Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

قسم V18/P156

الطلاق : ( 2 ) فإذا بلغن أجلهن . . . . . > > < > ( الطلاق 2 : 3 ) <

قسم V18/P156–V18/P161

> قوله تعالى : ( فإذا بلغن أجلهن ) أي قاربن أنقضاء العدة كقوله تعالى : وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فامسكوهن أي قربن من انقضاء الأجل ( فأمسكوهن بمعروف ) يعني المراجعة بالمعروف أي بالرغبة من غير قصد المضارة في الرجعة تطويلا لعدتها كما تقدم في [ البقرة ] ( أوفارقوهن بمعروف ) أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فيملكن أنفسهن وفي قوله تعالى : ( فإذا بلغن أجلهن ) ما يوجب أن يكون القول قول المرأة في انقضاء العدة إذا ادعت ذلك على ما بيناه في سورة [ البقرة ] عند قوله تعالى : ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن الآية قوله تعالى : ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وأشهدوا ) أمر بالإشهاد على الطلاق وقيل على الرجعة والظاهر رجوعه إلى الرجعة لا إلى الطلاق فإن راجع من غير إشهاد ففي صحة الرجعة قولان للفقهاء وقيل : المعنى وأشهدوا عند الرجعة والفرقة جميعا وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة كقوله تعالى : وأشهدوا إذا تبايعتم وعند الشافعى واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة وفائدة الإشهاد ألا يقع بينهما التجاحد وألا يتهم في امساكها ولئلا يموت أحدهما فيدعي الباقي ثبوت الزوجية ليرث الثانية الإشهاد عند أكثر العلماء على الرجعة ندب وإذا جامع أو قبل أو باشر يريد بذلك الرجعة وتكلم بالرجعة يريد به الرجعة فهو مراجع عند مالك وإن لم يرد بذلك الرجعة فليس بمراجع وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا قبل أو باشر أو لامس بشهوة فهو رجعة وقالوا : والنظر إلى الفرج رجعة وقال الشافعى وأبو ثور : إذا تكلم بالرجعة فهو رجعة وقد قيل : وطؤه مراجعة على كل حال نواها أو لم ينوها وروى ذلك عن طائفة من أصحاب مالك وإليه ذهب الليث وكان مالك يقول : إذا وطىء ولم ينو الرجعة فهو وطء فاسد ولا يعود لوطئها حتى يستبرئها من مائه الفاسد وله الرجعة في بقية العدة الاولى وليس له رجعة في هذا الاستبراء الثالثة أوجب الإشهاد في الرجعة أحمد بن حنبل في أحد قوليه والشافعي كذلك لظاهر الأمر وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد والشافعي في القول الآخر : إن الرجعة لا تفتقر إلى القبول فلم تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق وخصوصا حل الظهار بالكفارة قال بن العربي : وركب أصحاب الشافعي على وجوب الإشهاد في الرجعة أنه لا يصح أن يقول : كنت راجعت أمس وأنا أشهد اليوم على الإقرار بالرجعة ومن شرط الرجعة الاشهاد فلا تصح دونه وهذا فاسد مبني على أن الإشهاد في الرجعة تعبد ونحن لا نسلم فيها ولا في النكاح بأن نقول : إنه موضع للتوثق وذلك موجود في الإقرار كما هو موجود في الإنشاء الرابعة من ادعى بعد انقضاء العدة أنه راجع امرأته في العدة فإن صدقته جاز وإن أنكرت حلفت فإن أقام بينة أنه ارتجعها في العدة ولم تعلم بذلك لم يضره جهلها بذلك وكانت زوجته وإن كانت قد تزوجت ولم يدخل بها ثم أقام الأول البينة على رجعتها فعن مالك في ذلك روايتان : إحداهما أن الأول أحق بها والأخرى أن الثاني أحق بها فإن كان الثاني قد دخل بها فلا سبيل للأول إليها الخامسة قوله تعالى : ( ذوي عدل منكم ) قال الحسن : من المسلمين وعن قتادة : من أحراركم وذلك يوجب اختصاص الشهادة على الرجعة بالذكور دون الإناث لأن ( ذوي ) مذكر ولذلك قال علماؤنا : لا مدخل للنساء فيما عدا الأموال وقد مضى ذلك في سورة [ البقرة ] السادسة قوله تعالى : ( وأقيموا الشهادة لله ) أي تقربا إلى الله في إقامة الشهادة على وجهها إذا مست الحاجة إليها من غير تبديل ولا تغيير وقد مضى في سورة [ البقرة ] معناه عند قوله تعالى : وأقوم للشهادة قوله تعالى : ( ذلكم يوعظ به ) أي يرضى به ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ) فأما غير المؤمن فلا ينتفع بهذه المواعظ قوله تعالى : ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عمن طلق ثلاثا أو ألفا هل له من مخرج فتلاها وقال بن عباس والشعبي والضحاك : هذا في الطلاق خاصة أي من طلق كما أمره الله يكن له مخرج في الرجعة في العدة وأن يكون كأحد الخطاب بعد العدة وعن بن عباس أيضا ( يجعل له مخرجا ) ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة وقيل : المخرج هو أن يقنعه الله بما رزقه قاله علي بن صالح وقال الكلبي : ( ومن يتق الله ) بالصبر عند المصيبة ( يجعل له مخرجا ) من النار إلى الجنة وقال الحسن : مخرجا مما نهى الله عنه وقال أبو العالية : مخرجا من كل شدة الربيع بن خيثم : ( يجعل له مخرجا ) من كل شيء ضاق على الناس الحسين بن الفضل : ( ومن يتق الله ) في أداء الفرائض ( يجعل له مخرجا ) من العقوبة ( ويرزقه ) الثواب ( من حيث لا يحتسب ) أي يبارك له فيما آتاه وقال سهل بن عبد الله : ( ومن يتق الله ) في اتباع السنة ( يجعل له مخرجا ) من عقوبة أهل البدع ويرزقه الجنة من حيث لا يحتسب وقيل : ( ومن يتق الله ) فيقف عند حدوده ويجتنب معاصيه يخرجه من الحرام إلى الحلال ومن الضيق إلى السعة ومن النار إلى الجنة ( ويرزقه من حيث لا يحتسب ) من حيث لا يرجو وقال بن عيينة : هو البركة في الرزق وقال أبو سعيد الخدري : ومن يبرأ من حوله وقوته بالرجوع إلى الله يجعل له مخرجا مما كلفه بالمعونة له وتأول بن مسعود ومسروق الآية على العموم وقال أبو ذر : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إني لأعلم آية لو أخذ بها الناس لكفتهم ثم تلا ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ) فما زال يكررها ويعيدها وقال بن عباس : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ) قال : ( مخرجا من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة ( وقال أكثر المفسرين فيما ذكر الثعلبي : إنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي روى الكلبي عن أبي صالح عن بن عباس قال : جاء عوف بن مالك الأشجعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن ابني أسره العدو وجزعت الأم وعن جابر بن عبد الله : نزلت في عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابنا له يسمى سالما فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الفاقة وقال : إن العدو أسر ابني وجزعت الأم فما تأمرني فقال عليه السلام : ( اتق الله واصبر وآمرك وإياها أن تستكثرا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله ( فعاد إلى بيته وقال لامرأته : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني وإياك أن نستكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فقالت : نعم ما أمرنا به فجعلا يقولان فغفل العدو عن ابنه فساق غنمهم وجاء بها إلى أبيه وهي أربعة آلاف شاة فنزلت الآية وجعل النبي صلى الله عليه وسلم تلك الأغنام له في رواية : أنه جاء وقد أصاب إبلا من العدو وكان فقيرا قال الكلبي : أصاب خمسين بعيرا وفي رواية : فأفلت ابنه من الأسر وركب ناقة للقوم ومر في طريقه بسرح لهم فاستاقه وقال مقاتل : أصاب غنما ومتاعا فسأل النبي صلى الله عليه وسلم : أيحل لي أن آكل مما أتى به ابني قال : ( نعم ( ونزلت : ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ) فروى الحسن عن عمران بن الحصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤونة ورزقه من حيث لا يحتسب ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها ( وقال الزجاج : أي إذا اتقى وآثر الحلال والتصبر على أهله فتح الله عليه إن كان ذا ضيقة ورزقه من حيث لا يحتسب وعن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب ( قوله تعالى : ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) أي من فوض إليه أمره كفاه ما أهمه وقيل : أي من اتقى الله وجانب المعاصي وتوكل عليه فله فيما يعطيه في الآخرة من ثوابه كفاية ولم يرد الدنيا لأن المتوكل قد يصاب في الدنيا وقد يقتل ( إن الله بالغ أمره ) قال مسروق : أي قاض أمره فيمن توكل عليه وفيمن لم يتوكل عليه إلا أن من توكل عليه فيكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا وقراءة العامة ( بالغ ) منونا ( أمره ) نصبا وقرأ عاصم ( بالغ أمره ) بالإضافة وحذف التنوين استخفافا وقرأ المفضل ( بالغا أمره ) على أن قوله : ( قد جعل الله ) خبر ( إن ) و ( بالغا ) حال وقرأ داود بن أبي هند ( بالغ أمره ) بالتنوين ورفع الراء قال الفراء : أي أمره بالغ وقيل : ( أمره ) مرتفع ببالغ ) والمفعول محذوف والتقدير : بالغ أمره ما أراد ( قد جعل الله لكل شيء قدرا ) أي لكل شيء من الشدة والرخاء أجلا ينتهي إليه وقيل تقديرا وقال السدي : هو قدر الحيض في الأجل والعدة وقال عبد الله بن رافع : لما نزل قوله تعالى : ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : فنحن إذا توكلنا عليه نرسل ما كان لنا ولا نحفظه فنزلت : ( إن الله بالغ أمره فيكم وعليكم وقال الربيع بن خيثم : إن الله تعالى قضى على نفسه أن من توكل عليه كفاه ومن آمن به هداه ومن أقرضه جازاه ومن وثق به نجاه ومن دعاه أجاب له وتصديق ذلك في كتاب الله : ومن يؤمن بالله يهد قلبه ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان < <

قسم V18/P161

الطلاق : ( 4 ) واللائي يئسن من . . . . . > > < > ( الطلاق 4 : 5 ) <

قسم V18/P161–V18/P165

> قوله تعالى : ( واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ) فيه سبع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( واللأئي يئسن من المحيض من نسائكم ) لما بين أمر الطلاق والرجعة في التي تحيض وكانوا قد عرفوا عدة ذوات الأقراء عرفهم في هذه السورة عدة التي لا ترى الدم وقال أبو عثمان عمر بن سالم : لما نزلت عدة النساء في سورة [ البقرة ] في المطلقة والمتوفى عنها زوجها قال أبي بن كعب : يا رسول الله إن ناسا يقولون قد بقى من النساء من لم يذكر فيهن شيء : الصغار وذوات الحمل فنزلت : ( واللائي يئسن ) الآية وقال مقاتل : لما ذكر قوله تعالى : ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) قال خلاد بن النعمان : يا رسول الله فما عدة التي لم تحض وعدة التي انقطع حيضها وعدة الحبلى فنزلت : ( واللأئي يئسن من المحيض من نسائكم ) يعني قعدن عن المحيض وقيل : إن معاذ بن جبل سأل عن عدة الكبيرة التي يئست فنزلت الآية والله أعلم وقال مجاهد : الآية واردة في المستحاضة لا تدري دم حيض هو أو دم علة الثانية قوله تعالى : ( إن ارتبتم ) أي شككتم وقيل تيقنتم وهو من الأضداد يكون شكا ويقينا كالظن واختيار الطبري أن يكون المعنى : إن شككتم فلم تدروا ما الحكم فيهن وقال الزجاج : إن ارتبتم في حيضها وقد انقطع عنها الحيض وكانت ممن يحيض مثلها القشيري : وفي هذا نظر لأنا إذا شككنا هل بلغت سن اليأس لم نقل عدتها ثلاثة أشهر والمعتبر في سن اليأس في قوله : أقصى عادة امرأة في العالم وفي قول : غالب نساء عشيرة المرأة وقال مجاهد : قوله ( إن ارتبتم ) للمخاطبين يعني إن لم تعلموا كم عدة اليائسة والتي لم تحض فالعدة هذه وقيل : المعنى إن ارتبتم أن الدم الذي يظهر منها من أجل كبر أو من الحيض المعهود أو من الاستحاضة فالعدة ثلاثة أشهر وقال عكرمة وقتادة : من الريبة المرأة المستحاضة التي لا يستقيم لها الحيض تحيض في أول الشهر مرارا وفي الأشهر مرة وقيل : إنه متصل بأول السورة والمعنى : لا تخرجوهن من بيوتهن إن ارتبتم في انقضاء العدة وهو أصح ما قيل فيه الثالثة المرتابة في عدتها لا تنكح حتى تستبرئ نفسها من ريبتها ولا تخرج من العدة إلا بارتفاع الريبة وقد قيل في المرتابة التي ترفعها حيضتها وهي لا تدري ما ترفعها : إنها تنتظر سنة من يوم طلقها زوجها منها تسعة أشهر استبراء وثلاثة عدة فإن طلقها فحاضت حيضة أو حيضتين ثم ارتفع عنها بغير يأس منها انتظرت تسعة أشهر ثم ثلاثة من يوم طهرت من حيضتها ثم حلت للأزواج وهذا قاله الشافعي بالعراق فعلى قياس هذا القول تقيم الحرة المتوفى عنها زوجها المستبرأة بعد التسعة أشهر أربعة أشهر وعشرا والأمة شهرين وخمس ليال بعد التسعة الأشهر وروى عن الشافعي أيضا أن أقراءها على ما كانت حتى تبلغ سن اليائسات وهو قول النخعي والثوري وغيرهما وحكاه أبو عبيد عن أهل العراق فإن كانت المرأة شابة وهي المسألة الرابعة استؤني بها هل هي حامل أم لا فإن استبان حملها فإن أجلها وضعه وإن لم يستبن فقال مالك : عدة التي ارتفع حيضها وهي شابة سنة وبه قال أحمد وإسحاق ورووه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره وأهل العراق يرون أن عدتها ثلاث حيض بعد ما كانت حاضت مرة واحدة في عمرها وإن مكثت عشرين سنة إلا أن تبلغ من الكبر مبلغا تيأس فيه من الحيض فتكون عدتها بعد الإياس ثلاثة أشهر قال الثعلبي : وهذا الأصح من مذهب الشافعي وعليه جمهور العلماء وروى ذلك عن بن مسعود وأصحابه قال الكيا : وهو الحق لأن الله تعالى جعل عدة الآيسة ثلاثة أشهر والمرتابة ليست آيسة الخامسة وأما من تأخر حيضها لمرض فقال مالك وبن القاسم وعبد الله بن أصبغ : تعتد تسعة أشهر ثم ثلاثة وقال أشهب هي كالمرضع بعد الفطام بالحيض أو بالسنة وقد طلق حبان بن منقذ امرأته وهي ترضع فمكثت سنة لا تحيض لأجل الرضاع ثم مرض حبان فخاف أن ترثه فخاصمها إلى عثمان وعنده علي وزيد فقالا : نرى أن ترثه لأنها ليست من القواعد ولا من الصغار فمات حبان فورثته واعتدت عدة الوفاة السادسة ولو تأخر الحيض لغير مرض ولا رضاع فإنها تنتظر سنة لا حيض فيها تسعة أشهر ثم ثلاثة على ما ذكرناه فتحل ما لم ترتب بحمل فإن ارتابت بحمل أقامت أربعة أعوام أو خمسة أو سبعة على اختلاف الروايات عن علمائنا ومشهورها خمسة أعوام فإن تجاوزتها حلت وقال أشهب : لا تحل أبدا حتى تنقطع عنها الريبة قال بن العربي : وهو الصحيح لأنه إذا جاز أن يبقى الولد في بطنها خمسة أعوام جاز أن يبقى عشرة وأكثر من ذلك وقد روي عن مالك مثله السابعة وأما التي جهل حيضها بالاستحاضة ففيها ثلاثة أقوال : قال بن المسيب : تعتد سنة وهو قول الليث قال الليث : عدة المطلقة وعدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت مستحاضة سنة وهو مشهور قول علمائنا سواء علمت دم حيضها من دم استحاضتها وميزت ذلك أو لم تميزه عدتها في ذلك كله عند مالك في تحصيل مذهبه سنة منها تسعة أشهر استبراء وثلاثة عدة وقال الشافعي في أحد أقواله : عدتها ثلاثة أشهر وهو قول جماعة من التابعين والمتأخرين من القرويين بن العربي : وهو الصحيح عندي وقال أبو عمر : المستحاضة إذا كان دمها ينفصل فعلمت إقبال حيضتها أو إدبارها اعتدت ثلاثة قروء وهذا أصح في النظر وأثبت في القياس والأثر قوله تعالى : ( واللائي لم يحضن ) ويعني الصغيرة فعدتهن ثلاثة أشهر فأضمر الخبر وإنما كانت عدتها بالأشهر لعدم الإقراء فيها عادة والأحكام إنما أجراها الله تعالى على العادات فهي تعتد بالأشهر فإذا رأت الدم في زمن احتماله عند النساء انتقلت إلى الدم لوجود الأصل وإذا وجد الأصل لم يبق للبدل حكم كما أن المسنة إذا اعتدت بالدم ثم ارتفع عادت إلى الأشهر وهذا إجماع قوله تعالى : ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعت حملهن ) فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( وأولات الأحمال أجلهن ) وضع الحمل وإن كان ظاهرا في المطلقة لأنه عليها عطف وإليها رجع عقب الكلام فإنه في المتوفى عنها زوجها كذلك لعموم الآية وحديث سبيعة وقد مضى في [ البقرة ] القول فيه مستوفى الثانية إذا وضعت المرأة ما وضعت من علقة أو مضغة حلت وقال الشافعي وأبو حنيفة : لا تحل إلا بما يكون ولدا وقد مضى القول فيه في سورة [ البقرة ] وسورة [ الرعد ] والحمد لله قوله تعالى : ( ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا ) قال الضحاك : أي من يتقه في طلاق السنة يجعل له من أمره يسرا في الرجعة مقاتل : ومن يتق الله في اجتناب معاصيه يجعل له من أمره يسرا في توفيقه للطاعة ( ذلك أمر الله ) أي الذي ذكر من الأحكام أمر الله أنزله إليكم وبينه لكم ( ومن يتق الله ) أي يعمل بطاعته ( يكفر عنه سيئاته ) من الصلاة إلى الصلاة ومن الجمعة إلى الجمعة ( ويعظم له أجرا ) أي في الآخرة < <

قسم V18/P165

الطلاق : ( 6 ) أسكنوهن من حيث . . . . . > > < > ( الطلاق 6 ) <

قسم V18/P165–V18/P169

> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ) قال أشهب عن مالك : يخرج عنها إذا طلقها ويتركها في المنزل لقوله تعالى : ( أسكنوهن ) فلو كان معها ما قال أسكنوهن وقال بن نافع : قال مالك في قول الله تعالى : ( أسكنوهن من حيث سكنتم ) يعني المطلقات اللائي بن من أزواجهن فلا رجعة لهم عليهن وليست حاملا فلها السكنى ولا نفقة لها ولا كسوة لأنها بائن منه لا يتوارثان ولا رجعة له عليها وإن كانت حاملا فلها النفقة والكسوة والمسكن حتى تنقضي عدتها أما من لم تبن منهن فإنهن نساؤهم يتوارثون ولا يخرجن إلا أن يأذن لهن أزواجهن ما كن في عدتهن ولم يؤمروا بالسكنى لهن لأن ذلك لازم لأزواجهن مع نفقتهن وكسوتهن حوامل كن أو غير حوامل وإنما أمر الله بالسكنى للائي بن من أزواجهن مع نفقتهن قال الله تعالى : ( وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ) فجعل عز وجل للحوامل اللائي قد بن من أزواجهن السكنى والنفقة قال بن العربي : وبسط ذلك وتحقيقه أن الله سبحانه لما ذكر السكنى أطلقها لكل مطلقة فلما ذكر النفقة قيدها بالحمل فدل على أن المطلقة البائن لا نفقة لها وهي مسألة عظيمة قد مهدنا سبلها قرآنا وسنة ومعنى في مسائل الخلاف وهذا مأخذها من القرآن قلت : اختلف العلماء في المطلقة ثلاثا على ثلاثة أقوال فمذهب مالك والشافعي : أن لها السكنى ولا نفقة لها ومذهب أبي حنيفة وأصحابه : أن لها السكنى والنفقة ومذهب أحمد وإسحاق وأبي ثور : أن لا نفقة لها ولا سكنى على حديث فاطمة بنت قيس قالت : دخلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعي أخو زوجي فقلت : إن زوجي طلقني وإن هذا يزعم أن ليس لي سكنى ولا نفقة قال : ( بل لك السكنى ولك النفقة ( قال : إن زوجها طلقها ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما السكنى والنفقة على من له عليها الرجعة ( فلما قدمت الكوفة طلبني الأسود بن يزيد ليسألني عن ذلك وإن أصحاب عبد الله يقولون : إن لها السكنى والنفقة خرجه الدارقطني ولفظ مسلم عنها : أنه طلقها زوجها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان أنفق عليها نفقة دون فلما رأت ذلك قالت : والله لأعلمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان لي نفقة أخذت الذي يصلحني وإن لم تكن لي نفقة لم آخذ شيئا قالت : فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( لا نفقة لك ولا سكنى ( وذكر الدارقطني عن الأسود قال : قال عمر لما بلغه قول فاطمة بنت قيس : لا نجيز في المسلمين قول امرأة وكان يجعل للمطلقة ثلاثا السكنى والنفقة وعن الشعبي قال : لقيني الأسود بن يزيد فقال يا شعبي اتق الله وارجع عن حديث فاطمة بنت قيس فإن عمر كان يجعل لها السكنى والنفقة قلت : لا أرجع عن شيء حدثتني به فاطمة بنت قيس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت : ما أحسن هذا وقد قال قتادة وبن أبي ليلى : لا سكنى إلا للرجعية لقوله تعالى : لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا وقوله تعالى : ( أسكنوهن ) راجع إلى ما قبله وهي المطلقة الرجعية والله أعلم ولأن السكنى تابعة للنفقة وجارية مجراها فلما لم تجب للمبتوتة نفقة لم يجب لها سكنى وحجة أبي حنيفة أن للمبتوتة النفقة قوله تعالى : ( ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن ) وترك النفقة من أكبر الأضرار وفي إنكار عمر على فاطمة قولها ما يبين هذا ولأنها معتدة تستحق السكنى عن طلاق فكانت لها النفقة كالرجعية ولأنها محبوسة عليه لحقه فاستحقت النفقة كالزوجة ودليل مالك قوله تعالى : ( وإن كن أولات حمل ) الآية على ما تقدم بيانه وقد قيل : إن الله تعالى ذكر المطلقة الرجعية وأحكامها أول الآية إلى قوله : ( ذوي عدل منكم ) ثم ذكر بعد ذلك حكما يعم المطلقات كلهن من تعديد الأشهر وغير ذلك وهو عام في كل مطلقة فرجع ما بعد ذلك من الأحكام إلى كل مطلقة الثانية قوله تعالى : ( من وجدكم ) أي من سعتكم يقال وجدت في المال أوجد وجدا ووجدا ووجدا وجدة والوجد : الغنى والمقدرة وقراءة العامة بضم الواو وقرأ الأعرج والزهري بفتحها ويعقوب بكسرها وكلها لغات فيها الثالثة قوله تعالى : ( ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن ) قال مجاهد : في المسكن مقاتل : في النفقة وهو قول أبي حنيفة وعن أبي الضحى : هو أن يطلقها فإذا بقي يومان من عدتها راجعها ثم طلقها الرابعة قوله تعالى : ( وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ) لا خلاف بين العلماء في وجوب النفقة والسكنى للحامل المطلقة ثلاثا أو أقل منهن حتى تضع حملها فأما الحامل المتوفى عنها زوجها فقال علي وبن عمر وبن مسعود وشريح والنخعي والشعبي وحماد وبن أبي ليلى وسفيان والضحاك : ينفق عليها من جميع المال حتى تضع وقال بن عباس وبن الزبير وجابر بن عبد الله ومالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم : لا ينفق عليها إلا من نصيبها وقد مضى في [ البقرة ] بيانه قوله تعالى : ( فإن أرضعن لكم ) يعني المطلقات أولادكم منهن فعلى الآباء أن يعطوهن أجرة إرضاعهن وللرجل أن يستأجر امرأته للرضاع كما يستأجر أجنبية ولا يجوز عند أبي حنيفة وأصحابه الاستئجار إذا كان الولد منهن ما لم يبن ويجوز عند الشافعي وتقدم القول في الرضاع في [ البقرة ] والنساء ] مستوفى ولله الحمد الثانية قوله تعالى : ( وأتمروا بينكم بمعروف ) هو خطاب للأزواج والزوجات أي وليقبل بعضكم من بعض ما أمره به من المعروف الجميل والجميل منها إرضاع الولد من غير أجرة والجميل منه توفير الأجرة عليها للإرضاع وقيل : ائتمروا في رضاع الولد فيما بينكم بمعروف حتى لا يلحق الولد إضرار وقيل : هو الكسوة والدثار وقيل : معناه لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده الثالثة قوله تعالى : ( وإن تعاسرتم ) أي في أجرة الرضاع فأبى الزوج أن يعطي الأم رضاعها وأبت الأم أن ترضعه فليس له إكراهها وليستأجر مرضعة غير أمه وقيل : معناه وإن تضايقتم وتشاكستم فليسترضع لولده غيرها وهو خبر في معنى الأمر وقال الضحاك : إن أبت الأم أن ترضع استأجر لولده أخرى فإن لم يقبل أجبرت أمه على الرضاع بالأجر وقد اختلف العلماء فيمن يجب عليه رضاع الولد على ثلاثة أقوال : قال علماؤنا : رضاع الولد على الزوجة ما دامت الزوجية إلا لشرفها وموضعها فعلى الأب رضاعه يومئذ في ماله الثاني قال أبو حنيفة : لا يجب على الأم بحال الثالث يجب عليها في كل حال الرابعة فإن طلقها فلا يلزمها رضاعه إلا أن يكون غير قابل ثدي غيرها فيلزمها حينئذ الإرضاع فإن اختلفا في الأجر فإن دعت إلى أجر مثلها وامتنع الأب إلا تبرعا فالأم أولى بأجر المثل إذا لم يجد الأب متبرعا وإن دعا الأب إلى أجر المثل وامتنعت الأم لتطلب شططا فالأب أولى به فإن أعسر الأب بأجرتها أخذت جبرا برضاع ولدها < <

قسم V18/P169

الطلاق : ( 7 ) لينفق ذو سعة . . . . . > > < > ( الطلاق 7 ) <

قسم V18/P169–V18/P171

> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( لينفق ) أي لينفق الزوج على زوجته وعلى ولده الصغير على قدر وسعه حتى يوسع عليهما إذا كان موسعا عليه ومن كان فقيرا فعلى قدر ذلك فتقدر النفقة بحسب الحالة من المنفق والحاجة من المنفق عليه بالاجتهاد على مجرى حياة العادة فينظر المفتي إلى قدر حاجة المنفق عليه ثم ينظر إلى حالة المنفق فإن احتملت الحالة أمضاها عليه فإن اقتصرت حالته على حاجة المنفق عليه ردها إلى قدر احتماله وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه وأصحابه : النفقة مقدرة محددة ولا اجتهاد لحاكم ولا لمفت فيها وتقديرها هو بحال الزوج وحده من يسره وعسره ولا يعتبر بحالها وكفايتها قالوا : فيجب لابنه الخليفة ما يجب لابنه الحارس فإن كان الزوج موسرا لزمه مدان وإن كان متوسطا فمد ونصف وإن كان معسرا فمد واستدلوا بقوله تعالى : ( لينفق ذو سعة من سعته ) الآية فجعل الاعتبار بالزوج في اليسر والعسر دونها ولأن الاعتبار بكفايتها لا سبيل إلى علمه للحاكم ولا لغيره فيؤدي إلى الخصومة لأن الزوج يدعي أنها تلتمس فوق كفايتها وهي تزعم أن الذي تطلب تطلبه قدر كفايتها فجعلناها مقدرة قطعا للخصومة والأصل في هذا عندهم قوله تعالى : ( لينفق ذو سعة من سعته ) كما ذكرنا وقوله : ( على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ) والجواب أن هذه الآية لا تعطي أكثر من فرق بين نفقة الغني والفقير وإنها تختلف بعسر الزوج ويسره وهذا مسلم فأما إنه لا اعتبار بحال الزوجة على وجهه فليس فيه وقد قال الله تعالى : وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف وذلك يقتضي تعلق المعروف في حقهما لأنه لم يخص في ذلك واحدا منهما وليس من المعروف أن يكون كفاية الغنية مثل نفقة الفقيرة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهند : ( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ( فأحالها على الكفاية حين علم السعة من حال أبي سفيان الواجب عليه بطلبها ولم يقل لها لا اعتبار بكفايتك وأن الواجب لك شيء مقدر بل ردها إلى ما يعلمه من قدر كفايتها ولم يعلقه بمقدار معلوم ثم ما ذكروه من التحديد يحتاج إلى توقيف والآية لا تقتضيه الثانية روى أن عمر رضي الله عنه فرض للمنفوس مائة درهم وفرض له عثمان خمسين درهما بن العربي : واحتمل أن يكون هذا الاختلاف بحسب اختلاف السنين أو بحسب حال القدر في التسعير لثمن القوت والملبس وقد روى محمد بن هلال المزني قال : حدثني أبي وجدتي أنها كانت ترد على عثمان ففقدها فقال لأهله : ما لي لا أرى فلانة فقالت امرأته : يا أمير المؤمنين ولدت الليلة فبعث إليها بخمسين درهما وشقيقة سنبلانية ثم قال : هذا عطاء ابنك وهذه كسوته فإذا مرت له سنة رفعناه إلى مائة وقد أتى علي رضي الله عنه بمنبوذ ففرض له مائة قال بن العربي : هذا الفرض قبل الفطام مما اختلف فيه العلماء فمنهم من رآه مستحبا لأنه داخل في حكم الآية ومنهم من رآه واجبا لما تجدد من حاجته وعرض من مؤنته وبه أقول ولكن يختلف قدره بحاله عند الولادة وبحاله عند الفطام وقد روى سفيان بن وهب أن عمر أخذ المد بيد والقسط بيد فقال : إني فرضت لكل نفس مسلمة في كل شهر مدى حنطة وقسطي خل وقسطي زيت زاد غيره : وقال إنا قد أجرينا لكم أعطياتكم وأرزاقكم في كل شهر فمن انتقصها فعل الله به كذا وكذا فدعا عليه قال أبو الدرداء : كم سنة راشدة مهدية قد سنها عمر رضي الله عنه في أمة محمد صلى الله عليه وسلم والمد والقسط كيلان شاميان في الطعام والإدام وقد درسا بعرف آخر فأما المد فدرس إلى الكيلجة وأما القسط فدرس إلى الكيل ولكن التقدير فيه عندنا ربعان في الطعام وثمنان في الإدام وأما الكسوة فبقدر العادة قميص وسراويل وجبة في الشتاء وكساء وإزار وحصير وهذا الأصل ويتزيد بحسب الأحوال والعادة الثالثة هذه الآية أصل في وجوب النفقة للولد على الوالد دون الأم خلافا لمحمد بن المواز يقول : إنها على الأبوين على قدر الميراث بن العربي : ولعل محمدا أراد أنها على الأم عند عدم الأب وفي البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( تقول لك المرأة أنفق علي وإلا فطلقني ويقول لك العبد أنفق علي واستعملني ويقول لك ولدك أنفق علي إلى من تكلني ( فقد تعاضد القرآن والسنة وتواردا في شرعة واحدة الرابعة قوله تعالى : ( لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ) أي لا يكلف الفقير مثل ما يكلف الغني ( سيجعل الله بعد عسر يسرا ) أي بعد الضيق غنى وبعد الشدة سعة < <

قسم V18/P171–V18/P173

الطلاق : ( 8 ) وكأين من قرية . . . . . > > < > ( الطلاق 8 : 11 ) < > قوله تعالى : ( وكأين من قرية ) لما ذكر الأحكام ذكر وحذر مخالفة الأمر وذكر عتو قوم وحلول العذاب بهم وقد مضى القول في ( كأين ) في [ آل عمران ] والحمد لله ( عتت عن أمر ربها ) أي عصت يعني القرية والمراد أهلها ( فحاسبناها حسابا شديدا ) أي جازيناها بالعذاب في الدنيا ( وعذبناها عذابا نكرا ) في الآخرة وقيل : في الكلام تقديم وتأخير فعذبناها عذابا نكرا في الدنيا بالجوع والقحط والسيف والخسف والمسخ وسائر المصائب وحاسبناها في الآخرة حسابا شديدا والنكر : المنكر وقرئ مخففا ومثقلا وقد مضى في سورة [ الكهف ] ( فذاقت وبال أمرها ) أي عاقبة كفرها ( وكان عاقبة أمرها خسرا ) أي هلاكا في الدنيا بما ذكرنا والآخرة بجهنم وجيء بلفظ الماضي كقوله تعالى : ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار ونحو ذلك لأن المنتظر من وعد الله ووعيده ملقى في الحقيقة وما هو كائن فكأن قد ( أعد الله لهم عذابا شديدا ) بين ذلك الخسر وأنه عذاب جهنم في الآخرة ( فاتقوا الله يا أولي الألباب ) أي العقول ( الذين آمنوا ) بدل من ( أولي الألباب ) أو نعت لهم أي يا أولي الألباب الذين آمنتم بالله اتقوا الله الذي أنزل عليكم القرآن أي خافوه واعملوا بطاعته وانتهوا عن معاصيه وقد تقدم ( رسولا ) قال الزجاج : إنزال الذكر دليل على إضمار أرسل أي أنزل إليكم قرآنا وأرسل رسولا وقيل : إن المعنى قد أنزل الله إليكم صاحب ذكر رسولا فرسولا ) نعت للذكر على تقدير حذف المضاف وقيل : إن رسولا معمول للذكر لأنه مصدر والتقدير : قد أنزل الله إليكم أن ذكر رسولا ويكون ذكره الرسول قوله : محمد رسول الله الفتح ويجوز على أن يكون ( رسولا ) بدلا من ذكر على أن يكون ( رسولا ) بمعنى رسالة أو على أن يكون على بابه ويكون محمولا على المعنى كأنه قال : قد أظهر الله لكم ذكرا رسولا فيكون من باب بدل الشيء من الشيء وهو هو ويجوز أن ينتصب ( رسولا ) على الإغراء كأنه قال : اتبعوا رسولا وقيل : الذكر هنا الشرف نحو قوله تعالى لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم وقوله تعالى : وإنه لذكر لك ولقومك ثم بين هذا الشرف فقال : ( رسولا ) والأكثر على أن المراد بالرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم وقال الكلبي : هو جبريل فيكونان جميعا منزلين ( يتلو عليكم آيات الله ) نعت لرسول وآيات الله ) القرآن ( مبينات ) قراءة العامة بفتح الياء أي بينها الله وقرأ بن عامر وحفص وحمزة والكسائي بكسرها أي يبين لكم ما تحتاجون إليه من الأحكام والأولى قراءة بن عباس واختيار أبي عبيد وأبي حاتم لقوله تعالى : قد بينا لكم الآيات ( ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) أي من سبق له ذلك في علم الله ( من الطلمات ) أي من الكفر ( إلى النور ) الهدى والإيمان قال بن عباس : نزلت في مؤمني أهل الكتاب وأضاف الإخراج إلى الرسول لأن الإيمان يحصل منه بطاعته قوله تعالى : ( ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا ندخله جنات تجري من تحتها الأنهار ) قرأ نافع وبن عامر بالنون والباقون بالياء ( قد أحسن الله له رزقا ) أي وسع الله له في الجنات < < الطلاق : ( 12 ) الله الذي خلق . . . . . > > < > ( الطلاق 12 ) <

قسم V18/P173–V18/P176

> قوله تعالى : ( الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ) دل على كمال قدرته وأنه يقدر على البعث والمحاسبة ولا خلاف في السماوات أنها سبع بعضها فوق بعض دل على ذلك حديث الإسراء وغيره ثم قال : ( ومن الأرض مثلهن ) يعني سبعا واختلف فيهن على قولين : أحدهما وهو قول الجمهور أنها سبع أرضين طباقا بعضها فوق بعض بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء والسماء وفي كل أرض سكان من خلق الله وقال الضحاك : ( ومن الأرض مثلهن ) أي سبعا من الأرضين ولكنها مطبقة بعضها على بعض من غير فتوق بخلاف السماوات والأول أصح لأن الأخبار دالة عليه في الترمذي والنسائي وغيرهما وقد مضى ذلك مبينا في [ البقرة ] وقد خرج أبو نعيم قال : حدثنا محمد بن علي بن حبيش قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق السراج ( ح ) وحدثنا أبو محمد بن حبان قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن ناجية قال : حدثنا سويد بن سعيد قال حدثنا حفص بن ميسرة عن موسى بن عقبة عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه أن كعبا حلف له بالذي فلق البحر لموسى أن صهيبا حدثه أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها : ( اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما أذرين إنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها ( قال أبو نعيم : هذا حديث ثابت من حديث موسى بن عقبة تفرد به عن عطاء روى عنه بن أبي الزناد وغيره وفي صحيح مسلم عن سعيد بن زيد قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( من أخذ شبرا من الأرض ظلما فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين ( ومثله حديث عائشة ؤابين منهما حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يأخذ أحد شبرا من الأرض بغير حقه إلا طوقه الله إلى سبع أرضين يوم القيامة ( قال الماوردي : وعلى أنها سبع أرضين بعضها فوق بعض تختص دعوة أهل الإسلام بأهل الأرض العليا ولا تلزم من في غيرها من الأرضين وإن كان فيها من يعقل من خلق مميز وفي مشاهدتهم السماء واستمدادهم الضوء منها قولان : أحدهما أنهم يشاهدون السماء من كل جانب من أرضهم ويستمدون الضياء منها وهذا قول من جعل الأرض مبسوطة والقول الثاني أنهم لا يشاهدون السماء وأن الله تعالى خلق لهم ضياء يستمدونه وهذا قول من جعل الأرض كالكرة وفي الآية قول ثالث حكاه الكلبي عن أبي صالح عن بن عباس أنها سبع أرضين منبسطة ليس بعضها فوق بعض تفرق بينها البحار وتظل جميعهم السماء فعلى هذا إن لم يكن لأحد من أهل الأرض وصول إلى أرض أخرى اختصت دعوة الإسلام بأهل هذه الأرض وإن كان لقوم منهم وصول إلى أرض أخرى احتمل أن تلزمهم دعوة الإسلام عند إمكان الوصول إليهم لأن فصل البحار إذا أمكن سلوكها لا يمنع من لزوم ما عم حكمه واحتمل ألا تلزمهم دعوة الإسلام لأنها لو لزمتهم لكان النص بها واردا ولكان صلى الله عليه وسلم بها مأمورا والله أعلم ما استأثر بعلمه وصواب ما اشتبه على خلقه ثم قال : ( يتنزل الأمر بينهن ) قال مجاهد : يتنزل الأمر من السماوات السبع إلى الأرضين السبع وقال الحسن : بين كل سماءين أرض وأمر والأمر هنا الوحي في قول مقاتل وغيره وعليه فيكون قوله : ( بينهن ) إشارة إلى بين هذه الأرض العليا التي هي أدناها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها وقيل : الأمر القضاء والقدر وهو قول الأكثرين فعلى هذا يكون المراد بقوله تعالى : ( بينهن ) إشارة إلى ما بين الأرض السفلى التي هي أقصاها وبين السماء السابعة التي هي أعلاها وقيل : ( يتنزل الأمر بينهن ) بحياة بعض وموت بعض وغنى قوم وفقر قوم وقيل : هو ما يدبر فيهن من عجيب تدبيره فينزل المطر ويخرج النبات ويأتي بالليل والنهار والصيف والشتاء ويخلق الحيوانات على اختلاف أنواعها وهيئاتها فينقلهم من حال إلى حال قال بن كيسان : وهذا على مجال اللغة واتساعها كما يقال للموت : أمر الله وللريح والسحاب ونحوها ( لتعلموا أن الله على كل شيء قدير ) يعني أن من قدر على هذا الملك العظيم فهو على ما بينهما من خلقه أقدر ومن العفو والانتقام أمكن وإن استوى كل ذلك في مقدوره ومكنته ( وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ) فلا يخرج شيء عن علمه وقدرته ونصب ( علما ) على المصدر المؤكد لأن ( أحاط ) بمعنى علم وقيل : بمعنى وأن الله أحاط إحاطة علما ختمت السورة بحمد الله وعونه <

قسم V18/P176

> تفسير سورة التحريم < > مدنية في قول الجميع وهي اثنتا عشرة آية وتسمى سورة النبي بسم الله الرحمن الرحيم < < التحريم : ( 1 ) يا أيها النبي . . . . . > > < > ( التحريم 1 ) <

قسم V18/P176–V18/P184

> قوله تعالى : ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) فيه خمس مسائل : الأولى : قوله تعالى : ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلا قالت : فتواطأت أنا وحفصة أن أيتنا ما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلتقل : إني أجد منك ريح مغافير أكلت مغافير فدخل على إحداهما فقالت له ذلك فقال : ( بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له ( فنزل : ( لم تحرم ما أحل الله لك إلى قوله إن تتوبا ) لعائشة وحفصة ( وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا ) لقوله : ( بل شربت عسلا ( وعنها أيضا قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل فكان إذا صلى العصر دار على نسائه فيدنو منهن فدخل على حفصة فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس فسألت عن ذلك فقيل لي : أهدت لها إمرأة من قومها عكة من عسل فسقت رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شربة فقلت : أما والله لنحتالن له فذكرت ذلك لسودة وقلت : إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك فقولي له : يا رسول الله أكلت مغافير فإنه سيقول لك لا فقولي له : ما هذه الريح وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه أن يوجد منه الريح فإنه سيقول لك سقتني حفصة شربة عسل فقولي له : جرست نحله العرفط وسأقول ذلك له وقوليه أنت يا صفية فلما دخل على سودة قالت : تقول سودة والله الذي لا إله إلا هو لقد كدت أن أبادئه بالذي قلت لي وإنه لعلى الباب فرقا منك فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : يا رسول الله أكلت مغافير قال : ( لا ( قالت : فما هذه الريح قال : ( سقتني حفصة شربة عسل ( قالت : جرست نحله العرفط فلما دخل علي قلت له مثل ذلك ثم دخل على صفية فقالت بمثل ذلك فلما دخل على حفصة قالت : يا رسول الله ألا أسقيك منه قال ( لا حاجة لي به ( قالت : تقول سودة سبحان الله والله لقد حرمناه قالت : قلت لها اسكتي ففي هذه الرواية أن التي شرب عندها العسل حفصة وفي الأولى زينب وروى بن أبي مليكة عن بن عباس أنه شربه عند سودة وقد قيل : إنما هي أم سلمة رواه أسباط عن السدي وقاله عطاء بن أبي مسلم بن العربي : وهذا كله جهل أو تصور بغير علم فقال باقي نسائه حسدا وغيرة لمن شرب ذلك عندها : إنا لنجد منك ريح المغافير والمغافير : بقلة أو صمغة متغيرة الرائحة فيها حلاوة واحدها مغفور وجرست : أكلت والعرفط نبت له ريح كريح الخمر وكان عليه السلام يعجبه أن يوجد منه الريح الطيبة أو يجدها ويكره الريح الخبيثة لمناجاة الملك فهذا قول وقول آخر أنه أراد بذلك المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها لأجل أزواجه قاله بن عباس وعكرمة والمرأة أم شريك وقول ثالث إن التي حرم مارية القبطية وكان قد أهداها له المقوقس ملك الإسكندرية قال بن إسحاق : هي من كورة أنصنا من بلد يقال له حفن فواقعها في بيت حفصة روى الدارقطني عن بن عباس عن عمر قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم ولده مارية في بيت حفصة فوجدته حفصة معها وكانت حفصة غابت إلى بيت أبيها فقالت له : تدخلها بيتي ما صنعت بي هذا من بين نسائك إلا من هواني عليك فقال لها : ( لا تذكري هذا لعائشة فهي علي حرام إن قربتها ( قالت حفصة : وكيف تحرم عليك وهي جاريتك فحلف لها ألا يقربها فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تذكريه لأحد ( فذكرته لعائشة فآلى لا يدخل على نسائه شهرا فاعتزلهن تسعا وعشرين ليلة فأنزل الله عز وجل ( لم تحرم ما أحل الله لك ) الآية الثانية أصح هذه الأقوال أولها وأضعفها أوسطها قال بن العربي : أما ضعفه في السند فلعدم عدالة رواته وأما ضعفه في معناه فلأن رد النبي صلى الله عليه وسلم للموهوبة ليس تحريما لها لأن من رد ما وهب له لم يحرم عليه إنما حقيقة التحريم بعد التحليل وأما من روى أنه حرم مارية القبطية فهو أمثل في السند وأقرب إلى المعنى لكنه لم يدون في الصحيح وروى مرسلا وقد روى بن وهب عن مالك عن زيد بن أسلم قال : حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم أم إبراهيم فقال : ( أنت علي حرام والله لا آتينك ( فأنزل الله عز وجل في ذلك : ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) وروى مثله بن القاسم عنه وروى أشهب عن مالك قال : راجعت عمر امرأة من الأنصار في شيء فاقشعر من ذلك وقال : ما كان النساء هكذا قالت : بلى وقد كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يراجعنه فأخذ ثوبه فخرج إلى حفصة فقال لها : أتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : نعم ولو أعلم أنك تكره ما فعلت فلما بلغ عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هجر نساءه قال : رغم أنف حفصة وإنما الصحيح أنه كان في العسل وأنه شربه عند زينب وتظاهرت عليه عائشة وحفصة فيه فجرى ما جرى فحلف ألا يشربه وأسر ذلك ونزلت الآية في الجميع الثالثة قوله تعالى : ( لم تحرم ) إن كان النبي صلى الله عليه وسلم حرم ولم يحلف فليس ذلك بيمين عندنا ولا يحرم قول الرجل : هذا حرام علي شيئا حاشا الزوجة وقال أبو حنيفة : إذا أطلق حمل على المأكول والمشروب دون الملبوس وكانت يمينا توجب الكفارة وقال زفر : هو يمين في الكل حتى في الحركة والكون وعول المخالف على أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم العسل فلزمته الكفارة وقد قال الله تعالى : ( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ) فسماه يمينا ودليلنا قول الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا وقوله تعالى : قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون فذم الله المحرم للحلال ولم يوجب عليه كفارة قال الزجاج : ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله ولم يجعل لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يحرم إلا ما حرم الله عليه فمن قال لزوجته أو أمته : أنت علي حرام ولم ينو طلاقا ولا ظهارا فهذا اللفظ يوجب كفارة اليمين ولو خاطب بهذا اللفظ جمعا من الزوجات والإماء فعليه كفارة واحدة ولو حرم على نفسه طعاما أو شيئا آخر لم يلزمه بذلك كفارة عند الشافعي ومالك وتجب بذلك كفارة عند بن مسعود والثوري وأبي حنيفة الرابعة واختلف العلماء في الرجل يقول لزوجته : أنت علي حرام على ثمانية عشر قولا : أحدها لا شيء عليه وبه قال الشعبي ومسروق وربيعة وأبو سلمة وأصبغ وهو عندهم كتحريم الماء والطعام قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم والزوجة من الطيبات ومما أحل الله وقال تعالى : ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام النحل وما لم يحرمه الله فليس لأحد أن يحرمه ولا أن يصير بتحريمه حراما ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لما أحله الله هو علي حرام وإنما امتنع من مارية ليمين تقدمت منه وهو قوله : ( والله لا أقربها بعد اليوم ( فقيل له : لم تحرم ما أحل الله لك أي لم تمتنع منه بسبب اليمين يعني أقدم عليه وكفر وثانيها أنها يمين يكفرها قاله أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وبن عباس وعائشة رضي الله عنهم والأوزاعي وهو مقتضى الآية قال سعيد بن جبير عن بن عباس : إذا حرم الرجل عليه امرأته فإنما هي يمين يكفرها وقال بن عباس : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حرم جاريته فقال الله تعالى : ( لم تحرم ما أحل الله لك إلى قوله تعالى قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ) فكفر عن يمينه وصير الحرام يمينا خرجه الدارقطني وثالثها أنها تجب فيها كفارة وليست بيمين قاله بن مسعود وبن عباس أيضا في إحدى روايتيه والشافعي في أحد قوليه وفي هذا القول نظر والآية ترده على ما يأتي ورابعها هي ظهار ففيها كفارة الظهار قاله عثمان وأحمد بن حنبل وإسحاق وخامسها أنه إن نوى الظهار وهو ينوي أنها محرمة كتحريم ظهر أمه كان ظهارا وإن نوى تحريم عينها عليه بغير طلاق تحريما مطلقا وجبت كفارة يمين وإن لم ينو شيئا فعليه كفارة يمين قاله الشافعي وسادسها أنها طلقة رجعية قاله عمر بن الخطاب والزهري وعبد العزيز بن أبي سلمة وبن الماجشون وسابعها أنها طلقة بائنة قاله حماد بن أبي سليمان وزيد بن ثابت ورواه بن خويز منداد عن مالك وثامنها أنها ثلاث تطليقات قاله علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت أيضا وأبو هريرة وتاسعها هي في المدخول بها ثلاث وينوي في غير المدخول بها قاله الحسن وعلي بن زيد والحكم وهو مشهور مذهب مالك وعاشرها هي ثلاث ولا ينوي بحال ولا في محل وإن لم يدخل قاله عبد الملك في المبسوط وبه قال بن أبي ليلى وحادي عشرها هي في التي لم يدخل بها واحدة وفي التي دخل بها ثلاث قاله أبو مصعب ومحمد بن عبد الحكم وثاني عشرها أنه إن نوى الطلاق أو الظهار كان ما نوى فإن نوى الطلاق فواحدة بائنة إلا أن ينوي ثلاثا فإن نوى ثنتين فواحدة فإن لم ينو شيئا كانت يمينا وكان الرجل موليا من امرأته قاله أبو حنيفة وأصحابه وبمثله قال زفر إلا أنه قال : إذا نوى اثنتين ألزمناه وثالث عشرها أنه لا تنفعه نية الظهار وإنما يكون طلاقا قاله بن القاسم ورابع عشرها قال يحيى بن عمر : يكون طلاقا فإن ارتجعها لم يجز له وطؤها حتى يكفر كفارة الظهار وخامس عشرها إن نوى الطلاق فما أراد من أعداده وإن نوى واحدة فهي رجعية وهو قول الشافعي رضي الله عنه وروى مثله عن أبي بكر وعمر وغيرهم من الصحابة والتابعين وسادس عشرها إن نوى ثلاثا فثلاثا وإن واحدة فواحدة وإن نوى يمينا يمينا فهي يمين وإن لم ينو شيئا فلا شيء عليه وهو قول سفيان وبمثله قال الأوزاعي وأبو ثور إلا أنهما قالا : إن لم ينو شيئا فهي واحدة وسابع عشرها له نيته ولا يكون أقل من واحدة قاله بن شهاب وإن لم ينو شيئا لم يكن شيء قاله بن العربي ورأيت لسعيد بن جبير وهو : الثامن عشر أن عليه عتق رقبة وإن لم يجعلها ظهارا ولست أعلم لها وجها ولا يبعد في المقالات عندي قلت : قد ذكره الدارقطني في سننه عن بن عباس فقال : حدثنا الحسين بن إسماعيل قال حدثنا محمد بن منصور قال حدثنا روح قال : حدثنا سفيان الثوري عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن بن عباس أنه أتاه رجل فقال : إني جعلت امرأتي علي حراما فقال : كذبت ليست عليك بحرام ثم تلا ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) عليك أغلظ الكفارات : عتق رقبة وقد قال جماعة من أهل التفسير : إنه لما نزلت هذه الآية كفر عن يمينه بعتق رقبة وعاد إلى مارية صلى الله عليه وسلم قاله زيد بن أسلم وغيره الخامسة قال علماؤنا : سبب الاختلاف في هذا الباب أنه ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم نص ولا ظاهر صحيح يعتمد عليه في هذه المسألة فتجاذبها العلماء لذلك فمن تمسك بالبراءة الأصلية فقال : لا حكم فلا يلزم بها شيء وأما من قال إنها يمين فقال : سماها الله يمينا وأما من قال : تجب فيها كفارة وليست بيمين فبناه على أحد أمرين : أحدهما أنه ظن أن الله تعالى أوجب الكفارة فيها وإن لم تكن يمينا والثاني أن معنى اليمين عنده التحريم فوقعت الكفارة على المعنى وأما من قال : إنها طلقة رجعية فإنه حمل اللفظ على أقل وجوهه والرجعية محرمة الوطء كذلك فيحمل اللفظ عليه وهذا يلزم مالكا لقوله : إن الرجعية محرمة الوطء وكذلك وجه من قال : إنها ثلاث فحمله على أكبر معناه وهو الطلاق الثلاث وأما من قال : إنه ظهار فلأنه أقل درجات التحريم فإنه تحريم لا يرفع النكاح وأما من قال : أنه طلقة بائنة فعول على أن الطلاق الرجعي لا يحرم المطلقة وأن الطلاق البائن يحرمها وأما قول يحيى بن عمر فإنه احتاط بأن جعله طلاقا فلما ارتجعها احتاط بأن يلزمه الكفارة بن العربي : وهذا لا يصح لأنه جمع بين المتضادين فإنه لا يجتمع ظهار وطلاق في معنى لفظ واحد فلا وجه للاحتياط فيما لا يصح اجتماعه في الدليل وأما من قال : إنه ينوي في التي لم يدخل بها فلأن الواحد تبينها وتحرمها شرعا إجماعا وكذلك قال من لم يحكم باعتبار نيته : إن الواحدة تكفي قبل الدخول في التحريم بالإجماع فيكفي أخذا بالأقل المتفق عليه وأما من قال : إنه ثلاث فيهما فلأنه أخذ بالحكم الأعظم فإنه لو صرح بالثلاث لنفذت في التي لم يدخل بها نفوذها في التي دخل بها ومن الواجب أن يكون المعنى مثله وهو التحريم والله أعلم وهذا كله في الزوجة وأما في الأمة فلا يلزم فيها شيء من ذلك إلا أن ينوي به العتق عند مالك وذهب عامة العلماء إلى أن عليه كفارة يمين بن العربي : والصحيح أنها طلقة واحدة لأنه لو ذكر الطلاق لكان أقله وهو الواحدة إلا أن يعدده كذلك إذا ذكر التحريم يكون أقله إلا أن يقيده بالأكثر مثل أن يقول : أنت علي حرام إلا بعد زوج فهذا نص على المراد قلت : أكثر المفسرين على أن الآية نزلت في حفصة لما خلا النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها بجاريته ذكره الثعلبي وعلى هذا فكأنه قال : لا يحرم عليك ما حرمته على نفسك ولكن عليك كفارة يمين وإن كان في تحريم العسل والجارية أيضا فكأنه قال لم يحرم عليك ما حرمته ولكن ضممت إلى التحريم يمينا فكفر عن اليمين وهذا صحيح فإن النبي صلى الله عليه وسلم حرم ثم حلف كما ذكره الدارقطني وذكر البخاري معناه في قصة العسل عن عبيد بن عمير عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب عند زينب بنت جحش عسلا ويمكث عندها فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل : أكلت مغافير إني لأجد منك ريح مغافير قال : ( لا ولكن شربت عسلا ولن أعود له وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدا ( يبتغي مرضات أزواجه فيعني بقوله : ( ولن أعود له ( على جهة التحريم وبقوله : ( حلفت ( أي بالله بدليل أن الله تعالى أنزل عليه عند ذلك معاتبته على ذلك وحوالته على كفارة اليمين بقوله تعالى : ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) يعني العسل المحرم بقوله : ( لن أعود له ( تبتغي مرضات أزواجك ) أي تفعل ذلك طلبا لرضاهن ( والله غفور رحيم ) غفور لما أوجب المعاتبة رحيم برفع المؤاخذة وقد قيل : إن ذلك كان ذنبا من الصغائر والصحيح أنه معاتبة على ترك الأولى وأنه لم تكن له صغيرة ولا كبيرة

قسم V18/P184–V18/P185

< < التحريم : ( 2 ) قد فرض الله . . . . . > > < > ( التحريم 2 ) < > فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ) تحليل اليمين كفارتها أي إذا أحببتم استباحة المحلوف عليه وهو قوله تعالى في سورة [ المائدة ] : فكفارته إطعام عشرة مساكين المائدة ويتحصل من هذا أن من حرم شيئا من المأكول والمشروب لم يحرم عليه عندنا لأن الكفارة لليمين لا للتحريم على ما بيناه وأبو حنيفة يراه يمينا في كل شيء ويعتبر الانتفاع المقصود فيما يحرمه فإذا حرم طعاما فقد حلف على أكله أو أمة فعلى وطئها أو زوجة فعلى الإيلاء منها إذا لم يكن له نية وإن نوى الظهار فظهار وإن نوى الطلاق فطلاق بائن وكذلك إن نوى ثنتين أو ثلاثا وإن قال : نويت الكذب دين فيما بينه وبين الله تعالى ولا يدين في القضاء بإبطال الإيلاء وإن قال : كل حلال عليه حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو وإلا فعلى ما نوى ولا يراه الشافعي يمينا ولكن سببا في الكفارة في النساء وحدهن وإن نوى الطلاق فهو رجعي عنده على ما تقدم بيانه فإن حلف ألا يأكله حنث ويبر بالكفارة الثانية فإن حرم أمته أو زوجته فكفارة يمين كما في صحيح مسلم عن بن عباس قال : إذا حرم الرجل عليه امرأته فهي يمين يكفرها وقال : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة الثالثة قيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم كفر عن يمينه وعن الحسن : لم يكفر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وكفارة اليمين في هذه السورة إنما أمر بها الأمة والأول أصح وأن المراد بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ثم إن الأمة تقتدي به في ذلك وقد قدمنا عن زيد بن أسلم أنه عليه السلام كفر بعتق رقبة وعن مقاتل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق رقبة في تحريم مارية والله أعلم وقيل : أي قد فرض الله لكم تحليل ملك اليمين فبين في قوله تعالى : ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له أي فيما شرعه له في النساء المحللات أي حلل لكم ملك الأيمان فلم تحرم مارية على نفسك مع تحليل الله إياها لك وقيل : تحلة اليمين الاستثناء أي فرض الله لكم الاستثناء المخرج عن اليمين ثم عند قوم يجوز الاستثناء من الأيمان متى شاء وإن تحلل مدة وعند المعظم لا يجوز إلا متصلا فكأنه قال : استثن بعد هذا فيما تحلف عليه وتحلة اليمين تحليلها بالكفارة والاصل تحلله فأدغمت وتفعلة من مصادر فعل : كالتسمية والتوصية فالتحلة تحليل اليمين فكأن اليمين عقد والكفارة حل وقيل : التحلة الكفارة وليكم وناصركم بإزالة الحظر فيما تحرمونه على أنفسكم وبالترخيص لكم في تحليل أيمانكم بالكفارة وبالثواب على ما تخرجونه في الكفارة < < التحريم : ( 3 ) وإذ أسر النبي . . . . . > > < > ( التحريم 3 ) <

قسم V18/P185–V18/P187

> قوله تعالى : ( وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا ) أي واذكر إذ أسر النبي إلى حفصة ( حديثا ) يعني تحريم مارية على نفسه واستكتامه إياها ذلك وقال الكلبي : أسر إليها أن أباك وأبا عائشة يكونان خليفتي على أمتي من بعدي وقاله بن عباس قال : أسر أمر الخلافة بعده إلى حفصة فذكرته حفصة روى الدارقطني في سننه عن الكلبي عن أبي صالح عن بن عباس في قوله تعالى : ( وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا ) قال : اطلعت حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم مع أم إبراهيم فقال : ( لا تخبري عائشة ( وقال لها ( إن أباك وأباها سيملكان أو سيليان بعدي فلا تخبري عائشة ( قال : فانطلقت حفصة فأخبرت عائشة فأظهره الله عليه فعرف بعضه وأعرض عن بعض قال أعرض عن قوله : ( إن أباك وأباها يكونان بعدي ( كره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينشر ذلك في الناس ( فلما نبأت به ) أي أخبرت به عائشة لمصافاة كانت بينهما وكانتا متظاهرتين على نساء النبي صلى الله عليه وسلم ( وأظهره الله عليه ) أي أطلعه الله على أنها قد نبأت به وقرأ طلحة بن مصرف ( فلما أنبأت ) وهما لغتان : أنبأ ونبأ ومعنى ( عرف بعضه وأعرض عن بعض ) عرف حفصة بعض ما أوحي إليه من أنها أخبرت عائشة بما نهاها عن أن تخبرها وأعرض عن بعض تكرما قاله السدي وقال الحسن : ما استقصى كريم قط قال الله تعالى ( عرف بعضه وأعرض عن بعض ) وقال مقاتل : يعني أخبرها ببعض ما قالت لعائشة وهو حديث أم ولده ولم يخبرها ببعض وهو قول حفصة لعائشة : إن أبا بكر وعمر سيملكان بعده وقراءة العامة ( عرف ) مشددا ومعناه ما ذكرناه واختاره أبو عبيد وأبو حاتم يدل عليه قوله تعالى : ( وأعرض عن بعض ) أي لم يعرفها إياه ولو كانت مخففة لقال في ضده وأنكر بعضا وقرأ علي وطلحة بن مصرف وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن وقتادة والكلبي والكسائي والأعمش عن أبي بكر ( عرف ) مخففة قال عطاء : كان أبو عبد الرحمن السلمي إذا قرأ عليه الرجل ( عرف ) مشددة حصبه بالحجارة قال الفراء : وتأويل قوله عز وجل : ( عرف بعضه ) بالتخفيف أي غضب فيه وجازى عليه وهو كقولك لمن أساء إليك : لأعرفن لك ما فعلت أي لأجازينك عليه وجازاها النبي صلى الله عليه وسلم بأن طلقها طلقة واحدة فقال عمر : لو كان في آل الخطاب خير لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طلقك فأمره جبريل بمراجعتها وشفع فيها واعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه شهرا وقعد في مشربة مارية أم إبراهيم حتى نزلت آية التحريم على ما تقدم وقيل : هم بطلاقها حتى قال له جبريل : ( لا تطلقها فإنها صوامة قوامة وإنها من نسائك في الجنة ( فلم يطلقها ( فلما نبأها به ) أي أخبر حفصة بما أظهره الله عليه ( قالت من أنبأك بهذا ) يا رسول الله عني فظنت أن عائشة أخبرته فقال عليه السلام : ( نبأني العليم الخبير ) أي الذي لا يخفى عليه شيء و ( هذا ) سد مسد مفعولي ( أنبأ ) و ( نبأ ) الأول تعدى إلى مفعول و ( نبأ ) الثاني تعدى إلى مفعول واحد لأن نبأ وأنبأ إذا لم يدخلا على المبتدأ والخبر جاز أن أن يكتفى فيهما بمفعول واحد وبمفعولين فإذا دخلا على الابتداء والخبر تعدى كل واحد منهما إلى ثلاثة مفعولين ولم يجز الاقتصار على الاثنين دون الثالث لأن الثالث هو خبر المبتدأ في الأصل فلا يقتصر دونه كما لا يقتصر دونه كما لا يقتصر على المبتدأ دون الخبر < < التحريم : ( 4 ) إن تتوبا إلى . . . . .

قسم V18/P187

> > < > ( التحريم 4 ) <

قسم V18/P187–V18/P192

> قوله تعالى : ( إن تتوبا إلى الله ) يعني حفصة وعائشة حثهما على التوبة على ما كان منهما من الميل إلى خلاف محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فقد صغت قلوبكما ) أي زاغت ومالت عن الحق وهو أنهما أحبتا ما كره النبي صلى الله عليه وسلم من اجتناب جاريته واجتناب العسل وكان عليه السلام يحب العسل والنساء قال بن زيد : مالت قلوبهما بأن سرهما أن يحتبس عن أم ولده فسرهما ما كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل : فقد مالت قلوبكما إلى التوبة وقال : ( فقد صغت قلوبكما ) ولم يقل : فقد صغى قلباكما ومن شأن العرب إذا ذكروا الشيئين من اثنين جمعوهما لأنه لا يشكل وقد مضى هذا المعنى في [ المائدة ] في قوله تعالى : فاقطعوا أيديهما المائدة وقيل : كلما ثبتت الإضافة فيه مع التثنية فلفظ الجمع أليق به لأنه أمكن وأخف وليس قوله : ( فقد صغت قلوبكما ) جزاء للشرط لأن هذا الصغو كان سابقا فجواب الشرط محذوف للعلم به أي إن تتوبا كان خيرا لكما إذ قد صغت قلوبكما قوله تعالى : ( وإن تظاهرا عليه ) أي تتظاهرا وتتعاونا على النبي صلى الله عليه وسلم بالمعصية والإيذاء وفي صحيح مسلم عن بن عباس قال : مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له حتى خرج حاجا فخرجت معه فلما رجع فكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له فوقفت حتى فرغ ثم سرت معه فقلت : يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه فقال : تلك حفصة وعائشة قال فقلت له : والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة فما أستطيع هيبة لك قال : فلا تفعل ما ظننت أن عندي من علم فسلني عنه فإن كنت أعلمه أخبرتك وذكر الحديث ( فإن الله هو مولاه ) أي وليه وناصره فلا يضره ذلك التظاهر منهما ( جبريل وصالح المؤمنين ) قال عكرمة وسعيد بن جبير : أبو بكر وعمر لأنهما أبوا عائشة وحفصة وقد كانا عونا له عليهما وقيل : صالح المؤمنين علي رضي الله عنه وقيل خيار المؤمنين وصالح : اسم جنس كقوله تعالى : والعصر إن الإنسان لفي خسر العصر قاله الطبري وقيل : ( صالح المؤمنين ) هم الأنبياء قال العلاء بن زيادة وقتادة وسفيان وقال بن زيد : هم الملائكة السدي : هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : ( صالح المؤمنين ) ليس لفظ الواحد وإنما هو صالحو المؤمنين : فأضاف الصالحين إلى المؤمنين وكتب بغير واو على اللفظ لأن لفظ الواحد والجمع واحد فيه كما جاءت أشياء في المصحف متنوع فيها حكم اللفظ دون وضع الخط وفي صحيح مسلم عن بن عباس قال : حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : لما اعتزل نبي الله صلى الله عليه وسلم نساءه قال دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون : طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب فقال عمر فقلت لأعلمن ذلك اليوم قال فدخلت على عائشة فقلت : يا بنة أبي بكر أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : مالي ومالك يا بن الخطاب عليك بعيبتك قال فدخلت على حفصة بنت عمر فقلت لها : يا حفصة أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحبك ولولا أنا لطلقك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت أشد البكاء فقلت لها : أين رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : هو في خزانته في المشربة فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا على أسكفة المشربة مدل رجليه على نقير من خشب وهو جذع يرقى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وينحدر فناديت : يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم يقل شيئا ثم قلت يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم يقل شيئا ثم رفعت صوتي فقلت : يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظن أني جئت من أجل حفصة والله لئن أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقها لأضربن عنقها ورفعت صوتي فأومأ إلي أن ارقه فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على حصير فجلست فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره وإذا الحصير قد أثر في جنبه فنظرت ببصري في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ومثلها قرظا في ناحية الغرفة وإذا أفيق معلق قال فابتدرت عيناي قال : ( ما يبكيك يا بن الخطاب ( قلت : يا نبي الله ومالي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفوته وهذه خزانتك فقال : ( يا بن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا ( قلت : بلى قال : ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى في وجهه الغضب فقلت : يا رسول الله ما يشق عليك من شأن النساء فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك وقلما تكلمت وأحمد الله بكلام إلا رجوت أن يكون الله عز وجل يصدق قولي الذي أقول ونزلت هذه الآية آية التخيير : ( عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن ) ( وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير ) وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله أطلقتهن قال لا قلت : يا رسول الله إني دخلت المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى يقولون : طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن قال : ( نعم إن شئت ( فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه وحتى كشر فضحك وكان من أحسن الناس ثغرا ثم نزل نبي الله صلى الله عليه وسلم ونزلت فنزلت أتشبث بالجذع ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما يمشي على الأرض ما يمسه بيده فقلت : يا رسول الله إنما كنت في الغرفة تسعا وعشرين قال : ( إن الشهر يكون تسعا وعشرين ( فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي : لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ونزلت هذه الآية وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر وأنزل الله آية التخيير قوله تعالى : ( وجبريل ) فيه لغات تقدمت في سورة [ البقرة ] ويجوز أن يكون معطوفا على ( مولاه ) والمعنى : الله وليه وجبريل وليه فلا يوقف على ( مولاه ) ويوقف على ( جبريل ) ويكون ( وصالح المؤمنين ) مبتدأ ( والملائكة ) معطوفا عليه و ( ظهير ) خبرا وهو بمعنى الجمع وصالح المؤمنين أبو بكر قاله المسيب بن شريك وقال سعيد بن جبير : عمر وقال عكرمة : أبو بكر وعمر وروى شقيق عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى : ( فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين ) قال : إن صالح المؤمنين أبو بكر وعمر وقيل : هو علي عن أسماء بنت عميس قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( وصالح المؤمنين ) علي بن أبي طالب وقيل غير هذا مما تقدم القول فيه ويجوز أن يكون ( وجبريل ) مبتدأ وما بعده معطوفا عليه والخبر ( ظهير ) وهو بمعنى الجمع أيضا فيوقف على هذا على ( مولاه ) ويجوز أن يكون ( جبريل وصالح المؤمنين ) معطوفا على ( مولاه ) فيوقف على ( المؤمنين ) ويكون ( والملائكة بعد ذلك ظهير ) ابتداء وخبرا ومعنى ( ظهير ) أعوان وهو بمعنى ظهراء كقوله تعالى وحسن أولئك رفيقا النساء وقال أبو علي قد جاء فعيل للكثرة كقوله تعالى : ولا يسأل حميم حميما يبصرونهم المعارج وقيل : كان التظاهر منهما في التحكم على النبي صلى الله عليه وسلم في النفقة ولهذا آلى منهن شهرا واعتزلهن وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال : دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد الناس جلوسا ببابه لم يؤذن لأحد منهم قال : فأذن لأبي بكر فدخل ثم أقبل عمر فاستأذن فأذن له فوجد النبي صلى الله عليه وسلم جالسا حوله نساؤه واجما ساكتا قال فقال لأقولن شيئا أضحك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( هن حولي كما ترى يسألنني النفقة ( فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها كلاهما يقول : تسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده فقلن : والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أبدا ليس عنده ثم اعتزلهن شهرا أو تسعا وعشرين ثم نزلت عليه هذه الآية : يا أيها النبي قل لأزواجك حتى بلغ للمحسنات منكن أجرا عظيما الحديث وقد ذكراه في سورة [ الأحزاب < <

قسم V18/P192–V18/P193

التحريم : ( 5 ) عسى ربه إن . . . . . > > < > ( التحريم 5 ) < > قوله تعالى : ( عسى ربه إن طلقكن ) قد تقدم في الصحيح أن هذه الآية نزلت على لسان عمر رضي الله عنه ثم قيل : كل ( عسى ) في القرآن واجب إلا هذا وقيل : هو واجب ولكن الله عز وجل علقه بشرط وهو التطليق ولم يطلقهن ( أن يبدله أزواجا خيرا منكن ) لأنكن لو كنتن خيرا منهن ما طلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال معناه السدى وقيل : هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم لو طلقهن في الدنيا أن يزوجه في الدنيا نساء خيرا منهن وقرئ ( أن يبدله ) بالتشديد والتخفيف والتبديل والإبدال بمعنى كالتنزيل والإنزال والله كان عالما بأنه كان لا يطلقهن ولكن أخبر عن قدرته على أنه إن طلقهن أبدله خيرا منهن تخويفا لهن وهو كقوله تعالى : ( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم محمد ) وهو إخبار عن القدرة وتخويف لهم لا أن في الوجود من هو خير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : ( مسلمات ) يعني مخلصات قاله سعيد بن جبير وقيل : معناه مسلمات لأمر الله تعالى وأمر رسوله ( مؤمنات ) مصدقات بما أمرن به ونهين عنه ( قانتات ) مطيعات والقنوت : الطاعة وقد تقدم ( تائبات ) أي من ذنوبهن قاله السدي وقيل : راجعات إلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم تاركات لمحاب أنفسهن ( عابدات ) أي كثيرات العبادة لله تعالى وقال بن عباس : كل عبادة في القرآن فهو التوحيد ( سائحات ) صائبات قاله بن عباس والحسن وبن جبير وقال زيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن ويمان : مهاجرات قال زيد : وليس في أمة محمد صلى الله عليه وسلم سياحة إلا الهجرة والسياحة الجولان في الأرض وقال الفراء والقتبي وغيرهما : سمي الصائم سائحا لأن السائح لا زاد معه وإنما يأكل من حيث يجد الطعام وقيل : ذاهبات في طاعة الله عز وجل من ساح الماء إذا ذهب وقد مضى في سورة [ براءة ] والحمد لله ( ثيبات وأبكارا ) أي منهن ثيب ومنهن بكر وقيل : إنما سميت الثيب ثيبا لأنها راجعة إلى زوجها إن أقام معها أو إلى غيره إن فارقها وقيل : لأنها ثابت إلى بيت أبويها وهذا أصح لأنه ليس كل ثيب تعود إلى زوج وأما البكر فهي العذراء سميت بكرا لأنها على أول حالتها التي خلقت بها وقال الكلبي : أراد بالثيب مثل آسية امرأة فرعون وبالبكر مثل مريم بنة عمران قلت : وهذا إنما يمشي على قول من قال : إن التبديل وعد من الله لنبيه لو طلقهن في الدنيا زوجه في الآخرة خيرا منهن < < التحريم : ( 6 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( والله أعلم 6 ) <

قسم V18/P193–V18/P196

> فيه مسألة واحدة وهي الأمر بوقاية الإنسان نفسه وأهله النار قال الضحاك : معناه قوا أنفسكم وأهلوكم فليقوا أنفسهم نارا وروى علي بن أبي طلحة عن بن عباس : قوا أنفسكم وأمروا أهليكم بالذكر والدعاء حتى يقيهم الله بكم وقال علي رضي الله عنه وقتادة ومجاهد : قوا أنفسكم بأفعالكم وقوا أهليكم بوصيتكم بن العربي : وهو الصحيح والفقه الذي يعطيه العطف الذي يقتضي التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه في معنى الفعل كقوله : علفتها تبنا وماء باردا وكقوله : ورأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا فعلى الرجل أن يصلح نفسه بالطاعة ويصلح أهله إصلاح الراعي للرعية ففي صحيح الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عنهم والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم ( وعن هذا عبر الحسن في هذه الآية بقوله : يأمرهم وينهاهم وقال بعض العلماء لما قال : ( قوا أنفسكم ) دخل فيه الأولاد لأن الولد بعض منه كما دخل في قوله تعالى : ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم فلم يفردوا بالذكر إفراد سائر القرابات فيعلمه الحلال والحرام ويجنبه المعاصي والآثام إلى غير ذلك من الأحكام وقال عليه السلام : ( حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه ويعلمه الكتابة ويزوجه إذا بلغ ( وقال عليه السلام : ( ما نحل والد ولدا أفضل من أدب حسن ( وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم ( مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع ( خرجه جماعة من أهل الحديث وهذا لفظ أبي داود وخرج أيضا عن سمرة بن جندب قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها ( وكذلك يخبر أهله بوقت الصلاة ووجوب الصيام ووجوب الفطر إذا وجب مستندا في ذلك إلى رؤية الهلال وقد روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوتر يقول : ( قومي فأوتري يا عائشة ( وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( رحم الله امرأ قام من الليل فصلى فأيقظ أهله فإن لم تقم رش وجهها بالماء رحم الله امرأة قامت من الليل تصلي وأيقظت زوجها فإذا لم يقم رشت على وجهه من الماء ( ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : ( أيقظوا صواحب الحجر ( ويدخل هذا في عموم قوله تعالى : وتعاونوا على البر والتقوى وذكر القشيري أن عمر رضي الله عنه قال لما نزلت هذه الآية : يا رسول الله نقي أنفسنا فكيف لنا بأهلينا فقال : ( تنهونهم عما نهاكم الله وتأمرونهم بما أمر الله ( وقال مقاتل : ذلك حق عليه في نفسه وولده وأهله وعبيده وإمائه قال الكيا : فعلينا تعليم أولادنا وأهلينا الدين والخير وما لا يستغنى عنه من الأدب وهو قوله تعالى : وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها طه ونحو قوله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم : وأنذر عشيرتك الأقربين الشعراء وفي الحديث : ( مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع ( عليها ملائكة غلاظ شداد ) يعني الملائكة الزبانية غلاظ القلوب لا يرحمون إذا استرحموا خلقوا من الغضب وحبب إليهم عذاب الخلق كما حبب لبني آدم أكل الطعام والشراب ( شداد ) أي شداد الأبدان وقيل : غلاظ الأقوال شداد الأفعال وقيل غلاظ في أخذهم أهل النار شداد عليهم يقال : فلان شديد على فلان أي قوى عليه يعذبه بأنواع العذاب وقيل : أراد بالغلاظ ضخامة أجسامهم وبالشدة القوة قال بن عباس : ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة وقوة الواحد منهم أن يضرب بالمقمع فيدفع بتلك الضربة سبعين ألف إنسان في قعر جهنم وذكر بن وهب قال : وحدثنا عبد الرحمن بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خزنة جهنم : ( ما بين منكبي أحدهم كما بين المشرق والمغرب ( قوله تعالى : ( لا يعصون الله ما أمرهم ) أي لا يخالفونه في أمره من زيادة أو نقصان ( ويفعلون ما يأمرون ) أي في وقته فلا يؤخرونه ولا يقدمونه وقيل أي لذتهم في امتثال أمر الله كما أن سرور أهل الجنة في الكون في الجنة ذكره بعض المعتزلة وعندهم أنه يستحيل التكيف غدا ولا يخفى معتقد أهل الحق في أن الله يكلف العبد اليوم وغدا ولا ينكر التكليف في حق الملائكة ولله أن يفعل ما يشاء < <

قسم V18/P196

التحريم : ( 7 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( التحريم 7 ) < > قوله تعالى : ( يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم ) فإن عذركم لا ينفع وهذا النهي لتحقيق اليأس ( إنما تجزون ما كنتم تعملون ) في الدنيا ونظيره : فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون الروم وقد تقدم < < التحريم : ( 8 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( التحريم 8 ) <

قسم V18/P196–V18/P200

> قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا ) فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله ) أمر بالتوبة وهي فرض على الأعيان في كل الأحوال وكل الأزمان وقد تقدم بيانها والقول فيها في [ النساء ] وغيرها ( توبة نصوحا ) اختلفت عبارة العلماء وأرباب القلوب في التوبة النصوح على ثلاثة وعشرين قولا فقيل : هي التي لا عودة بعدها كما لا يعود اللبن إلى الضرع وروى عن عمر وبن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم ورفعه معاذ إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال قتادة : النصوح الصادقة الناصحة وقيل : الخالصة يقال : نصح أي أخلص له القول وقال الحسن : النصوح أن يبغض الذنب الذي أحبه ويستغفر منه إذا ذكره وقيل : هي التي لا يثق بقبولها ويكون على وجل منها وقيل : هي التي لا يحتاج معها إلى توبة وقال الكلبي : التوبة النصوح الندم بالقلب والاستغفار باللسان والإقلاع عن الذنب والإطمئنان على أنه لا يعود وقال سعيد بن جبير : هي التوبة المقبولة ولا تقبل ما لم يكن فيها ثلاثة شروط : خوف ألا تقبل ورجاء أن تقبل وإدمان الطاعات وقال سعيد بن المسيب : توبة تنصحون بها أنفسكم وقال القرظي : يجمعها أربعة أشياء : الإستغفار باللسان وإقلاع بالأبدان وإضمار ترك العود بالجنان ومهاجرة سيء الخلان وقال سفيان الثوري : علامة التوبة النصوح أربعة : القلة والعلة والذلة والغربة وقال الفضيل بن عياض : هو أن يكون الذنب بين عينيه فلا يزال كأنه ينظر إليه ونحوه عن بن السماك : أن تنصب الذنب الذي أقللت فيه الحياء من الله أمام عينك وتستعد لمنتظرك وقال أبو بكر الوراق : هو أن تضيق عليك الأرض بما رحبت وتضيق عليك نفسك كالثلاثة الذين خلفوا وقال أبو بكر الواسطي : هي توبة لا لفقد عوض لأن من أذنب في الدنيا لرفاهية نفسه ثم تاب طلبا لرفاهيتها في الآخرة فتوبته على حفظ نفسه لا لله وقال أبو بكر الدقاق المصري : التوبة النصوح هي رد المظالم واستحلال الخصوم وإدمان الطاعات وقال رويم : هو أن تكون لله وجها بلا قفا كما كنت له عند المعصية قفا بلا وجه وقال ذو النون : علامة التوبة النصوح ثلاث : قلة الكلام وقلة الطعام وقلة المنام وقال شقيق : هو أن يكثر صاحبها لنفسه الملامة ولا ينفك من الندامة لينجو من آفاتها بالسلامة وقال سري السقطي : لا تصلح التوبة النصوح إلا بنصيحة النفس والمؤمنين لأن من صحب توبته أحب أن يكون الناس مثله وقال الجنيد : التوبة النصوح هو أن ينسى الذنب فلا يذكره أبدا لأن من صحت توبته صار محبا لله ومن أحب الله نسي ما دون الله وقال ذو الأذنين : هو أن يكون لصاحبها دمع مسفوح وقلب عن المعاصي جموح وقال فتح الموصلي : علامتها ثلاث : مخالفة الهوى وكثرة البكاء ومكابدة الجوع والظمأ وقال سهل بن عبد الله التستري : هي التوبة لأهل السنة والجماعة لأن المبتدع لا توبة له بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : ( حجب الله على كل صاحب بدعة أن يتوب ( وعن حذيفة : بحسب الرجل من الشر أن يتوب من الذنب ثم يعود فيه وأصل التوبة النصوح من الخلوص يقال : هذا عسل ناصح إذا خلص من الشمع وقيل : هي مأخوذة من النصاحة وهي الخياطة وفي أخذها منها وجهان : أحدهما لأنها توبة قد أحكمت طاعته وأوثقتها كما يحكم الخياط الثوب بخياطته ويوثقه والثاني لأنها قد جمعت بينه وبين أولياء الله وألصقته بهم كما يجمع الخياط الثوب ويلصق بعضه ببعض وقراءة العامة ( نصوحا ) بفتح النون على نعت التوبة مثل امرأة صبور أي توبة نصح لأنفسكم وقيل : يجوز أن يكون ( نصوحا ) جمع نصح وأن يكون مصدرا يقال : نصح نصاحة ونصوحا وقد يتفق فعالة وفعول في المصادر نحو الذهاب والذهوب وقال المبرد : أراد توبة ذات نصح يقال : نصحت نصحا ونصاحة ونصوحا الثانية في الأشياء التي يتاب منها وكيف التوبة منها قال العلماء : الذنب الذي تكون منه التوبة لا يخلو إما أن يكون حقا لله أو للآدميين فإن كان حقا لله كترك صلاة فإن التوبة لا تصح منه حتى ينضم إلى الندم قضاء ما فات منها وهكذا إن كان ترك صوم أو تفريطا في الزكاة وإن كان ذلك قتل نفس بغير حق فأن يمكن من القصاص إن كان عليه وكان مطلوبا به وإن كان قذفا يوجب الحد فيبذل ظهره للجلد إن كان مطلوبا به فإن عفي عنه كفاه الندم والعزم على ترك العود بالإخلاص وكذلك إن عفي عنه في القتل بمال فعليه أن يؤديه إن كان واجدا له قال الله تعالى : فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان وإن كان ذلك حدا من حدود الله كائنا ما كان فإنه إذا تاب إلى الله تعالى بالندم الصحيح سقط عنه وقد نص الله تعالى على سقوط الحد عن المحاربين إذا تابوا قبل القدرة عليهم وفي ذلك دليل على أنها لا تسقط عنهم إذا تابوا بعد القدرة عليهم حسب ما تقدم بيانه وكذلك الشراب والسراق والزناة إذا أصلحوا وتابوا وعرف ذلك منهم ثم رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدهم وإن رفعوا إليه فقالوا : تبنا لم يتركوا وهم في هذه الحالة كالمحاربين إذا غلبوا هذا مذهب الشافعي فإن كان الذنب من مظالم العباد فلا تصح التوبة منه إلا برده إلى صاحبه والخروج عنه عينا كان أو غيره إن كان قادرا عليه فإن لم يكن قادرا فالعزم أن يؤديه إذا قدر في أعجل وقت وأسرعه وإن كان أضر بواحد من المسلمين وذلك الواحد لا يشعر به أو لا يدري من أين أتى فإنه يزيل ذلك الضرر عنه ثم يسأله أن يعفو عنه ويستغفر له فإذا عفا عنه فقد سقط الذنب عنه وإن أرسل من يسأل ذلك له فعفا ذلك المظلوم عن ظالمه عرفه بعينه أو لم يعرفه فذلك صحيح وإن أساء رجل إلى رجل بأن فزعه بغير حق أو غمه أو لطمه أو صفعه بغير حق أو ضربه بسوط فألمه ثم جاءه مستعفيا نادما على ما كان منه عازما على ألا يعود فلم يزل يتذلل له حتى طابت نفسه فعفا عنه سقط عنه ذلك الذنب وهكذا إن كان شانه بشتم لا حد فيه قوله تعالى : ( عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ) ( عسى ) من الله واجبة وهو معنى قوله عليه السلام : ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ( و ( أن ) في موضع رفع اسم عسى قوله تعالى : ( ويدخلكم ) معطوف على ( يكفر ) وقرأ أبن أبي عبلة ( ويدخلكم ) مجزوما عطفا على محل عسى أن يكفر كأنه قيل : توبوا يوجب تكفير سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ( يوم لا يخزي الله النبي ) العامل في ( يوم ) : ( يدخلكم ) أو فعل مضمر ومعنى ( يخزي ) هنا يعذب أي لا يعذبه ولا يعذب الذين آمنوا معه ( نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ) تقدم في سورة [ الحديد ] ( يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير ) قال بن عباس ومجاهد وغيرهما : هذا دعاء المؤمنين حين أطفأ الله نور المنافقين حسب ما تقدم بيانه في سورة [ الحديد ] < <

الأسئلة