Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
قال الثعلبي : سمعت أبا القاسم بن حبيب قال : سمعت أبا بكر القفال قال : سمعت أبا بكر بن دريد يقول : الأم في كلام العرب الراية التي ينصبها العسكر قال قيس بن الحطيم : - نصبنا أمنا حتى ابذعروا وصاروا بعد ألفتهم سلالا فسميت هذه السورة بأم القرآن لأن مفزع أهل الإيمان إلى هذه السورة كما أن مفزع العسكر إلى الراية والعرب تسمي الأرض أما ؛ لأن معاد الخلق إليها في حياتهم ومماتهم ولأنه يقال : أم فلان فلانا إذا قصده . الاسم الرابع : من أسماء هذه السورة السبع المثاني قال الله تعالى : ^ { ولقد آتيناك سبعاص من المثاني } ^ وفي سبب تسميتها بالمثاني وجوه : الأول : أنها مثنى : نصفها ثناء العبد للرب ونصفها عطاء الرب للعبد . الثاني : سميت مثاني لأنها تثنى في كل ركعة من الصلاة . الثالث : سميت مثاني لأنها مستثناة من سائر الكتب قال عليه الصلاة والسلام صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثل هذه السورة وإنها السبع المثاني والقرآن العظيم . الرابع : سميت مثاني لأنها سبع آيات كل آية تعدل قراءتها قراءة سبع من القرآن فمن قرأ الفاتحة أعطاه الله ثواب من قرأ كل القرآن . الخامس : آياتها سبع وأبواب النيران سبعة فمن فتح لسانه بقراءتها غلقت عنه الأبواب السبعة والدليل عليه ما روي أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم : يا محمد كنت أخشى العذاب على أمتك فلما نزلت الفاتحة أمنت قال : لم يا جبريل ؟ قال : لأن الله تعالى قال : وإن جهنم لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم [ الحجر : 43 ] وآياتها سبع فمن قراها صارت كل آية طبقا على باب من أبواب جهنم فتمر أمتك عليها منها سالمين . السادس : سميت مثاني لأنها تقرأ في الصلاة ثم إنها تثنى بسورة أخرى . السابع : سميت مثاني لأنها أثنية على الله تعالى ومدائح له . الثامن : سميت مثاني لأن الله أنزلها مرتين واعلم أنا قد بالغنا في تفسير قوله تعالى : سبعا من المثاني في سورة الحجر . الاسم الخامس : الوافية كان سفيان بن عيينة يسميها بهذا الاسم قال الثعلبي : وتفسيرها أنها لا تقبل التنصيف ألا ترى أن كل سورة من القرآن لو قرىء نصفها في ركعة والنصف الثاني في ركعة أخرى لجاز وهذا التنصيف غير جائز في هذه السورة . الاسم السادس : الكافية : سميت بذلك لأنها تكفي عن غيرها وأما غيرها فلا يكفي عنها روي محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أم القرآن عوض عن غيرها وليس غيرها عوضا عنها . الاسم السابع : الأساس وفيه وجوه : - الأول : أنها أول سورة من القرآن فهي كالأساس . الثاني : أنها مشتملة على أشرف المطالب كما بيناه وذلك هو الأساس . الثالث : أن أشرف العبادات بعد الإيمان هو الصلاة وهذه السورة مشتملة على كل ما لا بد منه في الإيمان والصلاة لا تتم إلا بها . الاسم الثامن : الشفاء عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فاتحة الكتاب شفاء من كل سم . ومر بعض الصحابة برجل مصروع فقرأ هذه السورة في أذنه فبرىء فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هي أم القرآن وهي شفاء من كل داء . وأقول : الأمراض منها روحانية ومنها جسمانية والدليل عليه أنه تعالى سمى الكفر مرضا فقال تعالى : في قلوبهم مرض [ البقرة : 10 ] وهذه السورة مشتملة على معرفة الأصول والفروع والمكاشفات فهي في الحقيقة سبب لحصول الشفاء في هذه المقامات الثلاثة . الاسم التاسع : الصلاة قال عليه الصلاة والسلام
: يقول الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين . والمراد هذه السورة . الاسم العاشر : السؤال روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكى عن رب العزة سبحانه وتعالى أنه قال : من شغله ذكري عن سؤالي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين . وقد فعل الخليل عليه السلام ذلك حيث قال الذي خلقني فهو يهدين [ الشعراء : 78 ] إلى أن قال : رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين [ الشعراء : 83 ] ففي هذه السورة أيضا وقعت البداءة بالثناء عليه سبحانه وتعالى وهو قوله : ^ { الحمد لله - إلى قوله - مالك يوم الدين } ^ ثم ذكر العبودية وهو قوله : إياك نعبد وإياك نستعين ثم وقع الختم على طلب الهداية وهو قوله تعالى : اهدنا الصراط المستقيم وهذا يدل على أن أكمل المطالب هو الهداية في الدين وهو أيضا يدل على أن جنة المعرفة خير من جنة النعيم لأنه تعالى ختم الكلام هنا على قوله اهدنا ولم يقل ارزقنا الجنة . الاسم الحادي عشر : سورة الشكر وذلك لأنها ثناء على الله بالفضل والكرم والإحسان . الاسم الثاني عشر : سورة الدعاء لاشتمالها على قوله : اهدنا الصراط المستقيم فهذا تمام الكلام في شرح هذه الأسماء والله أعلم . < > الباب الثاني < > < > في فضائل هذه السورة وفيه مسائل < > المسألة الأولى : ذكروا في كيفية نزول هذه السورة ثلاثة أقوال : الأول : أنها مكية روى الثعلبي بإسناده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : نزلت فاتحة الكتاب بمكة من كنز تحت العرش ثم قال الثعلبي : وعليه أكثر العلماء وروى أيضا بإسناده عن عمرو بن شرحبيل أنه قال : أول ما نزل من القرآن الحمد لله رب العالمين وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسر إلى خديجة فقال لقد : خشيت أن يكون خالطني شيء فقالت : وما ذاك ؟ قال : إني إذا خلوت سمعت النداء بإقرأ ثم ذهب إلى ورقة بن نوفل وسأله عن تلك الواقعة فقال له ورقة : إذا أتاك النداء فاثبت له فأتاه جبريل عليه السلام وقال له : قل : بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وبإسناده عن أبي صالح عن ابن عباس قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بسم الله الرحمن الرحيم فقالت قريش : دق الله فاك . والقول الثاني : أنها نزلت بالمدينة روى الثعلبي بإسناده عن مجاهد أنه قال : فاتحة الكتاب أنزلت بالمدينة قال الحسين بن الفضل : لكل عالم هفوة وهذه هفوة مجاهد ؛ لأن العلماء على خلافه ويدل عليه وجهان : الأول : أن سورة الحجر مكية بالاتفاق ومنها : قوله تعالى : ولقد آتيناك سبعا من المثاني وهي : فاتحة الكتاب وهذا يدل على أنه تعالى آتاه هذه السورة فيما تقدم الثاني : أنه يبعد أن يقال : إنه أقام بمكة بضع عشرة سنة بلا فاتحة الكتاب . القول الثالث : قال بعض العلماء : هذه السورة نزلت بمكة مرة وبالمدينة مرة أخرى فهي مكية مدنية ؛ ولهذا السبب سماها الله بالمثاني ؛ لأنه ثنى إنزالها وإنما كان كذلك مبالغة في تشريفها . المسألة الثانية : في بيان فضلها
عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : فاتحة الكتاب شفاء من السم وعن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتما مقضيا فيقرأ صبي من صبيانهم في المكتب الحمد لله رب العالمين فيسمعه الله تعالى فيرفع عنهم بسببه العذاب أربعين سنة وعن الحسين قال : أنزل الله تعالى مائة وأربعة كتب من السماء فأودع علوم المائة في الأربعة وهي التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ثم أودع علوم هذه الأربعة في الفرقان ثم أودع علوم الفرقان في المفصل ثم أودع علوم المفصل في الفاتحة فمن علم تفسير الفاتحة كان كمن علم تفسير جميع كتب الله المنزلة ومن قرأها فكأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان . قلت : والسبب فيه أن المقصود من جميع الكتب الإلهية علم الأصول والفروع والمكاشفات وقد بينا أن هذه السورة مشتملة على تمام الكلام في هذه العلوم الثلاثة فلما كانت هذه المطالب العالية الشريفة حاصلة فيها لا جرم كانت كالمشتملة على جميع المطالب الإلهية . المسألة الثالثة : قالوا : هذه السورة لم يحصل فيها سبعة من الحروف وهي الثاء والجيم والخاء والزاي والشين والظاء والفاء والسبب فيه أن هذه الحروف السبعة مشعرة بالعذاب فالثاء تدل على الويل والثبور قال تعالى : لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا [ الفرقان : 14 ] والجيم أول حروف اسم جهنم قال تعالى : وإن جهنم لموعدهم أجمعين [ الحجر : 43 ] وقال تعالى : ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس [ الأعراف : 179 ] وأسقط الخاء لأنه يشعر بالخزي قال تعالى : يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه التحريم : 8 ] وقال تعالى : إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين [ النحل : 27 ] وأسقط الزاي والشين لأنهما أول حروف الزفير والشهيق قال تعالى : ^ { لهم فيها زفير وشهيق } ^ [ هود : 106 ] وأيضا الزاي تدل على الزقوم قال تعالى : إن شجرة الزقوم طعام الأثيم [ الدخان : 43 ] والشين تدل على الشقاوة قال تعالى : ^ { فأما الذين شقوا ففي النار } ^ [ هود : 106 ] وأسقط الظاء لقوله : ^ { انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب } ^ [ المرسلات : 30 ] وأيضا يدل على لظى قال تعالى : ^ { كلا إنها لظى نزاعة للشوى } ^ [ المعارج : 15 ] وأسقط الفاء ؛ لأنه يدل على الفراق قال تعالى : ^ { يومئذ يتفرقون } ^ [ الروم : 14 ] وأيضا قال : ^ { لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى } ^ [ طه : 61 ] . فإن قالوا : لا حرف من الحروف إلا وهو مذكور في شيء يوجب نوعا من العذاب فلا يبقى لما ذكرتم فائدة فنقول : الفائدة فيه أنه تعالى قال في صفة جهنم : ^ { لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم } ^ [ الحجر : 44 ] والله تعالى أسقط سبعة من الحروف من هذه السورة وهي أوائل ألفاظ دالة على العذاب تنبيها على أن من قرأ هذه السورة وآمن بها وعرف حقائقها صار آمنا من الدركات السبع في جهنم والله أعلم . < > الباب الثالث < > < > في الأسرار العقلية المستنبطة من هذه السورة وفيه مسائل <
> المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما قال : ^ { الحمد لله } فكأن سائلا يقول : الحمد لله منبئ عن أمرين : أحدهما : وجود الإله والثاني : كونه مستحقا للحمد فما الدليل على وجود الإله وما الدليل على أنه مستحق للحمد ولما توجه هذان السؤالان لا جرم ذكر الله تعالى ما يجري مجرى الجواب عن هذين السؤالين فأجاب عن السؤال الأول بقوله رب العالمين وأجاب عن السؤال الثاني بقوله الرحمن الرحيم مالك يوم الدين أما تقرير الجواب الأول ففيه مسائل : المسألة الأولى : إن علمنا بوجود الشيء إما أن يكون ضروريا أو نظريا لا جائز أن يقال العلم بوجود الإله ضروري لأنا نعلم بالضرورة أنا لا نعرف وجود الإله بالضرورة فبقي أن يكون العلم نظريا والعلم النظري لا يمكن تحصيله إلا بالدليل ولا دليل على وجود الإله إلا أن هذا العالم المحسوس بما فيه من السموات والأرضين والجبال والبحار والمعادن والنبات والحيوان محتاج إلى مدبر يدبره وموجود يوجده ومرب يربيه ومبق يبقيه فكان قوله : { رب العالمين } إشارة إلى الدليل الدال على وجود الإله القادر الحكيم . ثم فيه لطائف : اللطيفة الأولى : أن العالمين إشارة إلى كل ما سوى الله فقوله : { رب العالمين } إشارة إلى أن كل ما سواه فهو مفتقر إليه محتاج في وجوده إلى إيجاده وفي بقائه إلى إبقائه فكان هذا إشارة إلى أن كل جزء لا يتجزأ وكل جوهر فرد وكل واحد من آحاد الأعراض فهو برهان باهر ودليل قاطع على وجود الإله الحكيم القادر كما قال تعالى : ^ { وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم } ^ [ الإسراء : 44 ] . اللطيفة الثانية : أنه تعالى لم يقل الحمد لله خالق العالمين بل قال : الحمد لله رب العالمين والسبب فيه أن الناس أطبقوا على أن الحوادث مفتقرة إلى الموجد والمحدث حال حدوثها لكنهم اختلفوا في أنها حال بقائها هل تبقى محتاجة إلى المبقي أم لا ؟ فقال قوم : الشيء حال بقائه يستغني عن السبب والمربي هو القائم بإبقاء الشيء وإصلاح حاله حال بقائه فقوله : رب العالمين تنبيه على أن جميع العالمين مفتقرة إليه في حال بقائها والمقصود أن افتقارها إلى الموجد في حال حدوثها أمر متفق عليه أما افتقارها إلى المبقي والمربي حال بقائها هو الذي وقع فيه الخلاف فخصه سبحانه بالذكر تنبيها على أن كل ما سوى الله ؛ فإنه لا يستغني عنه لا في حال حدوثه ولا في حال بقائه . اللطيفة الثالثة : أن هذه السورة مسماة بأم القرآن فوجب كونها كالأصل والمعدن وأن يكون غيرها كالجداول المتشعبة منه فقوله : رب العالمين تنبيه على أن كل موجود سواه ؛ فإنه دليل على إلهيته . ثم إنه تعالى افتتح سورا أربعة بعد هذه السورة بقوله : الحمد لله فأولها : سورة الأنعام وهو قوله : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور [ الأنعام : 1 ] واعلم أن المذكور ههنا قسم من أقسام قوله : رب العالمين ؛ لأن لفظ العالم يتناول كل ما سوى الله والسموات والأرض والنور والظلمة قسم من أقسام ما سوى الله فالمذكور في أول سورة الأنعام كأنه قسم من أقسام ما هو مذكور في أول سورة الفاتحة وأيضا فالمذكور في أول سورة الأنعام أنه خلق ا لسماوات والأرض ؛ والمذكور في أول سورة الفاتحة كونه ربا للعالمين وقد بينا أنه متى ثبت أن العالم محتاج حال بقائه إلى إبقاء الله كان القول باحتياجه حال حدوثه إلى المحدث أولى أما لا يلزم من احتياجه إلى المحدث حال حدوثه احتياجه إلى المبقي حال بقائه فثبت بهذين الوجهين أن المذكور في أول سورة الأنعام يجري مجرى قسم من أقسام ما هو مذكور في أول سورة الفاتحة .
وثانيها : سورة الكهف وهو قوله : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب والمقصود منه تربية الأرواح بالمعارف فإن الكتاب الذي أنزله على عبده سبب لحصول المكاشفات والمشاهدات فكان هذا إشارة إلى التربية الروحانية فقط وقوله في أول سورة الفاتحة : رب العالمين إشارة إلى التربية العامة في حق كل العالمين ويدخل فيه التربية الروحانية للملائكة والإنس والجن والشياطين والتربية الجسمانية الحاصلة في السماوات والأرضين فكان المذكور في أول سورة الكهف نوعا من أنواع ما ذكره في أول الفاتحة . وثالثها : سورة سبأ وهو قوله : الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض [ سبأ : 1 ] فبين في أول سورة الأنعام أن السماوات والأرض له وبين في أول سورة سبأ أن الأشياء الحاصلة في السماوات والأرض له وهذا أيضا قسم من الأقسام الداخلة تحت قوله : الحمد لله رب العالمين . ورابعها : قوله : الحمد لله فاطر السماوات والأرض [ فاطر : 1 ] والمذكور في أول سورة الأنعام كونه خالقا لها والخلق هو التقدير والمذكور في هذه السورة كونه فاطرا لها ومحدثا لذواتها وهذا غير الأول إلا أنه أيضا قسم من الأقسام الداخلة تحت قوله : الحمد لله رب العالمين . ثم إنه تعالى لما ذكر في سورة الأنعام كونه خالقا للسموات والأرض ذكر كونه جاعلا للظلمات والنور أما في سورة الملائكة ؛ فلما ذكر كونه فاطر السماوات والأرض ذكر كونه جاعلا الملائكة رسلا ففي سورة الأنعام ذكر بعد تخليق السماوات والأرض جعل الأنوار والظلمات وذكر في سورة الملائكة بعد كونه فاطر السماوات والأرض جعل الروحانيات وهذه أسرار عجيبة ولطائف عالية ؛ إلا أنها بأسرها تجري مجرى الأنواع الداخلة تحت البحر الأعظم المذكور في قوله : الحمد لله رب العالمين ؛ فهذا هو التنبيه على أن قوله : رب العالمين يجري مجرى ذكر الدليل على وجود الإله القديم . المسألة الثانية : أن هذه الكلمة كما دلت على وجود الإله ؛ فهي أيضا مشتملة على الدلالة على كونه متعاليا في ذاته عن المكان والحيز والجهة ؛ لأنا بينا أن لفظ العالمين يتناول كل موجود سوى الله ومن جملة ما سوى الله المكان والزمان فالمكان عبارة عن الفضاء والحيز والفراغ الممتد والزمان عبارة عن المدة التي يحصل بسببها القبلية والبعدية فقوله : رب العالمين يدل على كونه ربا للمكان والزمان وخالقا لهما وموجدا لهما ثم من المعلوم أن الخالق لا بد وأن يكون سابقا وجوده على وجود المخلوق ومتى كان الأمر كذلك كانت ذاته موجودة قبل حصول الفضاء والفراغ والحيز متعالية عن الجهة والحيز فلو حصلت ذاته بعد حصول الفضاء في جزء من أجزاء الفضاء لانقلبت حقيقة ذاته وذلك محال فقوله : رب العالمين يدل على تنزيه ذاته عن المكان والجهة بهذا الاعتبار . المسألة الثالثة : هذه اللفظة تدل على أن ذاته منزهة عن الحلول في المحل كما تقول النصارى والحلولية ؛ لأنه لما كان ربا للعالمين كان خالقا لكل ما سواه والخالق سابق على المخلوق فكانت ذاته موجودة قبل كل محل فكانت ذاته غنية عن كل محل فبعد وجود المحل امتنع احتياجه إلى المحل . المسألة الرابعة : هذه الآية تدل على أن إله العالم ليس موجبا بالذات بل هو فاعل مختار والدليل على أن الموجب بالذات لا يستحق على شيء من أفعاله الحمد والثناء والتعظيم ألا ترى أن الإنسان إذا انتفع بسخونة النار أو ببرودة الجمد فإنه لا يحمد النار ولا الجمد لما أن تأثير النار في التسخين وتأثير الجمد في التبريد ليس بالقدرة والاختيار بل بالطبع فلما حكم بكونه مستحقا للحمد والثناء ثبت أنه فاعل بالاختيار وإنما عرفنا كونه فاعلا مختارا ؛ لأنه لو كان موجبا لدامت الآثار والمعلولات بدوام المؤثر الموجب ولامتنع وقوع التغير فيها وحيث شاهدنا حصول التغيرات علمنا أن المؤثر فيها قادر بالاختيار لا موجب بالذات ولما كان الأمر كذلك لا جرم ثبت كونه مستحقا للحمد .
المسألة الخامسة : لما خلق الله العالم مطابقا لمصالح العباد موافقا لمنافعهم كان الإحكام والإتقان ظاهرين في العالم الأعلى والعالم الأسفل وفاعل الفعل المحكم المتقن يجب أن يكون عالما فثبت بما ذكرنا أن قوله الحمد لله يدل على وجود الإله ويدل على كونه منزها عن الحيز والمكان ويدل على كونه منزها عن الحلول في المحل ويدل على كونه في نهاية القدرة ويدل على كونه في نهاية العلم ويدل على كونه في نهاية الحكمة . وأما السؤال الثاني - وهو قوله : هب أنه ثبت القول بوجود الإله القادر فلم قلتم إنه يستحق الحمد والثناء ؟ والجواب هو قوله الرحمن الرحيم مالك يوم الدين وتقرير هذا الجواب أن العبد لا يخلو حاله في الدنيا عن أمرين : إما أن يكون في السلامة والسعادة وإما أن يكون في الألم والفقر والمكاره فإن كان في السلامة والكرامة فأسباب تلك السلامة وتلك الكرامة لم تحصل إلا بخلق الله وتكوينه وإيجاده فكان رحمانا رحيما وإن كان في المكاره والآفات فتلك المكاره والآفات إما أن تكون من العباد أو من الله فإن كانت من العباد فالله سبحانه وتعالى وعد بأنه ينتصف للمظلومين في يوم الدين وإن كانت من الله فالله تعالى وعد بالثواب الجزيل والفضل الكثير على كل ما أنزله بعباده في الدنيا من المكروهات والمخافات وإذا كان الأمر كذلك ثبت أنه لا بد وأن يكون مستحقا للحمد الذي لا نهاية له والثناء الذي لا غاية له فظهر بالبيان الذي ذكرناه أن قوله : الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين مرتب ترتيبا لا يمكن في العقل وجود كلام أكمل وأفضل منه . واعلم أنه تعالى لما تمم الكلام في الصفات المعتبرة في الربوبية أردفه بالكلام المعتبر في العبودية واعلم أن الإنسان مركب من جسد ومن روح والمقصود من الجسد أن يكون آلة للروح في اكتساب الأشياء النافعة للروح فلا جرم كان أفضل أحوال الجسد أن يكون آتيا بأعمال تعين الروح على اكتساب السعادات الروحانية الباقية وتلك الأعمال هي أن يكون الجسد آتيا بأعمال تدل على تعظيم المعبود وخدمته وتلك الأعمال هي العبادة فأحسن أحوال العبد في هذه الدنيا أن يكون مواظبا على العبادات وهذه أول درجات سعادة الإنسان وهو المراد بقوله : { إياك نعبد } فإذا واظب على هذه الدرجة مدة فعند هذا يظهر له شيء من أنوار عالم الغيب وهو أنه وحده لا يستقل بالإتيان بهذه العبادة والطاعات بل ما لم يحصل له توفيق الله تعالى وإعانته وعصمته فإنه لا يمكنه الإتيان بشيء من العبادات والطاعات وهذا المقام هو الدرجة الوسطى في الكمالات وهو المراد من قوله : وإياك نستعين ثم إذا تجاوز عن هذا المقام لاح له أن الهداية لا تحصل إلا من الله وأنوار المكاشفات والتجلي لا تحصل إلا بهداية الله وهو المراد من قوله : اهدنا الصراط المستقيم وفيه لطائف . اللطيفة الأولى : أن المنهج الحق في الاعتقادات وفي الأعمال هو الصراط المستقيم أما في الاعتقادات فبيانه من وجوه : ( الأول ) : أن من توغل في التنزيه وقع في التعطيل ونفي الصفات ومن توغل في الإثبات وقع في التشبيه وإثبات الجسمية والمكان فهما طرفان معوجان والصراط المستقيم الإقرار الخالي عن التشبيه والتعطيل ( والثاني ) : أن من قال فعل العبد كله منه فقد وقع في القدر ومن قال لا فعل للعبد فقد وقع في الجبر وهما طرفان معوجان والصراط المستقيم إثبات الفعل للعبد مع الإقرار بان الكل بقضاء الله وأما في الأعمال فنقول : من بالغ في الأعمال الشهوانية وقع في الفجور ومن بالغ في تركها وقع في الجمود والصراط المستقيم هو الوسط وهو العفة وأيضا من بالغ في الأعمال الغضبية وقع في التهور ومن بالغ في تركها وقع في الجبن والصراط المستقيم هو الوسط وهو الشجاعة .
اللطيفة الثانية : أن ذلك الصراط المستقيم وصفه بصفتين أولاهما إيجابية والأخرى سلبية أما الإيجابية فكون ذلك الصراط صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وأما السلبية فهي أن تكون بخلاف صراط الذين فسدت قواهم العملية بارتكاب الشهوات حتى استوجبوا غضب الله عليهم وبخلاف صراط الذين فسدت قواهم النظرية حتى ضلوا عن العقائد الحقية والمعارف اليقينية . اللطيفة الثالثة : قال بعضهم : إنه لما قال اهدنا الصراط المستقيم لم يقتصر عليه بل قال : صراط الذين أنعمت عليهم وهذا يدل على أن المريد لا سبيل له إلى الوصول إلى مقامات الهداية والمكاشفة إلا إذا اقتدى بشيخ يهديه إلى سواء السبيل ويجنبه عن مواقع الأغاليط والأضاليل وذلك لأن النقص غالب على أكثر الخلق وعقولهم غير وافيه بإدراك الحق وتمييز الصواب عن الغلط فلا بد من كامل يقتدي به الناقص حتى يتقوى عقل ذلك الناقص بنور عقل ذلك الكامل ؛ فحينئذ يصل إلى مدارج السعادات ومعارج الكمالات . وقد ظهر بما ذكرنا أن هذه السورة وافية ببيان ما يجب معرفته من عهد الربوبية وعهد العبودية المذكورين في قوله تعالى وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم [ البقرة : 40 ] . المسألة الثانية : في تقرير مشرع آخر من لطائف هذه السورة : اعلم أن أحوال هذا العالم ممزوجة بالخير والشر والمحبوب والمكروه وهذه المعاني ظاهرة لا شك فيها إلا أن نقول : الشر وإن كان كثيرا إلا أن الخير أكثر والمرض وإن كان كثيرا إلا أن الصحة أكثر منه والجوع وإن كان كثيرا إلا أن الشبع أكثر منه وإذا كان الأمر كذلك فكل عاقل اعتبر أحوال نفسه فإنه يجدها دائما في التغيرات والانتقال من حال إلى حال ثم إنه يجد الغالب في تلك التغيرات هو السلامة والكرامة والراحة والبهجة أما الأحوال المكروهة فهي وإن كانت كثيرة إلا أنها أقل من أحوال اللذة والبهجة والراحة إذا عرفت هذا فنقول إن تلك التغيرات لأجل أنها تقتضي حدوث أمر بعد عدمه تدل على وجود الإله القادر ولأجل أن الغالب فيها الراحة والخير تدل على أن ذلك الإله رحيم محسن كريم أما دلالة التغيرات على وجود الإله فلأن الفطرة السليمة تشهد بأن كل شيء وجد بعد العدم فإنه لا بد له من سبب ولذلك فإنا إذا سمعنا أن بيتا حدث بعد أن لم يكن فإن صريح العقل شاهد بأنه لا بد من فاعل تولى بناء ذلك البيت ولو أن إنسانا شككنا فيه لم نتشكك فإنه لا بد وأن يكون فاعل تلك الأحوال المتغيرة قادرا إذ لو كان موجبا بالذات لدام الأثر بدوامه فحدوث الأثر بعد عدمه يدل على وجود مؤثر قادر وأما دلالة تلك التغيرات على كون المؤثر رحيما محسنا ؛ فلأنا بينا أن الغالب في تلك التغيرات هو الراحة والخير والبهجة والسلامة ومن كان غالب أفعاله راحة وخيرا وكرامة وسلامة كان رحيما محسنا ومن كان كذلك كان مستحقا للحمد ولما كانت هذه الأحوال معلومة لكل أحد وحاضرة في عقل كل أحد عاقل كان موجب حمد الله وثنائه حاضرا في عقل كل أحد ؛ فلهذا السبب علمهم كيفية الحمد فقال ( الحمد لله ) ولما نبه على هذا المقام نبه على مقام آخر أعلى وأعظم من الأول وكأنه قيل : لا ينبغي أن تعتقد أن الإله الذي اشتغلت بحمده هو إلهك فقط بل هو إله كل العالمين وذلك لأنك إنما حكمت بافتقار نفسك إلى الإله لما حصل فيك من الفقر والحاجة والحدوث والإمكان وهذه المعاني قائمة في كل العالمين فإنها محل الحركات والسكنات وأنواع التغيرات فتكون علة احتياجك إلى الإله المدبر قائمة فيها وإذا حصل الاشتراك في العلة وجب أن يحصل الاشتراك في المعلول فهذا يقتضي كونه ربا للعالمين وإلها للسموات والأرضين ومدبرا لكل الخلائق أجمعين ولما تقرر هذا المعنى ظهر أن الموجود الذي يقدر على خلق هذه العوالم على عظمتها ويقدر على خلق العرش والكرسي والسموات والكواكب لا بد وأن يكون قادرا على إهلاكها ولا بد وأن يكون غنيا عنها فهذا القادر القاهر الغني يكون في غاية العظمة والجلال وحينئذ يقع في قلب العبد أني مع نهاية ذلتي وحقارتي كيف يمكنني أن أتقرب إليه وبأي طريق أتوسل إليه فعند هذا ذكر الله ما يجري مجرى العلاج الموافق لهذا المرض فكأنه قال : أيها العبد الضعيف أنا وإن كنت عظيم القدرة والهيبة والإلهية إلا أني مع ذلك عظيم الرحمة فأنا الرحمن الرحيم وأنا مالك يوم الدين فما دمت في هذه الحياة الدنيا لا أخليك عن أقسام رحمتي وأنواع نعمتي وإذا مت فأنا مالك يوم الدين لا أضيع عملا من أعمالك فإن أتيتني بالخير قابلت الخير الواحد بما لا نهاية له من الخيرات وإن أتيتني بالمعصية قابلتها بالصفح والإحسان والمغفرة .
ثم لما قرر أمر الربوبية بهذا الطريق أمره بثلاثة أشياء : أولها : مقام الشريعة وهو أن يواظب على الأعمال الظاهرة وهو قوله إياك نعبد وثانيها : مقام الطريقة وهو أن يحاول السفر من عالم الشهادة إلى عالم الغيب فيرى عالم الشهادة كالمسخر لعالم الغيب فيعلم أنه لا يتيسر له شيء من الأعمال الظاهرة إلا بمدد يصل إليه من عالم الغيب وهو قوله وإياك نستعين وثالثها : أنه يشاهد عالم الشهادة معزولا بالكلية ويكون الأمر كله لله وحينئذ يقول : اهدنا الصراط المستقيم . ثم إن ههنا دقيقة وهي أن الروح الواحد يكون أضعف قوة من الأرواح الكثيرة المجتمعة على تحصيل مطلوب واحد فحينئذ علم العبد أن روحه وحده لا يكفي في طلب هذا المقصود فعند هذا أدخل روحه في زمرة الأرواح المقدسة المطهرة المتوجهة إلى طلب المكاشفات الروحانية والأنوار الربانية حتى إذا اتصل بها وانخرط في سلكها صار الطلب أقوى والاستعداد أتم فحينئذ يفوز في تلك الجمعية بما لا يقدر على الفوز به حال الوحدة فلهذا قال : صراط الذين أنعمت عليهم . ثم لما بين أن الاتصال بالأرواح المطهرة يوجب مزيد القوة والاستعداد ؛ بين أيضا أن الاتصال بالأرواح الخبيثة يوجب الخيبة والخسران والخذلان والحرمان فلهذا قال : غير المغضوب عليهم وهم الفساق : ولا الضالين وهم الكفار . ولما تمت هذه الدرجات الثلاث وكملت هذه المقامات الثلاثة أعني الشريعة المدلول عليها بقوله إياك نعبد والطريقة المدلول عليها بقوله وإياك نستعين والحقيقة المدلول عليها بقوله اهدنا الصراط المستقيم - ثم لما حصل الاستسعاد بالاتصال بأرباب الصفاء والاستكمال بسبب المباعدة عن أرباب الجفاء والشقاء فعند هذا كملت المعارج البشرية والكمالات الإنسانية . المسألة الثالثة : في تقرير مشرع آخر من لطائف هذه السورة : اعلم أن الإنسان خلق محتاجا إلى جر الخيرات واللذات ودفع المكروهات والمخافات ثم إن هذا العالم عالم الأسباب فلا يمكنه تحصيل الخيرات واللذات إلا بواسطة أسباب معينة ولا يمكنه دفع الآفات والمخافات إلا بواسطة أسباب معينة ولما كان جلب النفع ودفع الضرر محبوبا بالذات وكان استقراء أحوال هذا العلم يدل على أنه لا يمكن تحصيل الخير ولا دفع الشر إلا بتلك الأسباب المعينة ثم تقرر في العقول أن ما لا يمكن الوصول إلى المحبوب إلا بواسطته فهو محبوب - صار هذا المعنى سببا لوقوع الحب الشديد لهذه الأسباب الظاهرة وإذا علم أنه لا يمكنه الوصول إلى الخيرات واللذات إلا بواسطة خدمة الأمير والوزير والأعوان والأنصار بقي الإنسان متعلق القلب بهذه الأشياء شديد الحب لها عظيم الميل والرغبة إليها ثم قد ثبت في العلوم الحكمية أن كثرة الأفعال سبب لحدوث الملكات الراسخة وثبت أيضا أن حب التشبه غالب على طباع الخلق . أما الأول فكل من واظب على صناعة من الصنائع وحرفة من الحرف مدة مديدة صارت تلك الحرفة والصناعة ملكة راسخة قوية وكلما كانت المواظبة عليها أكثر كانت الملكة أقوى وأرسخ وأما الثاني فهو أن الإنسان إذا جالس الفساق مال طبعة إلى الفسق وما ذاك إلا لأن الأرواح جبلت على حب المحاكاة وإذا عرفت هذا فنقول : إنا بينا أن استقراء حال الدنيا يوجب تعلق القلب بهذه الأسباب الظاهرة التي بها يمكن التوسل إلى جر المنافع ودفع المضار وبينا أنه كلما كانت مواظبة الإنسان عليها أكثر كان استحكام هذا الميل والطلب في قلبه أقوى وأثبت وأيضا فأكثر أهل الدنيا موصوفون بهذه الصفة مواظبون على هذه الحالة . وبينا أن النفوس مجبولة على حب المحاكاة وذلك أيضا يوجب استحكام هذه الحالة . فقد ظهر بالبينات التي ذكرناها أن الأسباب الموجبة لحب الدنيا والمرغبة في التعلق بأسبابها كثيرة قوية شديدة جدا ثم نقول : إنه إذا اتفق للإنسان هداية إلهية تهديه إلى سواء السبيل وقع في قلبه أن يتأمل في هذه الأسباب تأملا شافيا وافيا فيقول : هذا الأمير المستولي على هذا العالم استولى على الدنيا بفرط قوته وكمال حكمته أم لا ؟
الأول باطل لأن ذلك الأمير ربما كان أكثر الناس عجزا وأقلهم عقلا فعند هذا يظهر له أن تلك الإمارة والرياسة ما حصلت له بقوته وما هيئت له بسبب حكمته وإنما حصلت تلك الإمارة والرياسة لأجل قسمة قسام وقضاء حكيم علام لا دافع لحكمه ولا مرد لقضائه ثم ينضم إلى هذا النوع من الاعتبار أنواع أخرى من الاعتبارات تعاضدها وتقويها فعند حصول هذه المكاشفة ينقطع قلبه عن الأسباب الظاهرة وينتقل منها إلى الرجوع في كل المهمات والمطلوبات إلى مسبب الأسباب ومفتح الأبواب ثم إذا توالت هذه الاعتبارات وتواترت هذه المكاشفات صار الإنسان بحيث كلما وصل إليه نفع وخير قال هو النافع وكلما وصل إليه شر ومكروه قال هو الضار وعند هذا لا يحمد أحدا على فعل إلا الله ولا يتوجه قلبه في طلب أمر من الأمور إلا إلى الله فيصير الحمد كله لله والثناء كله لله فعند هذا يقول العبد الحمد لله . واعلم أن الاستقراء المذكور يدل العبد على أن أحوال هذا العالم لا تنتظم إلا بتقدير الله ثم يترقى من العالم الصغير إلى العالم الكبير فيعلم أنه لا تنتظم حالة من أحوال العالم الأكبر إلا بتقدير الله وذلك هو قوله : رب العالمين ثم إن العبد يتأمل في أحوال العالم الأعلى فيشاهد أن أحوال العالمين منظومة على الوصف الأتقن والترتيب الأقوم والكمال الأعلى والمنهج الأسنى فيرى الذرات ناطقة بالإقرار بكمال رحمته وفضله وإحسانه فعند ذلك يقول : الرحمن الرحيم فعند هذا يظهر للعبد أن جميع مصالحة في الدنيا إنما تهيأت برحمة الله وفضله وإحسانه ثم يبقى العبد متعلق القلب بسبب أنه كيف يكون حاله بعد الموت فكأنه يقال : مالك يوم الدين ليس إلا الذي عرفته بأنه الرحمن الرحيم فحينئذ ينشرح صدر العبد وينفسح قلبه ويعلم أن المتكفل بإصلاح مهماته في الدنيا والآخرة ليس إلا الله وحينئذ ينقطع التفاته عما سوى الله ولا يبقى متعلق القلب بغير الله ثم إن العبد حين كان متعلق القلب بالأمير والوزير كان مشغولا بخدمتهما وبعد الفراغ من تلك الخدمة كان يستعين في تحصيل المهمات بهما وكان يطلب الخير منهما فعند زوال ذلك التعلق يعلم أنه لما كان مشتغلا بخدمة الأمير والوزير فلأن يشتغل بخدمة المعبود كان أولى فعند هذا يقول : إياك نعبد والمعنى إني كنت قبل هذا أستعين بغيرك وأما الآن فلا أستعين بأحد سواك ولما كان يطلب المال والجاه اللذين هما على شفا حفرة الانقراض والانقضاء من الأمير والوزير فلأن يطلب الهداية والمعرفة من رب السماء والأرض أولى فيقول : اهدنا الصراط المستقيم ثم إن أهل الدنيا فريقان : أحدهما : الذين لا يعبدون أحدا إلا الله ولا يستعينون إلا بالله ولا يطلبون الأغراض والمقاصد إلا من الله والفرقة الثانية : الذين يخدمون الخلق ويستعينون بهم ويطلبون الخير منهم فلا جرم العبد يقول : إلهي اجعلني في زمرة الفرقة الأولى وهم الذين أنعمت عليهم بهذه الأنوار الربانية والجلايا النورانية ولا تجعلني في زمرة الفرقة الثانية وهم المغضوب عليهم والضالون فإن متابعة هذه الفرقة لا تفيد إلا الخسار والهلاك كما قال إبراهيم عليه السلام
: لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ؟ ! والله أعلم . < > الباب الرابع < > < > في المسائل الفقهية المستنبطة من هذه السورة < > المسألة الأولى : أجمع الأكثرون على أن القراءة واجبة في الصلاة وعن الأصم والحسن بن صالح أنها لا تجب . لنا أن كل دليل نذكره في بيان أن قراءة الفاتحة واجبة ؛ فهو يدل على أن أصل القراءة واجب ونزيد ههنا وجوها : الأول : قوله تعالى : ^ { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق اليل وقرءان الفجر } ^ [ الإسراء : 78 ] والمراد بالقرآن : القراءة والتقدير : أقم قراءة الفجر وظاهر الأمر للوجوب . الثاني : عن أبي الدرداء : أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أفي الصلاة قراءة ؟ فقال : نعم فقال السائل : وجبت فأقر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل على قوله : وجبت . الثالث : عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل : أيقرأ في الصلاة ؟ فقال - عليه الصلاة والسلام - : أتكون صلاة بغير قراءة ! وهذان الخبران نقلتهما من تعليق الشيخ أبي حامد الإسفرايني . حجة الأصم قوله - عليه الصلاة والسلام - : صلوا كما رأيتموني أصلي جعل الصلاة من الأشياء المرئية والقراءة ليست بمرئية فوجب كونها خارجة عن الصلاة والجواب : أن الرؤية إذا كانت متعدية إلى مفعولين كانت بمعنى العلم . المسألة الثانية : قال الشافعي - رحمه الله - : قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة فإن ترك منها حرفا واحدا وهو يحسنها لم تصح صلاته وبه قال الأكثرون وقال أبو حنيفة : لا تجب قراءة الفاتحة . لنا وجوه : الأول : أنه - عليه الصلاة والسلام - واظب طول عمره على قراءة الفاتحة في الصلاة ؛ فوجب أن يجب علينا ذلك ؛ لقوله تعالى : واتبعوه [ الأعراف : 158 ] ؛ ولقوله : فليحذر الذين يخالفون عن أمره [ النور : 63 ] ؛ ولقوله تعالى : فاتبعوني يحببكم الله [ آل عمران : 31 ] ويا للعجب من أبي حنيفة ! أنه تمسك في وجوب مسح الناصية بخبر واحد وذلك ما رواه المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتى سباطة قوم فبال وتوضأ ومسح على ناصيته وخفيه في أنه - عليه الصلاة والسلام - مسح على الناصية فجعل ذلك القدر من المسح شرطا لصحة الصلاة وههنا نقل أهل العلم نقلا متواترا أنه - عليه الصلاة والسلام - واظب طول عمره على قراءة الفاتحة ثم قال : إن صحة الصلاة غير موقوفة عليها وهذا من العجائب . الحجة الثانية : قوله تعالى : أقيموا الصلاة [ البقرة : 43 ] والصلاة لفظة مفردة محلاة بالألف واللام فيكون المراد منها المعهود السابق وليس عند المسلمين معهود سابق من لفظ الصلاة إلا الأعمال التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي بها : وإذا كان كذلك كان قوله : أقيموا الصلاة جاريا مجرى قوله : أقيموا الصلاة التي كان يأتي بها الرسول والتي أتى بها الرسول - عليه الصلاة والسلام - هي الصلاة المشتملة على الفاتحة فيكون قوله : أقيموا الصلاة أمرا بقراءة الفاتحة وظاهر الأمر الوجوب ثم إن هذه اللفظة تكررت في القرآن أكثر من مائة مرة ؛ فكان ذلك دليلا قاطعا على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة . الحجة الثالثة : أن الخلفاء الراشدين واظبوا على قراءتها طول عمرهم ويدل عليه أيضا ما روي في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين وإذا ثبت هذا وجب أن يجب علينا ذلك ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ؛ ولقوله - عليه الصلاة والسلام -
: اقتدوا باللذين من بعدي : أبي بكر وعمر والعجب من أبي حنيفة رضي الله عنه أنه تمسك في مسألة طلاق الفار بأثر عثمان مع أن عبد الرحمن وعبد الله بن الزبير كانا يخالفانه ونص القرآن أيضا يوجب عدم الإرث فلم لم يتمسك بعمل كل الصحابة على سبيل الإطباق والاتفاق على وجوب قراءة الفاتحة مع أن هذا القول على وفق القرآن والإخبار والمعقول ؟ الحجة الرابعة : أن الأمة وإن اختلفت في أنه : هل تجب قراءة الفاتحة أم لا ؛ لكنهم اتفقوا عليه في العمل ؛ فإنك لا ترى أحدا من المسلمين في المشرق والمغرب إلا ويقرأ الفاتحة في الصلاة إذا ثبت هذا ؛ فنقول : إن من صلى ولم يقرأ الفاتحة كان تاركا سبيل المؤمنين فيدخل تحت قوله : ^ { ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا } ^ [ النساء : 115 ] ؛ فإن قالوا : إن الذين اعتقدوا أنه لا يجب قراءتها قرأوها لا على اعتقاد الوجوب بل على اعتقاد الندبية فلم يحصل الإجماع على وجوب قراءتها فنقول : أعمال الجوارح غير أعمال القلوب ونحن قد بينا إطباق الكل على الإتيان بالقراءة فمن لم يأت بالقراءة كان تاركا طريقة المؤمنين في هذا العمل فدخل تحت الوعيد وهذا القدر يكفينا في الدليل ولا حاجة بنا في تقرير هذا الدليل إلى ادعاء الإجماع في اعتقاد الوجوب . الحجة الخامسة : الحديث المشهور وهو أنه - سبحانه وتعالى - قال : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين ؛ يقول الله - تعالى - : حمدني عبدي إلى آخر الحديث وجه الاستدلال أنه تعالى حكم على كل صلاة بكونها بينه وبين العبد نصفين ثم بين أن هذا التنصيف لم يحصل إلا بسبب آيات هذه السورة ؛ فنقول : الصلاة لا تنفك عن هذا التنصيف وهذا التنصيف لا يحصل إلا بسبب هذه السورة ولازم اللازم لازم فوجب كون هذه السورة من لوازم الصلاة وهذا اللزوم لا يحصل إلا إذا قلنا قراءة الفاتحة شرط لصحة الصلاة . الحجة السادسة : قوله عليه الصلاة والسلام : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب : قالوا : حرف النفي دخل على الصلاة وذلك غير ممكن فلا بد من صرفه إلى حكم من أحكام الصلاة وليس صرفه إلى الصحة أولى من صرفه إلى الكمال والجواب من وجوه : الأول : أنه جاء في بعض الروايات : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب وعلى هذه الرواية فالنفي ما دخل على الصلاة وإنما دخل على حصولها للرجل وحصولها للرجل عبارة عن انتفاعه بها وخروجه عن عهدة التكليف بسببها وعلى هذا التقدير فإنه يمكن إجراء النفي على ظاهره . الثاني : من اعتقد أن قراءة الفاتحة جزء من أجزاء ماهية الصلاة فعند عدم قراءة الفاتحة لا توجد ماهية الصلاة لأن الماهية يمتنع حصولها حال عدم بعض أجزائها وإذا ثبت هذا فقولهم إنه لا يمكن إدخال حرف النفي على مسمى الصلاة إنما يصح لو ثبت أن الفاتحة ليست جزءا من الصلاة وهذا هو أول المسألة فثبت أن على قولنا يمكن إجراء هذا اللفظ على ظاهره . الثالث : هب أنه لا يمكن إجراء هذا اللفظ على ظاهره إلا أنهم أجمعوا على أنه متى تعذر العمل بالحقيقة وحصل للحقيقة مجازان أحدهما أقرب إلى الحقيقة والثاني أبعد فإنه يجب حمل اللفظ على المجاز الأقرب إذا ثبت هذا فنقول : المشابهة بين المعدوم وبين الموجود الذي لا يكون صحيحا أتم من المشابهة بين المعدوم وبين الموجود الذي يكون صحيحا لكنه لا يكون كاملا فكان حمل اللفظ على نفي الصحة أولى . الوجه الرابع : أن الحمل على نفي الصحة أولى لوجوه : أحدها : أن الأصل إبقاء ما كان على ما كان والثاني : أن جانب الحرمة راجح والثالث : أن هذا أحوط . الحجة السابعة :
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : كل صلاة لم يقرا فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج غير تمام قالوا : الخداج هو النقصان وذلك لا يدل على عدم الجواز قلنا : بل هذا يدل على عدم الجواز ؛ لأن التكليف بالصلاة قائم والأصل في الثابت البقاء خالفنا هذا الأصل عند الإتيان بالصلاة على صفة الكمال فعند الإتيان بها على سبيل النقصان وجب أن لا نخرج عن العهدة والذي يقوي هذا أن عند أبي حنيفة يصح الصوم في يوم العيد إلا أنه لو صام يوم العيد قضاء عن رمضان لم يصح قال : لأن الواجب عليه هو الصوم الكامل والصوم في هذا اليوم ناقص فوجب أن لا يفيد هذا القضاء الخروج عن العهدة وإذا ثبت هذا فنقول : فلم لم يقل بمثل هذا الكلام في هذا المقام . الحجة الثامنة : نقل الشيخ أبو حامد في تعليقه عن ابن المنذر أنه روى بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب . والحجة التاسعة : روى رفاعة بن مالك أن رجلا دخل المسجد وصلى فلما فرغ من صلاته وذكر الخبر إلى أن قال الرجل : علمني الصلاة يا رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام : إذا توجهت إلى القبلة فكبر واقرأ بفاتحة الكتاب . وجه الدليل أن هذا أمر والأمر للوجوب وأيضا الرجل قال : علمني الصلاة فكل ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم وجب أن يكون من الصلاة فلما ذكر قراءة الفاتحة وجب أن تكون قراءة الفاتحة جزءا من أجزاء الصلاة . الحجة العاشرة : روي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : ألا أخبركم بسورة ليس في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور مثلها قالوا : نعم قال : فما تقرأوا في صلاتكم ؟ قالوا : الحمد لله رب العالمين فقال : هي هي وجه الدليل أنه عليه الصلاة والسلام لما قال : ما تقرأوا في صلاتكم فقالوا الحمد لله وهذا يدل على أنه كان مشهورا عند الصحابة أنه لا يصلي أحد إلا بهذه السورة فكان هذا إجماعا معلوما عندهم . الحجة الحادية عشرة : التمسك بقوله تعالى : فاقرؤوا ما تيسر من القرآن [ المزمل : 20 ] وجه الدليل أن قوله فاقرؤا أمر والأمر للوجوب فهذا يقتضي أن قراءة ما تيسر من القرآن واجبة فنقول : المراد بما تيسر من القرآن إما أن يكون هو الفاتحة أو غير الفاتحة أو المراد التخيير بين الفاتحة وبين غيرها والأول يقتضي أن تكون الفاتحة بعينها واجبة وهو المطلوب والثاني يقتضي أن تكون قراءة غير الفاتحة واجبة علينا وهو باطل بالإجماع . والثالث يقتضي أن يكون المكلف مخيرا بين قراءة الفاتحة وبين قراءة غيرها وذلك باطل بالإجماع لأن الأمة مجمعة على أن قراءة الفاتحة أولى من قراءة غيرها وسلم أبو حنيفة أن الصلاة بدون قراءة الفاتحة خداج ناقص والتخيير بين الناقص والكامل لا يجوز . واعلم أنه تعالى إنما سمى قراءة الفاتحة قراءة لما تيسر من القرآن لأن هذه السورة محفوظة لجميع المكلفين من المسلمين فهي متيسرة للكل وأما سائر السور فقد تكون محفوظة وقد لا تكون وحينئذ لا تكون متيسرة للكل . الحجة الثانية عشرة : الأمر بالصلاة كان ثابتا والأصل في الثابت البقاء خالفنا هذا الأصل عند الإتيان بها للصلاة المشتملة على قراءة الفاتحة لأن الأخبار دالة على أن سورة الفاتحة أفضل من سائر السور ولأن المسلمين أطبقوا على أن الصلاة مع قراءة هذه السورة أكمل من الصلاة الخالية عن قراءة هذه السورة فعند عدم قراءة هذه السورة وجب البقاء على الأصل . الحجة الثالثة عشرة : قراءة الفاتحة توجب الخروج عن العهدة باليقين فكانت أحوط فوجب القول بوجوبها للنص والمعقول أما النص فقوله عليه الصلاة والسلام
: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك وأما المعقول فهو أنه يفيد دفع ضرر الخوف عن النفس ودفع الضرر عن النفس واجب ؛ فإن قالوا فلو اعتقدنا الوجوب لاحتمل كوننا مخطئين فيه فيبقى الخوف قلت : اعتقاد الوجوب يورث الخوف المحتمل واعتقاد عدم الوجوب يورثه أيضا فيتقابل هذان الضرران وأما في العمل فإن القراءة لا توجب الخوف أما تركه فيفيد الخوف فثبت أن الأحوط هو العمل . الحجة الرابعة عشرة : لو كانت الصلاة بغير الفاتحة جائزة وكانت الصلاة بالفاتحة جائزة لما كانت الصلاة بالفاتحة أولى ؛ لأن المواظبة على قراءة الفاتحة توجب هجران سائر السور وذلك غير جائز لكنهم أجمعوا على أن الصلاة بهذه السورة أولى فثبت أن الصلاة بغير هذه السورة غير جائزة . الحجة الخامسة عشرة : أجمعنا على أنه لا يجوز إبدال الركوع والسجود بغيرهما فوجب أن لا يجوز إبدال قراءة الفاتحة بغيرها والجامع رعاية الاحتياط . الحجة السادسة عشرة : الأصل بقاء التكليف فالقول بأن الصلاة بدون قراءة الفاتحة تقتضي الخروج عن العهدة إما أن يعرف بالنص أو القياس أما الأول فباطل لأن النص الذي يتمسكون به هو قوله تعالى : ^ { فاقرؤا ما تيسر من القرآن } ^ [ المزمل : 20 ] وقد بينا أنه دليلنا وأما القياس فباطل لأن التعبدات غالبة على الصلاة وفي مثل هذه الصورة يجب ترك القياس . الحجة السابعة عشرة : لما ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام واظب على القراءة طول عمره فحينئذ تكون قراءة غير الفاتحة ابتداعا وتركا للاتباع وذلك حرام لقوله عليه الصلاة والسلام اتبعوا ولا تبتدعوا ولقوله عليه الصلاة والسلام : وأحسن الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها . الحجة الثامنة عشرة : الصلاة مع الفاتحة وبدون الفاتحة إما أن يتساويا في الفضيلة أو الصلاة مع الفاتحة أفضل والأول باطل بالإجماع ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام واظب على الصلاة بالفاتحة فتعين الثاني فنقول : الصلاة بدون الفاتحة توجب فوات الفضيلة الزائدة من غير جابر ؛ فوجب أن لا يجوز المصير إليه ؛ لأنه قبيح في العرف فيكون قبيحا في الشرع . واحتج أبو حنيفة بالقرآن والخبر أما القرآن فقوله تعالى : ^ { فاقرؤا ما تيسر من القرآن } ^ وأما الخبر فما روى أبو عثمان النهدي
عن أبي هريرة أنه قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أخرج وأنادي : لا صلاة إلا بقراءة ولو بفاتحة ا لكتاب . والجواب عن الأول : أنا بينا أن هذه الآية من أقوى الدلائل على قولنا وذلك لأن قوله : ^ { فاقرؤا ما تيسر من القرآن } ^ أمر والأمر للوجوب فهذا يقتضي أن قراءة ما تيسر من القرآن واجبة ؛ فنقول : المراد بما تيسر من القرآن : إما أن يكون هو الفاتحة أو غير الفاتحة أو المراد : التخيير بين الفاتحة وبين غيرها والأول يقتضي أن يكون الفاتحة بعينها واجبة وهو المطلوب والثاني يقتضي أن يكون قراءة غير الفاتحة واجبة بعينها وهو باطل بالإجماع والثالث يقتضي أن يكون المكلف مخيرا بين قراءة الفاتحة وبين قراءة غيرها وذلك باطل بالإجماع ؛ لأن الأمة مجمعة على أن قراءة الفاتحة أولى من قراءة غيرها وسلم أبو حنيفة أن الصلاة بدون قراءة الفاتحة خداج ناقص والتخيير بين الناقص والكامل لا يجوز . واعلم أنه تعالى إنما سمى قراءة الفاتحة قراءة لما تيسر من القرآن لأن هذه السورة محفوظة لجميع المكلفين من المسلمين فهي متيسرة للكل وأما سائر السور فقد تكون محفوظة وقد لا تكون وحينئذ لا تكون متيسرة للكل ( 1 ) وعن الثاني أنه معارض بما نقل عن أبي هريرة أنه قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أخرج وأنادي لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وأيضا لم لا يجوز أن يقال المراد من قوله لا صلاة إلا بقراءة ولو بفاتحة الكتاب هو أنه لو اقتصر على الفاتحة لكفى وإذا ثبت التعارض فالترجيح معنا لأنه أحوط ولأنه أفضل والله أعلم . المسألة الثالثة : لما كان قول أبي حنيفة وأصحابه أن قراءة الفاتحة غير واجبة لا جرم اختلفوا في مقدار القراءة فقال أبو حنيفة : إذا قرأ آية واحدة كفت مثل قوله آلم وحم والطور ومدهامتان وقال أبو يوسف ومحمد : لا بد من قراءة ثلاث آيات قصار أو آية واحدة طويلة مثل آية الدين . المسألة الرابعة : قال الشافعي رضي الله عنه : بسم الله الرحمن الرحيم آية من أول سورة الفاتحة وتجب قراءتها مع الفاتحة وقال مالك والأوزاعي رضي الله تعالى عنهما : إنه ليس من القرآن إلا في سورة النمل ولا يقرأ لا سرا ولا جهرا إلا في قيام شهر رمضان فإنه يقرؤها وأما أبو حنيفة فلم ينص عليه وإنما قال : يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ويسر بها ولم يقل إنها آية من أول السورة أم لا قال يعلى سألت محمد بن الحسن عن بسم الله الرحمن الرحيم فقال : ما بين الدفتين قرآن قال : قلت : فلم تسره ؟ قال : فلم يجبني وقال الكرخي لا أعرف هذه المسألة بعينها لمتقدمي أصحابنا إلا أن أمرهم بإخفائها يدل على أنها ليست من السورة وقال بعض فقهاء الحنفية : تورع أبو حنيفة وأصحابه عن الوقوع في هذه المسألة لأن الخوض في إثبات أن التسمية من القرآن أو ليست منه أمر عظيم فالأولى السكوت عنه . واعلم أن هذه المسألة تشتمل على ثلاث مسائل : إحداها : أن هذه المسألة هل هي مسألة اجتهادية حتى يجوز الاستدلال فيها بالظواهر وأخبار الآحاد أو ليست من المسائل الاجتهادية بل هي من المسائل القطعية . وثانيتها : أن بتقدير أنها من المسائل الاجتهادية فما الحق فيها ؟ وثالثتها : الكلام في أنها تقرأ بالإعلان أو بالإسرار فلنتكلم في هذه المسائل الثلاث .
المسألة الخامسة : في تقرير أن هذه المسألة ليست من المسائل القطعية وزعم القاضي أبو بكر أنها من المسائل القطعية قال : والخطأ فيها إن لم يبلغ إلى حد التكفير فلا أقل من التفسيق واحتج عليه بان التسمية لو كانت من القرآن لكان طريق إثباته إما التواتر أو الآحاد والأول باطل لأنه لو ثبت بالتواتر كون التسمية من القرآن لحصل العلم الضروري بأنها من القرآن ولو كانت كذلك لامتنع وقوع الخلاف فيه بين الأمة والثاني أيضا باطل ؛ لأن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن فلو جعلناه طريقا إلى إثبات القرآن لخرج القرآن عن كونه حجة يقينية ولصار ذلك ظنيا ولو جاز ذلك لجاز ادعاء الروافض في أن القرآن دخله الزيادة والنقصان والتغيير والتحريف وذلك يبطل الإسلام . واعلم أن الشيخ الغزالي عارض القاضي فقال : نفي كون التسمية من القرآن إن ثبت بالتواتر لزم أن لا يبقى الخلاف وإن ثبت بالآحاد فحينئذ يصير القرآن ظنيا ثم أورد على نفسه سؤالا وهو أنه لو قال قائل ليس من القرآن عدم فلا حاجة في إثبات هذا العدم إلى النقل ؛ لأن الأصل هو العدم واما قولنا إنه قرآن فهو ثبوت فلا بد فيه من النقل ثم أجاب عنه بان قال : هذا وإن كان عدما إلا أن كون التسمية مكتوبة بخط القرآن يوهم كونها من القرآن فههنا لا يمكننا الحكم بأنها ليست من القرآن إلا بدليل منفصل وحينئذ يعود التقسيم المذكور من أن الطريق إما أن يكون تواترا أو آحادا فثبت أن الكلام الذي أورده القاضي لازم عليه فهذا آخر ما قيل في هذا الباب . والذي عندي فيه أن النقل المتواتر ثابت بأن بسم الله الرحمن الرحيم كلام أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم وبأنه مثبت في المصحف بخط القرآن وعند هذا ظهر أنه لم يبق لقولنا إنه من القرآن أو ليس من القرآن فائدة إلا أنه حصل فيها أحكام شرعية هي من خواص القرآن مثل أنه هل يجب قراءتها في الصلاة أم لا وهل يجوز للجنب قراءتها أم لا وهل يجوز للمحدث مسها أم لا ومعلوم أن هذه الأحكام اجتهادية فلما رجع حاصل قولنا إن التسمية هل هي من القرآن إلى ثبوت هذه الأحكام وعدمها وثبت أن ثبوت هذه الأحكام وعدمها أمور اجتهادية ظهر أن البحث اجتهادي لا قطعي وسقط تهويل القاضي . المسألة السادسة : في بيان أن التسمية هل هي من القرآن وأنها آية من الفاتحة قال قراء المدينة والبصرة وفقهاء الكوفة إنها ليست من الفاتحة وقال قراء مكة والكوفة وأكثر فقهاء الحجاز إنها آية من الفاتحة وهو قول ابن المبارك والثوري ويدل عليه وجوه : - الحجة الأولى :
روى الشافعي رضي الله عنه عن مسلم عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة أنها قالت : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب فعد بسم الله الرحمن الرحيم آية الحمد لله رب العالمين آية الرحمن الرحيم آية مالك يوم الدين آية إياك نعبد وإياك نستعين آية اهدنا الصراط المستقيم آية صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آية وهذا نص صريح . الحجة الثانية : روى سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فاتحة الكتاب سبع آيات أولاهن بسم الله الرحمن الرحيم . الحجة الثالثة : روى الثعلبي في تفسيره بإسناده عن أبي بريدة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إلا أخبرك بآية لم تنزل على أحد بعد سليمان بن داود غيري فقلت بلى فقال : بأي شيء تفتتح القرآن إذا افتتحت الصلاة ؟ قلت : ببسم الله الرحمن الرحيم قال : هي هي فهذا الحديث يدل على أن التسمية من القرآن . الحجة الرابعة : روى الثعلبي بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : كيف تقول إذا قمت إلى الصلاة قال : أقول الحمد لله رب العالمين قال : قل : بسم الله الرحمن الرحيم وروى أيضا بإسناده عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين . وروى أيضا بإسناده عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان إذا افتتح السورة في الصلاة يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم وكان يقول : من ترك قراءتها فقد نقص . وروى أيضا بإسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله : ولقد آتيناك سبعا من المثاني [ الحجر : 87 ] قال : فاتحة الكتاب فقيل لابن عباس : فأين السابعة ؟ فقال : بسم الله الرحمن الرحيم . وبإسناده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا : قرأتم أم القرآن فلا تدعوا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها إحدى آياتها . وبإسناده أيضا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم قال الله سبحانه مجدني عبدي وإذا قال الحمد لله رب العالمين قال الله تبارك وتعالى حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم قال الله عز وجل أثنى علي عبدي وإذا قال مالك يوم الدين قال الله فوض إلي عبدي وإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال الله تعالى هذا بيني وبين عبدي وإذا قال اهدنا الصراط المستقيم قال الله تعالى هذا لعبدي ولعبدي ما سأل . وبإسناده عن أبي هريرة قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه إذ دخل رجل يصلي فافتتح الصلاة وتعوذ ثم قال : الحمد لله رب العالمين فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال له : يا رجل قطعت على نفسك الصلاة أما علمت أن بسم الله الرحمن الرحيم من الحمد من تركها فقد ترك آية منها ومن ترك آية منها فقد قطع صلاته فإنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فمن ترك آية منها فقد بطلت صلاته . وبإسناده
عن طلحة بن عبيد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ترك بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك آية من كتاب الله واعلم أني نقلت جملة هذه الأحاديث من تفسير الشيخ أبي إسحاق الثعلبي رحمه الله . الحجة الخامسة : قراءة بسم الله الرحمن الرحيم واجبة في أول الفاتحة وإذا كان كذلك وجب أن تكون آية منها بيان الأول قوله تعالى : اقرأ باسم ربك [ العلق : 1 ] ولا يجوز أن يقال : الباء صلة زائدة لأن الأصل أن يكون لكل حرف من كلام الله تعالى فائدة وإذا كان هذا الحرف مفيدا كان التقدير اقرأ مفتتحا باسم ربك وظاهر الأمر للوجوب ولم يثبت هذا الوجوب في غير القراءة في الصلاة فوجب إثباته في القراءة في الصلاة صونا للنص عن التعطيل . الحجة السادسة : التسمية مكتوبة بخط القرآن وكل ما ليس من القرآن فإنه غير مكتوب بخط القرآن ألا ترى أنهم منعوا من كتابة أسامي السور في المصحف ومنعوا من العلامات على الأعشار والأخماس والغرض من ذلك كله أن يمنعوا من أن يختلط بالقرآن ما ليس منه فلو لم تكن التسمية من القرآن لما كتبوها بخط القرآن ولما أجمعوا على كتابتها بخط القرآن علمنا أنها من القرآن . الحجة السابعة : أجمع المسلمون على أن ما بين الدفتين كلام الله والتسمية موجودة بين الدفتين فوجب جعلها من كلام الله تعالى ولهذا السبب حكينا أن يعلى لما أورد هذا الكلام على محمد بن الحسن بقي ساكتا . واعلم أن مذهب أبي بكر الرازي أن التسمية من القرآن ولكنها ليست آية من سورة الفاتحة بل المقصود من تنزيلها إظهار الفصل بين السور وهذان الدليلان لا يبطلان قول أبي بكر الرازي . الحجة الثامنة : أطبق الأكثرون على أن سورة الفاتحة سبع آيات إلا أن الشافعي رضي الله تعالى عنه قال : قوله بسم الله الرحمن الرحيم آية واحدة وقوله صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آية واحدة وأما أبو حنيفة رحمه الله تعالى فإنه قال : بسم الله ليس بآية منها لكن قوله صراط الذين أنعمت عليهم آية وقوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين آية أخرى وسنبين في مسألة مفردة أن قول أبي حنيفة مرجوح ضعيف فحينئذ يبقى أن الآيات لا تكون سبعا إلا إذا اعتقدنا أن قوله بسم الله الرحمن الرحيم آية منها تامة . الحجة التاسعة : أن نقول : قراءة التسمية قبل الفاتحة واجبة فوجب أن تكون آية منها بيان الأول أن أبا حنيفة يسلم أن قراءتها أفضل وإذا كان كذلك فالظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها فوجب أن يجب علينا قراءتها لقوله تعالى : واتبعوه [ الأعراف : 158 ] وإذا ثبت وجوب قراءتها ثبت أنها من السورة لأنه لا قائل بالفرق . الحجة العاشرة : قوله عليه السلام : كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر أو أجذم وأعظم الأعمال بعد الإيمان بالله الصلاة فقراءة الفاتحة فيها بدون قراءة بسم الله يوجب كون هذه الصلاة بتراء ولفظ الأبتر يدل على غاية النقصان والخلل بدليل أنه تعالى ذكره في معرض الذم للكافر الذي كان عدوا للرسول عليه السلام فقال : إن شانئك هو الأبتر [ الكوثر : 3 ] فلزم أن يقال : الصلاة الخالية عن قراءة بسم الله الرحمن الرحيم تكون في غاية النقصان والخلل وكل من أقر بهذا الخلل والنقصان قال بفساد هذه الصلاة وذلك يدل على أنها من الفاتحة وأنه يجب قراءتها . الحجة الحادية عشرة :
ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب : ما اعظم آية في كتاب الله تعالى ؟ فقال : بسم الله الرحمن الرحيم فصدقه النبي عليه السلام في قوله . وجه الاستدلال أن هذا الكلام يدل على أن هذا القدر آية ومعلوم أنها ليست آية تامة في قوله إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم بل هذا بعض آية فلا بد وأن يكون آية تامة في غير هذا الموضع وكل من قال بذلك قال إنه آية تامة في أول سورة الفاتحة . الحجة الثانية عشرة : إن معاوية قدم المدينة فصلى بالناس صلاة يجهر فيها فقرأ أم القرآن ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فلما قضى صلاته ناداه المهاجرون والأنصار من كل ناحية أنسيت ؟ أين بسم الله الرحمن الرحيم حين استفتحت القرآن ؟ فأعاد معاوية الصلاة وقرأ بسم الله الرحمن الرحيم وهذا الخبر يدل على إجماع الصحابة رضي الله عنهم على أنه من القرآن ومن الفاتحة وعلى أن الأولى الجهر بقراءتها . الحجة الثالثة عشرة : أن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا عند الشروع في أعمال الخير يبتدئون بذكر بسم الله فوجب أن يجب على رسولنا صلى الله عليه وسلم ذلك وإذا ثبت هذا الوجوب في حق الرسول ثبت أيضا في حقنا وإذا ثبت الوجوب في حقنا ثبت أنه آية من سورة الفاتحة أما المقدمة الأولى : فالدليل عليها أن نوحا عليه السلام لما أراد ركوب السفينة قال : اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها [ هود : 41 ] وأن سليمان لما كتب إلى بلقيس كتب بسم الله الرحمن الرحيم فإن قالوا : أليس أن قوله تعالى : إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم [ النمل : 30 ] يدل على أن سليمان قدم اسم نفسه على اسم الله تعالى ؟ قلنا : معاذ الله أن يكون الأمر كذلك وذلك لأن الطير أتى بكتاب سليمان ووضعه على صدر بلقيس وكانت المرأة في بيت لا يقدر أحد على الدخول فيه لكثرة من أحاط بذلك البيت من العساكر والحفظة فعلمت بلقيس أن ذلك الطير هو الذي أتى بذلك الكتاب وكانت قد سمعت باسم سليمان فلما أخذت الكتاب قالت هي من عند نفسها : إنه من سليمان فلما فتحت الكتاب رأت التسمية مكتوبة فقالت : وإنه بسم الله الرحمن الرحيم . فثبت أن الأنبياء عليهم السلام كلما شرعوا في عمل من أعمال الخير ابتدؤا بذكر بسم الله الرحمن الرحيم . والمقدمة الثانية : أنه لما ثبت هذا في حق سائر الأنبياء وجب أن يجب على رسولنا ذلك لقوله تعالى : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [ الأنعام : 90 ] وإذا ثبت ذلك في حق الرسول وجب أن يجب علينا ذلك لقوله تعالى : واتبعوه [ الأعراف : 158 ] وإذا ثبت وجوب قراءته علينا ثبت أنه آية من الفاتحة لأنه لا قائل بالفرق . الحجة الرابعة عشرة : أنه تعالى متقدم بالوجود على وجود سائر الموجودات ؛ لأنه تعالى قديم وخالق وغيره محدث ومخلوق والقديم الخالق يجب أن يكون سابقا على المحدث المخلوق وإذا ثبت أنه تعالى سابق على غيره وجب بحكم المناسبة العقلية أن يكون ذكره سابقا على ذكر غيره وهذا السبق في الذكر لا يحصل إلا إذا كان قراءة بسم الله الرحمن الرحيم سابقة على سائر الأذكار والقراءات وإذا ثبت أن القول بوجوب هذا التقدم حسن في العقول وجب أن يكون معتبرا في الشرع لقوله عليه الصلاة والسلام : ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وإذا ثبت وجوب القراءة ثبت أيضا أنها آية من الفاتحة لأنه لا قائل بالفرق .
الحجة الخامسة عشرة : أن بسم الله الرحمن الرحيم لا شك أنه من القرآن في سورة النمل ثم إنا نراه مكررا بخط القرآن فوجب أن يكون من القرآن كما أنا لما رأينا قوله تعالى : فبأي آلاء ربكما تكذبان من سورة الرحمن وقوله تعالى : ويل يومئذ للمكذبين من سورة المرسلات مكررا في القرآن بخط واحد وصورة واحدة قلنا : إن الكل من القرآن . الحجة السادسة عشرة :
روى أنه صلى الله عليه وسلم كان يكتب في أول الأمر على رسم قريش باسمك اللهم حتى نزل قوله تعالى : اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها [ هود : 41 ] فكتب بسم الله فنزل قوله قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن [ الإسراء : 110 ] فكتب بسم الله الرحمن فلما نزل قوله تعالى : إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم [ النمل : 30 ] كتب مثلها وجه الاستدلال أن أجزاء هذه الكلمة كلها من القرآن ومجموعها من القرآن ثم إنه ثبت في القرآن فوجب الجزم بأنه من القرآن إذ لو جاز إخراجه من القرآن مع هذه الموجبات الكثيرة ومع الشهرة لجاز إخراج سائر الآيات كذلك وذلك يوجب الطعن في القرآن . الحجة السابعة عشرة : قد بينا أنه ثبت بالتواتر أن الله تعالى كان ينزل هذه الكلمة على محمد عليه الصلاة والسلام وكان يأمر بكتبه بخط المصحف وبينا أن حاصل الخلاف في أنه هل هو من القرآن فرجع إلى أحكام مخصوصة مثل أنه هل يجب قراءته وهل يجوز للجنب قراءته وللمحدث مسه ؟ فنقول : ثبوت هذه الأحكام أحوط فوجب المصير إليه لقوله عليه الصلاة والسلام : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك . واحتج المخالف بأشياء : الأول : تعلقوا بخبر أبي هريرة وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يقول الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين يقول الله تعالى حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم يقول الله تعالى أثنى علي عبدي وإذا قال مالك يوم الدين يقول الله تعالى مجدني عبدي وإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين يقول الله تعالى هذا بيني وبين عبدي والاستدلال بهذا الخبر من وجهين : الأول : أنه عليه الصلاة والسلام لم يذكر التسمية ولو كانت آية من الفاتحة لذكرها والثاني : أنه تعالى قال : جعلت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين والمراد من الصلاة الفاتحة ؛ وهذا التنصيف إنما يحصل إذا قلنا إن التسمية ليست آية من الفاتحة لأن الفاتحة سبع آيات فيجب أن يكون فيها لله ثلاث آيات ونصف وهي من قوله الحمد لله إلى قوله إياك نعبد - وللعبد ثلاث آيات ونصف - وهي من قوله وإياك نستعين إلى آخر السورة - أما إذا جعلنا بسم الله الرحمن الرحيم آية من الفاتحة حصل لله أربع آيات ونصف وللعبد آيتان ونصف وذلك يبطل التنصيف المذكور . الحجة الثانية : روت عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين وهذا يدل على أن التسمية ليست آية من الفاتحة . الحجة الثالثة : لو كان قوله بسم الله الرحمن الرحيم آية من هذه السورة : لزم التكرار في قوله الرحمن الرحيم وذلك بخلاف الدليل . والجواب عن الحجة الأولى من وجوه : الأول : أنا نقلنا أن الشيخ أبا إسحق الثعلبي روى بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر هذا الحديث عد بسم الله الرحمن الرحيم آية تامة من سورة الفاتحة ولما تعارضت الروايتان فالترجيح معنا لأن رواية الإثبات مقدمة على رواية النفي . الثاني : روى أبو داود السختياني ( 1 ) عن النخعي عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : وإذا قال العبد مالك يوم الدين يقول الله تعالى مجدني عبدي وهو بيني وبين عبدي إذا عرفت هذا فنقول : قوله في مالك يوم الدين هذا بيني وبين عبدي يعني في القسمة وإنما يكون كذلك إذا حصلت ثلاثة قبلها وثلاثة بعدها وإنما يحصل ثلاثة قبلها لو كانت التسمية آية من الفاتحة فصار هذا الخبر حجة لنا من هذا الوجه . الثالث : أن لفظ النصف كما يحتمل النصف في عدد الآيات فهو أيضا يحتمل النصف في المعنى قال عليه الصلاة والسلام
الأسئلة
- ما هو التوحيد، إيمان المسلمين بوحدانية الله؟
- ما هي أركان الإيمان الستة في الإسلام؟
- بماذا يؤمن المسلمون بشأن الأنبياء؟
- ما هي الزكاة، ومن يجب عليه أداؤها؟
- ماذا يعلّم الإسلام عن الطعام الحلال والحرام؟
- ما هو الحديث، وكيف يُحكم على صحّته؟
- ماذا علّم النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن حسن الخلق؟
- ما معنى سورة الفاتحة؟