Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

قسم V10/P191–V11/P003

الرواية الأولى : أن مرداس بن نهيك رجل من أهل فدك أسلم ولم يسلم من قومه غيره ، فذهبت سرية الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قومه وأميرهم غالب بن فضالة ، فهرب القوم وبقي مرداس لثقته بإسلامه ، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل ، فلما تلاحقوا وكبروا كبر ونزل ، وقال : لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم ، فقتله أسامة بن زيد وساق غنمه ، فأخبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد وجدا شديدا وقال : قتلمتموه إرادة ما معه ، ثم قرأ الآية على أسامة يا رسول الله استغفر لي ، فقال : فكيف وقد تلا لا إله إلا الله قال أسامة فما زال يعيدها حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ ، ثم استغفر لي وقال : أعتنق رقبة . الرواية الثانية : أن القاتل ملحم بن جثامة لقيه عامر بن الأضبط فحياه بتحية الإسلام ، وكانت بين ملحم وبينه إحنة في الجاهلية فرماه بسهم فقتله ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( لا غفر الله لك ) فما مضت به سبعة أيام حتى مات فدفنوه فلفظته الأرض ثلاث مرات ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الأرض لتقبل من هو شر منه ولكن الله أراد أن يريكم عظم الذنب عنده ) ثم أمر أن تلقى عليه الحجارة . الرواية الثالثة : أن المقداد بن الأسود قد وقعت له مثل واقعة أسامة قال : فقلت يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف ثم لاذ بشجرة ، فقال أسلمت لله تعالى أفأقتله يا رسول الله بعد ذلك ؟ فقال رسول الله لا تقتله ، فقلت يا رسول الله إنه قطع يدي ، فقال عليه الصلاة والسلام ( لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك بعد ما تقتله وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال ) وعن أبي عبيدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا إشرع أحدكم الرمح إلى الرجل فإن كان سنانه عند نقرة نحره فقال لا إله إلا الله فليرفع عنه الرمح ) قال القفال رحمه الله : ولا منافاة بين هذه الروايات فلعلها نزلت عند وقوعها بأسرها ، فكان كل فريق يظن أنها نزلت في واقعته والله أعلم . المسألة الرابعة : اختلفوا في أن توبة الزنديق هل تقبل أم لا ؟ فالفقهاء قبلوها واحتجوا عليه بوجوه : الأول : هذه الآية فإنه تعالى لم يفرق في هذه الآية بين الزنديق وبين غيره بل أوجب ذلك في الكل . الحجة الثانية : قوله تعالى : { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } ( الأنفال : 38 ) وهو عام في جميع أصناف الكفرة . الحجة الثالثة : أن الزنديق لا شك أنه مأمور بالتوبة ، والتوبة مقبولة على الإطلاق لقوله تعالى : { وهو الذى يقبل التوبة عن عباده } ( الشورى : 25 ) وهذا عام في جميع الذنوب وفي جميع أصناف الخق . المسألة الخامسة : إسلام الصبي صحيح عند أبي حنيفة ، وقال الشافعي لا يصح . قال أبو حنيفة دلت هذه الآية على صحة إسلام الصبي لأن قوله : { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا } عام في حق الصبي ، وفي حق البالغ . قال الشافعي : لو صح الإسلام منه لوجب ، لأنه لو لم يجب لكان ذلك إذنا في الكفر ، وهو غير جائز ، لكنه غير واجب عليه لقوله عليه الصلاة والسلام : ( رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ ) الحديث ، والله أعلم .

قسم V11/P003–V11/P005

المسألة السادسة : قال أكثر الفقهاء : لو قال اليهودي أو النصراني : أنا مؤمن أو قال أنا مسلم لا يحكم بهذا القدر بإسلامه ، لأن مذهبه أن الذي هو عليه هو الإسلام وهو الإيمان ، ولو قال لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فعند قوم لا يحكم بإسلامه ، لأنه فيهم من يقول : إنه رسول الله إلى العرب لا إلى الكل ، ومنهم من يقول : إن محمدا الذي هو الرسول الحق بعد ما جاء ، وسيجيء بعد ذلك ، بل لا بد وأن يعترف بأن الدين الذي كان عليه باطل وأن الدين الموجود فيما بين المسلمين هو الحق والله أعلم . ثم قال تعالى : { تبتغون عرض الحيواة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة } قال أبو عبيدة : جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء ، يقال : إن الدنيا عرض حاضر يأخذ منها البر والفاجر ، والعرض بسكون الراء ما سوى الدراهم والدنانير ، وإنما سمي متاع الدنيا عرضا لأنه عارض زائل غير باق ومنه يسمي المتكلمون ما خالف الجوهر من الحوادث عرضا لقلة لبثه ، فقوله : { فعند الله مغانم كثيرة } يعني ثوابا كثيرا ، فنبه تعالى بتسميته عرضا على كونه سريع الفناء قريب الانقضاء ، وبقوله : { فعند الله مغانم كثيرة } على أن ثواب الله موصوف بالدوام والبقاء كما قال : { والباقيات الصالحات خير عند ربك } ( مريم : 76 ) . ثم قال تعالى : { وكذالك كنتم من قبل } وهذا يقتضي تشبيه هؤلاء المخاطبين بأولئك الذين ألقوا السم ، وليس فيه بيان أن هذا التشبيه فيم وقع ، فلهذا ذكر المفسرون فيه وجوها : الأول : أن المراد أنكم أول ما دخلتم في الإسلام كما سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة حقنت دماءكم وأموالكم من غير توقيف ذلك على حصول العلم بأن قلبكم موافق لما في لسانكم / فعليكم بأن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم ، وأن تعتبروا ظاهر القول ، وأن لا تقولوا إن إقدامهم على التكلم بهذه الكلمة لأجل الخوف من السيف ، هذا هو الذي اختاره أكثر المفسرين ، وفي إشكال لأن لهم أن يقولوا : ما كان إيماننا مثل إيمان هؤلاء ، لأنا آمنا عن الطواعية والاختيار ، وهؤلاء أظهروا الإيمان تحت ظلال السيوف ، فكيف يمكن تشبيه أحدهما بالآخر . الوجه الثاني : قال سعيد بن جبير : المراد أنكم كنتم تخفون إيمانكم عن قومكم كما أخفى هذا الداعي إيمانه عن قومه ، ثم من الله عليكم بإعزازكم حتى أظهرتم دينكم ، فأنتم عاملوهم بمثل هذه المعاملة ، وهذا أيضا فيه إشكال لأن إخفاء الإيمان ما كان عاما فيهم . الثالث : قال مقاتل : المراد كذلك كنتم من قبل الهجرة حين كمنتم فيما بين الكفار تأمنون من أصحاب رسول الله بكلمة ( لا إله إلا الله ) فاقبلوا منهم مثل ذلك ، وهذا يتوجه عليه الإشكال الأول ، والأقرب عندي أن يقال : إن من ينتقل من دين إلى دين ففي أول الأمر يحدث ميل قليل بسبب ضعيف ، ثم لا يزال ذلك الميل يتأكد ويتقوى إلى أن يكمل ويستحكم ويحصل الانتقال ، فكأنه قيل لهم : كنتم في أول الأمر إنما حدث فيكم ميل ضعيف بأسباب ضعيفة إلى الإسلام ، ثم من الله عليكم بالإسلام بتقوية ذلك الميل وتأكيد النفرة عن الكفر ، فكذلك هؤلاء كما حدث فيهم ميل ضعيف إلى الإسلام بسبب هذا الخوف فاقبلوا منهم هذا الإيمان ، فإن الله تعالى يؤكد حلاوة الإيمان في قلوبهم يقوي تلك الرغبة في صدورهم ، فهذا ما عندي فيه .

قسم V11/P005–V11/P006

ثم قال تعالى : { فمن الله عليكم } وفيه احتمالان : الأول : أن يكون هذا متعلقا بقوله : { كذالك كنتم من قبل } يعني إيمانكم كان مثل إيمانهم في أنه إنما عرف منه مجرد القول اللساني دون ما في القلب ، أو في أنه كان في ابتداء الأمر حاصلا بسبب ضعيف ، ثم من الله عليكم حيث قوي نور الإيمان في قلوبكم وأعانكم على العمل به والمحبة له . والثاني : أن يكون هذا منقطعا عن هذا الموضع ، ويكون متعلقا بما قبله ، وذلك لأن القوم لما قتلوا من تكلم بلا إله إلا الله ، ثم أنه تعالى نهاهم عن هذا الفعل وبين لهم أنه من العظائم قال بعد ذلك { فمن الله عليكم } أي من عليكم بأن قبل توبتكم عن ذلك الفعل المنكر . ثم أعاد الأمر بالتبيين فقال : { فتبينوا } وإعادة الأمر بالتبيين تدل على المبالغة في التحذير عن ذلك الفعل . ثم قال تعالى : { إن الله كان بما تعملون خبيرا } والمراد منه الوعيد والزجر عن الإظهار بخلاف الإضمار . ! 7 < 96 ) { لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما } > 7 < النساء : ( 95 - 96 ) لا يستوي القاعدون . . . . . > > أعلم أن في كيفية النظم وجوها : الأول : ما ذكرناه أنه تعالى لما رغب في الجهاد أتبع ذلك بيان أحكام الجهاد . فالنوع الأول من أحكام الجهاد : تحذير المسلمين عن قتل المسلمين ، وبيان الحال في قتلهم على سبيل الخطأ كيف ، وعلى سبيل العمد كيف ، وعلى سبيل تأويل الخطأ كيف ، فلما ذكر ذلك الحكم أتبعه بحكم آخر وهو بيان فضل المجاهد على غيره وهو هذه الآية . الوجه الثاني : لما عاتبهم الله تعالى على ما صدر منهم من قتل من تكلم بكلمة الشهادة ، فلعله يقع في قلبهم أن الأولى الاحتراز عن الجهاد لئلا يقع بسببه في مثل هذا المحذور ، فلا جرم ذكر الله تعالى في عقيبه هذه الآية وبين فيها فضل المجاهد على غيره إزالة لهذه الشبهة . الوجه الثالث : أنه تعالى لما عاتبهم على ما صدر منهم من قتل تكلم بالشهادة ذكر عقيبه فضيلة الجهاد ، كأنه قيل : من أتى بالجهاد فقد فاز بهذه الدرجة العظيمة عند الله تعالى ، فليحترز صاحبها من تلك الهفوة لئلا يخل منصبه العظيم في الدين بسبب هذه الهفوة ، والله أعلم وفي الآية مسائل :

قسم V11/P006

المسألة الأولى : قرىء { غير أولى الضرر } بالحركات الثلاث في { غير } فالرفع صفة لقوله : { القاعدون } والمعنى لا يستوي القاعدون المغايرون لأولي الضرر والمجاهدون ، ونظيره قوله : { أو التابعين غير أولى الإربة } ( النور : 31 ) وذكرنا جواز أن يكون { غير } صفة المعرفة في قوله : { غير المغضوب } ( الفاتحة : 7 ) قال الزجاج : ويجو أن يكون { غير } رفعا على جهة الاستثناء ، والمعنى لا يستوي القاعدون والمجهدون إلا أولي الضرر فإنهم يساوون المجاهدين ، أي الذين أقعدهم عن الجهاد الضرر ، والكلام في رفع المستثنى بعد النفي قد تقدم في قوله : { ما فعلوه إلا قليل منهم } ( النساء : 66 ) و ( أما القراءة بالنصل ففيها وجهان . الأول : أن يكون استثناء القاعدين ، والمعنى لا يستوي القاعدون إلا أولي الضرر ، وهو اختيار الأخفش . الثاني : أن يكون نصبا على الحال ، والمعنى لا يستوي القاعدون في حال صحتهم ، والمجاهدون ، كما تقول : جاءني زيد غير مريض ، أي جاءني زيد صحيحا ، وهذا قول الزجاج والفراء وكقوله : { أحلت لكم بهيمة الانعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد } ( المائدة : 1 ) وأما القراءة بالجر فعلى تقدير أن يجعل { غير } صفة للمؤمنين ، فهذا بيان الوجوه في هذه القراءات . ثم ههنا بحث آخر : وهو أن الأخفش قال : القراءة بالنصب على سبيل الاستثناء أولى لأن المقصود منه استثناء قوم لم يقدروا على الخروج . روي في التفسير أنه لما ذكر الله تعالى فضيلة المجاهدين على القاعدين جاء قوم من أولي الضرر فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : حالتنا كما ترى ، ونحن نشتهي الجهاد ، فهل لنا من طريق ؟ فنزل { غير أولى الضرر } فاستثناهم الله تعالى من جملة القاعدين . وقال آخرون : القراءة بالرفع أولى لأن الأصل في كلمة { غير } أن تكون صفة ، ثم أنها وإن كانت صفة فالمقصود والمطلوب من الإستثناء حاصل منها / لأنها في كلتا الحالتين أخرجت أولي الضرر من تلك المفضولية ، وإذا كان هذا المقصود حاصلا على كل التقديرين وكان الأصل في كلمة { غير } أن تكون صفة كانت القراءة بالرفع أولى . المسألة الثانية : الضرر النقصان سواء كان بالعمى أو العرج أو المرض ، أو كان بسبب عدم الأهبة . المسألة الثالثة : حاصل الآية : لا يستوي القاعدون المؤمنون الأصحاء والمجاهدون في سبيل الله ، واختلفوا في أن قوله : { غير أولى الضرر } هل يدل على أن المؤمنين القاعدين الأضراء يساوون المجاهدين أم لا ؟ قال بعضهم : أنه لا يدل لأنا إن حملنا لفظ { غير } على الصفة وقلنا التخصيص بالصفة لا يدل على نفي الحكم عما عداه لم يلزم ذلك ، وإن حملناه على الاستثناء وقلنا الاستثناء من النفي ليس بإثبات لم يلزم أيضا ذلك ، أما إذا حملناه على الاستثناء وقلنا الاستثناء من النفي إثبات لزم القول بالمساواة . وأعلم أن هذه المساواة في حق الاضراء عند من يقول بها مشروطة بشرط آخر ذكر الله تعالى في سورة التوبة وهو قوله : { ليس على الضعفاء ولا على المرضى } إلى قوله : { إذا نصحوا لله ورسوله } ( التوبة : 91 ) .

قسم V11/P006–V11/P007

وأعلم أن القول بهذه المساواة غير مستبعد ، ويدل عليه النقل والعقل ، أما النقل فقوله عليه الصلاة والسلام عند انصرافه من بعض غزواته ( لقد خلفتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم أولئك أقوام حبسهم العذر ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( إذا مرض العبد قال الله عز وجل اكتبوا لعبدي ما كن يعمله في الصحة إلى أن يبرأ ) وذكر بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى : { ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون } ( التين : 5 ، 6 ) أن من صار هرما كتب الله تعالى له أجر ما كان يعمله قبل هرمه غير منقوص من ذلك شيئا . وذكروا في تفسير قوله عليه الصلاة والسلام ( نية المؤمن خير من عمله ) أن ما ينويه المؤمن من دوامه على الإيمان والأعمال الصالحة لو بقي أبدا خير له من عمله الذي أدركه في مدة حياته ، وأما المعقول فهو أن المقصود من جميع الطاعات والعبادات استنارة القلب بنور معرفة الله تعالى ، فإن حصل الاستواء فيه للمجاهد والقاعد فقد حصل الاستواء في الثواب ، وإن كان القاعد أكثر حظا من هذا الاستغراق كان هو أكثر ثوابا . المسألة الرابعة : لقائل أن يقول : إنه تعالى قال : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم } ( التوبة : 111 ) فقدم ذكر النفس على المال ، وفي الآية التي نحن فيها وهي قوله : { الله بأموالهم وأنفسهم } قدم ذكر المال على النفس ، فما السبب فيه ؟ وجوابه : أن النفس أشرف من المال ، فالمشتري قدم ذكر النفس تنبيها على أن الرغبة فيها أشد ، والبائع أخر ذكرها تنبيها على أن المضايقة فيها أشد ، فلا يرضى ببذلها إلا في آخر المراتب . وأعلم أنه تعالى لما بين أن المجاهدين والقاعدين لا يستويان ثم أن عدم الاستواء يحتمل الزيادة ويحتمل النقصان ، لا جرم كشف تعالى عنه فقال : { فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة } وفي انتصاب قوله { درجة } وجوه : الأول : أنه يحذف الجار ، والتقتدير بدرجة فلما حذف الجار وصل الفعل فعمل الثاني : قوله { درجة } أي فضيلة ، والتقدير : وفضل الله المجاهدين فضيلة كما يقال زيد أكرم عمرا إكراما والفائدة في التنكير والتفخيم . الثالث : قوله { درجة } نصب على التمييز . ثم قال : { وكلا وعد الله الحسنى } أي وكلا من القاعدين والمجاهدين فقد وعده الله الحسنى وقال الفقهاء : وفيه دليل على أن فرض الجهاد على الكفاية ، وليس على كل واحد بعينه لأنه تعالى وعد القاعدين الحسنى كما وعد المجاهدين ، ولو كان الجهاد واجبا على التعيين لما كان القاعد أهلا لوعد الله تعالى إياه الحسنى . ثم قال تعالى : { وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما } وفيه مسائل : المسألة الأولى : في انتصاب قوله : { أجرا } وجهان : الأول : انتصب بقوله : { وفضل } لأنه في معنى قولهم : آجرهم أجرا ، ثم قوله : { درجات منه ومغفرة ورحمة } بدل من قوله : { أجرا } . الثاني : انتصب على التمييز و { درجات } عطف بيان { ومغفرة ورحمة } معطوفان على { درجات } .

قسم V11/P007–V11/P008

المسألة الثانية : لقائل أن يقول : إنه تعالى ذكر أولا { درجة } ، وههنا { درجات } ، وجوابه من وجوه : الأول : المراد بالدرجة ليس هو الدرجة الواحدة بالعدد ، بل بالجنس ، والواحد بالجنس يدخل تحته الكثير بالنوع ، وذلك هو الأجر العظيم ، والدرجات الرفيعة في الجنة المغفرة والرحمة . الثاني : أن المجاهد أفضل من القاعد الذي يكون من الأضراء بدرجة ، ومن القاعد الذي يكون من الأصحاء بدرجات ، وهذا الجواب إنما يتمشى إذا قلنا بأن قوله : { غير أولى الضرر } لا يوجب حصول المساواة بين المجاهدين وبين القاعدين الأضراء . الثالث : فضل الله المجاهدين في الدنيا بدرجة واحدة وهي الغنيمة ، وفي الآخرة بدرجات كثيرة في الجنة بالفضل والرحمة والمغفرة . الرابع : قال في أول الآية { وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما } ولا يمكن أن يكون المراد من هذا المجاهد هو المجاهد بالمال والنفس فقط ، وإلا حصل التكرار ، فوجب أن يكون المراد منه من كان مجاهدا على الإطلاق في كل الأمور ، أعني في عمل الظاهر ، وهو الجهاد بالنفس والمال والقلب وهو أشرف أنواع المجاهدة ، كما قال عليه السلام : ( رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ) وحاصل هذا الجهاد صرف القلب من الالتفات إلى غير الله إلى الاستغراق في طاعة الله ، ولما كان هذا المقام أعلى مما قبله لا جرم جعل فضيلة الأول درجة ، وفضيلة هذا الثاني درجات . المسألة الثالثة : قالت الشيعة : دلت هذه الآية على أن علي بن أبي طالب عليه السلام أفضل من أبي بكر ، وذلك لأن عليا كان أكثر جهادا ، فالقدر الذي فيه حصل التفاوت كان أبو بكر من القاعدين فيه ، وعلي من القائمين ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون علي أفضل منه لقوله تعالى : { وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما } فيقال لهم : إن مباشرة علي عليه السلام لقتل الكفار كانت أكثر من مباشرة الرسول لذلك ، فليزمكم بحكم هذه الآية أن يكون علي أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا لا يقوله عاقل ، فإن قلتم إن مجاهدة الرسول مع الكفار كانت أعظم من مجاهدة علي معهم ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يجاهد الكفار بتقرير الدلائل والبينات وإزالة الشبهات والضلالات ، وهذا الجهاد أكمل من ذلك الجهاد ، فنقول : فاقبلوا منا مثله في حق أبي بكر ، وذلك أن أبا بكر رضي الله عنه لما أسلم في أول الأمر سعى في إسلام سائر الناس حتى أسلم على يده عثمان بن عفان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون ، وكان يبالغ في ترغيب الناس في الإيمان وفي الذب عن محمد صلى الله عليه وسلم بنفسه وبماله ، وعلي في ذلك الوقت كان صبيا ما كان أحد يسلم بقوله ، وما كان قادرا على الذب عن محمد عليه الصلاة والسلام ، فكان جهاد أبي بكر أفضل من جهاد علي فإنما ظهر في المدينة في الغزوات / وكان الإسلام في ذلك الوقت قويا . والثاني : أن جهاد أبي بكر كان بالدعوة إلى الدين ، وأكثر أفاضل العشرة إنما أسلموا على يده ، وهذا النوع من الجهاد هو حرفة النبي عليه الصلاة والسلام وأما جهاد علي فإنما كان بالقتل ، ولا شك أن الأول أفضل .

قسم V11/P008–V11/P009

المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : دلت الآية على أن نعيم الجنة لا ينال إلا بالعمل لأن التفاوت في العمل لما أوجب التفاوت في الثواب والفضيلة دل ذلك على أن علة الثواب هو العمل ، وأيضا لو لم يكن العمل موجبا للثواب لكان الثواب هبة لا أجرا ، لكنه تعالى سماه أجرا ، فبطل القول بذلك ، فيقال لهم : لم لا يجوز أن يقال : العمل علة الثواب لكن لا لذاته ، بل بجعل الشارع ذلك العمل موجبا له . المسألة الخامسة : قالت الشافعية : دلت الآية على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من الاشتغال بالنكاح ، لأنا بينا أن الجهاد فرض على الكفاية بدليل قوله : { وكلا وعد الله الحسنى } ولو كان الجهاد من فروض الأعيان لما كان القاعد عن الجهاد موعودا من عند الله بالحسنى . إذا ثبت هذا فنقول : إذا قامت طائفة بالجهاد سقط الفرض عن الباقين ، فلو أقدموا عليه كان ذلك من النوافل لا محالة ، ثم إن قوله : { وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما } يتناول جميع المجاهدين سواء كان جهاده واجبا أو مندوبا ، والمشتغل بالنكاح قاعد عن الجهاد ، فثبت أن الاشتغال بالجهاد المندوب أفضل من الاشتغال بالنكاح والله أعلم . ! 7 < { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمىأنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين فى الا رض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولائك مأواهم جهنم وسآءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنسآء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولائك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا } . > 7 < النساء : ( 97 - 99 ) إن الذين توفاهم . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر ثواب من أقدم على الجهاد أتبعه بعقاب من قعد عنه ورضي بالسكون في دار الكفر ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال الفراء : إن شئت جعلت { توفاهم } ماضيا ولم تضم تاء مع التاء ، مثل قوله : { إن البقر تشابه علينا } ( البقرة : 70 ) وعلى هذا التقدير تكون هذه الآية إخبارا عن حال أقوام معينين انقرضوا ومضوا ، وإن شئت جعلته مستقبلا ، والتقدير : إن الذين تتوفاهم الملائكة ، وعلى هذا التقدير تكون الآية عامة في حق كل من كان بهذه الصفة . المسألة الثانية : في هذا التوفي قولان : الأول : وهو قول الجمهور معناه تقبض أرواحهم عند الموت . فإن قيل : فعلى هذا القول كيف الجمع بينه وبين قوله تعالى : { الله يتوفى الانفس حين موتها } ( الزمر : 42 ) { الذى خلق الموت والحيواة } ( الملك : 2 ) { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم } ( البقرة : 28 ) وبين قوله : { قل يتوفاكم ملك الموت الذى وكل بكم } ( السجدة : 11 ) . قلنا : خالق الموت هو الله تعالى ، والرئيس المفوض إليه هذا العمل هو ملك الموت وسائر الملائكة أعوانه . القول الثاني : { ننزل الملائكة } يعني يحشرونهم إلى النار ، وهو قول الحسن . المسألة الثالثة : في خبر ( إن ) وجوه : الأول : أنه هو قوله : قالوا لهم فيم كنتم ، فحذف ( لهم ) لدلالة الكلام عليه . الثاني : أن الخبر هو قوله : { فأولئك مأواهم جهنم } فيكون ( قالوا لهم ) في موضع { ظالمى أنفسهم } ، لأنه نكرة . الثالث : أن الخبر محذوف وهو هلكوا ، ثم فسر الهلاك بقوله : { قالوا فيم كنتم } أما قوله تعالى : { ظالمى أنفسهم } ففيه مسألتان :

قسم V11/P009–V11/P011

المسألة الأولى : قوله : { ظالمى أنفسهم } في محل النصب على الحال ، والمعنى تتوفاهم الملائكة في حال ظلمهم أنفسهم ، وهو وإن أضيف إلى المعرفة إلا أنه نكرة في الحقيقة ، لأن المعنى على الانفصال ، كأنه قيل ظالمين أنفسهم ، ءلا أنهم حذفوا النون طلبا للخفة ، واسم الفاعل سواء أريد به الحال أو الاستقبال فقد يكون مفصولا في المعنى وإن كان موصولا في اللفظ ، وهو كقوله تعالى : { هاذا عارض ممطرنا } ( الأحقاف : 24 ) { هديا بالغ الكعبة } ( المائدة : 95 ) { ثانى عطفه } ( الحج : 9 ) فالإضافة في هذه المواضع كلها لفظية لا معنوية . المسألة الثانية : الظلم قد يراد به الكفر قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) وقد يراد به المعصية { فمنهم ظالم لنفسه } ( فاطر : 32 ) وفي المراد بالظلم في هذه قولان : الأول : أن المراد الذين أسلموا في دار الكفر وبقوا هناك ، ولم يهاجروا إلى دار الإسلام . الثاني : أنها نزلت في قوم من المنافقين كانوا يظهرون الإيمان للمؤمنين خوفا ، فإذا رجعوا إلى قومهم أظهروا لهم الكفر ولم يهاجروا إلى المدينة / فبين الله تعالى بهذه الآية أنهم ظالمون لأنفسهم بنفاقهم وكفرهم وتركهم الهجرة . وأما قوله تعالى : { قالوا فيم كنتم } ففيه وجوه : أحدها : فيم كنتم من أمر دينكم . وثانيها : فيم كنتم في حرب محمد أو في حرب أعدائه . وثالثها : لم تركتم الجهاد ولم رضيتم بالسكون في ديار الكفار ؟ ثم قال تعالى : { قالوا كنا مستضعفين فى الارض } جوابا عن قولهم { فيم كنتم } وكان حق الجواب أن يقولوا : كنا في كذا ، أو لم نكن في شيء . وجوابه : أن معنى { فيم كنتم } التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا ، فقالوا : كما مستضعفين اعتذارا عما وبخوا به ، واعتلالا بأنهم ما كانوا قادرين على المهاجرة ، ثم إن الملائكة لم يقبلوا منهم هذا العذر بل ردوه عليهم فقالوا : { ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها } أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم ، فبقيتم بين الكفار لا للعجز عن مفارقتهم ، بل مع القدرة على هذه المفارقة ، فلا جرم ذكر الله تعالى وعيدهم فقال : { فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا } . ثم استثنى تعالى فقال : { إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة } ونظيره قول الشاعر : ولقد أمر على اللئيم يسبني ويجوز أن يكون { لا يستطيعون } في موضع الحال ، والمعنى لا يقدرون على حيلة ولا نفقة ، أو كان بهم مرض ، أو كانوا تحت قهر قاهر يمنعهم من تلك المهاجرة . ثم قال : { ولا يهتدون سبيلا } أي لا يعرفون الطريق ولا يجدون من يدلهم على الطريق . روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بهذه الآية إلى مسلمي مكة فقال جندب بن ضمرة لبنيه : احملوني فإني لسيت من المستضعفين ، ولا أني لا أهتدي الطريق ، والله لا أبيت الليلة بمكة ، فحملوه على سرير متوجها إلى المدينة ، وكان شيخا كبيرا ، فمات في الطريق . فإن قيل : كيف أدخل الولدان في جملة المستثنين من أهل الوعيد ، فإن الاستثناء إنما يحسن لو كانوا مستحقين للوعيد على بعض الوجوه ؟

قسم V11/P011–V11/P012

قلنا : سقوط الوعيد إذا كان بسبب العحز ، والعجز تارة يحصل بسبب عدم الأهبة وتارة بسبب الصبا ، فلا جرم حسن هذا إذا أريد بالولدان الأطفال ، ولا يجوز أن يراد المراهقون منهم الذين كملت عقولهم لتوجه التكليف عليهم فيما بينهم وبين الله تعالى ، وإن أريد العبيد والإماء البالغون فلا سؤال . ثم قال تعالى : { فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم } وفيه سؤال ، وهو أن القوم لما كانوا عاجزين عن الهجرة ، والعاجز عن الشيء غير مكلف به ، وإذا لم يكن مكلفا به لم يكن عليه في تركه عقوبة ، فلم قال : { عسى الله أن يعفو عنهم } والعفو لا يتصور إلا مع الذنب ، وأيضا { عسى } كلمة الإطماع ، وهذا يقتضي عدم القطع بحصول العفو في حقهم . والجواب عن الأول : أن المستضعف قد يكون قادرا على ذلك الشيء مع ضرب من المشقة وتمييز الضعف الذي يحصل عنده الرخصة عن الحد الذي لا يحصل عنده الرخصة شاق ومشتبه ، فربما ظن الإنسان بنفسه أنه عاجز عن المهاجرة ولا يكون كذلك ، ولا سيما في الهجرة عن الوطن فإنها شاقة على النفس ، وبسبب شدة النفرة قد يظن الإنسان كونه عاجزا مع أنه لا يكون كذلك ، ولا سيما في الهجرة عن الوطن فإنها شاقة على النفس ، وبسبب شدة النفرة قد يظن الإنسان كونه عاجزا مع أنه لا يكون كذلك ، فلهذا المعنى كانت الحاجة إلى العفو شديدة في هذا المقام . وأما السؤال الثاني : وهو قوله : ما الفائدة في ذكر لفظة { عيسى } ههنا ؟ فنقول : الفائدة فيها الدلالة على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه ، حتى أن المضطر البين الاضطرار من حقه أن يقول : عسى الله أن يعفو عني ، فكيف الحال في غيره . هذاهو الذي ذكره صاحب ( الكشاف ) في الجواب عن هذا السؤال ، إلا أن الأولى أن يكون الجواب ما قدمناه ، وهو أن الإنسان لشدة نفرته عن مفارقة الوطن ربما ظن نفسه عاجزا عنها مع أنه لا يكون كذلك في الحقيقة ، فلهذا المعنى ذكر العفو بكلمة { عسى } لا بالكلمة الدالة على القطع . ثم قال تعالى : { وكان الله عفوا غفورا } ذكر الزجاج في { كان } ثلاثة أوجه : الأول : كان قبل أن خلق الخلق موصوفا بهذه الصفة . الثاني : أنه قال { كان } مع أن جميع العباد بهذه الصفة والمقود بيان أن هذه عادة الله تعالى أجراها في حق خلقه . الثالث : لو قال : إنه تعالى عفو غفور كان هذا إخبارا عن كونه كذلك فقط ، ولما قال إنه كان كذلك كان هذا إخبارا وقع مخبره على وفقه فكان ذلك أدل على كونه صدقا وحقا ومبرأ عن الخلف والكذب . واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يعفو عن الذنب قبل التوبة فإنه لو لم يحصل ههنا شيء من الذنب لامتنع حصول العفو والمغفرة فيه ، فلما أخبر بالعفو والمغفرة دل على حصول الذنب ، ثم إنه تعالى وعد بالعفو مطلقا غير مقيد بحال التوبة فيدل على ما ذكرناه . ! 7 < { ومن يهاجر فى سبيل الله يجد فى الا رض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما } . > 7 < النساء : ( 100 ) ومن يهاجر في . . . . . > >

قسم V11/P012

واعلم أن ذلك المانع أمران : الأول : أن يكون له في وطنه نوع راحة ورفاهية ، فيقول لو فارقت الوطن وقعت في الشدة والمشقة وضيق العيش ، فأجاب الله عنه بقوله : { ومن يهاجر فى سبيل الله يجد فى الارض مراغما كثيرا وسعة } يقال : راغمت الرجل إذا فعلت ما يكرهه ذلك الرجل ، واشتقاقه من الرغام وهو التراب ، فإنهم يقولون : رغم أنفه ، يريدون به أنه وصل إليه شيء يكرهه ، وذلك لأن الأنف عضو في غاية العزة والتراب في غاية الذلة ، فجعلوا قولهم : رغم أنفه كناية عن الذل . إذا عرفت هذا فنقول : المشهور أن هذه المراغمة إنما حصلت بسبب أنهم فارقوا وخرجوا عن ديارهم . وعندي فيه وجه آخر ، وهو أن يكون المعنى : ومن يهاجر في سبيل الله إلى بلد آخر يجد في أرض ذلك البلد من الخير والنعمة ما يكون سببا لرغم أنف أعدائه الذين كانوا معه في بلدته الأصلية وذلك لأن من فارق وذهب إلى بلدة أجنبية فإذ استقام أمره في تلك البلدة الأجنبية ، ووصل ذلك الخبر إلى أهل بلدته خجلوا من سوء معاملتهم معه ، ورغمت أنوفهم بسبب ذلك ، وحمل اللفظ على هذا أقرب من حمله على ما قالوه والله أعلم . والحاصل كأنه قيل : يا أيها الإنسان إنك كنت إنما تكره الهجرة عن وطنك خوفا من أن تقع في المشقة والمحنة في السفر ، فلا تخف فإن الله تعالى يعطيك من النعم الجليلة والمراتب العظيمة في مهاجرتك ما يصير سببا لرغم أنوف أعدائك ، ويكون سببا لسعة عيشك ، وإنما قدم في الآية ذكر رغم الأعداء على ذكر سعة العيش لأن ابتهاج الإنسان الذي يهاجر عن أهله وبلده بسبب شدة ظلمهم عليه بدولته من حيث إنها تصير سببا لرغم أنوف الأعداء ، أشد من ابتهاجه بتلك الدولة من حيث أنها صارت سببا لسعة العيش عليه . وأما المانع الثاني من الإقدام على المهاجرة فهو أن الإنسان يقول : إن خرجت عن بلدي في طلب هذا الغرض ، فربما وصلت إليه وربما لم أصل إليه ، فالأولى أن لا أضيع الرفاهية الحاضرة بسبب طلب شيء ربما أصل إليه ، وربما لا أصل إليه ، فأجاب الله تعالى عنه بقوله : { ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله } والمعنى ظاهر ، وفي الآية مسائل . المسألة الأولى : قال بعضهم : المراد من قصد طاعة الله ثم عجز عن إتمامها ، كتب الله له ثواب تمام تلك الطاعة : كالمريض يعجز عما كان يفعله في حال صحته من الطاعة ، فيكتب له ثواب ذلك العمل هكذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال آخرون : ثبت له أجر قصده وأجر القدر الذي أتى به من ذلك العمل ، وأما أجر تمام العمل فذلك محال ، واعلم أن القول الأول أولى لأنه تعالى إنما ذكر هذه الآية ههنا في معرض الترغيب في الجهاد ، وهو أن من خرج إلى السفر لأجل الرغبة في الهجرة ، فقد وجد ثواب الهجرة ، ومعلوم أن الترغيب إنما يحصل بهذا المعنى ، فأما القول بأن معنى الآية هو أن يصل إليه ثواب ذلك القدر من العمل ، فلا يصلح مرغبا ، لأنه قد عرف أن كل من أتى بعمل فإنه يجد الثواب المرتب على ذلك القدر من العمل ، ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام : ( وإنما لك امريء ما نوى ) وأيضا ما روي في قصلاة جندب بن ضمرة ، أنه لما قرب موته أخذ يصفق بيمينه على شماله / ويقول : اللهم هذه لك ، وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك عليه رسولك ، ثم مات فبلغ خبره أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : لو توفي بالمدينة لكان خيرا له ، فنزلت هذه الآية .

قسم V11/P012–V11/P013

المسألة الثانية : قالت المعتزلة : هذه الآية تدل على أن العمل يوجب الثواب على الله ، لأنه تعالى قال : { فقد وقع أجره على الله } وذلك يدل على قولنا من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه ذكر لفظ الوقوع ، وحقيقة الوجوب هي الوقوع والسقوط ، قال تعالى : { فإذا وجبت جنوبها } ( الحج : 26 ) أي وقعت وسقطت . وثانيها : أنه ذكر بلفظ الأجر ، والأجر عبارة عن المنفعة المستحقة ، فأما الذي لا يكون مستحقا فذاك لا يسمى أجرا بل هبة . وثالثها : قوله : { على الله } وكلمة { على } للوجوب ، قال تعالى : { ولله على الناس حج البيت } ( آل عمران : 97 ) والجواب : أننا لا ننازع في الوجوب ، لكن بحكم الوعد والعلم والتفضل والكرم ، لا بحكم الاستحقاق الذي لو لم يفعل لخرج عن الإلهية ، وقد ذكرنا دلائله فيما تقدم . المسألة الثالثة : استدل قوم بهذه الآية على أن الغازي إذا مات في الطريق وجب سهمه من الغنيمة ، كما وجب أجره . وهذا ضعيف ، لأن لفظ الآية مخصوص بالأجر ، وأيضا فاستحقاق السهم من الغنيمة متعلق بحيازتها ، إذ لا تكون غنيمة إلا بعد حيازتها ، قال تعالى : { واعلموا أنما غنمتم من شىء } ( الأنفال : 41 ) والله أعلم . ثم قال تعالى : { وكان الله غفورا رحيما } أي يغفر ما كان منه من القعود إلى أن يخرج ، ويرحمه بإكمال أجر المجاهدة . ! 7 < { وإذا ضربتم فى الا رض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلواة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا } . > 7 ! < < النساء : ( 101 ) وإذا ضربتم في . . . . . > > اعلم أن أحد الأمور التي يحتاج المجاهد إليها معرفة كيفية أداء الصلاة في زمان الخوف ، والاشتغال بمحاربة العدو ؛ فلهذا المعنى ذكره الله تعالى في هذه الآية ، وههنا مسائل : المسألة الأولى : قال يالواحدي : يقال قصر فلان صلاته وأقصرها وقصرها ، كل ذلك جائز وقرأ ابن عباس : تقصروا من أقصر ، وقرأالزهري : من قصر ، وهذا دليل على اللغات الثلاث . المسألة الثانية : اعلم أن لفظ القصر مشعر بالتخفيف ، لأنه ليس صريحا في أن المراد هو القصر في كمية الركعات وعددها أو في كيفية أدائها ، فلا جرم حصل في الآية قولان : الأول : أن المراد منه صلاة المسافر ، وهو أن كل صلاة تكون في الحضر أربع ركعات ، فإنها تصير في السفر ركعتين ، فعلى هذا القصر إنما يدخل في صلاة الظهر والعصر والعشاء ، أما المغرب والصبح ، فلا يدخل فيهما القصر . الثاني : أنه ليس المراد بهذه الآية صلاة السفر ، بل صلاة الخوف ، وهو قول ابن عباس وجابر بن عبدالله وجماعة ، قال ابن عباس : فرض الله صلاة الحضر أربعا ، وصلاة السفر ركعتين ، وصلاة الخوف ركعة على لسان نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم ، فهذان القولان متفرعان على ما إذا قلنا : المراد من القصر تقليل الركعات .

قسم V11/P013–V11/P014

القول الثاني : أن المراد من القصر إدخال التخفيف في كيفية أداء الركعات ، وهو أن يكتفي في الصلاة بالإيماء والإشارة بدل الركوع والسجود ، وأن يجوز المشي في الصلاة ، وأن تجوز الصلاة عند تلطخ الثوب بالدم ، وذلك هو الصلاة التي يؤتى بها حال شدة التحام القتال ، وهذا القول يروى عن ابن عباس وطاوس . واحتج هؤلاء على صحة هذا القول بأن خوف الفتنة من العدو لا يزول فيما يؤتى بركعتين على إتمام أوصافهما ، وإنما ذلك فيما يشتد فيه الخوف في حال التحام القتال ، وهذا ضعيف ، لأنه يمكن أن يقال : إن صلاة المسافر إذا كانت قليلة الركعات ، فيمكنه أن يأتي بها على وجه لا يعلم خصمه بكونه مصليا ، أما إذا كثرت الركعات طالت المدة ولا يمكنه أن يأتي بها على حين غفلة من العدو . واعلم أن وجه الاحتمال ما ذكرنا ، وهو أن القصر مشعر بالتخفيف ، والتخفيف كما يحصل بحذف بعض الركعات فكذلك يحصل بأن يجعل الإيماء والإشارة فائما مقام الركوع والسجود . واعلم أن حمل لفظ القصر على إسقاط بعض الركعات أولى ، ويدل عليه وجوه : الأول : ما روي عن يعلى بن أمية أنه قال : قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ، كيف نقصر وقد أمنا ، وقد قال الله تعالى : { ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلواة إن خفتم } فقال : عجبت مما عجبت منه ، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ) وهذا يدل على القصر المذكور في الآية هو القصر في عدد الركعات ، وأن ذلك كان مفهوما عندهم من معنى الآية . الثاني : أن القصر عبارة عن أن يؤتي ببعض الشيء ، ويقتصر عليه ، فأما أن يؤتى بشيء آخر ، فذلك لا يسمى قصرا ، ولا اقتصارا ، ومعلوم أن إقامة الإيماء مقام الركوع والسجود ، وتجويز المشي في الصلاة وتجويز الصلاة مع الثوب الملطخ بالدم ، ليس شيء من ذلك قصرا ، بل كلها إثبات لأحكام جديدة وإقامة لشيء مقام شيء رخر ، فكان تفسير القصر بما ذكرنا أولى . الثالث : أن { من } في قوله { من الصلواة } للتبعيض ، وذلك يوجب جواز الاقتصار على بعض الصلاة ، فثبت بهذه الوجوه أن تفسير القصر بإسقاط بعض الركعات أولى من تفسيره بما ذكروه من الإيماء والإشارة . الرابع : أن لفظ القصر كان مخصوصا في عرفهم بنقص عدد الركعات ، ولهذا المعنى لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ركعتين ، قال ذو اليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ الخامس : أن القصر بمعنى تغير الصلاة مذكور في الآية التي بعد هذه الآية ، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية بيان القصر بمعنى الركعات ، لئلا يلزم التكرار ، والله أعلم . المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه الله : القصر رخصة ، فإن شاء المكلف أتم ، وإن شاء اكتفى على القصر ، وقال أبو حنيفة : القصر واجب ، فإن صلى المسافر أربعا ولم يقعد في الثنتين فسدت صلاته ، وإن قعد بينهما مقدار التشهد تمت صلاته ، واحتج الشافعي رحمه الله على قوله بوجوه : الأول : أن ظاهر قوله تعالى : { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلواة } مشعر بعدم الوجوب ، فإنه لا يقال { فليس عليكم جناح } في أداء الصلاة الواجبة ، بل هذا اللفظ إنما يذكر في رفع التكليف بذلك الشيء ، فأما إيجابه على التعيين فهذا اللفظ غير مستعمل فيه ، أما أبو بكر الرازي فأجاب عنه بأن المراد من القصر في هذه الآية لا تقليل الركعات ، بل تخفيف الأعمال .

قسم V11/P014–V11/P015

وأعلم أنا بينا بالدليل أنه لا يجوز حمل الآية على ما ذكره ، فسقط هذا العذر . وذكر صاحب ( الكشاف ) وجها آخر فيه ، فقال : إنهم لما ألفوا الاتمام ، فربما كان يخطر ببالهم أن عليهم نقصانا في القصر ، فنفى عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر ، فيقال له : هذا الاحتمال إنما يخطر ببالهم إذا قال الشارع لهم : رخصت لكم في هذا القصر ، أما إذا قال : أوجبت عليكم هذا القصر ، وحرمت عليكم الاتمام ، وجلعته مفسدا لصلاتكم ، فهذا الاحتمال مما لا يخطر ببال عاقل أصلا ، فلا يكون هذا الكلام لائقا به . الحجة الثانية : ما روي أن عائشة رضي الله عنها قالت : اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة ، فلما قدمت مكة قلت يا رسول الله : بأبي أنت وأمي ، قصرت وأتممت وصمت وأفطرت ، فقال : أحسنت يا عائشة وما عاب علي ، وكان عثمان يتم ويقصر ، وما ظهر إنكار من الصحابة عليه . الحجة الثالثة : أن جميع رخص السفر شرعت على سبيل التجويز ، لا على سبيل التعيين جزما فكذا ههنا ، واحتجوا بالأحاديث منها ما روى عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال فيه ( سدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ) فظاهر الأمر للوجوب ، وعن أبي عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسافرا صلى ركعتين . والجواب : أن هذه الأحاديث تدل على كون القصر مشروعا جائزا ، إلا أن الكلام في أنه هل يجوز غيره ؟ ولما دل لفظ القرآن على جواز غيره كان القول به أولى ، والله أعلم . المسألة الرابعة : قال بعضهم : صلاة السفر ركعتان ، تمام غير قصر ، ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أقرت صلاة السفر ، وزيد في صلاة الحضر . وأعلم أن لفظ الآية يبطل هذا ، وذلك لأنا بينا أن المراد من القصر المذكور في الآية تخفيف الركعات ، ولو كان الأمر ما ذكروه لما كان هذا قصرا في صلاة السفر ، بل كان ذلك زيادة في صلاة الحضر ، والله أعلم . المسألة الخامسة : زعم داود وأهل الظاهر أن قليل السفر وكثيره سواء في جواز الرخصة وزعم جمهور الفقهاء أن السفر ما لم يقدر بمقدار مخصوص لم يحصل فيه الرخصة . احتج أهل الظاهر بالآية فقالوا : إن قوله تعالى : { وإذا ضربتم فى الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلواة } جملة مركبة من شرط ، وجزاء الشرط هو الضرب في الأرض ، والجزاء هو جواز القصر ، وإذا حصل الشرط وجب أن يترتب عليه الجزاء سواء كان الشرط الذي هو السفر طويلا أو قصيرا / أقصى ما في الباب أن يقال : فهذا يقتضي حصول الرخصة عند انتقال الإنسان من محلة إلى محلة ، ومن دار إلى دار ، إلا أنا نقول :

قسم V11/P015–V11/P016

الجواب عنه من وجهين : الأول : أن الانتقال من محلة إلى محلة إن لم يسم بأنه ضرب في الأرض ، فقد زال الاشكال ، وإن سمي بذلك فنقول : أجمع المسلمون على أنه غير معتبر ، فهذا تخصيص تطرق إلى هذا النص بدلالة الإجماع ، والعام بعد التخصيص حجة ، فوجب أن يبقى النص معتبرا في السفر ، سواء كان قليلا أو كثيرا . والثاني : أن قوله : { وإذا ضربتم فى الارض } يدل على أنه تعالى جعل الضرب في الأرض شرطا لحصول هذه الرخصة ، فلو كان الضرب في الأرض اسما لمطلق الانتقال لكان ذلك حاصلا دائما ، لأن الإنسان لا ينفك طول عمره من الانتقال من الدار إلى المسجد ، ومن المسجد إلى السوق ، وإذا كان حاصلا دائما امتنع جعله شرطا لثبوت هذا الحكم ، فلما جعل الله الضرب في الأرض شرطا لثبوت هذا الحكم علمنا أنه مغاير لمطلق الانتقال وذلك هو الذي يسمى سفرا ومعلوم أن اسم السفر واقع على القريب وعلى البعيد ، فعلمنا دلالة الآية على حصول الرخصة في مطلق السفر ، أما الفقهاء فقالوا : أجمع السلف على أن أقل السفر مقدر ، قالوا : والذي يدل عليه أنه حصل في المسألة روايات : فالرواية الأولي : ما روي عن عمر أنه قال : يقصر في يوم تام ، وبه قال الزهري والأوزاعي . الثانية : قال ابن عباس : إذا زاد على يوم وليلة قصر . والثالثة : قال أنس بن مالك : المعتبر خمس فراسخ . الرابعة : قال الحسن : مسيرة ليلتين . الخامسة : قال الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير : من الكوفة إلى المداين ، وهي مسيرة ثلاثة أيام ، وهو قول أبي حنيفة . وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه إذا سافر إلى موضع يكون مسيرة يومين وأكثر اليوم الثالث جاز القصر ، وهكذا رواه ابن سماعة عن أبي يوسف ومحمد . السادسة : قال مالك والشافعي : أربعة برد كل بريد أربعة فراسخ ، كل فرسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الذي قدر أميال البادية كل ميل إثنا عشر ألف قدم ، وهي أربعة آلاف خطوة ، فإن كل ثلاثة أقدام خطوة قال الفقهاء : فاختلاف الناس في هذه الأقوال يدل على انعقاد الإجماع على أن الحكم غير مربوط بمطلق السفر ، قال أهل الظاهر : اضطراب الفقهاء في هذه الأقاويل ، يدل على أنهم لم يجدوا في المسألة دليلا قويا في تقدير المدة ، إذ لو حصل في المسألة دليل ظاهر الدلالة لما حصل هذا الاضطراب ، وأما سكوت سائر الصحابة عن حكم هذه المسألة فلعله إنما كان لأنهم اعتقدوا أن هذه الآية دالة على ارتباط الحكم بمطلق السفر ، فكان هذا الحكم ثابتا في مطلق السفر بحكم هذه الآية ، وإذا كان الحكم مذكورا في نص القرآن لم يكن بهم حاجة إلى الاجتهاد والاستنباط ، فلهذا سكتوا عن هذه المسألة .

قسم V11/P016–V11/P017

وأعلم أن أصحاب أبي حنيفة عولوا في تقدير المدة بثلاثة أيام على قوله عليه الصلاة والسلام يمسح المسافر ثلاثة أيام ، وهذا يقتضي أنه إذا لم يحصل المسح ثلاثة أيام أن لا يكون مسافرا ، وإذا لم يكن مسافرا لم يحصل الرخص المشروعة في السفر ، وأما أصحاب الشافعي رضي الله عنه فإنهم عولوا على ما روى مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد ، من مكة إلى عسفان ، قال أهل الظاهر : الكلام عليه من وجوه : الأول : أنه بناء على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد ، وهو عندنا غير جائز لوجهين : الأول : إن القرآن وخبر الواحد مشتركان في دلالة لفظ كل واحد منهما على الحكم ، والقرآن مقطوع المتن ، والخبر مظنون المتن ، فكان القرآن أقوى دلالة من الخبر ، فترجيح الضعيف على القوي لا يجوز . والثاني : أنه روي في الخبر أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( إذا روي حديث عني فاعرضوه على كتاب الله تعالى فإن وافقه فاقبلوه وإن خالفه فردوه ) ، دل هذا الخبر على أن كل خبر ورد على مخالفة كتاب الله تعالى فهو مردود ، فهذا الخبر لما ورد على مخالفة عموم الكتب وجب أن يكون مردودا . الوجه الثاني : في دفع هذه الأخبار ، وهو أنها أخبار آحاد وردت في واقعة تعم الحاجة إلى معرفة حكمها فوجب كونها مردودة ، إنما قلنا : إن الحاجة إليها عامة لأن أكثر الصحابة كانوا في أكثر الأوقات في السفر وفي الغزو ، فلما كانت رخص السفر مخصوصة بسفر مقدر ، كانت الحاجة إلى مقدار السفر المفيد للرخص حاجة عامة في حق المكلفين ، ولو كان الأمر كذلك لعرفوها ولنقلوها نقلا متواترا ، لا سيما وهو على خلاف ظاهر القرآن ، فلما لم يكن الأمر كذلك علمنا أن هذه أخبار ضعيفة مردودة ، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يجوز ترك ظاهر القرآن بسببها . الثالث : أن دلائل الشافعية ودلائل الحنفية صارت متقابلة متدافعة ، وإذا تعارضت تساقطت ، فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن ، هذا تمام الكلام في هذا الموضع . والذي عندي في هذا الباب أن يقال : إن كلمة ( إذا ) وكلمة ( إن ) لا يفيدان إلا كون الشرط مستعقبا لذلك الجزاء في جميع الأوقات فهذا غير لازم ، بدليل أنه إذا قال لامرأته : إن دخلت الدار ، أو إذا دخلت الدار فأنت طالق ، فدخلت مرة وقع الطلاق ، وإذا دخلت الدار ثانيا لا يقع وهذا يدل على أن كلمة ( إذا ) وكلمة ( إن ) لا يفيدان العموم البتة ، وإذا ثبت هذا سقط استدلال أهل الظاهر بالآية ، فإن الآية لا تفيد إلا أن الضرب في الأرض يستعقب مرة واحدة هذه الرخص وعندنا الأمر كذلك فيما إذا كان السفر طويلا ، فأما السفر القصير فإنما يدخل تحت الآية لو قلنا أن كلمة ( إذا ) للعموم ، ولما ثبت أنه ليس الأمر كذلك فقط سقط هذا الاستدلال ، وإذا ثبت هذا ظهر أن الدلائل التي تمسك بها المجتهدون بمقدار معين ليست واقعة على خلاف ظاهر القرآن فكانت مقبولة صحيحة ، والله أعلم .

قسم V11/P017–V11/P018

المسألة السادسة : زعم داود وأهل الظاهر أن جواز القصر مخصوص بحال الخوف . واحتجوا بأنه تعالى أثبت هذا الحكم مشروطا بالحوف ، وهو قوله { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلواة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } والمشروط بالشيء عدم عند عدم ذلك الشرط ، فوجب أن لا يحصل جواز القصر عند الأمن . قالوا : ولا يجوز رفع هذا الشرط بخبر من أخبار الآحاد ، لأنه يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد وإنه لا يجوز ، ولقد صعب هذا الكلام على قوله ذكروا فيه وجوها متكلفة في الآية ليتخلصوا عن هذا الكلام . وعندي أنه ليس في هدا غموض ، وذلك لأتا بينا في تفسير قوله تعالى : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } ( النساء : 31 ) أن كلمة ( إن ) وكلمة ( إذا ) يفيدان أن عند حصول الشرط يحصل المشروط ، ولا يفيدان أن عند عدم الشرط يلزم عدم المشروط ، واستدللنا على صحة هذا الكلام بآيات كثيرة ، وإذا ثبت هذا فنقول : قوله تعالى : { إن خفتم } يقتضي أن عند حصول الخوف تحصل الرخصة ، ويقتضي أن عند عدم الخوف لا تحصل الرخصة ، وإذا كان كذلك كانت الآية ساكتة عن حال الأمن بالنفي وبالإثبات ، وإثبات الرخصة حال الأمن بخبر الواحد يكون إثباتا لحكم سكت عنه القرآن بخبر الواحد ، وذلك غير ممتنع ، إنما الممتنع إثبات الحكم بخبر الواحد على خلاف ما دل عليه القرآن ، ونحن لا نقول به . فإن قيل : فعلى هذا لما كان هذا الحكم ثابتا حال الأمن وحال الخوف ، فما الفائدة في تقييده بحال الخوف ؟ قلنا : إن الآية نزلت في غالب أسفار النبي صلى الله عليه وسلم ، وأكثرها لم يخل عن خوف العدو / فذكر الله هذا الشرط من حيث أنه هو الأغلب في الوقوع ، ومن الناس من أجاب عنه بأن القصر المذكور في الآية المراد منه الاكتفاء بالإيماء والإشارة بدلا عن الركوع والسجود ، وذلك هو الصلاة حال شدة الخوف ، ولا شك أن هذه الصلاة مخصوصة بحال الخوف ، فإن وقت الأمن لا يجوز الإتيان بهذه الصلاة ، ولا تكون محرمة ولا صحيحة ، والله أعلم . ثم يقال لأهل الظاهر : إن ظاهر هذه الآية يقتضي أن لا يجوز القصر إلا عند حصول الخوف الحاصل من فتنة الكفار ، وأما لو حصل الخوف بسبب آخر وجب أن لا يجوز القصر ، فإن التزموا ذلك سلموا من الطعن ، إلا أنه بعيد ، وإن لم يلتزموه توجه النقص عليهم ، لأنه تعالى قال : { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } وذلك يقتضي أن الشرط هو هذا الخوف المخصوص ، ولهم أن يقولوا : إما أن يقال : حصل إجماع الصحابة والأمة على أن مطلق الخوف كاف ، أو لم يحصل الإجماع ، فإن حصل الإجماع فنقول : خالفنا ظاهر القرآن بدلالة الإجماع ، وهو دليل قاطع فلم تجز مخالفته بدليل ظني ، وإن لم يحصل الإجماع فقد زال السؤال ، لأنا نلتزم أنه لا يجوز القصر إلا مع هذا الخوف المخصوص ، والله أعلم . أما قوله : { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } ففي تفسير هذه الفتنة قولان : الأول : خفتم أن يفتنوكم عن إتمام الركوع والسجود في جميعها . الثاني : إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا بعداوتهم ، والحاصل أن كل محنة وبلية وشدة فهي فتنة .

قسم V11/P018–V11/P019

ثم قال تعالى : { إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا } والمعنى أن العداوة الحاصلة بينكم وبين الكافرين قديمة ، والآن قد أظهرتم خلافهم في الدين وازدادت عداوتهم ، وبسبب شدة العداوة أقدموا على محاربتكم وقصد إتلافكم إن قدروا ، فإن طالت صلاتكم فربما وجدوا الفرصة في قتلكم ، فعلى هذا رخصت لكم في قصر الصلاة ، وإنما قال { عدوا } ولم يقل أعداء ، لأن العدو يستوي فيه الواحد والجمع ، قال تعالى : { فإنهم عدو لى إلا رب العالمين } ( الشعراء : 77 ) . ! 7 < { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلواة فلتقم طآئفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورآئكم ولتأت طآئفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضىأن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا فإذا قضيتم الصلواة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلواة إن الصلواة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا } > 7 < النساء : ( 102 - 103 ) وإذا كنت فيهم . . . . . > > أعلم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة حال قصر الصلاة بحسب الكمية في العدد ، بين في هذه الآية حالها في الكيفية ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال أبو يوسف والحسن بن زياد : صلاة الخوف كانت خاصة للرسول صلى الله عليه وسلم ولا تجوز لغيره ، وقال المزني : كانت ثابتة ثم نسخت . واحتج أبو يوسف على قوله بوجهين : الأول : أن قوله تعالى : { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلواة } ظاهره يقتضي أن إقامة هذه الصلاة مشروطة بكون النبي صلى الله عليه وسلم فيهم ، لأن كلمة ( إذا ) تفيد الاشتراط الثاني : أن تغيير هيئة الصلاة أمر على خلاف الدليل ، إلا أنا جوزنا ذلك في حق الرسول صلى الله عليه وسلم لتحصل للناس فضيلة الصلاة خلفه ، وأما في حق غير الرسول عليه الصلاة والسلام فهذا المعنى غير حاصل ، لأن فضيلة الصلاة خلف الثاني كهي خلف الأول ، فلا يحتاج هناك إلى تغيير هيئة الصلاة ، وأما سائر الفقهاء فقالوا : لما ثبت هدا الحكم في حق النبي صلى الله عليه وسلم بحكم هذه الآية وجب أن يثبت في حق غيره لقوله تعالى : { واتبعوه } ( الأعراف : 158 ) ألا ترى أن قوله تعالى : { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم } ( التوبة : 103 ) لم يوجب كون الرسول صلى الله عليه وسلم مخصوصا به دون غيره من الأمة بعده ، وأما التمسك بإدراك فضيلة الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم فليس يجوز أن يكون علة لإباحة تغيير الصلاة ، لأنه لا يجوز أن يكون طلب الفضيلة يوجب ترك الفرض ، فاندفع هذا الكلام والله أعلم .

قسم V11/P019–V11/P020

المسألة الثانية : شرح صلاة الخوف هو أن الإمام يجعل القوم طائفتين ويصلي بهم ركعة واحدة ، ثم إذا فرغوا من الركعة فكيف يصنعون ؟ فيه أقوال : الأول : أن تلك الطائفة يسلمون من الركعة الواحدة ويذهبون إلى وجه العدو ، وتأتي الطائفة الأخرى ويصلي بهم الإمام ركعة أخرى ويسلم ، وهذا مذهب من يرى أن صلاة الخوف للإمام ركعتان ، وللقوم ركعة ، وهذا مروي عن ابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد . الثاني : أن الإمام يصلي بتلك الطائفة ركعتين ويسلم ، ثم تذهب تلك الطائفة إلى وجه العدو ، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي الإمام بهم مرة أخرى ركعتين ، وهذا قول الحسن البصري . الثالث : أن يصلي الإمام مع الطائفة الأولى ركعة تامة ، ثم يبقى الإمام قائما في الركعة الثانية إلى أن تصلي هذه الطائفة ركعة أخرى ، ويتشهدون ويسلمون ويذهبون إلى وجه العدو ، ثم تأتي الطائفة الثانية ويصلون مع الإمام قائما في الركعة الثانية ركعة ، ثم يجلس الإمام في التشهد إلى أن تصلي الطائفة الثانية الركعة الثانية / ثم يسلم الإمام بهم ، وهذا قول سهل بن أبي حثمة ومذهب الشافعي . الرابع : أن الطائفة الأولى يصلي الإمام بهم ركعة ويعودون إلى وجه العدو ، وتأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم بقية الصلاة وينصرفون إلى وجه العدو ، ثم تعود الطائفة الأولى فيقضون بقية صلاتهم بقراءة وينصرفون إلى وجه العدو ، ثم تعود الطائفة الثانية فيقضون بقية صلاتهم بقراءة ، والفرق أن الطائفة الأولى أدركت أول الصلاة ، وهم في حكم من خلف الإمام ، وأما لاثانية فلم تدرك أول الصلاة ، والمسبوق فيما يقضي كالمنفرد في صلاته ، وهذا قول عبد الله بن مسعود ، ومذهب أبي حنيفة . وأعلم أنه وردت الروايات المختلفة بهذه الصلاة ، فلعله صلى الله عليه وسلم صلى بهم هذه الصلاة في أوقات مختلفة بحسب المصلحة ، وإنما وقع الاختلاف بين الفقهاء في أن الأفضل والأشد موافقة لظاهر الآية أي هذه الأقسام ، أما الواحدي رحمه الله فقال : الآية مخالفة للروايات التي أخذ بها أبو حنيفة ، وبين ذلك من وجهين : الأول : أنه تعالى قال : { ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا } وهذا يدل على أن الطائفة الأولى قد صلت عند إتيان الثانية ، وعند أبي حنيفة ليس الأمر كذلك ، لأن الطائفة الثانية عنده تأتي والأولى بعد في الصلاة وما فرغوا منها . الثاني : أن قوله { فليصلوا معك } ظاهره يدل على أن جميع صلاة الطائفة الثانية مع الإمام لأن مطلق قولك : صليت مع الإمام يدل على أنك أدركت جميع الصلاة معه ، وعلى قول أبي حنيفة ليس الأمر كذلك ، وأما أصحاب أبي حنيفة فقالوا : الآية مطابقة لقولنا ، لأنه تعالى قال : { فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم } وهذا يدل عى أن الطائفة الأولى لم يفرغوا من الصلاة ، ولكنهم يصلون ركعة ثم يكونون من وراء الطائفة الثانية للحراسة ، وأجاب الواحدي عنه فقال : هذا إنما يلزم إذا جعلنا السجود والكون من ورائكم لطائفة واحدة ، وليس الأمر كذلك ، بل هو لطائفتين السجود للأولى ، والكون من ورائكم الذي بمعنى الحراسة للطائفة الثانية والله أعلم . ولنرجع إلى تفسير الآية فنقول : قوله تعالى : { وإذا كنت فيهم } أي وإذا كنت أيها النبي مع المؤمنين في غزواتهم وخوفهم { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلواة فلتقم } والمعنى فاجعلهم طائفتين ، فلتقم منهم طائفة معك فصل بهم وليأخذوا أسلحتهم ، والضمير إما للمصلين وإما لغيرهم ، فإن كان للمصلين فقالوا : يأخذون من السلام ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر ، وذلك لأن ذلك أقرب إلى الاحتياط وأمنع للعدو من الإقدام عليهم ، وإن كان لغير المصلين فلا كلام فيه . ويحتمل أن يكون ذلك أمرا للفريقين بحمل السلام لأن ذلك أقرب إلى الاحتياط .

قسم V11/P020–V11/P021

ثم قال : { فإذا سجدوا فليكونوا } يعني غير المصلين { من ورائكم } يحرسونكم ، وقد ذكرنا أن أداء الركعة الأولى مع الإمام في صلاة الخوف كهو في صلاة الأمن ، إنما التفاوت يقع في أداء الركعة الثانية فيه ، وقد ذكرنا مذاهب الناس فيها . ثم قال : { ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك } وقد بينا أن هذه الآية دالة على صحة قول الشافعي . ثم قال : { وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } والمعنى أنه تعالى جعل الحذر وهو التحذر والتيقظ آلة يستعملها الغازي ، فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ وجعلا مأخوذين . قال الواحدي رحمه الله : وفيه رخصة للخائف في الصلاة بأن يجعل بعض فكره في غير الصلاة . فإن قيل : لم ذكر في الآية الأولى { أسلحتهم } فقط ، وذكر في هذه الآية حذرهم وأسلحتهم . قلنا : لأن في أول الصلاة قلما يتنبه العدو لكون المسلمين في الصلاة / بل يظنون كونهم قائمين لأجل المحاربة أما في الركعة الثانية فقد ظهر للكفار كونهم في الصلاة ، فههنا ينتهزون الفرصة في الهجوم عليهم ، فلا جرم خص الله تعالى هذا الموضع بزيادة تحذير فقال : { وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } . ثم قال تعالى : { ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتهم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة } أي بالقتال . عن أبي عباس وجابر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه الظهر ، ورأى المشركون ذلك ، فقالوا بعد ذلك : بئسما صنعنا حيث لم نقدم عليهم ، وعزموا على ذلك عند الصلاة الأخرى ، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على أسرارهم بهذه الآية : ثم قال تعالى : { ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم } والمعنى أنه إن تعذر حمل السلاح إما لأنه يصيبه بلل المطر فيسود وتفسد حدته ، أو لأن من الأسلحة ما يكون مبطنا فيثقل على لابسه إذا ابتل بالماء ، أو لأجل أن الرجل كان مريضا فيشق عليه حمل السلام ، فههنا له أن يضع حمل السلاح . ثم قال : { وخذوا حذركم } والمعنى أنه لما رخص لهم في وضع السلاح حال المطر وحال المرض أمرهم مرة أخرى بالنيقظ والتحفظ والمبالغة في الحذر ، لئلا يجترىء العدو عليهم احتيالا في الميل عليهم واستغناما منهم لوضع المسلمين أسلحتهم ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : أن قوله في أول الآية { وليأخذوا أسلحتهم } أمر ، وظاهر الأمر للوجوب ، فيقتضي أن يكون أمذ السلاح واجبا ثم تأكد هذا بدليل آخر ، وهو أنه قال : { ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو وراء هاتين الحالتين يكون الإثم والجناح حاصلا بسبب وضع السلاح . ومنهم من قال : إنه سنة مؤكدة ، والأصح ما بيناه ثم الشرط أن لا يحمل سلاحا نجسا إن أمكنه ، ولا يحمل الرمح إلا في طرف الصف ، وبالجملة بحيث لا يتأذى به أحد .

قسم V11/P021–V11/P022

المسألة الثانية : قال أبو على الجرجاني صاحب النظم : قوله تعالى : { وخذوا حذركم } يدل على أنه كان يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي بصلاة الخوف على جهة يكون بها حاذرا غير غافل عن كيد العدو . والذي نزل به القرآن في هذا الموضع هو وجه الحذر ، لأن العدو يومئذ بذات الرقاع كان مستقبل القبلة ، فالمسلمون كانوا مستدبرين القبلة ، ومتى استقبلوا القبلة صاروا مستدبرين لعدوهم ، فلا جرم أمروا بأن يصيروا طائفتين : طائفة في وجه العدو ، وطظائفة مع النبي عليه الصلاة والسلام مستقبل القبلة ، وأما حين كان النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان وببطن نخل فإنه لم يفرق أصحابه طائفتين ، وذلك لأن العدو كان مستدبر القبلة ، والمسلمون كانوا مستقبلين لها ، فكانوا يرون العدو حال كونهم في الصلاة فلم يحتاجوا إلى الاحتراس إلا عند السجود ، فلا جرم لما سجد الصف الأول بقي الصف الثاني يحرسونهم ، فلما فرغوا من السجود وقاموا تأخروا وتقدم الصف الثاني وسجدوا وكان الصف الأول حال قيامهم يحرسون الصف الثاني ، فثبت بما ذكرنا أن قوله تعالى : { خذوا حذركم } يدل على جواز هذه الوجوه ؛ والذي يدل على أن المراد من هذه الآية ما ذكرناه أنا لو لم نحملها على هذا الوجه لصار تكرارا محضا من غير فائدة ، ولوقع فعل الرسول بعسفان وببطن نخل على خلاف نص القرآن وإنه غير جائز ، والله أعلم . المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : إن الله تعالى أمر بالحذر ، وذلك يدل على كون العبد قادرا على الفعل وعلى الترك وعلى جميع وجوه الحذر ، وذلك يدل على أن أفعال العباد ليست مخلوقة لله تعالى ، وجوابه ما تقدم من المعارضة بالعلم والداعي والله أعلم . المسألة الرابعة : دلت الآية على وجوب الحذر عن العدو ، فيدل على وجوب الحذر عن جميع المضار المظنونة ، وبهذا الطريق كان الإقدام على العلاج بالدواء والعلاج باليد والاحتراز عن الوباء وعن الجلوس تحت الجدار المائل واجبا والله أعلم . ثم قال تعالى : { إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا } وفيه سؤال ، أنه كيف طابق الأمر بالحذر قوله { إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا } وجوابه : أنه تعالى لما أمر بالحذر عن العدو أوهم ذلك قوة العدو وشدتهم ، فأزال الله تعالى هذا الوهم بأن أخبر أنه يهينهم ويخذلهم ولا ينصرهم البتة حتى يقوي قلوب المسلمين ويعلموا أن الأمر بالحذر ليس لما لهم من القوة والهيبة ، وإنما هو لأجل أن يحصل الخوف في قلب المؤمنين ، فحيهئذ يكونون متضرعين إلى الله تعالى في أن يمدهم بالنصر والتوفيق ، ونظيره قوله تعالى : { إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون } ( الأنفال : 45 ) . ثم قال تعالى : { فإذا قضيتم الصلواة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم } وفيه قولان : الأول : فإذا قضيتم صلاة الخوف فواظبوا على ذكر الله في جميع الأحوال ، فإن ما أنتم عليه من الخوف والحذر مع العدو جدير بالمواظبة على ذكر الله والتضرع إليه ، الثاني : أن المراد بالذكر الصلاة ، يعني صلوا قياما حال اشتغالكم بالمسابقة والمقارعة ، وقعودا حال اشتغالكم بالرمي ، وعلى جنوبكم حال ما تكثر الجراحات فيكم فتسقطون على الأرض ، فإذا اطمأننتم حين تضع الحرب أوزارها فأقيموا الصلاة ، فاقضوا ما صليتم في حال المسابقة . هذا ظاهر على مذهب الشافعي في إيجاب الصلاة على المحارب في حال المسابقة إذا حضر وقتها ، وإذا اطمأنوا فعليهم القضاء إلا أن على هذا القول إشكالا ، وهو أن يصير تقدير الآية : فإذا قضيتم الصلاة فصلوا ، وذلك بعيد لأن حمل لفظ الذكر على الصلاة مجاز فلا يصار إليه إلا لضرورة .

الأسئلة