Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

قسم V01/P165–V01/P166

: الفرائض نصف العلم وسماه بالنصف من حيث أنه بحث عن أحوال الأموات والموت والحياة قسمان وقال شريح : أصبحت ونصف الناس علي غضبان سماه نصفا من حيث أن بعضهم راضون وبعضهم ساخطون . الرابع : أن دلائلنا في أن بسم الله الرحمن الرحيم آية من الفاتحة صريحة وهذا الخبر الذي تمسكوا به ليس المقصود منه بيان أن بسم الله الرحمن الرحيم هل هي من الفاتحة أم لا لكن المقصود منه بيان شيء آخر فكانت دلائلنا أقوى وأظهر . الخامس : أنا بينا أن قولنا أقرب إلى الاحتياط . والجواب عن حجتهم الثانية ما قال الشافعي فقال : لعل عائشة جعلت الحمد لله رب العالمين اسما لهذه السورة كما يقال : قرأ فلان الحمد لله الذي خلق السموات والمراد أنه قرا هذه السورة فكذا ههنا وتمام الجواب عن خبر أنس سيأتي بعد ذلك . والجواب عن الحجة الثالثة أن التكرار لأجل التأكيد كثير في القرآن وتأكيد كون الله تعالى رحمانا رحيما من أعظم المهمات والله أعلم . المسألة السابعة : في بيان عدد آيات هذه السورة رأيت في بعض الروايات الشاذة أن الحسن البصري كان يقول : هذه السورة ثمان آيات فأما الرواية المشهورة التي أطبق الأكثرون عليها أن هذه السورة سبع آيات وبه فسروا قوله تعالى ولقد آتيناك سبعا من المثاني [ الحجر : 87 ] إذا ثبت هذا فنقول : الذين قالوا إن بسم الله الرحمن الرحيم آية من الفاتحة قالوا إن قوله صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آية تامة وأما أبو حنيفة فإنه لما أسقط التسمية من السورة لا جرم قال قوله صراط الذين أنعمت عليهم آية وقوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين آية أخرى إذا عرفت هذا فنقول : الذي قاله الشافعي أولى : ويدل عليه وجوه : الأول : أن مقطع قوله صراط الذين أنعمت عليهم لا يشابه مقطع الآيات المتقدمة ورعاية التشابه في المقاطع لازم ؛ لأنا وجدنا مقاطع القرآن على ضربين متقاربة ومتشاكلة فالمتقاربة كما في سورة ق والمتشاكلة كما في سورة القمر وقوله أنعمت عليهم ليس من القسمين فامتنع جعله من المقاطع الثاني : أنا إذا جعلنا قوله غير المغضوب عليهم ابتداء آية فقد جعلنا أول الآية لفظ غير وهذا اللفظ إما أن يكون صفة لما قبله أو استثناء عما قبله والصفة مع الموصوف كالشيء الواحد وكذلك الاستثناء مع المستثنى منه كالشيء الواحد وإيقاع الفصل بينهما على خلاف الدليل أما إذا جعلنا قوله صراط الذين أنعمت عليهم إلى آخر السورة آية واحدة كنا قد جعلنا الموصوف مع الصفة والمستثنى مع المستثنى منه كلاما واحدا وآية واحدة وذلك أقرب إلى الدليل الثالث : أن المبدل منه في حكم المحذوف فيكون تقدير الآية اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم لكن طلب الاهتداء بصراط من أنعم الله عليهم لا يجوز إلا بشرطين : أن يكون ذلك المنعم عليه غير مغضوب عليه ولا ضالا فإنا لو أسقطنا هذا الشرط لم يجز الاهتداء به والدليل عليه قوله تعالى ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا [ إبراهيم : 28 ] وهذا يدل على أنه قد أنعم عليهم إلا أنهم لما صاروا من زمرة المغضوب عليهم ومن زمرة الضالين لا جرم لم يجز الاهتداء بهم فثبت أنه لا يجوز فصل قوله : صراط الذين أنعمت عليهم عن قوله غير المغضوب عليهم بل هذا المجموع كلام واحد فوجب القول بأنه آية واحدة فإن قالوا : أليس أن قوله الحمد لله رب العالمين آية واحدة وقوله الرحمن الرحيم آية ثانية ومع أن هذه الآية غير مستقلة بنفسها بل هي متعلقة بما قبلها ؟

قسم V01/P166

قلنا : الفرق أن قوله الحمد لله رب العالمين كلام تام بدون قوله الرحمن الرحيم فلا جرم لم يمتنع أن يكون مجرد قوله الحمد لله رب العالمين آية تامة ولا كذلك هذا لما بينا أن مجرد قوله اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ليس كلاما تاما بل ما لم يضم إليه قوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين لم يصح قوله اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم فظهر الفرق . المسألة الثامنة : ذكر بعض أصحابنا قولين للشافعي في أن بسم الله الرحمن الرحيم هل هي آية من أوائل سائر السور أم لا . أما المحققون من الأصحاب فقد اتفقوا على أن بسم الله قرآن من سائر السور وجعلوا القولين في أنها هل هي آية تامة وحدها من أول كل سورة أو هي وما بعدها آية وقال بعض الحنفية إن الشافعي خالف الإجماع في هذه المسألة لأن أحدا ممن قبله لم يقل إن بسم الله آية من أوائل سائر السور ودليلنا أن بسم الله مكتوب في أوائل السور بخط القرآن فوجب كونه قرآنا واحتج المخالف بما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سورة الملك

قسم V01/P166–V01/P167

: إنها ثلاثون آية وفي سورة الكوثر : إنها ثلاث آيات ثم أجمعوا على أن هذا العدد حاصل بدون التسمية فوجب أن لا تكون التسمية آية من هذه السور والجواب أنا إذا قلنا بسم الله الرحمن الرحيم مع ما بعده آية واحدة فهذا الإشكال زائل فإن قالوا : لما اعترفتم بأنها آية تامة من أول الفاتحة فكيف يمكنكم أن تقولوا أنها بعض آية من سائر السور ؟ قلنا : هذا غير بعيد ألا ترى أن قوله الحمد لله رب العالمين آية تامة ثم صار مجموع قوله : وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين [ يونس : 10 ] آية واحدة ؛ فكذا ههنا . وأيضا فقوله سورة الكوثر ثلاث آيات يعني ما هو خاصية هذه السورة ثلاث آيات وأما التسمية فهي كالشيء المشترك فيه بين جميع السور فسقط هذا السؤال . المسألة التاسعة : يروى عن أحمد بن حنبل أنه قال : التسمية آية من الفاتحة إلا أنه يسر بها في كل ركعة وأما الشافعي فإنه قال : إنها آية منها ويجهر بها وقال أبو حنيفة : ليست آية من الفاتحة إلا أنها يسر بها في كل ركعة ولا يجهر بها أيضا فنقول الجهر بها سنة ويدل عليه وجوه وحجج . الحجة الأولى : قد دللنا على أن التسمية آية من الفاتحة وإذا ثبت هذا فنقول : الاستقراء دل على أن السورة الواحدة إما أن تكون بتمامها سرية أو جهرية فأما أن يكون بعضها سريا وبعضها جهريا فهذا مفقود في جميع السور ؛ وإذا ثبت هذا كان الجهر بالتسمية مشروعا في القراءة الجهرية . الحجة الثانية : أن قوله بسم الله الرحمن الرحيم لا شك أنه ثناء على الله وذكر له بالتعظيم فوجب أن يكون الإعلان به مشروعا لقوله تعالى : فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا [ البقرة : 200 ] ومعلوم أن الإنسان إذا كان مفتخرا بأبيه غير مستنكف منه فإنه يعلن بذكره ويبالغ في إظهاره أما إذا أخفى ذكره أو أسره دل ذلك على كونه مستنكفا منه فإذا كان المفتخر بأبيه يبالغ في الإعلان والإظهار وجب أن يكون إعلان ذكر الله أولى عملا بقوله : ^ { فاذكروا الله كذكركم آبائكم أو أشد ذكرا } ^ . الحجة الثالثة : هي أن الجهر بذكر الله يدل على كونه مفتخرا بذلك الذكر غير مبال بإنكار من ينكره ولا شك أن هذا مستحسن في العقل فيكون في الشرع كذلك ؛ لقوله عليه السلام : ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ومما يقوى هذا الكلام أيضا أن الإخفاء والسر لا يليق إلا بما يكون فيه عيب ونقصان فيخفيه الرجل ويسره لئلا ينكشف ذلك العيب . أما الذي يفيد أعظم أنواع الفخر والفضيلة والمنقبة فكيف يليق بالعقل إخفاؤه ؟ ومعلوم أنه لا منقبة للعبد أعلى وأكمل من كونه ذاكرا لله بالتعظيم ولهذا قال عليه السلام : طوبى لمن مات ولسانه رطب من ذكر الله وكان علي بن أبي طالب عليه السلام يقول

قسم V01/P167–V01/P168

: يا من ذكره شرف للذاكرين . ومثل هذا كيف يليق بالعاقل أن يسعى في إخفائه ؟ ولهذا السبب نقل أن عليا رضي الله عنه كان مذهبه الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في جميع الصلوات وأقول إن هذه الحجة قوية في نفسي راسخة في عقلي لا تزول البتة بسبب كلمات المخالفين . الحجة الرابعة : ما رواه الشافعي بإسناده أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ولم يكبر عند الخفض إلى الركوع والسجود فلما سلم ناداه المهاجرون والأنصار : يا معاوية سرقت منا الصلاة أين بسم الله الرحمن الرحيم ؟ وأين التكبير عند الركوع والسجود ؟ ثم إنه أعاد الصلاة مع التسمية والتكبير قال الشافعي : إن معاوية كان سلطانا عظيم القوة شديد الشوكة فلولا أن الجهر بالتسمية كان كالأمر المتقرر عند كل الصحابة من المهاجرين والأنصار وإلا لما قدروا على إظهار الإنكار عليه بسبب ترك التسمية . الحجة الخامسة : روى البيهقي في السنن الكبير عن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم ثم إن الشيخ البيهقي روى الجهر عن عمر بن الخطاب وابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأما أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يجهر بالتسمية فقد ثبت بالتواتر ومن اقتدى في دينه بعلى بن أبي طالب فقد اهتدى والدليل عليه قوله عليه السلام : اللهم أدر الحق مع علي حيث دار . الحجة السادسة : أن قوله بسم الله الرحمن الرحيم يتعلق بفعل لا بد من إضماره والتقدير بإعانة اسم الله اشرعوا في الطاعات أو ما يجري مجرى هذا المضمر ولا شك أن استماع هذه الكلمة ينبه العقل على أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله وينبه العقل على أنه لا يتم شيء من الخيرات والبركات إلا إذا وقع الابتداء فيه بذكر الله ومن المعلوم أن المقصود من جميع العبادات والطاعات حصول هذه المعاني في العقول فإذا كان استماع هذه الكلمة يفيد هذه الخيرات الرفيعة والبركات العالية دخل هذا القائل تحت قوله : كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ؛ لأن هذا القائل بسبب إظهار هذه الكلمة أمر بما هو أحسن أنواع الأمر بالمعروف وهو الرجوع إلى الله بالكلية والاستعانة بالله في كل الخيرات وإذا كان الأمر كذلك فكيف يليق بالعاقل أن يقول إنه بدعة . واحتج المخالف بوجوه وحجج : روى البخاري بإسناده عن أنس أنه قال صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر وعثمان وكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين وروى مسلم هذا الخبر في صحيحه وفيه أنهم لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم وفي رواية أخرى ولم أسمع أحدا منهم قال بسم الرحمن الرحيم وفي رواية رابعة : فلم يجهر أحد منهم ببسم الله الرحمن الرحيم . الحجة الثانية : ما روى عبد الله بن المغفل أنه قال : سمعني أبي وأنا أقول بسم الله الرحمن الرحيم فقال : يا بني إياك والحدث في الإسلام فقد صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وخلف عمر وعثمان فابتدؤا القراءة بالحمد لله رب العالمين فإذا صليت فقل : الحمد لله رب العالمين وأقول : إن أنسا وابن المغفل خصصا عدم ذكر بسم الله الرحمن الرحيم بالخلفاء الثلاثة ولم يذكرا عليا وذلك يدل على إطباق الكل على أن عليا كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم . الحجة الثالثة : قوله تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية [ الأعراف : 55 ] واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة [ الأعراف : 205 ] وبسم الله الرحمن الرحيم ذكر الله فوجب إخفاؤه وهذه الحجة استنبطها الفقهاء واعتمادهم على الكلامين الأولين . والجواب عن خبر أنس من وجوه : الأول : قال الشيخ أبو حامد الاسفرايني :

قسم V01/P168

روي عن أنس في هذا الباب ست روايات أما الحنفية فقد رووا عنه ثلاث روايات : إحداها قوله صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين : وثانيتها قوله : إنهم ما كانوا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم . وثالثتها قوله : لم أسمع أحدا منهم قال بسم الله الرحمن الرحيم فهذه الروايات الثلاث تقوي قول الحنفية وثلاث أخرى تناقض قولهم إحداها ما ذكرنا أن أنسا روى أن معاوية لما ترك بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة أنكر عليه المهاجرون والأنصار وقد بينا أن هذا يدل على أن الجهر بهذه الكلمات كالأمر المتواتر فيما بينهم . وثانيتها

قسم V01/P168–V01/P169

روى أبو قلابة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم . وثالثتها أنه سئل عن الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والإسرار به فقال : لا أدري هذه المسألة فثبت أن الرواية عن أنس في هذه المسألة قد عظم فيها الخبط والاضطراب فبقيت متعارضة فوجب الرجوع إلى سائر الدلائل وأيضا ففيها تهمة أخرى وهي أن عليا عليه السلام كان يبالغ في الجهر بالتسمية فلما وصلت الدولة إلى بني أمية بالغوا في المنع من الجهر سعيا في إبطال آثار علي عليه السلام فلعل أنسا خاف منهم فلهذا السبب اضطربت أقواله فيه ونحن وإن شككنا في شيء فإنا لا نشك أنه مهما وقع التعارض بين قول أنس وابن المغفل وبين قول علي بن أبي طالب عليه السلام الذي بقي عليه طول عمره فإن الأخذ بقول علي أولى فهذا جواب قاطع في المسألة . ثم نقول : هب أنه حصل التعارض بين دلائلكم ودلائلنا إلا أن الترجيح معنا وبيانه من وجوه : الأول : أن راوي أخباركم أنس وابن المغفل وراوي قولنا علي بن أبي طالب عليه السلام وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وهؤلاء كانوا اكثر علما وقربا من رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنس وابن المغفل . والثاني : أن مذهب أبي حنيفة أن خبر الواحد إذا ورد على خلاف القياس لم يقبل ولهذا السبب فإنه لم يقبل خبر المصراة مع أنه لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأن القياس يخالفه . إذا ثبت هذا فنقول قد بينا أن صريح العقل ناطق بان إظهار هذه الكلمة أولى من إخفائها فلأي سبب رجح قول أنس وقول ابن المغفل على هذا البيان الجلي البديهي ؟ والثالث : أن من المعلوم بالضرورة أن النبي عليه السلام كان يقدم الأكابر على الأصاغر والعلماء على غير العلماء والأشراف على الأعراب ولا شك أن عليا وابن عباس وابن عمر كانوا أعلى حالا في العلم والشرف وعلو الدرجة من أنس وابن المغفل والغالب على الظن أن عليا وابن عباس وابن عمر كانوا يقفون بالقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أنس وابن المغفل يقفان بالعبد منه وأيضا أنه عليه السلام ما كان يبالغ في الجهر امتثالا لقوله تعالى : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها [ الإسراء : 110 ] وأيضا فالإنسان أول ما يشرع في القراءة إنما يشرع فيها بصوت ضعيف ثم لا يزال يقوى صوته ساعة فساعة فهذه أسباب ظاهرة في أن يكون علي وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة سمعوا الجهر بالتسمية من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن أنسا وابن المغفل ما سمعاه . الرابع : قال الشافعي : لعل المراد من قول أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالحمد لله رب العالمين أنه كان قدم هذه السورة في القراءة على غيرها من السور فقوله الحمد لله رب العالمين المراد منه تمام هذه فجعل هذه اللفظة اسما لهذه السورة . الخامس : لعل المراد من عدم الجهر في حديث ابن المغفل عدم المبالغة في رفع الصوت كما قال تعالى : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها [ الإسراء : 110 ] . السادس : الجهر كيفية ثبوتية والإخفاء كيفية عدمية والرواية المثبتة أولى من النافية . السابع : أن الدلائل العقلية موافقة لنا وعمل علي بن أبي طالب عليه السلام معنا ومن اتخذ عليا إماما لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه ونفسه . وأما التمسك بقوله تعالى واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة [ الأعراف : 205 ] فالجواب أنا نحمل ذلك على مجرد الذكر أما قوله بسم الله الرحمن الرحيم فالمراد منه قراءة كلام الله تعالى على سبيل العبادة والخضوع فكان الجهر به أولى .

قسم V01/P169

المسألة العاشرة : في تفاريع التسمية وفيه فروع : - الفرع الأول : قالت الشيعة : السنة هي الجهر بالتسمية سواء كانت في الصلاة الجهرية أو السرية وجمهور الفقهاء يخالفونهم فيه . الفرع الثاني : الذين قالوا التسمية ليست آية من أوائل السور اختلفوا في سبب إثباتها في المصحف في أول كل سورة وفيه قولان : الأول : أن التسمية ليست من القرآن وهؤلاء فريقان : منهم من قال إنها كتبت للفصل بين السور وهذا الفصل قد صار الآن معلوما فلا حاجة إلى إثبات التسمية فعلى هذا لو لم تكتب لجاز ومنهم من قال : إنه يجب إثباتها في المصاحف ولا يجوز تركها أبدا . والقول الثاني أنها من القرآن وقد أنزلها الله تعالى ولكنها آية مستقلة بنفسها وليست آية من السورة وهؤلاء أيضا فريقان : منهم من قال : إن الله تعالى كان ينزلها في أول كل سورة على حدة ومنهم من قال : لا بل أنزلها مرة واحدة وأمر بإثباتها في أول كل سورة والذي يدل على أن الله تعالى أنزلها وعلى أنها من القرآن ما

قسم V01/P169–V01/P171

روي عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعد بسم الله الرحمن الرحيم آية فاصلة وعن إبراهيم بن يزيد قال : قلت لعمرو بن دينار : إن الفضل الرقاشي يزعم أن بسم الله الرحمن الرحيم ليس من القرآن فقال : سبحان الله ما أجرأ هذا الرجل ! علم أن تلك السورة قد ختمت وفتح غيرها وعن عبد الله بن المبارك أنه قال : من ترك بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية وروي مثله عن ابن عمر وأبي هريرة . الفرع الثالث : القائلون بأن التسمية آية من الفاتحة وأن الفاتحة يجب قراءتها في الصلاة لا شك أنهم يوجبون قراءة التسمية أما الذين لا يقولون به فقد اختلفوا فقال أبو حنيفة وأتباعه والحسن بن صالح بن جني وسفيان الثوري وابن أبي ليلى : يقرا التسمية سرا وقال مالك : لا ينبغي أن يقرأها في المكتوبة لا سرا ولا جهرا وأما في النافلة فإن شاء قرأها وإن شاء ترك . الفرع الرابع : مذهب الشافعي يقتضي وجوب قراءتها في كل الركعات أما أبو حنيفة فعنه روايتان روى يعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه يقرأها في كل ركعة قبل الفاتحة وروى أبو يوسف ومحمد والحسن بن زياد ثلاثتهم جميعا عن أبي حنيفة أنه قال : إذا قرأها في أول ركعة عند ابتداء القراءة لم يكن عليه أن يقرأها في تلك الصلاة حتى يفرغ منها قال : وإن قرأها مع كل سورة فحسن . الفرع الخامس : ظاهر قول أبي حنيفة أنه لما قرأ التسمية في أول الفاتحة فإنه لا يعيدها في أوائل سائر السور وعند الشافعي أن الأفضل إعادتها في أول كل سورة لقوله عليه السلام كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر . الفرع السادس : اختلفوا في أنه هل يجوز للحائض والجنب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم ؟ والصحيح عندنا أنه لا يجوز . الفرع السابع : أجمع العلماء على أن تسمية الله على الوضوء مندوبة وعامة العلماء على أنها غير واجبة لقوله صلى الله عليه وسلم : توضأ كما أمرك الله به والتسمية غير مذكورة في آية الوضوء وقال أهل الظاهر إنها واجبة فلو تركها عمدا أو سهوا لم تصح صلاته وقال إسحق إن تركها عامدا لم يجز وإن تركها ساهيا جاز . الفرع الثامن : متروك التسمية عند التذكية هل يحل أكله أم لا ؟ المسألة في غاية الشهرة قال الله تعالى : فاذكروا اسم الله عليها صواف [ الحج : 36 ] وقال تعالى : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه [ الأنعام : 121 ] . الفرع التاسع : أجمع العلماء على أنه يستحب أن لا يشرع في عمل من الأعمال وإلا ويقول بسم الله فإذا نام قال بسم الله وإذا قام من مقامه قال بسم الله وإذا قصد العبادة قال بسم الله وإذا دخل الدار قال بسم الله أو خرج منها قال بسم الله وإذا أكل أو شرب أو أخذ أو أعطى قال بسم الله ويستحب للقابلة إذا أخذت الولد من الأم أن تقول بسم الله وهذا أول أحواله من الدنيا وإذا مات وأدخل القبر قيل بسم الله وهذا آخر أحواله من الدنيا وإذا قام من القبر قال أيضا بسم الله وإذا حضر الموقف قال بسم الله فتتباعد عنه النار ببركة قوله بسم الله . المسألة الحادية عشرة : ترجمة القرآن لا تكفي في صحة الصلاة لا في حق من يحسن القراءة ولا في حق من لا يحسنها وقال أبو حنيفة : إنها كافية في حق القادر والعاجز وقال أبو يوسف ومحمد : إنها كافية في حق العاجز وغير كافية في حق القادر واعلم أن مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة بعيد جدا ولهذا السبب فإن الفقيه أبا الليث السمرقندي والقاضي أبا زيد الدبوسي صرحا بتركه . لنا حجج ووجوه : الحجة الأولى : أنه صلى الله عليه وسلم إنما صلى بالقرآن المنزل من عند الله تعالى باللفظ العربي وواظب عليه طول عمره فوجب أن يجب علينا مثله لقوله تعالى : فاتبعوه [ الأنعام : 153 ] والعجب أنه احتج بأنه عليه السلام مسح على ناصيته مرة على كونه شرطا في صحة الوضوء ولم يلتفت إلى مواظبته طول عمره على قراءة القرآن باللسان العربي . الحجة الثانية : أن الخلفاء الراشدين صلوا بالقرآن العربي فوجب أن يجب علينا ذلك لقوله عليه السلام

قسم V01/P171–V01/P172

: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ولقوله عليه السلام : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ . الحجة الثالثة : أن الرسول وجميع الصحابة ما قرؤا في الصلاة إلا هذا القرآن العربي فوجب أن يجب علينا ذلك لقوله عليه السلام : ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة كلهم في النار إلا فرقة واحدة قيل : ومن هم يا رسول الله ؟ قال ما أنا عليه وأصحابي . وجه الدليل أنه عليه السلام هو وجميع أصحابه كانوا متفقين على القراءة في الصلاة بهذا القرآن العربي فوجب أن يكون القارئ بالفارسية من أهل النار . الحجة الرابعة : أن أهل ديار الإسلام مطبقون بالكلية على قراءة القرآن في الصلاة كما أنزل الله تعالى فمن عدل عن هذا الطريق دخل تحت قوله تعالى : ويتبع غير سبيل المؤمنين [ النساء : 115 ] . الحجة الخامسة : أن الرجل أمر بقراءة القرآن في الصلاة ومن قرأ بالفارسية لم يقرأ القرآن فوجب أن لا يخرج عن العهدة إنما قولنا إنه أمر بقراءة القرآن لقوله تعالى : ^ { فاقرأوا ما تيسر من القرآن } ^ [ المزمل : 20 ] ولقوله عليه السلام للأعرابي : ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن وإنما قلنا إن الكلام المرتب بالفارسية ليس بقرآن لوجوه : الأول : قوله تعالى : وإنه لتنزيل رب العالمين [ الشعراء : 192 ] إلى قوله : بلسان عربي مبين [ الشعراء : 195 ] الثاني : قوله تعالى : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه [ إبراهيم : 4 ] الثالث : قوله تعالى : ولو جعلناه قرآنا أعجميا [ فصلت : 44 ] وكلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره وهذا يدل على أنه تعالى ما جعله قرآنا أعجميا فيلزم أن يقال : إن كل ما كان أعجميا فهو ليس بقرآن . الرابع : قوله تعالى : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا [ الإسراء : 88 ] فهذا الكلام المنظوم بالفارسية : إما أن يقال إنه عين الكلام العربي أو مثله أو لا عينه ولا مثله والأول معلوم البطلان بالضرورة والثاني باطل إذ لو كان هذا النظم الفارسي مثلا لذلك الكلام العربي لكان الآتي به آتيا بمثل القرآن وذلك يوجب تكذيب الله سبحانه في قوله : لا يأتون بمثله [ الإسراء : 88 ] ولما ثبت أن هذا الكلام المنظوم بالفارسية ليس عين القرآن ولا مثله ثبت أن قارئه لم يكن قارئا للقرآن وهو المطلوب فثبت أن المكلف أمر بقراءة القرآن ولم يأت به فوجب أن يبقى في العهدة . الحجة السادسة : ما رواه ابن المنذر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تجزي صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فنقول : هذه الكلمات المنظومة بالفارسية إما أن يقول أبو حنيفة إنها قرآن أو يقول إنها ليست بقرآن والأول جهل عظيم وخروج عن الإجماع وبيانه من وجوه : الأول : أن أحدا من العقلاء لا يجوز في عقله ودينه أن يقول إن قول القائل دوستان در بهشت قرآن . الثاني : يلزم أن يكون القادر على ترجمة القرآن آتيا بقرآن مثل الأول وذلك باطل . الحجة السابعة : روى عبد الله بن أبي أوفى أن رجلا قال : يا رسول الله إني لا أستطيع أن أحفظ القرآن كما يحسن في الصلاة فقال صلى الله عليه وسلم

قسم V01/P172–V01/P173

: قل سبحان الله والحمد لله إلى آخر هذا الذكر وجه الدليل أن الرجل لما سأله عما يجزئه في الصلاة عند العجز عن قراءة القرآن العربي أمره الرسول عليه السلام بالتسبيح وذلك يبطل قول من يقول أنه يكفيه أن يقول دوستان دربهشت . الحجة الثامنة : يقال إن أول الإنجيل هو قوله بسم إلاها رحمانا ومرحيانا وهذا هو عين ترجمة بسم الله الرحمن الرحيم فلو كانت ترجمة القرآن نفس القرآن لقالت النصارى إن هذا القرآن إنما أخذته من عين الإنجيل ولما لم يقل أحد هذا علمنا أن ترجمة القرآن لا تكون قرآنا . الحجة التاسعة : أنا إذا ترجمنا قوله تعالى : فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه [ الكهف : 19 ] كان ترجمته بفرستيديكي أزشمابانقرة بشهربس بنكردكه كدام طعام بهترست يارة ازان بياورد ومعلوم أن هذا الكلام من جنس كلام الناس لفظا ومعنى فوجب أن لا تجوز الصلاة به لقوله عليه الصلاة والسلام : إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس وإذا لم تنعقد الصلاة بترجمة هذه الآية فكذا بترجمة سائر الآيات لأنه لا قائل بالفرق وأيضا فهذه الحجة جارية في ترجمة قوله تعالى : هماز مشاء بنميم [ القلم : 11 ] إلى قوله : عتل بعد ذلك زنيم [ القلم : 12 ] فإن ترجمتها تكون شتما من جنس كلام الناس في اللفظ والمعنى وكذلك قوله تعالى ^ { ادع ( 1 ) لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها } ^ [ البقرة : 61 ] فإن ترجمة هذه الآية تكون من جنس كلام الناس لفظا ومعنى وهذا بخلاف ما إذا قرأنا عين هذه الآيات بهذه الألفاظ لأنها بحسب تركيبها المعجز ونظمها البديع تمتاز عن كلام الناس والعجب من الخصوم أنهم قالوا إنه لو ذكر في آخر التشهد دعاء يكون من جنس كلام الناس فسدت صلاته ثم قالوا : تصح الصلاة بترجمة هذه الآيات مع أن ترجمتها عين كلام الناس لفظا ومعنى . الحجة العاشرة : قوله عليه الصلاة والسلام : أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف ولو كانت ترجمة القرآن بحسب كل لغة قرآنا لكان قد أنزل القرآن على أكثر من سبعة أحرف لأن على مذهبهم قد حصل بحسب كل لغة قرآن على حدة وحينئذ لا يصح حصر حروف القرآن في السبعة . الحجة الحادية عشرة : أن عند أبي حنيفة تصح الصلاة بجميع الآيات ولا شك أنه قد حصل في التوراة آيات كثيرة مطابقة لما في القرآن من الثناء على الله ومن تعظيم أمر الآخرة وتقبيح الدنيا فعلى قول الخصم تكون الصلاة صحيحة بقراءة الإنجيل والتوراة وبقراءة زيد وإنسان ولو أنه دخل الدنيا وعاش مائة سنة ولم يقرأ حرفا من القرآن بل كان مواظبا على قراءة زيد وإنسان فإنه يلقى الله تعالى مطيعا ومعلوم بالضرورة أن هذا الكلام لا يليق بدين المسلمين . الحجة الثانية عشرة : أنه لا ترجمة للفاتحة ألا نقول الثناء لله رب العالمين ورحمان المحتاجين والقادر على يوم الدين أنت المعبود وأنت المستعان اهدنا إلى طريق أهل العرفان لا إلى طريق أهل الخذلان وإذا ثبت أن ترجمة الفاتحة ليست إلا هذا القدر أو ما يقرب منه فمعلوم أنه لا خطبة إلا وقد حصل فيها هذا القدر فوجب أن يقال الصلاة صحيحة بقراءة جميع الخطب ولما كان باطلا علمنا فساد هذا القول . الحجة الثالثة عشرة : لو كان هذا جائزا لكان قد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلمان الفارسي في أن يقرأ القرآن بالفارسية ويصلي بها ولكان قد أذن لصهيب في أن يقرأ بالرومية ولبلال في أن يقرأ بالحبشية ؛ ولو كان هذا الأمر مشروعا لاشتهر جوازه في الخلق فإنه يعظم في أسماع أرباب اللغات بهذا الطريق لأن ذلك يزيل عنهم إتعاب النفس في تعلم اللغة العربية ويحصل لكل قوم فخر عظيم في أن يحصل لهم قرآن بلغتهم الخاصة ومعلوم أن تجويزه يفضي إلى اندراس القرآن بالكلية وذلك لا يقوله مسلم . الحجة الرابعة عشرة : لو جازت الصلاة بالقراءة بالفارسية لما جازت بالقراءة بالعربية وهذا جائز وذاك غير جائز بيان الملازمة أن الفارسي الذي لا يفهم من العربية شيئا لم يفهم من القرآن شيئا البتة أما إذا قرأ القرآن بالفارسية فهم المعنى وأحاط بالمقصود وعرف ما فيه من الثناء على الله ومن الترغيب في الآخرة والتنفير عن الدنيا ومعلوم أن المقصد الأقصى من إقامة الصلوات حصول هذه المعاني قال تعالى : وأقم الصلاة لذكري [ طه : 14 ] وقال تعالى : أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها [ محمد : 24 ] فثبت أن قراءة الترجمة تفيد هذه الفوائد العظيمة . وقراءة القرآن باللفظ العربي تمنع من حصول هذه الفوائد فلو كانت القراءة بالفارسية قائمة مقام القراءة بالعربية في الصحة ثم إن القراءة بالفارسية تفيد هذه الفوائد العظيمة والقراءة بالعربية مانعة منها لوجب أن تكون القراءة بالعربية محرمة وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن القراءة بالفارسية غير جائزة . الحجة الخامسة عشرة : المقتضى لبقاء الأمر بالصلاة قائم والفارق ظاهر أما المقتضى فلأن التكليف كان ثابتا والأصل في الثابت البقاء وأما الفارق فهو أن القرآن العربي كما أنه يطلب قراءة لمعناه كذلك تطلب قراءته لأجل لفظه وذلك من وجهين : الأول : أن الإعجاز في فصاحته ؛ وفصاحته في لفظه . والثاني : أن توقيف صحة الصلاة على قراءة لفظه يوجب حفظ تلك الألفاظ وكثرة الحفظ من الخلق العظيم يوجب بقاءه على وجه الدهر مصونا عن التحريف وذلك يوجب تحقيق ما وعد الله تعالى بقوله : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [ الحجر : 9 ] أما إذا قلنا إنه لا يتوقف صحة الصلاة على قراءة هذا النظم العربي فإنه يختل هذا المقصود فثبت أن المقتضى قائم والفارق ظاهر . واحتج المخالف على صحة مذهبه بأنه أمر بقراءة القرآن وقراءة الترجمة قراءة القرآن ويدل عليه وجوه : الأول :

قسم V01/P173–V01/P174

روي أن عبد الله بن مسعود كان يعلم رجلا القرآن فقال : إن شجرة الزقوم طعام الأثيم [ الدخان : 43 ] وكان الرجل عجميا فكان يقول : طعام اليتيم ؛ فقال : قل طعام الفاجر ثم قال عبد الله إنه ليس الخطأ في القرآن أن يقرأ مكان العليم الحكيم بل أن يضع آية الرحمة مكان آية العذاب . الثاني : قوله تعالى : وإنه لفي زبر الأولين [ الشعراء : 196 ] فأخبر أن القرآن في زبر الأولين وقال تعالى : إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى [ الأعلى : 19 ] ثم أجمعنا على أنه ما كان القرآن في زبر الأولين بهذا اللفظ لكن كان بالعبرانية والسريانية . الثالث : أنه تعالى قال : وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به [ الأنعام : 19 ] ثم إن العجم لا يفهمون اللفظ العربي إلا إذا ذكر تلك المعاني لهم بلسانهم ثم إنه تعالى سماه قرآنا فثبت أن هذا المنظوم بالفارسية قرآن . والجواب عن الأول أن نقول : إن أحوال هؤلاء عجيبة جدا فإن ابن مسعود نقل عنه أنه كان يقول : أنا مؤمن إن شاء الله ولم ينقل عن أحد من الصحابة المبالغة في نصرة هذا المذهب كما نقل عن ابن مسعود ثم إن الحنفية لا تلتفت إلى هذا بل تقول : إن القائل به شاك في دينه والشاك لا يكون مؤمنا فإن كان قول ابن مسعود حجة فلم لم يقبلوا قوله في تلك المسألة ؟ وإن لم يكن حجة فلم عول عليه في هذه المسألة ؟ ولعمري هذه المناقضات عجيبة وأيضا فقد نقل عن ابن مسعود حذف المعوذتين وحذف الفاتحة عن القرآن ويجب علينا إحسان الظن به ؛ وأن نقول : إنه رجع عن هذه المذاهب وأما قوله تعالى : وإنه لفي زبر الأولين [ الشعراء : 196 ] فالمعنى أن هذه القصص موجودة في زبر الأولين وقوله تعالى : لأنذركم [ الأنعام : 19 ] فالمعنى لأنذركم معناه وهذا القدر القليل من المجاز يجوز تحمله لأجل الدلائل القاهرة القاطعة التي ذكرناها . المسألة الثانية عشرة : قال الشافعي في القول الجديد تجب القراءة على المقتدي ؛ سواء أسر الإمام بالقراءة أو جهر بها وقال في القديم تجب القراءة إذا أسر الإمام ولا تجب إذا جهر وهو قول مالك وابن المبارك وقال أبو حنيفة تكره القراءة خلف الإمام بكل حال ولنا وجوه : الحجة الأولى : قوله تعالى : ^ { فاقرؤا ما تيسر من القرآن } ^ [ المزمل : 20 ] وهذا الأمر يتناول المنفرد والمأموم . الحجة الثانية : أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصلاة فيجب علينا ذلك لقوله تعالى فاتبعوه [ الأنعام : 153 ] إلا أن يقال : إن كونه مأموما يمنع منه إلا أنه معارضة . الحجة الثالثة : أنا بينا أن قوله تعالى وأقيموا الصلاة [ البقرة : 43 ] أمر بمجموع الأفعال التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلها ومن جملة تلك الأفعال قراءة الفاتحة فكان قوله أقيموا الصلاة يدخل فيه الأمر بقراءة الفاتحة . الحجة الرابعة : قوله عليه السلام : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقد ثبت تقرير وجه الدليل . فإن قالوا : هذا الخبر مخصوص بحال الانفراد لأنه روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم : قال من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا أن يكون وراء الإمام قلنا : هذا الحديث طعنوا فيه . الحجة الخامسة : قوله عليه الصلاة والسلام للأعرابي الذي علمه أعمال الصلاة ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن وهذا يتناول المنفرد والمأموم . الحجة السادسة :

قسم V01/P174–V01/P175

روى أبو عيسى الترمذي في جامعه بإسناده عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال : قرأ النبي عليه الصلاة والسلام في الصبح فثقلت عليه القراءة فلما انصرف قال : ما لي أراكم تقرأون خلف إمامكم قلنا : أي والله قال : لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها قال أبو عيسى الترمذي : هذا حديث حسن . الحجة السابعة : روى مالك في الموطأ عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام يقول : سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تام قال : فقلت يا أبا هريرة إني أكون أحيانا خلف الإمام قال : اقرأ بها يا فارسي في نفسك والاستدلال بهذا الخبر من وجهين : الأول : أن صلاة المقتدي بدون مبرة عن الخداج عند الخصم وهو على خلاف النص . الثاني : أن السائل أورد الصلاة خلف الإمام على أبي هريرة بوجوب القراءة عليه في هذه الحالة وذلك يؤيد المطلوب . الحجة الثامنة : روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تعالى يقول : قسمت الصلاة بين وبين عبدي نصفين بين أن التنصيف إنما يحصل بسبب القراءة فوجب أن تكون قراءة الفاتحة من لوازم الصلاة وهذا التنصيف قائم في صلاة المنفرد وفي صلاة المقتدي . الحجة التاسعة : روى الدارقطني بإسناده عن عبادة بن الصامت قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة فلما انصرف أقبل علينا بوجهه الكريم فقال : هل تقرأون إذا جهرت بالقراءة ؟ فقال بعضنا إنا لنصنع ذلك فقال : وأنا أقول مالي أنازع القرآن لا تقرؤا شيئا من القرآن إذا جهرت بقراءتي إلا أم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها . الحجة العاشرة : أن الأحاديث الكثيرة دالة على أن قراءة القرآن توجب الثواب العظيم وهي متناولة للمنفرد والمقتدى فوجب أن تكون قراءتها في الصلاة خلف الإمام موجبة للثواب العظيم وكل من قال بذلك قال بوجوب قراءتها . الحجة الحادية عشرة : وافق أبو حنيفة رضي الله عنه على أن القراءة خلف الإمام لا تبطل الصلاة وأما عدم قراءتها فهو عندنا يبطل الصلاة فثبت أن القراءة أحوط فكانت واجبة لقوله عليه الصلاة والسلام : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك . الحجة الثانية عشرة : إذا بقي المقتدي ساكتا عن القراءة مع أنه لا يسمع قراءة الإمام بقي معطلا فوجب أن يكون حال القارئ أفضل منه لقوله عليه الصلاة والسلام : أفضل الأعمال قراءة القرآن وإذا ثبت أن القراءة أفضل من السكوت في هذه الحالة ثبت القول بالوجوب لأنه لا قائل بالفرق . الحجة الثالثة عشرة : لو كان الاقتداء مانعا من القراءة لكان الاقتداء حراما لأن قراءة القرآن عبادة عظيمة والمانع من العبادة الشريفة محرم فيلزمه أن يكون الاقتداء حراما وحيث لم يكن كذلك علمنا أن الاقتداء لا يمنع من القراءة . واحتج أبو حنيفة بالقرآن والخبر أما القرآن فقوله تعالى : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا [ الأعراف : 204 ] واعلم أنا بينا في تفسير هذه الآية أنها لا تدل على قولهم وبالغنا فليطالع ذلك الموضع من هذا التفسير ؛ وأما الأخبار فقد ذكروا أخبارا كثيرة والشيخ أحمد البيهقي بين ضعفها ثم نقول : هب أنها صحيحة ولكن الأخبار لما تعارضت وكثرت فلا بد من الترجيح وهو معنا من وجوه : الأول : أن قولنا : يوجب الاشتغال بقراءة القرآن وهو من أعظم الطاعات وقولهم يوجب العطلة والسكوت عن ذكر الله ولا شك أن قولنا أولى . الثاني : أن قولنا أحوط . الثالث : أن قولنا يوجب شغل جميع أجزاء الصلاة بالطاعات والأذكار الجميلة وقولهم يوجب تعطيل الوقت عن الطاعة والذكر . المسألة الثالثة عشرة : قال الشافعي رضي الله عنه

قسم V01/P175–V01/P176

: قراءة الفاتحة واجبة في كل ركعة فإن تركها في ركعة بطلت صلاته قال الشيخ أبو حامد الاسفرايني : وهذا القول مجمع عليه بين الصحابة قال به أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود . واعلم أن المذاهب في هذه المسألة ستة : أحدها : قول الأصم وابن علية وهو أن القراءة غير واجبة أصلا . والثاني : قول الحسن البصري والحسن بن صالح بن جني أن القراءة إنما تجب في ركعة واحدة لقوله عليه الصلاة والسلام لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب والاستثناء من النفي إثبات فإذا حصلت قراءة الفاتحة في الصلاة مرة واحدة وجب القول بصحة الصلاة بحكم الاستثناء . والثالث : قول أبي حنيفة وهو أن القراءة في الركعتين الأولتين واجبة وهو في الأخيرتين بالخيار إن شاء قرأ وإن شاء سبح وإن شاء سكت وذكر في كتاب الاستحباب أن القراءة واجبة في الركعتين من غير تعيين . والرابع : نقل ابن الصباغ في كتاب الشامل عن سفيان أنه قال : تجب القراءة في الركعتين الأوليين وتكره في الأخريين . والخامس : وهو قول مالك أن القراءة واجبة في أكثر الركعات ولا تجب في جميعها فإن كانت الصلاة أربع ركعات كفت القراءة في ثلاث ركعات وإن كانت مغربا كفت في ركعتين وإن كانت صبحا وجبت القراءة فيهما معا . والسادس : وهو قول الشافعي وهو أن القراءة واجبة في كل الركعات . ويدل على صحته وجوه : الحجة الأولى : أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في كل الركعات فيجب علينا مثله لقوله تعالى واتبعوه [ الأعراف : 158 ] الحجة الثانية : أن الأعرابي الذي علمه عليه الصلاة والسلام الصلاة أمره أن يقرأ بأم القرآن ثم قال : وكذلك فافعل في كل ركعة والأمر للوجوب فإن قالوا قوله فافعل في كل ركعة راجع إلى الأفعال لا إلى الأقوال قلنا القول فعل اللسان فهو داخل في الأفعال . الحجة الثالثة : نقل الشيخ أبو نصر بن الصباغ في كتاب الشامل عن أبي سعيد الخدري أنه قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ فاتحة الكتاب في كل ركعة فريضة كانت أو نافلة . الحجة الرابعة : القراءة في الركعات أحوط فوجب القول بوجوبها . الحجة الخامسة : أمر بالصلاة والأصل في الثابت البقاء حكمنا بالخروج عن العهدة عند القراءة في كل الركعات لأجل أن هذه الصلاة أكمل فعند عدم القراءة في الكل وجب أن يبقى في العهدة . واحتج المخالف بما روي عن عائشة أنها قالت : فرضت الصلاة في الأصل ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر وإذا ثبت هذا فنقول : الركعتان الأوليان أصل والأخريان تبع ومدار الأمر في التبع على التخفيف ولهذا المعنى فإنه لا يقرأ السورة الزائدة فيهما ولا يجهر بالقراءة فيهما . والجواب أن دلائلنا أكثر وأقوى ومذهبنا أحوط فكان أرجح . المسألة الرابعة عشرة : إذا ثبت أن قراءة الفاتحة شرط من شرائط الصلاة فله فروع : الفرع الأول : قد بينا أنه لو ترك قراءة الفاتحة أو ترك حرفا من حروفها عمدا بطلت صلاته أما لو تركها سهوا قال الشافعي في القديم لا تفسد صلاته واحتج بما روى أبو سلمة بن عبد الرحمن قال : صلى بنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه المغرب فترك القراءة فلما انقضت الصلاة قيل له : تركت القراءة قال : كيف كان الركوع والسجود ؟ قالوا : حسنا قال : فلا بأس قال الشافعي : فلما وقعت هذه الواقعة بمحضر من الصحابة كان ذلك إجماعا ورجع الشافعي عنه في الجديد وقال : تفسد صلاته ؛ لأن الدلائل المذكورة عامة في العمد والسهو ثم أجاب عن قصة عمر من وجهين : الأول : أن الشعبي

قسم V01/P176–V01/P177

روى أن عمر رضي الله عنه أعاد الصلاة . والثاني : أنه لعله ترك الجهر بالقراءة لا نفس القراءة قال الشافعي هذا هو الظن بعمر . الفرع الثاني : تجب الرعاية في ترتيب القراءة فلو قرأ النصف الأخير ثم النصف الأول يحسب له الأول دون الأخير . الفرع الثالث : الرجل الذي لا يحسن تمام الفاتحة إما أن يحفظ بعضها وإما أن لا يحفظ شيئا منها أما الأول فإنه يقرأ تلك الآية ويقرأ معها ست آيات على الوجه الأقرب وأما الثاني - وهو أن لا يحفظ شيئا من الفاتحة - فههنا إن حفظ شيئا من القرآن لزمه قراءة ذلك المحفوظ لقوله تعالى : ^ { فاقرءوا ما تيسر من القرآن } ^ [ المزمل : 20 ] وإن لم يحفظ شيئا من القرآن فههنا يلزمه أن يأتي بالذكر وهو التكبير والتحميد وقال أبو حنيفة لا يلزمه شيء حجة الشافعي ما روى رفاعة بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا قام أحدكم إلى الصلاة فليتوضأ كما أمره الله ثم يكبر فإن كان معه شيء من القرآن فليقرأ وإن لم يكن معه شيء من القرآن فليحمد الله وليكبر بقي ههنا قسم واحد وهو أن لا يحفظ الفاتحة ولا يحفظ شيئا من القرآن ولا يحفظ أيضا شيئا من الأذكار العربية وعندي أنه يؤمر بذكر الله تعالى بأي لسان قدر عليه تمسكا بقوله عليه الصلاة والسلام إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم . المسألة الخامسة عشرة : نقل في الكتب القديمة أن ابن مسعود كان ينكر كون سورة الفاتحة من القرآن وكان ينكر كون المعوذتين من القرآن واعلم أن هذا في غاية الصعوبة لأنا إن قلنا إن النقل المتواتر كان حاصلا في عصر الصحابة بكون سورة الفاتحة من القرآن فحينئذ كان ابن مسعود عالما بذلك فإنكاره يوجب الكفر أو نقصان العقل وإن قلنا إن النقل المتواتر في هذا المعنى ما كان حاصلا في ذلك الزمان فهذا يقتضي أن يقال إن نقل القرآن ليس بمتواتر في الأصل وذلك يخرج القرآن عن كونه حجة يقينية والأغلب على الظن أن نقل هذا المذهب عن ابن مسعود نقل كاذب باطل وبه يحصل الخلاص عن هذه العقدة . وههنا آخر الكلام في المسائل الفقهية المفرعة على سورة الفاتحة والله الهادي للصواب . < > الباب الخامس < > < > في تفسير سورة الفاتحة وفيه فصول < > < > الفصل الأول < > في تفسير قوله تعالى الحمد لله > 2 < الفاتحة : ( 2 ) الحمد لله رب . . . . . > > وفيه وجوه : الأول : ههنا ألفاظ ثلاثة : الحمد والمدح والشكر فنقول : الفرق بين الحمد والمدح من وجوه الأول : أن المدح قد يحصل للحي ولغير الحي ألا ترى أن من رأى لؤلؤة في غاية الحسن أو ياقوتة في غاية الحسن فإنه قد يمدحها ويستحيل أن يحمدها فثبت أن المدح أعم من الحمد . الوجه الثاني في الفرق : أن المدح قد يكون قبل الإحسان وقد يكون بعده أما الحمد فإنه لا يكون إلا بعد الإحسان . الوجه الثالث : في الفرق : أن المدح قد يكون منهيا عنه قال عليه الصلاة والسلام : احثوا التراب في وجوه المداحين أما الحمد فإنه مأمور به مطلقا

قسم V01/P177–V01/P178

قال صلى الله عليه وسلم من لم يحمد الناس لم يحمد الله الوجه الرابع : أن المدح عبارة عن القول الدال على كونه مختصا بنوع من أنواع الفضائل وأما الحمد فهو القول الدال على كونه مختصا بفضيلة معينة وهي فضيلة الإنعام والإحسان فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد . وأما الفرق بين الحمد وبين الشكر فهو أن الحمد يعم ما إذا وصل ذلك الإنعام إليك أو إلى غيرك وأما الشكر فهو مختص بالإنعام الواصل إليك . إذا عرفت هذا فنقول : قد ذكرنا أن المدح حاصل للحي ولغير الحي وللفاعل المختار ولغيره فلو قال المدح لله لم يدل ذلك على كونه تعالى فاعلا مختارا أما لما قال الحمد لله فهو يدل على كونه مختارا فقوله : الحمد لله يدل على كون هذا القائل مقرا بأن إله العالم ليس موجبا بالذات كما تقول الفلاسفة بل هو فاعل مختار وأيضا فقوله الحمد لله أولى من قوله الشكر لله لأن قوله الحمد لله ثناء على الله بسبب كل إنعام صدر منه ووصل إلى غيره وأما الشكر لله فهو ثناء بسبب إنعام وصل إلى ذلك القائل ولا شك أن الأول أفضل لأن التقدير كان العبد يقول : سواء أعطيتني أو لم تعطني فإنعامك واصل إلى كل العالمين وأنت مستحق للحمد العظيم وقيل الحمد على ما دفع الله من البلاء والشكر على ما أعطى من النعماء . فإن قيل : النعمة في الإعطاء أكثر من النعمة في دفع البلاء فلماذا ترك الأكثر وذكر الأقل قلنا فيه وجوه : الأول : كأنه يقول أنا شاكر لأدنى النعمتين فكيف لأعلاهما . الثاني : المنع غير متناه والإعطاء متناه فكان الابتداء بشكر دفع البلاء الذي لا نهاية له أولى . الثالث : أن دفع الضرر أهم من جلب النفع فلهذا قدمه . الفائدة الثانية : أنه تعالى لم يقل أحمد الله ولكن قال الحمد لله وهذه العبارة الثانية أولى لوجوه : أحدها : أنه لو قال أحمد الله أفاد ذلك كون ذلك القائل قادرا على حمده أما لما قال الحمد لله فقد أفاد ذلك أنه كان محمودا قبل حمد الحامدين وقبل شكر الشاكرين فهؤلاء سواء حمدوا أو لم يحمدوا وسواء شكروا أو لم يشكروا فهو تعالى محمود من الأزل إلى الأبد بحمده القديم وكلامه القديم . وثانيها : أن قولنا الحمد لله معناه أن الحمد والثناء حق لله وملكه فإنه تعالى هو المستحق للحمد بسبب كثرة أياديه وأنواع آلائه على العباد فقولنا الحمد لله معناه أن الحمد لله حق يستحقه لذاته ولو قال أحمد الله لم يدل ذلك على كونه مستحقا للحمد لذاته ومعلوم أن اللفظ الدال على كونه مستحقا للحمد أولى من اللفظ الدال على أن شخصا واحدا حمده . وثالثها : أنه لو قال أحمد الله لكان قد حمد لكن لا حمدا يليق به وأما إذا قال الحمد لله فكأنه قال من أنا حتى أحمده ؟ لكنه محمود بجميع حمد الحامدين مثاله ما لو سئلت : هل لفلان عليك نعمة ؟

قسم V01/P178–V01/P179

فإن قلت نعم فقد حمدته ولكن حمدا ضعيفا ولو قلت في الجواب : بل نعمه على كل الخلائق فقد حمدته بأكمل المحامد ورابعها : أن الحمد عبارة عن صفة القلب وهي اعتقاد كون ذلك المحمود متفضلا منعما مستحقا للتعظيم والإجلال فإذا تلفظ الإنسان بقوله أحمد الله مع أنه كان قلبه غافلا عن معنى التعظيم اللائق بجلال الله كان كاذبا لأنه أخبر عن نفسه بكونه حامدا مع أنه ليس كذلك أما إذا قال الحمد لله سواء كان غافلا أو مستحضرا لمعنى التعظيم فإنه يكون صادقا لأن معناه أن الحمد حق لله وملكه وهذا المعنى حاصل سواء كان العبد مشتغلا بمعنى التعظيم والإجلال أو لم يكن فثبت أن قوله الحمد لله أولى من قوله أحمد الله ونظيره قولنا لا إله إلا الله فإنه لا يدخله التكذيب بخلاف قولنا أشهد أن لا إله إلا الله لأنه قد يكون كاذبا في قوله أشهد ولهذا قال تعالى في تكذيب المنافقين : والله يشهد إن المنافقين لكاذبون [ المنافقون : 1 ] ولهذا السر أمر في الأذان بقوله أشهد ثم وقع الختم على قوله لا إله إلا الله . الفائدة الثالثة : اللام في قوله الحمد لله يحتمل وجوها كثيرة أحدها : الاختصاص اللائق كقولك الجل للفرس . وثانيها : الملك كقولك الدار لزيد . وثالثها : القدرة والاستيلاء كقولك البلد للسلطان واللام في قولك الحمد لله يحتمل هذه الوجوه الثلاثة فإن حملته على الاختصاص اللائق فمن المعلوم أنه لا يليق الحمد إلا به لغاية جلاله وكثرة فضله وإحسانه وإن حملته على الملك فمعلوم أنه تعالى مالك للكل فوجب أن يملك منهم كونهم مشتغلين بحمده وإن حملته على الاستيلاء والقدرة فالحق سبحانه وتعالى كذلك لأنه واجب لذاته وما سواه ممكن لذاته والواجب لذاته مستول على الممكن لذاته فالحمد لله بمعنى أن الحمد لا يليق إلا به وبمعنى أن الحمد ملكه وملكه وبمعنى أنه هو المستولي على الكل والمستعلي على الكل . الفائدة الرابعة : قوله الحمد لله ثمانية أحرف وأبواب الجنة ثمانية فمن قال هذه الثمانية عن صفاء قلبه استحق ثمانية أبواب الجنة . الفائدة الخامسة : الحمد لفظة مفردة دخل عليها حرف التعريف وفيه قولان الأول : أنه إن كان مسبوقا بمعهود سابق انصرف إليه وإلا يحمل على الاستغراق صونا للكلام عن الإجمال والقول الثاني : أنه لا يفيد العموم إلا أنه يفيد الماهية والحقيقة فقط . إذا عرفت هذه فنقول : قوله الحمد لله إن قلنا بالقول الأول أفاد أن كل ما كان حمدا وثناء فهو لله وحقه وملكه وحينئذ يلزم أن يقال : إن ما سوى الله فإنه لا يستحق الحمد والثناء البتة وإن قلنا بالقول الثاني كان معناه أن ماهية الحمد حق لله تعالى وملك له وذلك ينفي كون فرد من أفراد هذه الماهية لغير الله فثبت على القولين أن قوله الحمد لله ينفي حصول الحمد لغير الله . فإن قيل : أليس أن المنعم يستحق الحمد من المنعم عليه والأستاذ يستحق الحمد من التلميذ والسلطان العادل يستحق الحمد من الرعية وقال عليه السلام

قسم V01/P179–V01/P180

: من لم يحمد الناس لم يحمد الله ؟ قلنا إن كل من أنعم على غيره بإنعام فالمنعم في الحقيقة هو الله تعالى لأنه لولا أنه تعالى خلق تلك الداعية في قلب ذلك المنعم وإلا لم يقدم على ذلك الإنعام ولولا أنه تعالى خلق تلك النعمة وسلط ذلك المنعم عليها ومكن المنعم عليه من الانتفاع لما حصل الانتفاع بتلك النعمة فثبت أن المنعم في الحقيقة هو الله . الفائدة السادسة : أن قوله الحمد لله كما دل على أنه لا محمود إلا الله فكذلك العقل دل عليه وبيانه من وجوه : الأول : أنه تعالى لو لم يخلق داعية الإنعام في قلب المنعم لم ينعم فيكون المنعم في الحقيقة هو الله الذي خلق تلك الداعية . وثانيها : أن كل من أنعم على الغير فإنه يطلب بذلك الإنعام عوضا إما ثوابا أو ثناء أو توصيل حق أو تخليصا للنفس من خلق البخل وطالب العوض لا يكون منعما فلا يكون مستحقا للحمد في الحقيقة أما الله سبحانه وتعالى فإنه كامل لذاته والكامل لذاته لا يطلب الكمال لأن تحصيل الحاصل محال فكانت عطاياه جودا محضا وإحسانا محضا فلا جرم كان مستحقا للحمد فثبت أنه لا يستحق الحمد إلا الله تعالى . وثالثها : أن كل نعمة فهي من الموجودات الممكنة الوجود وكل ممكن الوجود فإنه وجد بإيجاد الحق إما ابتداء وإما بواسطة ينتج أن كل نعمة فهي من الله تعالى ويؤكد ذلك بقوله تعالى : وما بكم من نعمة فمن الله [ النحل : 53 ] والحمد لا معنى له إلا الثناء على الإنعام فلما كان لا إنعام إلا من الله تعالى وجب القطع بأن أحدا لا يستحق الحمد إلا الله تعالى . ورابعها : النعمة لا تكون كاملة إلا عند اجتماع أمور ثلاثة : أحدها : أن تكون منفعة والانتفاع بالشيء مشروط بكونه حيا مدركا وكونه حيا مدركا لا يحصل إلا بإيجاد الله تعالى . وثانيها : أن المنفعة لا تكون نعمة كاملة إلا إذا كانت خالية عن شوائب الضرر والغم وإخلاء المنافع عن شوائب الضرر لا يحصل إلا من الله تعالى . وثالثها : أن المنفعة لا تكون نعمة كاملة إلا إذا كانت آمنة من خوف الانقطاع وهذا الأمر لا يحصل إلا من الله تعالى إذا ثبت هذا فالنعمة الكاملة لا تحصل إلا من الله تعالى فوجب أن لا يستحق الحمد الكامل إلا الله تعالى فثبت بهذه البراهين صحة قوله تعالى الحمد لله . الفائدة السابعة : قد عرفت أن الحمد عبارة عن مدح الغير بسبب كونه منعما متفضلا وما لم يحصل شعور الإنسان بوصول النعمة إليه امتنع تكليفه بالحمد والشكر إذا عرفت هذا فنقول : وجب كون الإنسان عاجزا عن حمد الله وشكره ويدل عليه وجوه : الأول : أن نعم الله على الإنسان كثيرة لا يقوى عقل الإنسان على الوقوف عليها كما قال تعالى : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها [ إبراهيم : 34 ] وإذا امتنع وقوف الإنسان عليها امتنع اقتداره على الحمد والشكر والثناء اللائق بها .

قسم V01/P180–V01/P181

الثاني : أن الإنسان إنما يمكنه القيام بحمد الله وشكره إذا أقدره الله تعالى على ذلك الحمد والشكر وإذا خلق في قلبه داعية إلى فعل ذلك الحمد والشكر وإذا زال عنه العوائق والحوائل فكل ذلك إنعام من الله تعالى فعلى هذا لا يمكنه القيام بشكر الله تعالى إلا بواسطة نعم عظيمة من الله تعالى عليه وتلك النعم أيضا توجب الشكر وعلى هذا التقدير : فالعبد لا يمكنه الإتيان بالشكر والحمد إلا عند الإتيان به مرارا لا نهاية لها وذلك محال والموقوف على المحال محال فكان الإنسان يمتنع منه الإتيان بحمد الله وبشكره على ما يليق به الثالث : أن الحمد والشكر ليس معناه مجرد قول القائل بلسانه الحمد لله ؛ بل معناه علم المنعم عليه بكون المنعم موصوفا بصفات الكمال والجلال وكل ما خطر ببال الإنسان من صفات الكمال والجلال فكمال الله وجلاله أعلى وأعظم من ذلك المتخيل والمتصور وإذا كان كذلك امتنع كون الإنسان آتيا بحمد الله وشكره وبالثناء عليه . الرابع : أن الاشتغال بالحمد والشكر معناه أن المنعم عليه يقابل الإنعام الصادر من المنعم بشكر نفسه وبحمد نفسه وذلك بعيد لوجوه ( أحدها ) : أن نعم الله كثيرة لا حد لها فمقابلتها بهذا الإعتقاد الواحد وبهذه اللفظة الواحدة في غاية البعد وثانيها : أن من اعتقد أن حمده وشكره يساوي نعم الله تعالى فقد أشرك وهذا معنى قول الواسطي الشكر شرك وثالثها : أن الإنسان محتاج إلى إنعام الله في ذاته وفي صفاته وفي أحواله والله تعالى غني عن شكر الشاكرين وحمد الحامدين فكيف يمكن مقابلة نعم الله بهذا الشكر وبهذا الحمد فثبت بهذه الوجوه أن العبد عاجز عن الإتيان بحمد الله وبشكره فلهذه الدقيقة لم يقل احمدوا الله بل قال الحمد لله لأنه لو قال احمدوا الله فقد كلفهم ما لا طاقة لهم به أما لما قال الحمد لله كان المعنى أن كمال الحمد حقه وملكه سواء قدر الخلق على الإتيان به أو لم يقدروا عليه ؛ ونقل أن داود عليه السلام قال

قسم V01/P181

يا رب كيف أشكرك وشكري لك لا يتم إلا بإنعامك علي وهو أن توفقني لذلك الشكر ؟ فقال : يا داود لما علمت عجزك عن شكري فقد شكرتني بحسب قدرتك وطاقتك . الفائدة الثامنة : عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : إذا أنعم الله على عبده نعمة فيقول العبد الحمد لله فيقول الله تعالى : انظروا إلى عبدي أعطيته ما لا قدر له فأعطاني ما لا قيمة له وتفسيره أن الله إذا أنعم على العبد كان ذلك الإنعام أحد الأشياء المعتادة مثل أنه كان جائعا فأطعمه أو كان عطشانا فأرواه أو كان عريانا فكساه أما إذا قال العبد الحمد لله كان معناه أن كل حمد أتى به أحد من الحامدين فهو لله وكل حمد لم يأت به أحد من الحامدين وأمكن في حكم العقل دخوله في الوجود فهو لله وذلك يدخل فيه جميع المحامد التي ذكرها ملائكة العرش والكرسي وساكنو أطباق السموات وجميع المحامد التي ذكرها جميع الأنبياء من آدم إلى محمد صلوات الله عليهم وجميع المحامد التي ذكرها جميع الأولياء والعلماء وجميع الخلق وجميع المحامد التي سيذكرونها إلى وقت قولهم : دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين [ يونس : 10 ] ثم جميع هذه المحامد متناهية وأما المحامد التي لا نهاية لها هي التي سيأتون بها أبد الآباد ودهر الداهرين فكل هذه الأقسام التي لا نهاية لها داخلة تحت قول العبد الحمد لله رب العالمين فلهذا السبب قال تعالى

قسم V01/P181–V01/P182

: انظروا إلى عبدي قد أعطيته نعمة واحدة لا قدر لها فأعطاني من الشكر ما لا حد له ولا نهاية له . أقول : ههنا دقيقة أخرى وهي أن نعم الله تعالى على العبد في الدنيا متناهية وقوله الحمد لله حمد غير متناه ومعلوم أن غير المتناهي إذا سقط منه المتناهي بقي الباقي غير متناه فكأنه تعالى يقول : عبدي ! إذا قلت الحمد لله في مقابلة تلك النعمة فالذي بقي لك من تلك الكلمة طاعات غير متناهية فلا بد من مقابلتها بنعمة غير متناهية فلهذا السبب يستحق العبد الثواب الأبدي والخير السرمدي فثبت أن قول العبد لله يوجب سعادات لا آخر لها وخيرات لا نهاية لها . الفائدة التاسعة : لا شك أن الوجود خير من العدم والدليل عليه أن كل موجود حي فإنه يكره عدم نفسه ولولا أن الوجود خير من العدم وإلا لما كان كذلك وإذا ثبت هذا فنقول وجود كل شيء ما سوى الله تعالى فإنه حصل بإيجاد الله وجوده وفضله وإحسانه وقد ثبت أن الوجود نعمة فثبت أنه لا موجود في عالم الأرواح الأجسام والعلويات والسفليات إلا ولله عليه نعمة ورحمة وإحسان والنعمة والرحمة والإحسان موجبة للحمد والشكر فإذا قال العبد الحمد لله فليس مراده الحمد لله على النعم الواصلة إلي بل المراد الحمد لله على النعم الصادرة منه وقد بينا أن إنعامه واصل إلى ما كل سواه فإذا قال العبد الحمد لله كان معناه الحمد لله على إنعامه على كل مخلوق خلقه وعلى كل محدث أحدثه من نور وظلمة وسكون وحركة وعرش وكرسي وجني وإنسي وذات وصفة وجسم وعرض إلى أبد الآباد ودهر الداهرين وأنا أشهد أنها بأسرها حقك وملكك وليس لأحد معك فيها شركة ومنازعة . الفائدة العاشرة : لقائل أن يقول : التسبيح مقدم على التحميد لأنه يقال سبحان الله والحمد لله فما السبب ههنا في وقوع البداية بالتحميد ؟ والجواب أن التحميد يدل على التسبيح دلالة التضمن فإن التسبيح يدل على كونه مبرأ في ذاته وصفاته عن النقائص والآفات والتحميد يدل مع حصول تلك الصفة على كونه محسنا إلى الخلق منعما عليهم رحيما بهم فالتسبيح إشارة إلى كونه تعالى تاما والتحميد يدل على كونه تعالى فوق التمام فلهذا السبب كان الابتداء بالتحميد أولى وهذا الوجه مستفاد من القوانين الحكمية وأما الوجه اللائق بالقوانين الأصولية فهو أن الله تعالى لا يكون محسنا بالعباد إلا إذا كان عالما بجميع المعلومات ليعلم أصناف حاجات العباد وإلا إذا كان قادرا على كل المقدورات ليقدر على تحصيل ما يحتاجون إليه وإلا إذا كان غنيا عن كل الحاجات إذ لو لم يكن كذلك لكان اشتغاله بدفع الحاجة عن نفسه يمنعه عن دفع حاجة العبد فثبت أن كونه محسنا لا يتم إلا بعد كونه منزها عن النقائص والآفات فثبت أن الابتداء بقوله الحمد لله أولى من الابتداء بقوله سبحان الله . الفائدة الحادية عشرة : الحمد لله له تعلق بالماضي وتعلق بالمستقبل أما تعلقه بالماضي فهو أنه يقع شكرا على النعم المتقدمة وأما تعلقه بالمستقبل فهو أنه يوجب تجدد النعم في الزمان المستقبل لقوله تعالى : لئن شكرتم لأزيدنكم [ إبراهيم : 7 ] والعقل أيضا يدل عليه وهو أن النعم السابقة توجب الإقدام على الخدمة والقيام بالطاعة ثم إذا اشتغل بالشكر انفتحت على العقل والقلب أبواب نعم الله تعالى وأبواب معرفته ومحبته وذلك من أعظم النعم فلهذا المعنى كان الحمد بسبب تعلقه بالماضي يغلق عنك أبواب النيران وبسبب تعلقه بالمستقبل يفتح لك أبواب الجنان فتأثيره في الماضي سد أبواب الحجاب عن الله تعالى ؛ وتأثيره في المستقبل فتح أبواب معرفة الله تعالى ولما كان لا نهاية لدرجات الله فكذلك لا نهاية للعبد في معارج معرفة الله ولا مفتاح لها إلا قولنا الحمد لله فلهذا السبب سميت سورة الحمد بسورة الفاتحة .

الأسئلة