Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
> قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ) عدى اتخذ إلى مفعولين وهما ( عدوكم أولياء ) والعدو فعول من عدا كعفو من عفا ولكونه على زنة المصدر أوقع على الجماعة إيقاعه على الواحد وفي هذه الآية سبع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ) روى الأئمة واللفظ لمسلم عن علي رضي الله عنه قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال : ( ائتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها ( فانطلقنا تعادى بنا خيلنا فإذا نحن بالمرأة فقلنا : أخرجي الكتاب فقالت : ما معي كتاب فقلنا : لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب فأخرجته من عقاصها فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه : من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا حاطب ما هذا ( قال لا تعجل علي يا رسول الله إني كنت امرأ ملصقا في قريش قال سفيان : كان حليفا لهم ولم يكن من أنفسها وكان ممن كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن اتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي ولم أفعله كفرا ولا ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الاسلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( صدق ( فقال عمر : دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال : ( إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ( فأنزل الله عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ) قيل : اسم المرأة سارة من موالي قريش وكان في الكتاب : أما بعد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل وأقسم بالله لو لم يسر إليكم إلا وحده لأظفره الله بكم وأنجز له موعده فيكم فإن الله وليه وناصره ذكره بعض المفسرين وذكر القشيري والثعلبي : أن حاطب بن أبي بلتعة كان رجلا من أهل اليمن وكان له حلف بمكة في بني أسد بن عبد العزى رهط الزبير بن العوام وقيل : كان حليفا للزبير بن العوام فقدمت من مكة سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هشام بن عبد مناف إلى المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز لفتح مكة وقيل : كان هذا في زمن الحديبية فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أمهاجرة جئت يا سارة ( فقالت : لا قال : ( أمسلمة جئت ( قالت لا قال : ( فما جاء بك ( قالت : كنتم الأهل والموالي والأصل والعشيرة وقد ذهب الموالي تعني قتلوا يوم بدر وقد احتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني فقال عليه الصلاة والسلام : ( فأين أنت عن شباب أهل مكة ( وكانت مغنية قالت : ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر فحث رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وبني المطلب على إعطائها فكسوها وأعطوها وحملوها فخرجت إلى مكة وأتاها حاطب فقال : أعطيك عشرة دنانير وبردا على أن تبلغي هذا الكتاب إلى أهل مكة وكتب في الكتاب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم فخذوا حذركم فخرجت سارة ونزل جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فبعث عليا والزبير وأبا مرثد الغنوي وفي رواية : عليا والزبير والمقداد وفي رواية أرسل عليا وعمار بن ياسر وفي رواية عليا وعمارا وعمر والزبير وطلحة والمقداد وأبا مرثد وكانوا كلهم فرسانا وقال لهم : ( انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة ومعها كتاب من حاطب إلى المشركين فخذوه منها وخلوا سبيلها فإن لم تدفعه لكم فاضربوا عنقها ( فأدركوها في ذلك المكان فقالوا لها : أين الكتاب فحلفت ما معها كتاب ففتشوا أمتعتها فلم يجدوا معها كتابا فهموا بالرجوع فقال علي : والله ما كذبنا ولا كذبنا وسل سيفه وقال : أخرجي الكتاب وإلا والله لأجردنك ولأضربن عنقك فلما رأت الجد أخرجته من ذؤابتها وفي رواية من حجزتها فخلوا سبيلها ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إلى حاطب فقال ( هل تعرف الكتاب ( قال نعم وذكر الحديث بنحو ما تقدم وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمن جميع الناس يوم الفتح إلا أربعة هي أحدهم الثانية السورة أصل في النهي عن موالاة الكفار وقد مضى ذلك في غير موضع من ذلك قوله تعالى : لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ومثله كثير وذكر أن حاطبا لما سمع ( يا أيها الذين آمنوا ) غشي عليه من الفرح بخطاب الايمان الثالثة قوله تعالى : ( تلقون إليهم بالمودة ) يعني بالظاهر لأن قلب حاطب كان سليما بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم : ( أما صاحبكم فقد صدق ( وهذا نص في سلامة فؤاده وخلوص اعتقاده والباء في ( بالمودة ) زائدة كما تقول : قرأت السورة وقرأت بالسورة ورميت إليه ما في نفسي وبما في نفسي ويجوز أن تكون ثابتة على أن مفعول ( تلقون ) محذوف معناه تلقون إليهم أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب المودة التي بينكم وبينهم وكذلك ( تسرون إليهم بالمودة ) أي بسبب المودة وقال الفراء : ( تلقون إليهم بالمودة ) من صلة ( أولياء ) ودخول الباء في المودة وخروجها سواء ويجوز أن تتعلق ب ( لا تتخذوا ) حالا من ضميره وبأولياء ) صفة له ويجوز أن تكون استئنافا ومعنى ( تلقون إليهم بالمودة ) تخبرونهم بسرائر المسلمين وتنصحون لهم وقاله الزجاج الرابعة من كثر تطلعه على عورات المسلمين وينبه عليهم ويعرف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافرا إذا كان فعله لغرض دنيوي واعتقاده على ذلك سليم كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينو الردة عن الدين الخامسة إذا قلنا لا يكون بذلك كافرا فهل يقتل بذلك حدا أم لا اختلف الناس فيه فقال مالك وبن القاسم وأشهب : يجتهد في ذلك الامام وقال عبد الملك : إذا كانت عادته تلك قتل لأنه جاسوس وقد قال مالك بقتل الجاسوس وهو صحيح لإضراره بالمسلمين وسعيه بالفساد في الأرض ولعل بن الماجشون إنما اتخذ التكرار في هذا لأن حاطبا أخذ في أول فعله والله أعلم السادسة فإن كان الجاسوس كافرا فقال الأوزاعي : يكون نقضا لعهده وقال أصبغ : الجاسوس الحربي يقتل والجاسوس المسلم والذمي يعاقبان إلا أن تظاهرا على الاسلام فيقتلان وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بعين للمشركين اسمه فرات بن حيان فأمر به أن يقتل فصاح : يا معشر الأنصار أقتل وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فخلى سبيله ثم قال : ( إن منكم من أكله إلى إيمانه منهم فرات بن حيان ( وقوله : ( وقد كفروا ) حال إما من ( لا تتخذوا ) وإما من ( تلقون ) أي لا تتولوهم أو توادوهم وهذه حالهم وقرأ الجحدري ( لما جاءكم ) أي كفروا لأجل ما جاءكم من الحق السابعة قوله تعالى : ( يخرجون الرسول ) استئناف كلام كالتفسير لكفرهم وعتوهم أو حال من ( كفروا ) ( وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم ) تعليل ليخرجون ) المعنى يخرجون الرسول ويخرجونكم من مكة لأن تؤمنوا بالله أي لأجل إيمانكم بالله قال بن عباس : وكان حاطب ممن أخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم وقيل : في الكلام تقديم وتأخير والتقدير لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي وقيل في الكلام حذف والمعنى إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي فلا تلقوا إليهم بالمودة قيل : ( إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي ) شرط وجوابه مقدم والمعنى إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ونصب ( جهادا ) وابتغاء ) لأنه مفعول له وقوله : ( تسرون إليهم بالمودة ) بدل من ( تلقون ) ومبين عنه والأفعال تبدل من الأفعال كما قال تعالى : ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب وأنشد سيبويه : متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا تجد حطبا جزلا ونارا تأججا وقيل : هو على تقدير أنتم تسرون إليهم بالمودة فيكون استئنافا وهذا كله معاتبة لحاطب وهو يدل على فضله وكرامته ونصيحته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق إيمانه فإن المعاتبة لا تكون إلا من محب لحبيبه كما قال : أعاتب ذا المودة من صديق إذا ما رابني منه اجتناب إذا ذهب العتاب فليس ود ويبقى الود ما بقي العتاب ومعنى ( بالمودة ) أي بالنصيحة في الكتاب إليهم والباء زائدة كما ذكرنا أو ثابتة غير زائدة قوله تعالى : ( وأنا أعلم بما أخفيتم ) أضمرتم ( وما أعلنتم ) أظهرتم والباء في ( بما ) زائدة يقال : علمت كذا وعلمت بكذا وقيل : وأنا أعلم من كل أحد بما تخفون وما تعلنون فحذف من كل أحد كما يقال : فلان أعلم وأفضل من غيره وقال بن عباس : وأنا أعلم بما أخفيتم في صدوركم وما أظهرتم بألسنتكم من الاقرار والتوحيد ( ومن يفعله منكم ) أي من يسر إليهم ويكاتبهم منكم ( فقد ضل سواء السبيل ) أي أخطأ قصد الطريق
< < الممتحنة : ( 2 ) إن يثقفوكم يكونوا . . . . . > > < > ( الممتحنة 2 ) < > قوله تعالى : ( إن يثقفوكم ) يلقوكم ويصادفوكم ومنه المثاقفة أي طلب مصادفة الغرة في المسايفة وشبهها وقيل : ( يثقفوكم ) يظفروا بكم ويتمكنوا منكم ( يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء ) أي أيديهم بالضرب والقتل وألسنتهم بالشتم ( وودوا لو تكفرون ) بمحمد فلا تناصحوهم فإنهم لا يناصحونكم < < الممتحنة : ( 3 ) لن تنفعكم أرحامكم . . . . . > > < > ( الممتحنه 3 ) < > قوله تعالى : ( لن تنفعكم أرحامكم ) لما اعتذر حاطب بأن له أولادا وأرحاما فيما بينهم بين الرب عز وجل أن الأهل والأولاد لا ينفعون شيئا يوم القيامة إن عصي من أجل ذلك ( يفصل بينكم ) فيدخل المؤمنين الجنة ويدخل الكافرين النار وفي ( يفصل ) قراءات سبع : قرأ عاصم ( يفصل ) بفتح الياء وكسر الصاد مخففا وقرأ حمزة والكسائي مشددا إلا أنه على ما لم يسم فاعله وقرأ طلحة والنخعي بالنون وكسر الصاد مشددة وروى عن علقمة كذلك بالنون مخففة وقرأ قتادة وأبو حيوة ( يفصل ) بضم الياء وكسر الصاد مخففة من أفصل وقرأ الباقون ( يفصل ) بياء مضمومة وتخفيف الفاء وفتح الصاد على الفعل المجهول واختاره أبو عبيد فمن خفف فلقوله : وهو خير الفاصلين وقوله : إن يوم الفصل الدخان ومن شدد فلأن ذلك أبين في الفعل الكثير المكرر المتردد ومن أتى به على ما لم يسم فاعله فلأن الفاعل معروف ومن أتى به مسمى الفاعل رد الضمير إلى الله تعالى ومن قرأ بالنون فعلى التنظيم ( والله بما تعملون بصير < < الممتحنة : ( 4 ) قد كانت لكم . . . . . > > < > ( الممتحنه 4 : 5 ) < > قوله تعالى : ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ) لما نهى عز وجل عن مولاة الكفار ذكر قصة إبراهيم عليه السلام وأن من سيرته التبرؤ من الكفار أي فاقتدوا به وأتموا إلا في استغفاره لأبيه والإسوة والأسوة ما يتأسى به مثل القدوة والقدوة ويقال : هو إسوتك أي مثلك وأنت مثله وقرأ عاصم ( أسوة ) بضم الهمزة لغتان ( والذين معه ) يعني أصحاب إبراهيم من المؤمنين وقال بن زيد : هم الأنبياء ( إذ قالوا لقومهم ) الكفار ( إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله ) أي الاصنام وبرآء جمع بريء مثل شريك وشركاء وظريف وظرفاء وقراءة العامة على وزن فعلاء وقرأ عيسى بن عمر وبن أبي إسحاق براء بكسر الباء على وزن فعال مثل قصير وقصار وطويل وطوال وظريف وظراف ويجوز ترك الهمزة حتى تقول : برا وتنون وقرئ ( برآء ) على الوصف بالمصدر وقرئ ( براء ) على إبدال الضم من الكسر كرخال ورباب والآية نص في الأمر بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام في فعله وذلك يصحح أن شرع من قبلنا شرع لنا فيما أخبر الله رسوله ( كفرنا بكم ) أي بما آمنتم به من الأوثان وقيل : أي بأفعالكم وكذبناها وأنكرنا أن تكونوا على حق ( وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا ) أي هذا دأبنا معكم مادتم على كفركم ( حتى تؤمنوا بالله وحده ) فحينئذ تنقلب المعاداة موالاة ( إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ) فلا تتأسوا به في الاستغفار فتستغفرون للمشركين فإنه كان عن موعده منه له قاله قتادة ومجاهد وغيرهما وقيل : معنى الاستثناء أن إبراهيم هجر قومه وباعدهم إلا في الاستغفار لأبيه ثم بين عذره في سورة التوبة وفي هذا دلالة على تفضيل نبينا عليه الصلاة والسلام على سائر الأنبياء لأنا حين أمرنا بالأقتداء به أمرنا أمرا مطلقا في قوله تعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وحين أمرنا بالأقتداء بإبراهيم عليه السلام استثنى بعض افعاله وقيل : هو استثناء منقطع أي لكن قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك إنما جرى لأنه ظن أنه أسلم فلما بان له أنه لم يسلم تبرأ منه وعلى هذا يجوز الاستغفار لمن يظن أنه أسلم وأنتم لم تجدوا مثل هذا الظن فلم توالوهم ( وما أملك لك من الله من شيء ) هذا من قول إبراهيم عليه السلام لأبيه أي ما أدفع عنك من عذاب الله شيئا إن أشركت به ( ربنا عليك توكلنا ) هذا من دعاء إبراهيم عليه السلام وأصحابه وقيل : علم المؤمنين أن يقولوا هذا إي تبرءوا من الكفار وتوكلوا على الله وقولوا : ( ربنا عليك توكلنا ) أي اعتمدنا ( وإليك أنبنا ) أي رجعنا ( وإليك المصير ) لك الرجوع في الآخرة ( ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ) أي لا تظهر عدونا علينا فيظنوا أنهم على حق فيفتتنوا بذلك وقيل : لا تسلطهم علينا فيفتنونا ويعذبونا ( واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم ) < <
الممتحنة : ( 6 ) لقد كان لكم . . . . . > > < > ( الممتحنه 6 : 7 ) < > قوله تعالى : ( لقد كان لكم فيهم ) أي في إبراهيم ومن معه من الأنبياء والأولياء ( أسوة حسنة ) أي في التبرؤ من الكفار وقيل : كرر للتأكيد وقيل : نزل الثاني بعد الأول بمدة وما أكثر المكررات في القرآن على هذا الوجه ( ومن يتول ) أي عن الإسلام وقبول هذه المواعظ ( فإن الله هو الغني ) أي لم يتعبدهم لحاجته إليهم ( الحميد ) في نفسه وصفاته ولما نزلت عادى المسلمون أقرباءهم من المشركين فعلم الله شدة وجد المسلمين في ذلك فنزلت : ( عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ) وهذا بأن يسلم الكافر وقد أسلم قوم منهم بعد فتح مكة وخالطهم المسلمون كأبي سفيان بن حرب والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام وقيل : المودة تزويج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان فلانت عند ذلك عريكة أبي سفيان واسترخت شكيمته في العداوة قال بن عباس : كانت المودة بعد الفتح تزويج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان وكانت تحت عبد الله بن جحش وكانت هي وزوجها من مهاجرة الحبشة فأما زوجها فتنصر وسألها أن تتابعه على دينه فأبت وصبرت على دينها ومات زوجها على النصرانية فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي فخطبها فقال النجاشي لأصحابه : من أولاكم بها قالوا : خالد بن سعيد بن العاص قال فزوجها من نبيكم ففعل وأمهرها النجاشي من عنده اربعمائة دينار وقيل : خطبها النبي صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن عفان فلما زوجه إياها بعث إلى النجاشي فيها فساق عنه المهر وبعث بها إليه فقال أبو سفيان وهو مشرك لما بلغه تزويج النبي صلى الله عليه وسلم ابنته : ذلك الفحل لا يقدع أنفه يقدع بالدال غير المعجمة يقال : هذا فحل لا يقدع أنفه أي لا يضرب أنفه وذلك إذا كان كريما < < الممتحنة : ( 8 ) لا ينهاكم الله . . . . . > > < > ( الممتحنه 8 ) < > قوله تعالى : ( لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ) فيه ثلاث مسائل : الأولى هذه الآية رخصة من الله تعالى في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم قال بن زيد : كان هذا في أول الإسلام عند الموادعة وترك الأمر بالقتال ثم نسخ قال قتادة : نسختها فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وقيل : كان هذا الحكم لعلة وهو الصلح فلما زال الصلح بفتح مكة نسخ الحكم وبقي الرسم يتلى وقيل : هي مخصوصة في حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم ومن بينه وبينه عهد لم ينقضه قاله الحسن الكلبي : هم خزاعة وبنو الحارث بن عبد مناف وقاله أبو صالح وقال : هم خزاعة وقال مجاهد : هي مخصوصة في الذين آمنوا ولم يهاجروا وقيل : يعنى به النساء والصبيان لأنهم ممن لا يقاتل فأذن الله في برهم حكاه بعض المفسرين وقال أكثر أهل التأويل : هي محكمة واحتجوا بأن أسماء بنت أبي بكر سألت النبي صلى الله عليه وسلم : هل تصل أمها حين قدمت عليها مشركة قال : ( نعم ( خرجه البخاري ومسلم وقيل : إن الآية فيها نزلت روى عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه : أن أبا بكر الصديق طلق أمرأته قتيلة في الجاهلية وهي أم أسماء بنت أبي بكر فقدمت عليهم في المدة التي كانت فيها المهادنة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش فأهدت إلى أسماء بنت أبي بكر الصديق قرطا وأشياء فكرهت أن تقبل منها حتى أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فأنزل الله تعالى : ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ) ذكر هذا الخبر الماوردي وغيره وخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده الثانية قوله تعالى : ( أن تبروهم ) ( أن ) في موضع خفض على البدل من ( الذين ) أي لا ينهاكم الله عن أن تبروا الذين لم يقاتلوكم وهم خزاعة صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم على ألا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحدا فأمر ببرهم والوفاء لهم إلى أجلهم حكاه الفراء ( وتقسطوا إليهم ) أي تعطوهم قسطا من أموالكم على وجه الصلة وليس يريد به من العدل فإن العدل واجب فيمن قاتل وفيمن لم يقاتل قاله بن العربي الثالثة قال القاضي أبو بكر في كتاب الأحكام له : استدل به بعض من تعقد عليه الخناصر على وجوب نفقة الابن المسلم على أبيه الكافر وهذه وهلة عظيمة إذ الإذن في الشيء أو ترك النهي عنه لا يدل على وجوبه وإنما يعطيك الإباحة خاصة وقد بينا أن إسماعيل بن إسحاق القاضي دخل عليه ذمي فأكرمه فأخذ عليه الحاضرون في ذلك فتلا هذه الآية عليهم < <
الممتحنة : ( 9 ) إنما ينهاكم الله . . . . . > > < > ( الممتحنه 9 ) < > قوله تعالى : ( إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين ) أي جاهدوكم على الدين ( وأخرجوكم من دياركم ) وهم عتاة أهل مكة ( وظاهروا ) أي عاونوا على إخراجكم وهم مشركو أهل مكة ( أن تولوهم ) ( أن ) في موضع جر على البدل على ما تقدم في ( أن تبروهم ) ( ومن يتولهم ) أي يتخذهم أولياء وأنصارا وأحبابا ( فأولئك هم الظالمون ) < < الممتحنة : ( 10 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( الممتحنه 10 ) <
> قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ) فيه ست عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات ) لما أمر المسلمين بترك موالاة المشركين اقتضى ذلك مهاجرة المسلمين عن بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام وكان التناكح من أوكد أسباب الموالاة فبين أحكام مهاجرة النساء قال بن عباس : جرى الصلح مع مشركي قريش عام الحديبية على أن من أتاه من أهل مكة رده إليهم فجاءت سعيدة بنت الحارث الأسلمية بعد الفراغ من الكتاب والنبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية بعد فأقبل زوجها وكان كافرا وهو صيفي بن الراهب وقيل مسافر المخزومي فقال : يا محمد أردد علي امرأتي فإنك شرطت ذلك وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد فأنزل الله تعالى هذه الآية وقيل : جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط فجاء أهلها يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يردها وقيل : هربت من زوجها عمرو بن العاص ومعها أخواها عمارة والوليد فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخويها وحبسها فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : ردها علينا للشرط فقال صلى الله عليه وسلم : ( كان الشرط في الرجال لا في النساء ( فأنزل الله تعالى هذه الآية وعن عروة قال : كان مما اشترط سهيل بن عمرو على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية : ألا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا حتى أنزل الله تعالى في المؤمنات ما أنزل يومئ إلى أن الشرط في رد النساء نسخ بذلك وقيل : إن التي جاءت أميمة بنت بشر كانت عند ثابت بن الشمراخ ففرت منه وهو يومئذ كافر فتزوجها سهل بن حنيف فولدت له عبد الله قاله زيد بن حبيب كذا قال الماوردي : أميمة بنت بشر كانت عند ثابت بن الشمراخ وقال المهدوي : وروى بن وهب عن خالد أن هذه الآية نزلت في أميمة بنت بشر من بني عمرو بن عوف وهي امرأة حسان بن الدحداح وتزوجها بعد هجرتها سهل بن حنيف وقال مقاتل : إنها سعيدة زوجة صيفي بن الراهب مشرك من أهل مكة والأكثر من أهل العلم أنها أم كلثوم بنت عقبة الثانية واختلف أهل العلم هل دخل النساء في عقد المهادنة لفظا أو عموما فقالت طائفة منهم : قد كان شرط ردهن في عقد المهادنة لفظا صريحا فنسخ الله ردهن من العقد ومنع منه وبقاه في الرجال على ما كان وهذا يدل على أن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجتهد رأيه في الأحكام ولكن لا يقره الله على خطأ وقالت طائفة من أهل العلم : لم يشترط ردهن في العقد لفظا وإنما أطلق العقد في رد من أسلم فكان ظاهر العموم واشتماله عليهن مع الرجال فبين الله تعالى خروجهن عن عمومه وفرق بينهن وبين الرجال لأمرين : أحدهما أنهن ذوات فروج يحرمن عليهم الثاني أنهن أرق قلوبا وأسرع تقلبا منهم فأما المقيمة منهن على شركها فمردودة عليهم الثالثة قوله تعالى : ( فامتحنوهن ) قيل : إنه كان من أرادت منهن إضرار زوجها فقالت : سأهاجر إلى محمد صلى الله عليه وسلم فلذلك أمر صلى الله عليه وسلم بامتحانهن واختلف فيما كان يمتحنهن به على ثلاثة أقوال : الأول قال بن عباس : كانت المحنة أن تستحلف بالله أنها ما خرجت من بغض زوجها ولا رغبة من أرض إلى أرض ولا التماس دنيا ولا عشقا لرجل منا بل حبا لله ولرسوله فإذا حلفت بالله الذي لا إله إلا هو على ذلك أعطى النبي صلى الله عليه وسلم زوجها مهرها وما أنفق عليها ولم يردها فذلك قوله تعالى : ( فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ) الثاني أن المحنة كانت أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قاله بن عباس أيضا الثالث بما بينه في السورة بعد من قوله تعالى : ( يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات ) قالت عائشة رضي الله عنها : ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحن إلا بالآية التي قال الله : ( إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ) رواه معمر عن الزهري عن عائشة خرجه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح أكثر العلماء على أن هذا ناسخ لما كان عليه الصلاة والسلام عاهد عليه قريشا من أنه يرد إليهم من جاءه منهم مسلما فنسخ من ذلك النساء وهذا مذهب من يرى نسخ السنة بالقرآن وقال بعض العلماء : كله منسوخ في الرجال والنساء ولا يجوز أن يهادن الامام العدو على أن يرد إليهم من جاءه مسلما لأن إقامة المسلم بأرض الشرك لا تجوز وهذا مذهب الكوفيين وعقد الصلح على ذلك جائز عند مالك وقد احتج الكوفيون لما ذهبوا إليه من ذلك بحديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن خالد بن الوليد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى قوم من خثعم فاعتصموا بالسجود فقتلهم فوداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصف الدية وقال ( أنا بريء من كل مسلم أقام مع مشرك في دار الحرب لا تراءى نارهما ( قالوا : فهذا ناسخ لرد المسلمين إلى المشركين إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بريء ممن أقام معهم في دار الحرب ومذهب مالك والشافعي أن هذا الحكم غير منسوخ قال الشافعي : وليس لأحد هذا العقد إلا الخليفة أو رجل يأمره لأنه يلي الأموال كلها فمن عقد غير الخليفة هذا العقد فهو مردود الخامسة قوله تعالى : ( الله أعلم بإيمانهن ) أي هذا الامتحان لكم والله أعلم بإيمانهن لأنه متولي السرائر ( فإن علمتموهن مؤمنات ) أي بما يظهر من الايمان وقيل : إن علمتموهن مؤمنات قبل الامتحان ( فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ) اي لم يحل الله مؤمنة لكافر ولا نكاح مؤمن لمشركة وهذا أدل دليل على أن الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها إسلامها لا هجرتها وقال أبو حنيفة : الذي فرق بينهما هو اختلاف الدارين وإليه إشارة في مذهب مالك بل عبارة والصحيح الأول لأن الله تعالى قال : ( لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ) فبين أن العلة عدم الحل بالاسلام وليس باختلاف الدار والله أعلم وقال أبو عمر : لا فرق بين الدارين لا في الكتاب ولا في السنة ولا في القياس وإنما المراعاة في ذلك الدينان فباختلافهما يقع الحكم وباجتماعهما لا بالدار والله المستعان السادسة قوله تعالى : ( وآتوهم ما أنفقوا ) أمر الله تعالى إذا أمسكت المرأة المسلمة أن يرد على زوجها ما أنفق وذلك من الوفاء بالعهد لأنه لما منع من أهله بحرمة الاسلام أمر برد المال إليه حتى لا يقع عليهم خسران من الوجهين : الزوجة والمال السابعة ولا غرم إلا إذا طالب الزوج الكافر فإذا حضر وطالب منعناها وغرمنا فإن كانت ماتت قبل حضور الزوج لم نغرم المهر إذا لم يتحقق المنع وإن كان المسمى خمرا أو خنزيرا لم نغرم شيئا لأنه لا قيمة له وللشافعي في هذه الآية قولان : أحدهما أن هذا منسوخ قال الشافعي : وإذا جاءتنا المرأة الحرة من أهل الهدنة مسلمة مهاجرة من دار الحرب إلى الامام في دار السلام أو في دار الحرب فمن طلبها من ولي سوى زوجها منع منها بلا عوض وإذا طلبها زوجها لنفسه أو غيره بوكالته ففيه قولان : أحدهما يعطى العوض والقول ما قال الله عز وجل وفيه قول آخر أنه لا يعطى الزوج المشرك الذي جاءت زوجته مسلمة العوض فإن شرط الامام رد النساء كان الشرط ورسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يرد النساء كان شرط من شرط رد النساء منسوخا وليس عليه عوض لأن الشرط المنسوخ باطل ولا عوض للباطل الثامنة أمر الله تعالى برد مثل ما أنفقوا إلى الأزواج وأن المخاطب بهذا الإمام ينفذ مما بين يديه من بيت المال الذي لا يتعين له مصرف وقال مقاتل : يرد المهر الذي يتزوجها من المسلمين فإن لم يتزوجها من المسلمين أحد فليس لزوجها الكافر شيء وقال قتادة : الحكم في رد الصداق إنما هو في نساء أهل العهد فأما من لا عهد بينه وبين المسلمين فلا يرد إليهم الصداق والأمر كما قاله التاسعة قوله تعالى : ( ولا جناح عليكم أن تنكحوهن ) يعني إذا أسلمن وانقضت عدتهن لما ثبت من تحريم نكاح المشركة والمعتدة فإن أسلمت قبل الدخول ثبت النكاح في الحال ولها التزوج العاشرة قوله تعالى : ( إذا آتيتموهن أجورهن ) أباح نكاحها بشرط المهر لأن الاسلام فرق بينها وبين زوجها الكافر الحادية عشرة قوله تعالى : ( ولا تمسكوا بعصم الكوافر ) قراءة العامة بالتخفيف من الامساك وهو اختيار أبي عبيد لقوله تعالى فأمسكوهن بمعروف وقرأ الحسن وأبو العالية وأبو عمرو ( ولا تمسكوا ) مشددة من التمسك يقال : مسك يمسك تمسكا بمعنى أمسك يمسك وقرئ ( ولا تمسكوا ) بنصب التاء أي لا تتمسكوا والعصم جمع العصمة وهو ما اعتصم به والمراد بالعصمة هنا النكاح يقول : من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتد بها فليست له امرأة فقد انقطعت عصمتها لاختلاف الدارين وعن النخعي : هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر وكان الكفار يتزوجون المسلمات والمسلمون يتزوجون المشركات ثم نسخ ذلك في هذه الآية فطلق عمر بن الخطاب حينئذ امرأتين له بمكة مشركتين : قريبة بنت أبي أمية فتزوجها معاوية بن أبي سفيان وهما على شركهما بمكة وأم كلثوم بنت عمرو الخزاعية أم عبد الله بن المغيرة فتزوجها أبو جهم بن حذافة وهما على شركهما فلما ولي عمر قال أبو سفيان لمعاوية : طلق قريبة لئلا يرى عمر سلبه في بيتك فأبى معاوية من ذلك وكانت عند طلحة بن عبيد الله أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ففرق الإسلام بينهما ثم تزوجها في الإسلام خالد بن سعيد بن العاص وكانت ممن فر إلى النبي صلى الله عليه وسلم من نساء الكفار فحبسها وزوجها خالدا وزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب ابنته وكانت كافرة من أبي العاص بن الربيع ثم أسلمت وأسلم زوجها بعدها ذكر عبد الرزاق عن بن جريج عن رجل عن بن شهاب قال : أسلمت زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم وهاجرت بعد النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة الأولى وزوجها أبو العاص بن الربيع عبد العزى مشرك بمكة الحديث وفيه : أنه أسلم بعدها وكذلك قال الشعبي قال الشعبي : وكانت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أبي العاص بن الربيع فأسلمت ثم لحقت بالنبي صلى الله عليه وسلم ثم أتى زوجها المدينة فأمنته فأسلم فردها عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو داود عن عكرمة عن بن عباس : بالنكاح الأول ولم يحدث شيئا قال محمد بن عمر في حديثه : بعد ست سنين وقال الحسن بن علي : بعد سنتين قال أبو عمر : فإن صح هذا فلا يخلو من وجهين : إما أنها لم تحض حتى أسلم زوجها وإما أن الأمر فيها منسوخ بقول الله عز وجل : وبعولتهن أحق بردهن في ذلك يعني في عدتهن وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء أنه عني به العدة وقال بن شهاب الزهري رحمه الله في قصة زينب هذه : كان قبل أن تنزل الفرائض وقال قتادة : كان هذا قبل أن تنزل سورة التوبة بقطع العهود بينهم وبين المشركين والله أعلم الثانية عشرة قوله تعالى : ( بعصم الكوافر ) المراد بالكوافر هنا عبدة الأوثان من لا يجوز إبتداء نكاحها فهي خاصة بالكوافر من غير أهل الكتاب وقيل : هي عامة نسخ منها نساء أهل الكتاب ولو كان إلى ظاهر الآية لم تحل كافرة بوجه وعلى القول الأول إذا أسلم وثني أو مجوسي ولم تسلم امرأته فرق بينهما وهذا قول بعض أهل العلم ومنهم من قال : ينتظر بها تمام العدة فمن قال يفرق بينهما في الوقت ولا ينتظر تمام العدة إذا عرض عليها الإسلام ولم تسلم مالك بن أنس وهو قول الحسن وطاوس ومجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة والحكم واحتجوا بقوله تعالى : ( ولا تمسكوا بعصم الكوافر ) وقال الزهري : ينتظر بها العدة وهو قول الشافعي وأحمد واحتجوا بأن أبا سفيان بن حرب أسلم قبل هند بنت عتبة امرأته وكان إسلامه بمر الظهران ثم رجع إلى مكة وهند بها كافرة مقيمة على كفرها فأخذت بلحيته وقالت : اقتلوا الشيخ الضال ثم أسلمت بعده بأيام فاستقرا على نكاحهما لأن عدتها لم تكن انقضت قالوا : ومثله حكيم بن حزام أسلم قبل امرأته ثم أسلمت بعده فكانا على نكاحهما قال الشافعي : ولا حجة لمن احتج بقوله تعالى : ( ولا تمسكوا بعصم الكوافر ) لأن نساء المسلمين محرمات على الكفار كما أن المسلمين لا تحل لهم الكوافر والوثنيات ولا المجوسيات بقول الله عز وجل : ( ولا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ) ثم بينت السنة أن مراد الله من قوله هذا أنه لا يحل بعضهم لبعض إلا أن يسلم الباقي منهما في العدة وأما الكوفيون وهم سفيان وأبو حنيفة وأصحابه فإنهم قالوا في الكافرين الذميين : إذا أسلمت المرأة عرض على الزوج الاسلام فإن أسلم وإلا فرق بينهما قالوا : ولو كانا حربيين فهي امرأته حتى تحيض ثلاث حيض إذا كانا جميعا في دار الحرب أو في دار الاسلام وإن كان أحدهما في دار الاسلام والآخر في دار الحرب انقطعت العصمة بينهما فراعوا الدار وليس بشيء وقد تقدم الثالة عشرة هذا الاختلاف إنما هو في المدخول بها فإن كانت غير مدخول بها فلا نعلم اختلافا في انقطاع العصمة بينهما إذ لا عدة عليها كذا يقول مالك في المرأة ترتد زوجها مسلم : انقطعت العصمة بينهما وحجته ( ولا تمسكوا بعصم الكوافر ) وهو قول الحسن البصري والحسن بن صالح بن حي ومذهب الشافعي وأحمد أنه ينتظر بها تمام العدة الرابعة عشرة فإن كان الزوجان نصرانيين فأسلمت الزوجة ففيها أيضا اختلاف ومذهب مالك وأحمد والشافعي الوقوف إلى تمام العدة وهو قول مجاهد وكذا الوثني تسلم زوجته إنه إن أسلم في عدتها فهو أحق بها كما كان صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل أحق بزوجتيهما لما أسلما في عدتيهما على حديث بن شهاب ذكره مالك في الموطأ قال بن شهاب : كان بين إسلام صفوان وبين إسلام زوجته نحو من شهر قال بن شهاب : ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجها كافر مقيم بدار الحرب إلا فرقت هجرتها بينه وبينها إلا أن يقدم زوجها مهاجرا قبل أن تنقضي عدتها ومن العلماء من قال : ينفسخ النكاح بينهما قال يزيد بن علقمة : أسلم جدي ولم تسلم جدتي ففرق عمر بينهما رضي الله عنه وهو قول طاوس وجماعة غيره منهم عطاء والحسن وعكرمة قالوا : لا سبيل عليها إلا بخطبة الخامسة عشرة قوله تعالى : ( واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ) قال المفسرون : كان من ذهب من المسلمات مرتدات إلى الكفار من أهل العهد يقال للكفار : هاتوا مهرها ويقال للمسلمين إذا جاء أحد من الكافرات مسلمة مهاجرة : ردوا إلى الكفار مهرها وكان ذلك نصفا وعدلا بين الحالتين وكان هذا حكم الله مخصوصا بذلك الزمان في تلك النازلة خاصة بإجماع الأمة قال بن العربي السادسة عشرة قوله تعالى : ( ذلكم حكم الله ) أي ما ذكر في هذه الآية ( يحكم بينكم والله عليم حكيم ) تقدم في غير موضع < <
الممتحنة : ( 11 ) وإن فاتكم شيء . . . . . > > < > ( الممتحنه 11 ) <
> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وإن فاتكم شيء من أزواجكم ) في الخبر : أن المسلمين قالوا : رضينا بما حكم الله وكتبوا إلى المشركين فامتنعوا فنزلت : ( وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ) وروى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت : حكم الله عز وجل بينكم فقال جل ثناؤه : ( واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ) فكتب إليهم المسلمون : قد حكم الله عز وجل بيننا بأنه إن جاءتكم امرأة منا أن توجهوا إلينا بصداقها وإن جاءتنا امرأة منكم وجهنا إليكم بصداقها فكتبوا إليهم : أما نحن فلا نعلم لكم عندنا شيئا فإن كان لنا عندكم شيء فوجهوا به فأنزل الله عز وجل : ( وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ) وقال بن عباس في قوله تعالى : ( ذلكم حكم الله يحكم بينكم ) أي بين المسلمين والكفار من أهل العهد من أهل مكة يرد بعضهم إلى بعض قال الزهري : ولولا العهد لأمسك النساء ولم يرد إليهم صداقا وقال قتادة ومجاهد : إنما أمروا أن يعطوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من الفيء والغنيمة وقالا : هي فيمن بيننا وبينه عهد وليس بيننا وبينه عهد وقالا : ومعنى ( فعاقبتم ) فاقتصصتم ( فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ) يعني الصدقات فهي عامة في جميع الكفار وقال قتادة أيضا : وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار الذين بينكم وبينهم عهد فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ثم نسخ هذا في سورة التوبة وقال الزهري : انقطع هذا عام الفتح وقال سفيان الثوري : لا يعمل به اليوم وقال قوم : هو ثابت الحكم الآن أيضا حكاه القشيري الثانية قوله تعالى : ( فعاقبتم ) قراءة العامة ( فعاقبتم ) وقرأ علقمة والنخعي وحميد والأعرج ( فعقبتم ) مشددة وقرأ مجاهد ( فأعقبتم ) وقال : صنعتم كما صنعوا بكم وقرأ الزهري ( فعقبتم ) خفيفة بغير ألف وقرأ مسروق وشقيق بن سلمة ( فعقبتم ) بكسر القاف خفيفة وقال : غنمتم وكلها لغات بمعنى واحد يقال : عاقب وعقب وعقب وأعقب وتعقب واعتقب وتعاقب إذا غنم وقال القتبي ( فعاقبتم ) فغزوتم معاقبين غزوا بعد غزو وقال بن بحر : أي فعاقبتم المرتدة بالقتل فلزوجها مهرها من غنائم المسلمين الثالثة قوله تعالى : ( فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ) قال بن عباس : يقول إن لحقت امرأة مؤمنة بكفار أهل مكة وليس بينكم وبينهم عهد ولها زوج مسلم قبلكم فغنمتم فاعطوا هذا الزوج المسلم مهره من الغنيمة قبل أن تخمس وقال الزهري : يعطى من مال الفيء وعنه يعطى من صداق من لحق بنا وقيل : أي إن امتنعوا من أن يغرموا مهر هذه المرأة التي ذهبت إليهم فانبذوا العهد إليهم حتى إذا ظفرتم فخذوا ذلك منهم قال الأعمش : هي منسوخة وقال عطاء : بل حكمها ثابت وقد تقدم جميع هذا القشيري : والآية نزلت في أم الحكم بنت أبي سفيان ارتدت وتركت زوجها عياض بن غنم القرشي ولم ترتد امرأة من قريش غيرها ثم عادت إلى الاسلام وحكى الثعلبي عن بن عباس : هن ست نسوة رجعن عن الاسلام ولحقن بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين : أم الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت عياض بن أبي شداد الفهري وفاطمة بنت أبي أمية بن المغيرة أخت أم سلمة وكانت تحت عمر بن الخطاب فلما هاجر عمر أبت وارتدت وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان وعبدة بنت عبد العزى كانت تحت هشام بن العاص وأم كلثوم بنت جرول تحت عمر بن الخطاب وشهبة بنت غيلان فأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم مهور نسائهم من الغنيمة ( واتقوا الله ) احذروا أن تتعدوا ما أمرتم به < <
الممتحنة : ( 12 ) يا أيها النبي . . . . . > > < > ( الممتحنه 12 ) <
> الأولى قوله تعالى : ( يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ) لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة جاء نساء أهل مكة يبايعنه فأمر أن يأخذ عليهن ألا يشركن وفي صحيح مسلم عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : كان المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحن بقول الله تعالى : ( يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ) إلى آخر الآية قالت عائشة : فمن أقر بهذا من المؤمنات فقد أقر بالمحنة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( انطلقن فقد بايعتكن ( ولا والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط غير أنه بايعهن بالكلام قالت عائشة : والله ما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على النساء قط إلا بما أمره الله عز وجل وما مست كف رسول الله صلى الله عليه وسلم كف امرأة قط وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن ( قد بايعتكن كلاما ( وروى أنه عليه الصلاة والسلام بايع النساء وبين يديه وأيديهن ثوب وكان يشترط عليهن وقيل : لما فرغ من بيعة الرجال جلس على الصفا ومعه عمر أسفل منه فجعل يشترط على النساء البيعة وعمر يصافحهن وروى أنه كلف امرأة وقفت على الصفا فبايعتهن بن العربي : وذلك ضعيف وإنما ينبغي التعويل على ما في الصحيح وقالت أم عطية : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جمع نساء الأنصار في بيت ثم أرسل إلينا عمر بن الخطاب فقام علي الباب فسلم فرددن عليه السلام فقال : أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكن ألا تشركن بالله شيئا فقلن نعم فمد يده من خارج البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت ثم قال : اللهم اشهد وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء فغمس يده فيه ثم أمر النساء فغمسن أيديهن فيه الثانية روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال : ( على أن لا يشركن بالله شيئا ( قالت هند بنت عتبة وهي منتقبة خوفا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرفها لما صنعته بحمزة يوم أحد : والله إنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيتك أخذته على الرجال وكان بايع الرجال يومئذ على الاسلام والجهاد فقط فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ولا يسرقن ( فقالت هند : إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصيب من ماله قوتنا فقال أبو سفيان : هو لك حلال فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وعرفها وقال : ( أنت هند ( فقالت : عفا الله عما سلف ثم قال : ( ولا يزنين ( فقالت هند : أو تزني الحرة ثم قال : ( ولا يقتلن أولادهن ( أي لا يئدن الموءودات ولا يسقطن الأجنة فقالت هند : ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا يوم بدر فأنتم وهم أبصر وروى مقاتل أنها قالت : ربيناهم صغارا وقتلتموهم كبارا وأنتم وهم أعلم فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى وكان حنظلة بن أبي سفيان وهو بكرها قتل يوم بدر ثم قال : ( ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف ( قيل : معنى ( بين أيديهن ) ألسنتهن بالنميمة ومعنى بين ( أرجلهن ) فروجهن وقيل : ما كان بين أيديهن من قبلة أو جسة وبين أرجلهن الجماع وقيل : المعنى لا يلحقن برجالهن ولدا من غيرهم وهذا قول الجمهور وكانت المرأة تلتقط ولدا فتلحقه بزوجها وتقول : هذا ولدي منك فكان هذا من البهتان والافتراء وقيل : ما بين يديها ورجليها كناية عن الولد لأن بطنها الذي تحمل فيه الولد بين يديها وفرجها الذي تلد منه بين رجليها وهذا عام في الاتيان بولد وإلحاقه بالزوج وإن سبق النهي عن الزنى وروى أن هندا لما سمعت ذلك قالت : والله إن البهتان بولد وإلحاقه بالزوج وإن سبق النهي عن الزنى وروى أن هند لما سمعت ذلك قالت : والله إن البهتان لأمر قبيح ما تأمر إلا بالأرشد ومكارم الأخلاق ثم قال : ( ولا يعصينك في معروف ) قال قتادة : لا ينحن ولا تخلو امرأة منهن إلا بذي محرم وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن السائب وزيد بن أسلم : هو ألا يخمشن وجها ولا يشققن جيبا ولا يدعون ويلا ولا ينشرن شعرا ولا يحدثن الرجال إلا ذا محرم وروت أم عطية عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك في النوح وهو قول بن عباس وروى شهر بن حوشب عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( ولا يعصينك في معروف ) فقال : ( هو النوح ( وقال مصعب بن نوح : أدركت عجوزا ممن بايع النبي صلى الله عليه وسلم فحدثتني عنه عليه الصلاة والسلام في قوله ( ولا يعصينك في معروف ) فقال ( النوح ( وفي صحيح مسلم عن أم عطية لما نزلت هذه الآية ( يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئا إلى قوله ولا يعصينك في معروف ) قال : ( كان منه النياحة ( قالت : فقلت يا رسول الله إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية فلا بد لي من أن أسعدهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إلا آل فلان ( وعنها قالت : أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع البيعة ألا ننوح فما وفت منا امرأة إلا خمس : أم سليم وأم العلاء وابنة أبي سبرة امرأة معاذ أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ وقيل : إن المعروف ها هنا الطاعة لله ولرسوله قاله ميمون بن مهران وقال بكر بن عبد الله المزني : لا يعصينك في كل أمر فيه رشدهن الكلبي : هو عام في كل معروف أمر الله عز وجل ورسوله به فروى أن هندا قالت عند ذلك : ما جلسنا في مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء الثالثة ذكر الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام في صفة البيعة خصالا شتى صرح فيهن بأركان النهي في الدين ولم يذكر أركان الأمر وهي ستة أيضا : الشهادة والصلاة والزكاة والصيام والحج والاغتسال من الجنابة وذلك لأن النهي دائم في كل الأزمان وكل الأحوال فكان التنبيه على اشتراط الدائم آكد وقيل : إن هذه المناهي كان في النساء كثير من يرتكبها ولا يحجزهن عنها شرف النسب فخصت بالذكر لهذا ونحو منه قوله عليه الصلاة والسلام لوفد عبد القيس : ( وأنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت ( فنبههم على ترك المعصية في شرب الخمر دون سائر المعاصي لأنها كانت شهوتهم وعادتهم وإذا ترك المرء شهوته من المعاصي هان عليه ترك سائرها مما لا شهوة له فيها الرابعة لما قال النبي صلى الله عليه وسلم في البيعة : ( ولا يسرقن ( قالت هند : يا رسول الله إن أبا سفيان رجل مسيك فهل علي حرج أن آخذ ما يكفيني وولدى قال : ( لا إلا بالمعروف ( فخشيت هند أن تقتصر على ما يعطيها فتضيع أو تأخذ أكثر من ذلك فتكون سارقة ناكثة للبيعة المذكورة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا ( أي لا حرج عليك فيما أخذت بالمعروف يعني من غير استطالة إلى أكثر من الحاجة قال بن العربي : وهذا إنما هو فيما لا يخزنه عنها في حجاب ولا يضبط عليه بقفل فإنه إذا هتكته الزوجة وأخذت منه كانت سارقة تعصي به وتقطع يدها الخامسة قال عبادة بن الصامت : أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخذ على النساء : ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا يعضه بعضكم بعضا ولا تعصوا في معروف أمركم به ( معنى يعضه يسحر والعضه : السحر ولهذا قال بن بحر وغيره في قوله تعالى : ( ولا يأتين ببهتان ) إنه السحر وقال الضحاك : هذا نهي عن البهتان أي لا يعضهن رجلا ولا امرأة ( ببهتان ) أي بسحر والله أعلم ( يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ) والجمهور على أن معنى ( ببهتان ) بولد يفترينه بين أيديهن ( ما أخذته لقيطا ( وأرجلهن ) ما ولدته من زنى وقد تقدم السادسة قوله تعالى : ( ولا يعصينك في معروف ) في البخاري عن بن عباس في قوله تعالى : ( ولا يعصينك في معروف ) قال : إنما هو شرط شرطه الله للنساء واختلف في معناه على ما ذكرنا والصحيح أنه عام في جميع ما يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم وينهى عنه فيدخل فيه النوح وتخريق الثياب وجز الشعر والخلوة بغير محرم إلى غير ذلك وهذه كلها كبائر ومن أفعال الجاهلية وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أربع في أمتي من أمر الجاهلية ( فذكر منها النياحة وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هذه النوائح يجعلن يوم القيامة صفين صفا عن اليمين وصفا عن اليسار ينبحن كما تنبح الكلاب في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ثم يؤمر بهن إلى النار ( وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تصلي الملائكة على نائحة ولا مرنة ( وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع نائحة فأتاها فضربها بالدرة حتى وقع خمارها عن رأسها فقيل : يا أمير المؤمنين المرأة المرأة قد وقع خمارها فقال : إنها لا حرمة لها أسند جميعه الثعلبي رحمه الله أما تخصيص قوله : ( في معروف ) مع قوة قوله : ( ولا يعصينك ) ففيه قولان : أحدهما أنه تفسير للمعنى على التأكيد كما قال تعالى : قال رب احكم بالحق لأنه لو قال أحكم لكفى الثاني إنما شرط المعروف في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يكون تنبيها على أن غيره أولى بذلك وألزم له وأنفى للإشكال السابعة روى البخاري عن عبادة بن الصامت قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( أتبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا ( قرأ آية النساء وأكثر لفظ سفيان قرأ في الآية ( فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له منها ( وفي الصحيحين عن بن عباس قال : شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب فنزل نبي الله صلى الله عليه وسلم فكأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال فقال : ( يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ) حتى فرغ من الآية كلها ثم قال حين فرغ : أنتن على ذلك ( فقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها : نعم يا رسول الله لا يدري الحسن من هي قال : ( فتصدقن ( وبسط بلال ثوبه فجعلن يلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال لفظ البخاري الثامنة قال المهدوي : أجمع المسلمون على أنه ليس للإمام أن يشترط عليهن هذا والأمر بذلك ندب لا إلزام وقال بعض أهل النظر : إذا احتيج إلى المحنة من أجل تباعد الدار كان على إمام المسلمين إقامة المحنة < <
الممتحنة : ( 13 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( الممتحنه 13 ) < > قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم ) يعني اليهود وذلك أن ناسا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود بأخبار المؤمنين ويواصلونهم فيصيبون بذلك من ثمارهم فنهوا عن ذلك ( قد يئسوا من الآخرة ) يعني اليهود قال بن زيد وقيل : هم المنافقون وقال الحسن : هم اليهود والنصارى قال بن مسعود : معناه أنهم تركوا العمل للآخرة وآثروا الدنيا وقيل : المعنى يئسوا من ثواب الآخرة قاله مجاهد ومعنى ( كما يئس الكفار ) أي الأحياء من الكفار ( من أصحاب القبور ) أن رجعوا إليهم قاله الحسن وقتادة قال بن عرفة : وهم الذين قالوا : وما يهلكنا إلا الدهر الجاثية وقال مجاهد : المعنى كما يئس الكفار الذين في القبور أن يرجعوا إلى الدنيا وقيل : إن الله تعالى ختم السورة بما بدأها من ترك موالاة الكفار وهي خطاب لحاطب بن أبي بلتعة وغيره قال بن عباس : ( يا أيها الذين آمنوا لاتتولوا ) أي لا توالوهم ولا تناصحوهم رجع تعالى بطوله وفضله على حاطب بن أبي بلتعة يريد أن كفار قريش قد يئسوا من خير الآخرة كما يئس الكفار المقبورون من حظ يكون لهم في الآخرة من رحمة الله تعالى وقال القاسم بن أبي بزة في قوله تعالى ( قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور ) قال : من مات من الكفار يئس من الخير والله أعلم < > تفسير سورة الصف < > مدنية في قول الجميع فيما ذكر الماوردي وقيل إنها مكية ذكره النحاس عن بن عباس وهي أربع عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم < < الصف : ( 1 ) سبح لله ما . . . . . > > < > ( الصف 1 ) < > تقدم < < الصف : ( 2 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( الصف 2 : 3 ) <
> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ) روى الدارمي أبو محمد في مسنده أخبرنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام قال : قعدنا نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذاكرنا فقلنا : لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله تعالى لعملناه فأنزل الله تعالى ( سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ) حتى ختمها قال عبد الله : فقرأها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ختمها قال أبو سلمة : فقرأها علينا بن سلام قال يحيى : فقرأها علينا أبو سلمة وقرأها علينا يحيى وقرأها علينا الأوزاعي وقرأها علينا محمد وقال بن عباس قال عبد الله بن رواحة لو علمنا أحب الأعمال إلى الله لعملناه فلما نزل الجهاد كرهوه وقال الكلبي : قال المؤمنون يا رسول الله لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لسارعنا إليها فنزلت ( هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم الصف ) فمكثوا زمانا يقولون : لو نعلم ما هي لاشتريناها بالأموال والأنفس والأهلين فدلهم الله تعالى عليها بقوله : ( تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم الصف ) الآية فابتلوا يوم أحد ففروا فنزلت تعيرهم بترك الوفاء وقال محمد بن كعب : لما أخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بثواب شهداء بدر قالت الصحابة : اللهم اشهد لئن لقينا قتالا لنفرغن فيه وسعنا ففروا يوم أحد فعيرهم الله بذلك وقال قتادة والضحاك : نزلت في قوم كانوا يقولون : نحن جاهدنا وأبلينا ولم يفعلوا وقال صهيب : كان رجل قد آذى المسلمين يوم بدر وأنكاهم فقتلته فقال رجل يا نبي الله إني قتلت فلانا ففرح النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف : يا صهيب أما أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنك قتلت فلانا فإن فلانا انتحل قتله فأخبره فقال : ( أكذلك يا أبا يحيى ( قال نعم والله يا رسول الله فنزلت الآية في المنتحل وقال بن زيد : نزلت في المنافقين كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه : إن خرجتم وقاتلتم خرجنا معكم وقاتلنا فلما خرجوا نكصوا عنهم وتخلفوا الثانية هذه الآية توجب على كل من ألزم نفسه عملا فيه طاعة أن يفي بها وفي صحيح مسلم عن أبي موسى أنه بعث إلى قراء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرؤوا القرآن فقال : أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ب براءة فأنسيتها غير إني قد حفظت منها لو كان لآبن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملأ جوف بن آدم إلا التراب وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أني حفظت منها ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ) فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة قال بن العربي : وهذا كله ثابت في الدين أما قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ) فثابت في الدين لفظا ومعنى في هذه السورة وأما قوله : شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة فمعنى ثابت في الدين فإن من التزم شيئا لزمه شرعا والملتزم على قسمين : أحدهما النذر وهو على قسمين نذر تقرب مبتدأ كقوله : لله علي صلاة وصوم وصدقة ونحوه من القرب فهذا يلزم الوفاء به إجماعا ونذر مباح وهو ما علق بشرط رغبة كقوله : إن قدم غائبي فعلي صدقة أو علق بشرط رهبة كقوله : إن كفاني الله شر كذا فعلي صدقة فاختلف العلماء فيه فقال مالك وأبو حنيفة : يلزمه الوفاء به وقال الشافعي في أحد أقواله : إنه لا يلزمه الوفاء به وعموم الآية حجة لنا لأنها بمطلقها تتناول ذم من قال ما لا يفعله على أي وجه كان من مطلق أو مقيد بشرط وقد قال أصحابه : إن النذر إنما يكون بما القصد منه القربة مما هو من جنس القربة وهذا وإن كان من جنس القربة لكنه لم يقصد به القربة وإنما قصد منع نفسه عن فعل أو الإقدام على فعل قلنا : القرب الشرعية مشقات وكلف وإن كانت قربات وهذا تكلف التزام هذه القربة بمشقة لجلب نفع أو دفع ضر فلم يخرج عن سنن التكليف ولا زال عن قصد التقرب قال بن العربي : فإن كان المقول منه وعدا فلا يخلو أن يكون منوطا بسبب كقوله : إن تزوجت أعنتك بدينار أو ابتعت حاجة كذا أعطيتك كذا فهذا لازم إجماعا من الفقهاء وإن كان وعدا مجردا فقيل يلزم بتعلقه وتعلقوا بسبب الآية فإنه روى أنهم كانوا يقولون : لو نعلم أي الأعمال أفضل أو أحب إلى الله لعملناه فأنزل الله تعالى هذه الآية وهو حديث لا بأس به وقد روى عن مجاهد أن عبد الله بن رواحة لما سمعها قال : لا أزال حبيسا في سبيل الله حتى أقتل والصحيح عندي : أن الوعد يجب الوفاء به على كل حال إلا لعذر قلت : قال مالك : فأما العدة مثل أن يسأل الرجل الرجل أن يهب له الهبة فيقول له نعم ثم يبدو له ألا يفعل فما أرى ذلك يلزمه وقال بن القاسم : إذا وعد الغرماء فقال : أشهدكم أني قد وهبت له من أن يؤدي إليكم فإن هذا يلزمه وأما أن يقول نعم أنا أفعل ثم يبدو له فلا أرى عليه ذلك قلت : أي لا يقضى عليه بذلك فأما في مكارم الأخلاق وحسن المروءة فنعم وقد أثنى الله تعالى على من صدق وعده ووفى بنذره فقال : والموفون بعهدهم إذا عاهدوا وقال تعالى : واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد مريم وقد تقدم بيانهالثالثة قال النخعي : ثلاث آيات منعتني أن أقص على الناس أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ) وخرج أبو نعيم الحافظ من حديث مالك بن دينار عن ثمامة أن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أتيت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت وفت ( قلت : ( من هؤلاء يا جبريل ( قال : ( هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ولا يفعلون ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون ( وعن بعض السلف أنه قيل له : حدثنا فسكت ثم قيل له : حدثنا فقال : أترونني أن أقول ما لا أفعل فأستعجل مقت الله الرابعة قوله تعالى : ( لم تقولون ما لا تفعلون ) استفهام على جهة الإنكار والتوبيخ على أن يقول الإنسان عن نفسه من الخير ما لا يفعله أما في الماضي فيكون كذبا وأما في المستقبل فيكون خلفا وكلاهما مذموم وتأول سفيان بن عيينة قوله تعالى : ( لم تقولون ما لا تفعلون ) أي لم تقولون ما ليس الأمر فيه إليكم فلا تدرون هل تفعلون أو لا تفعلون فعلى هذا يكون الكلام محمولا على ظاهره في إنكار القول الخامسة قوله تعالى : ( كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون ) قد يحتج به في وجوب الوفاء في اللجاج والغضب على أحد قولي الشافعي وأن ) وقع بالابتداء وما قبلها الخبر وكأنه قال : قولكم ما لا تفعلون مذموم ويجوز أن يكون خبر إبتداء محذوف الكسائي : ( أن ) في موضع رفع لأن ( كبر ) فعل بمنزلة بئس رجلا أخوك ومقتا ) نصب بالتمييز المعنى كبر قولهم ما لا يفعلون مقتا وقيل : هو حال والمقت والمقاتة مصدران يقال : رجل مقيت وممقوت إذا لم يحبه الناس < <
الصف : ( 4 ) إن الله يحب . . . . . > > < > ( الصف 4 ) < > فيه ثلاث مسائل : الاولى قوله تعالى : ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ) أي يصفون صفا : والمفعول مضمر أي يصفون أنفسهم صفا ( كأنهم بنيان مرصوص ) قال الفراء : مرصوص بالرصاص وقال المبرد : هو من رصصت البناء إذا لاءمت بينه وقاربت حتى يصير كقطعة واحدة وقيل : هو من الرصيص وهو انضمام الأسنان بعضها إلى بعض والتراص التلاصق ومنه وتراصوا في الصف ومعنى الآية : يحب من يثبت في الجهاد في سبيل الله ويلزم مكانه كثبوت البناء وقال سعيد بن جبير : هذا تعليم من الله تعالى للمؤمنين كيف يكونون عند قتال عدوهم الثانية وقد استدل بعض أهل التأويل بهذا على أن قتال الراجل افضل من قتال الفارس لأن الفرسان لا يصطفون على هذه الصفة المهدوي وذلك غير مستقيم لما جاء في فضل الفارس في الأجر والغنيمة ولا يخرج الفرسان من معنى الآية لأن معناه الثبات الثالثة لا يجوز الخروج عن الصف إلا لحاجة تعرض للإنسان أو في رسالة يرسلها الإمام أو في منفعة تظهر في المقام كفرصة تنتهز ولا خلاف فيها وفي الخروج عن الصف للمبارزة خلاف على قولين : أحدهما أنه لا بأس بذلك إرهابا للعدو وطلبا للشهادة وتحريضا على القتال وقال أصحابنا : لا يبرز أحد طالبا لذلك لأن فيه رياء وخروجا إلى ما نهى الله عنه من لقاء العدو وإنما تكون المبارزة إذا طلبها الكافر كما كانت في حروب النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر وفي غزوة خيبر وعليه درج السلف وقد مضى القول مستوفى في هذا في البقرة عند قوله تعالى : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة < < الصف : ( 5 ) وإذ قال موسى . . . . . > > < > ( الصف 5 ) < > قوله تعالى : ( وإذ قال موسى لقومه ) لما ذكر أمر الجهاد بين أن موسى وعيسى أمرا بالتوحيد وجاهدا في سبيل الله وحل العقاب بمن خالفهما أي واذكر لقومك يا محمد هذه القصة قوله تعالى : ( يا قوم لم تؤذونني ) وذلك حين رموه بالأدرة حسب ما تقدم في آخر سورة الأحزاب ومن الأذى ما ذكر في قصة قارون : إنه دس إلى امرأة تدعى على موسى الفجور ومن الأذى قولهم : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة وقولهم : فاذهب أنت وربك فقاتلا وقولهم : إنك قتلت هارون وقد تقدم هذا ( وقد تعلمون أني رسول الله إليكم ) والرسول يحترم ويعظم ودخلت ( قد ) على ( تعلمون ) للتأكيد كأنه قال : وتعلمون علما يقينا لا شبهة لكم فيه ( فلما زاغوا ) أي مالوا عن الحق ( أزاغ الله قلوبهم ) أي أمالها عن الهدى وقيل : ( فلما زاغوا ) عن الطاعة ( أزاغ الله قلوبهم ) عن الهداية وقيل : ( فلما زاغوا ) عن الإيمان ( أزاغ الله قلوبهم ) عن الثواب وقيل : أي لما تركوا ما أمروا به من احترام الرسول عليه السلام وطاعة الرب خلق الله الضلالة في قلوبهم عقوبة لهم على فعلهم < < الصف : ( 6 ) وإذ قال عيسى . . . . . > > < > ( الصف 6 ) <
> قوله تعالى : ( وإذ قال عيسى بن مريم ) أي واذكر لهم هذه القصة أيضا وقال : ( يا بني إسرائيل ) ولم يقل ( يا قوم ) كما قال موسى لأنه لا نسب له فيهم فيكونون قومه ( إني رسول الله إليكم ) أي بالانجيل ( مصدقا لما بين يدي من التوراة ) لأن في التوراة صفتي وأني لم آتكم بشيء يخالف التوراة فتنفروا عني ( ومبشرا برسول ) مصدقا ( ومبشرا ) نصب على الحال والعامل فيها معنى الارسال وإليكم ) صلة الرسول ( يأتي من بعدي اسمه أحمد ) قرأ نافع وبن كثير وأبو عمرو ( من بعدي ) بفتح الياء وهي قراءة السلمي وزر بن حبيش وأبي بكر عن عاصم واختاره أبو حاتم لأنه اسم مثل الكاف من بعدك والتاء من قمت الباقون بالاسكان وقرئ ( من بعدي اسمه أحمد ) بحذف الياء من اللفظ وأحمد ) اسم نبينا صلى الله عليه وسلم وهو اسم علم منقول من صفة لا من فعل فتلك الصفة أفعل التي يراد بها التفضيل فمعنى ( أحمد ) أي أحمد الحامدين لربه والأنبياء صلوات الله عليهم كلهم حامدون الله ونبينا أحمد أكثرهم حمدا وأما محمد فمنقول من صفة أيضا وهي في معنى محمود ولكن فيه معنى المبالغة والتكرار فالمحمد هو الذي حمد مرة بعد مرة كما أن المكرم من الكرم مرة بعد مرة وكذلك الممدح ونحو ذلك فاسم محمد مطابق لمعناه والله سبحانه سماه قبل أن يسمى به نفسه فهذا علم من أعلام نبوته إذ كان اسمه صادقا عليه فهو محمود في الدنيا لما هدى إليه ونفع به من العلم والحكمة وهو محمود في الآخرة بالشفاعة فقد تكرر معنى الحمد كما يقتضي اللفظ ثم إنه لم يكن محمدا حتى كان أحمد حمد ربه فنبأه وشرفه فلذلك تقدم اسم أحمد على الاسم الذي هو محمد فذكره عيسى عليه السلام فقال : ( اسمه أحمد ) وذكره موسى عليه السلام حين قال له ربه : تلك أمة أحمد فقال : اللهم اجعلني من أمة أحمد فبأحمد ذكره قبل أن يذكره بمحمد لأن حمده لربه كان قبل حمد الناس له فلما وجد وبعث كان محمدا بالفعل وكذلك في الشفاعة يحمد ربه بالمحامد التي يفتحها عليه فيكون أحمد الناس لربه ثم يشفع فيحمد على شفاعته وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( اسمي في التوراة أحيد لأني أحيد أمتي عن النار واسمي في الزبور الماحي محا الله بي عبدة الأوثان واسمي في الانجيل أحمد واسمي في القرآن محمد وأحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي تحشر الناس على قدمي وأنا العاقب ( وقد تقدم ( فلما جاءهم بالبينات ) قيل عيسى وقيل محمد صلى الله عليه وسلم ( قالوا هذا سحر مبين ) قرأ الكسائي وحمزة ( ساحر ) نعتا للرجل وروى أنها قراءة بن مسعود الباقون ( سحر ) نعتا لما جاء به الرسول < < الصف : ( 7 ) ومن أظلم ممن . . . . . > > < > ( الصف 7 ) < > قوله تعالى : ( ومن أظلم ) أي لا أحد أظلم ( ممن افترى على الله الكذب ) تقدم في غير موضع ( وهو يدعى إلى الاسلام ) هذا تعجب ممن كفر بعيسى ومحمد بعد المعجزات التي ظهرت لهما وقرأ طلحة بن مصرف ( وهو يدعي ) بفتح الياء والدال وشدها وكسر العين أي ينتسب ويدعي وينتسب سواء ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) أي من كان في حكمه أنه يختم له بالضلالة < < الصف : ( 8 ) يريدون ليطفئوا نور . . . . . > > < > ( الصف 8 ) <
> قوله تعالى : ( يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ) الإطفاء هو الاخماد يستعملان في النار ويستعملان فيما يجرى مجراها من الضياء والظهور ويفترق الإطفاء والاخماد من وجه وهو أن الاطفاء يستعمل في القليل والكثير والاخماد إنما يستعمل في الكثير دون القليل فيقال : أطفأت السراج ولا يقال أخمدت السراج وفي ( نور الله ) هنا خمسة أقاويل : أحدها أنه القرآن يريدون إبطاله وتكذيبه بالقول قاله بن عباس وبن زيد والثاني أنه الاسلام يريدون دفعه بالكلام قاله السدي الثالث أنه محمد صلى الله عليه وسلم يريدون هلاكه بالأراجيف قاله الضحاك الرابع حجج الله ودلائله يريدون إبطالها بإنكارهم وتكذيبهم قاله بن بحر الخامس أنه مثل مضروب أي من أراد إطفاء نور الشمس بفيه فوجده مستحيلا ممتنعا فكذلك من أراد إبطال الحق حكاه بن عيسى وسبب نزول هذه الآية ما حكاه عطاء عن بن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم أبطأ عليه الوحي أربعين يوما فقال كعب بن الأشرف : يا معشر اليهود أبشروا فقد أطفأ الله نور محمد فيما كان ينزل عليه وما كان ليتم أمره فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية واتصل الوحي بعدها حكى جميعه الماوردي رحمه الله ( والله متم نوره ) أي بإظهاره في الآفاق وقرأ بن كثير وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم ( والله متم نوره ) بالاضافة على نية الانفصال كقوله تعالى : كل نفس ذائقة الموت وشبهه حسب ما تقدم بيانه في آل عمران الباقون ( متم نوره ) لأنه فيما يستقبل فعمل ( ولو كره الكافرون ) من سائر الأصناف < < الصف : ( 9 ) هو الذي أرسل . . . . . > > < > ( الصف 9 ) < > قوله تعالى : ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ) أي محمدا بالحق والرشاد ( ليظهره على الدين كله ) اي بالحجج ومن الظهور الغلبة باليد في القتال وليس المراد بالظهور ألا يبقى دين آخر من الأديان بل المراد يكون أهل الاسلام عالين غالبين ومن الإظهار ألا يبقى دين سوى الاسلام في آخر الزمان قال مجاهد : وذلك إذا نزل عيسى لم يكن في الأرض دين إلا دين الاسلام في آخر الزمان قال مجاهد : وذلك إذا نزل عيسى لم يكن في الأرض دين إلا دين الاسلام وقال أبو هريرة : ( ليظهره على الدين كله ) بخروج عيسى وحينئذ لا يبقى كافر إلا أسلم وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لينزلن بن مريم حكما عادلا فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد ( وقيل : ( ليظهره ) أي ليطلع محمدا صلى الله عليه وسلم على سائر الأديان حتى يكون عالما بها عارفا بوجوه بطلانها وبما حرفوا وغيروا منها ( على الدين ) أي الأديان لأن الدين مصدر يعبر به عن جمع < < الصف : ( 10 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( الصف 10 : 13 ) <
> الأولى قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ) قال مقاتل : نزلت في عثمان بن مظعون وذلك أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لو أذنت لي فطلقت خولة وترهبت واختصيت وحرمت اللحم ولا أنام بليل أبدا ولا أفطر بنهار أبدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن من سنتي النكاح ولا رهبانية في الاسلام إنما رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله وخصاء أمتي الصوم ولا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ومن سنتي أنام وأقوم وأفطر وأصوم فمن رغب عن سنتي فليس مني ( فقال عثمان : والله لوددت يا نبي الله أي التجارات أحب إلى الله فأتجر فيها فنزلت وقيل : ( أدلكم ) أي سأدلكم والتجارة الجهاد قال الله تعالى : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم الآية وهذا خطاب لجميع المؤمنين وقيل : لأهل الكتاب الثانية قوله تعالى : ( تنجيكم ) أي تخلصكم ( من عذاب أليم ) أي مؤلم وقد تقدم وقراءة العامة ( تنجيكم ) بإسكان النون من الانجاء وقرأ الحسن وبن عامر وأبو حيوة ( تنجيكم ) مشددا من التنجية ثم بين التجارة وهي المسألة : الثالثة فقال : ( تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ) ذكر الأموال أولا لأنها التي يبدأ بها في الانفاق ( ذلكم ) أي هذا الفعل ( خير لكم ) من أموالكم وأنفسكم ( إن كنتم تعلمون ) و ( تؤمنون ) عند المبرد والزجاج في معنى آمنوا ولذلك جاء ( يغفر لكم ) مجزوما على أنه جواب الأمر وفي قراءة عبد الله ( آمنوا بالله ) وقال الفراء ( يغفر لكم ) جواب الاستفهام وهذا إنما يصح على الحمل على المعنى وذلك أن يكون ( تؤمنون بالله وتجاهدون ) عطف بيان على قوله : ( هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ) كأن التجارة لم يدر ما هي فبينت بالايمان والجهاد فهي هما في المعنى فكأنه قال : هل تؤمنون بالله وتجاهدون يغفر لكم الزمخشري : وجه قول الفراء أن متعلق الدلالة هو التجارة والتجارة مفسرة بالايمان والجهاد كأنه قيل : هل تتجرون بالايمان والجهاد يغفر لكم قال المهدوي : فإن لم تقدر هذا التقدير لم تصح المسألة لأن التقدير يصير إن دللتم يغفر لكم والغفران إنما نعت بالقبول والايمان لا بالدلالة قال الزجاج : ليس إذا دلهم على ما ينفعهم يغفر لهم إنما يغفر لهم إذا آمنوا وجاهدوا وقرأ زيد بن علي ( تؤمنوا ) ( وتجاهدوا ) على إضمار لام الأمر كقوله : محمد تفد نفسك كل نفس إذا ما خفت من شيء تبالا أراد لتفد وأدغم بعضهم فقال : ( يغفر لكم ) والأحسن ترك الإدغام لأن الراء حرف متكرر قوي فلا يحسن إدغامه في اللام لأن الأقوى لا يدغم إلا في الأضعف الرابعة قوله تعالى : ( ومساكن طيبة ) خرج أبو الحسين الأجري عن الحسن قال : سألت عمران بن الحصين وأبا هريرة عن تفسير هذه الآية ( ومساكن طيبة ) فقالا : على الخبير سقطت سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال : ( قصر من لؤلؤة في الجنة فيه سبعون دارا من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتا من زبرجدة خضراء في كل بيت سبعون سريرا على كل سرير سبعون فراشا من كل لون على كل فراش سبعون امرأة من الحور العين في كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لونا من الطعام في كل بيت سبعون وصيفا ووصيفة فيعطي الله تبارك وتعالى المؤمن من القوة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك كله ( في جنات عدن ) أي إقامة ( ذلك الفوز العظيم ) أي السعادة الدائمة الكبيرة وأصل الفوز الظفر بالمطوب الخامسة قوله تعالى : ( وأخرى تحبونها ) قال الفراء والأخفش : ( أخرى ) معطوفة على ( تجارة ) فهي في محل خفض وقيل : محلها رفع أي ولكم خصلة أخرى وتجارة أخرى تحبونها ( نصر من الله ) أي هو نصر من الله فنصر ) على هذا تفسير ( وأخرى ) وقيل : رفع على البدل من ( أخرى ) أي ولكم نصر من الله ( وفتح قريب ) أي غنيمة في عاجل الدنيا وقيل فتح مكة وقال بن عباس : يريد فتح فارس والروم ( وبشر المؤمنين ) برضا الله عنهم < <
الصف : ( 14 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( الصف 14 ) < > أكد أمر الجهاد أي كونوا حواري بينكم ليظهركم الله على من خالفكم كما أظهر حواري عيسى على من خالفهم وقرأ بن كثير وأبو عمرو ونافع ( أنصارا لله ) بالتنوين قالوا : لأن معناه أثبتوا وكونوا أعوانا لله بالسيف على أعدائه وقرأ الباقون من أهل البصرة والكوفة والشام ( أنصار الله ) بلا تنوين وحذفوا لام الإضافة من اسم الله تعالى واختاره أبو عبيد لقوله : ( نحن أنصار الله ) ولم ينون ومعناه كونوا أنصارا لدين الله ثم قيل : في الكلام إضمار أي قل لهم يا محمد كونوا أنصار الله وقيل : هو إبتداء خطاب من الله أي كونوا أنصارا كما فعل أصحاب عيسى فكانوا بحمد الله أنصارا وكانوا حواريين والحواريون خواص الرسل قال معمر : كان ذلك بحمد الله أي نصروه وهم سبعون رجلا وهم الذين بايعوه ليلة العقبة وقيل : هم من قريش وسماهم قتادة : أبا بكر وعمر وعلي وطلحة والزبير وسعد بن مالك وأبا عبيدة واسمه عامر وعثمان بن مظعون وحمزة بن عبد المطلب ولم يذكر سعيدا فيهم وذكر جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين ( كما قال عيسى بن مريم للحواريين ) وهم أصفياؤه إثنا عشر رجلا وقد مضت أسماؤهم في آل عمران وهم أول من آمن به من بني إسرائيل قاله بن عباس وقال مقاتل قال الله لعيسى إذا دخلت القرية فأت النهر الذي عليه القصارون فآسألهم النصرة فأتاهم عيسى وقال : من أنصاري إلى الله قالوا : نحن ننصرك فصدقوه ونصروه ومعنى ( من أنصاري إلى الله ) أي من أنصاري مع الله كما تقول : الذود إلى الذود إبل أي مع الذود وقيل : أي من أنصاري فيما يقرب إلى الله وقد مضى هذا في آل عمران ( فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة ) والطائفتان في زمن عيسى افترقوا بعد رفعه إلى السماء على ما تقدم في آل عمران بيانه ( فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم ) الذين كفروا بعيسى ( فأصبحوا ظاهرين ) أي غالبين قال بن عباس : أيد الله الذين آمنوا في زمن عيسى بإظهار محمد على دين الكفار وقال مجاهد : أيدوا في زمانهم على من كفر بعيسى وقيل أيدنا الأن المسلمين على الفرقتين الضالتين من قال كان الله فارتفع ومن قال كان بن الله فرفعه الله إليه لأن عيسى بن مريم لم يقاتل أحدا ولم يكن في دين أصحابه بعده قتال وقال زيد بن علي وقتادة : ( فأصبحوا ظاهرين ) غالبين بالحجة والبرهان لأنهم قالوا فيما روى : ألستم تعلمون أن عيسى كان ينام والله لا ينام وأن عيسى كان يأكل والله تعالى لا يأكل وقيل : نزلت هذه الآية في رسل عيسى عليه الصلاة والسلام قال بن إسحاق : وكان الذي بعثهم عيسى من الحواريين والأتباع فطرس وبولس إلى رومية وأندراييس ومشى إلى الأرض ألتي يأكل أهلها الناس وتوماس إلى أرض بابل من أرض المشرق وفيلبس إلى قرطاجنة وهي أفريقية ويحنس إلى دقسوس قرية أهل الكهف ويعقوبس إلى أورشليم وهي بيت المقدس وبن تلما إلى العرابية وهي أرض الحجاز وسيمن إلى أرض البربر ويهودا وبردس إلى الإسكندرية وما حولها فأيدهم الله بالحجة ( فأصبحوا ظاهرين ) أي عالين من قولك : ظهرت على الحائط أي علوت عليه والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب < > تفسير سورة الجمعة <
> مدنية في قول الجميع وهي إحدى عشرة آية وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة ( وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فاختلفوا فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه هدانا الله له قال يوم الجمعة فاليوم لنا وغدا لليهود وبعد غد للنصارى ( بسم الله الرحمن الرحيم < < الجمعة : ( 1 ) يسبح لله ما . . . . . > > < > ( الجمعه 1 ) < > تقدم الكلام فيه وقرأ أبو العالية ونصر بن عاصم ( الملك القدوس العزيز الحكيم ) كلها رفعا أي هو الملك < < الجمعة : ( 2 ) هو الذي بعث . . . . . > > < > ( الجمعه 2 ) < > قوله تعالى : ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ) قال بن عباس : الاميون العرب كلهم من كتب منهم ومن لم يكتب لأنهم لم يكونوا أهل كتاب وقيل : الأميون الذين لا يكتبون وكذلك كانت قريش وروى منصور عن إبراهيم قال : الأمي الذي يقرأ ولا يكتب وقد مضى في البقرة ( رسولا منهم ) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وما من حي من العرب إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة وقد ولدوه قال بن إسحاق : إلا حي تغلب فإن الله تعالى طهر نبيه صلى الله عليه وسلم منهم لنصرانيتهم فلم يجعل لهم عليه ولادة وكان أميا لم يقرأ من كتاب ولم يتعلم صلى الله عليه وسلم قال الماوردي : فإن قيل ما وجه الامتنان فإن بعث نبيا أميا فالجواب عنه من ثلاثة أوجه : أحدها لموافقته ما تقدمت به بشارة الأنبياء الثاني لمشاكلة حال لأحوالهم فيكون أقرب إلى موافقتهم الثالث لينتفى عنه سوء الظن في تعليمه ما دعا إليه من الكتب التي قرأها والحكم التي تلاها قلت : وهذا كله دليل معجزته وصدق نبوته قوله تعالى : ( يتلو عليهم آياته ) يعني القرآن ( ويزكيهم ) أي يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان قاله بن عباس وقيل : يطهرهم من دنس الكفر والذنوب قاله بن جريج ومقاتل وقال السدي : يأخذ زكاة أموالهم ( ويعلمهم الكتاب ) يعني القرآن ( والحكمة ) السنة قاله الحسن وقال بن عباس : ( الكتاب ) الخط بالقلم لأن الخط فشا في العرب بالشرع لما أمروا بتقييده بالخط وقال مالك بن أنس : ( الحكمة ) الفقه في الدين وقد مضى القول في هذا في البقرة ( وإن كانوا من قبل ) أي من قبله وقبل أن يرسل إليهم ( لفي ضلال مبين ) أي في ذهاب عن الحق < < الجمعة : ( 3 ) وآخرين منهم لما . . . . . > > < > ( الجمعه 3 ) <
> قوله تعالى : ( وآخرين منهم ) هو عطف على ( الأميين ) أي بعث في الأميين وبعث في آخرين منهم ويجوز أن يكون منصوبا بالعطف على الهاء والميم في : يعلمهم ويزكيهم أي يعلمهم ويعلم آخرين من المؤمنين لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مسندا إلى أوله فكأنه هو الذي تولى كل ما وجد منه ( لما يلحقوا بهم ) أي لم يكونوا في زمانهم وسيجيئون بعدهم قال بن عمر وسعيد بن جبير : هم العجم وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نزلت عليه سورة الجمعة فلما قرأ ( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ) قال رجل : من هؤلاء يا رسول الله فلم يراجعه النبي صلى الله عليه وسلم حتى سأله مرة أو مرتين أو ثلاثا قال : وفينا سلمان الفارسي قال : فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على سلمان ثم قال : ( لو كان الايمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء ( في رواية ( لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس أو قال من أبناء فارس حتى يتناوله ( لفظ مسلم وقال عكرمة : هم التابعون مجاهد : هم الناس كلهم يعني من بعد العرب الذين بعث فيهم محمد صلى الله عليه وسلم وقاله بن زيد ومقاتل بن حيان قالا : هم من دخل في الاسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة وروى سهل بن سعد الساعدي : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن في أصلاب أمتي رجالا ونساء يدخلون الجنة بغير حساب ثم تلا ( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ) والقول الأول أثبت وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( رأيتني أسقي غنما سودا ثم أتبعها عنما عفرا أولها يا أبا بكر ( فقال : يا رسول الله أما السود فالعرب وأما العفر فالعجم تتبعك بعد العرب فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( كذا أولها الملك ( يعني جبريل عليه السلام رواه بن أبي ليلى عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو علي بن أبي طالب رضي الله عنه < < الجمعة : ( 4 ) ذلك فضل الله . . . . . > > < > ( الجمعه 4 ) < > قال بن عباس : حيث ألحق العجم بقريش وقيل : يعني الاسلام فضل الله يؤتيه من يشاء قاله الكلبي وقيل : يعني الوحي والنبوة قاله مقاتل وقول رابع إنه المال ينفق في الطاعة وهو معنى قول أبي صالح وقد روى مسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : ذهب أهل الدثور بالدرجات العلا والنعيم المقيم فقال : ( وما ذاك ( قالوا : يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم ( قالوا : بلى يا رسول الله قال : ( تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة ( قال أبو صالح : فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : سمع أخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ( وقول خامس أنه انقياد الناس إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم ودخولهم في دينه ونصرته والله أعلم < < الجمعة : ( 5 ) مثل الذين حملوا . . . . . > > < > ( الجمعه 5 ) <
> ضرب مثلا لليهود لما تركوا العمل بالتوراة ولم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ( حملوا التوراة ) أي كلفوا العمل بها عن بن عباس وقال الجرجاني : هو من الحمالة بمعنى الكفالة أي ضمنوا أحكام التوراة ( كمثل الحمار يحمل أسفارا ) هي جمع سفر وهو الكتاب الكبير لأنه يسفر عن المعنى إذا قرئ قال ميمون بن مهران : الحمار لا يدري أسفر على ظهره أم زبيل فهكذا اليهود وفي هذا تنبيه من الله تعالى لمن حمل الكتاب أن يتعلم معانيه ويعلم ما فيه لئلا يلحقه من الذم ما لحق هؤلاء وقال الشاعر زوامل للأسفار لا علم عندهم بجيدها إلا كعلم الأباعر لعمرك ما يدري البعير إذا غدا بأوساقه أوراح ما في الغرائر وقال يحيى بن يمان : يكتب أحدهم الحديث ولا يتفهم ولا يتدبر فإذا سئل أحدهم عن مسألة جلس كأنه مكاتب وقال الشاعر : إن الرواة على جهل بما حملوا مثل الجمال عليها يحمل الودع لا الودع ينفعه حمل الجمال له ولا الجمال بحمل الودع تنتفع وقال منذر بن سعيد البلوطي رحمه الله فأحسن : انعق بما شئت تجد أنصارا وزم أسفارا تجد حمارا يحمل ما وضعت من أسفار يحمله كمثل الحمار يحمل أسفارا له وما درى إن كان ما فيها صوابا وخطا إن سئلوا قالوا كذا روينا ما إن كذبنا ولا اعتدينا كبيرهم يصغر عند الحفل لأنه قلد أهل الجهل ( ثم لم يحملوها ) أي لم يعملوا بها شبههم والتوراة في أيديهم وهم لا يعملون بها بالحمار يحمل كتبا وليس له إلا ثقل الحمل من غير فائدة و ( يحمل ) في موضع نصب على الحال أي حاملا ويجوز أن يكون في موضع جر على الوصف لأن الحمار كاللئيم قال : ولقد أمر على اللئيم يسبني ( بئس مثل القوم ) المثل ألذي ضربناه لهم فحذف المضاف ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) أي من سبق في علمه أنه يكون كافرا < < الجمعة : ( 6 ) قل يا أيها . . . . . > > < > ( الجمعه 6 : 7 ) < > لما ادعت اليهود الفضيلة وقالوا نحن أبناء الله وأحباؤه قال الله تعالى : ( إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس ) فللأولياء عند الله الكرامة ( فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ) لتصيروا إلى ما يصير إليه أولياء الله ( ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم ) أي أسلفوه من تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم فلو تمنوه لماتوا فكان في ذلك بطلان قولهم وما ادعوه من الولاية وفي حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت هذه الآية : ( والذي نفس محمد بيده لو تمنوا الموت ما بقي على ظهرها يهودي إلا مات ( وفي هذا إخبار عن الغيب ومعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم وقد مضى معنى هذه الآية في البقرة في قوله تعالى : قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين < < الجمعة : ( 8 ) قل إن الموت . . . . . > > < > ( الجمعه 8 ) <
> قال الزجاج : لا يقال : إن زيدا فمنطلق وها هنا قال : ( فإنه ملاقيكم ) لما في معنى ( الذي ) من الشرط والجزاء أي إن فررتم منه فإنه ملاقيكم ويكون مبالغة في الدلالة على إنه لا ينفع الفرار منه قال زهير : ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ولو رام أسباب السماء بسلم قلت : ويجوز أن يتم الكلام عند قوله : ( الذي تفرون منه ) ثم يبتدئ ( فإنه ملاقيكم ) وقال طرفة : وكفى بالموت فاعلم واعظا لمن الموت عليه قد قدر فاذكر الموت وحاذر ذكره إن في الموت لذي اللب عبر كل شيء سوف يلقى حتفه في مقام أو على ظهر سفر والمنايا حوله ترصده ليس ينجيه من الموت الحذر < < الجمعة : ( 9 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( الجمعه 9 ) <