Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

قسم V10/P172–V10/P173

وأما القسم الثاني : وهو جملة المسائل التي لا يتوقف العلم بصحة النبوة على العلم بصحتها فكل ذلك مما يمكن اثباته بكلام الله واخباره ومعلوم أن قيام القيامة كذلك ، فلا جرم أمكن إثباته بالقرآن وبكلام الله ، فثبت أن الاستدلال على قيام القيامة باخبار الله عنه استدلال صحيح . المسألة السادسة : قوله : { ومن أصدق من الله حديثا } استفهام على سبيل الانكار / والمقصود منه بيان أنه يجب كونه تعالى صادقا وأن الكذب والخلف في قوله محال . وأما المعتزلة فقد بنوا ذلك على أصلهم ، وهو أنه تعالى عالم بكون الكذب قبيحا ، وعالم بكونه غنيا عنه ، وكل من كان كذلك استحال أن يكذب . إنما قلنا : انه عالم بقبح الكذب ، وعالم بكونه غنيا عنه لأن الكذب قبيح لكونه كذبا ، والله تعالى غير محتاج إلى شيء أصلا ، وثبت أنه عالم بجميع المعلومات فوجب القطع بكونه عالما بهذين الأمرين ، وأما أن كل من كان كذلك استحال أن يكذب فهو ظاهر لأن الكذب جهة صرف لا جهة دعاء ، فاذا خلا عن معارض الحاجة بقي ضارا محضا فيمتنع صدور الكذب عنه ، وأما أصحابنا فدليلهم أنه لو كان كاذبا لكان كذبه قديما ، ولو كان كذبه قديما لامتنع زوال كذبه لامتناع العدم على القديم ، ولو امتنع زوال كذبه قديما لامتنع كونه صادقا ، لأن وجود أحد الضدين يمنع وجود الضد الآخر ، فلو كان كاذبا لامتنع أن يصدق لكنه غير ممتنع ، لانا نعلم بالضرورة أن كل من علم شيئا فانه لا يمتنع عليه أن يحكم عليه بحكم مطابق / للمحكوم عليه ، والعلم بهذه الصحة ضروري ، فاذا كان إمكان الصدق قائما كان امتناع الكذب حاصلا لا محالة ، فثبت أنه لا بد من القطع بكونه تعالى صادقا . المسألة السابعة : استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن كلام الله تعالى محدث ، قالوا لأنه تعالى وصفه بكونه حديثا في هذه الآية وفي قوله تعالى : { الله نزل أحسن الحديث } ( الزمر : 23 ) والحديث هو الحادث أو المحدث ، وجوابنا عنه : انكما إنما تحكمون بحدوث الكلام الذي هو الحرف والصوت ونحن لا ننازع في حدوثه ، إنما الذي ندعي قدمه شيء آخر غير هذه الحروف والأصوات ، والآية لا تدل على حدوث ذلك الشيء ألبتة بالاتفاق منا ومنكم ، فأما منا فظاهر ، وأما منكم فانكم تنكرون وجود كلام سوى هذه الحروف والأصوات ، فكيف يمكنكم أن تقولوا بدلالة هذه الآية على حدوثه والله أعلم . ! 7 < { فما لكم فى المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا } . > 7 ! < < النساء : ( 88 ) فما لكم في . . . . . > > اعلم أن هذا نوع آخر من أحوال المنافقين ذكره الله تعالى ، وههنا مسائل :

قسم V10/P173–V10/P174

المسألة الأولى : ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوها : الأول : أنها نزلت في قوم قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وآله مسلمين فأقاموا بالمدينة ما شاء الله ، ثم قالوا يا رسول الله : نريد أن نخرج إلى الصحراء فائذن لنا فيه ، فأذن لهم ، فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين فتكلم المؤمنون فيهم ، فقال بعضهم : لو كانوا مسلمين مثلنا لبقوا معنا وصبروا كما صبرنا وقال قوم : هم مسلمون ، وليس لنا أن ننسبهم إلى الكفر إلى أن يظهر أمرهم ، فبين الله تعالى نفاقهم في هذه الآية . الثاني : نزلت الآية في قوم أظهروا الاسلام بمكة ، وكانوا يعينون المشركين على المسلمين . فاختلف المسلمون فيهم وتشاجروا ، فنزلت الآية . وهو قول ابن عباس وقتادة . الثالث : نزلت الآية في الذين تخلفوا يوم أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : لو نعلم قتالا لاتبعناكم ، فاختلف أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم ، فمنهم فرقة يقولون كفروا ، وآخرون قالوا : لم يكفروا ، فنزلت هذه الآية . وهو قول زيد بن ثابت ، ومنهم من طعن في هذا الوجه وقال : في / نسق الآية ما يقدح فيه ، وإنهم من أهل مكة ، وهو قوله تعالى : { فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا فى سبيل الله } ( النساء : 89 ) الرابع : نزلت الآية في قوم ضلوا وأخذوا أموال المسلمين وانطلقوا بها إلى اليمامة فاختلف المسلمون فيهم ، فنزلت الآية : وهو قول عكرمة . الخامس : هم العرنيون الذين أغاروا وقتلوا يسارا مولى الرسول صلى الله عليه وسلم . السادس : قال ابن زيد : نزلت في أهل الافك . المسألة الثانية : في معنى الآية وجهان : الأول : أن ( فئتين ) نصب على الحال : كقولك : مالك قائما ، أي مالك في حال القيام ، وهذا قول سيبويه . الثاني : أنه نصب على خبر كان ، والتقدير : مالكم صرتم في المنافقين فئتين ، وهو استفهام على سبيل الانكار ، اي لم تختلفون في كفرهم مع أن دلائل كفرهم ونفاقهم ظاهرة جلية ، فليس لكم أن تختلفوا فيه بل يجب أن تقطعوا بكفرهم . المسألة الثالثة : قال الحسن : إنما سماهم منافقين وان أظهروا الكفر لأنهم وصفوا بالصفة التي كانوا عليها من قبل ، والمراد بقوله : { فئتين } ما بينا ان فرقة منهم كانت تميل اليهم وتذب عنهم وتواليهم ، وفرقة منهم تباينهم وتعاديهم ، فنهوا عن ذلك وأمروا بأن يكونوا على نهج واحد في التباين والتبري والتكفير ، والله أعلم . ثم قال تعالى مخبرا عن كفرهم : { والله أركسهم بما كسبوا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : الركس : رد الشيء من آخره إلى أوله ، فالركس والنكس والمركوس والمنكوس واحد ، ومنه يقال للروث الركس لأنه رد إلى حالة خسيسة ، وهي حالة النجاسة ، ويسمى رجيعا لهذا المعنى أيضا ، وفيه لغتان : ركسهم وأركسهم فارتكسوا ، أي ارتدوا . وقال أمية . فأركسوا في حميم النار إنهم كانوا عصاة وقالوا الافك والزورا المسألة الثانية : معنى الآية أنه ردهم إلى أحكام الكفار من الذل والصغار والسبي والقتل بما كسبوا ، أي بما أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على النفاق ، وذلك أن المنافق ما دام يكون متمسكا في الظاهر بالشهادتين لم يكن لنا سبيل إلى قتله ، فاذا أظهر الكفر فحينئذ يجري الله تعالى عليه أحكام الكفار . المسألة الثالثة : قرأ أبي كعب وعبدالله بن مسعود { والله أركسهم } وقد ذكرنا أن أركس وركس لغتان .

قسم V10/P174–V10/P175

ثم قال تعالى : { أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا } قالت المعتزلة / المراد من قوله : { أضل الله } ليس أنه هو خلق الضلال فيه للوجوه المشهورة ، ولأنه تعالى قال قبل هذه الآية : { والله أركسهم بما كسبوا } فبين تعالى انه إنما ردهم وطردهم بسبب كسبهم وفعلهم ، وذلك ينفي القول بان إضلالهم حصل بخلق الله وعند هذا حملوا قوله : { من أضل الله } على وجوه : الأول : المراد منه ان الله تعالى حكم بضلالهم وكفرهم كما يقال فلان يكفر فلانا ويضله : بمعنى أنه حكم به وأخبر عنه : الثاني : أن المعنى أتريدون أن تهدوا إلى الجنة من أضله الله عن طريق الجنة ، وذلك لأنه تعالى يضل الكفار يوم القيامة عن الاهتداء إلى طريق الجنة . الثالث : أن يكون هذا الاضلال مفسرا بمنع الالطاف : واعلم أنا قد ذكرنا في مواضع كثيرة من هذا الكتاب ضعف هذه الوجوه ، ثم نقول : هب أنها صحيحة ، ولكنه تعالى لما أخبر عن كفرهم وضلالهم ، وانهم لا يدخلون الجنة فقد توجه الاشكال لأن انقلاب علم الله تعالى جهلا محال ، والمفضي إلى المحال محال ، ومما يدل على أن المراد من الآية أن الله تعالى أضلهم عن الدين قوله : { ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا } فالمؤمنون في الدنيا انما كانوا يريدون من المنافقين الايمان ويحتالون في إدخالهم فيه . ثم قال تعالى : { ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا } فوجب أن يكون معناه أنه تعالى لما أضلهم عن الايمان امتنع أن يجد المخلوق سبيلا إلى ادخاله في الايمان ، وهذا ظاهر . ! 7 < { ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء فلا تتخذوا منهم أوليآء حتى يهاجروا فى سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا } . > 7 ! < < النساء : ( 89 ) ودوا لو تكفرون . . . . . > > وفيه مسألتان : المسألة الأولى : انه تعالى لما قال قبل هذه الآية : { أتريدون أن تهدوا من أضل الله } ( النساء : 88 ) وكان ذلك استفهاما على سبيل الانكار قرر ذلك الاستبعاد بأن قال : انهم بلغوا في الكفر إلى أنهم يتمنون أن تصيروا أيها المسلمون كفارا ، فلما بلغوا في تعصبهم في الكفر إلى هذا الحد فكيف تطمعون في ايمانهم . المسألة الثانية : قوله : { فتكونون سواء } رفع بالنسق على { تكفرون } والمعنى : ودوا لو / تكونون ، والفاء عاطفة ولا يجوز أن يجعل ذلك جواب التمني ، ولو أراد ذلك على تأويل إذا كفروا استووا لكان نصبا ، ومثله قوله : { ودوا لو تدهن فيدهنون } ( القلم : 9 ) ولو قيل : { فيدهنوا } على الجواب لكان ذلك جائزا في الاعراب ، ومثله : { وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم } ( النساء : 102 ) ومعنى قوله : { فتكونون سواء } أي في الكفر ، والمراد فتكونون أنتم وهم سواء الا أنه اكتفى بذكر المخاطبين عن ذكر غيرهم لوضوح المعنى بسبب تقدم ذكرهم ، واعلم أنه تعالى لما شرح للمؤمنين كفرهم وشدة غلوهم في ذلك الكفر ، فبعد ذلك شرح للمؤمنين كيفية المخالطة معهم فقال : { فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا فى سبيل الله } وفيه مسائل :

قسم V10/P175–V10/P177

المسألة الأولى : دلت الآية على أنه لا يجوز موالاة المشركين والمنافقين والمشتهرين بالزندقة والالحاد ، وهذا متأكد بعموم قوله تعالى : { الحكيم ياأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء } والسبب فيه أن أعز الاشياء وأعظمها عند جميع الخلق هو الدين ، لأن ذلك هو الامر الذي به يتقرب إلى الله تعالى ، ويتوسل به إلى طلب السعادة في الآخرة ، وإذا كان كذلك كانت العداوة الحاصلة بسببه أعظم أنواع العداوة ، وإذا كان كذلك امتنع طلب المحبة والولاية في الموضع الذي يكون أعظم موجبات العداوة حاصلا فيه والله أعلم . المسألة الثانية : قوله : { فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا } قال أبو بكر الرازي : التقدير حتى يسلموا ويهاجروا ، لأن الهجرة في سبيل الله لا تكون إلا بعد الاسلام ، فقد دلت الآية على إيجاب الهجرة بعد الاسلام ، وانهم وإن أسلموا لم يكن بيننا وبينهم موالاة إلا بعد الهجرة ، ونظيره قوله : { مالكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا } . واعلم أن هذا التكليف إنما كان لازما حال ما كانت الهجرة مفروضة قال صلى الله عليه وسلم : ( أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين وأنا بريء من كل مسلم مع مشرك ) فكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة ، ثم نسخ فرض الهجرة . عن طاوس عن ابن عباس قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ( لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ) وروي عن الحسن أن حكم الآية ثابت في كل من أقام في دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الاسلام قائما . المسألة الثالثة : اعلم أن الهجرة تارة تحصل بالانتقال من دار الكفر إلى دار الايمان ، وأخرى تحصل بالانتقال عن أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين / قال صلى الله عليه وسلم : ( المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ) وقال المحققون : الهجرة في سبيل الله عبارة عن الهجرة عن ترك مأموراته / وفعل منهياته ، ولما كان كل هذه الأمور معتبرا لا جرم ذكر الله تعالى لفظا عاما يتناول الكل فقال : { حتى يهاجروا فى سبيل الله } فانه تعالى لم يقل : حتى يهاجروا عن الكفر ، بل قال : { حتى يهاجروا فى سبيل الله } وذلك يدخل فيه مهاجرة دار الكفر ومهاجرة شعار الكفر ، ثم لم يقتصر تعالى على ذكر الهجرة ، بل قيده بكونه في سبيل الله ، فانه ربما كانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الاسلام ، ومن شعار الكفر إلى شعار الاسلام لغرض من أغراض الدنيا ، إنما المعتبر وقوع تلك الهجرة لأجل أمر الله تعالى . ثم قال تعالى : { فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا } . والمعنى فان أعرضوا عن الهجرة ولزموا مواضعهم خارجا عن المدينة فخذوهم اذا قدرتم عليهم ، واقتلوهم أينما وجدتموهم في الحل والحرم ، ولا تتخذوا منهم في هذه الحالة وليا يتولى شيئا من مهماتكم ولا نصيرا ينصركم على أعدائكم . واعلم أنه تعالى لما أمر بقتل هؤلاء الكفار استثنى منه موضعين . ! 7 < { إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جآءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلونكم أو يقاتلوا قومهم ولو شآء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا } . > 7 < النساء : ( 90 ) إلا الذين يصلون . . . . . > > وفيه مسائل :

قسم V10/P177

المسألة الأولى : في قوله : { يصلون } قولان : الأول : ينتهون اليهم ويتصلون بهم ، والمعنى أن كل من دخل في عهد من كان داخلا في عهدكم فهم أيضا داخلون في عهدكم . قال القفال رحمه الله : وقد يدخل في الآية أن يقصد قوم حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم فيتعذر عليهم ذلك المطلوب فيلجأوا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد إلى أن يجدوا السبيل اليه . القول الثاني : أن قوله : { يصلون } معناه ينتسبون ، وهذا ضعيف لأن أهل مكة أكثرهم كانوا متصلين بالرسول من جهة النسب مع أنه صلى الله عليه وسلم كان قد أباح دم الكفار منهم . المسألة الثانية : اختلفوا في أن القوم الذين كان بينهم وبين المسلمين عهد من هم ؟ قال بعضهم هم الأسلميون فانه كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد ، فانه عليه الصلاة والسلام وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعصيه ولا يعين عليه ، وعلى أن كل من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل ما لهلال . وقال ابن عباس : هم بنو بكر بن زيد / مناة ، وقال مقاتل : هم خزاعة وخزيمة بن عبد مناة . واعلم أن ذلك يتضمن بشارة عظيمة لأهل الايمان ، لأنه تعالى لما رفع السيف عمن التجأ إلى من التجأ إلى المسلمين ، فبأن يرفع العذاب في الآخرة عمن التجأ إلى محبة الله ومحبة رسوله كان أولى والله أعلم . الموضع الثاني في الاستثناء : قوله تعالى : { أو حصرت صدورهم أن يقاتلونكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله تعالى : { أو } يحتمل أن يكون عطفا على صلة { يتذكرون الذين } والتقدير : إلا الذين يصلون بالمعاهدين أو الذين حصرت صدورهم فلا يقاتلونكم ، ويحتمل أن يكون عطفا على صفة ( قوم ) والتقدير : إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم عهد ، أو يصلون إلى قوم حصرت صدورهم فلا يقاتلونكم ، والاول أولى لوجهين : أحدهما : قوله تعالى : { فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم } ( النساء : 89 ) وهذا يدل على ان السبب الموجب لترك التعرض لهم هو تركهم للقتال ، وهذا انما يتمشى على الاحتمال الاول ، وأما على الاحتمال الثاني فالسبب الموجب لترك التعرض لهم هو الاتصال بمن ترك القتال . الثاني : أن جعل ترك القتال موجبا لترك التعرض أولى من جعل الاتصال بمن ترك القتال سببا قريبا لترك التعرض ، لان على التقدير الاول يكون ترك القتال سببا قريبا لترك التعرض ، وعلى السبب الثاني يصير سببا بعيدا .

قسم V10/P177–V10/P178

المسألة الثانية : قوله : { حصرت صدورهم } معناه ضاقت صدورهم عن المقاتلة فلا يريدون قتالكم لانكم مسلمون ، ولا يريدون قتالهم لانهم أقاربهم . واختلفوا في موضع قوله : { حصرت صدورهم } وذكروا وجوها : الأول : أنه في موضع الحال باضمار ( قد ) وذلك لان ( قد ) تقرب / الماضي من الحال ، ألا تراهم يقولون : قد قامت الصلاة ، ويقال أتاني فلان ذهب عقله ، أي أتاني فلان قد ذهب عقله : وتقدير الآية ، أو جاؤكم حال ما قد حصرت صدورهم . الثاني : أنه خبر بعد خبر ، كأنه قال : أو جاؤكم ثم أخبر بعده فقال : { حصرت صدورهم } وعلى هذا التقدير يكون قوله : { حصرت صدورهم } بدلا من { جاؤكم } الثالث : أن يكون التقدير : جاؤكم قوما حصرت صدورهم أو جاؤكم رجالا حصرت صدورهم ، فعلى هذا التقدير قوله : { جاءوكم حصرت صدورهم } نصب لأنه صفة لموصوف منصوب على الحال ، الا انه حذف الموصوف المنتصب على الحال . وأقيمت صفته مقامه ، وقوله : { ءان يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم } معناه ضاقت قلوبهم عن قتالكم وعن قتال قومهم فهم لا عليكم ولا لكم . المسألة الثالثة : اختلفوا في أن الذين استثناهم الله تعالى أهم من الكفار أو من المؤمنين ؟ فقال الجمهور : هم من الكفار ، والمعنى أنه تعالى أوجب قتل الكافر الا إذا كان معاهدا أو تاركا للقتال فانه لا يجوز قتلهم ، وعلى هذا التقدير فالقول بالنسخ لازم لأن الكافر وان ترك القتال فانه يجوز قتله ، وقال أبو مسلم الاصفهاني : انه تعالى لما أوجب الهجرة على كل من أسلم استثنى من له عذر فقال : { إلا الذين يصلون } وهم قوم من المؤمنين قصدوا الرسول للهجرة والنصرة ، الا أنهم كان في طريقهم من الكفار ما لم يجدوا طريقا اليه خوفا من أولئك الكفار ، فصاروا إلى قوم بين المسلمين وبينهم عهد وأقاموا عندهم إلى أن يمكنهم الخلاص ، واستثنى بعد ذلك من صار إلى الرسول ولا يقاتل الرسول ولا أصحابه ، لأنه يخاف الله تعالى فيه ، ولا يقاتل الكفار أيضا لأنهم أقاربه ، أو لانه أبقى أولاده وأزواجه بينهم ، فيخاف لو قاتلهم أن يقتلوا أولاده وأصحابه ، فهذان الفريقان من المسلمين لا يحل قتالهم وان كان لم يوجد منهم الهجرة ولا مقاتلة الكفار . المسألة الرابعة : قوله تعالى : { ولو شاء الله لسلطهم عليكم } التسليط في اللغة مأخوذ من السلاطة وهي الحدة ، والمقصود منه أن الله تعالى من على المسلمين بكف بأس المعاهدين ، والمعنى : أن ضيق صدورهم عن قتالكم إنما هو لأن الله قذف الرعب في قلوبهم ، ولو أنه تعالى قوى قلوبهم على قتال المسلمين لتسلطوا عليهم . قال أصحابنا : وهذا يدل على أنه لا يقبح من الله تعالى تسليط الكافر على المؤمن وتقويته عليه ، وأما المعتزلة فقد أجابوا عنه من وجهين : الأول : قال الجبائي قد بينا أن القوم الذين استثناهم الله تعالى قوم مؤمنون لا كافرون ، وعلى هذا فمعنى الآية : ولو شاء الله لسلطهم عليكم بتقوية قلوبهم ليدفعوا عن أنفسهم أن أقدمتم على مقاتلتهم على سبيل الظلم . والثاني : قال الكلبي : انه تعالى أخبر أنه لو شاء لفعل ، وهذا لا يفيد إلا أنه تعالى قادر على / الظلم ، وهذا مذهبنا إلا أنا نقول : إنه تعالى لا يفعل الظلم ، وليس في الآية دلالة على أنه شاء ذلك وأراده . المسألة الخامسة : اللام في قوله : { فلقاتلوكم } جواب ( للو ) على التكرير أو البدل ، على تأويل ولو شاء الله لسلطهم عليكم ولو شاء الله لقاتلوكم . قال صاحب ( الكشاف ) : وقرىء { فلقاتلوكم } بالتخفيف والتشديد .

قسم V10/P178–V10/P179

ثم قال : { فإن اعتزلوكم } أي فان لم يتعرضوا لكم وألقوا اليكم السلم ، أي الانقياد والاستسلام ، وقرىء بسكون اللام مع فتح السين { فما جعل الله لكم عليهم سبيلا } فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم . واختلف المفسرون فقال بعضهم : الآية منسوخة بآية السيف ، وهي قوله : { اقتلوا المشركين } ( التوبة : 5 ) وقال قوم : انها غير منسوخة ، أما الذين حملوا الاستثناء على المسلمين فذلك ظاهر على قولهم / وأما الذين حملوا الاستثناء على الكافرين فقال الأصم : إذا حملنا الآية على المعاهد فكيف يمكن أن يقال انها منسوخة . ! 7 < { ستجدون ءاخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولائكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا } . > 7 ! < < النساء : ( 91 ) ستجدون آخرين يريدون . . . . . > > قال المفسرون : هم قوم من أسد وغطفان ، كانوا اذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ، وغرضهم أن يأمنوا المسلمين ، فاذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم { كلما ردوا إلى الفتنة } كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين { أركسوا فيها } أي ردوا مغلوبين منكوسين فيها ، وهذا استعارة لشدة إصرارهم على الكفر وعداوة المسلمين لأن من وقع في شيء منكوسا يتعذر خروجه منه . ثم قال تعالى : { فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث } . والمعنى : فان لم يعتزلوا قتالكم ولم يطلبوا الصلح منكم ولم يكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم . قال الأكثرون : وهذا يدل على أنهم اذا اعتزلوا قتالنا وطلبوا الصلح منا وكفوا أيديهم عن إيذائنا لم يجز لنا قتالهم ولا قتلهم ، ونظيره قوله تعالى : { رحيم لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم } ( الممتحنة : 8 ) وقوله : { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } ( البقرة : 190 ) فخص الأمر بالقتال لمن يقاتلنا دون من لم يقاتلنا . واعلم أن هذا الكلام مبني على أن المعلق بكلمة ( إن ) على الشرط عدم عند عدم الشرط ، وقد شرحنا الحال فيه في قوله تعالى : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } ( النساء : 31 ) . ثم قال : { وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا } . وفي السلطان المبين وجهان : الأول : أنه ظهر على جواز قتل هؤلاء حجة واضحة ظاهرة ، وهي ظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر ، وإضرارهم بأهل الاسلام . الثاني : أن السلطان المبين هو إذن الله تعالى للمسلمين في قتل هؤلاء الكفار . ! 7 < { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلىأهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما } . > 7 ! < < النساء : ( 92 ) وما كان لمؤمن . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما رغب في مقاتلة الكفار ، وحرض عليها ذكر بعد ذلك بعض ما يتعلق بهذه المحاربة ، فمنها أنه تعالى لما أذن في قتل الكفار فلا شك أنه قد يتفق أن يرى الرجل رجلا يظنه كافرا حربيا / فيقتله ، ثم يتبين انه كان مسلما ، فذكر الله تعالى حكم هذه الواقعة في هذه الآية وههنا مسائل :

قسم V10/P179–V10/P180

المسألة الأولى : ذكروا في سبب النزول وجوها : الأول : روى عروة بن الزبير أن حذيفة بن اليمان كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد فأخطأ المسلمون وظنوا أن أباه اليمان واحد من الكفار ، فأخذوه وضربوه بأسيافهم وحذيفة يقول : انه أبي فلم يفهموا قوله إلا بعد أن قتلوه ، فقال حذيفة : يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ، فلما سمع الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك ازداد وقع حذيفة عنده ، فنزلت هذه الآية : الرواية الثانية : أن الآية نزلت في أبي الدرداء ، وذلك لأنه كان في سرية فعدل إلى شعب لحاجة له فوجد رجلا في غنم له فحمل عليه بالسيف ، فقال الرجل : لا إله إلا الله ، فقتله وساق غنمه ثم وجد في نفسه شيئا ، فذكر الواقعة للرسول صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام : ( هلا شققت عن قلبه ) وندم أبو الدرداء فنزلت الآية . الرواية الثالثة : روي أن عياش بن أبي ربيعة ، وكان أخا لأبي جهل من أمه ، أسلم وهاجر خوفا من قومه إلى المدينة ، وذلك قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فأقسمت أمه لا تأكل ولا تشرب ولا تجلس تحت سقف حتى يرجع ، فخرج أبو جهل ومعه الحرث بن زيد بن أبي أنيسة فأتياه وطولا في الأحاديث ، فقال أبو جهل : أليس أن محمدا يأمرك ببر الأم فانصرف وأحسن إلى أمك وأنت على دينك فرجع ، فلما دنوا من مكة قيدوا يديه ورجليه ، وجلده أبو جهل مائة جلدة ، وجلده الحرث مائة أخرى ، فقال للحرث : هذا أخي فمن أنت يا حرث ، لله علي إن وجدتك خالي أن أقتلك . وروي أن الحرث قال لعياش حين رجع : ان كان دينك الأول هدى فقد تركته وان كان ضلالا فقد دخلت الآن فيه ، فشق ذلك على عياش وحلف أن يقتله ، فلما دخل على أمه حلفت أمه لا يزول عنه القيد حتى يرجع إلى دينه الأول ففعل ، ثم هاجر بعد ذلك وأسلم الحرث أيضا وهاجر ، فلقيه عياش خاليا ولم يشعر باسلامه فقتله ، فلما أخبر بأنه كان مسلما ندم على فعله وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : قتلته ولم أشعر باسلامه ، فنزلت هذه الآية . المسألة الثانية : قوله تعالى : { الجحيم وما كان } فيه وجهان : الأول : أي وما كان فيما أتاه من ربه وعهد إليه . الثاني : ما كان له في شيء من الأزمنة ذلك ، والغرض منه بيان أن حرمة القتل كانت ثابتة من أول زمان التكليف .

قسم V10/P180–V10/P181

المسألة الثالثة : قوله : { إلا } فيه قولان : الأول : أنه استثناء متصل ، والذاهبون إلى هذا القول ذكروا وجوها : الأول : ان هذا الاستثناء ورد على طريق المعنى ، لأن قوله : { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا } معناه أنه يؤاخذ الانسان على القتل إلا اذا كان القتل قتل خطأ فانه لا يؤاخذ به . الثاني : أن الاستثناء صحيح أيضا على ظاهر اللفظ ، والمعنى أنه ليس لمؤمن أن يقتل مؤمنا ألبتة إلا عند الخطأ . وهو ما إذا رأى عليه شعار الكفار ، أو وجده في عسكرهم فظنه مشركا ، فههنا يجوز قتله ، ولا شك أن هذا خطأ ، فانه ظن أنه كافر مع أنه ما كان كافرا . الثالث : أن في الكلام تقديما وتأخيرا ، والتقدير : وما كان مؤمن ليقتل مؤمنا إلا خطأ ، ومثله قوله تعالى : { يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد } ( مريم : 35 ) تأويله : ما كان الله ليتخذ من ولد ، لأنه تعالى لا يحرم عليه شيء ، إنما ينفي عنه ما لا يليق به ، وأيضا قال تعالى : { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها } ( النمل : 60 ) معناه ما كنتم لتنبتوا ، لأنه تعالى لم يحرم عليهم أن ينبتوا الشجر ، إنما نفى عنهم أن يمكنهم إنباتها ، فانه تعالى هو القادر على إنبات الشجر . الرابع : أن وجه الاشكال في حمل هذا الاستثناء على الاستثناء المتصل ، وهو أن يقال : الاستثناء من النفي إثبات ، وهذا يقتضي الاطلاق في قتل المؤمن في بعض الأحوال ، وذلك محال ، إلا أن هذا الاشكال إنما يلزم اذا سلمنا أن الاستثناء من النفي إثبات ، وذلك مختلف فيه بين الأصوليين ، والصحيح أنه لا يقتضيه لأن الاستثناء يقتضي صرف الحكم عن المستثنى لا صرف المحكوم به عنه ، واذا كان تأثير الاستثناء في صرف الحكم فقط بقي المستثنى غير محكوم عليه لا بالنفي ولا بالاثبات ، وحينئذ يندفع الاشكال . ومما يدل على أن الاستثناء من النفي ليس باثبات قوله عليه الصلاة والسلام : ( لا صلاة الا بطهور ولا نكاح الا بولي ) ويقال : لا ملك الا بالرجال ولا رجال الا بالمال ، والاستثناء في جملة هذه الصور لا يفيد أن يكون الحكم المستثنى من النفي إثباتا والله أعلم . الخامس : قال أبو هاشم وهو أحد رؤساء المعتزلة : تقدير الآية : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا فيبقى مؤمنا ، الا أن يقتله خطأ فيبقى حينئذ مؤمنا ، قال : والمراد أن قتل المؤمن للمؤمن يخرجه عن كونه مؤمنا ، الا أن يكون خطأ فانه لا يخرجه عن كونه مؤمنا . واعلم أن هذا الكلام بناء على أن الفاسق ليس بمؤمن ، وهو أصل باطل ، والله أعلم . القول الثاني : أن هذا الاستثناء منقطع بمعنى لكن ، ونظيره في القرآن كثير . قال تعالى : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة } ( النساء : 29 ) وقال : { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم } ( النجم : 53 ) وقال : { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما } والله أعلم . المسألة الرابعة : في انتصاب قوله : { خطأ } وجوه : الأول : أنه مفعوله له ، والتقدير ما ينبغي أن يقتله لعلة من العلل ، إلا لكونه خطأ . الثاني : أنه حال ، والتقدير : لا يقتله ألبتة إلا حال كونه خطأ . الثالث : أنه صفة للمصدر . والتقدير : إلا قتلا خطأ . / قوله تعالى : { ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا } . وفي الآية مسائل :

قسم V10/P181–V10/P182

المسألة الأولى : قال الشافعي رحمه الله : القتل على ثلاثة أقسام : عمد ، وخطأ ، وشبه عمد . أما العمد : فهو أن يقصد قتله بالسبب الذي يعلم إفضاءه إلى الموت سواء كان ذلك جارحا أو لم يكن ، وهذا قول الشافعي . وأما الخطأ فضربان : أحدهما : أن يقصد رمي المشرك أو الطائر فأصاب مسلما . والثاني : أن يظنه مشركا بأن كان عليه شعار الكفار ، والأول خطأ في الفعل ، والثاني خطأ في القصد . أما شبه العمد : فهو أن يضربه بعصا خفيفة لا تقتل غالبا فيموت منه . قال الشافعي رحمه الله : هذا خطأ في القتل وإن كان عمدا في الضرب . المسألة الثانية : قال أبو حنيفة : القتل بالمثقل ليس بعمد محض ، بل هو خطأ وشبه عمد ، فيكون داخلا تحت هذه الآية فتجب فيه الدية والكفارة ، ولا يجب فيه القصاص . وقال الشافعي رحمه الله : إنه عمد محض يجب فيه القصاص . أما بيان أنه قتل فيدل عليه القرآن والخبر ، أما القرآن فهو أنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه وكز القبطي فقضى عليه ، ثم إن ذلك الوكز يسمى بالقتل ، بدليل أنه حكى أن القبطي قال في اليوم الثاني : { أتريد أن تقتلنى كما قتلت نفسا بالامس } ( القصص : 19 ) وكان الصادر عن موسى عليه السلام بالأمس ليس إلا الوكز ، فثبت أن القبطي سماه قتلا ، وأيضا ان موسى صلوات الله عليه سماه قتلا حيث قال : { ربى إنى قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون } ( القصص : 33 ) وأجمع المفسرون على أن المراد منه قتل ذلك القبطي بذلك الوكز ، وأيضا ان الله تعالى سماه قتلا حيث قال : { وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا } ( طه : 40 ) فثبت أن الوكز قتل بقول القبطي وبقول موسى وبقول الله تعالى ، وأما الخبر فقوله صلى الله عليه وسلم : ( ألا إن قتيل الخطأ العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الابل ) فسماه قتلا ، فثبت بهذين الدليلين أنه حصل القتل ، وأما أنه عمد فالشاك فيه داخل في السفسطة فان من ضرب رأس إنسان بحجر الرحا ، أو صلبه أو غرقه ، أو خنقه ثم قال : ما قصدت به قتله كان ذلك إما كاذبا أو مجنونا ، وأما أنه عدوان فلا ينازع فيه مسلم ، فثبت أنه قتل عمد عدوان ، فوجب أن يجب القصاص بالنص والمعقول . أما النص : فهو جميع الآيات الدالة على وجوب القصاص ، كقوله : { كتب عليكم القصاص في القتلى } ( البقرة : 178 ) { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } ( المائدة : 45 ) { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا } ( الإسراء : 33 ) { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } ( البقرة : 194 ) .

قسم V10/P182–V10/P183

وأما المعقول : فهو أن المقصود من شرع القصاص صيانة النفوس والأرواح عن الاهدار . قال تعالى : { ولكم في القصاص حيواة } ( البقرة : 179 ) وإذا كان المقصود من شرع القصاص صيانة النفوس والأرواح عن الاهدار ، والاهدار من المثقل كهو في المحدد كانت الحاجة إلى شرع الزاجر في إحدى الصورتين كالحاجة إليه في الصورة الأخرى ، ولا تفاوت بين الصورتين في نفس الاهدار ، إنما التفاوت حاصل في آلة الاهدار ، والعلم الضروري حاصل بأن ذلك غير معتبر ، والكلام في الفقهيات إذا وصل إلى هذا الحد فقد بلغ الغاية القصوى في التحقيق لمن ترك التقليد ، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم : ( ألا إن قتيل الخطأ العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الابل ) وهو عام سواء كان السوط والعصا صغيرا أو كبيرا . والجواب : أن قوله : ( قتيل الخطأ ) يدل على أنه لا بد وأن يكون معنى الخطأ حاصلا فيه ، وقد بينا أن من خنق إنسانا أو ضرب رأسه بحجر الرحا ، ثم قال : ما كنت أقصد قتله ، فان كل عاقل ببديهة عقله يعلم أنه كاذب في هذا المقال ، فوجب حمل هذا الضرب على الضرب بالعصا الصغيرة حتى يبقى معنى الخطأ فيه . والله أعلم . المسألة الثالثة : قال أبو حنيفة : القتل العمد لا يوجب الكفارة ، وقال الشافعي : يوجب . احتج أبو حنيفة بهذه الآية ، فقال قوله : { ومن قتل مؤمنا } شرط لوجوب الكفارة وعند انتفاء الشرط لا يحصل المشروط ، فيقال له : إنه تعالى قال : { حكيما ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم } ( النساء : 25 ) فقوله : { ومن لم يستطع } ما كان شرطا لجواز نكاح الأمة على قولكم ، فكذلك ههنا . ثم نقول : الذي يدل على وجوب الكفارة في القتل العمد الخبر والقياس . أما الخبر فهو ما روى واثلة بن الأسقع قال : أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا أوجب النار بالقتل ، فقال : اعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار . وأما القياس : فهو أن الغرض من إعتاق العبد هو أن يعتقه الله من النار ، والحاجة إلى هذا المعنى في القتل العمد أتم ، فكانت الحاجة فيه إلى ايجاب الكفارة أتم والله أعلم . وذكر الشافعي رضي الله عنه حجة أخرى من قياس الشبه فقال : لما وجبت الكفارة في قتل الصيد في الاحرام سوينا بين العامد وبين الخاطىء إلا في الاثم ، فكذا في قتل المؤمن ، ولهذا الكلام تأكيد آخر وهو أن يقال : نص الله تعالى هناك في العامد ، وأوجبنا على الخاطىء . فههنا نص على الخاطىء ، فبأن نوجبه على العامد مع أن احتياج العامد إلى الاعتاق المخلص له عن النار / أشد كان ذلك أولى . المسألة الرابعة : قال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي : لا تجزى الرقبة إلا إذا صام وصلى ، وقال الشافعي ومالك والأوزاعي وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنهم : يجزى الصبي إذا كان أحد أبويه مسلما . حجة ابن عباس هذه الآية ، فانه تعالى أوجب تحرير الرقبة المؤمنة ، والمؤمن من يكون موصوفا بالايمان ، والايمان إما التصديق وإما العمل وإما المجموع ، وعلى التقديرات فالكل فائت عن الصبي فلم يكن مؤمنا ، فوجب أن لا يجزى . حجة الفقهاء أن قوله : { ومن قتل مؤمنا } يدخل فيه الصغير ، فكذا قوله : { خطئا فتحرير رقبة مؤمنة } فوجب أن يدخل فيه الصغير . المسألة الخامسة : قال الشافعي رحمه الله : الدية في العمد المحض وفي شبه العمد مغلظة مثلثة ثلاثون حقة ، وثلاثون جذعة ، وأربعون خلفة في بطونها أولادها .

قسم V10/P183

وأما في الخطأ المحض فمخففة : عشرون بنات مخاض ، وعشرون بنات لبون ، وعشرون بنو لبون ، وعشرون حقة ، وعشرون جذعة . وأما أبو حنيفة فهو أيضا هكذا يقول في الكل إلا في شيء واحد فانه أوجب بني مخاض بدلا عن بنات لبون . حجة الشافعي رحمه الله أنه تعالى أوجب الدية في القرآن ولم يبين كيفية الدية فرجعنا في معرفة الكيفية إلى السنة والقياس ، فلم نجد في السنة ما يدل عليه . وأما القياس فانه لا مجال للمناسبات والتعليلات المعقولة في تعيين الأسباب وتعيين الأعداد ، فلم يبق ههنا مطمع إلا في قياس الشبه ، ونرى أن الدية وجبت بسبب أقوى من السبب الموجب للزكاة ، ثم إنا رأينا أن الشرع لم يجعل لبني مخاض دخلا في باب الزكاة ، فوجب أن لا يكون لها دخل في باب الدية أيضا . وحجة أبي حنيفة أن البراءة كانت ثابتة ، والأصل في الثابت البقاء ، فكانت البراءة الأصلية باقية ، ولا يعدل عن هذا الدليل إلا لدليل أقوى منه فنقول : الأول هو المتفق عليه فاعترفنا بوجوبه : وأما الزائد عليه فوجب أن يبقى على النفي الأصلي . والجواب : أن الذمة مشغولة بوجوب الدية ، والأصل في الثابت البقاء ، وقد رأينا حصول الاتفاق على السقوط بأداء أكثر ما قيل فيه ، فوجب أن لا يحصل ذلك السقوط عند أداء أقل ما فيه ، والله أعلم . المسألة السادسة : قال الشافعي رحمه الله : إذا لم توجد الابل ، فالواجب إما ألف دينار ، أو اثنا عشر ألف درهم . وقال أبو حنيفة : بل الواجب عشرة آلاف درهم . حجة الشافعي : ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده . قال : كانت قيمة الدية في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم / ثمانمائة دينار . وثمانية آلاف درهم ، فلما استخلف عمر رضي الله عنه قام خطيبا . وقال : إن الابل قد غلت أثمانها ، ثم إن عمر فرضها على أهل الذهب ألف دينار / وعلى أهل الورق أثنى عشر ألفا ، وجه الاستدلال أن عمر ذكر ذلك في مجمع الصحابة وما أنكر عليه أحد فكان إجماعا . حجة أبي حنيفة : أن الأخذ بالأقل أولى ، وقد سبق جوابه .

قسم V10/P183–V10/P184

المسألة السابعة : قال أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج : الدية واجبة على القاتل ، قالوا : ويدل عليه وجوه : الأول : أن قوله : { فتحرير رقبة مؤمنة } لا شك أنه إيجاب لهذا التحرير ، والايجاب لا بد فيه من شخص يجب عليه ذلك الفعل ، والمذكور قبل هذه الآية هو القاتل ، وهو قوله : { ومن قتل مؤمنا } فهذا الترتيب يوجب القطع بأن هذا التحرير إنما أوجبه الله تعالى عليه لا على غيره ، والثاني : أن هذه الجناية صدرت منه ، والمعقول هو أن الضمان لا يجب إلا على المتلف ، أقصى ما في الباب أن هذا الفعل صدر عنه على سبيل الخطأ . ولكن الفعل الخطأ قائم في قيم المتلفات وأروش الجنايات ، مع أن تلك الضمانات لا تجب إلى على المتلف ، فكذا ههنا . الثالث : أنه تعالى أوجب في هذه الآية شيئين : تحرير الرقبة المؤمنة ، وتسليم الدية الكاملة ، ثم انعقد الاجماع على أن التحرير واجب على الجاني ، فكذا الدية يجب أن تكون واجبة على القاتل ، ضرورة أن اللفظ واحد في الموضعين . الرابع : أن العاقلة لم يصدر عنهم جناية ولا ما يشبه الجناية ، فوجب أن لا يلزمهم شيء للقرآن والخبر ، أما القرآن فقوله تعالى : { لا تزر وازرة وزر أخرى } ( الأنعام : 164 ) وقال تعالى : { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } ( الأنعام : 29 ) وقال : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } ( البقرة : 286 ) وأما الخبر فما روي أن أبا رمثة دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ابنه فقال عليه الصلاة والسلام : من هذا فقال ابني ، قال انه لا يجني عليك ولا تجني عليه ، ومعلوم أنه ليس المقصود منه الاخبار عن نفس الجناية إنما المقصود بيان أن أثر جنايتك لا يتعدى إلى ولدك وبالعكس ، وكل ذلك يدل على أن إيجاب الدية على الجاني أولى من إيجابها عل الغير . الخامس : أن النصوص تدل على أن مال الانسان معصوم وأنه لا سبيل لأحد أن يأخذه منه . قال تعالى : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة } ( النساء : 29 ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( كل امرىء أحق بكسبه ) وقال : ( حرمة مال المسلم كحرمة دمه ) وقال : ( لا يحل مال المسلم إلا بطيبة من نفسه ) تركنا العمل بهذه العمومات في الأشياء التي عرفنا بنص القرآن كونها موجبة لجواز الأخذ كما قلنا في الزكوات ، وكما قلنا في أخذ الضمانات . وأما في إيجاب الدية على العاقلة فالمعتمد فيه على خبر الواحد ، وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لا يجوز ، لأن القرآن معلوم ، وخبر الواحد مظنون ، وتقديم المظنون على المعلوم غير جائز ، ولأن هذا خبر واحد ورد / فيما تعم به البلوى فيرد ، ولأنه خبر واحد ورد على مخالفة جميع أصول الشرائع ، فوجب رده ، وأما الفقهاء فقد تمسكوا فيه بالخبر والأثر والآية : أما الخبر : فما روى المغيرة أن امرأة ضربت بطن امرأة أخرى فألقت جنينا ميتا ، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاقلة الضاربة بالغرة ، فقام حمل بن مالك فقال : كيف ندى من لا شرب ولا أكل ، ولا صاح ولا استهل ، ومثل ذلك بطل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هذا من سجع الجاهلية ، وأما الأثر : فهو أن عمر رضي الله عنه قضى على علي بأن يعقل عن مولى صفية بنت عبد المطلب حين جنى مولاها ، وعلي كان ابن أخي صفية ، وقضى للزبير بميراثها ، فهذا يدل على أن الدية إنما تجب على العاقلة والله أعلم .

قسم V10/P184–V10/P185

المسألة الثامنة : مذهب أكثر الفقهاء أن دية المرأة نصف دية الرجل . وقال الأصم وابن عطية : ديتها مثل دية الرجل . حجة الفقهاء أن عليا وعمر وابن مسعود قضوا بذلك ، ولأن المرأة في الميراث والشهادة على النصف من الرجل ، فكذلك في الدية . وحجة الأصم قوله تعالى : { ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله } وأجمعوا على أن هذه الآية دخل فيها حكم الرجل والمرأة ، فوجب أن يكون الحكم فيها ثابتا بالسوية والله أعلم . المسألة التاسعة : انفقوا على أن دية الخطأ مخففة في ثلاث سنين : الثلث في السنة ، والثلثان في السنتين ، والكل في ثلاث سنين . استفاض ذلك عن عمر ولم يخالفه فيه أحد من السلف فكان إجماعا . المسألة العاشرة : لا فرق في هذه الدية بين أين يقضي منها الدين وتنفذ منها الوصية ، ويقسم الباقي بين الورثة على فرائض الله تعالى . روي أن امرأة جاءت تطلب نصيبها من دية الزوج فقال عمر : لا أعلم لك شيئا ، إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه ، فشهد بعض من الصحابة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمره أن يورث الزوجة من دية زوجها ، فقضى عمر بذلك ، وإذ قد ذكرنا هذه المسائل فلنرجع إلى تفسير الآية فنقول : قوله : { فتحرير رقبة مؤمنة } معناه فعليه تحرير رقبة ، والتحرير عبارة عن جعله حرا ، والحر هو الخالص ، ولما كان الانسان في أصل الخلقة خلق ليكون مالكا للأشياء كما قال تعالى : { خلق لكم ما فى الارض جميعا } ( البقرة : 29 ) فكونه مملوكا يكون صفة تكدر مقتضى الانسانية وتشوشها ، فلا جرم سميت إزالة الملك تحريرا ، أي تخليصا لذلك الانسان عما يكدر إنسانيته ، والرقبة عبارة عن النسمة كما قد يجعل الرأس أيضا عبارة عن نسمة في قولهم : فلان يملك كذا رأسا من الرقيق ، والمراد برقبة مؤمنة كل رقبة كانت على حكم الاسلام عند الفقهاء ، وعند ابن عباس لا تجزي إلا رقبة قد صلت وصامت ، وقد ذكرنا هذه المسألة . وقوله : { ودية مسلمة إلى أهله } قال الواحدي : الدية من الودي كالشية من الوشي ، والأصل ودية فحذفت الواو يقال : ودى فلانا فلانا ، أي أدى ديته إلى وليه ، ثم ان الشرع خصص هذا اللفظ بما يؤدى في بدل النفس دون ما يؤدى في بدل المتلفات ، ودون ما يؤدى في بدل الاطراف والاعضاء . ثم قال تعالى : { إلا أن يصدقوا } أصله يتصدقوا فأدغمت التاء في الصاد ، ومعنى التصدق الاعطاء قال الله تعالى : { وتصدق علينا إن الله يجزى المتصدقين } ( يوسف : 88 ) والمعنى : إلا أن يتصدقوا بالدية فيعفوا ويتركوا الدية . قال صاحب ( الكشاف ) : وتقدير الآية ، ويجب عليه الدية وتسليمها إلى حين يتصدقون عليه ، وعلى هذا فقوله : { أن يصدقوا } في محل النصب على الظرف ، ويجوز أن يكون حالا من أهله بمعنى إلا متصدقين . ثم قال تعالى : { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة } . فاعلم أنه تعالى ذكر في الآية الأولى : أن من قتل على سبيل الخطأ مؤمنا فعليه تحرير الرقبة وتسليم الدية ، وذكر في هذه الآية أن من قتل على سبيل الخطأ مؤمنا من قوم عدو لنا فعليه تحرير الرقبة وسكت عن ذكر الدية ، ثم ذكر بعد أن المقتول إن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق وجبت الدية ، والسكوت عن إيجاب الدية في هذه الآية مع ذكرها فيما قبل هذه الآية ، وفيما بعدها يدل على أن الدية غير واجبة في هذه الصورة .

قسم V10/P185–V10/P186

إذا ثبت هذا فنقول : كلمة ( من ) في قوله : { من قوم عدو لكم } إما أن يكون المراد منها كون هذا المقتول من سكان دار الحرب ، أو المراد كونه ذا نسب منهم ، والثاني باطل لانعقاد الاجماع على أن المسلم الساكن في دار الاسلام ، وجميع أقاربه يكونون كفارا / فاذا قتل على سبيل الخطأ وجبت الدية في قتله ، ولما بطل هذا القسم تعين الأول فيكون المراد : وإن كان المقتول خطأ من سكان دار الحرب وهو مؤمن ، فالواجب بسبب قتله الواقع على سبيل الخطأ هو تحرير الرقبة ، فأما وجوب الدية فلا . قال الشافعي رحمه الله : وكما دلت هذه الآية على هذا المعنى فالقياس يقويه ، أما أنه لا تجب الدية فلأنا لو أوجبنا الدية في قتل المسلم الساكن في دار الحرب لاحتاج من يريد غزو دار الحرب إلى أن يبحث عن كل أحد أنه هل هو من المسلمين أم لا ، وذلك مما يصعب ويشف فيفضي ذلك إلى احتراز الناس عن الغزو ، فالأولى سقوط الدية عن قاتله لأنه هو الذي أهدر دم نفسه بسبب اختياره السكنى في دار الحرب ، وأما الكفارة فانها حق الله تعالى ، لأنه لما صار ذلك الانسان مقتولا فقد هلك إنسان كان مواظبا على عبادة الله تعالى ، والرقيق لا يمكنه المواظبة على عبادة الله ، فاذا أعتقه فقد أقامه مقام ذلك المقتول في المواظبة على العبادات ، فظهر أن القياس يقتضي سقوط الدية ، ويقتضي بقاء الكفارة والله أعلم . / ثم قال تعالى : { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة } وفيه مسائل : المسألة الأولى : وان كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ، فيه قولان : الأول : ان المراد منه المسلم ، وذلك لأنه تعالى ذكر أولا حال المسلم القاتل خطأ ثم ذكر حال المسلم المقتول خطأ إذا كان فيما بين أهل الحرب ، ثم ذكر حال المسلم المقتول خطأ إذا كان فيما بين أهل العهد وأهل الذمة ولا شك ان هذا ترتيب حسن فكان حمل اللفظ عليه جائزا ، والذي يؤكد صحة هذا القول أن قوله { وإن كان } لا بد من إسناده إلى شيء جرى ذكره فيما تقدم ، والذي جرى ذكره فيما تقدم هو المؤمن المقتول خطأ . فوجب حمل اللفظ عليه .

قسم V10/P186–V10/P187

القول الثاني : أن المراد منه الذمي ، والتقدير : وان كان المقتول من قوم بينكم وبينهم ميثاق ومعنى كون المقتول منهم أنه على دينهم ومذهبهم ، والقائلون بهذا القول طعنوا في القول الأول من وجوه : الأول : أن المسلم المقتول خطأ سواء كان من أهل الحرب أو كان من أهل الذمة فهو داخل تحت قوله : { ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله } فلو كان المراد من هذه الآية هو المؤمن لكان هذا عطفا للشيء على نفسه وانه لا يجوز ، بخلاف ما إذا كان المؤمن المقتول خطأ من سكان دار الحرب ، فانه تعالى إنما أعاده لبيان أنه لا تجب الدية في قتله ، وأما في هذه الآية فقد أوجب الدية والكفارة ، فلو كان المراد منه هو المؤمن لكان هذا إعادة وتكرارا من غير فائدة وإنه لا يجوز . الثاني : أنه لو كان المراد منه ما ذكرتم لما كانت الدية مسلمة إلى أهله لأن أهله كفار لا يرثونه . الثالث : ان قوله : { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } يقتضي أن يكونوا من ذلك القوم في الوصف الذي وقع التنصيص عليه وهو حصول الميثاق بينهما ، فان كونه منهم مجمل لا يدري أنه منهم في أي الأمور ، وإذا حملناه على كونه منهم في ذلك الوصف زال الاجمال فكان ذلك أولى ، وإذا دلت الآية على أنه منهم في كونه معاهدا وجب أن يكون ذميا أو معاهدا مثلهم ويمكن أن يجاب عن هذه الوجوه : أما الأول : فجوابه أنه تعالى ذكر حكم المؤمن المقتول على سبيل الخطأ ، ثم ذكر أحد قسميه وهو المؤمن المقتول خطأ الذي يكون من سكان دار الحرب ، فبين أن الدية لا تجب في قتله ، وذكر القسم الثاني وهو المؤمن المقتول خطأ الذي يكون من سكان مواضع أهل الذمة ، وبين وجوب الدية والكفارة في قتله ، والغرض منه اظهار الفرق بين هذا القسم وبين ما قبله . وأما الثاني : فجوابه أن أهله هم المسلمون الذين تصرف ديته إليهم . / وأما الثالث : فجوابه أن كلمة ( من ) صارت مفسرة في الآية السابقة بكلمة ( في ) يعني في قوم عدو لكم ، فكذا ههنا يجب أن يكون المعنى ذلك لا غير . واعلم أن فائدة هذا البحث تظهر في مسألة شرعية ، وهي أن مذهب أبي حنيفة أن دية الذمى مثل دية المسلم ، وقال الشافعي رحمه الله تعالى : دية اليهودي والنصراني ثلث دية المجوسي ، ودية المجوسي ثلثا عشر دية المسلم . واحتج أبو حنيفة على قوله بهذه الآية : { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } المراد به الذمي ، ثم قال : { فدية مسلمة إلى أهله } فأوجب تعالى فيهم تمام الدية ، ونحن نقول : إنا بينا أن الآية نازلة في حق المؤمنين لا في حق أهل الذمة فسقط الاستدلال ، وأيضا بتقدير أن يثبت لهم أنها نازلة في أهل الذمة لم تدل على مقصودهم ، لأنه تعالى أوجب في هذه الآية دية مسلمة ، فهذا يقتضي إيجاب شيء من الأشياء التي تسمى دية ، فلم قلتم إن الدية التي أوجبها في حق الذمي هي الدية التي أوجبها في حق المسلم ؟ ولم لا يجوز أن تكون دية المسلم مقدارا معينا . ودية الذمي مقدارا آخر ، فان الدية لا معنى لها إلا المال الذي يؤدى في مقابلة النفس ، فان ادعيتم أن مقدار الدية في حق المسلم وفي حق الذمي واحد فهو ممنوع ، والنزاع ما وقع إلا فيه ، فسقط هذا الاحتجاج والله أعلم .

قسم V10/P187–V10/P188

المسألة الثانية : لقائل أن يقول : لم قدم تحرير الرقبة على الدية في الآية الأولى وههنا عكس هذا الترتيب ، إذ لو أفاده لتوجه الطعن في إحدى الآيتين فصار هذا كقوله : { ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة } ( البقرة ) 58 ) وفي آية أخرى { وقولوا حطة } ( البقرة : 58 ) { وادخلوا الباب } ( البقرة : 154 ، الأعراف : 161 ) والله أعلم . المسألة الثالثة : في هؤلاء الذين بيننا وبينهم ميثاق قولان : الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : هم أهل الذمة من أهل الكتاب . الثاني : قال الحسن : هم المعاهدون من الكفار . ثم قال تعالى : { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله } أي فعليه ذلك بدلا عن الرقبة إذا كان فقيرا ، وقال مسروق إنه بدل عن مجموع الكفارة والدية ، والتتابع واجب حتى لو أفطر يوما وجب الاستئناف إلا أن يكون الفطر بحيض أو نفاس ، وقوله : { توبة من الله } انتصب بمعنى صيام ما تقدم ، كأنه قيل : اعملوا بما أوجب الله عليكم لأجل التوبة من الله ، أي ليقبل الله توبتكم ، وهو كما يقال : فعلت كذا حذر الشر . فان قيل : قتل الخطأ لا يكون معصية ، فما معنى قوله : { توبة من الله } . قلنا فيه وجوه : الأول : أن فيه نوعين من التقصير ، فان الظاهر أنه لو بالغ في الاحتياط لم يصدر عنه ذلك الفعل ، ألا ترى أن من قتل مسلما على ظن أنه كافر حربي ، فلو أنه بالغ في الاحتياط / والاستكشاف فالظاهر أنه لا يقع فيه ، ومن رمى إلى صيد فأخطأ وأصاب أنسانا فلو احتاط فلا يرمي إلا في موضع يقطع بأنه ليس هناك إنسان فانه لا يقع في تلك الواقعة ، فقوله : { توبة من الله } تنبيه على أنه كان مقصرا في ترك الاحتياط . الوجه الثاني في الجواب : أن قوله : { توبة من الله } راجع إلى أنه تعالى أذن له في إقامة الصوم مقام الاعتاق عند العجز عنه ، وذلك لأن الله تعالى اذا تاب على المذنب فقد خفف عنه ، فلما كان التخفيف من لوازم التوبة أطلق لفظ التوبة لارادة التخفيف إطلاقا لاسم الملزوم على اللازم . الوجه الثالث في الجواب : أن المؤمن إذا اتفق له مثل هذا الخطأ فانه يندم ويتمنى أن لا يكون ذلك مما وقع فسمى الله تعالى ذلك الندم وذلك التمني توبة . ثم قال تعالى : { وكان الله عليما حكيما } والمعنى أنه تعالى عليم بأنه لم يقصد ولم يتعمد حكيم في أنه ما يؤاخذه بذلك الفعل الخطأ ، فان الحكمة تقتضي أن لا يؤاخذ الانسان إلا بما يختار ويتعمد . واعلم أن أهل السنة لما اعتقدوا أن أفعال الله تعالى غير معللة برعاية المصالح قالوا : معنى كونه تعالى حكيما كونه عالما بعواقب الأمور . وقالت المعتزلة : هذه الآية تبطل هذا القول لأنه تعالى عطف الحكيم على العليم ، فلو كان الحكيم هو العليم لكان هذا عطفا للشيء على نفسه وهو محال . والجواب : أن في كل موضع من القرآن ورد فيه لفظ الحكيم معطوفا على العليم كان المراد من الحكيم كونه محكما في أفعاله ، فالأحكام والاعلام عائدان إلى كيفية الفعل والله أعلم . ! 7 < { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما } . > 7 ! < < النساء : ( 93 ) ومن يقتل مؤمنا . . . . .

قسم V10/P188–V10/P189

> > اعلم أنه تعالى لما ذكر حكم القتل الخطأ ذكر بعده بيان حكم القتل العمد ، وله أحكام مثل وجوب القصاص والدية ، وقد ذكر تعالى ذلك في سورة البقرة وهو قوله : { المتقون يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص في القتلى } ( البقرة : 178 ) فلا جرم ههنا اقتصر على بيان ما فيه من الاثم والوعيد ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : استدلت الوعيدية بهذه الآية على أمرين : أحدهما : على القطع بوعيد الفساق . والثاني : على خلودهم في النار ، ووجه الاستدلال أن كلمة ( من ) في معرض الشرط / تفيد الاستغراق ، وقد استقصينا في تقرير كلامهم في سورة البقرة في تفسير قوله : { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولائك أصحاب النار هم فيها خالدون } ( البقرة : 81 ) وبالغنا في الجواب عنها ، وزعم الواحدي أن الأصحاب سلكوا في الجواب عن هذه الآية طرقا كثيرة . قال : وأنا لا أرتضي شيئا منها لأن التي ذكروها اما تخصيص ، واما معارضة ، وإما إضمار ، واللفظ لا يدل على شيء من ذلك . قال : والذي أعتمده وجهان : الأول : إجماع المفسرين على أن الآية نزلت في كافر قتل مؤمنا ثم ذكر تلك القصة . والثاني : أن قوله : { فجزاؤه جهنم } معناه الاستقبال أي انه سيجزى بجهنم ، وهذا وعيد قال : وخلف الوعيد كرم ، وعندنا أنه يجوز ان يخلف الله وعيد المؤمنين ، فهذا حاصل كلامه الذي زعم انه خير مما قاله غيره . وأقول : أما الوجه الأول فضعيف ، وذلك لأنه ثبت في أصول الفقه ان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فاذا ثبت ان اللفظ الدال على الاستغراق حاصل ، فنزوله في حق الكفار لا يقدح في ذلك العموم ، فيسقط هذا الكلام بالكلية ، ثم نقول : كما أن عموم اللفظ يقتضي كونه عاما في كل قاتل موصوف بالصفة المذكورة ، فكذا ههنا وجه آخر يمنع من تخصيص هذه الآية بالكافر ، وبيانه من وجوه : الأول : انه تعالى أمر المؤمنين بالمجاهدة مع الكفار ثم علمهم ما يحتاجون اليه عند اشتغالهم بالجهاد ، فابتدأ بقوله : { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا } ( النساء : 92 ) فذكر في هذه الآية ثلاث كفارات : كفارة قتل المسلم في دار الاسلام ، وكفارة قتل المسلم عند سكونه مع أهل الحرب ، وكفارة قتل المسلم عند سكونه مع أهل الذمة وأهل العهد ، ثم ذكر عقيبه حكم قتل العمد مقرونا بالوعيد ، فلما كان بيان حكم قتل الخطأ بيانا لحكم اختص بالمسلمين كان بيان حكم القتل العمد الذي هو كالضد لقتل الخطأ ، وجب أن يكون أيضا مختصا بالمؤمنين ، فان لم يختص بهم فلا أقل من دخولهم فيه . الثاني : أنه تعالى قال بعد هذه الآية : { يأيها الذين ءامنوا إذا ضربتم فى سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا } ( النساء : 94 ) وأجمع المفسرون على أن هذه الآيات إنما نزلت في حق جماعة من المسلمين لقوا قوما فأسلموا فقتلوهم وزعموا أنهم إنما أسلموا من الخوف ، وعلى هذا التقدير : فهذه الآية وردت في نهي المؤمنين عن قتل الذين يظهرون الايمان ؛ وهذا أيضا يقتضي أن يكون قوله : { ومن يقتل مؤمنا متعمدا } نازلا في نهي المؤمنين عن قتل المؤمنين حتى يحصل التناسب ، فثبت بما ذكرنا أن ما قبل هذه الآية وما بعدها يمنع من كونها مخصوصة بالكفار . الثالث : أنه ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب له يدل على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم / وبهذا الطريق عرفنا أن قوله : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } ( المائدة : 38 ) وقوله : { الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما } ( النور : 2 ) الموجب للقطع هو السرقة ، والموجب للجلد هو الزنا ، / فكذا ههنا وجب أن يكون الموجب لهذا الوعيد هو هذا القتل العمد ، لأن هذا الوصف مناسب لذلك الحكم ، فلزم كون ذلك الحكم معللا به ، واذا كان الأمر كذلك لزم أن يقال : أينما ثبت هذا المعنى فانه يحصل هذا الحكم ، وبهذا الوجه لا يبقى لقوله : الآية مخصوصة بالكافر وجه .

قسم V10/P189–V10/P190

الوجه الرابع : أن المنشأ لاستحقاق هذا الوعيد إما أن يكون هو الكفر أو هذا القتل المخصوص ، فان كان منشأ هذا الوعيد هو الكفر كان الكفر حاصلا قبل هذا القتل ، فحينئذ لا يكون لهذا القتل أثر ألبتة في هذا الوعيد ، وعلى هذا التقدير تكون هذه الآية جارية مجرى ما يقال : ان من يتعمد قتل نفس فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ، لأن القتل العمد لما لم يكن له تأثير في هذا الوعيد جرى مجرى النفس ومجرى سائر الأمور التي لا أثر لها في هذا الوعيد ، ومعلوم ان ذلك باطل ، وان كان منشأ هذا الوعيد هو كونه قتلا عمدا فحينئذ يلزم أن يقال : أينما حصل القتل يحصل هذا الوعيد ، وحينئذ يسقط هذا السؤال ، فثبت بما ذكرنا أن هذا الوجه الذي ارتضاه الواحدي ليس بشيء . وأما الوجه الثاني : من الوجهين اللذين اختارهما فهو في غاية الفساد لأن الوعيد قسم من أقسام الخبر ، فاذا جوز على الله الخلف فيه فقد جوز الكذب على الله ، وهذا خطأ عظيم ، بل يقرب من أن يكون كفرا ، فان العقلاء أجمعوا على انه تعالى منزه عن الكذب ، ولأنه إذا جوز الكذب على الله في الوعيد لأجل ما قال : إن الخلف في الوعيد كرم ، فلم لا يجوز الخلف في القصص والأخبار لغرض المصلحة ، ومعلوم أن فتح هذا الباب يفضي إلى الطعن في القرآن وكل الشريعة فثبت أن كل واحد من هذين الوجهين ليس بشيء . وحكى القفال في تفسيره وجها آخر ، هو الجواب وقال : الآية تدل على أن جزاء القتل العمد هو ما ذكر ، لكن ليس فيها أنه تعالى يوصل هذا الجزاء إليه أم لا ، وقد يقول الرجل لعبده : جزاؤك أن أفعل بك كذا وكذا ، إلا أني لا أفعله ، وهذا الجواب أيضا ضعيف لأنه ثبت بهذه الآية أن جزاء القتل العمد هو ما ذكر ، وثبت بسائر الآيات أنه تعالى يوصل الجزاء إلى المستحقين . قال تعالى : { من يعمل سوءا يجز به } ( النساء : 123 ) وقال : { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } ( غافر : 17 ) وقال : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } ( الزلزلة : 7 8 ) بل إنه تعالى ذكر في هذه الآية ما يدل على أنه يوصل اليهم هذا الجزاء وهو قوله : { وأعد له عذابا عظيما } فان بيان أن هذا جزاؤه حصل بقوله : { فجزاؤه جهنم خالدا فيها } فلو كان قوله : { وأعد له عذابا عظيما } إخبارا عن الاستحقاق كان تكرارا ، فلو حملناه على الاخبار عن أنه تعالى سيفعل لم يلزم التكرار ، فكان ذلك أولى . واعلم أنا نقول : هذه الآية مخصوصة في موضعين : أحدهما : أن يكون القتل العمد غير عدوان كما في القصاص فانه لا يحصل فيه هذا الوعيد ألبتة . والثاني : القتل العمد العدوان إذا تاب عنه فانه لا يحصل فيه الوعيد ، وإذا ثبت دخول التخصيص فيه في هاتين الصورتين فنحن نخصص هذا العموم فيما إذا حصل العفو بدليل قوله تعالى : { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 48 ) وأيضا فهذه الآية إحدى عمومات الوعيد ، وعمومات الوعد أكثر من عمومات الوعيد ، وما ذكره في ترجيح عمومات الوعيد قد أجبنا عنه وبينا أن عمومات الوعد راجحة / وكل ذلك قد ذكرناه في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولائك أصحاب النار هم فيها خالدون } ( البقرة : 81 )

قسم V10/P190–V10/P191

المسألة الثانية : نقل عن ابن عباس أنه قال : توبة من أقدم على القتل العمد العدوان غير مقبولة ، وقال جمهور العلماء : إنها مقبولة ، ويدل عليه وجوه : الحجة الأولى : أن الكفر أعظم من هذا القتل فاذا قبلت التوبة عن الكفر فالتوبة من هذا القتل أولى بالقبول . الحجة الثانية : قوله تعالى في آخر الفرقان : { والذين لا يدعون مع الله إلاها ءاخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وءامن وعمل عملا صالحا } ( الفرقان : 68 ، 69 ، 70 ) وإذا كانت توبة الآتي بالقتل العمد مع سائر الكبائر المذكورة في هذه الآية مقبولة : فبأن تكون توبة الآتي بالقتل العمد وحده مقبولة كان أولى . الحجة الثالثة : قوله : { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } وعد بالعفو عن كل ما سوى الكفر ، فبأن يعفو عنه بعد التوبة أولى والله أعلم . تم الجزء العاشر ، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الحادي عشر ، وأوله قول تعالى : { عظيما يأيها الذين ءامنوا إذا ضربتم فى سبيل الله } ( النساء : 94 ) من سورة النساء . أعان الله على إكماله . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا إذا ضربتم فى سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقىإليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحيواة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذالك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا } . > 7 < النساء : ( 94 ) يا أيها الذين . . . . . > > قوله تعالى : { عظيما يأيها الذين ءامنوا إذا ضربتم فى سبيل الله فتبينوا } . أعلم أن المقصود من هذه الآية المبالغة في تحريم قتل المؤمنين ، وأمر المجاهدين بالتثبيت فيه لئلا يسفكوا دما حراما بتأويل ضعيف ، وهذه المبالغة تدل على أن الآية المتقدمة خطاب مع المؤمنين وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي هنا وكذلك في الحجرات { فثبتوا } من ثبت ثباتا ، والباقون بالنون من اليان ، والمعنيان متقاربان ، فمن رجح التثبيت قال : إنه خلاف الإقدام ، والمراد في الآية التأني وترك العجلة ، ومن رجح التبيين قال المقصود من التثبيت التبيين ، فكان التبيين أبلغ وأكمل . المسألة الثانية : الضرب معناه السير فيها بالفسر للتجارة أو الجهاد ، وأصله من الضرب باليد ، وهو كناية عن الإسراع في السير فإن من ضرب إنسانا كانت حركة يده عند ذلك الضرب سريعة ، فجعل الضرب كناية عن الإسراع في السير . قال الزجاج : ومعنى { ضربتم فى سبيل الله } أي غزوتم وسرتم إلى الجهاد . ثم قال تعالى : { ولا تقولوا إلى المسلمين ومنه قوله وألقوا إلى الله يومئذ السلم } ( النحل : 87 ) أي استسلموا للأمر ، ومن قرأ { السلام } بالألف فله معنيان : أحدها : أن يكون المراد السلام الذي يكون هو تحية المسلمين ، أي لا تقولوا لمن حياتكم بهذه التحية إنه إنما قالها تعوذا فتقدموا عليه بالسيف لتأخذوا ماله ولكن كفوا واقبلوا منه ما أظهره . والثاني : أن يكون المعنى : لا تقولوا لمن اعتزلكم ولم يقتلكم لست مؤمنا ، وأصل هذا من السلامة لأن المعتزل طالب للسلامة . قال صاحب الكشاف : قرىء { مؤمنا } بفتح الميم من آمنه أي لا نؤمنك . المسألة الثالثة : في سبب نزول هذه الآية روايات :

الأسئلة