Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

قسم V11/P022–V11/P023

ثم قال تعالى : { فإذا قضيتم الصلواة فاذكروا } واعلم أن هذه الآية مسبوقة بحكمين : أولهما : بيان القصر وهو صلاة السفر ، والثاني : صلاة الخوف ، ثم إن قوله { فإذا اطمأننتم } يحتمل نقيض الأمرين ، فيحتمل أن يكون المراد من الاطمئنان أن لا يبقى الإنسان مسافرا بل يصير مقيما ، وعلى هذا التقدير يكون المراد : فإذا صرتم مقيمين فأقيموا الصلاة تامة من غير قصر البتة ، ويحتمل أن يكون المراد من الاطمئنان أن لا يبقى الإنسان مضطرب القلب ، بل يصير ساكن القلب ساكن النفس بسبب أنه زال الخوف ، وعلى هذا التقدير يكون المراد : فإذا زال الخوف عنكم فأقيموا الصلاة على الحالة التي كنتم تعرفونها ، ولا تغيروا شيئا من أحوالها وهيآتها ، ثم لما بالغ الله سبحانه وتعالى في شرح أقسام الصلاة فذكر صلاة السفر ، ثم ذكر بعد ذلك صلاة الخوف ختم هذه الآية بقوله { فإذا قضيتم الصلواة فاذكروا الله قياما وقعودا } أي فرضا موقتا ، والمراد بالكتاب ههنا المكتوب كأنه قيل : مكتوبة موقوتة ، ثم حذف الهاء من الموقوت كما جعل المصدر موضع المفعو والمصدر مذكر ، ومعنى الموقوت أنها كتبت عليهم في أوقات موقتة ، يقال : وقته ووقته مخففا ، وقريء { وإذا الرسل } ( المرسلات : 11 ) بالتخفيف . واعلم أنه تعالى بين في هذه الآية أن وجوب الصلاة مقدر بأوقات مخصوصة ، إلا أنه تعالى أجمل ذكر الأوقات ههنا وبينها في سائر الآيات ، وهي خمسة : أحدها : قوله تعالى { بصير حافظوا على الصلوات والصلواة الوسطى } ( البقرة : 238 ) فقوله { الصلوات } يدل على وجوب صلوات ثلاثة / وقوله { حافظوا على } يمنع أن يكون أحد تلك الثلاثة وإلا لزم التكرار ، فلا بد وأن تكون زائدة على الثلاثة ولا يجوز أن يكون الواجب أربعة ، وإلا لم يحصل فيها وسطى ، فلا بد من جعلها خمسة لتحصل الوسطى ، وكما دلت هذه الآية على وجوب خمس صلوات دلت على عدم وجوب الوتر ، وإلا لصارت الصلوات الواجبة ستة ، فحينئذ لا تحصل الوسطى فهذه الآية دلت على أن الواجب خمس صلوات إلا أنها غير دالة على بيان أوقاتها . وثانيها : قوله تعالى : { أقم الصلواة لدلوك الشمس إلى غسق اليل وقرءان الفجر } ( الإسراء : 78 ) فالواجب من الدلوك إلى الغسق هو الظهر والعصر ، والواجب من الغسق إلى الفجر هو المغرب والعشاء والواجب في الفجر هو صلاة الصبح ، وهذه الآية توهم أن للظهر والعصر وقتا واحدا وللمغرب والعشاء وقتا واحدا . وثالثها : قوله سبحانه { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون } ( الروم : 17 ) والمراد منه الصلاتان الواقعتان في طرفي النهار وهما المغرب والصبح ، ثم قال { وله الحمد فى السماوات والارض وعشيا وحين تظهرون } ( الروم : 18 ) فقوله { وعشيا } المراد منه الصلاة الواقعة في محض الليل وهي صلاة العشاء ، وقوله { وحين تظهرون } المراد الصلاة الواقعة في محض النهار ، وهي صلاة الظهر كما قدم في قوله { حين تمسون وحين تصبحون } ( الروم : 17 ) صلاة الليل على صلاة النهار في الذكر ، فكذلك قدم في قوله { وعشيا وحين تظهرون } صلاة الليل على ثلاة النهار في الذكر ، فصارت الصلوات الأربعة مذكورة في هذه الآية ، وأما صلاة العصر فقد أفردها الله تعالى بالذكر في قوله { والعصر } تشريفا لها بالإفراد بالذكر . ورابعها : قوله تعالى : { وأقم الصلواة طرفى النهار وزلفا من اليل } ( هود : 114 ) فقوله { طرفى النهار } يفيد وجوب صلاة الصبح وجوب صلاة العصر لأنهما كالواقعتين على الطرفين ، وإن كانت صلاة الصبح واقعة قبل حدوث الطرف الأول وصلاة العصر واقعة قبل حدوث الطرف الثاني . وقوله { وزلفا من اليل } يفيد وجوب المغرب والعشاء ، وكان بعضهم يستدل بهذه الآية على وجوب الوتر قال : لأن الزلف جمع ، وأقله ثلاثة ، فلا بد وأن يجب ثلاث صلوات في الليل عملا بقوله { وزلفا من اليل } وخامسها : قوله تعالى { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن ءاناء اليل فسبح } فقوله { قبل طلوع الشمس وقبل غروبها } ( طه : 130 ) إشارة إلى الصبح والعصر ، وهو كقوله { وأقم الصلواة طرفى النهار وزلفا من اليل } ( هود : 114 ) وقوله { ومن ءاناء اليل } إشارة إلى المغرب والعشاء ، وهو كقوله { وزلفا من اليل } وكما احتجوا بقوله { وزلفا من اليل } فكذلك احتجوا عليه بقوله { ومن ءاناء اليل } لأن قوله آناء الليل جمع وأقله ثلاثة ، فهذا مجموع الآيات الدالة على الأوقات الخمسة للصلوات الخمس .

قسم V11/P023–V11/P024

واعلم أن تقدير الصلوات بهذه الأوقات الخمسة في نهاية الحسن والجمال نظرا إلى المعقول ، وبيانه أن لكل شيء من أحوال هذا العالم مراتب خمسة : أولها : مرتبة الحدوث والدخول في الوجود ، وهو كما يولد الإنسان ويبقى في النشو والنماء إلى مدة معلومة ، وهذه المدة تسمى سن النشو والنماء . والمرتبة الثانية : مدة الوقوف ، وهو أن يبقى ذلك الشيء على صفة كماله من غير زيادة ولا نقصان وهذه المدة تسمى سن الشباب . والمرتبة الثالثة : مدة الكهولة ، وهو أن يظهر في الإنسان نقصانات ظاهرة جلية إلى أن يموت ويهلك / وتسمى هذه المدة سن الشيخوخة . المرتبة الخامسة : أن تبقى آثاره بعد موته مدة ، ثم بالآخرة تنمحي تلك الآثار وتبطل وتزول ، ولا يبقى منه في الدنيا خبر ولا أثر ، فهذه المراتب الخمسة حاصلة لجميع حوادث هذا العالم سواء كان إنسانا أو غيره من الحيوانات أو النباتات ، والشمس حصل لها بحسب طلوعها وغروبها هذه الأحوال الخمس ، وذلك لأنها حين تطلع من مشرقها يشبه حالها حال المولود عندما يولد ، ثم لا يزال يزداد ارتفاعها ويقوى نورها ويشتد حرها إلى أن تبلغ إلى وسط السماء ، فتقف هناك ساعة ثم تنحدر ويظهر فيها نقاصانات خفية إلى وقت العصر ، ثم من وقت العصر يظهر فيها نقصانات ظاهرة فيضعف ضوؤها ويضعف حرها ، ويزداد انحطاطها وقوتها إلى الغروب ، ثم إذا غربت يبقى بعض آثارها في أفق المغرب وهو الشفق ، ثم تنمحي تلك الآثار وتصير الشمس كأنها ما كانت موجودة في العالم ، فلما حصلت هذه الأحوال الخمسة لها وهي أمور عجيبة لا يقدر عليها إلا الله تعالى لا جرم أوجب الله تعالى عند كل واحد من هذهالأحوال الخمسة لها صلاة ، فأوجب عند قرب الشمس من الطلوع صلاة الفجر شكرا للنعمة العظيمة الحاصلة بسبب زوال تلك الظلمة وحصول النور ، وبسبب زوال النوم الذي هو كالموت وحصول اليقظة التي هي كالحياة ، ولما وصلت الشمس إلى غاية الارتفاع ثم ظهر فيها أثر الانحطاط أوجب صلاة الظهر تعظيما للخالق القادر على قلب أحوال الأجرام العلوية والسفلية من الضد إلى الضد ، فجعل الشمس بعد غاية ارتفاعها واستعلائها منحطة عن ذلك العلو وآخذة في سن الكهولة ، وهو النقصان الخفي ، ثم لما انقضت مدة الحكهولة ودخلت في أول زمان الشيخوخة أوجب تعالى صلاة العصر . ونعم ما قال الشافعي رحمه الله : أن أول العصر هو أن يصير ظل كل شيء مثليه ، وذلك لأن من هذا الوقت تظهر النقصانات الظاهرة ، ألا ترى أن من أول وقت الظهر إلى وقت العصر على قول الشافعي رحمه الله ما ازداد الظل إلا مثل الشيء ، ثم إن في زمان الطيف يصير ظله مثليه ، وذلك يدل على أن من الوقت الذي يصير ظل الشيء مثلا له تأخذ الشمس في النقصانات الظاهرة ، ثم إذا غربت الشمس أشبهت هذه الحالة ما إذا مات الإنسان ، فلا جرم أوجب الله تعالى عند هذه الحالة صلاة المغرب ، ثم لما غرب الشفق فكأنه انمحت آثار الشمس ولم يبق منها في الدنيا خبر ولا أثر ، فلا جرم أوجب الله تعالى صلاة العشاء ، فثبت أن إيجاب الصلوات الخمس في هذه الأوقات الخمسة مطابق للقوانين العقلية والأصول الحكمية ، والله أعلم بأسرار أفعاله . ! 7 < { ولا تهنوا فى ابتغآء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما } . > 7 ! < < النساء : ( 104 ) ولا تهنوا في . . . . .

قسم V11/P024–V11/P025

> > اعلم أنه تعالى لما ذكر بعض الأحكام التي يحتاج المجاهد إلى معرفتها عاد مرة أخرى إلى الحث على الجهاد فقال { ولا تهنوا } أي ولا تضعفوا ولا تتوانوا { فى ابتغاء القوم } أي في طلب الكفار بالقتال ، ثم أورد الحجة عليهم في ذلك فقال : فلما لم يصر خوف الألم مانعا لهم عن قتالكم فكيف صار مانعا لكم عن قتالهم ، ثم زاد في تقرير الحجة وبين أن المؤمنين أولى بالمصابرة على القتال من المشركين ، لأن المؤمنين مقرون بالثواب والعقاب والحشر والنشر ، والمشركين لا يقرون بذلك ، فإذا كانوا مع إنكارهم الحشر والنشر يجدون في القتال فأنتم أيها المؤمنون المقرون بأن لكم في هذا الجهاد ثوابا عظيما وعليكم في تركه عقابا عظيما ، أولى بأن تكونوا مجدين في هذا الجهاد ، وهو المراد من قوله تعالى : { وترجون من الله ما لا يرجون } ويحتمل أيضا أن يكون المراد من هذا الرجاء ما وعدهم الله تعالى في قوله { ليظهره على الدين كله } ( التوبة : 33 ) ( الفتح : 28 ) ( الصف : 9 ) وفي قوله { حكيم ياأيها النبى حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } ( الأنفال : 64 ) وفيه وجه ثالث ، وهو أنكم تعبدون الإله العالم القادر السميع البصير فيصح منكم أن ترجوا ثوابه ، وأما المشركون فإنهم يعبدون الأصنام وهي جمادات ، فلا يصح منهم أن يرجوا من تلك الأصنام ثوابا أو يخافوا منها عقابا . وقرأ الأعرج { إن تكونوا تألمون } بفتح الهمزة بمعنى : ولا تهنوا لأن تكونوا تألمون ، وقوله { فإنهم يألمون كما تألمون } تعليل . ثم قال : { وكان الله عليما حكيما } أي لا يكلفكم شيئا ولا يأمركم ولا ينهاكم إلا بما هو عالم بأنه سبب لصلاحكم في دينكم ودنياكم . ! 7 < { إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بمآ أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما } . > 7 < النساء : ( 105 - 106 ) إنا أنزلنا إليك . . . . . > > في كيفية النظم وجوه : الأول : أنه تعالى لما شرح أحوال المنافقين على سبيل الاستقصاء ثم اتصل بذلك أمر المحاربة ، واتصل بذكر المحاربة ما يتعلق بها من الأحكام الشرعية ، مثل قتل المسلم خطأ على ظن أنه كافر ، ومثل بيان صلاة السفر وصلاة الخوف ، رجع الكلام بعد ذلك إلى أحوال المنافقين ، وذكر أنهم كانوا يحاولون أن يحملوا الرسول عليه الصلاة والسلام على أن يحكم بالباطل ويذر الحكم الحق ، فأطلع الله رسوله عليه وأمره بأن لا يلتفت إليهم ولا يقبل قولهم في هذا الباب . والوجه الثاني في بيان النظم : أنه تعالى لما بين الأحكام الكثيرة في هذه السورة بين أن كل ما عرف بإنزال الله تعالى وأنه ليس للرسول أن يحيد عن شيء منها طلبا لرضا قومه . الوجه الثالث : أنه تعالى لما أمر بالمجاهدة مع الكفار بين أن الأمر وإن كان كذلك لكنه لا تجوز الخيانة معهم ولا إلحاق ما لم يفعلوا بهم ، وأن كفر الكافر لا يبيح المسامحة بالنظر له ، بل الواجب في الدين أن يحكم له وعليه بما أنزل على رسوله ، وأن لا يلحق الكافر حيف لأجل أن يرضى المنافق بذلك ، وفي الآية مسائل :

قسم V11/P025–V11/P027

المسألة الأولى : اتفق المفسرون على أن أكثر هذه الآيات نزلت في طعمة بن أبيرق ، ثم في كيفية الواقعة روايات : أحدها : أن طعمة سرق درعا فلما طلبت الدرع منه رمى واحدا من اليهود بتلك السرقة ، ولما اشتدت الخصومة بين قومه وبين قوم اليهودي جاء قومه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه أن يعينهم على هذا المقصود وأن يلحق هذه الخيانة باليهودي ، فهم الرسول عليه الصلاة والسلام بذلك فنزلت الآية ، وثانيها : أن واحدا وضع عنده درعا على سبيل الوديعة ولم يكن هناك شاهد ، فلما طلبها منه جحدها . وثالثها : أن المودع لما طلب الوديعة زعم أن اليهودي سرق الدرع واعلم أن العلماء قالوا هذايدل على أن طعمة وقومه كانوا منافقين ، وإلا لما طلبوا من الرسول نصرة الباطل وإلحاق السرقة باليهودي على سبيل التخرص والبهتان ، ومما يؤكد ذلك قوله تعالى : { وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شىء } ( النساء : 113 ) ثم روي أن طعمة هرب إلى مكة وارتد وثقب حائطا هناك لأجل السرقة فسقط الحائط عليه ومات . المسألة الثانية : قال أبو علي الفارسي : قوله { أراك الله } إما أن يكون منقولا بالهمزة من رأيت التي يراد بها رؤية البصر ، أو من رأيت التي تتعدى إلى المفعولين ، أو من رأيت التي يراد بها الإعتقاد ، والأول باطل لأن الحكم في الحادثة لا يرى بالبصر ، والثاني أيضا باطل لأنه يلزم أن يتعدى إلى ثلاثة لا إلى المفعولين بسبب التعدية ، ومعلوم أن هذا اللفظ لم يتعد إلا إلى مفعولين أحدهما : الكاف التي هي للخطاب ، والآخر المفعول المقدر ، وتقديره : بما أراكه الله ، ولما بطل السمان بقي الثالث ، وهو أن يكون المراد منه رأيت بمعنى الإعتقاد . المسألة الثالثة : اعلم أنه ثبت بما قدمنا أن قوله { بما أراك الله } معناه بما أعلمك الله ، وسمي ذلك العلم بالرؤية لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جاريا مجرى الرؤية في القوة والظهور ، وكان عمر يقول : لا يقولن أحد قضيت بما أراني الله تعالى لم يجعل ذلك إلا لنبيه ، وأما الواحد منا فرأيه يكون ظنا ولا يكون علما . إذا عرفت هذا فنقول : قال المحققون : هذه الآية تدل على أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يحكم إلا بالوحي والنص . وإذا عرفت هذا فنقول : تفرع عليه مسألتان : إحداهما : أنه لما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يحكم إلا بالنص ، فوجب أن يكون حال الأمة كذلك لقوله تعالى : { واتبعوه ( الأعراف : 158 ) وإذا كان كذلك وجب أن يكون العمل بالقياس حراما . والجواب عنه أنه لما قامت الدلالة على أن القياس حجة كان العمل بالقياس عملا بالنص في الحقيقة ، فإنه يصير التقدير كأنه تعالى قال : مهما غلب على ظنك أن حكم الصورة المسكوت عنها مثل حكم الصورة المنصوص عليها بسبب أمر جامع بين الصورتين فاعلم أن تكليفي في حقك أن تعمل بموجب ذلك الظن ، وإذا كان الأمر كذلك كان العمل بهذا القياس عملا بعين النص . أما قوله : { ولا تكن للخائنين خصيما } ففيه مسائل : المسألة الأولى : معنى الآية : ولا تكن لأجل الخائنين مخاصما لمن كان بريئا عن الذنب ، يعني لا تخاصم اليهود لأجل المنافقين . المسألة الثانية : قال الواحيد رحمه الله : خصمك الذي يخاصمك ، وجمعه الخصماء ، وأصله من الخصم وهو ناحية الشيء وطرفه ، والخصم طرف الزاوية وطرف الأشفار ، وقيل للخصمين خصمان لأن كل واحد منهما في ناحية من الحجة والدعوى ، وخصوم السحابة جوانبها .

قسم V11/P027–V11/P028

المسألة الثالثة : قال الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام : دلت هذه الآية على صدور الذنب من الرسول عليه السلاة والسلام ، فإنه لولا أن الرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يخاصم لأجل الخائن ويذب عنه وإلا لما ورد النهي عنه . والجواب : أن النهي عن الشيء ة يقتضي كون المنهي فاعلا للمنهى عنه ، بل ثبت في الرواية أن قوم طعملاة لما التمسوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يذب عن طعمة وأن يلحق السرقة باليهودي توقف وانتظر الوحي فنزلت هذه الآية ، وكان الغرض من هذا النهي تنبيه النبي عليه الصلاة والسلام على أن طعمة كذاب ، وأن اليهودي برىء عن ذلك الجرم . فإن قيل : الدليل على أن ذلك الجرم قد وقع من النبي عليه الصلاة والسلام قوله بعد هذه الآية { واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما } فلما أمره الله بالاستغفار دل على سبق الذنب . والجواب من وجوه : الأول : لعله مال طبعه إلى نصرة طعمة بسبب أنه كان في الظاهر من المسلمين فأمر بالستغفار لهذا القدر ، وحسنات الأبرار سيئات المقربين . والثاني : لعل القوم لما شهدوا على سرقة اليهودي وعلى براءة طعمة من تلك السرقة ولم يظهر للرسول عليه الصلاة والسلام ما يوجب القدح في شهادتهم هم بأن يقضي بالسرقة على اليهودي ، ثم لما أطلعه الله تعالى على كذب أولئك الشهود عرف أن ذلك القضاء لو وقع لكان خطأ ، فكان استغفاره بسبب أنه هم بذلك الحكم الذي لو وقع لكان خطأ في نفسه وإن كان معذورا عند الله فيه . الثالث : قوله { واستغفر الله } يحتمل أن يكون المراد : واستغفر الله لأولئك الذين يذبون عن طعمة ويريدون أن يظهروا براءته عن السرقة ثم قال تعالى : ! 7 < { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما } . > 7 ! < < النساء : ( 107 ) ولا تجادل عن . . . . . > > والمراد بالذين يختانون أنفسهم طعمة ومن عاونه من قومه ممن علم كونه سارقا ، والاختيان كالخيانة يقال : خانه واختانه ، وذكرنا ذلك عند قوله تعالى : { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } ( البقرة : 187 ) وءنما قال تعالى لطعمة ولمن ذب عنهم : إنهم يختانون أنفسهم لأن من أقدم على المعصية قفد حرم نفسه الثواب وأوصلها إلى العقاب ، فكان ذلك منه خيانة مع نفسه ، ولهذا المعنى يقال لمن ظلم غيره : إنه ظلم نفسه . وأعلم أن في الآية تهديدا شديدا ، وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما مال طبعه قليلا إلى جانب طعمة ، وكان في علم الله أن طعمة كان فاسقا ، فالله تعلى عاتب رسوله على ذلك القدر من إعانة المذنب ، فكيف حال من يعلم من الظالم كونه ظالما ثم يعينه على ذلك الظلم ، بل يحمله عليه ويرغبه فيه أشد الترغيب . ثم قال تعالى : { إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما } قال المفسرون : إن طعمة خان في الدرع ، وأثم في نسبة اليهودي إلى تلك السرقة فلا جرم قال الله تعالى : { إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما } . فإن قيل : لم قال { خوانا أثيما } مع أن الصادر عنه خيانة واحدة وإثم واحد .

قسم V11/P028–V11/P029

قلنا : علم الله تعالى أنه كان في طبع ذلك الرجل الخيانة الكثيرة والإثم الكثير ، فذكر اللفظ الدال على المبالغة بسبب ما كان في طبعه من الميل إلى ذلك ، ويدل عليه ما رويناه أنه بعد هذه الواقعة هرب إلى مكة وارتد ونقب حائط إنسان لأجل السرقة فسقط الحائط عليه ومات ، ومن كان خاتمته كذلك لم يشك في خيانته ، وأيضا طلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يدفع السرقة عنه ويلحقها باليهودي ، وهذا يبطل رسالة الرسول ، ومن حاول إبطال رسالة الرسول وأراد إظهار كذبه فقد كفر ، فلهذا المعنى وصفه الله بالمبالغة في الخيانة والإثم . وقيل : إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات . عن عمر رضي الله عنه أنه أمر بقطع يد سارق ، فجاءت أمة تبكي وتقول هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه ، فقال كذبت إن الله لا يؤاخذ عبده في أول الأمر ، وأعلم أنه تعالى لما خص هذا الوعيد بمن كان عظيم الخيانة والإثم دل ذلك على أن من كان قليل الخيانة والإثم فهو خارج عنه ثم قال تعالى : ! 7 < { يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا } > 7 ! < < النساء : ( 108 ) يستخفون من الناس . . . . . > > الاستخفاء في اللغة معناه الاستتار ، يقال استخفيت من فلان ، أي تواريت منه واستترت . قال تعالى : { ومن جهر به ومن } ( الرعد : 10 ) أي مستتر ، فقوله : { يستخفون من الناس } أي يستترون من الناس ولا يستترون من الله . قال ابن عباس : يستحيون من الناس ولا يستحيون من الله . قال الواحدي : هذا معنى وليس بتفسير ، وذلك لأن الاستحياء من الناس يوجب الاستتار من الناس والاستخفاء منهم ، فأما أن يقال : الاستحياء هو نفس الاستخفاء فليس الأمر كذلك ، وقوله : { وهو معهم } يريد بالعلم والقدرة والرؤية ، وكفى هذا زاجرا للإنسان عن المعاصي ، وقوله : { إذ يبيتون ما لا بالسوء من القول } أي يضمرون ويقدرون في أذهانهم وذكرنا معنى التبييت في قوله : دبيت طائفة منهم } ( النساء : 81 ) والذي لا يرضاه الله من القول هو أن طعمة قال : أرمي اليهودي بأنه هو الذي سرق الدرع وأحلف أني لم أسرقها ، فيقبل الرسول يميني لأني على دينه ولا يقبل يمين اليهودي . فإن قيل : كيف سمي التبييت قولا وهو معنى في النفس ؟ قلنا : مذهبنا أن الكلام الحقيقي هو المعنى القائم بالنفس ، وعلى هذا المذهب فلا إشكال ، ومن أنكر كلام النفس فله أن يجيب بأن طعمة وأصحابه لعلهم اجتمعوا في الليل ورتبوا كيفية الحيلة والمكر ، فسمى الله تعالى كلامهم ذلك بالقول المبيت الذي لا يرضاه ، فأما قوله { وكان الله بما يعملون محيطا } فالمراد الوعيد من حيث إنهم وإن كانوا يخفون كيفية المكر والخداع عن الناس إلا أنها كانت ظاهرة في علم الله ، لأنه تعالى محيط بجميع المعلومات لا يخفى عليه سبحانه منها شيء ثم قال تعالى : ! 7 < { هاأنتم هاؤلاء جادلتم عنهم فى الحيواة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا } > 7 < النساء : ( 109 ) ها أنتم هؤلاء . . . . . > >

قسم V11/P029–V11/P030

ثم قال تعالى : { محيطا هأنتم هؤلاء جادلتم عنهم فى الحيواة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة } { ها } للتنبيه في { وإذ أنتم } و { هؤلاء } وهما مبتدأ وخبر { جادلتم } جملة مبينة لوقوع { أولاء } اسما موصولا بمعنى الذي و { جادلتم } صلة ، وأما الجدال فهو في اللغة عبارة عن شدة المخاصمة ، وجدل الحبل شدة فتلة ، ورجل مجدول كأنه فتل ، والأجدل الصقر لأنه من أشد الطيور قوة . هذا قول الزجاج . وقال غيره : سميت المخاصمة جدالا لأن كل واحد من المخصمين يريد ميل صاحبه عما هو عليه وصرفه عن رأيه . إذا عرفت هذا فنقول : هذا خطاب مع قوم من المؤمنين كانوا يذبون عن طعمة وعن قومه بسبب أنهم كانوا في الظاهر من المسلمين ، والمعنى : هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة وقومه في الدنيا ، فمن الذين يخاصمون عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه . وقرأ عبد الله بن مسعود : ها أنتم هؤلاء جادلتم عنه ، يعني عن طعمة ، وقوله { فمن يجادل الله عنهم } استفهام بمعنى التوبيخ والتقريع . ثم قال تعالى : { أم من يكون عليهم وكيلا } فقوله : { أم من يكون } عطف على الاستفهام السابق ، والوكيل هو الذي وكل إليه الأمر في الحفظ والحماية ، والمعنى : من الذي يكون محافظا ومحاميا لهم من عذاب الله ؟ وأعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد في هذا الباب أتبعه بالدعوة إلى التوبة ، وذكر فيه ثلاثة أنواع من الترغيب فالأول : ! 7 < { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما } > 7 ! < < النساء : ( 110 ) ومن يعمل سوءا . . . . . > > والمراد بالسوء القبيح الذي يسوء به غيره كما فعل طعمة من سرقة الدرع ومن رمي اليهودي بالسرقة والمراد بظلم النفس ما يختص به الإنسان كالحلف الكاذب ، وإنما خص ما يتعدى إلى الغير باسم السوء لأن ذلك يكون في الأكثر إيصالا للضرر إلى الغير ، والضرر سوء حاضر ، فأما الذنب الذي يخص الإنسان فذلك في الأكثر لا يكون ضررا حاضرا لأن الإنسان لا يوصل الضرر إلى نفسه . وأعلم أن هذه الآية دالة على حكمين : الأول : أن التوبة مقبولة عن جميع الذنوب سواء كانت كفرا أو قتلا ، عمدا أو غصبا للأموال لأن قوله { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه } عم الكل الثاني : أن ظاهر الآية يقتضي أن مجرد الاستغفار كاف ، وقال بعضهم : أنه مقيد بالتوبة لأنه لا ينفع الاستغفار مع الإصرار ، وقوله { يجد الله غفورا رحيما } معناه غفورا رحيما له ، وحذف هذا القيد لدلالة الكلام عليه ، فإنه لا معنى للترغيب في الاستغفار إلا إذا كان المراد ذلك . والنوع الثاني : من الكلمات المرغبة في التوبة قوله تعالى : ! 7 < { ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما } > 7 ! < < النساء : ( 111 ) ومن يكسب إثما . . . . . > > والكسب عبارة عما يفيد جر منفعة أو دفع مضرة ، ولذلك لم يجز وصف الباري تعالى بذلك والمقصود منه ترغيب العاصي في الاستغفار كأنه تعالى يقول : الذنب الذي أتيت به ما عادت مضرته إلي فإنني منزه عن النفع والضرر ، ولا تيأس من قبول التوبة والاستغفار { وكان الله عليما } بما في قلبه عند إقدامه على التوبة { حكيما } تقتضي حكمته ورحمته أن يتجاوز عن التائب . النوع الثالث : قوله تعالى : ! 7 < { ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا } > 7 ! < <

قسم V11/P030–V11/P031

النساء : ( 112 ) ومن يكسب خطيئة . . . . . > > وذكروا في الخطيئة والإثم وجوها : الأول : أن الخطيئة هي الصغيرة ، والإثم هو الكبيرة وثانيها : الخطيئة هي الذنب القاصر على فاعلها ، والإثم هو الذنب المتعدي إلى الغير كالظلم والقتل . وثالثها : الخطيئة ما لا ينبغي فعله سواء كان بالعمد أو بالخطأ ، والإثم ما يحصل بسبب العمد ، والدليل عليه ما قبل هذه الآية وهو قوله { ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه } ( النساء : 111 ) فبين أن الإثم ما يكون سببا لاستحقاق العقوبة . وأما قوله { ثم يرم به بريئا } فالضمير في { به } إلى ماذا يعود ؟ فيه وجوه : الأول : ثم يرم بأحد هذين المذكورين . الثاني : أن يكون عائدا إلى الإثم وحده لأنه هو الأقرب كما عاد إلى التجارة في قوله { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } الثالث : أن يكون عائدا إلى الكسب ، والتقدير : يرم بكسبه بريئا ، فدل يكسب على الكسب . الرابع : أن يكون الضمير راجعا إلى معنى الخطيئة فكأنه قال : ومن يكسب ذنبا ثم يرم به بريئا . وأما قوله { فقد احتمل بهتانا } فالبهتان أن ترمي أخاك بأمر منكر وهو برىء منه . وأعلم أن صاحب البهتان مذموم في الدنيا أشد الذم ، ومعاقب في الآخرة أشد العقاب ، فقوله { فقد احتمل بهتانا } إشارة إلى ما يلحقه من الذم العظيم في الدنيا ، وقوله { وإثما مبينا } إشارة إلى ما يلحقه من العقاب العظيم في الآخرة . ! 7 < { ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طآئفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شىء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما } > 7 < النساء : ( 113 ) ولولا فضل الله . . . . . > > ثم قال تعالى : { ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك } والمعنى ولولا أن الله خصك بالفضل وهو النبوة ، وبالرحمة وهي العصمة لهمت طائفة منهم أن يضلوك ، وذلك لأن قوم طعمة كانوا قد عرفوا أن سارق ، ثم سألوا النبي عليه السلام أن يدفع ويجادل عنه ويبرئه عن السرقة ، وينسب تلك السرقة إلى اليهودي ، ومعنى يضلوك أي يلقوك في الحكم الباطل الخطأ . ثم قال تعالى : { وما يضلون إلا أنفسهم } بسبب تعاونهم على الإثم والعدوان وشهادتهم بالزور والبهتان ، فهم لما أقدموا على هذه الأعمال فهم الذين يعملون عمل الضالين . { وما يضرونك من شىء } فيه وجهان : الأول : قال القفال رحمه الله : وما يضرونك في المستقبل ، فوعده الله تعالى في هذه الآية بادامة العصمة له مما يريدون من إيقاعه في الباطل . الثاني : أن المعنى أنهم وإن سعوا في إلقائك في الباطل فأنت ما وقعت في الباطل ، لأنك بنيت الأمر على ظاهر الحال ، وأنت ما أمرت إلا ببناء الأحكام على الظواهر . ثم قال تعالى : { وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة } وأعلم أنا إن فسرنا قوله { وما يضرونك من شىء } بأن المراد أنه تعالى وعده بالعصمة في المستقبل كان قوله { وأنزل الله عليك الكتاب } مؤكدا لذلك الوعد ، يعني لما أنزل عليك الكتاب والحكمة وأمرك بتبليغ الشريعة إلى الخلق فكيف يليق بحكمته أن لا يعصمك عن الوقوع في الشبهات والضلالات ، وإن فسرنا تلك الآية بأن النبي عليه الصلاة والسلام كان معذورا في بناء الحكم على الظاهر كان المعنى : وأنزل عليك الكتاب والحكمة وأوجب فيها بناء أحكام الشرع على الظاهر فكيف يضرك بناء الأمر على الظاهر .

قسم V11/P031–V11/P032

ثم قال تعالى : { والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما } قال القفال رحمه الله : هذه الآية تحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون المراد ما يتعلق بالدين ، كما قال { ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان } ( الشورى : 52 ) وعلى هذا الوجه تقدير الآية : أنزل الله عليك الكتاب والحكمة وأطلعك على أسرارهما وأوقفك على حقائقهما مع أنك ما كنت قبل ذلك عالما بشيء منهما ، فكذلك يفعل بك في مستأنف أيامك لا يقدر أحد من المنافقين على إضلالك وإزلالك . الوجه الثاني : أن يكون المراد : وعلمك ما لم تكن تعلم من أخبار الأولين ، فكذلك يعلمك من حيل المنافقين ووجوه كيدهم ما تقدر به على الاحتراز عن وجوه كيدهم ومكرهم ، ثم قال { وكان فضل الله عليك عظيما } وهذا من أعظم الدلائل على أن العلم أشرف الفضائل والمناقب وذلك لأن الله تعالى ما أعطى الخلق من العلم إلا القليل ، كما قال { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } ( الإسرار : 85 ) ونصيب الشخص الواحد من علوم جميع الخلق يكون قليلا ، ثم أنه سمى ذلك القليل عظيما حيث قال { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } وسمى جميع الدنيا قليلا حيث قال { قل متاع الدنيا قليل } ( النساء : 77 ) وذلك يدل على غاية شرف العلم . ! 7 < { لا خير فى كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذالك ابتغآء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما } > 7 ! < < النساء : ( 114 ) لا خير في . . . . . > > وأعلم أن هذه إشارة إلى ما كانوا يتناجون فيه حين يبيتون ما لا يرضي من القول وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : النجوى في اللغة سر بين إثنين ، يقال ناجيت الرجل مناجاة ونجاء ، ويقال : نجوت الرجل أنجو نجوى بمعنى ناجيته ، والنجوى قد تكون مصدرا بمنزلة المناجاة ، قال تعالى { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم } ( المجادلة : 7 ) وقد تكون بمعنى القوم الذين يتناجون ، قال تعالى { وإذ هم نجوى } ( الإسراء : 47 ) . المسألة الثانية : قوله { إلا من أمر بصدقة } ذكر النحويون في محل { من } وجوها ، وتلك الوجود مبنية على معنى النجوى في هذه الآية ، فإن جعلنا معنى النجوى ههنا السر فيجوز أن يكون في موضع النصب ، لأنه استثناء الشيء عن خلاف جنسه فيكون نصبا كقوله { إلا أذى } ( آل عمران : 111 ) ويجوز أن يكون رفعا في لغة من يرفع المستثنى من غير الجنس كقوله : إلا اليعافير وإلا العيس

قسم V11/P032–V11/P033

وأبو عبيدة جعل هذا من باب حذف المضاف فقال : التقدير إلا في نجوى من أمر بصدقة ثم حذف المضاف ، وعلى هذا التقدي يكون { من } في محل النجوى لأنه أقيم مقامه ، ويجوز فيه وجهان : إحدهما : الخفض بدل من نجواهم ، كما تقول : ما مررت بأحد إلا زيد . والثاني : النصب على الاستثناء فكما تقول ما جاءني أحد إلا زيدا ، وهذا استثناء الجنس من الاجنس ، وأما ان جعلنا النجوى اسما للقوم المتناجين كان منصوبا على الاستثناء لأنه استثناء الجنس من الجنس ، ويجوز أن يكون { من } في محل الخفض من وجهين : أحدهما : أن تجلعه تبعا لكثير ، على معنى : لا خير في كثير من نجواهم إلا فيمن أمر بصدقة ، كقولك : لا خير في القوم إلا نفر منهم . والثاني : أن تجعله تبعا للنجوى ، كما تقول : لا خير في جماعة من القوم إلا زيد ، إن شئت أتبعت زيدا الجماعة ، وإن شئت أتبعه القوم ، والله أعلم . المسألة الثالثة : هذه الآية وإن نزلت في مناجاة بعض قوم ذلك السارق مع بعض إلا أنها في المعنى عامة ، والمراد : لا خير فما ينتاجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير ، ثم إنه تعالى ذكر من أعمال الخير ثلاثة أنواع : الأمر بالصدقة ، والأمر بالمعروف ، والاصلاح بين الناس ، وإنما ذكر الله هذه الأقسام الثلاثة ، وذلك لأن عمل الخير إما أن يكون بإيصال المنفعة أو بدفع المضرة ، أما إيصال الخير فاما أن يكون من الخيرات الجسمانية وهو إعطاء المال ، وإليه الإشارة بقوله { إلا من أمر } وإما أن يكون من الخيرات الروحانية ، وهو عبارة عن تكميل القوة النظرية بالعلوم ، أو تكميل القوة العملية بالأفعال الحسنة ، ومجموعها عبارة عن الأمر بالمعروف ، وإليه الإشارة بقوله { بصدقة أو معروف } وأما إزالة الضرر فإليها الإشارة بقوله { أو إصلاح بين الناس وكان الله عليما حكيما ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شىء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما لا خير فى كثير من نجواهم } فهو هذا بعينه / أما مسعت الله يقول { والعصر إن الإنسان لفى خسر } ( العصر : ( 1 ، 2 ) فهو هذا بعينه . ثم قال تعالى : { ومن يفعل ذالك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما } والمعنى أن هذه الأقسام الثلاثة من الطاعات وإن كانت في غاية الشرف والجلالة إلا أن الإنسان إنما ينتفع بها إذا أتى لها لوجه الله ولطلب مرضاته ، فأما إذا أتى بها للرياء والسمعة انقلبت القضية فصارت من أعظم المفاسد ، وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن المطلوب من الأعمال الظاهرة رعاية أحوال القلب في إخلاص النية ، وتصفية الداعية عن الالتفات إلى غرض سوى طلب رضوان الله تعالى ونظيره قوله تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } ( البينه : 5 ) وقوله { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } ( النجم : 39 ) وقوله عليه الصلاة والسلام : ( إنما الأعمال بالنيات ) وههنا سؤالان : السؤال الأول : لم انتصب { ابتغاء مرضات الله } ؟ والجواب : لأنه مفعول له ، والمعنى لأنه لابتغاء مرضاة الله . السؤال الثاني : كيف قال { إلا من أمر } ثم قال { ومن يفعل ذالك } .

قسم V11/P033–V11/P034

والجواب : أنه ذكر الأمر بالخير ليدل به على فاعله لأن الأمر بالخير لما دخل في زمرة الخيرين فبأن يدخل فاعل الخير فيهم كان ذلك أولى ، ويجوز أن يراد : ومن يأمر بذلك ، فعبر عن الأمر بالفعل لأن الأمر أيضا فعل من الأفعال . ! 7 < { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وسآءت مصيرا } > 7 ! < < النساء : ( 115 ) ومن يشاقق الرسول . . . . . > > أعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها هو ما روي أن طعمة بن أبيرق لما رأى أن الله تعالى هتك ستره وبرأ اليهودي عن تهمة السرقة ارتد وذهب إلى مكة ونقب جدار إنسان لأجل السرقة فتهدم الجدار عليه ومات فنزلت هذه الآية . أما الشقاق والمشاققة فقد ذكرنا في سورة البقرة أنه عبارة عن كون كل واحد منهما في شق آخر من الأمر ، أو عن كون كل واحد منهما فاعلا فعلا يقتضي لحوق مشقة بصاحبه ، وقوله { من بعد ما تبين له الهدى } أي من بعد ما ظهر له بالدليل صحة دين الإسلام . قال الزجاج : لأن طعمة هذا كان قد تبين له بما أوحى الله تعالى من أمره وأظهر من سرقته ما دله ذلك على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فعادى الرسول وأظهر الشقاق وارتد عن دين الإسلام ، فكان ذلك إظهار الشقاق بعد ما تبين له الهدى ، قوله { ويتبع غير سبيل المؤمنين } يعني غير دين الموحدين ، وذلك لأن طعمة ترك دين الإسلام واتبع دين عبادة الأوثان . ثم قال { نوله ما تولى } أي نتركه وما اختار لنفسه ، ونكله إلى ما توكل عليه . قال بعضهم : هذا منسوخ بآية السيف لا سيما في حق المرتد . ثم قال { ونصله جهنم } يعني نلزمه جنهم ، وأصله الصلاء وهو لزوم النار وقت الاستدفاء { وساءت مصيرا } انتصب { مصيرا } على التمييز كقولك : فلان طاب نفسا ، وتصبب عرقا ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : روي أن الشافعي رضي الله عنه سئل عن آية في كتاب الله تعالى تدل على أن الإجماع حجة ، فقرأ القرآن ثلثمائة مرة حتى وجد هذه الآية ، وتقرير الاستدلال أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام ، فوجب أن يكون اتباع سبيل المؤمنين واجبا ، بيان المقدمة الأولى أنه تعالى الحق الوعيد بمن يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين ، ومشاقة الرسول وحدها موجبة لهذا الوعيد ، فلو لم يكن اتباع غير سبيل المؤمنين موجبا له لكان ذلك ضما لما لا أثر له في الوعيد إلى ما هو مستقل باقتضاء ذلك الوعيد وإنه غير جائز ، فثبت أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام ، وإذا ثبت هذا لزم أن يكون اتباع سبيلهم واجبا ، وذلك لأن عدم اتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه اتباع لغير سبيل المؤمنين ، فإذا كان اتباع غير سبيل المؤمنين حراما لزم أن يكون عدم اتباع سبيل المؤمنين حراما ، وإذا كان عدم اتباعهم حراما كان اتباعهم واجبا ، لأنه لا خروج عن طرفي النقيض . فإن قيل : لا نسلم أن عدم اتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه اتباع لغير سبيل المؤمنين ، فإنه لا يمتنع أن لا يتبع لا سبيل المؤمنين ولا غير سبيل المؤمنين .

قسم V11/P034–V11/P035

وأجيب عن هذا السؤال بأن المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل ما فعل الغير ، فإذا كان من شأن غير المؤمنين أن لا يتبعوا سبيل المؤمنين فكل من لم يتبع سبيل المؤمنين فقد أتى بمثل فعل غير المؤمنين فوجب كونه متبعا لهم ، ولقائل أن يقول : الاتباع ليس عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير وإلا لزم أن يقال : الأنبياء والملائكة متبعون لآحاد الخلق من حيث أنهم يوحدون الله كما أن كل واحد من آحاد الأمة يوحد الله ، ومعلوم أن ذلك لا يقال ، بل الاتباع عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لأجل أنه فعل ذلك الغير ، وإذا كان كذلك فمن ترك متابعة سبيل المؤمنين ، فهذا سؤال قوي على هذا الدليل ، وفيه أبحاث أخر دقيقة ذكرناها في كتاب المحصول في علم الأصول والله أعلم . المسألة الثانية : دلت هذه الآية على وجوب عصمة محمد صلى الله عليه وسلم عن جميع الذنوب ، والدليل عليه أنه لو صدر عنه ذنب لجاز منعه ، وكل من منع غيره عن فعل يفعله كان مشاققا له ، لأن كل واحد منهما يكون في شق غير الشق الذي يكون الآخر فيه ، فثبت أنه لو صدر الذنب عن الرسول لوجبت مشاقته ، لكن مشاقته محرمة بهذه الآية فوجب أن لا يصدر الذنب عنه . المسألة الثالثة : دلت هذه الآية على أنه يجب الاقتداء بالرسول عليه الصلاة والسلام في أفعاله إذ لو كان فعل الأمة غير فعل الرسول لزم كون كل واحد منهما في شق آخر من العمل فتحصل المشاقة ، لكن المشاقة محرمة ، فيلزم وجوب الاقتداء في أفعاله . المسألة الرابعة : قال بعض المتقدمين : كل مجتهد مصيب في الأصول لا بمعنى أن اعتقاد كل واحد منهم مطابق للمعتقد ، بل بمعنى سقوط الإثم عن المخطىء ، واحتجوا على قولهم بهذه الآية قالوا : لأنه تعالى شرط حصول الوعيد بتبين الهدى ، والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط ، وهذا يقتضي أنه إذا لم يحصل تبين الهدى أن لا يكون الوعيد حاصلا . وجوابه : وهو دلالة ظنية عند من يقول به ، والدليل الدال على أن وعيد الكفار قطعي أنه تعالى قال بعد هذه الآية { إن الله لا يغفر أن يشرك به } ( النساء : 116 ) والقاطع لا يعارضه المظنون . المسألة الخامسة : الآية دالة على أنه لا يمكن تصحيح الدين إلا بالدليل والنظر والاستدلال ، وذلك لأنه تعالى شرط حصول الوعيد بتبين الهدى ، ولو لم يكن تبين الهدى معتبرا في صحة الدين وإلا لم يكن لهذا الشرط معنى . المسألة السادسة : الآية دالة على أن الهدى اسم للدليل لا للعلم ، إذ لو كان الهدى اسما للعلم لكان تبين الهدى إضافة الشيء إلى نفسه وأنه فاسد . ! 7 < { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذالك لمن يشآء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله وقال لاتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ولأضلنهم ولأمنينهم ولامرنهم فليبتكن ءاذان الا نعام ولامرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا أولائك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا والذين ءامنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجرى من تحتها الا نهار خالدين فيهآ أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا } . > 7 < النساء : ( 116 - 122 ) إن الله لا . . . . . > >

قسم V11/P035–V11/P036

اعلم أن هذه الآية مكررة في هذه السورة ، وفي تكرارها فائدتان : الأولى : أن عمومات الوعيد وعمومات الوعد متعارضة في القرآن ، وأنه تعلى ما أعاد آية من آيات الوعيد بلفظ واحد مرتين ، وقد أعاد ههذه الآية دالة على العفو والمغفرة بلفظ واحد في سورة واحدة ، وقد اتفقوا على أنه لا فائدة في التكرير إلا التأكيد ، فهذا يدل على أنه تعالى خص جانب الوعد والرحمة بمزيد التأكيد ، وذلك يقتضي ترجيح الوعد على الوعيد . والفائدة الثانية : أن الآيات المتقدمة إنما نزلت في سارق الدرع ، وقوله { ومن يشاقق الرسول } ( النساء : 115 ) إلى آخر الآيات إنما نزلت في ارتداده ، فهذه الآية إنما يحسن اتصالها بما قبلها لو كان المراد أن ذلك السارق لو لم يرتد لم يصر محروما عن رحمتي ، ولكنه لما ارتد وأشرك بالله صار محروما قطع عن رحمة الله ، ثم إنه أكد ذلك بأن شرح أن أمر الشرك عظيم عند الله فقال { ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا } يعني ومن لم يشرك بالله لم يكن ضلاله بعيدا ، فلا جرم لا يصير محروما عن رحمتي ، وهذه الناسبابت دالة قطعا على دلالة هذه الآية على أن ما سوى الشرك مغفور قطعا سواء حصلت التوبة أو لم تحصل ، ثم إنه تعالى بين كون الشرك ضلالا بعيدا فقال { إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله } { ءان } ههنا معناه النفي ونظيره قوله تعالى : { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } ( النساء : 159 ) و { يدعون } بمعنى يعبدون لأن من عبد شيئا فءنه يدعوه عند احتياجه إليه ، وقوله { إلا إناثا } فيه أقوال : الأول : أن المراد هو الألأثان وكانوا يسمونها باسم الإناث كقولهم : اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ، واللات تأنيث الله ، والعزى تأنيث العزيز . قال الحسن : لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان ، ويدل على صحة هذا التأويل قراءة عائشة رضي الله عنها : إلا أوثانا ، وقراءة ابن عباس : إلا أثنا ، جمع وثن مثل أسد وأسد ، ثم أبدلت من الواو المضمومة همزة نحو قوله { وإذا الرسل أقتت } ( المرسلات : 11 ) قال الزجاج : وجائز أن يكون أثن أصلها أثن ، فأتبعت الضمة الضمة . القول الثاني : قوله { إلا إناثا } أي إلا أمواتا ، وفي تسمية الأموت إناثا وجهان : الأول : أن الأخبار عن الموات يكون على صيغة الأخبار عن الأنثى / تقول : هذه الأحجار تعجبني : كما تقول : هذه المرأة تعجبني . الثاني : أن الأنثى أخس من الذكر ، والميت أخس من الحي ، فلهذه المناسبة أطلقوا اسم الأنثى على الجمادات الموات . القول الثالث : أن بعضهم كان يعبد الملائكة ، وكانوا يقولون : الملائكة بنات الله قال تعالى : { إن الذين لا يؤمنون بالاخرة ليسمون الملائكة تسمية الانثى } ( النجم : 27 ) والمقصود من الآية هل إنسان أجهل ممن أشرك خالق السموات والأرض وما بينهما جمادا يسميه بالأنثى .

قسم V11/P036–V11/P037

ثم قال : { وإن يدعون إلا شيطانا مريدا } قال المفسرون : كان في كل واحد من تلك الأوثان شيطان يتراءى للسدنة يكلمهم ، وقال الزجاج : المراد بالشيطان ههنا إبليس بدليل أنه تعالى قال بعد هذه الآية { وقال لاتخذن من عبادك نصيبا مفروضا } ولا شك أن قائل هذاالقول هو إبليس ، ولا يبعد أن الذي تراءى للسدنة هو إبليس ، وأما المريد فهو المبالغ في العصيان الكامل في البعد من الطاعة ويقال له : مارد ومريد ، قال الزجاج : يقال : حائط ممرد أي مملس ، ويقال شجرة مرداء إذا تناثر ورقها ، والذي لم تنبت له لحية يقال له أمرد لكون موضع اللحية أملس ، فمن كان شديد البعد عن الطاعة يقال له مريد ومارد لأنه مملس عن طاعة الله لم يلتصق به من هذه الطاعة شيء . ثم قال تعالى ؛ { لعنه الله وقال لاتخذن من عبادك نصيبا مفروضا } وفيه مسألتان . المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : { لعنه الله وقال لاتخذن } صفتان بمعنى شيطانا مريدا جامعا بين لعنة الله وهذا القول الشنيع . واعلم أن الشيطان ههنا قد ادعى أشياء : أولها : قوله { لاتخذن من عبادك نصيبا مفروضا } الفرض في اللغة القطع ، والفرضة الثلمة التي تكون في طرف النهر ، والفرض الحز الذي في الوتر ، والفرض في القوس الحز الذي يشد فيه الوتر ، والفريضة ما فرض الله على عباده وجعله حتما عليهم قطعا لعذرهم ، وكذا قوله { وقد فرضتم لهن فريضة } ( البقرة : 237 ) أي جعلتم لهن قطعة من المال . إذا عرفت هذا فنقول : معنى الآية أن الشيطان لعنه الله قال عند ذلك : لأتخذن من عبادك حظا مقدرا معينا ، وهم الذين يتبعون خطواته ويقبلون وساوسه ، وفي التفسير عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : ( من كل ألف واحد لله وسائره للناس ولإبليس ) . فإن قيل : النقل والعقل يدلان على أن حزب الشيطان أكثر عددا من حزب الله . أما النقل : فقوله تعالى في صفة البشر { فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين } ( سبأ : 20 ) وقال حاكيا عن الشيطان { لاحتنكن ذريته إلا قليلا } ( الإسراء : 62 ) . وحكي عنه أيضا أنه قال { لاغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين } ( ص: 82 ، 83 ) ولا شك أن المخلصين قليلون . وأما العقل : فهو أن الفساق والكفار أكثر عددا من المؤمنين المخلصين ، ولا شك أن الفساق والكفار كلهم حزب إبليس . إذا ثبت هذا فنقول : لم قال { لاتخذن من عبادك نصيبا } مع أن لفظ النصيب لا يتناول القسم الأكثر ، وإنما يتناول الأقل ؟ والجواب : أن هذا التفاوت إنما يحصل في نوع الشر ، أما إذا ضممت زمرة الملائكة مع غاية كثرتهم إلى المؤمنين كانت الغلبة للمؤمنين المخلصين ، وأيضا فالمؤمنون وإن كانوا قليلين في العدد إلا أن منصبهم عظيم عند الله ، والكفار والفساق وإن كانوا كثيرين في العدد فهم كالعدم ، فلهذا السبب وقع اسم النصيب على قوم إبليس . وثانيها : { ولاضلنهم } يعني عن الحق / قالت المعتزلة : هذه الآية دالة على أصلين عظيمين من أصولنا . فالأصل الأول : المضل هو الشيطان ، وليس المضل هو الله تعالى قالوا : وإنما قلنا : أن الآية تدل على أن المضل هو الشيطان لأن الشيطان ادعى ذلك والله تعالى ما كذبه فيه ، ونظيره قوله { لاغوينهم أجمعين } وقوله { لاحتنكن ذريته إلا قليلا } وقوله { لاقعدن لهم صراطك المستقيم } ( الأعراف : 16 ) وأيضا أنه تعالى ذكر وصفه بكونه مضلا للناس في معرض الذم له ، وذلك يمنع من كون الإله موصوفا بذلك .

قسم V11/P037–V11/P038

والأصل الثاني : وهو أن أهل السنة يقولون : الاضلال عبارة عن خلق الكفر والضلال وقلنا : ليس الإضلال عبارة عن خلق الكفر والضلال بدليل أن إبليس وصف نفسه بأنه مضل مع أنه بالإجماع لا يقدر على خلق الضلال . والجواب : أن هذاكلام إبليس فلا يكون حجة ، وأيضا أن كلام إبليس في هذه المسألة مضطرب جدا ، فتارة يميل إلى القدر المحض ، وهو قوله { لاغوينهم أجمعين } وأخرى إلى الجبر المحض وهو قوله { رب بمآ أغويتنى } ( القصص : 39 ) وتارة يظهر التردد فيه حيث قال : { ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا } ( القصص : 63 ) يعني أن قول هؤلاء الكفار : نحن أغوينا فمن الذي أغوانا عن الدين ؟ ولا بد من انتهاء الكل بالآخرة إلى الله . وثالثها : قوله { ولامنينهم } واعلم أنه لما ادعى أنه يضل الخلق قال { ولامنينهم } وهذا يشعر بأنه لا حيلة له في الاضلال أقوى من إلقاء الأماني في قلوب الخلق ، وطلب الأماني يورث شيئين : الحرص والأمل ، والحرص والأمل يستلزمان أكثر الأخلاق الذميمة ، وهما كالأمرين اللازمين لجوهر الإنسان قال صلى الله عليه وسلم : ( يهرم ابن آدم ويشب معه إثنان الحرص والأمل ) والحرص يستلزم ركوب أهوال الدنيا وأهوال الدين فإنه إذا اشتد حرصه على الشيء فقد لا يقدر على تحصيله إلا بمعصية الله وإيذاء الخلق ، وإذا طال أمله نسي الآخرة وصار غريقا في الدنيا فلا يكاد يقدم على التوبة ، ولا يكاد يؤثر فيه الوعظ فيصير قلبه كالحجارة أو أشد قسوة . ورابعها : قوله { ولامرنهم فليبتكن ءاذان الانعام } البتك القطع ، وسيف باتك أي قاطع ، والتبتيك التقطيع . قال الواحدي رحمه الله : التبتيك ههنا هو قطع آذان البحيرة بإجماع المفسرين ، وذلك أنهم كانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرا ، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها . وقال آخرون : المراد أنهم يقطعون آذان الأنهام نسكا في عبادة الأثان فهم يظنون أن ذلك عبادة مع أنه في نفسه كفر وفسق . خامسها : قوله { ولامرنهم فليغيرن خلق الله } وللمفسرين ههنا : قولان : الأول : أن المراد من تغيير خلق الله تغيير دين الله ، وهو قول سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والحسن والضحاك ومجاهد والسدي والنخعي وقتادة ، وفي تقرير هذا القول وجهان : الأول : أن الله تعالى فطر الخلق على الإسلام يوم أخرجهم من ظهر آدم كالذر وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم وآمنوا به ، فمن كفر فقد غير فطرة الله التي فطر الناس عليها ، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم : ( كل مولود يولد على الفطرة ) ولكن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه . والوجه الثاني : في تقرير هذا القول : أن المراد من تغيير دين الله هو تبديل الحلال حراما أو الحرام .

قسم V11/P038–V11/P039

القول الثاني : حمل هذا التغيير على تغيير أحوال كلها تتعلق بالظاهر ، وذكروا فيه وجوها الأول : قال الحسن : المراد ما روى عبدالله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لعن الله الواصلات والواشمات ) قال وذلك لأن المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا . الثاني : روي عن أنس وشهر بن حوشب وعكرمة وأبي صالح أن معنى تغيير خلق الله ههنا هو الاخصاء وقطع الآذان وفقء العيون ، ولهذا كان أنس يكره إخصاء الغنم ، وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفا عوروا عين فحلها . الثالث : قال ابن زيد هو التخنث ، وأقول : يجب إدخال السحاقات في هذه الآية على هذا القول ، لأن التخنث عبارة عن ذكر يشبه الأنثى ، والسحق عبارة عن ذكر يشبه الأنثى ، والسحق عبارة عن أنثى تشبه الذكر الرابع : حكى الزجاج عن بعضهم أن الله تعالى خلق الأنعام ليركبوها ويأكلوها فحرموها على أنفسهم كالبحائر والسوائب والوصائل ، وخلق الشمس والقمر والنجوم مسخرة للناس ينتفعون بها فعبدها المشركون ، فغيروا خلق الله ، هذا جملة كلام المفسرين في هذا الباب ويخطر ببالي ههنا وجه آخر في تخريج الآية على سبيل المعنى ، وذلك لأن دخول الضرر والمرض في الشيء يكون على ثلاثة أوجه : التشوش ، والنقصان ، والبطلان . فادعى الشيطان لعنه الله إلقاء أكثر الخلق في مرض الدين ، وضرر الدين هو قوله { ولامنينهم } وذلك لأن صاحب الأماني يشغل عقله وفكره في استخراج المعاني الدقيقة والحيل والوسائل اللطيفة في تحصيل المطالب الشهوانية والغضبية ، فهذا مرض روحاني من جنس التشوش ، وأما النقصان فالإشارة إليه بقوله { ولامرنهم فليبتكن ءاذان الانعام } وذلك لأن بتك الآذان نوع نقصان ، وهذا لأن الإنسان إذا صار مستغرق العقل في طلب الدنيا صار فاتر الرأي ضعيف الحزم في طلب الآخرة ، وأما البطلان فالإشارة إليه بقوله { ولامرنهم فليغيرن خلق الله } وذلك لأن التغيير يوجب بطلان الصفة الحاصلة في المدة الأولى ، ومن المعلوم أن من بقي مواظبا على طلب اللذات العاجلة معرضا عن السعادات الروحانية فلا يزال يزيد في قلبه الرغبة في الدنيا والنفرة عن الآخرة ، ولا تزال تتزايد هذه الأحوال إلى أن يتغير القلب بالكلية فلا يخطر بباله ذكر الآخرة البتة ، ولا يزول عن خاطره حب الدنيا البتة ، فتكون حركته وسكونه وقوله وفعله لأجل الدنيا ، وذلك يوجب تغيير الخلقة لأن الأرواح البشرية إنما دخلت في هذا العالم الجسماني على سبيل السفر ، وهي متوجهة إلى عالم القيامة ، فإذا نسيت معادها وألفت هذه المحسوسات التي لا بد من انقضائها وفنائها كان هذا بالحقيقة تغييرا للخلقة ، وهو كما قال تعالى : { ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم } ( الحشر : 19 ) وقال { فإنها لا تعمى الابصار ولاكن تعمى القلوب التى فى الصدور } ( الحج : 46 ) . واعلم أنه تعالى لما حكى عن الشيطان دعاويه في الاغواء والضلال حذر الناس عن متابعته فقال : { ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا } واعلم أن أحدا لا يختار أن يتخذ الشيطان وليا من دون الله ، ولكن المعنى أنه إذا فعل ما أمره الشيطان به وترك ما أمره الرحمن به صار كأنه اتخذ الشيطان وليا لنفسه وترك ولاية الله تعالى ، وإنما قال { خسر خسرانا مبينا } لأن طاعة الله تفيد المنافع العظيمة الدائمة الخالصة عن شوائب الضرر ، وطاعة الشيطان تفيد المنافع الثلاثة المنقطعة المشوبة بالغموم والأحزان والآلام الغالبة ، والجمع بينهما محال عقلا ، فمن رغب في ولايته فقد فاته أشرف المطالب وأجلها بسبب أخس المطالب وأدونها ، ولا شك أن هذا هو الخسار المطلق .

قسم V11/P039–V11/P040

ثم قال تعالى : { يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } واعلم أنا بينا في الآية المتقدمة أن عمدة أمر الشيطان إنما هو بإلقاء الأماني في القلب ، وأما تبتيك الآذان وتغيير الخلقة فذاك من نتائج إلقاء الأماني في القلب ومن آثاره / فلا جرم نبه الله تعالى على ما هو العمدة في دفع تلك الأماني وهو أن تلك الأماني لا تفيد إلا الغرور ، والغرور هو أن يظن الأنسان بالشيء أنه نافع ولذيذ ، ثم يتبين اشتماله على أعظم الآلام والمضار ، وجميع أحوال الدنيا كذلك ، والعاقل يجب عليه أن لا يلتفت إلى شيء منها ، ومثال هذا أن الشيطان يلقي في قلب الإنسان أنه سيطول عمره وينال من الدنيا أمله ومقصوده ، ويستولي على أعدائه ، ويقع في قلبه أن الدنيا دول فربما تيسرت له كما تيسرت لغيره ، إلا أن كل ذلك غرور فإنه ربما لم يطل عمره ، وإن طال فربما لم يجد مطلوبه ، وإن طال عمره ووجد مطلوبه على أحسن الوجوه فإنه لا بد وأن يكون عند الموت في أعظم أنواع الغم والحسرة فإن المطلوب كلما كان ألذ وأشهى وكان الألف معه أدوم وأبقى كانت مفارقته أشد إيلاما وأعظم تأثيرا في حصول الغم والحسرة ، فظهر أن هذه الآية منبهة على ما هو العمدة والقاعدة في هذا الباب . وفي الآية وجه آخر : وهو أن الشيطان يعدهم بأنه لا قيامة ولا جزاء فاجتهدوا في استيفاء اللذات الدنيوية . ثم قال تعالى : { أولئك مأواهم جهنم } واعلم أنا ذكرنا أن الغرور عبارة عن الحالة التي تحصل للإنسان عند وجدان ما يستحسن ظاهره إلا أنه يعظم تأذيه عند انكشاف الحال فيه ، والاستغراق في طيبات الدنيا والانهماك في معاصي الله سبحانه وإن كان في الحال لذيذا إلا أن عاقبته عذاب جهنم وسخط الله والبعد عن رحمته ، فكان هذا المعنى مما يقوي ما تقدم ذكره من أنه ليس إلا الغرور . ثم قال تعالى : { ولا يجدون عنها محيصا } المحيص المعدل والمفر . قال الواحدي رحمه الله : هذه الآية تحتمل وجهين : أحدهما : أنه لا بد لهم من ورودها . الثاني : التخليد الذي هو نصيب الكفار ، وهذا غير بعيد لأن الضمير في قوله { ولا يجدون } عائد إلى الذين تقدم ذكرهم ، وهم الذين قال الشيطان : لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا . والأظهر أن الذي يكون نصيبا للشيطان هم الكفار . ولما ذكر الله الوعيد أردفه بالوعد فقال : { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من } . وأعلم أنه تعالى في أكثر آيات الوعد ذكر { خالدين فيها أبدا } ولو كان الخلود يفيد التأبيد والدوام للزم التكرار وهو خلاف الأصل ، فعلمنا أن الخلود عبارة عن طول المكث لا عن الدوام ، وأما في آيات الوعيد فإنه يذكر الخلود ولم يذكر التأبيد إلا في حق الكفار ، وذلك يدل على أن عقاب الفساق منقطع . ثم قال : { وعد الله حقا } قال صاحب ( الكشاف ) : هما مصدران : الأول : مؤكد لنفسه ، كأنه قال : وعد وعدا وحقا مصدر مؤكد لغيره ، أي حق ذلك حقا .

قسم V11/P040–V11/P041

ثم قال : { ومن أصدق من الله قيلا } وهو توكيد ثالث بليغ . وفائدة هذه التوكيدات معارضة ما ذكره الشيطان لأتباعه من المواعيد الكاذبة والأماني الباطلة ، والتنبيه على أن وعد الله أولى بالقبول وأحق بالتصديق من قول الشيطان الذي ليس أحد أكذب منه ، وقرأ حمزة والكسائي { أصدق من الله قيلا } باشمام الصاد الزاي ، وكذلك كل صاد ساكنة بعدها دال في القرآن نحو { قصد السبيل } ( النحل : 9 ) { فاصدع بما تؤمر } ( الحجر : 94 ) والقيل : مصدر قال قولا وقيلا ، وقال ابن السكيت : القيل والقال اسمان لا مصدران ثم قال تعالى : ! 7 < { ليس بأمانيكم ولاأمانى أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا } > 7 < النساء : ( 123 ) ليس بأمانيكم ولا . . . . . > > قوله تعالى : { ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب } وفيه مسائل : المسألة الأولى : الأمنية أفعولة من المنية ، وتمام الكلام في هذا اللفظ مذكور في قوله تعالى { إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى } ( الحج : 52 ) . المسألة الثانية : { بعيد ليس } فعل ، فلا بد من اسم يكون هو مسندا إليه ، وفيه وجوه : الأول : ليس الثواب الذي تقدم ذكره والوعد به في قوله { سندخلهم جنات تجرى } ( النساء : 122 ) الآية ، بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ، أي ليس يستحق بالأماني إنما يستحق بالإيمان والعمل الصالح . الثاني : ليس وضع الدين على أمانيكم . الثالث : ليس الثواب والعقاب بأمانيكم ، والوجه الأول أولى لأن إسناد { ليس } إلى ما هو مذكور فيما قبل أولى من إسناده إلى ما هو غير مذكور . المسألة الثالثة : الخطاب في قوله { ليس بأمانيكم } خطاب مع من ؟ فيه قولان : الأول : أنه خطاب مع عبدة الأوثان ، وأمانيهم أن لا يكون هناك جشر ولا نشر ولا ثواب ولا عقاب ، وإن اعترفوا به لكنهم يصفون أصنامهم بأنها شفعاؤهم عند الله ، وأما أماني أهل الكتاب فهو قولهم { لن يدخل الجنة إلا من هو كان هودا أو نصارى } ( البقرة : 111 ) وقولهم : { نحن أبناء الله وأحباؤه } ( المائدة : 18 ) فلا يعذبنا ، وقولهم { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } ( البقرة : 80 ) . القول الثاني : أنه خطاب مع المسلمين ، وأمانيهم أن يغفر لهم وإن ارتكبوا الكبائر ، وليس الأمر كذلك ، فإنه تعالى يخص بالعفو والرحمة من يشاء كما قال { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 116 ) وروي أنه تفاخر المسلمون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ، ونحن أولى بالله منكم ، وقال المسلمون : نبينا خاتم النبيين ، وكتابنا ناسخ الكتب ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . ثم قال تعالى : { من يعمل سوءا يجز به } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قالت المعتزلة : هذه الآية دالة على أنه تعالى لا يعفو عن شيء من السيئات ، وليس لقائل أن يقول : هذا يشكل بالصغائر فإنها مغفورة قالوا : الجواب عنه من وجهين : الأول : أن العام بعد التخصيص حجة ، والثاني : أن صاحب الصغيرة قد انحبط من ثواب طاعته بمقدار عقاب تلك المعصية ، فههنا قد وصل جزاء تلك المعصية إليه .

قسم V11/P041–V11/P042

أجاب أصحابنا عنه بأن الكلام على عموماته قد تقدم في تفسير قوله تعالى : { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئة فأولائك أصحاب النار هم فيها خالدون } ( البقرة : 81 ) والذي نزيده في هذه الآية وجوه الأول : لم لا يجوز أن يكون المراد من هذا الجزاء ما يصل إلى الإنسان في الدنيا من الغموم والهموم والأحزان والآلام والأسقام ، والذي يدل على صحة ما ذكرنا القرآن والخبر ، أما القرآن فهو قوله تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا } ( المائدة : 38 ) سمي ذلك القطع بالجزاء وأما الخبر فما روي أنه لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : كيف الصلاح بعد هذه الآية ؟ فقال غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض ، أليس يصيبك الأذى فهو ما تجزون . وعن عائشة رضي الله عنها أن رجلا قرأ هذه الآية فقال : أنجزى بكل ما نعمل لقد هلكنا ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم كلامه فقال : يجزى المؤمن في الدنيا بمصيبته في جسده وما يؤذيه ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه : لما نزلت هذه الآية بكينا وحزنا وقلنا : يا رسول الله ما أبقت هذه الآية لنا شيئا ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( أبشروا فإنه لا يصيب أحد منكم مصيبة في الدنيا إلا جعلها الله له كفارة حتى الشوكة التي تقع في قدمه ) . الوجه الثاني في الجواب : هب أن ذلك الجزاء إنما يصل إليهم يوم لقيامة لكن لم لا يجوز أن يحصل الجزاء بنقص ثواب إيمانه وسائر طاعاته ، ويدل عليه القرآن والخبر والمعقول . أما القرآن فقوله تعالى : { إن الحسنات يذهبن السيئات } ( هود : 114 ) . وأما الخبر : فما روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال : لما نزلت هذه الآية شقت على المؤمنين مشقة شديدة ، وقالوا يا رسول الله وأينا لم يعمل سوءا فكيف الجزاء ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( إنه تعالى وعد على الطاعة عشر حسنات وعلى المعصية الواحدة عقوبة واحدة فمن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة وبقيت له تسع حسنات فويل لمن غلبت آحاده أعشاره ) . وأما المعقول : فهو أن ثواب الإيمان وجميع الطاعات أعظم لا محالة من عقاب الكبيرة الواحدة والعدل يقتضي أن يحط من الأكثر مثل الأقل ، فيبقى حينئذ من الأكثر شيء زائد فيدخل الجنة بسبب تلك الزيادة . الوجه الثالث في الجواب : أن هذه الآية إنما نزلت في الكفار ، والذي يدل على ما ذكرناه أنه تعالى قال بعد هذه الآية { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو اثنى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة } ( النساء : 124 ) فالمؤمن الذي أطاع الله سبعين سنة ثم شرب قطرة من الخمر فهو مؤمن قد عمل الصالحات ، فوجب القطع بأنه يدخل الجنة بحكم هذه الآية ، وقولهم : خرج عن كونه مؤمنا فهو باطل للدلائل الدالة على أن صاحب الكبيرة مؤمن ، مثل قوله { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } إلى قوله { فإن بغت إحداهما على الاخرى } ( الحجرات : 9 ) سمي الباغي حال كونه باغيا مؤمنا ، وقال : { المتقون يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص في القتلى } ( البقرة : 187 ) سمي صاحب القتل العمد العدوان مؤمنا ، وقال : { تعملون يأيها الذين ءامنوا توبوا إلى الله } ( التحريم : 8 ) سماه مؤمنا حال ما أمره بالتوبة ، فثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن ، وإذا كان مؤمنا كان قوله تعالى : { ومن يعمل من الصالحات } حجة في أن المؤمن الذي يكون صاحب الكبيرة من أهل الجنة ، فوجب أن يكون قوله { من يعمل سوءا يجز به } مخصوصا بأهل الكفر .

قسم V11/P042–V11/P043

الوجه الرابع في الجواب : هب أن النص يعم المؤمن والكافر ، ولكن قوله { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 48 ) أخص منه والخاص مقدم على العام ، ولأن إلحاق التأويل بعمومات الوعيد أولى من إلحاقه بعمومات الوعد لأن الوفاء بالوعد كرم ، وإهمال الوعيد وحمله على التأويل بالتعريض جود وإحسان . المسألة الثانية : دلت الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع لأن قوله { من يعمل سوءا } يتناول جميع المحرمات ، فدخل فيه ما صدر عن الكفار مما هو محرم في دين الإسلام ثم قوله { يجز به } يدل على وصول جزاء كل ذلك إليهم . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون ذلك الجزاء عبارة عما يصل إليهم من الهموم والغموم في الدنيا . قلنا : إنه لا بد وأن يصل جزاء أعمالهم الحسنة إليهم في الدنيا إذ لا سبيل إلى إيصال ذلك الجزاء إليهم في الآخرة / وإذا كان كذلك فهذا يقتضي أن يكون نتعمهم في الدنيا أكثر ولذاتهم ههنا أكمل ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : ( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ) وإذا كان كذلك امتنع أن يقال : إن جزاء أفعالهم المحظورة تصل إليهم في الدنيا ، فوجب القول بوصول ذلك الجزاء إليهم في الآخرة . المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : دلت الآية على أن العبد فاعل ، ودلت أيضا على أنه بعمل السوء يستحق الجزاء ، وإذا دلت الآية على مجموع هذين الأمرين فقد دلت على أن الله غير خالق لأفعال العباد ، وذلك من وجهين : أحدهما : أنه لما كان عملا للعبد امتنع كونه عملا لله تعالى لاستحالة حصول مقدور واحد بقادرين ، والثاني : أنه لو حصل بخلق الله تعالى لما استحق العبد عليه جزاء ألبتة وذلك باطل ، لأن الآية دالة على أن العبد يستحق الجزاء على عمله ، وأعلم أن الكلام على هذا النوع من الاستدلال مكرر في هذا الكتاب . ثم قال تعالى : { ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا } . قالت المعتزلة : دلت الآية على نفي الشفاعة ، والجواب من وجهين : الأول : أنا قلنا أنا هذه الآية في حق الكفار . والثاني : أن شفاعة الأنبياء والملائكة في حق العصاة إنما تكون بإذن الله تعالى ، وإذا كان كذلك فلا ولي لأحد ولا نصير لأحد إلا الله سبحانه وتعالى ثم قال تعالى : ! 7 < { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولائك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا } > 7 ! < < النساء : ( 124 ) ومن يعمل من . . . . . > > قال مسروق : لما نزل قوله { من يعمل سوءا يجز به } ( النساء : 123 ) قال أهل الكتاب للمسلمين : نحن وأنتم سواء ، فنزلت هذه الآية إلى قوله { ومن أحسن دينا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم { يدخلون الجنة } بضم الياء وفتح الخاء على ما لم يسم فاعله ، وكذلك في سورة مريم وفي حم المؤمن ، والباقون بفتح الياء وضم الخاء في هذه السورة جميعا على أن الدخول مضاف إليهم ، وكلاهما حسن ، والأول أحسن لأنه أفخم ، ويدل على مثيب أدخلهم الجنة ويوافق { ولا يظلمون } وأما القراءة الثانية فهي مطابقة لقوله تعالى : { ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم } ( الزخرف : 70 ) ولقوله { ادخلوها بسلام } ( الحجر : 46 ) ( ق : 34 ) والله أعلم .

الأسئلة