار [يوم القيامة] أنهم أسمع شيء وأبصره كما قال تعالى: {ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون} [السجدة:12] أي: يقولون ذلك حين لا ينفعهم ولا يجدي عنهم شيئا، ولو كان هذا قبل معاينة العذاب، لكان نافعا لهم ومنقذا من عذاب الله، ولهذا قال: {أسمع بهم وأبصر} أي: ما أسمعهم وأبصرهم {يوم يأتوننا} يعني: يوم القيامة {لكن الظالمون اليوم} أي: في الدنيا {في ضلال مبين} أي: لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون، فحيث يطلب منهم الهدى لا يهتدون، ويكونون مطيعين حيث لا ينفعهم ذلك. ثم قال تعالى: {وأنذرهم يوم الحسرة} أي: أنذر الخلائق يوم الحسرة، {إذ قضي الأمر} أي: فصل بين أهل الجنة وأهل النار، ودخل كل إلى ما صار إليه مخلدا فيه، {وهم} أي: اليوم {في غفلة} عما أنذروا به {وهم لا يؤمنون} أي: لا يصدقون به.
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد [الخدري] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ قال: "فيشرئبون [فينظرون] ويقولون: نعم هذا الموت". قال: "فيقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون فينظرون ويقولون: نعم، هذا الموت" قال: "فيؤمر به فيذبح" قال: "ويقال: يا أهل الجنة، خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت" قال: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة} وأشار بيده قال: "أهل الدنيا في غفلة الدنيا". هكذا رواه الإمام أحمد وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، من حديث الأعمش، به . ولفظهما قريب من ذلك. وقد روى هذا الحديث الحسن بن عرفة: حدثني أسباط بن محمد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا، مثله. وفي سنن ابن ماجه وغيره، من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بنحوه وهو في الصحيحين عن ابن عمر . ورواه ابن جريج قال: قال ابن عباس: فذكر من قبله نحوه . ورواه أيضا عن أبيه أنه سمع عبيد بن عمير يقول في قصصه: يؤتى بالموت كأنه دابة، فيذبح والناس ينظرون وقال سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، حدثنا أبو الزعراء، عن عبد الله -هو ابن مسعود-في قصة ذكرها، قال: فليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار، وهو يوم الحسرة. [فيرى أهل النار البيت الذي الذي كان قد أعده الله لهم لو آمنوا، فيقال لهم: لو آمنتم وعملتم صالحا، كان لكم هذا الذي ترونه في الجنة، فتأخذهم الحسرة] قال: ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال: لولا أن من الله عليكم ... وقال السدي، عن زياد، عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود في قوله: {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر} قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، أتي بالموت في صورة كبش أملح، حتى يوقف بين الجنة والنار، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة، هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد في أهل عليين ولا في أسفل درجة في الجنة إلا نظر إليه، ثم ينادى: يا أهل النار، هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد في ضحضاح من نار ولا في أسفل درك من جهنم، إلا نظر إليه، ثم يذبح بين الجنة والنار، ثم ينادى: يا أهل الجنة، هو الخلود أبد الآبدين، ويا أهل النار، هو الخلود أبد الآبدين، فيفرح أهل الجنة فرحة لو كان أحد ميتا من فرح ماتوا، ويشهق أهل النار شهقة لو كان أحد ميتا من شهقة ماتوا فذلك قوله: {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر} يقول: إذا ذبح الموت. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {وأنذرهم يوم الحسرة} من أسماء يوم القيامة عظمه الله وحذره عباده. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: {وأنذرهم يوم الحسرة} قال: يوم القيامة، وقرأ: {أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله} [الزمر: 56] وقوله: {إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون} يخبر تعالى أنه الخالق المالك المتصرف، وأن الخلق كلهم يهلكون ويبقى هو، تعالى وتقدس ولا أحد يدعي ملكا ولا تصرفا، بل هو الوارث لجميع خلقه، الباقي بعدهم، الحاكم فيهم، فلا تظلم نفس شيئا ولا جناح بعوضة ولا مثقال ذرة.
سوالات
- اسلام میں ایمان کے چھ ارکان کیا ہیں؟
- اسلام موت کے بعد کی زندگی کے بارے میں کیا تعلیم دیتا ہے؟
- مسلمان انبیاء کے بارے میں کیا عقیدہ رکھتے ہیں؟
- سورۂ فاتحہ کا کیا مطلب ہے؟
- قرآن صبر کے بارے میں کیا تعلیم دیتا ہے؟
- قرآن زندگی کے مقصد کے بارے میں کیا کہتا ہے؟
- اسلام تزکیۂ قلب کو کیسے بیان کرتا ہے؟
- نبی محمد صلی اللہ علیہ وسلم کون ہیں؟