Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

قسم V01/P182–V01/P183

الفائدة الثانية عشرة : الحمد لله كلمة شريفة جليلة لكن لا بد من ذكرها في موضعها وإلا لم يحصل المقصود منها قيل للسري السقطي : كيف يجب الإتيان بالطاعة ؟ قال : أنا منذ ثلاثين سنة أستغفر الله عن قولي مرة واحدة الحمد لله فقيل كيف ذلك ؟ قال : وقع الحريق في بغداد واحترقت الدكاكين والدور فأخبروني أن دكاني لم يحترق فقلت الحمد لله وكان معناه أني فرحت ببقاء دكاني حال احتراق دكاكين الناس وكان حق الدين والمروءة أن لا أفرح بذلك فأنا في الاستغفار منذ ثلاثين سنة عن قولي الحمد لله فثبت بهذا أن هذه الكلمة وإن كانت جليلة القدر إلا أنه يجب رعاية موضعها ثم إن نعم الله على العبد كثيرة إلا أنها بحسب القسمة الأولى محصورة في نوعين : نعم الدنيا ونعم الدين ونعم الدين أفضل من نعم الدنيا لوجوه كثيرة وقولنا الحمد لله كلمة جليلة شريفة فيجب على العاقل إجلال هذه الكلمة من أن يذكرها في مقابلة نعم الدنيا بل يجب أن لا يذكرها إلا عند الفوز بنعم الدين ثم نعم الدين قسمان : أعمال الجوارح وأعمال القلوب والقسم الثاني أشرف ثم نعم الدنيا قسمان : تارة تعتبر تلك النعم من حيث هي نعم وتارة تعتبر من حيث إنها عطية المنعم والقسم الثاني أشرف فهذه مقامات يجب اعتبارها حتى يكون ذكر قولنا الحمد لله موافقا لموضعه لائقا بسببه . الفائدة الثالثة عشرة : أول كلمة ذكرها أبونا آدم هو قوله الحمد لله وآخر كلمة يذكرها أهل الجنة هو قولنا الحمد لله أما الأول فلأنه لما بلغ الروح إلى سرته عطس فقال الحمد لله رب العالمين وأما الثاني فهو قوله تعالى وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين [ يونس : 10 ] ففاتحة العالم مبنية على الحمد وخاتمته مبنية على الحمد فاجتهد حتى يكون أول أعمالك وآخرها مقرونا بهذه الكلمة فإن الإنسان عالم صغير فيجب أن تكون أحواله موافقة لأحوال العالم الكبير . الفائدة الرابعة عشرة : من الناس من قال : تقدير الكلام قولوا الحمد لله وهذا عندي ضعيف لأن الإضمار إنما يصار إليه ليصح الكلام وهذا الإضمار يوجب فساد الكلام والذي يدل عليه وجوه : الأول : أن قوله الحمد لله إخبار عن كون الحمد حقا له وملكا له وهذا كلام تام في نفسه فلا حاجة إلى الإضمار . الثاني : أن قوله الحمد لله يدل على كونه تعالى مستحقا للحمد بحسب ذاته وبحسب أفعاله سواء حمدوه أو لم يحمدوه لأن ما بالذات أعلى وأجل مما بالغير . الثالث : ذكروا مسألة في الواقعات وهي أنه لا ينبغي للوالد أن يقول لولده اعمل كذا وكذا لأنه يجوز أن لا يمتثل أمره فيأثم بل يقول إن كذا وكذا يجب أن يفعل ثم إذا كان الولد كريما فإنه يجيب ويطيعه وإن كان عاقا لم يشافهه بالرد فيكون إثمه أقل فكذلك ههنا قال الله تعالى الحمد لله فمن كان مطيعا حمده ومن كان عاصيا إثمه أقل .

قسم V01/P183–V01/P184

الفائدة الخامسة عشرة : تمسكت الجبرية والقدرية بقوله الحمد لله ؛ أما الجبرية فقد تمسكوا به من وجوه : الأول : أن كل من كان فعله أشرف وأكمل وكانت النعمة الصادرة عنه أعلى وأفضل كان استحقاقه للحمد أكثر ولا شك أن أشرف المخلوقات هو الإيمان فلو كان الإيمان فعلا للعبد لكان استحقاق العبد للحمد أولى واجل من استحقاق الله له ولما لم يكن كذلك علمنا أن الإيمان حصل بخلق الله لا بخلق العبد الثاني : أجمعت الأمة على قولهم الحمد لله على نعمة الإيمان لو كان الإيمان فعلا للعبد وما كان فعلا لله لكان قولهم الحمد لله على نعمة الإيمان باطلا فإن حمد الفاعل على ما لا يكون فعلا له باطن قبيح لقوله تعالى : ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا [ آل عمران : 188 ] الثالث : أنا قد دللنا على أن قوله الحمد لله يدل ظاهره على أن كل الحمد لله وأنه ليس لغير الله حمد أصلا وإنما يكون كل الحمد لله لو كان كل النعم من الله والإيمان أفضل النعم فوجب أن يكون الإيمان من الله الرابع : أن قوله الحمد لله مدح منه لنفسه ومدح النفس مستقبح فيما بين الخلق فلما بدأ كتابة بمدح النفس دل ذلك على أن حاله بخلاف حال الخلق وأنه يحسن من الله ما يقبح من الخلق وذلك يدل على أنه تعالى مقدس عن أن تقاس أفعاله على أفعال الخلق فقد تقبح أشياء من العباد ولا تقبح تلك الأشياء من الله تعالى وهذا يهدم أصول الاعتزال بالكلية . والخامس : أن عند المعتزلة أفعاله تعالى يجب أن تكون حسنة ويجب أن تكون لها صفة زائدة على الحسن وإلا كانت عبثا وذلك في حقه محال والزائدة على الحسن إما أن تكون واجبة وإما أن تكون من باب التفضل : أما الواجب فهو مثل إيصال الثواب والعوض إلى المكلفين وأما الذي يكون من باب التفضل : أما الواجب فهو مثل إيصال الثواب والعوض إلى المكلفين وأما الذي يكون باب التفضل فهو مثل أنه يزيد على قدر الواجب على سبيل الإحسان فنقول : هذا يقدح في كونه تعالى مستحقا للحمد ويبطل صحة قولنا الحمد لله وتقريره أن نقول : أما أداء الواجبات فإنه لا يفيد استحقاق الحمد ألا ترى أن من كان له على غيره دين دينار فأداه فإنه لا يستحق الحمد فلو وجب على الله فعل لكان ذلك الفعل مخلصا له عن الذم ولا يوجب استحقاقه للحمد وأما فعل التفضل فعند الخصم أنه يستفيد بذلك مزيد حمد لأنه لو لم يصدر عنه ذلك الفعل لما حصل له ذلك الحمد وإذا كان كذلك كان ناقصا لذاته مستكملا بغيره وذلك يمنع من كونه تعالى مستحقا للحمد والمدح .

قسم V01/P184

السادس : قوله الحمد لله يدل على أنه تعالى محمود فنقول : استحقاقه الحمد والمدح إما أن يكون أمرا ثابتا له لذاته أو ليس ثابتا لذاته فإن كان الأول امتنع أن يكون شيء من الأفعال موجبا له استحقاق المدح لأن ما ثبت لذاته امتنع ثبوته لغيره وامتنع أيضا أن يكون شيء من الأفعال موجبا له استحقاق الذم لأن ما ثبت لذاته امتنع ارتفاعه بسبب غيره وإذا كان كذلك لم يتقرر في حقه تعالى وجوب شيء عليه فوجب أن لا يجب للعباد عليه شيء من الأعواض والثواب وذلك يهدم أصول المعتزلة وأما القسم الثاني - وهو أن يكون استحقاق الحمد لله ليس ثابتا له لذاته - فنقول : فيلزم أن يكون ناقصا لذاته مستكملا بغيره وذلك على الله محال أما المعتزلة فقالوا : إن قوله الحمد لله لا يتم إلا على قولنا لأن المستحق للحمد على الإطلاق هو الذي لا قبيح في فعله ولا جور في أقضيته ولا ظلم في أحكامه وعندنا أن الله تعالى كذلك فكان مستحقا لأعظم المحامد والمدائح أما على مذهب الجبرية لا قبيح إلا وهو فعله ولا جور إلا وهو حكمه ولا عبث إلا وهو صنعه لأنه يخلق الكفر في الكافر ثم يعذبه عليه ويؤلم الحيوانات من غير أن يعوضها فكيف يعقل على هذا التقدير كونه مستحقا للحمد ؟ وأيضا فذلك الحمد الذي يستحقه الله تعالى بسبب الإلهية إما أن يستحقه على العبد أو على نفسه فإن كان الأول وجب كون العبد قادرا على الفعل وذلك يبطل القول بالجبر وإن كان الثاني كان معناه أن الله يجب عليه أن يحمد نفسه وذلك باطل قالوا : فثبت أن القول بالحمد لله لا يصح إلا على قولنا . الفائدة السادسة عشرة : اختلفوا في أن وجوب الشكر ثابت بالعقل أو بالسمع ؛ من الناس من قال : إنه ثابت بالسمع لقوله تعالى : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [ الإسراء : 15 ] ولقوله تعالى : رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [ النساء : 165 ] ومنهم من قال إنه ثابت قبل مجيء الشرع وبعد مجيئه على الإطلاق والدليل عليه قوله تعالى : الحمد لله وبيانه من وجوه : الأول : أن قوله الحمد لله يدل أن هذا الحمد حقه وملكه على الإطلاق وذلك يدل على ثبوت هذا الاستحقاق قبل مجيء الشرع . الثاني : أنه تعالى قال : الحمد لله رب العالمين وقد ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف فههنا أثبت الحمد لنفسه ووصف نفسه بكونه تعالى ربا للعالمين رحمانا رحيما بهم مالكا لعاقبة أمرهم في القيامة فهذا يدل على أن استحقاق الحمد إنما يحصل لكونه تعالى مربيا لهم رحمانا رحيما بهم وإذا كان كذلك ثبت أن اسحقاق الحمد ثابت لله تعالى في كل الأوقات سواء كان قبل مجيء النبي أو بعده . الفائدة السابعة عشرة : يجب علينا أن نبحث عن حقيقة الحمد وماهيته فنقول : تحميد الله تعالى ليس عبارة عن قولنا الحمد لله لأن قولنا الحمد لله إخبار عن حصول الحمد والإخبار عن الشيء مغاير للمخبر عنه فوجب أن يكون تحميد الله مغايرا لقولنا الحمد لله فنقول : حمد المنعم عبارة عن كل فعل يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه منعما .

قسم V01/P184–V01/P185

وذلك الفعل إما أن يكون فعل القلب أو فعل اللسان أو فعل الجوارح أما فعل القلب فهو أن يعتقد فيه كونه موصوفا بصفات الكمال والإجلال وأما فعل اللسان فهو أن يذكر ألفاظا دالة على كونه موصوفا بصفات الكمال وأما فعل الجوارح فهو أن يأتي بأفعال دالة على كون ذلك المنعم موصوفا بصفات الكمال والإجلال فهذا هو المراد من الحمد واعلم أن أهل العلم افترقوا في هذا المقام فريقين : الفريق الأول : الذين قالوا إنه لا يجوز أن يأمر الله عبيده بأن يحمدوه واحتجوا عليه بوجوه : الأول : أن ذلك التحميد إما أن يكون بناء على إنعام وصل إليهم أولا وبناء عليه فالأول باطل لأن هذا يقتضي أنه تعالى طلب منهم على إنعامه جزاء ومكافأة وذلك يقدح في كمال الكرم فإن الكريم إذا أنعم لم يطلب المكافأة وأما الثاني فهو إتعاب للغير ابتداء وذلك يوجب الظلم . الثاني : قالوا الاشتغال بهذا الحمد متعب للحامد وغير نافع للمحمود لأنه كامل لذاته والكامل لذاته يستحيل أن يستكمل بغيره فثبت أن الاشتغال بهذا التحميد عبث وضرر فوجب أن لا يكون مشروعا . الثالث : أن معنى الإيجاب هو أنه لو لم يفعل لاستحق العقاب فإيجاب حمد الله تعالى معناه أنه قال لو لم تشتغل بهذا الحمد لعاقبتك وهذا الحمد لا نفع له في حق الله فكان معناه أن هذا الفعل لا فائدة فيه لأحد ولو تركته لعاقبتك أبد الآباد وهذا لا يليق بالحكم الكريم . الفريق الثاني : قالوا الاشتغال بحمد الله سوء أدب من وجوه : الأول : أنه يجري مجرى مقابلة إحسان الله بذلك الشكر القليل والثاني : أن الاشتغال بالشكر لا يتأتى إلا مع استحضار تلك النعم في القلب واشتغال القلب بالنعم يمنعه من الاستغراق في معرفة المنعم . الثالث : أن الثناء على الله تعالى عند وجدان النعمة يدل على أنه إنما أثنى عليه لأجل الفوز بتلك النعم وذلك يدل على أن مقصوده من العبادة والحمد والثناء الفوز بتلك النعم وهذا الرجل في الحقيقة معبوده ومطلوبه إنما هو تلك النعمة وحظ النفس وذلك مقام نازل والله أعلم . <

قسم V01/P185–V01/P186

> الفصل الثاني < > < > في تفسير قوله رب العالمين وفيه فوائد الفائدة الأولى : اعلم أن الموجود إما أن يكون واجبا لذاته وإما أن يكون ممكنا لذاته أما الواجب لذاته فهو الله تعالى فقط وأما الممكن لذاته فهو كل ما سوى الله تعالى وهو العالم لأن المتكلمين قالوا : العالم كل موجود سوى الله وسبب تسمية هذا القسم بالعالم أن وجود كل شيء سوى الله يدل على وجود الله تعالى فلهذا السبب سمي كل موجود سوى الله بأنه عالم . إذا عرفت هذا فنقول : كل ما سوى الله تعالى إما أن يكون متحيزا وإما أن يكون صفة للمتحيز وإما أن لا يكون متحيزا ولا صفة للمتحيز فهذه أقسام ثلاثة : القسم الأول المتحيز : وهو إما أن يكون قابلا للقسمة أو لا يكون فإن كان قابلا للقسمة فهو الجسم وإن لم يكن كذلك فهو الجوهر الفرد ؛ أما الجسم فإما أن يكون من الأجسام العلوية أو من الأجسام السفلية ؛ أما الأجسام العلوية فهي الأفلاك والكواكب وقد ثبت بالشرع أشياء أخر سوى هذين القسمين مثل العرش والكرسي وسدرة المنتهى واللوح والقلم والجنة وأما الأجسام السفلية فهي إما بسيطة أو مركبة : أما البسيطة فهي العناصر الأربعة : وأحدها : كرة الأرض بما فيها من المفاوز والجبال والبلاد المعمورة وثانيها : كرة الماء وهي البحر المحيط وهذه الأبحر الكبيرة الموجودة في هذا الربع المعمور وما فيه من الأودية العظيمة التي لا يعلم عددها إلا الله تعالى وثالثها : كرة الهواء ورابعها : كرة النار . وأما الأجسام المركبة فهي النبات والمعادن والحيوان على كثرة أقسامها وتباين أنواعها وأما القسم الثاني - وهو الممكن الذي يكون صفة للمتحيزات - فهي الأعراض والمتكلمون ذكروا ما يقرب من أربعين جنسا من أجناس الأعراض . أما الثالث - وهو الممكن الذي لا يكون متحيزا ولا صفة للمتجيز - فهو الأرواح وهي إما سفلية وإما علوية : أما السفلية فهي إما خيرة وهم صالحو الجن وإما شريرة خبيثة وهي مردة الشياطين . والأرواح العلوية إما متعلقة بالأجسام وهي الأرواح الفلكية وإما غير متعلقة بالأجسام وهي الأرواح المطهرة المقدسة فهذا هو الإشارة إلى تقسيم موجودات العالم ولو أن الإنسان كتب ألف ألف مجلد في شرح هذه الأقسام لما وصل إلى أقل مرتبة من مراتب هذه الأقسام إلا أنه لما ثبت أن واجب الوجود لذاته واحد ثبت أن كل ما سواه ممكن لذاته فيكون محتاجا في وجوده إلى إيجاد الواجب لذاته وأيضا ثبت أن الممكن حال بقائه لا يستغني عن المتبقي والله تعالى إله العالمين من حيث إنه هو الذي أخرجها من العدم إلى الوجود وهو رب العالمين من حيث إنه هو الذي يبقيها حال دوامها واستقرارها وإذا عرفت ذلك ظهر عندك شيء قليل من تفسير قوله الحمد لله رب العالمين وكل من كان أكثر إحاطة بأحوال هذه الأقسام الثلاثة كان أكثر وقوفا على تفسير قوله رب العالمين . الفائدة الثانية : المربي على قسمين أحدهما : أن يربي شيئا ليربح عليه المربي والثاني : أن يربيه ليربح المربي وتربية كل الخلق على القسم الأول لأنهم إنما يربون غيرهم ليربحوا عليه إما ثوابا أو ثناء والقسم الثاني هو الحق سبحانه كما قال : خلقتكم لتربحوا علي لا لأربح عليكم فهو تعالى يربي ويحسن وهو بخلاف سائر المربين وبخلاف سائر المحسنين . واعلم أن تربيته تعالى مخالفة لتربية غيره وبيانه من وجوه : الأول : ما ذكرناه أنه تعالى يربي عبيده لا لغرض نفسه بل لغرضهم وغيره يربون لغرض أنفسهم لا لغرض غيرهم الثاني : أن غيره إذا ربى فبقدر تلك التربية يظهر النقصان في خزائنه وفي ماله وهو تعالى متعال عن النقصان والضرر كما قال تعالى : ^ { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } ^ [ الحجر : 21 ] . الثالث : أن غيره من المحسنين إذا ألح الفقير عليه أبغضه وحرمه ومنعه والحق تعالى بخلاف ذلك كما قال عليه الصلاة والسلام

قسم V01/P186–V01/P187

: إن الله تعالى يحب الملحين في الدعاء . الرابع : أن غيره من المحسنين ما لم يطلب منه الإحسان لم يعط أما الحق تعالى فأنه يعطي قبل السؤال ترى أنه رباك حال ما كنت جنينا في رحم الأم وحال ما كنت جاهلا غير عاقل لا تحسن أن تسأل منه ووقاك وأحسن إليك مع أنك ما سألته وما كان لك عقل ولا هداية . الخامس أن غيره من المحسنين ينقطع إحسانه إما بسبب الفقر أو الغيبة أو الموت والحق تعالى لا ينقطع إحسانه البتة السادس : أن غيره من المحسنين يختص إحسانه بقوم دون قوم ولا يمكنه التعميم أما الحق تعالى فقد وصل تربيته وإحسانه إلى الكل كما قال ^ { ورحمتي وسعت كل شيء } ^ [ الأعراف : 156 ] فثبت أنه تعالى رب العالمين ومحسن إلى الخلائق أجمعين فلهذا قال تعالى في حق نفسه الحمد لله رب العالمين . الفائدة الثالثة : أن الذي يحمد ويمدح ويعظم في الدنيا إنما يكون كذلك لأحد وجوه أربعة : إما لكونه كاملا في ذاته وفي صفاته منزها عن جميع النقائص والآفات وإن لم يكن منه إحسان إليك وإما لكونه محسنا إليك ومنعما عليك وإما لأنك ترجو وصول إحسانه إليك في المستقبل من الزمان وإما لأجل انك تكون خائفا من قهره وقدرته وكمال سطوته فهذه الحالات هي الجهات الموجبة للتعظيم فكأنه سبحانه وتعالى يقول : إن كنتم ممن يعظمون الكمال الذاتي فاحمدوني فإني إله العالمين وهو المراد من قوله الحمد لله وإن كنتم ممن تعظمون الإحسان فأنا رب العالمين وإن كنتم تعظمون للطمع في المستقبل فأنا الرحمن الرحيم وإن كنتم تعظمون للخوف فأنا مالك يوم الدين . الفائدة الرابعة : وجوه تربية الله للعبد كثيرة غير متناهية ونحن نذكر منها أمثلة : المثال الأول : لما وقعت قطرة النطفة من صلب الأب إلى رحم الأم فانظر كيف أنها صارت علقة أولا ثم مضغة ثانيا ثم تولدت منها أعضاء مختلفة مثل العظام والغضاريف والرباطات والأوتار والأوردة والشرايين ثم اتصل البعض بالبعض ثم حصل في كل واحد منها نوع خاص من أنواع القوى فحصلت القوة الباصرة في العين والسامعة في الأذن والناطقة في اللسان فسبحان من أسمع بعظم وبصر بشحم وأنطق بلحم . واعلم أن كتاب التشريح لبدن الإنسان مشهور وكل ذلك يدل على تربية الله تعالى للعبد . المثال الثاني : أن الحبة الواحدة إذا وقعت في الأرض فإذا وصلت نداوة الأرض إليها انتفخت ولا تنشق من شيء من الجوانب إلا من أعلاها وأسفلها مع أن الانتفاخ حاصل من جميع الجوانب : أما الشق الأعلى فيخرج منه الجزء الصاعد من الشجرة ؛ وأما الشق الأسفل فيخرج منه الجزء الغائص في الأرض وهو عروق الشجرة فأما الجزء الصاعد فبعد صعوده يحصل له ساق ثم ينفصل من ذلك الساق أغصان كثيرة ثم يظهر على تلك الأغصان الأنوار أولا ثم الثمار ثانيا ويحصل لتلك الثمار أجزاء مختلفة بالكثافة واللطافة وهي القشور ثم اللبوب ثم الأدهان وأما الجزء الغائص من الشجرة فإن تلك العروق تنتهي إلى أطرافها ؛ وتلك الأطراف تكون في اللطافة كأنها مياه منعقدة ومع غاية لطافتها فإنها تغوص في الأرض الصلبة الخشنة وأودع الله فيها قوى جاذبة تجذب الأجزاء اللطيفة من الطين إلى نفسها والحكمة في كل هذه التدبيرات تحصيل ما يحتاج العبد إليه من الغذاء والأدام والفواكه والأشربة والأدوية كما قال تعالى : أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا [ عبس : 25 ] الآيات .

قسم V01/P187–V01/P188

المثال الثالث : أنه وضع الأفلاك والكواكب بحيث صارت أسبابا لحصول مصالح العباد فخلق الليل ليكون سببا للراحة والسكون وخلق النهار ليكون سببا للمعاش والحركة هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب [ يونس : 5 ] ما خلق الله ذلك إلا بالحق وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر [ الأنعام : 97 ] واقرأ قوله : ^ { ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا - إلى آخر الآية } ^ [ النبأ : 6 ] واعلم انك إذا تأملت في عجائب أحوال المعادن والنبات والحيوان وآثار حكمة الرحمن في خلق الإنسان قضى صريح عقلك بأن أسباب تربية الله كثيرة ودلائل رحمته لائحة ظاهرة وعند ذلك يظهر لك قطرة من بحار أسرار قوله الحمد لله رب العالمين . الفائدة الخامسة : أضاف الحمد إلى نفسه فقال تعالى الحمد لله ثم أضاف نفسه إلى العالمين والتقدير : إني أحب الحمد فنسبته إلى نفسي بكونه ملكا ثم لما ذكرت نفسي عرفت نفسي بكوني ربا للعالمين ومن عرف ذاتا بصفة فإنه يحاول ذكر أحسن الصفات وأكملها وذلك يدل على أن كونه ربا للعالمين أكمل الصفات والأمر كذلك ؛ لأن أكمل المراتب أن يكون تاما وفوق التمام فقولنا الله يدل على كونه واجب الوجود لذاته في ذاته وبذاته وهو التمام وقوله رب العالمين معناه أن وجود كل ما سواه فائض عن تربيته وإحسانه وجوده وهو المراد من قولنا أنه فوق التمام . الفائدة السادسة : أنه يملك عبادا غيرك كما قال وما يعلم جنود ربك إلا هو [ المدثر : 31 ] وأنت ليس لك رب سواه ثم إنه يربيك كأنه ليس له عبد سواك وأنت تخدمه كان لك ربا غيره فما أحسن هذه التربية أليس أنه يحفظك في النهار عن الآفات من غير عوض وبالليل عن المخافات من غير عوض ؟ واعلم أن الحراس يحرسون الملك كل ليلة فهل يحرسونه عن لدغ الحشرات وهل يحرسونه عن أن تنزل به البليات ؟ أما الحق تعالى فإنه يحرسه من الآفات ويصونه من المخافات ؛ بعد أن كان قد زج أول الليل في أنواع المحظورات وأقسام المحرمات والمنكرات فما أكبر هذه التربية وما أحسنها أليس من التربية أنه صلى الله عليه وسلم قال

قسم V01/P188

: الآدمي بنيان الرب ملعون من هدم بنيان الرب ؛ فلهذا المعنى قال تعالى قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن [ الأنبياء : 42 ] ما ذاك إلا الملك الجبار والواحد القهار ومقلب القلوب والأبصار والمطلع على الضمائر والأسرار . الفائدة السابعة : قالت القدرية : إنما يكون تعالى ربا للعالمين ومربيا لهم لو كان محسنا إليهم دافعا للمضار عنهم أما إذا خلق الكفر في الكافر ثم يعذبه عليه ؛ ويأمر بالإيمان ثم يمنعه منه ؛ لم يكن ربا ولا مربيا بل كان ضارا ومؤذيا وقالت الجبرية : إنما سيكون ربا ومربيا لو كانت النعمة صادرة منه والألطاف فائضة من رحمته ولما كان الإيمان أعظم النعم وأجلها وجب أن يكون حصولها من الله تعالى ليكون ربا للعالمين إليهم محسنا بخلق الإيمان فيهم . الفائدة الثامنة : قولنا الله أشرف من قولنا رب على ما بينا ذلك بالوجوه الكثيرة في تفسير أسماء الله تعالى ثم إن الداعي في أكثر الأمر يقول : يا رب يا رب والسبب فيه النكت والوجوه المذكورة في تفسير أسماء الله تعالى فلا نعيدها . < > الفصل الثالث < > < > في تفسير قوله الرحمن الرحيم وفيه فوائد < > < < الفاتحة : ( 3 ) الرحمن الرحيم > > الفائدة الأولى : الرحمن : هو المنعم بما لا يتصور صدور جنسه من العباد والرحيم : هو المنعم بما يتصور جنسه من العباد حكي عن إبراهيم بن أدهم أنه قال كنت ضيفا لبعض القوم فقدم المائدة فنزل غراب وسلب رغيفا فاتبعته تعجبا فنزل في بعض التلال وإذا هو برجل مقيد مشدود اليدين فألقى الغراب ذلك الرغيف على وجهه .

قسم V01/P188–V01/P189

وروي عن ذي النون أنه قال : كنت في البيت إذ وقعت ولولة في قلبي وصرت بحيث ما ملكت نفسي فخرجت من البيت وانتهيت إلى شط النيل فرأيت عقربا قويا يعدو فتبعته فوصل إلى طرف النيل فرأيت ضفدعا واقفا على طرف الوادي فوثب العقرب على ظهر الضفدع واخذ الضفدع يسبح ويذهب فركبت السفينة وتبعته فوصل الضفدع إلى الطرف الآخر من النيل ونزل العقرب من ظهره واخذ يعدو فتبعته فرأيت شابا نائما تحت شجرة ورأيت أفعى يقصده فلما قربت الأفعى من ذلك الشاب وصل العقرب إلى الأفعى فوثب العقرب على الأفعى فلدغه والأفعى أيضا لدغ العقرب فماتا معا وسلم الإنسان منهما . ويحكى أن ولد الغراب كما يخرج من قشر البيضة يخرج من غير ريش فيكون كأنه قطعة لحم أحمر والغراب يفر منه ولا يقوم بتربيته ثم إن البعوض يجتمع عليه لأنه يشبه قطعة لحم ميت فإذا وصلت البعوض إليه التقم تلك البعوض واغتذى بها ولا يزال على هذه الحال إلى أن يقوى وينبت ريشه ويخفى لحمه تحت ريشه فعند ذلك تعود أمه إليه ولهذا السبب جاء في أدعية العرب : يا رزاق النعاب في عشه فظهر بهذه الأمثلة أن فضل الله عام وإحسانه شامل ورحمته واسعة . واعلم أن الحوادث على قسمين : منه ما يظن أنه رحمة مع أنه لا يكون كذلك بل يكون في الحقيقة عذابا ونقمة ومنه ما يظن في الظاهر أنه عذاب ونقمة مع أنه يكون في الحقيقة فضلا وإحسانا ورحمة . أما القسم الأول : فالوالد إذا أهمل ولده حتى يفعل ما يشاء ولا يؤدبه ولا يحمله على التعلم فهذا في الظاهر رحمة وفي الباطن نقمة . وأما القسم الثاني كالوالد إذا حبس ولده في المكتب وحمله على التعلم فهذا في الظاهر نقمة وفي الحقيقة رحمة وكذلك الإنسان إذا وقع في يده الآكلة فإذا قطعت تلك اليد فهذا في الظاهر عذاب وفي الباطن راحة ورحمة فالأبله يغتر بالظواهر والعاقل ينظر في السرائر . إذا عرفت هذا فكل ما في العالم من محنة وبلية وألم ومشقة فهو وإن كان عذابا وألما في الظاهر إلا أنه حكمة ورحمة في الحقيقة وتحقيقه ما قيل في الحكمة : إن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير فالمقصود من التكاليف تطهير الأرواح عن العلائق الجسدانية كما قال تعالى إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم [ الإسراء : 7 ] والمقصود من خلق النار صرف الأشرار إلى أعمال الأبرار وجذبها من دار الفرار إلى دار القرار كما قال تعالى : ففروا إلى الله [ الذاريات : 50 ] وأقرب مثال لهذا الباب قصة موسى والخضر عليهما السلام فإن موسى كان يبني الحكم عن ظواهر الأمور فاستنكر تخريق السفينة وقتل الغلام وعمارة الجدار المائل وأما الخضر فإنه كان يبني أحكامه على الحقائق والأسرار فقال : أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك [ الكهف : 79 ] فظهر بهذه القصة أن الحكيم المحقق هو الذي يبني أمره على الحقائق لا على الظاهر فإذا رأيت ما يكرهه طبعك وينفر عنه عقلك فاعلم أن تحته أسرارا خفية وحكما بالغة وأن حكمته ورحمته اقتضت ذلك وعند ذلك يظهر لك أثر من بحار أسرار قوله الرحمن الرحيم . الفائدة الثانية : الرحمن : اسم خاص بالله والرحيم : ينطلق عليه وعلى غيره . فإن قيل : فعلى هذا الرحمن أعظم فلم ذكر الأدنى بعد ذكر الأعلى ؟

قسم V01/P189

والجواب : لأن الكبير العظيم لا يطلب منه الشيء الحقير اليسير حكي أن بعضهم ذهب إلى بعض الأكابر فقال : جئتك لمهم يسير فقال : اطلب للمهم اليسير رجلا يسيرا كأنه تعالى يقول : لو اقتصرت على ذكر الرحمن لاحتشمت عني ولتعذر عليك سؤال الأمور اليسيرة ولكن كما علمتني رحمانا تطلب مني الأمور العظيمة فأنا أيضا رحيم ؛ فاطلب مني شراك نعلك وملح قدرك كما قال تعالى لموسى

قسم V01/P189–V01/P190

: يا موسى سلني عن ملح قدرك وعلف شاتك . الفائدة الثالثة : وصف نفسه بكونه رحمانا رحيما ثم إنه أعطى مريم عليها السلام رحمة واحدة حيث قال ورحمة منا وكان أمرا مقضيا [ مريم : 21 ] فتلك الرحمة صارت سببا لنجاتها من توبيخ الكفار الفجار ثم إنا نصفه كل يوم أربعة وثلاثين مرة أنه رحمن وأنه رحيم وذلك لأن الصلوات سبع عشرة ركعة ويقرأ لفظ الرحمن الرحيم في كل ركعة مرتين مرة في بسم الله الرحمن الرحيم ومرة في قوله الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم فلما صار ذكر الرحمة مرة واحدة سببا لخلاص مريم عليها السلام عن المكروهات أفلا يصير ذكر الرحمة هذه المرات الكثيرة طول العمر سببا لنجاة المسلمين من النار والعار والدمار ؟ الفائدة الرابعة : أنه تعالى رحمن لأنه يخلق ما لا يقدر العبد عليه رحيم لأنه يفعل ما لا يقدر العبد على جنسه فكأنه تعالى يقول : أنا رحمن لأنك تسلم إلي نطفة مذرة فأسلمها إليك صورة حسنة كما قال تعالى : وصوركم فأحسن صوركم [ غافر : 64 ] وأنا رحيم لأنك تسلم إلي طاعة ناقصة فأسلم إليك جنة خالصة . الفائدة الخامسة : روي أن فتى قربت وفاته واعتقل لسانه عن شهادة أن لا إله إلا الله فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه به فقام ودخل عليه وجعل يعرض عليه الشهادة وهو يتحرك ويضطرب ولا يعمل لسانه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما كان يصلي ؟ أما كان يصوم ؟ أما كان يزكي ؟ فقالوا : بلى فقال هل عق والديه ؟ فقالوا بلى فقال عليه السلام : هاتوا بأمه فجاءت وهي عجوز عوراء فقال عليه السلام : هلا عفوت عنه فقالت : لا أعفو لأنه لطمني ففقأ عيني فقال عليه السلام : هاتوا بالحطب والنار فقالت وما تصنع بالنار ؟ فقال عليه السلام : أحرقه بالنار بين يديك جزاء لما عمل بك فقالت عفوت عفوت أللنار حملته تسعة أشهر ؟ أللنار أرضعته سنتين ؟ فأين رحمة الأم ؟ فعند ذلك انطلق لسانه وذكر أشهد أن لا إله إلا الله والنكتة أنها كانت رحيمة وما كانت رحمانة فلأجل ذلك القدر القليل من الرحمة ما جوزت الإحراق بالنار فالرحمن الرحيم الذي لم يتضرر بجنايات عبيده مع عنايته بعباده كيف يستجيز أن يحرق المؤمن الذي واظب على شهادة أن لا إله إلا الله سبعين سنة بالنار ؟ الفائدة السادسة : لقد اشتهر أن النبي عليه السلام لما كسرت رباعيته قال : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون فظهر أنه يوم القيامة يقول : أمتي أمتي فهذا كرم عظيم منه في الدنيا وفي الآخرة وإنما حصل فيه هذا الكرم وهذا الإحسان لكونه رحمة كما قال تعالى : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [ الأنبياء : 107 ] فإن كان أثر الرحمة والواحدة هذا المبلغ فكيف كرم من هو رحمن رحيم ؟ وأيضا روي أنه عليه السلام قال

قسم V01/P190–V01/P191

: اللهم اجعل حساب أمتي على يدي ثم إنه امتنع عن الصلاة على الميت لأجل أنه كان مديونا بدرهمين وأخرج عائشة عن البيت بسبب الإفك فكأنه تعالى قال له إن لك رحمة واحدة وهي قوله وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [ الأنبياء : 107 ] والرحمة الواحدة لا تكفي في إصلاح المخلوقات فذرني وعبيدي واتركني وأمتك فإني أنا الرحمن الرحيم فرحمتي لا نهاية لها ومعصيتهم متناهية والمتناهي في جنب غير المتناهي يصير فانيا فلا جرم معاصي جميع الخلق تفنى في بحار رحمتي لأني أنا الرحمن الرحيم . الفائدة السابعة : قالت القدرية : كيف يكون رحمانا رحيما من خلق الخلق للنار ولعذاب الأبد ؟ وكيف يكون رحمانا رحيما من يخلق الكفر في الكافر ويعذبه عليه ؟ وكيف يكون رحمانا رحيما من أمر بالإيمان ثم صد ومنع عنه ؟ وقالت الجبرية : أعظم أنواع النعمة والرحمة هو الإيمان فلو لم يكن الإيمان من الله بل كان من العبد لكان اسم الرحمن الرحيم بالعبد أولى منه بالله والله أعلم . < > الفصل الرابع < > < > في تفسير قوله مالك يوم الدين وفيه فوائد < > < < الفاتحة : ( 4 ) مالك يوم الدين > > الفائدة الأولى : قوله مالك يوم الدين أي مالك يوم البعث والجزاء وتقريره أنه لا بد من الفرق بين المحسن والمسيء والمطيع والعاصي والموافق والمخالف وذلك لا يظهر إلا في يوم الجزاء كما قال تعالى ^ { ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } ^ [ النجم : 31 ] وقال تعالى : أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار [ ص : 8 ] وقال إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى [ طه : 15 ] واعلم أن من سلط الظالم على المظلوم ثم إنه لا ينتقم منه فذاك إما للعجز أو للجهل أو لكونه راضيا بذلك الظلم وهذه الصفات الثلاث على الله تعالى محال فوجب أن ينتقم للمظلومين من الظالمين ولما لم يحصل هذا الانتقام في دار الدنيا وجب أن يحصل في دار الأخرى بعد دار الدنيا وذلك هو المراد بقوله : مالك يوم الدين وبقوله : ^ { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره - الآية } ^ [ الزلزلة : 7 ] روي أنه يجاء برجل يوم القيامة فينظر في أحوال نفسه فلا يرى لنفسه حسنة البتة فيأتيه النداء يا فلان ادخل الجنة بعملك فيقول : إلهي ماذا عملت ؟ فيقول الله تعالى ألست لما كنت نائما تقلبت من جنب إلى جنب ليلة كذا فقلت في خلال ذلك الله ثم غلبك النوم في الحال فنسيت ذلك أما أنا فلا تأخذني سنة ولا نوم فما نسيت ذلك وأيضا يؤتى برجل وتوزن حسناته وسيئاته فتخف حسناته فتأتيه بطاقة فتثقل ميزانه فإذا فيها شهادة أن لا إله إلا الله فلا يثقل مع ذكر الله غيره . واعلم أن الواجبات على قسمين : حقوق الله تعالى وحقوق العباد . أما حقوق الله تعالى فمبناها على المسامحة لأنه تعالى غني عن العالمين وأما حقوق العباد فهي التي يجب الاحتراز عنها .

قسم V01/P191–V01/P192

روي أن أبا حنيفة رضي الله عنه كان له على بعض المجوس مال فذهب إلى داره ليطالبه به فلما وصل إلى باب داره وقع على نعله نجاسة فنفض نعله فارتفعت النجاسة عن نعله ووقعت على حائط دار المجوسي فتحير أبو حنيفة وقال : إن تركتها كان ذلك سببا لقبح جدار هذا المجوسي وإن حككتها انحدر التراب من الحائط فدق الباب فخرجت الجارية فقال لها : قولي لمولاك أن أبا حنيفة بالباب فخرج إليه وظن أنه يطالبه بالمال فأخذ يعتذر فقال أبو حنيفة رضي الله عنه : ههنا ما هو أولى وذكر قصة الجدار وأنه كيف السبيل إلى تطهيره فقال المجوسي : فأنا أبدأ بتطهير نفسي فأسلم في الحال والنكتة فيه أن أبا حنيفة لما احترز عن ظلم المجوسي في ذلك القدر القليل من الظلم فلأجل تركه ذلك انتقل المجوسي من الكفر إلى الإيمان فمن احترز عن الظلم كيف يكون حاله عند الله تعالى . الفائدة الثانية : اختلف القراء في هذه الكلمة فمنهم من قرأ مالك يوم الدين ومنهم من قرأ ملك يوم الدين . حجة من قرأ مالك وجوه : الأول : أن فيه حرفا زائدا فكانت قراءته أكثر ثوابا . الثاني أنه يحصل في القيامة ملوك كثيرون . أما المالك الحق ليوم الدين فليس إلا الله الثالث : المالك قد يكون ملكا وقد لا يكون كما أن الملك قد يكون مالكا وقد لا يكون فالملكية والمالكية قد تنفك كل واحدة منهما عن الأخرى إلا أن المالكية سبب لإطلاق التصرف والملكية ليست كذلك فكان المالك أولى . الرابع : أن الملك ملك للرعية والمالك مالك للعبيد والعبد أدون حالا من الرعية فوجب أن يكون القهر في المالكية أكثر منه في الملكية فوجب أن يكون المالك أعلى حالا من الملك الخامس : أن الرعية يمكنهم إخراج أنفسهم عن كونهم رعية لذلك الملك باختيار أنفسهم أما المملوك فلا يمكنه إخراج نفسه عن كونه مملوكا لذلك المالك باختيار نفسه فثبت أن القهر في المالكية أكمل منه في الملكية . السادس : أن الملك يجب عليه رعاية حال الرعية قال عليه الصلاة والسلام

قسم V01/P192–V01/P193

: كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ولا يجب على الرعية خدمة الملك . أما المملوك فإنه يجب عليه خدمة المالك وأن لا يستقل بأمر إلا بإذن مولاه حتى إنه لا يصح منه القضاء والإمامة والشهادة وإذا نوى مولاه السفر يصير هو مسافرا وإن نوى مولاه الإقامة صار هو مقيما ؛ فعلمنا أن الانقياد والخضوع في المملوكية أتم منه في كونه رعية فهذه هي الوجوه الدالة على أن المالك أكمل من الملك . وحجة من قال إن الملك أولى من المالك وجوه : الأول : أن كل واحد من أهل البلد يكون مالكا أما الملك لا يكون إلا أعظم الناس وأعلاهم فكان الملك أشرف من المالك . الثاني : أنهم أجمعوا على أن قوله تعالى : قل أعوذ برب الناس ملك الناس [ الناس : 1 ] لفظ الملك فيه متعين ولولا أن الملك أعلى حالا من المالك وإلا لم يتعين الثالث : الملك أولى لأنه أقصر والظاهر أنه يدرك من الزمان ما تذكر فيه هذه الكلمة بتمامها بخلاف المالك فإنها أطول فاحتمل أن لا يجد من الزمان ما يتم فيه هذه الكلمة هكذا نقل عن أبي عمرو وأجاب الكسائي بأن قال : إني أشرع في ذكر هذه الكلمة فإن لم أبلغها فقد بلغتها حيث عزمت عليها نظيره في الشرعيات من نوى صوم الغد قبل غروب الشمس من اليوم في أيام رمضان لا يجزيه لأنه في هذا اليوم مشتغل بصوم هذا اليوم فإذا نوى صوم الغد كان ذلك تطويلا للأمل أما إذا نوى بعد غروب الشمس فإنه لا يجزيه ؛ لأنه وإن كان ذلك تطويلا للأمل إلا أنه خرج عن الصوم بسبب غروب الشمس ويجوز أن يموت في تلك الليلة فيقول : إن لم أبلغ إلى اليوم فلا أقل من أكون على عزم الصوم كذا ههنا يشرع في ذكر قوله مالك فإن تممها فذاك وإن لم يقدر على إتمامها كان عازما على الإتمام وهو المراد . ثم نقول : إنه يتفرع على كونه ملكا أحكام وعلى كونه مالكا أحكام أخر . أما الأحكام المتفرعة على كونه ملكا فوجوه : الأول : أن السياسات على أربعة أقسام : سياسة الملاك وسياسة الملوك وسياسة الملائكة وسياسة ملك الملوك فسياسة الملوك أقوى من سياسة الملاك ؛ لأنه لو اجتمع عالم من المالكين فإنهم لا يقاومون ملكا واحدا ألا ترى أن السيد لا يملك إقامة الحد على مملوكه عند أبي حنيفة وأجمعوا على أن الملك يملك إقامة الحدود على الناس وأما سياسة الملائكة فهي فوق سياسات الملوك ؛ لأن عالما من أكابر الملوك لا يمكنهم دفع سياسة ملك واحد وأما سياسة ملك الملوك فإنها فوق سياسات الملائكة ألا ترى إلى قوله تعالى ^ { يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا لمن أذن له الرحمن وقال صوابا } ^ [ النبأ : 38 ] وقوله تعالى : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه [ البقرة : 255 ] وقال في صفة الملائكة : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى [ الأنبياء : 28 ] فيا أيها الملوك لا تغتروا بمالكم من المال والملك فإنكم أسراء في قبضة قدرة مالك يوم الدين ويا أيها الرعية إذا كنتم تخافون سياسة الملك أفما تخافون سياسة ملك الملوك الذي هو مالك يوم الدين . الحكم الثاني من أحكام كونه تعالى ملكا : أنه ملك لا يشبه سائر الملوك لأنهم إن تصدقوا بشيء انتقص ملكهم وقلت خزائنهم ؛ أما الحق سبحانه وتعالى فملكه لا ينتقص بالعطاء والإحسان بل يزداد بيانه أنه تعالى إذا أعطاك ولدا واحدا لم يتوجه حكمه إلا على ذلك الولد الواحد أما لو أعطاك عشرة من الأولاد كان حكمه وتكليفه لازما على الكل فثبت أنه تعالى كلما كان أكثر عطاء كان أوسع ملكا .

قسم V01/P193–V01/P194

الحكم الثالث من أحكام كونه ملكا : كمال الرحمة والدليل عليه آيات : إحداها : ما ذكر في هذه السورة من كونه ربا رحمانا رحيما وثانيها : قوله تعالى هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم [ الحشر : 22 ] ثم قال بعده هو الله الذي لا إله إلا هو الملك [ الحشر : 23 ] ثم ذكر بعده كونه قدوسا عن الظلم والجور ثم ذكر بعده كونه سلاما وهو الذي سلم عباده من ظلمه وجوره ثم ذكر بعده كونه مؤمنا وهو الذي يؤمن عبيده عن جوره وظلمه فثبت أن كونه ملكا لا يتم إلا مع كمال الرحمة . وثالثها : قوله تعالى : الملك يومئذ الحق للرحمن [ الفرقان : 26 ] لما أثبت لنفسه الملك أردفه بان وصف نفسه بكونه رحمانا يعني إن كان ثبوت الملك له في ذلك اليوم يدل على كمال القهر فكونه رحمانا يدل على زوال الخوف وحصول الرحمة . ورابعها : قوله تعالى : قل أعوذ برب الناس ملك الناس [ الناس : 1 ] فذكر أولا كونه ربا للناس ثم أردفه بكونه ملكا للناس وهذه الآيات دالة على أن الملك لا يحسن ولا يكمل إلا مع الإحسان والرحمة فيا أيها الملوك اسمعوا هذه الآيات وارحموا هؤلاء المساكين ولا تطلبوا مرتبة زائدة في الملك على ملك الله تعالى . الحكم الرابع للملك : أنه يجب على الرعية طاعته فإن خالفوه ولم يطيعوه وقع الهرج والمرج في العالم وحصل الاضطراب والتشويش ودعا ذلك إلى تخريب العالم وفناء الخلق فلما شاهدتم أن مخالفة الملك المجازي تفضي آخر الأمر إلى تخريب العالم وفناء الخلق فانظروا إلى مخالفة ملك الملوك كيف يكون تأثيرها في زوال المصالح وحصول المفاسد ؟ وتمام تقريره أنه تعالى بين أن الكفر سبب لخراب العالم قال تعالى تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا [ مريم : 90 ] وبين أن طاعته سبب للمصالح قال تعالى : وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى [ طه : 132 ] فيا أيها الرعية كونوا مطيعين لملوككم ويا أيها الملوك كونوا مطيعين لملك الملوك حتى تنتظم مصالح العالم . الحكم الخامس : أنه لما وصف نفسه بكونه ملكا ليوم الدين أظهر للعالمين كمال عدله فقال وما ربك بظلام للعبيد [ فصلت : 46 ] ثم بين كيفية العدل فقال : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا [ الأنبياء : 47 ] فظهر بهذا أن كونه ملكا حقا ليوم الدين إنما يظهر بسبب العدل فإن كان الملك المجازي عادلا كان ملكا حقا وإلا كان ملكا باطلا فإن كان ملكا عادلا حقا حصل من بركة عدله الخير والراحة في العالم وإن كان ملكا ظالما ارتفع الخير من العالم . يروى أن أنوشروان خرج إلى الصيد يوما وأوغل في الركض وانقطع عن عسكره واستولى العطش عليه ووصل إلى بستان فلما دخل ذلك البستان رأى أشجار الرمان فقال لصبي حضر في ذلك البستان : أعطني رمانة واحدة فأعطاه رمانة فشقها وأخرج حبها وعصرها فخرج منه ماء كثير فشربه وأعجبه ذلك الرمان فعزم على أن يأخذ ذلك البستان من مالكه ثم قال لذلك الصبي : أعطني رمانة أخرى فأعطاه فعصرها فخرج منها ماء قليل فشربه فوجده عفصا مؤذيا فقال : أيها الصبي لم صار الرمان هكذا ؟ فقال الصبي : لعل ملك البلد عزم على الظلم فلأجل شؤم ظلمه صار الرمان هكذا فتاب أنوشروان في قلبه عن ذلك الظلم وقال لذلك الصبي : أعطني رمانة أخرى فأعطاه فعصرها فوجدها أطيب من الرمانة الأولى فقال للصبي : لم بدلت هذه الحالة ؟

قسم V01/P194

فقال الصبي : لعل ملك البلد تاب عن ظلمه فلما سمع أنوشروان هذه القصة من ذلك الصبي وكانت مطابقة لأحوال قلبه تاب بالكلية عن الظلم فلا جرم بقي اسمه مخلدا في الدنيا بالعدل حتى إن من الناس من يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال

قسم V01/P194–V01/P195

: ولدت في زمن الملك العادل . أما الأحكام المفرعة على كونه مالكا فهي أربعة : الحكم الأول : قراءة المالك أرجى من قراءة الملك ؛ لأن أقصى ما يرجى من الملك العدل والإنصاف وأن ينجو الإنسان منه رأسا برأس أما المالك فالعبد يطلب منه الكسوة والطعام والرحمة والتربية فكأنه تعالى يقول : أنا مالككم فعلي طعامكم وثوابكم وجنتكم . الحكم الثاني : الملك وإن كان أغنى من المالك غير ان الملك يطمع فيك والمالك أنت تطمع فيه وليست لنا طاعات ولا خيرات فلا يريد أن يطلب منا يوم القيامة أنواع الخيرات والطاعات بل يريد أن نطلب منه يوم القيامة الصفح والمغفرة وإعطاء الجنة بمجرد الفضل فلهذا السبب قال الكسائي : اقرأ مالك يوم الدين ؛ لأن هذه القراءة هي الدالة على الفضل الكثير والرحمة الواسعة . الحكم الثالث : أن الملك إذا عرض عليه العسكر لم يقبل إلا من كان قوي البدن صحيح المزاج أما من كان مريضا فإنه يرده ولا يعطيه شيئا من الواجب أما المالك إذا كان له عبد فإن مرض عالجه وإن ضعف أعانه وإن وقع في بلاء خلصه فالقراءة بلفظ المالك أوفق للمذنبين والمساكين . الحكم الرابع : الملك له هيبة وسياسة والمالك له رأفة ورحمة واحتياجنا إلى الرأفة والرحمة أشد من احتياجنا إلى الهيبة والسياسة . الفائدة الثالثة : الملك عبارة عن القدرة فكونه مالكا وملكا عبارة عن القدرة ههنا بحث : وهو أنه تعالى إما أن يكون ملكا للموجودات أو للمعدومات والأول باطل لأن إيجاد الموجودات محال فلا قدرة لله على الموجودات إلا بالإعدام وعلى هذا التقرير فلا مالك إلا للعدم والثاني باطل أيضا ؛ لأنه يقتضي أن تكون قدرته وملكه على العدم ويلزم أن يقال : إنه ليس لله في الموجودات مالكية ولا ملك وهذا بعيد . والجواب أن الله تعالى مالك الموجودات وملكها بمعنى أنه تعالى قادر على نقلها من الوجود إلى العدم أو بمعنى أنه قادر على نقلها من صفة إلى صفة وهذه القدرة ليست إلا لله تعالى فالملك الحق هو الله سبحانه وتعالى إذا عرفت أنه الملك الحق فنقول : إنه الملك ليوم الدين وذلك لأن القدرة على إحياء الخلق بعد موتهم ليست إلا لله والعلم بتلك الأجزاء المتفرقة من أبدان الناس ليس إلا لله فإذا كان الحشر والنشر والبعث والقيامة لا يتأتى إلا بعلم متعلق بجميع المعلومات وقدرة متعلقة بجميع الممكنات ثبت أنه لا مالك ليوم الدين إلا الله وتمام الكلام في هذا الفصل متعلق بمسألة الحشر والنشر . فإن قيل : إن المالك لا يكون مالكا للشيء إلا إذا كان المملوك موجودا والقيامة غير موجودة في الحال فلا يكون الله مالكا ليوم الدين بل الواجب أن يقال : مالك يوم الدين بدليل أنه لو قال : أنا قاتل زيد فهذا إقرار ولو قال أنا قاتل زيدا بالتنوين كان تهديدا ووعيدا . قلنا : الحق ما ذكرتم إلا أن قيام القيامة لما كان أمرا حقا لا يجوز الإخلال في الحكمة جعل وجود القيامة كالأمر القائم في الحال الحاصل في الحال وأيضا من مات فقد قامت قيامته فكانت القيامة حاصلة في الحال فزال السؤال . الفائدة الرابعة : أنه تعالى ذكر في هذه السورة من أسماء نفسه خمسة : الله والرب والرحمن والرحيم والمالك . والسبب فيه كأنه يقول : خلقتك أولا فأنا إله ثم ربيتك بوجوه النعم فأنا رب ثم عصيت فسترت عليك فأنا رحمن ثم تبت فغفرت لك فأنا رحيم ثم لا بد من إيصال الجزاء إليك فأنا مالك يوم الدين . فإن قيل : إنه تعالى ذكر الرحمن الرحيم في التسمية مرة واحدة وفي السورة مرة ثانية فالتكرير فيهما حاصل وغير حاصل في الأسماء الثلاثة فما الحكمة ؟

قسم V01/P195

قلنا : التقدير كأنه قيل : اذكر أني إله ورب مرة واحدة واذكر أني رحمن رحيم مرتين لتعلم أن العناية بالرحمة أكثر منها بسائر الأمور ثم لما بين الرحمة المضاعفة فكأنه قال : لا تغتروا بذلك فإني مالك يوم الدين ونظيره قوله تعالى غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول [ غافر : 3 ] . الفائدة الخامسة : قالت القدرية : إن كان خالق أعمال العباد هو الله امتنع القول بالثواب والعقاب والجزاء ؛ لأن ثواب الرجل على ما لم يعمله عبث وعقابه على ما لم يعمله ظلم وعلى هذا التقدير فيبطل كونه مالكا ليوم الدين وقالت الجبرية : لو لم تكن أعمال العباد بتقدير الله وترجيحه لم يكن مالكا لها ولما أجمع المسلمون على كونه مالكا للعباد ولأعمالهم ؛ علمنا أنه خالق لها مقدر لها والله أعلم . <

قسم V01/P195

> الفصل الخامس < > < > في تفسير قوله إياك نعبد وإياك نستعين وفيه فوائد < > < < الفاتحة : ( 5 ) إياك نعبد وإياك . . . . .

قسم V01/P195–V01/P196

> > الفائدة الأولى : العبادة عبارة عن الفعل الذي يؤتي به لغرض تعظيم الغير وهو مأخوذ من قولهم : طريق معبد أي مذلل واعلم أن قولك إياك نعبد معناه لا أعبد أحد سواك والذي يدل على هذا الحصر وجوه : الأول : أن العبادة عبارة عن نهاية التعظيم وهي لا تليق إلا بمن صدر عنه غاية الإنعام واعظم وجوه الإنعام الحياة التي تفيد المكنة من الانتفاع وخلق المنتفع به فالمرتبة الأولى - وهي الحياة التي تفيد المكنة من الانتفاع - وإليها الإشارة بقوله تعالى : وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا [ مريم : 9 ] وقوله ^ { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم - الآية } ^ [ البقرة : 28 ] والمرتبة الثانية - وهي خلق المنتفع به - وإليها الإشارة بقوله تعالى هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا [ البقرة : 29 ] ولما كانت المصالح الحاصلة في هذا العالم السفلي إنما تنتظم بالحركات الفلكية على سبيل إجراء العادة لا جرم أتبعه بقوله : ^ { ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم } ^ [ البقرة : 29 ] فثبت بما ذكرنا أن كل النعم حاصل بإيجاد الله تعالى فوجب أن لا تحسن العبادة إلا لله تعالى فلهذا المعنى قال إياك نعبد فإن قوله إياك نعبد يفيد الحصر . الوجه الثاني : في دلائل هذا الحصر والتعيين : وذلك لأنه تعالى سمى نفسه ههنا بخمسة أسماء : الله والرب والرحمن والرحيم ومالك يوم الدين وللعبد أحوال ثلاثة : الماضي والحاضر والمستقبل ؛ أما الماضي فقد كان معدوما محضا كما قال تعالى : وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا [ البقرة : 29 ] وكان ميتا فاحياه الله تعالى كما قال : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم [ البقرة : 28 ] وكان جاهلا فعلمه الله كما قال : والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة [ النحل : 78 ] والعبد إنما انتقل من العدم إلى الوجود ومن الموت إلى الحياة ومن العجز إلى القدرة ومن الجهل إلى العلم لأجل أن الله تعالى كان قديما أزليا فبقدرته الأزلية وعلمه الأزلي أحدثه ونقله من العدم إلى الوجود فهو إله لهذا المعنى وأما الحال الحاضرة للعبد فحاجته شديدة لأنه كلما كان معدوما كان محتاجا إلى الرب الرحمن الرحيم أما لما دخل في الوجوه انفتحت عليه أبواب الحاجات وحصلت عنده أسباب الضرورات فقال الله تعالى : أنا إله لأجل أني أخرجتك من العدم إلى الوجود . أما بعد أن أصرت موجودا فقد كثرت حاجاتك إلي فأنا رب رحمن رحيم وأما الحال المستقبلة للعبد فهي حال ما بعد الموت والصفة المتعلقة بتلك الحالة هي قوله مالك يوم الدين فصارت هذه الصفات الخمس من صفات الله تعالى متعلقة بهذه الأحوال الثلاثة للعبد فظهر أن جميع مصالح العبد في الماضي والحاضر والمستقبل لا يتم ولا يكتمل إلا بالله وفضله وإحسانه فلما كان الأمر كذلك وجب أن لا يشتغل العبد بعبادة شيء إلا بعبادة الله تعالى فلا جرم قال العبد إياك نعبد وإياك نستعين على سبيل الحصر . الوجه الثالث : في دليل هذا الحصر وهو أنه قد دل الدليل القاطع على وجوب كونه تعالى قادرا عالما محسنا جوادا كريما حليما وأما كون غيره كذلك فمشكوك فيه ؛ لأنه لا أثر يضاف إلى الطبع والفلك والكواكب والعقل والنفس إلا ويحتمل إضافته إلى قدرة الله تعالى ومع هذا الاحتمال صار ذلك الانتساب مشكوكا فيه فثبت أن العلم بكون الإله تعالى معبودا للخلق أمر يقيني وأما كون غيره معبودا للخلق فهو أمر مشكوك فيه والأخذ باليقين أولى من الأخذ بالشك فوجب طرح المشكوك والأخذ بالمعلوم وعلى هذا لا معبود إلا الله تعالى فلهذا المعنى قال إياك نعبد وإياك نستعين .

الأسئلة

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb · 10 · Qur'an & Sunnah