Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

قسم V19/P161–V19/P165

> قوله تعالى : ( انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون ) أي يقال للكفار سيروا إلى ما كنتم به تكذبون من العذاب يعني النار فقد شاهدتموها عيانا ( انطلقوا إلى ظل ) أي دخان ( ذي ثلاث شعب ) يعني الدخان الذي يرتفع ثم يتشعب إلى ثلاث شعب وكذلك شأن الدخان العظيم إذا ارتفع تشعب ثم وصف الظل فقال : ( لا ظليل ) أي ليس كالظل الذي يقي حر الشمس ( ولا يغني من اللهب ) أي لا يدفع من لهب جهنم شيئا واللهب ما يعلو على النار إذ اضطرمت من أحمر وأصفر وأخضر وقيل : إن الشعب الثلاث هي الضريع والزقوم والغسلين قاله الضحاك وقيل : اللهب ثم الشرر ثم الدخان لأنها ثلاثة أحوال هي غاية أوصاف النار إذا اضطرمت واشتدت وقيل : عنق يخرج من النار فيتشعب ثلاث شعب فأما النور فيقف على رؤوس المؤمنين وأما الدخان فيقف على رؤوس المنافقين وأما اللهب الصافي فيقف على رؤوس الكافرين وقيل : هو السرادق وهو لسان من نار يحيط بهم ثم يتشعب منه ثلاث شعب فتظللهم حتى يفرغ من حسابهم إلى النار وقيل : هو الظل من يحموم كما قال تعالى : في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم على ما تقدم وفي الحديث : ( إن الشمس تدنو من رؤوس الخلائق وليس عليهم يومئذ لباس ولا لهم أكفان فتلحقهم الشمس وتأخذ بأنفاسهم ومد ذلك اليوم ثم ينجى الله برحمته من يشاء إلى ظل من ظله فهنالك يقولون : فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم الطور ( ويقال للمكذبين : انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون من عذاب الله وعقابه انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب فيكون أولياء الله جل ثناؤه في ظل عرشه أو حيث شاء من الظل إلى أن يفرغ من الحساب ثم يؤمر بكل فريق إلى مستقره من الجنة والنار ثم وصف النار فقال : ( إنها ترمي بشرر كالقصر ) الشرر : واحدته شررة والشرار : واحدته شرارة وهو ما تطاير من النار في كل جهة وأصله من شررت الثوب إذا بسطته للشمس ليجف والقصر البناء العالي وقراءة العامة كالقصر بإسكان الصاد : أي الحصون والمدائن في العظم وهو واحد القصور قاله بن عباس وبن مسعود وهو في معنى الجمع على طريق الجنس وقيل : القصر جمع قصرة ساكنة الصاد مثل جمرة وجمر وتمرة وتمر والقصرة : الواحدة من جزل الحطب الغليظ وفي البخاري عن بن عباس أيضا : ترمي بشرر كالقصر قال كنا نرفع الخشب بقصر ثلاثة أذرع أو أقل فترفعه للشتاء فنسميه القصر وقال سعيد بن جبير والضحاك : هي أصول الشجر والنخل العظام إذا وقع وقطع وقيل : أعناقه وقرأ بن عباس ومجاهد وحميد والسلمي كالقصر بفتح الصاد أراد أعناق النخل والقصرة العنق جمعها قصر وقصرات وقال قتادة : أعناق الإبل قرأ سعيد بن جبير بكسر القاف وفتح الصاد وهي أيضا جمع قصرة مثل بدرة وبدر وقصعة وقصع وحلقة وحلق لحلق الحديد وقال أبو حاتم : ولعله لغة كما قالوا حاجة وحوج وقيل : القصر : الجبل فشبه الشرر بالقصر في مقاديره ثم شبهه في لونه بالجمالات الصفر وهي الإبل السود والعرب تسمى السود من الإبل صفرا قال الشاعر : تلك خيلي منه وتلك ركابي هن صفر أولادها كالزبيب أي هن سود وإنما سميت السود من الإبل صفرا لأنه يشوب سوادها شيء من صفرة كما قيل لبيض الظباء : الأدم لأن بياضها تعلوه كدرة : والشرر إذا تطاير وسقط وفيه بقية من لون النار أشبه شيء بالإبل السود لما يشوبها من صفرة وفي شعر عمران بن حطان الخارجي : دعتهم بأعلى صوتها ورمتهم بمثل الجمال الصفر نزاعة الشوى وضعف الترمذي هذا القول فقال : وهذا القول محال في اللغة أن يكون شيء يشوبه شيء قليل فنسب كله إلى ذلك الشائب فالعجب لمن قد قال هذا وقد قال الله تعالى : جمالات صفر فلا نعلم شيئا من هذا في اللغة ووجهه عندنا أن النار خلقت من النور فهي نار مضيئة فلما خلق الله جهنم وهي موضع النار حشا ذلك الموضع بتلك النار وبعث إليها سلطانه وغضبه فاسودت من سلطانه وازدادت حدة وصارت أشد سوادا من النار ومن كل شيء سوادا فإذا كان يوم القيامة وجيء بجهنم في الموقف رمت بشررها على أهل الموقف غضبا لغضب الله والشرر هو أسود لأنه من نار سوداء فإذا رمت النار بشررها فإنها ترمي الأعداء به فهن سود من سواد النار لا يصل ذلك إلى الموحدين لأنهم في سرادق الرحمة قد أحاط بهم في الموقف وهو الغمام الذي يأتي فيه الرب تبارك وتعالى ولكن يعاينون ذلك الرمي فإذا عاينوه نزع الله ذلك السلطان والغضب عنه في رأي العين منهم حتى يروها صفراء ليعلم الموحدون أنهم في رحمة الله لا في سلطانه وغضبه وكان بن عباس يقول : الجمالات الصفر : حبال السفن يجمع بعضها إلى بعض حتى تكون كأوساط الرحال ذكره البخاري وكان يقرؤها جمالات بضم الجيم وكذلك قرأ مجاهد وحميد جمالات بضم الجيم وهي الحبال الغلاط وهي قلوس السفينة أي حبالها وواحد القلوس : قلس وعن بن عباس أيضا على أنها قطع النحاس والمعروف في الحبل الغليظ جمل بتشديد الميم كما تقدم في الأعراف وجمالات بضم الجيم : جمع جمالة بكسر الجيم موحدا كأنه جمع جمل نحو حجر وحجارة وذكر وذكارة وقرأ يعقوب وبن أبي إسحاق وعيسى والجحدري جمالة بضم الجيم موحدا وهي الشيء العظيم المجموع بعضه إلى بعض وقرأ حفص وحمزة والكسائي جمالة وبقية السبعة جمالات قال الفراء : يجوز أن تكون الجمالات جمع جمال كما يقال : رجل ورجال ورجالات وقيل : شبهها بالجمالات لسرعة سيرها وقيل : لمتابعة بعضها بعضا والقصر : واحد القصور وقصر الظلام : اختلاطه ويقال : أتيته قصرا أي عشيا فهو مشترك قال : كأنه م قص را مصابيح راهب بموزن روي بالسليط ذبالها مسألة في هذه الآية دليل على جواز ادخار الحطب والفحم وإن لم يكن من القوت فإنه من مصالح المرء ومغاني مفاقره وذلك مما يقتضي النظر أن يكتسبه في غير وقت حاجته ليكون أرخص وحالة وجوده أمكن كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخر القوت في وقت عموم وجوده من كسبه وماله وكل شيء محمول عليه وقد بين بن عباس هذا بقوله : كنا نعمد إلى الخشبة فنقطعها ثلاثة أذرع وفوق ذلك ودونه ونذخره للشتاء وكنا نسميه القصر وهذا أصح ماقيل في ذلك والله أعلم < <

قسم V19/P165–V19/P166

المرسلات : ( 35 ) هذا يوم لا . . . . . > > < > ( المرسلات 35 : 37 ) < > قوله تعالى : ( هذا يوم لاينطقون ) أي لايتكلمون ( ولا يؤذن لهم فيعتذرون ) أي إن يوم القيامة له مواطن ومواقيت فهذا من المواقيت التي لايتكلمون فيها ولا يؤذن لهم في الاعتذار والتنصل وعن عكرمة عن بن عباس قال : سأله بن الأزرق عن قوله تعالى : هذا يوم لاينطقون ولاتسمع إلا همسا وقد قال تعالى : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون فقال له : إن الله عز وجل يقول : وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون فإن لكل مقدار من هذه الأيام لونا من هذه الألوان وقيل : لاينطقون بحجة نافعة ومن نطق بما لاينفع ولا يفيد فكأنه مانطق قال الحسن : لاينطقون بحجة وإن كانوا ينطقون وقيل : إن هذا وقت جوابهم اخسئوا فيها ولا تكلمون وقد تقدم وقال أبو عثمان : أسكتتهم رؤية الهيبة وحياء الذنوب وقال الجنيد : أي عذر لمن أعرض عن منعمه وجحده وكفر أياديه ونعمه ويوم بالرفع قراءة العامة على الابتداء والخبر أي تقول الملائكة : هذا يوم لاينطقون ويجوز أن يكون قوله : انطلقوا من قول الملائكة ثم يقول الله لأوليائه : هذايوم لاينطق الكفار ومعنى اليوم الساعة والوقت وروى يحيى بن سلطان عن أبي بكر عن عاصم هذا يوم لاينطقون بالنصب ورويت عن بن هرمز وغيره فجاز أن يكون مبينا لإضافته إلى الفعل وموضعه رفع وهذا مذهب الكوفيين وجاز أن يكون في موضع نصب على أن تكون الإشارة إلى غير اليوم وهذا مذهب البصريين لأنه إنما بني عندهم إذا أضيف إلى مبني والفعل ها هنا معرب وقال الفراء في قوله تعالى : ولا يؤذن لهم فيعتذرون الفاء نسق أي عطف على يؤذن وأجيز ذلك لأن أواخر الكلام بالنون ولو قال : فيعتذروا لم يوافق الآيات وقد قال لا يقضى عليهم فيموتوا فاطر بالنصب وكله صواب ومثله : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه بالنصب والرفع < < المرسلات : ( 38 ) هذا يوم الفصل . . . . . > > < > ( المرسلات 38 : 40 ) < > قوله تعالى في وعيده في هذه السورة : ( هذا يوم الفصل ) أي ويقال لهم هذا اليوم الذي يفصل فيه بين الخلائق فيتبين المحق من المبطل ( جمعناكم والأولين ) قال بن عباس : جمع الذين كذبوا محمدا والذين كذبوا النبيين من قبله رواه عنه الضحاك ( فإن كان لكم كيد ) أي حيلة في الخلاص من الهلاك ( فكيدوني ) أي فآحتالوا لأنفسكم وقاووني ولن تجدوا ذلك وقيل : أي فإن كان لكم كيد أي قدرتم على حرب فكيدوني أي حاربوني كذا روى الضحاك عن بن عباس قال : يريد كنتم في الدنيا تحاربون محمدا صلى الله عليه وسلم وتحاربونني فاليوم حاربوني وقيل : أي إنكم كنتم في الدنيا تعملون بالمعاصي وقد عجزتم الآن عنها وعن الدفع عن أنفسكم وقيل : إنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم فيكون كقول هود : فكيدوني جميعا ثم لاتنظرون < < المرسلات : ( 41 ) إن المتقين في . . . . . > > < > ( المرسلات 41 : 45 ) <

قسم V19/P166–V19/P168

> قوله تعالى : ( إن المتقين في ظلال وعيون ) أخبر بما يصير إليه المتقون غدا والمراد بالظلال ظلال الأشجار وظلال القصور مكان الظل في الشعب الثلاث وفي سورة يس هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون ( وفواكه مما يشتهون ) أي يتمنون وقراءة العامة ظلال وقرأ الأعرج والزهري وطلحة ظلل جمع ظلة يعني في الجنة أي يتمنون ( كلوا واشربوا ) أي يقال لهم غدا هذا بدل ما يقال للمشركين فإن كان لكم كيد فكيدون فكلوا واشربوا في موضع الحال من ضمير المتقين في الظرف الذي هو في ظلال أي هم مستقرون في ظلال مقولا لهم ذلك ( إنا كذلك نجزي المحسنين ) أي نثيب الذين أحسنوا في تصديقهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وأعمالهم في الدنيا < < المرسلات : ( 46 ) كلوا وتمتعوا قليلا . . . . . > > < > ( المرسلات 46 : 47 ) < > قوله تعالى : ( كلوا وتمتعوا قليلا ) هذا مردود إلى ما تقدم قبل المتقين وهو وعيد وتهديد وهو حال من المكذبين أي الويل ثابت لهم في حال ما يقال لهم : كلوا وتمتعوا قليلا ( إنكم مجرمون ) أي كافرون وقيل : مكتسبون فعلا يضركم في الآخرة من الشرك والمعاصي < < المرسلات : ( 48 ) وإذا قيل لهم . . . . . > > < > ( المرسلات 48 : 50 ) < > قوله تعالى : ( في وعيده في هذه السورة ) أي إذا قيل لهؤلاء المشركين : اركعوا أي صلوا لا يركعون أي لا يصلون قاله مجاهد وقال مقاتل : نزلت في ثقيف امتنعوا من الصلاة فنزل ذلك فيهم قال مقاتل : قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ( أسلموا ( وأمرهم بالصلاة فقالوا : لا ننحني فإنها مسبة علينا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود ( يذكر أن مالكا رحمه الله دخل المسجد بعد صلاة العصر وهو ممن لا يرى الركوع بعد العصر فجلس ولم يركع فقال له صبي : يا شيخ قم فاركع فقام فركع ولم يحاجه بما يراه مذهبا فقيل له في ذلك فقال : خشيت أن أكون من الذين إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون وقال بن عباس : إنما يقال لهم هذا في الآخرة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون قتادة هذا في الدنيا بن العربي هذه الآية حجة على وجوب الركوع وإنزاله ركنا في الصلاة وقد انعقد الإجماع عليه وظن قوم أن هذا إنما يكون في القيامة وليست بدار تكليف فيتوجه فيها أمر يكون عليه ويل وعقاب وإنما يدعون إلى السجود كشفا لحال الناس في الدنيا فمن كان لله يسجد يمكن من السجود ومن كان يسجد رثاء لغيره صار ظهره طبقا واحدا وقيل : أي إذا قيل لهم اخضعوا للحق لا يخضعون فهو عام في الصلاة وغيرها وإنما ذكر الصلاة لأنها أصل الشرائع بعد التوحيد وقيل : الأمر بالإيمان لأنها لا تصح من غير إيمان قوله تعالى : ( فبأي حديث بعده يؤمنون ) أي إن لم يصدقوا بالقرآن الذي هو المعجز والدلالة على صدق الرسول عليه السلام فبأي شيء يصدقون وكرر ويل يومئذ للمكذبين لمعنى تكرير التخويف والوعيد وقيل : ليس بتكرار لأنه أراد بكل قول منه غير الذي أراد بالآخر كأنه ذكر شيئا فقال : ويل لمن يكذب بهذا ثم ذكر شيئا آخر فقال : ويل لمن يكذب بهذا ثم ذكر شيئا آخر فقال : ويل لمن يكذب بهذا ثم كذلك إلى آخرها ختمت السورة ولله الحمد سورة عم مكية وتسمى < > تفسير سورة النبأ < > وهي أربعون أو إحدى وأربعون آية بسم الله الرحمن الرحيم < < النبأ : ( 1 ) عم يتساءلون > > < > ( النبا 1 : 5 ) <

قسم V19/P168–V19/P170

> قوله تعالى : ( عم يتساءلون ) عم لفظ استفهام ولذلك سقطت منها ألف ما ليتميز الخبر عن الاستفهام وكذلك [ فيم ومم ] إذا استفهمت والمعنى عن أي شيء يسأل بعضهم بعضا وقال الزجاج : أصل عم عن ما فأدغمت النون في الميم لأنها تشاركها في الغنة والضمير في يتساءلون لقريش وروى أبو صالح عن بن عباس قال : كانت قريش تجلس لما نزل القرآن فتتحدث فيما بينها فمنهم المصدق ومنهم المكذب به فنزلت عم يتساءلون وقيل : عم بمعنى : فيم يتشدد المشركون ويختصمون قوله تعالى : ( عن النبإالعظيم ) أي يتساءلون عن النبإ العظيم فعن ليس تتعلق بيتساءلون الذي في التلاوة لأنه كان يلزم دخول حرف الاستفهام فيكون عن النبإ العظيم كقولك : كم مالك أثلاثون أم أربعون فوجب لما ذكرناه من امتناع تعلقه بيتساءلون الذي في التلاوة وإنما يتعلق بيتساءلون آخر مضمر وحسن ذلك لتقدم يتساءلون قاله المهدوي وذكر بعض أهل العلم أن الاستفهام في قوله : عن مكرر إلا أنه مضمر كأنه قال عم يتساءلون أعن النبإ العظيم فعلى هذا يكون متصلا بالآية الأولى والنبإ العظيم أي الخبر الكبير ( الذي هم فيه مختلفون ) أي يخالف فيه بعضهم بعضا فيصدق واحد ويكذب آخر فروى أبو صالح عن بن عباس قال : هو القرآن دليله قوله : قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون فالقرآن نبأ وخبر وقصص وهو نبأ عظيم الشأن وروى سعيد عن قتادة قال : هو البعث بعد الموت صار الناس فيه رجلين : مصدق ومكذب وقيل : أمر النبي صلى الله عليه وسلم وروى الضحاك عن بن عباس قال : وذلك أن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء كثيرة فأخبره الله جل ثناؤه باختلافهم ثم هددهم فقال : ( كلا سيعلمون ) أي سيعلمون عاقبة القرآن أو سيعلمون البعث : أحق هو أم باطل وكلا رد عليهم في إنكارهم البعث أو تكذيبهم القرآن فيوقف عليها ويجوز أن يكون بمعنى حقا أو ألا فيبدأ بها والأظهر أن سؤالهم إنما كان عن البعث قال بعض علمائنا : والذي يدل عليه قوله عز وجل إن يوم الفصل كان ميقاتا النبأ يدل على أنهم كانوا يتساءلون عن البعث ( ثم كلا سيعلمون ) أي حقا ليعلمن صدق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن ومما ذكره لهم من البعث بعد الموت وقال الضحاك : كلا سيعلمون يعني الكافرين عاقبة تكذيبهم ثم كلا سيعلمون يعني المؤمنين عاقبة تصديقهم وقيل : بالعكس أيضا وقال الحسن : هو وعيد بعد وعيد وقراءة العامة فيهما بالياء على الخبر لقوله تعالى : يتساءلون وقوله : هم فيه مختلفون وقرأ الحسن وأبو العالية ومالك بن دينار بالتاء فيهما < < النبأ : ( 6 ) ألم نجعل الأرض . . . . . > > < > ( النبا 6 : 16 ) <

قسم V19/P170–V19/P174

> قوله تعالى : ( ألم نجعل الأرض مهادا ) : دلهم على قدرته على البعث أي قدرتنا على إيجاد هذه الأمور أعظم من قدرتنا على الإعادة والمهاد : الوطاء والفراش وقد قال تعالى : الذي جعل لكم الأرض فراشا البقرة وقرئ مهدا ومعناه أنها لهم كالمهد للصبي وهو ما يمهد له فينوم عليه ( والجبال أوتادا ) أي لتسكن ولا تتكفأ ولا تميل بأهلها ( وخلقناكم أزواجا ) أي أصنافا : ذكرا وأنثى وقيل : ألوانا وقيل : يدخل في هذا كل زوج من قبيح وحسن وطويل وقصير لتختلف الأحوال فيقع الاعتبار فيشكر الفاضل ويصبر المفضول ( وجعلنا نومكم ) جعلنا معناه صيرنا ولذلك تعدت إلى مفعولين ( سباتا ) المفعول الثاني أي راحة لابدانكم ومنه يوم السبت أي يوم الراحة أي قيل لبني إسرائيل : استريحوا في هذا اليوم فلا تعملوا فيه شيئا وأنكر بن الأنباري هذا وقال : لا يقال للراحة سبات وقيل : أصله التمدد يقال : سبتت المرأة شعرها : إذا حلته وأرسلته فالسبات كالمد ورجل مسبوت الخلق : أي ممدود وإذا أراد الرجل أن يستريح تمدد فسميت الراحة سبتا وقيل : أصله القطع يقال : سبت شعره سبتا : حلقه وكأنه إذا نام انقطع عن الناس وعن الاشتغال فالسبات يشبه الموت إلا أنه لم تفارقه الروح ويقال : سير سبت : أي سهل لين قال الشاعر : ومطوية الأقراب أما نهارها فسبت واما ليلها فذمي ل ( وجعلنا الليل لباسا ) أي تلبسكم ظلمته وتغشاكم قاله الطبري وقال بن جبير والسدي : أي سكنا لكم ( وجعلنا النهار معاشا ) فيه إضمار أي وقت معاش أي متصرفا لطلب المعاش وهو كل ما معاش به من المطعم والمشرب وغير ذلك فمعاشا على هذا اسم زمان ليكون الثاني هو الأول ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى العيش على تقدير حذف المضاف ( وبنينا فوقكم سبعا شدادا ) أي سبع سماوات محكمات أي محكمة الخلق وثيقة البنيان ( وجعلنا سراجا وهاجا ) أي وقادا وهي الشمس وجعل هنا بمعنى خلق لأنها تعدت لمفعول واحد والوهاج الذي له وهج يقال وهج يهج وهجا ووهجا ووهجانا ويقال للجوهر إذا تلالأ توهج وقال بن عباس : وهاجا منيرا متلألئا ( وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا ) قال مجاهد وقتادة : والمعصرات الرياح وقاله بن عباس كأنها تعصر السحاب وعن بن عباس أيضا : أنها السحاب وقال سفيان والربيع وأبو العالية والضحاك : أي السحائب التي تنعصر بالماء ولما تمطر بعد كالمرأة المعصر التي قد دنا حيضها ولم تحض قال أبو النجم : تمشي الهوينى مائلا خمارها قد أعصرت أو قد دنا إعصارها وقال آخر : فكان مجني دون من كنت أتقي ثلاث شخوص كاعبان ومعصر وقال آخر : وذي أشر كالأقحوان يزينه ذهاب الصبا والمعصرات الروائح فالرياح تسمى معصرات يقال : أعصرت الريح تعصر إعصارا : إذا أثارت العجاج وهي الإعصار والسحب أيضا تسمى المعصرات لأنها تمطر وقال قتادة أيضا : المعصرات السماء النحاس : هذه الأقوال صحاح يقال للرياح التي تأتي بالمطر معصرات والرياح تلقح السحاب فيكون المطر والمطر ينزل من الريح على هذا ويجوز أن تكون الأقوال واحدة ويكون المعنى وأنزلنا من ذوات الرياح المعصرات ماء ثجاجا وأصح الأقوال أن المعصرات : السحاب كذا المعروف أن الغيث منها ولو كان [ بالمعصرات ] لكان الريح أولى وفي الصحاح : والمعصرات السحائب تعتصر بالمطر وأعصر القوم أي أمطروا ومنه قرأ بعضهم وفيه يعصرون والمعصر : الجارية أول ما أدركت وحاضت يقال : قد أعصرت كأنها دخلت عصر شبابها أو بلغته قال الراجز : جارية بسفوان دارها تمشي الهوينى ساقطا خمارها قد أعصرت أو قد دنا إعصارها والجمع : معاصر ويقال : هي التي قاربت الحيض لأن الإعصار في الجارية كالمراهقة في الغلام سمعته من أبي الغوث الأعرابي قال غيره : والمعصر السحابة التي حان لها أن تمطر يقال أجن الزرع فهو مجن : أي صار إلى أن يجن وكذلك السحاب إذا صار إلى أن يمطر فقد أعصر وقال المبرد : يقال سحاب معصر أي ممسك للماء ويعتصر منه شيء بعد شيء ومنه العصر بالتحريك للملجأ الذي يلجأ إليه والعصرة بالضم أيضا الملجأ وقد مضى هذا المعنى في سورة يوسف والحمد لله وقال أبو زبيد صاديا يستغيث غير مغاث ولقد كان عصرة المنجود ومنه المعصر للجارية التي قد قربت من البلوغ يقال لها معصر لأنها تحبس في البيت فيكون البيت لها عصرا وفي قراءة بن عباس وعكرمة وأنزلنا بالمعصرات والذي في المصاحف من المعصرات قال أبي بن كعب والحسن وبن جبير وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان : من المعصرات أي من السماوات ماء ثجاجا صبابا متتابعا عن بن عباس ومجاهد وغيرهما يقال : ثججت دمه فأنا أثجه ثجا وقد ثج الدم يثج ثجوجا وكذلك الماء فهو لازم ومتعد والثجاج في الآية المنصب وقال الزجاج : أي الضباب وهو متعد كأنه يثج : نفسه أي يصب وقال عبيد بن الأبرص : فثج أعلاه ثم ارتج أسفله وضاق ذرعا بحمل الماء منصاح وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الحج المبرور فقال : ( العج والثج ( فالعج : رفع الصوت بالتلبية والثج : إراقة الدماء وذبح الهدايا وقال بن زيد : ثجاجا كثيرا والمعنى واحد قوله تعالى : ( لنخرج به ) أي بذلك الماء ( حبا ) كالحنطة والشعير وغير ذلك ( ونباتا ) من الأب وهو ما تأكله الدواب من الحشيش ( وجنات ) أي بساتين ( ألفافا ) أي ملتفة بعضها ببعض لتشعب أغصانها ولا واحد له كالأوزاع والأخياف وقيل : واحد الألفاف لف بالكسر ولف بالضم ذكره الكسائي قال : جنة لف وعيش مغدق وندامى كلهم بيض زهر وعنه أيضا وأبي عبيدة : لفيف كشريف وأشراف وقيل : هو جمع الجمع حكاه الكسائي يقال : جنة لفاء ونبت لف والجمع لف بضم اللام مثل حمر ثم يجمع اللف ألفافا الزمخشري : ولو قيل جمع ملتفة بتقدير حذف الزوائد لكان وجيها ويقال : شجرة لفاء وشجر لف وامرأة لفاء : أي غليظة الساق مجتمعة اللحم وقيل : التقدير : ونخرج به جنات ألفافا فحذف لدلالة الكلام عليه ثم هذا الالتفاف والانضمام معناه أن الأشجار في البساتين تكون متقاربة فالأغصان من كل شجرة متقاربة لقوتها < <

قسم V19/P174–V19/P175

النبأ : ( 17 ) إن يوم الفصل . . . . . > > < > ( النبا 17 : 20 ) < > قوله تعالى : ( إن يوم الفصل كان ميقاتا ) أي وقتا ومجمعا وميعادا للأولين والآخرين لما وعد الله من الجزاء والثواب وسمي يوم الفصل لأن الله تعالى يفصل فيه بين خلقه قوله تعالى : ( يوم ينفخ في الصور ) أي للبعث ( فتأتون ) أي إلى موضع العرض ( أفواجا ) أي أمما كل أمة مع إمامهم وقيل : زمرا وجماعات الواحد : فوج ونصب يوما بدلا من اليوم الأول وروي من حديث معاذ بن جبل قلت : يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا معاذ بن جبل لقد سألت عن أمر عظيم ( ثم أرسل عينيه باكيا ثم قال : ( يحشر عشرة أصناف من أمتي أشتاتا قد ميزهم الله تعالى من جماعات المسلمين وبدل صورهم فمنهم على صورة القردة وبعضهم على صورة الخنازير وبعضهم منكسون : أرجلهم أعلاهم ووجوههم يسحبون عليها وبعضهم عمي يتردون وبعضهم صم بكم لا يعقلون وبعضهم يمضغون ألسنتهم فهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم لعابا يتقذرهم أهل الجمع وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم وبعضهم مصلبون على جذوع من النار وبعضهم أشد نتنا من الجيف وبعضهم ملبسون جلابيب سابغة من القطران لاصقة بجلودهم فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس يعني النمام وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت والحرام والمكس وأما المنكسون رؤوسهم ووجوههم فأكلة الربا والعمي : من يجور في الحكم والصم البكم : الذين يعجبون بأعمالهم والذين يمضغون ألسنتهم : فالعلماء والقصاص الذين يخالف قولهم فعلهم والمقطعة أيديهم وأرجلهم : فالذين يؤذون الجيران والمصلبون على جذوع النار : فالسعاة بالناس إلى السلطان والذين هم أشد نتنا من الجيف فالذين يتمتعون بالشهوات واللذات ويمنعون حق الله من أموالهم والذين يلبسون الجلابيب : فأهل الكبر والفخر والخيلاء ( قوله تعالى : ( وفتحت السماء فكانت أبوابا ) أي لنزول الملائكة كما قال تعالى : ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا الفرقان وقيل : تقطعت فكانت قطعا كالأبواب فانتصاب الأبواب على هذا التأويل بحذف الكاف وقيل : التقدير فكانت ذات أبواب لأنها تصير كلها أبوابا وقيل : أبوابها طرقها وقيل : تنحل وتتناثر حتى تصير فيها أبواب وقيل : إن لكل عبد بابين في السماء : بابا لعمله وبابا لرزقه فإذا قامت القيامة انفتحت الأبواب وفي حديث الإسراء : ( ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل فقيل : من أنت قال : جبريل قيل : ومن معك قال : محمد قيل : وقد بعث إليه قال : قد بعث إليه ففتح لنا ( وسيرت الجبال فكانت سرابا ) أي لا شيء كما أن السراب كذلك : يظنه الرائي ماء وليس بماء وقيل : سيرت نسفت من أصولها وقيل : أزيلت عن مواضعها < < النبأ : ( 21 ) إن جهنم كانت . . . . . > > < > ( النبا 21 : 30 ) <

قسم V19/P175–V19/P181

> قوله تعالى : ( إن جهنم كانت مرصادا ) مفعال من الرصد والرصد : كل شيء كان أمامك قاله الحسن : إن على النار رصدا لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز عليه فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجيء بجواز حبس وعن سفيان رضي الله عنه قال : عليها ثلاث قناطر وقيل : مرصادا ذات أرصاد على النسب أي ترصد من يمر بها وقال مقاتل : محبسا وقيل : طريقا وممرا فلا سبيل إلى الجنة حتى يقطع جهنم وفي الصحاح : والمرصاد : الطريق وذكر القشيري : أن المرصاد المكان الذي يرصد فيه الواحد العدو نحو المضمار : الموضع الذي تضمر فيه الخيل أي هي معدة لهم فالمرصاد بمعنى المحل فالملائكة يرصدون الكفار حتى ينزلوا بجهنم وذكر الماوردي عن أبي سنان أنها بمعنى راصدة تجازيهم بأفعالهم وفي الصحاح : الراصد الشيء : الراقب له تقول : رصده يرصده رصدا ورصدا والترصد : الترقب والمرصد : موضع الرصد الأصمعي : رصدته أرصده : ترقبته وأرصدته : أعددت له والكسائي : مثله قلت : فجهنم معدة مترصدة متفعل من الرصد وهو الترقب أي هي متطلعة لمن يأتي والمرصاد مفعال من أبنية المبالغة كالمعطار والمغيار فكأنه يكثر من جهنم انتظار الكفار ( ) بدل من قوله : مرصادا والمآب : المرجع أي مرجعا يرجعون إليها يقال : آب يئوب أوبة : إذا رجع وقال قتادة : مأوى ومنزلا والمراد بالطاغين من طغى في دينه بالكفر أو في دنياه بالظلم قوله تعالى : ( لابثين فيها أحقابا ) أي ماكثين في النار ما دامت الأحقاب وهي لا تنقطع فكلما مضى حقب جاء حقب والحقب بضمتين : الدهر والأحقاب الدهور والحقبة بالكسر : السنة والجمع حقب قال متمم بن نويرة التميمي : وكنا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فلما تفرقنا كأني ومالكا لطول اجتماع لم نبت ليلة معا والحقب بالضم والسكون : ثمانون سنة وقيل : أكثر من ذلك وأقل على ما يأتي والجمع : أحقاب والمعنى في الآية لابثين فيها أحقاب الآخرة التي لا نهاية لها فحذف الآخرة لدلالة الكلام عليه إذ في الكلام ذكر الآخرة وهو كما يقال أيام الآخرة أي أيام بعد أيام إلى غير نهاية وإنما كان يدل على التوقيت لو قال خمسة أحقاب أو عشرة أحقاب ونحوه وذكر الأحقاب لأن الحقب كان أبعد شيء عندهم فتكلم بما تذهب إليه أوهامهم ويعرفونها وهي كناية عن التأبيد أي يمكثون فيها أبدا وقيل : ذكر الأحقاب دون الأيام لأن الأحقاب أهول في القلوب وأدل على الخلود والمعنى متقارب وهذا الخلود في حق المشركين ويمكن حمل الآية على العصاة الذين يخرجون من النار بعد أحقاب وقيل : الأحقاب وقت لشربهم الحميم والغساق فإذا انقضت فيكون لهم نوع آخر من العقاب ولهذا قال : لابثين فيها أحقابا لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا ولابثين أسم فاعل من لبث ويقويه أن المصدر منه اللبث بالإسكان كالشرب وقرأ حمزة والكسائي لبثين بغير ألف وهو أختيار أبي حاتم وأبي عبيد وهما لغتان يقال : رجل لابث ولبث مثل طمع وطامع وفره وفاره ويقال : هو لبث بمكان كذا : أي قد صار اللبث شأنه فشبه بما هو خلقة في الإنسان نحو حذر وفرق لأن باب فعل إنما هو لما يكون خلقه في الشيء في الأغلب وليس كذلك اسم الفاعل من لابث والحقب : ثمانون سنة في قول بن عمر وبن محيصن وأبي هريرة والسنة ثلاثمائة يوم وستون يوما واليوم ألف سنة من أيام الدنيا قاله بن عباس وروى بن عمر هذا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو هريرة : والسنة ثلاثمائة يوم وستون يوما كل يوم مثل أيام الدنيا وعن بن عمر أيضا : الحقب : أربعون سنة السدي : سبعون سنة وقيل : إنه ألف شهر رواه أبو أمامة مرفوعا بشير بن كعب : ثلاثمائة سنة الحسن : الأحقاب لا يدري أحدكم هي ولكن ذكروا أنها مائة حقب والحقب الواحد منها سبعون ألف سنة اليوم منها كألف سنة مما تعدون وعن أبي أمامة أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الحقب الواحد ثلاثون ألف سنة ( ذكره المهدوي والأول الماوردي وقال قطرب : هو الدهر الطويل غير المحدود وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( والله لا يخرج من النار من دخلها حتى يكون فيها أحقابا الحقب بضع وثمانون سنة والسنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم ألف سنة مما تعدون فلا يتكلن أحدكم على أن يخرج من النار ( ذكره الثعلبي القرظي : الأحقاب : ثلاثة وأربعون حقبا كل حقب سبعون خريفا كل خريف سبعمائة سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما كل يوم ألف سنة قلت : هذه أقوال متعارضة والتحديد في الآية للخلود يحتاج إلى توقيف يقطع العذر وليس ذلك بثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما المعنى والله أعلم ما ذكرناه أولا أي لابثين فيها أزمانا ودهورا كلما مضى زمن يعقبه زمن ودهر يعقبه دهر هكذا أبد الآبدين من غير انقطاع وقال بن كيسان : معنى لابثين فيها أحقابا لا غاية لها انتهاء فكأنه قال أبدا وقال بن زيد ومقاتل : إنها منسوخة بقوله تعالى : فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا يعني أن العدد قد انقطع والخلود قد حصل قلت : وهذا بعيد لأنه خبر وقد قال تعالى : ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط على ما تقدم هذا في حق الكفار فأما العصاة الموحدون فصحيح ويكون النسخ بمعنى التخصيص والله أعلم وقيل : المعنى لابثين فيها أحقابا أي في الأرض إذ قد تقدم ذكرها ويكون الضمير في لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا لجهنم وقيل : واحد الأحقاب حقب وحقبة قال : فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها فأنت بما أحدثته بالمجرب وقال الكميت : مر لها بعد حقبة حقب لا يذوقون قوله تعالى : ( لايذوقون فيها ) أي في الأحقاب ( بردا ولا شرابا ) البرد : النوم في قول أبي عبيدة وغيره قال الشاعر : ولو شئت حرمت النساء سواكم وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا وقاله مجاهد والسدي والكسائي والفضل بن خالد وأبو معاذ النحوي وأنشدوا قول الكندي : بردت مراشفها علي فصدني عنها وعن تقبيلها البرد يعني النوم والعرب تقول : منع البرد البرد يعني : أذهب البرد النوم قلت : وقد جاء الحديث أنه عليه الصلاة والسلام سئل هل في الجنة نوم فقال : ( لا النوم أخو الموت والجنة لا موت فيها ( فكذلك النار وقد قال تعالى : لا يقضى عليهم فيموتوا فاطر وقال بن عباس : البرد : برد الشراب وعنه أيضا : البرد النوم : والشراب الماء وقال الزجاج : أي لا يذوقون فيها برد ريح ولا ظل ولا نوم فجعل البرد برد كل شيء له راحة وهذا برد ينفعهم فأما الزمهرير فهو برد يتأذون به فلا ينفعهم فلهم منه من العذاب ما الله أعلم به وقال الحسن وعطاء وبن زيد : بردا : أي روحا وراحة قال الشاعر : فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ولا الفيء أوقات العشي تذوق لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا جملة في موضع الحال من الطاغين أو نعت للأحقاب فالأحقاب ظرف زمان والعامل فيه لابثين أو لبثين على تعدية فعل ( إلا حميما وغساقا ) استثناء منقطع في قول من جعل البرد النوم ومن جعله من البرودة كان بدلا منه والحميم : الماء الحار قاله أبو عبيدة وقال بن زيد : الحميم : دموع أعينهم تجمع في حياض ثم يسقونه قال النحاس : أصل الحميم : الماء الحار ومنه اشتق الحمام ومنه الحمى ومنه وظل من يحموم : إنما يراد به النهاية في الحر والغساق : صديد أهل النار وقيحهم وقيل الزمهرير وقرأ حمزة والكسائي بتشديد السين وقد مضى في ص القول فيه ( جزاءا وفاقا ) أي موافقا لأعمالهم عن بن عباس ومجاهد وغيرهما فالوفاق بمعنى الموافقة كالقتال بمعنى المقاتلة وجزاء نصب على المصدر أي جازيناهم جزاء وافق أعمالهم قاله الفراء والأخفش وقال الفراء أيضا : هو جمع الوفق والوفق واللفق واحد وقال مقاتل : وافق العذاب الذنب فلا ذنب أعظم من الشرك ولا عذاب أعظم من النار وقال الحسن وعكرمة : كانت أعمالهم سيئة فأتاهم الله بما يسوءهم ( إنهم كانوا لا يرجون ) أي لا يخافون ( حسابا ) أي محاسبة على أعمالهم وقيل : معناه لا يرجون ثواب حساب الزجاج : أي إنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث فيرجون حسابهم ( وكذبوا بآياتنا كذابا ) أي بما جاءت به الأنبياء وقيل : بما أنزلنا من الكتب وقراءة العامة كذابا بتشديد الذال وكسر الكاف على كذب أي كذبوا تكذيبا كبيرا قال الفراء : هي لغة يمانية فسيحة يقولون : كذبت به كذابا وخرقت القميص خراقا وكل فعل في وزن [ فعل ] فمصدره فعال مشدد في لغتهم وأنشد بعض الكلابيين : لقد طال ما ثبطتني عن صحابتي وعن حوج قضاؤها من شفائنا وقرأ علي رضي الله عنه كذابا بالتخفيف وهو مصدر أيضا وقال أبو علي : التخفيف والتشديد جميعا : مصدر المكاذبة كقول الأعشى : فصدقتها وكذبتها والمرء ينفعه كذابه أبو الفتح : جاءا جميعا مصدر كذب وكذب جميعا الزمخشري : كذابا بالتخفيف مصدر كذب بدليل قوله : فصدقتها وكذبتها والمرء ينفعه كذابه وهو مثل قوله : أنبتكم من الأرض نباتا نوح يعني وكذبوا بآياتنا أفكذبوا كذابا أو تنصبه بكذبوا لأنه يتضمن معنى كذبوا لأن كل مكذب بالحق كاذب لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة وقرأ بن عمر كذابا بضم الكاف والتشديد جمع كاذب قاله أبو حاتم ونصبه على الحال الزمخشري وقد يكون الكذاب : بمعنى الواحد البليغ في الكذب يقال : رجل كذاب كقولك حسان وبخال فيجعله صفة لمصدر كذبوا أي تكذيبا كذابا مفرطا كذبه وفي الصحاح : وقوله تعالى : وكذبوا بآياتنا كذابا وهو أحد مصادر المشدد لأن مصدره قد يجيء على [ تفعيل ] مثل التكليم وعلى [ فعال ] كذاب وعلى [ تفعلة ] مثل توصية وعلى [ مفعل ] ومزقناهم كل ممزق ( وكل شيء أحصيناه كتابا ) كل نصب بإضمار فعل يدل عليه أحصيناه أي وأحصينا كل شيء أحصيناه وقرأ أبو السمال وكل شيء بالرفع على الابتداء كتابا نصب على المصدر لأن معنى أحصينا : كتبنا أي كتبناه كتابا ثم قيل : أراد به العلم فإن ما كتب كان أبعد من النسيان وقيل : أي كتبناه في اللوح المحفوظ لتعرفه الملائكة وقيل : أراد ما كتب على العباد من أعمالهم فهذه كتابة صدرت عن الملائكة الموكلين بالعباد بأمر الله تعالى إياهم بالكتابة دليله قوله تعالى : وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين ( فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا ) قال أبو برزة : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أشد آية في القرآن فقال : ( قوله تعالى : فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا ( أي كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها وكلما خبت زدناهم سعيرا < <

قسم V19/P181

النبأ : ( 31 ) إن للمتقين مفازا > > < > ( الإسراء 31 : 36 ) <

قسم V19/P181–V19/P184

> قوله تعالى : ( إن للمتقين مفازا ) ذكر جزاء من اتقى مخالفة أمر الله مفازا موضع فوز ونجاة وخلاص مما فيه أهل النار ولذلك قيل للفلاة إذا قل ماؤها : مفازة تفاؤلا بالخلاص منها ( حدائق وأعنابا ) هذا تفسير الفوز وقيل : إن للمتقين مفازا إن للمتقين حدائق جمع حديقة وهي البستان المحوط عليه يقال أحدق به : أي أحاط والأعناب : جمع عنب أي كروم أعناب فحذف ( وكواعب أترابا ) كواعب : جمع كاعب وهي الناهد يقال : كعبت الجارية تكعب كعوبا وكعبت تكعب تكعيبا ونهدت تنهد نهودا وقال الضحاك : ككواعب العذارى ومنه قول قيس بن عاصم : وكم من حصان قد حوينا كريمة ومن كاعب لم تدر ما البؤس معصر والأتراب : الأقران في السن وقد مضى في سورة الواقعة الواحد : ترب ( وكأسا دهاقا ) قال الحسن وقتادة وبن زيد وبن عباس : مترعة مملوءة يقال : أدهقت الكأس : أي ملأتها وكأس دهاق أي ممتلئة قال : ألا فاسقني صرفا سقاني الساقي من مائها بكأسك الدهاق وقال خداش بن زهير : أتانا عامر يبغي قرانا فأترعنا له كأسا دهاقا وقال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وبن عباس أيضا : متتابعة يتبع بعضها بعضا ومنه ادهقت الحجارة ادهاقا وهو شدة تلازمها ودخول بعضها في بعض فالمتتابع كالمتداخل وعن عكرمة أيضا وزيد بن أسلم : صافية قال الشاعر : لأنت إلى الفؤاد أحب قربا من الصادي إلى كأس دهاق وهو جمع دهق وهو خشبتان يغمز بهما الساق والمراد بالكأس الخمر فالتقدير : خمرا ذات دهاق أي عصرت وصفيت قاله القشيري وفي الصحاح : وأدهقت الماء : أي أفرغته إفراغا شديدا : قال أبو عمرو : والدهق بالتحريك : ضرب من العذاب وهو بالفارسية أشكنجه المبرد : والمدهوق : المعذب بجميع العذاب الذي لا فرجة فيه بن الأعرابي : دهقت الشيء كسرته وقطعته وكذلك دهدقته : وأنشد لحجر بن خالد : ندهدق بضع اللحم للباع والندى وبعضهم تغلي بذم مناقعه ودهمقته بزيادة الميم : مثله وقال الأصمعي : الدهمقة : لين الطعام وطيبه ورقته وكذلك كل شيء لين ومنه حديث عمر : لو شئت أن يدهمق لي لفعلت ولكن الله عاب قوما فقال : أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها الأحقاف لا يسمعون فيها ) أي في الجنة ( لغوا ولا كذابا ) اللغو : الباطل وهو ما يلغى من الكلام ويطرح ومنه الحديث : ( إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت ( وذلك أن أهل الجنة إذا شربوا لم تتغير عقولهم ولم يتكلموا بلغو بخلاف أهل الدنيا ولا كذابا : تقدم أي لا يكذب بعضهم بعضا ولا يسمعون كذبا وقرأ الكسائي كذابا بالتخفيف من كذبت كذابا أي لا يتكاذبون في الجنة وقيل : هما مصدران للتكذيب وإنما خففها ها هنا لأنها ليست مقيدة بفعل يصير مصدرا له وشدد قوله : وكذبوا بآياتنا كذابا لأن كذبوا يقيد المصدر بالكذاب ( جزاء من ربك ) نصب على المصدر لأن المعنى جزاهم بما تقدم ذكره جزاءه وكذلك ( عطاء ) لأن معنى أعطاهم وجزاهم واحد أي أعطاهم عطاء ( حسابا ) أي كثيرا قاله قتادة يقال : أحسبت فلانا : أي كثرت له العطاء حتى قاله حسبي قال : ونقفي وليد الحي إن كان جائعا ونحسبه إن كان ليس بجائع وقال القتبي : ونرى أصل هذا أن يعطيه حتى يقول حسبي وقال الزجاج : حسابا أي ما يكفيهم وقاله الأخفش يقال : أحسبني كذا : أي كفاني وقال الكلبي : حاسبهم فأعطاهم بالحسنة عشرا مجاهد : حسابا لما عملوا فالحساب بمعنى العد أي بقدر ما وجب له في وعد الرب فإنه وعد للحسنة عشرا ووعد لقوم بسبعمائة ضعف وقد وعد لقوم جزاء لا نهاية له ولا مقدارا كما قال تعالى : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب الزمر وقرأ أبو هاشم عطاء حسابا بفتح الحاء وتشديد السين على وزن فعال أي كفافا قال الأصمعي : تقول العرب : حسبت الرجل بالتشديد : إذا أكرمته وأنشد قول الشاعر : إذا أتاه ضيفه يحسبه وقرأ بن عباس حسانا بالنون < <

قسم V19/P184

النبأ : ( 37 ) رب السماوات والأرض . . . . . > > < > ( النبا 37 : 40 ) <

قسم V19/P184–V19/P189

> قوله تعالى : ( رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن ) : قرأ بن مسعود ونافع وأبو عمرو وبن كثير وزيد عن يعقوب والمفضل عن عاصم : رب بالرفع على الاستئناف الرحمن خبره أو بمعنى : هو رب السماوات ويكون الرحمن مبتدأ ثانيا وقرأ بن عامر ويعقوب وبن محيصن كلاهما بالخفض نعتا لقوله : جزاء من ربك أي جزاء من ربك رب السماوات الرحمن وقرأ بن عباس وعاصم وحمزة والكسائي : رب السماوات خفضا على النعت الرحمن رفعا على الابتداء أي هو الرحمن واختاره أبو عبيد وقال : هذا أعدلها خفض رب لقربه من قوله من ربك فيكون نعتا له ورفع الرحمن لبعده منه على الاستئناف وخبره ( لا يملكون منه خطابا ) أي لا يملكون أن يسألوه إلا فيما أذن لهم فيه وقال الكسائي لا يملكون منه خطابا بالشفاعة إلا بإذنه وقيل : الخطاب : الكلام أي لا يملكون أن يخاطبوا الرب سبحانه إلا بإذنه دليله : لا تكلم نفس إلا بإذنه هود وقيل : أراد الكفار لا يملكون منه خطابا فأما المؤمنون فيشفعون قلت : بعد أن يؤذن لهم لقوله تعالى : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه وقوله تعالى : يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا قوله تعالى : ( يوم يقوم الروح والملائكة صفا ) يوم نصب على الظرف أي يوم لا يملكون منه خطابا يوم يقوم الروح واختلف في الروح على أقوال ثمانية : الأول أنه ملك من الملائكة قال بن عباس : ما خلق الله مخلوقا بعد العرش أعظم منه فإذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفا وقامت الملائكة كلهم صفا فيكون عظم خلقه مثل صفوفهم ونحو منه عن بن مسعود قال : الروح ملك أعظم من السماوات السبع ومن الأرضين السبع ومن الجبال وهو حيال السماء الرابعة يسبح الله كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة يخلق الله من كل تسبيحة ملكا فيجيء يوم القيامة وحده صفا وسائر الملائكة صفا الثاني أنه جبريل عليه السلام قاله الشعبي والضحاك وسعيد بن جبير وعن بن عباس : إن عن يمين العرش نهرا من نور مثل السماوات السبع والأرضين السبع والبحار السبع يدخل جبريل كل يوم فيه سحرا فيغتسل فيزداد نورا على نوره وجمالا على جماله وعظما على عظمه ثم ينتفض فيخلق الله من كل قطرة تقع من ريشه سبعين ألف ملك يدخل منهم كل يوم سبعون ألفا البيت المعمور والكعبة سبعون ألفا لا يعودون إليهما إلى يوم القيامة وقال وهب : إن جبريل عليه السلام واقف بين يدي الله تعالى ترعد فرائصه يخلق الله تعالى من كل رعدة مائة ألف ملك فالملائكة صفوف بين يدي الله تعالى منكسة رؤوسهم فإذا أذن الله لهم في الكلام قالوا : لا إله إلا أنت وهو قوله تعالى : يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن في الكلام وقال صوابا يعني قول : لا إله إلا أنت والثالث روى بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الروح في هذه الآية جند من جنود الله تعالى ليسوا ملائكة لهم رؤوس وأيد وأرجل يأكلون الطعام ( ثم قرأ يوم يقوم الروح والملائكة صفا فإن هؤلاء جند وهؤلاء جند وهذا قول أبي صالح ومجاهد وعلى هذا هم خلق على صورة بني آدم كالناس وليسوا بناس الرابع أنهم أشراف الملائكة قاله مقاتل بن حيان الخامس أنهم حفظة على الملائكة قال بن أبي نجيح السادس أنهم بنو آدم قاله الحسن وقتادة فالمعنى ذوو الروح وقال العوفي والقرظي : هذا مما كان يكتمه بن عباس قال : الروح : خلق من خلق الله على صور بني آدم وما نزل ملك من السماء إلا ومعه واحد من الروح السابع أرواح بني آدم تقوم صفا فتقوم الملائكة صفا وذلك بين النفختين قبل أن ترد إلى الأجساد قاله عطية الثامن أنه القرآن قال زيد بن أسلم وقرأ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا وصفا : مصدر أي يقومون صفوفا والمصدر ينبئ عن الواحد والجمع كالعدل والصوم ويقال ليوم العيد : يوم الصف وقال في موضع آخر : وجاء ربك والملك صفا صفا الفجر هذا يدل على الصفوف وهذا حين العرض والحساب قال معناه القتبي وغيره وقيل : يقوم الروح صفا والملائكة صفا فهم صفان وقيل : يقوم الكل صفا واحدا ( لا يتكلمون ) أي لا يشفعون ( إلا من أذن له الرحمن ) في الشفاعة ( وقال صوابا ) يعني حقا قاله الضحاك ومجاهد وقال أبو صالح : لا إله إلا الله وروى الضحاك عن بن عباس قال : يشفعون لمن قال لا إله إلا الله وأصل الصواب : السداد من القول والفعل وهو من أصاب يصيب إصابة كالجواب من أجاب يجيب إجابة وقيل : لا يتكلمون يعني الملائكة والروح الذين قاموا صفا لا يتكلمون هيبة وإجلالا إلا من أذن له الرحمن في الشفاعة وهم قد قالوا صوابا وأنهم يوحدون الله تعالى ويسبحونه وقال الحسن : إن الروح يقول يوم القيامة : لا يدخل أحد الجنة إلا بالرحمة ولا النار إلا بالعمل وهو معنى قوله تعالى : وقال صوابا قوله تعالى : ( ذلك اليوم الحق ) أي الكائن الواقع ( فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا ) أي مرجعا بالعمل الصالح كأنه إذا عمل خيرا رده إلى الله عز وجل وإذا عمل شرا عده منه وينظر إلى هذا المعنى قوله عليه السلام : ( والخير كله بيديك والشر ليس إليك ( وقال قتادة : مآبا : سبيلا قوله تعالى ( إنا انذرناكم عذابا قريبا ) : يخاطب كفار قريش ومشركي العرب لأنهم قالوا : لا نبعث والعذاب عذاب الآخرة وكل ما هو آت فهو قريب وقد قال تعالى : كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها النازعات قال معناه الكلبي وغيره وقال قتادة : عقوبة الدنيا لأنها أقرب العذابين قال مقاتل : هي قتل قريش ببدر والأظهر أنه عذاب الآخرة وهو الموت والقيامة لأن من مات فقد قامت قيامته فإن كان من أهل الجنة رأى مقعده من الجنة وإن كان من أهل النار رأى الخزي والهوان ولهذا قال تعالى : ( يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ) بين وقت ذلك العذاب أي أنذرناكم عذابا قريبا في ذلك اليوم وهو يوم ينظر المرء ما قدمت يداه أي يراه وقيل : ينظر إلى ما قدمت فحذف إلى والمرء ها هنا المؤمن في قول الحسن أي يجد لنفسه عملا فأما الكافر فلا يجد لنفسه عملا فيتمنى أن يكون ترابا ولما قال : ( ويقول الكافر ) علم أنه أراد بالمرء المؤمن وقيل : المرء ها هنا : أبي خلف وعقبة بن أبي معيط ويقول الكافر أبو جهل وقيل : هو عام في كل أحد وإنسان يرى في ذلك اليوم جزاء ما كسب وقال مقاتل : نزلت قوله يوم ينظر المرء ما قدمت يداه في أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي ( ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا ) : في أخيه الأسود بن عبد الأسد وقال الثعلبي : سمعت أبا القاسم بن حبيب يقول : الكافر : ها هنا إبليس وذلك أنه عاب آدم بأنه خلق من تراب وافتخر بأنه خلق من نار فإذا عاين يوم القيامة ما فيه آدم وبنوه من الثواب والراحة والرحمة ورأى ما هو فيه من الشدة والعذاب تمنى أنه يكون بمكان آدم فيقول يا ليتني كنت ترابا قال : ورأيته في بعض التفاسير للقشيري أبي نصر وقيل : أي يقول إبليس يا ليتني خلقت من التراب ولم أقل أنا خير من آدم وعن بن عمر : إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وحشر الدواب والبهائم والوحوش ثم يوضع القصاص بين البهائم حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء بنطحتها فإذا فرغ من القصاص بينها قيل لها : كوني ترابا فعند ذلك يقول الكافر : يا ليتني كنت ترابا ونحوه عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم وقد ذكرناه في كتاب التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة مجودا والحمد لله ذكر أبو جعفر النحاس : حدثنا أحمد بن محمد بن نافع قال حدثنا سلمة بن شبيب قال حدثنا عبد الرازق قال حدثنا معمر قال أخبرني جعفر بن برقان الجزري عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة قال : إن الله تعالى يحشر الخلق كلهم من دابة وطائر وإنسان ثم يقال للبهائم والطير كوني ترابا فعند ذلك يقول الكافر : يا ليتني كنت ترابا وقال قوم : يا ليتني كنت ترابا : أي لم أبعث كما قال : يا ليتني لم أوت كتابيه وقال أبو الزناد : إذا قضي بين الناس وأمر بأهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار قيل لسائر الأمم ولمؤمني الجن : عودوا ترابا فيعودون ترابا فعند ذلك يقول الكافر حين يراهم يا ليتني كنت ترابا وقال ليث بن أبي سليم : مؤمنوا الجن يعودون ترابا وقال عمر بن عبد العزيز والزهري والكلبي ومجاهد : مؤمنوا الجنة حول الجنة في ربض ورحاب وليسوا فيها وهذا أصح وقد مضى في سورة الرحمن بيان هذا وأنهم مكلفون : يثابون ويعاقبون فهم كبني آدم والله أعلم بالصواب <

قسم V19/P189

> تفسير سورة النازعات < > مكية بإجماع وهي خمس أو ست وأربعون آية بسم الله الرحمن الرحيم < < النازعات : ( 1 ) والنازعات غرقا > > < > ( النازعات 1 : 14 ) <

قسم V19/P189–V19/P199

> قوله تعالى ( والنازعات غرقا ) : أقسم سبحانه بهذه الأشياء التي ذكرها على أن القيامة حق والنازعات : الملائكة التي تنزع أرواح الكفار قاله علي رضي الله عنه وكذا قال بن مسعود وبن عباس ومسروق ومجاهد : هي الملائكة تنزع نفوس بني آدم قال بن مسعود : يريد أنفس الكفار ينزعها ملك الموت من أجسادهم من تحت كل شعرة ومن تحت الأظافير وأصول القدمين نزعا كالسفود ينزع من الصوف الرطب ثم يغرقها أي يرجعها في أجسادهم ثم ينزعها فهذا عمله بالكفار وقاله بن عباس وقال سعيد بن جبير : نزعت أرواحهم ثم غرقت ثم حرقت ثم قذف بها في النار وقيل : يرى الكافر نفسه في وقت النزع كأنها تغرق وقال السدي : والنازعات هي النفوس حين تغرق في الصدور مجاهد : هي الموت ينزع النفوس الحسن وقتادة : هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق أي تذهب من قولهم : نزع إليه أي ذهب أو من قولهم : نزعت الخيل أي جرت غرقا أي إنها تغرق وتغيب وتطلع من أفق إلى أفق آخر وقاله أبو عبيدة وبن كيسان والأخفش وقيل : النازعات القسي تنزع بالسهام قاله عطاء وعكرمة وغرقا بمعنى إغراقا وإغراق النازع في القوس أن يبلغ غاية المد حتى ينتهي إلى النصل يقال : أغرق في القوس أي استوفى مدها وذلك بأن تنتهي إلى العقب الذي عند النصل الملفوف عليه والاستغراق الاستيعاب ويقال لقشرة البيضة الداخلة : غرقئ وقيل : هم الغزاة الرماة قلت : هو والذي قبله سواء لأنه إذا أقسم بالقسي فالمراد النازعون بها تعظيما لها وهو مثل قوله تعالى : والعاديات ضبحا العاديات والله أعلم وأراد بالإغراق : المبالغة في النزع وهو سائر في جميع وجوه تأويلها وقيل : هي الوحش تنزع من الكلأ وتنفر حكاه يحيى بن سلام ومعنى غرقا أي إبعادا في النزع قوله تعالى : ( والناشطات نشطا ) قال بن عباس : يعني الملائكة تنشط نفس المؤمن فتقبضها كما ينشط العقال من يد البعير : إذا حل عنه وحكى هذا القول الفراء ثم قال : والذي سمعت من العرب أن يقولوا أنشطت وكأنما أنشط من عقال وربطها نشطها والرابط الناشط وإذا ربطت الحبل في يد البعير فقد نشطته فأنت ناشط وإذا حللته فقد أنشطته وأنت منشط وعن بن عباس أيضا : هي أنفس المؤمنين عند الموت تنشط للخروج وذلك أنه ما من مؤمن يحضره الموت إلا وتعرض عليه الجنة قبل أن يموت فيرى فيها ما أعد الله له من أزواجه وأهله من الحور العين فهم يدعونه إليها فنفسه إليهم نشطة أن تخرج فتأتيهم وعنه أيضا قال : يعني أنفس الكفار والمنافقين تنشط كما ينشط العقب الذي يعقب به السهم والعقب بالتحريك : العصب الذي تعمل منه الأوتار الواحدة عقبة تقول منه : عقب السهم والقدح والقوس عقبا : إذا لوى شيئا منه عليه والنشط : الجذب بسرعة ومنه الأنشوطة : عقدة يسهل انحلالها إذا جذبت مثل عقدة التكة وقال أبو زيد : نشطت الحبل أنشطه نشطا : عقدته بأنشوطة وأنشطته أي حللته وأنشطت الحبل أي مددته حتى ينحل وقال الفراء : أنشط العقال أي حل ونشط : أي ربط الحبل في يديه وقال الليث : أنشطته بأنشوطة وأنشوطتين أي أوثقته وأنشطت العقال : أي مددت أنشوطته فانحلت قال : ويقال نشط بمعنى أنشط لغتان بمعنى وعليه يصح قول بن عباس المذكور أولا وعنه أيضا : الناشطات الملائكة لنشاطها تذهب وتجيء بأمر الله حيثما كان وعنه أيضا وعن علي رضي الله عنهما : هي الملائكة تنشط أرواح الكفار ما بين الجلد والأظفار حتى تخرجها من أجوافهم نشطا بالكرب والغم كما تنشط الصوف من سفود الحديد وهي من النشط بمعنى الجذب يقال : نشطت الدلو أنشطها بالكسر وأنشطها بالضم : أي نزعتها قال الأصمعي : بئر أنشاط : أي قريبة القعر تخرج الدلو منها بجذبة واحدة وبئر نشوط قال : وهي التي لا يخرج منها الدلو حتى تنشط كثيرا وقال مجاهد : هو الموت ينشط نفس الإنسان السدي : هي النفوس حين تنشط من القدمين وقيل : النازعات : أيدي الغزاة أو أنفسهم تنزع القسي بإغراق السهام وهي التي تنشط الأوهاق عكرمة وعطاء : هي الأوهاق تنشط السهام وعن عطاء أيضا وقتادة والحسن والأخفش : هي النجوم تنشط من أفق إلى أفق : أي تذهب وكذا في الصحاح والناشطات نشطا يعني النجوم من برج إلى برج كالثور الناشط من بلد إلى بلد والهموم تنشط بصاحبها قال هميان بن قحافة : أمست همومي تنشط المناشطا الشام بي طورا وطورا واسطا أبو عبيدة وعطاء أيضا : الناشطات : هي الوحش حين تنشط من بلد إلى بلد كما أن الهموم تنشط الإنسان من بلد إلى بلد وأنشد قول هميان : أمست همومي البيت وقيل : والنازعات للكافرين والناشطات للمؤمنين فالملائكة يجذبون روح المؤمن برفق والنزع جذب بشدة والنشط جذب برفق وقيل : هما جميعا للكفار والآيتان بعدهما للمؤمنين عند فراق الدنيا قوله تعالى : ( والسابحات سبحا ) قال علي رضي الله عنه : هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين الكلبي : هي الملائكة تقبض أرواح المؤمنين كالذي يسبح في الماء فأحيانا ينغمس وأحيانا يرتفع يسلونها سلا رفيقا بسهولة ثم يدعونها حتى تستريح وقال مجاهد وأبو صالح : هي الملائكة ينزلون من السماء مسرعين لأمر الله كما يقال للفرس الجواد سابح : إذا أسرع في جريه وعن مجاهد أيضا : الملائكة تسبح في نزولها وصعودها وعنه أيضا : السابحات : الموت يسبح في أنفس بني آدم وقيل : هي الخيل الغزاة قال عنترة : والخيل تعلم حين تس بح في حياض الموت سبحا وقال امرؤ القيس : مسح إذا ما السابحات على الونى أثرن غبارا بالكديد المركل قتادة والحسن : هي النجوم تسبح في أفلاكها وكذا الشمس والقمر قال الله تعالى : كل في فلك يسبحون عطاء : هي السفن تسبح في الماء بن عباس : السابحات أرواح المؤمنين تسبح شوقا إلى لقاء الله ورحمته حين تخرج قوله تعالى : ( فالسابقات سبقا ) قال علي رضي الله عنه : هي الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء عليهم السلام وقاله مسروق ومجاهد وعن مجاهد أيضا وأبي روق : هي الملائكة سبقت بن آدم بالخير والعمل الصالح وقيل : تسبق بني آدم إلى العمل الصالح فتكتبه وعن مجاهد أيضا : الموت يسبق الإنسان مقاتل : هي الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة بن مسعود : هي أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة الذين يقبضونها وقد عاينت السرور شوقا إلى لقاء الله تعالى ورحمته ونحوه عن الربيع قال : هي النفوس تسبق بالخروج عند الموت وقال قتادة والحسن ومعمر : هي النجوم يسبق بعضها بعضا في السير عطاء : هي الخيل التي تسبق إلى الجهاد وقيل : يحتمل أن تكون السابقات ما تسبق من الأرواح قبل الأجساد إلى جنة أو نار قاله الماوردي وقال الجرجاني : ذكر فالسابقات بالفاء لأنها مشتقة من التي قبلها أي واللائي يسبحن فيسبقن تقول : قام فذهب فهذا يوجب أن يكون القيام سببا للذهاب ولو قلت : قام وذهب لم يكن القيام سببا للذهاب قوله تعالى : ( فالمدبرات أمرا ) قال القشيري : أجمعوا على أن المراد الملائكة وقال الماوردي : فيه قولان : أحدهما الملائكة قاله الجمهور والقول الثاني هي الكواكب السبعة حكاه خالد بن معدان عن معاذ بن جبل وفي تدبيرها الأمر وجهان : أحدهما تدبير طلوعها وأفولها الثاني تدبيرها ما قضاه الله تعالى فيها من تقلب الأحوال وحكى هذا القول أيضا القشيري في تفسيره وأن الله تعالى علق كثيرا من تدبير أمر العالم بحركات النجوم فأضيف التدبير إليها وإن كان من الله كما يسمى الشيء باسم ما يجاوره وعلى أن المراد بالمدبرات الملائكة فتدبيرها نزولها بالحلال والحرام وتفصيله قاله بن عباس وقتادة وغيرهما وهو إلى الله جل ثناؤه ولكن لما نزلت الملائكة به سميت بذلك كما قال عز وجل : نزل به الروح الأمين وكما قال تعالى : فإنه نزله على قلبك يعني جبريل نزله على قلب محمد صلى الله عليه وسلم والله عز وجل هو الذي أنزله وروى عطاء عن بن عباس : فالمدبرات أمرا : الملائكة وكلت بتدبير أحوال الأرض في الرياح والأمطار وغير ذلك قال عبد الرحمن بن ساباط : تدبير أمر الدنيا إلى أربعة جبريل وميكائيل وملك الموت واسمه عزرائيل وإسرافيل فأما جبريل فموكل بالرياح والجنود وأما ميكائيل فموكل بالقطر والنبات وأما ملك الموت فموكل بقبض الأنفس في البر والبحر وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم وليس من الملائكة أقرب من إسرافيل وبينه وبين العرش مسيرة خمسمائة عام وقيل : أي وكلوا بأمور عرفهم الله بها ومن أول السورة إلى هنا قسم أقسم الله به ولله أن يقسم بما شاء من خلقه وليس لنا ذلك إلا به عز وجل وجواب القسم مضمر كأنه قال : والنازعات وكذا وكذا لتبعثن ولتحاسبن أضمر لمعرفة السامعين بالمعنى قاله الفراء ويدل عليه قوله تعالى : أئذا كنا عظاما نخرة ألست ترى أنه كالجواب لقولهم : أئذا كنا عظاما نخرة نبعث فاكتفى بقوله : أئذا كنا عظاما نخرة وقال قوم : وقع القسم على قوله : إن في ذلك لعبرة لمن يخشى النازعات وهذا اختيار الترمذي بن علي أي فيما قصصت من ذكر يوم القيامة وذكر موسى وفرعون لعبرة لمن يخشى ولكن وقع القسم على ما في السورة مذكورا ظاهرا بارزا أحرى وأقمن من أن يؤتى بشيء ليس بمذكور فيما قال بن الأنباري : وهذا قبيح لأن الكلام قد طال فيما بينهما وقيل : جواب القسم هل أتاك حديث موسى لأن المعنى قد أتاك وقيل : الجواب ( يوم ترجف الراجفة ) على تقدير ليوم ترجف فحذف اللام وقيل : فيه تقديم وتأخير وتقديره يوم ترجف الراجفة وتتبعها الرادفة والنازعات غرقا وقال السجستاني : يجوز أن يكون هذا من التقديم والتأخير كأنه قال : فإذا هم بالساهرة والنازعات بن الأنباري : وهذا خطأ لأن الفاء لا يفتح بها الكلام والأول الوجه وقيل : : إنما وقع القسم على أن قلوب أهل النار تجف وأبصارهم تخشع فانتصاب يوم ترجف الراجفة على هذا المعنى ولكن لم يقع عليه قال الزجاج : أي قلوب واجفة يوم ترجف وقيل : انتصب بإضمار اذكر وترجف أي تضطرب والراجفة : أي المضطربة كذا قال عبد الرحمن بن زيد قال : هي الأرض والرادفة الساعة مجاهد : الراجفة الزلزلة ( تتبعها الرادفة ) الصيحة وعنه أيضا وبن عباس والحسن وقتادة : هما الصيحتان أي النفختان أما الأولى فتميت كل شيء بإذن الله تعالى وأما الثانية فتحيي كل شيء بإذن الله تعالى وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : بينهما أربعون سنة وقال مجاهد أيضا : الرادفة حين تنشق السماء وتحمل الأرض والجبال فتدك دكة واحدة وذلك بعد الزلزلة وقيل : الراجفة تحرك الأرض والرادفة زلزلة أخرى تفني الأرضين فالله أعلم وقد مضى في آخر النمل ما فيه كفاية في النفخ في الصور وأصل الرجفة الحركة قال الله تعالى : يوم ترجف الأرض وليست الرجفة ها هنا من الحركة فقط بل من قولهم : رجف الرعد يرجف رجفا ورجيفا : أي أظهر الصوت والحركة ومنه سميت الأراجيف لاضطراب الأصوات بها وإفاضة الناس فيها قال : أبا لأراجيف يا بن اللوم توعدني وفي الأراجيف خلت اللؤم والخورا وعن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب ربع الليل قام ثم قال : ( يأيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه ( قلوب يومئذ واجفة ) أي خائفة وجلة قاله بن عباس وعليه عامة المفسرين وقال السدي : زائلة عن أماكنها نظيرة إذ القلوب لدى الحناجر وقال المؤرج : قلقة مستوفزة مرتكضة غير ساكنة وقال المبرد : مضطربة والمعنى متقارب والمراد قلوب الكفار يقال وجف القلب يجف وجيفا إذا خفق كما يقال : وجب يجب وجيبا ومنه وجيف الفرس والناقة في العدو والإيجاف حمل الدابة على السير السريع قال : بدلن بعد جرة صريفا وبعد طول النفس الوجيفا وقلوب رفع بالابتداء وواجفة صفتها و ( أبصارها خاشعة ) خبرها مثل قوله ولعبد مؤمن خير من مشرك ومعنى خاشعة منكسرة ذليلة من هول ما ترى نظيره : خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة والمعنى أبصار أصحابها فحذف المضاف ( يقولون أئنا لمردودون في الحافرة ) أي يقول هؤلاء المكذبون المنكرون للبعث إذا قيل لهم إنكم تبعثون قالوا منكرين متعجبين : أنرد بعد موتنا إلى أول الأمر فنعود أحياء كما كنا قبل الموت وهو كقولهم : أئنا لمبعوثون خلقا جديدا يقال : رجع فلان في حافرته وعلى حافرته أي رجع من حيث جاء قاله قتادة وأنشد بن الأعرابي أحافرة على صلع وشيب معاذ الله من سفه وعار يقول : أأرجع إلى ما كنت عليه في شبابي من الغزل والصبا بعد أن شبت وصلعت ويقال : رجع على حافرته : أي الطريق الذي جاء منه وقولهم في المثل : النقد عند الحافرة قال يعقوب : أي عند أول كلمة ويقال : التقى القوم فاقتتلوا عند الحافرة أي عند أول ما التقوا وقيل : الحافرة العاجلة أي أئنا لمردودون إلى الدنيا فنصبر أحياء كما كنا قال الشاعر : آليت لا أنساكم فاعلموا حتى يرد الناس في الحافره وقيل : الحافرة : الأرض التي تحفر فيها قبورهم فهي بمعنى المحفورة كقوله تعالى : ماء دافق وعيشة راضية والمعنى أثنا لمردودون في قبورنا أحياء قاله مجاهد والخليل والفراء وقيل : سميت الأرض الحافرة لأنها مستقر الحوافر كما سميت القدم أرضا لأنها على الأرض والمعنى أئنا لراجعون بعد الموت إلى الأرض فنمشي على أقدامنا وقال بن زيد : الحافرة : النار وقرأ تلك إذا كرة خاسرة وقال مقاتل وزيد بن أسلم : هي اسم من أسماء النار وقال بن عباس : الحافرة في كلام العرب : الدنيا وقرأ أبو حيوة : الحفرة بغير ألف مقصور من الحافر وقيل : الحفرة : الأرض المنتنة بأجساد موتاها من قولهم : حفرت أسنانه إذا ركبها الوسخ من ظاهرها وباطنها يقال : في أسنانه حفر وقد حفرت تحفر حفرا مثل كسر يكسر كسرا إذا فسدت أصولها وبنو أسد يقولون : في أسنانه حفر بالتحريك وقد حفرت مثال تعب تعبا وهي أردا اللغتين قاله في الصحاح ( أئذا كنا عظاما نخرة ) أي بالية متفتتة يقال : نخر العظم بالكسر : أي بلى وتفتت يقال : عظام نخرة وكذا قرأ الجمهور من أهل المدينة ومكة والشام والبصرة واختاره أبو عبيد لأن الآثار التي تذكر فيها العظام نظرنا فيها فرأينا نخرة لا ناخرة وقرأ أبو عمرو وابنه عبد الله وبن عباس وبن مسعود وبن الزبير وحمزة والكسائي وأبو بكر ناخرة بألف واختاره الفراء والطبري وأبو معاذ النحوي لو فاق رؤوس الآي وفي الصحاح : والنأخر من العظام التي تدخل الريح فيه ثم تخرج منه ولها نخير ويقال : ما بها ناخر أي ما بها أحد حكاه يعقوب عن الباهلي وقال أبو عمرو بن العلاء : الناخرة التي لم تنخر بعد أي لم تبل ولا بد أن تنخر وقيل : الناخر المجوفة وقيل : هما لغتان بمعنى كذلك تقول العرب : نخر الشيء فهو نخر وناخر كقولهم : طمع فهو طمع وطامع وحذر وحاذر وبخل وباخل وفره وفاره قال الشاعر : يظل بها الشيخ الذي كان بادنا يدب على عوج له نخرات عوج : يعني قوائم وفي بعض التفسير : ناخرة بالألف : بالية ونخرة : تنخر فيها الريح أي تمر فيها على عكس الأول قال : من بعد ما صرت عظاما ناخرة وقال بعضهم : الناخرة : التي أكلت أطرافها وبقيت أوساطها والنخرة : التي فسدت كلها قال مجاهد : نخرة أي مرفوتة كما قال تعالى : عظاما ورفاتا ونخرة الريح بالضم : شدة هبوبها والنخرة أيضا والنخرة مثال الهمزة : مقدم أنف الفرس والحمار والخنزير يقال : هشم نخرته : أي أنفه ( قالوا تلك إذا كرة خاسرة ) أي رجعة خائبة كاذبة باطلة أي ليست كائبة قاله الحسن وغيره الربيع بن أنس : خاسرة على من كذب بها وقيل : أي هي كرة خسران والمعنى أهلها خاسرون كما يقال : تجارة رابحة أي يربح صاحبها ولا شيء أخسر من كرة تقتضي المصير إلى النار وقال قتادة ومحمد بن كعب : أي لئن رجعنا أحياء بعد الموت لنحشرن بالنار وإنما قالوا هذا لأنهم أوعدوا بالنار والكر : الرجوع يقال : كره وكر بنفسه يتعدى ولا يتعدى والكرة : المرة والجمع الكرات ( فإنما هي زجرة واحدة ) ذكر جل ثناؤه سهولة البعث عليه فقال : فإنما هي زجرة واحدة وروى الضحاك عن بن عباس قال : نفخة واحدة ( فإذا هم ) أي الخلائق أجمعون ( بالساهرة ) أي على وجه الأرض بعد ما كانوا في بطنها قال الفراء : سميت بهذا الأسم لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم والعرب تسمى الفلاة ووجه الأرض ساهرة بمعنى ذات سهو لأنه يسهر فيها خوفا منها فوصفها بصفة ما فيها واستدل بن عباس والمفسرون بقول أمية بن أبي الصلت : وفيها لحم ساهرة وبحر وما فاهوا به لهم مقيم وقال آخر يوم ذي قار لفرسه : أقدم محاج إنها الأساوره ولا يهولنك رجل نادره فإنما قصرك ترب الساهره ثم تعود بعدها في الحافره من بعد ما صرت عظاما ناخره وفي الصحاح ويقال : الساهور : ظل الساهرة وهي وجه الأرض ومنه قوله تعالى : فإذا هم بالساهرة قال أبو كبير الهذلي : يرتدن ساهرة كان جميمها وعميمها أسداف ليل مظلم ويقال : الساهور : كالغلاف للقمر يدخل فيه إذا كسف وأنشدوا قول أمية بن أبي الصلت : قمر وساهور يسل ويغمد وأنشدوا الآخر في وصف امرأة : كأنها عرق سام عند ضاربه أو شقة خرجت من جوف ساهور يريد شقة القمر وقيل : الساهرة : هي الأرض البيضاء وروى الضحاك عن بن عباس قال : أرض من فضة لم يعص الله جل ثناؤه عليها قط خلقها حينئذ وقيل : أرض جددها الله يوم القيامة وقيل : الساهرة اسم الأرض السابعة يأتي بها الله تعالى فيحاسب عليها الخلائق وذلك حين تبدل الأرض غير الأرض وقال الثوري : الساهرة : أرض الشام وهب بن منبه : جبل بيت المقدس عثمان بن أبي العاتكة : إنه أسم مكان من الأرض بعينه بالشام وهو الصقع الذي بين جبل أريحاء وجبل حسان يمده الله كيف يشاء قتادة : هي جهنم أي فإذا هؤلاء الكفار في جهنم وإنما قيل لها ساهرة لأنهم لا ينامون عليها حينئذ وقيل : الساهرة : بمعنى الصحراء على شفير جهنم أي يوقفون بأرض القيامة فيدوم السهر حينئذ ويقال : الساهرة : الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك لأن السراب يجري فيها من قولهم عين ساهرة : جارية الماء وفي ضدها : نائمة قال الأشعث بن قيس : وساهرة يضحى السراب مجللا لأقطارها قد جئتها متلثما أو لأن سالكها لا ينام خوف الهلكة < <

قسم V19/P199

النازعات : ( 15 ) هل أتاك حديث . . . . . > > < > ( النازعات 15 : 26 ) <

قسم V19/P199–V19/P202

> قوله تعالى : ( هل أتاك حديث موسى إذا ناداه ربه بالوادي المقدس طوى ) أي قد جاءك وبلغك حديث موسى وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي إن فرعون كان أقوى من كفار عصرك ثم أخذناه وكذلك هؤلاء وقيل : هل بمعنى ما أي ما أتاك ولكن أخبرت به فإن فيه عبرة لمن يخشى وقد مضى من خبر موسى وفرعون في غير موضع ما فيه كفاية وفي طوى ثلاث قراءات : قرأ بن محيصن وبن عامر والكوفيون طوى منونا واختاره أبو عبيد لخفة الاسم الباقون بغير تنوين لأنه معدول مثل عمر وقثم قال الفراء : طوى : واد بين المدينة ومصر قال : وهو معدول عن طاو كما عدل عمر عن عامر وقرأ الحسن وعكرمة طوى بكسر الطاء وروي عن أبي عمرو على معنى المقدس مرة بعد مرة قاله الزجاج وأنشد : أعاذل إن اللوم في غير كنهه على طوى من غيك المتردد أي هو لوم مكرر علي وقيل : ضم الطاء وكسرها لغتان وقد مضى في طه القول فيه ( اذهب إلى فرعون ) أي ناداه ربه فحذف لأن النداء قول فكأنه قال له رب اذهب إلى فرعون ( إنه طغى ) أي جاوز القدر في العصيان وروي عن الحسن قال : كان فرعون علجا من همدان وعن مجاهد قال : كان من اهل إصطخر وعن الحسن أيضا قال : من أهل أصبهان يقال له ذو ظفر طوله أربعة أشبار ( فقل هل لك إلى فرعون قال له اذهب إلى فرعون إلى قوله وأهديك إلى ربك فتخشى ولن يفعل فقال يا رب وكيف أذهب إليه وقد علمت أنه لا يفعل فأوحى الله إليه أن تزكى ) أي تسلم فتطهر من الذنوب وروى الضحاك عن بن عباس قال : هل لك أن تشهد أن لا إله إلا الله ( وقرأ نافع وبن كثير تزكى بتشديد الزاي على إدغام التاء في الزاي لأن أصلها تتزكى الباقون : تزكى بتخفيف الزاي على معنى طرح التاء وقال أبو عمرو : تزكى بالتشديد تتصدق بالصدقة وتزكى يكون زكيا مؤمنا وإنما دعا فرعون ليكون زكيا مؤمنا قال : فلهذا أخترنا التخفيف وقال صخر بن جويرية لما بعث الله موسى إلى فرعون قال له : اذهب إلى فرعون إلى قوله وأهديك إلى ربك فتخشى ولن يفعل فقال : يارب وكيف أذهب إليه وقد علمت أنه لا يفعل فأوحى الله إليه أن امض إلى ما أمرتك به فإن في السماء اثني عشر ألف ملك يطلبون علم القدر فلم يبلغوه ولا يدركوه ( فأراه الآية الكبرى ) أي العلامة العظمى وهي المعجزة وقيل : العصا وقيل : اليد البيضاء تبرق كالشمس وروى الضحاك عن بن عباس : الآية الكبرى قال العصا الحسن : يده وعصاه وقيل : فلق البحر وقيل : الآية : إشارة إلى جميع آياته ومعجزاته ( فكذب ) أي كذب نبي الله موسى ( وعصى ) أي عصى ربه عز وجل ( ثم أدبر يسعى ) أي ولى مدبرا معرضا عن الإيمان يسعى أي يعمل بالفساد في الأرض وقيل : يعمل في نكاية موسى وقيل : أدبر يسعى هاربا من الحية ( فحشر ) أي جمع أصحابه يمنعوه منها وقيل : جمع جنوده للقتال والمحاربة والسحرة للمعارضة وقيل : حشر الناس للحضور ( فنادى ) أي قال لهم بصوت عال ( أنا ربكم الأعلى ) أي لا رب لكم فوقي ويروى : إن إبليس تصور لفرعون في صورة الإنس بمصر في الحمام فأنكره فرعون فقال له إبليس : ويحك أما تعرفني قال : لا قال : وكيف وانت خلقتني ألست القائل أنا ربكم الأعلى ذكره الثعلبي في كتاب العرائس وقال عطاء : كان صنع لهم أصناما صغارا وأمرهم بعبادتها فقال أنا رب أصنامكم وقيل : أراد القادة والسادة هو ربهم وأولئك هم أرباب السفلة وقيل : في الكلام تقديم وتأخير فنادى فحشر لأن النداء يكون قبل الحشر ( فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ) أي نكال قوله : ما علمت لكم من إله غيري وقوله بعد : أنا ربكم الأعلى قاله بن عباس ومجاهد وعكرمة وكان بين الكلمتين أربعون سنة قاله بن عباس والمعنى : أمهله في الأولى ثم أخذه في الآخرة فعذبه بكلمتيه وقيل : نكال الأولى : هو أن أغرقه ونكال الآخرة : العذاب في الآخرة وقاله قتادة وغيره وقال مجاهد : هو عذاب أول عمره وآخره وقيل : الآخرة قوله أنا ربكم الأعلى والأولى تكذيبه لموسى عن قتادة أيضا ونكال منصوب على المصدر المؤكد في قول الزجاج لأن معنى أخذه الله : نكل الله به فأخرج نكال مكان مصدر من معناه لا من لفظه وقيل : نصب بنزع حرف الصفة أي فأخذه الله بنكال الآخرة فلما نزع الخافض نصب وقال الفراء : أي أخذه الله أخذا نكالا أي للنكال والنكال : اسم لما جعل نكالا للغير أي عقوبة له حتى يعتبر به يقال : نكل فلان بفلان : إذا أثخنه عقوبة والكلمة من الامتناع ومنه النكول عن اليمين والنكل القيد وقد مضى في سورة المزمل والحمد لله ( إن في ذلك لعبرة ) أي اعتبارا وعظة ( لمن يخشى ) أي يخاف الله عز وجل <

قسم V19/P202–V19/P205

> ( : ( أأنتم أشد خلقا ) : يريد أهل مكة أي أخلقكم بعد الموت أشد في تقديركم ( أم السماء ) فمن قدر على السماء قدر على الإعادة كقوله تعالى : لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس وقوله تعالى : أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم يس فمعنى الكلام التقريع والتوبيخ ثم وصف السماء فقال : ( بناها ) أي رفعها فوقكم كالبناء ( رفع سمكها ) أي أعلى سقفها في الهواء يقال : سمكت الشيء أي رفعته في الهواء وسمك الشيء سموكا : ارتفع وقال الفراء : كل شيء حمل شيئا من البناء وغيره فهو سمك وبناء مسموك وسنام سامك تامك أي عال والمسموكات : السماوات ويقال : اسمك في الديم أي أصعد فيالدرجة قوله تعالى : ( فسواها ) أي خلقها خلقا مستويا لا تفاوت فيه ولا شقوق ولا فطور ( وأغطش ليلها ) أي جعله مظلما غطش الليل وأغطشه الله كقولك : ظلم الليل وأظلمه الله ويقال أيضا : أغطش الليل بنفسه وأغطشه الله كما يقال : أظلم الليل وأظلمه الله والغطش والغبش : الظلمة ورجل أغطش : أي أعمى أو شبيه به وقد غطش والمرأة غطشاء ويقال : ليلة غطشاء وليل أغطش وفلاة غطشى لا يهتدى لها قال الأعشى : ويهماء بالليل غطشى الفلا ة يؤنسني صوت فيادها وقال الأعشى أيضا : عقرت لهم موهنا ناقتي وغامرهم مدلهم غطش يعني بغامرهم ليلهم لأنه غمرهم بسواده وأضاف الليل إلى السماء لأن الليل يكون بغروب الشمس والشمس مضاف إلى السماء ويقال : نجوم الليل لأن ظهورها بالليل ( وأخرج ضحاها ) أي أبرز نهارها وضوءها وشمسها وأضاف الضحا إلى السماء كما أضاف إليها الليل لأن فيها سبب الظلام والضياء وهو غروب الشمس وطلوعها ( والأرض بعد ذلك دحاها ) أي بسطها وهذا يشير إلى كون الأرض بعد السماء وقد مضى القول فيه في أول البقرة عند قوله تعالى : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء مستوفى والعرب تقول : دحوت الشيء أدحوه دحوا : إذا بسطته ويقال لعش النعامة أدحي لأنه مبسوط على وجه الأرض وقال أمية بن أبي الصلت : وبث الخلق فيها إذ دحاها فهم قطانها حتى التنادي وأنشد المبرد : دحاها فلما رآها استوت على الماء أرسى عليها الجبالا وقيل : دحاها سواها ومنه قول زيد بن عمرو : وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخرا ثقالا دحاها فلما استوت شدها بأيد وأرسي عليها الجبالا وعن بن عباس : خلق الله الكعبة ووضعها على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألف عام ثم دحيت الأرض من تحت البيت وذكر بعض أهل العلم أن بعد في موضع مع كأنه قال : والأرض مع ذلك دحاها كما قال تعالى : عتل بعد ذلك زنيم ومنه قولهم : أنت أحمق وأنت بعد هذا سيء الخلق قال الشاعر : فقلت لها عني إليك فإنني حرام وإني بعد ذاك لبيب أي مع ذلك لبيب وقيل : بعد : بمعنى قبل كقوله تعالى : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أي من قبل الفرقان قال أبو خراش الهذلي : حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا خراش وبعض الشر أهون من بعض وزعموا أن خراشا نجا قبل عروة وقيل : دحاها : حرثها وشقها قاله بن زيد وقيل : دحاها مهدها للأقوات والمعنى متقارب وقراءة العامة والأرض بالنصب أي دحا الأرض وقرأ الحسن وعمرو بن ميمون والأرض بالرفع على الابتداء لرجوع الهاء ويقال : دحا يدحو دحوا ودحي يدحى دحيا كقولهم : طغى يطغى ويطغو وطغى يطغى ومحا يمحو ويمحي ولحى العود يلحى ويلحو فمن قال : يدحو قال دحوت ومن قال يدحى قال دحيت ( أخرج منها ) أي أخرج من الأرض ( ماءها ) أي العيون المتفجرة بالماء ( ومرعاها ) أي النبات الذي يرعى وقال القتبي : دل بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للأنام من العشب والشجر والحب والتمر والعصف والحطب واللباس والنار والملح لأن النار من العيدان والملح من الماء ( والجبال أرساها ) قراءة العامة والجبال بالنصب أي وأرسى الجبال أرساها يعني : أثبتها فيها أوتادا لها وقرأ الحسن وعمرو بن ميمون وعمرو بن عبيد ونصر بن عاصم والجبال بالرفع على الابتداء ويقال : هلا أدخل حرف العطف على أخرج فيقال : إنه حال بإضمار قد كقوله تعالى : حصرت صدورهم ( متاعا لكم ) أي منفعة لكم ( ولأنعامكم ) من الإبل والبقر والغنم ومتاعا نصب على المصدر من غير اللفظ لأن معنى أخرج منها ماءها ومرعاها أمتع بذلك وقيل : نصب بإسقاط حرف الصفة تقديره لتتمتعوا بهمتاعا < <

قسم V19/P205–V19/P208

النازعات : ( 34 ) فإذا جاءت الطامة . . . . . > > < > ( النازعات 34 : 36 ) < > قوله تعالى : ( فإذا جاءت الطامة الكبرى ) أي الداهية العظمى وهي النفخة الثانية التي يكون معها البعث قاله بن عباس في رواية الضحاك عنه وهو قول الحسن وعن بن عباس أيضا والضحاك : أنها القيامة سميت بذلك لأنها تطم على كل شيء فتعم ما سواها لعظم هولها أي تقلبه وفي أمثالهم : جرى الوادي فطم على القرى المبرد : الطامة عند العرب الداهية التي لا تستطاع وإنما أخذت فيما أحسب من قولهم : طم الفرس طميما إذا استفرغ جهده في الجري وطم الماء إذا ملأ النهر كله غيره : هي مأخوذة من طم السيل الركية أي دفنها والطم : الدفن والعلو وقال القاسم بن الوليد الهمداني : الطامة الكبرى حين يساق أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار وهو معنى قول مجاهد : وقال سفيان : هي الساعة التي يسلم فيها أهل النار إلى الزبانية أي الداهية التي طمت وعظمت قال : إن بعض الحب يعمي ويصم وكذاك البغض أدهى وأطم ( يوم يتذكر الإنسان ماسعى ) أي ما عمل من خير أو شر ( وبرزت الجحيم ) أي ظهرت ( لمن يرى ) قال بن عباس : يكشف عنها فيراها تتلظى كل ذي بصر وقيل : المراد الكافر لأنه الذي يرى النار بما فيها من أصناف العذاب وقيل : يراها المؤمن ليعرف قدر النعمة ويصلى الكافر بالنار وجواب فإذا جاءت الطامة محذوف أي إذا جاءت الطامة دخل أهل النار النار وأهل الجنة الجنة وقرأ مالك بن دينار : وبرزت الجحيم عكرمة : وغيره : لمن ترى بالتاء أي لمن تراه الجحيم أو لمن تراه أنت يا محمد والخطاب له عليه السلام والمراد به الناس < < النازعات : ( 37 ) فأما من طغى > > < > ( النازعات 37 : 41 ) < > قوله تعالى : ( فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا ) أي تجاوز الحد في العصيان قيل : نزلت في النضر وابنه الحارث وهي عامة في كل كافر آثر الحياة الدنيا على الآخرة وروي عن يحيى بن أبي كثير قال : من اتخذ من طعام واحد ثلاثة ألوان فقد طغى وروى جويبر عن الضحاك قال : قال حذيفة : أخوف ما أخاف على هذه الأمة أن يؤثروا ما يرون على ما يعلمون ويروى أنه وجد في الكتب : إن الله جل ثناؤه قال لا يؤثر عبد لي دنياه على آخرته إلا بثثت عليه همومه وضيعته ثم لا أبالي في أيها هلك ( فإن الجحيم هي المأوى ) أي مأواه والألف واللام بدل من الهاء ( وأما من خاف مقام ربه ) أي حذر مقامه بين يدي ربه وقال الربيع : مقامه يوم الحساب وكان قتادة يقول : إن لله عز وجل مقاما قد خافه المؤمنون وقال مجاهد : هو خوفه في الدنيا من الله عز وجل عند مواقعة الذنب فيقلع نظيره : ولمن خاف مقام ربه جنتان ( ونهى النفس عن الهوى ) أي زجرها عن المعاصي والمحارم وقال سهل : ترك الهوى مفتاح الجنة لقوله عز وجل : وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى قال عبد الله بن مسعود : أنتم في زمان يقود الحق الهوى وسيأتي زمان يقود الهوى الحق فنعوذ بالله من ذلك الزمان ( فإن الجنة هي المأوى ) أي المنزل والآيتان نزلتا في مصعب بن عمير وأخيه عامر بن عمير فروى الضحاك عن بن عباس قال : أما من طغى فهو أخ لمصعب بن عمير أسر يوم بدر فأخذته الأنصار فقالوا : من أنت قال : أنا أخو مصعب بن عمير فلم يشدوه في الوثاق وأكرموه وبيتوه عندهم فلما أصبحوا حدثوا مصعب بن عمير حديثه فقال : ما هو لي بأخ شدوا أسيركم فإن أمه أكثر أهل البطحاء حليا ومالا فأوثقوه حتى بعثت أمه في فدائه وأما من خاف مقام ربه فمصعب بن عمير وقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه يوم أحد حين تفرق الناس عنه حتى نفذت المشاقص في جوفه وهي السهام فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم متشحطا في دمه قال : ( عند الله أحتسبك ( وقال لأصحابه : ( لقد رأيته وعليه بردان ما تعرف قيمتهما وإن شراك نعليه من ذهب ( وقيل : إن مصعب بن عمير قتل أخاه عامرا يوم بدر وعن بن عباس أيضا قال : نزلت هذه الآية في رجلين : أبي جهل بن هشام المخزومي ومصعب بن عمير العبدري وقال السدي : نزلت هذه الآية وأما من خاف مقام ربه في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وذلك أن أبا بكر كان له غلام يأتيه بطعام وكان يسأله من أين أتيت بهذا فأتاه يوما بطعام فلم يسأل وأكله فقال له غلامه : لم لا تسألني اليوم فقال : نسيت فمن أين لك هذا الطعام فقال : تكهنت لقوم في الجاهلية فأعطونيه فتقايأه من ساعته وقال : يا رب ما بقي في العروق فأنت حبسته فنزلت : وأما من خاف مقام ربه وقال الكلبي : نزلت في من هم بمعصية وقدر عليها في خلوة ثم تركها من خوف الله ونحوه عن بن عباس يعني من خاف عند المعصية مقامه بين يدي الله فانتهى عنها والله أعلم < <

قسم V19/P208–V19/P210

النازعات : ( 42 ) يسألونك عن الساعة . . . . . > > < > ( النازعات 42 : 46 ) < > قوله تعالى : ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها ) قال بن عباس : سأل مشركو مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم متى تكون الساعة استهزاء فأنزل الله عز وجل الآية وقال عروة بن الزبير في قوله تعالى : ( فيم أنت من ذكراها ) لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة حتى نزلت هذه الآية ( إلى ربك منتهاها ) ومعنى مرساها أي قيامها قال الفراء : رسوها قيامها كرسو السفينة وقال أبو عبيدة : أي منتهاها ومرسى السفينة حيث تنتهي وهو قول بن عباس الربيع بن أنس : متى زمانها والمعنى متقارب وقد مضى في الأعراف بيان ذلك وعن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تقوم الساعة إلا بغضبة يغضبها ربك ( فيم أنت من ذكراها أي في أي شيء أنت يا محمد من ذكر القيامة والسؤال عنها وليس لك السؤال عنها وهذا معنى ما رواه الزهري عن عروة بن الزبير قال : لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة حتى نزلت فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها أي منتهى علمها فكأنه عليه السلام لما أكثروا عليه سأل الله أن يعرفه ذلك فقيل له : لا تسأل فلست في شيء من ذلك ويجوز أن يكون إنكارا على المشركين في مسألتهم له أي فيم أنت من ذلك حتى يسألونك بيانه ولست ممن يعلمه روي معناه عن بن عباس والذكرى بمعنى الذكر إلى ربك منتهاها أي منتهى علمها فلا يوجد عند غيره علم الساعة وهو كقوله تعالى : قل إنما علمها عند ربي وقوله تعالى : إن الله عنده علم الساعة ( إنما أنت منذر من يخشاها ) : أي مخوف وخص الإنذار بمن يخشى لأنهم المنتفعون به وإن كان منذرا لكل مكلف وهو كقوله تعالى : إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب يس وقراءة العامة منذر بالإضافة غير منون طلب التخفيف وإلا فأصله التنوين لأنه للمستقبل وإنما لا ينون في الماضي قال الفراء : يجوز التنوين وتركه كقوله تعالى : بالغ أمره الطلاق وبالغ أمره وموهن كيد الكافرين الأنفال وموهن كيد الكافرين والتنوين هو الأصل وبه قرأ أبو جعفر وشيبة والأعرج وبن محيصن وحميد وعياش عن أبي عمرو منذر منونا وتكون في موضع نصب والمعنى نصب إنما ينتفع بإنذارك من يخشى الساعة وقال أبو علي : يجوز أن تكون الإضافة للماضي نحو ضارب زيد أمس لأنه قد فعل الإنذار الآية رد على من قال : أحوال الآخرة غير محسوسة وإنما هي راحة الروح أو تألمها من غير حس ( كأنهم يوم يرونها ) يعني الكفار يرون الساعة ( لم يلبثوا ) أي في دنياهم ( إلا عشية ) أي قدر عشية ( أو ضحاها ) أي أو قدر الضحا الذي يلي تلك العشية والمراد تقليل مدة الدنيا كما قال تعالى : لم يلبثوا إلا ساعة من نهار الأحقاف وروى الضحاك عن بن عباس : كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا يوما واحدا وقيل : لم يلبثوا في قبورهم إلا عشية أو ضحاها وذلك أنهم استقصروا مدة لبثهم في القبور لما عاينوا من الهول وقال الفراء : يقول القائل : وهل للعشية ضحا وإنما الضحا لصدر النهار ولكن أضيف الضحا إلى العشية وهو اليوم الذي يكون فيه على عادة العرب يقولون : آتيك الغداة أو عشيتها وآتيك العشية أو غداتها فتكون العشية في معنى آخر النهار والغداة في معنى أول النهار قال : وأنشدني بعض بني عقيل : نحن صبحنا عامرا في دارها جردا تعادى طرفي نهارها عشية الهلال أو سرارها أراد : عشية الهلال أو سرار العشية فهو أشد من آتيك الغداة أو عشيها < > تفسير سورة عبس <

قسم V19/P210

> مكية في قول الجميع وهي إحدى وأربعون آية بسم الله الرحمن الرحيم < < عبس : ( 1 ) عبس وتولى > > < > ( عبس 1 : 4 ) <

قسم V19/P210–V19/P213

> فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( عبس ) أي كلح بوجهه يقال : عبس وبسر وقد تقدم ( وتولى ) أي أعرض بوجهه ( أن جاءه ) أن في موضع نصب لأنه مفعول له المعنى لأن جاءه الأعمى أي الذي لا يبصر بعينيه فروى أهل التفسير أجمع أن قوما من أشراف قريش كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم وقد طمع في إسلامهم فأقبل عبد الله بن أم مكتوم فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقطع عبد الله عليه كلامه فأعرض عنه ففيه نزلت هذه الآية قال مالك : إن هشام بن عروة حدثه عن عروة أنه قال : نزلت عبس وتولى في بن أم مكتوم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقول : يا محمد استدنني وعند النبي صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ويقبل على الآخر ويقول : يا فلان هل ترى بما أقول بأسا فيقول : لا والدمى ما أرى بما تقول بأسا فأنزل الله عبس وتولى وفي الترمذي مسندا قال : حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي حدثني أبي قال هذا ما عرضنا على هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : نزلت عبس وتولى في بن أم مكتوم الأعمى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول : يا رسول الله أرشدني وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ويقبل على الآخر ويقول أترى بما أقول بأسا فيقول لا ففي هذا نزلت قال هذا حديث غريب الآية عتاب من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في إعراضه وتوليه عن عبد الله بن أم مكتوم ويقال عمرو بن أم مكتوم واسم أم مكتوم عاتكة بنت عامر بن مخزوم وعمرو هذا هو بن قيس بن زائدة بن الأصم وهو بن خال خديجة رضي الله عنها وكان قد تشاغل عنه برجل من عظماء المشركين يقال كان الوليد بن المغيرة بن العربي : قاله المالكية من علمائنا وهو يكنى أبا عبد شمس وقال قتادة : هو أمية بن خلص وعنه : أبي بن خلف وقال مجاهد : كانوا ثلاثة عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبي بن خلف وقال عطاء عتبة بن ربيعة سفيان الثوري : كان النبي صلى الله عليه وسلم مع عمه العباس الزمخشري : كان عنده صناديد قريش : عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب وأمية بن خلف والوليد بن المغيرة يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم قال بن العربي : أما قول علمائنا إنه الوليد بن المغيرة فقد قال آخرون إنه أمية بن خلف والعباس وهذا كله باطل وجهل من المفسرين الذين لم يتحققوا الدين ذلك أن أمية بن خلف والوليد كانا بمكة وبن أم مكتوم كان بالمدينة ما حضر معهما ولا حضرا معه وكان موتهما كافرين أحدهما قبل الهجرة والآخر ببدر ولم يقصد قط أمية المدينة ولا حضر عنده مفردا ولا مع أحد الثالثة أقبل بن أم مكتوم والنبي صلى الله عليه وسلم مشتغل بمن حضره من وجوه قريش يدعوهم إلى الله تعالى وقد قوي طمعه في إسلامهم وكان في إسلامهم إسلام من وراءهم من قومهم فجاء بن أم مكتوم وهو أعمى فقال : يا رسول الله علمني مما علمك الله وجعل يناديه ويكثر النداء ولا يدري أنه مشتغل بغيره حتى ظهرت الكراهة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقطعه كلامه وقال في نفسه : يقول هؤلاء : إنما أتباعه العميان والسفلة والعبيدفعبس وأعرض عنهفنزلت الآية قال الثوري : فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا رأى بن أم مكتوم يبسط له رداءه ويقول : ( مرحبا بمن عاتبني فيه ربي ( ويقول ( هل من حاجة ( واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين غزاهماقال أنس : فرأيته يوم القادسية راكبا وعليه درع ومعه راية سوداء الرابعة قال علماؤنا : مافعله بن أم مكتوم كان من سوء الأدب لو كان عالما بأن النبي صلى الله عليه وسلم مشغول بغيرهوأنه يرجو إسلامهمولكن الله تبارك وتعالى عاتبه حتى لاتنكسر قلوب أهل الصفة أو ليعلم أن المؤمن الفقير خير من الغنيوكان النظر إلى المؤمن أولى وإن كان فقيرا أصلح وأولى من الأمر الآخروهو الإقبال على الأغنياء طمعا في إيمانهموإن كان ذلك أيضا نوعا من المصلحة وعلى هذا يخرج قوله تعالى ماكان لنبي أن يكون له أسرى الآية على ماتقدم وقيل : إنما قصد النبي صلى الله عايه وسلم تأليف الرجلثقة بما كان في قلب بن أم مكتوم من الإيمانكما قال : ( إني لأصل الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار على وجهه ( الخامسة قال بن زيد : إنما عبس النبي صلى الله عليه وسلم لابن أم مكتوم وأعرض عنه لأنه أشار إلى الذي كان يقوده أن يكفهفدفعه بن أم مكتوموأبى إلا أن يكلم النبي صلى الله عليه وسلم حتى يعلمهفكان في هذا نوع جفاء منه ومع هذا أنزل الله في حقه على نبيه صلى الله عليه وسلم : عبس وتولى بلفظ الإخبار عن الغائب تعظيما له ولم يقل : عبست وتوليتثم أقبل عليه بمواجهة الخطاب تأنيسا له فقال : ( وما يدريك ) أي يعلمك ( لعله ) يعني بن أم مكتوم ( يزكى ) بما استدعى منك تعليمه إياه من القرآن والدين بأن يزداد طهارة في دينه وزوال ظلمة الجهل عنه وقيل : الضمير في لعله للكافر يعني أنك إذا طمعت في أن يتزكى بالإسلام أو يذكر فتقربه الذكرى إلى قبول الحق وما يدريك أن ما طمعت فيه كائن وقرأ الحسن آأن جاءه الأعمى بالمد على الاستفهام فأن متعلقة بفعل محذوف دل عليه عبس وتولى التقدير : آأن جاءه أعرض عنه وتولى فيوقف على هذه القراءة على وتولى ولا يوقف عليه على قراءة الخبر وهي قراءة العامة السادسة نظير هذه الآية في العتاب قوله تعالى في سورة الأنعام : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي وكذلك قوله في سورة الكهف : ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا الكهف وما كان مثله والله أعلم ( أو يذكر ) يتعظ بما تقول ( فتنفعه الذكرى ) أي العظة وقراءة العامة فتنفعه بضم العين عطفا على يزكى وقرأ عاصم وبن أبي إسحاق وعيسى فتنفعه نصبا وهي قراءة السلمي وزر بن حبيش على جواب لعل لأنه غير موجب كقوله تعالى : لعلي أبلغ الأسباب ثم قال : فاطلع < <

الأسئلة