Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

قسم V03/P222

البقرة : ( 239 ) فإن خفتم فرجالا . . . . . > > < > ( البقره 239 ) <

قسم V03/P222–V03/P225

> فيه تسع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فإن خفتم ) من الخوف الذي هو الفزع ( فرجالا ) أي فصلوا رجالا ( أو ركبانا ) معطوف عليه والرجال جمع راجل أو رجل من قولهم : رجل الإنسان برجل رجلا إذا عدم المركوب ومشى على قدميه فهو رجل وراجل ورجل ( بضم الجيم ) وهي لغة أهل الحجاز يقولون : مشى فلان إلى بيت الله حافيا رجلا حكاه الطبري وغيره ورجلان ورجيل ورجل ويجمع على رجال ورجلى ورجال ورجالة ورجالى ورجلان ورجلة ورجلة ( بفتح الجيم ) وأرجلة وأراجل وأراجيل والرجل الذي هو اسم الجنس يجمع أيضا على رجال الثانية لما أمر الله تعالى بالقيام له في الصلاة لحال قنوت وهو الوقار والسكينة وهدوء الجوارح وهذا على الحالة الغالبة من الأمن والطمأنينة ذكر حالة الخوف الطارئة أحيانا وبين أن هذه العبادة لا تسقط عن العبد في حال ورخص لعبيده في الصلاة رجالا على الأقدام وركبانا على الخيل والإبل ونحوها أيماء وإشارة بالرأس حيثما توجه هذا قول العلماء وهذه هي صلاة الفذ الذي قد ضايقه الخوف على نفسه في حال المسايفة أو من سبع يطلبه أو من عدو يتبعه أو سيل يحمله وبالجملة فكل أمر يخاف منه على روحه فهو مبيح ما تضمنته هذه الآية الثالثة هذه الرخصة في ضمنها إجماع العلماء أن يكون الإنسان حيثما توجه من السموت ويتقلب ويتصرف بحسب نظره في نجاة نفسه الرابعة واختلف في الخوف الذي تجوز فيه الصلاة رجالا وركبانا فقال الشافعي : هو إطلال العدو عليهم فيتراءون معا والمسلمون في غير حصن حتى ينالهم السلاح من الرمي أو أكثر من أن يقرب العدو فيه منهم من الطعن والضرب أو يأتي من يصدق خبره فيخبره بأن العدو قريب منه ومسيرهم جادين إليه فإن لم يكن واحد من هذين المعنيين فلا يجوز له أن يصلي صلاة الخوف فإن صلوا بالخبر صلاة الخوف ثم ذهب العدو لم يعيدوا وقيل : يعيدون وهو قول أبي حنيفة قال أبو عمر : فالحال التي يجوز منها للخائف أن يصلي راجلا أو راكبا مستقبل القبلة أو غير مستقبلها هي حال شدة الخوف والحال التي وردت الآثار فيها هي غير هذه وهي صلاة الخوف بالإمام وانقسام الناس وليس حكمها في هذه الآية وهذا يأتي بيانه في سورة النساء إن شاء الله تعالى وفرق مالك بين خوف العدو المقاتل وبين خوف السبع ونحوه من جمل صائل أو سيل أو ما الأغلب من شأنه الهلاك فإنه استحب من غير خوف العدو الإعادة في الوقت إن وقع الأمن وأكثر فقهاء الأمصار على أن الأمر سواء الخامسة قال أبو حنيفة : إن القتال يفسد الصلاة وحديث بن عمر يرد عليه وظاهر الآية أقوى دليل عليه وسيأتي هذا في النساء إن شاء الله تعالى قال الشافعي : لما رخص تبارك وتعالى في جواز ترك بعض الشروط دل ذلك على أن القتال في الصلاة لا يفسدها والله أعلم السادسة لا نقصان في عدد الركعات في الخوف عن صلاة المسافر عند مالك والشافعي وجماعة من العلماء وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة وغيرهما : يصلي ركعة إيماء روى مسلم عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن بن عباس قال : فرض الله الصلاة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة قال بن عبد البر : أنفرد به بكير بن الأخنس وليس بحجة فيما ينفرد به والصلاة أولى ما أحتيط فيه ومن صلى ركعتين في خوفه وسفره خرج من الاختلاف إلى اليقين وقال الضحاك بن مزاحم : يصلي صاحب خوف الموت في المسايفة وغيرها ركعة فإن لم يقدر فليكبر تكبيرتين وقال إسحاق بن راهويه : فإن لم يقدر إلا على تكبيرة واحدة أجزأت عنه ذكره بن المنذر وقوله تعالى : ( فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ) أي ارجعوا إلى ما أمرتم به من اتمام الأركان وقال مجاهد : أمنتم خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة ورد الطبري على هذا القول وقالت فرقة : أمنتم زال خوفكم الذي ألجأكم إلى هذه الصلاة السابعة واختلف العلماء من هذا الباب في بناء الخائف إذا أمن فقال مالك : إن صلى ركعة آمنا ثم خاف ركب وبنى وكذلك إن صلى ركعة راكبا وهو خائف ثم أمن نزل وبنى وهو أحد قولي الشافعي وبه قال المزني وقال أبو حنيفة : إذا افتتح الصلاة امنا ثم خاف استقبل ولم يبن فإن صلى خائفا ثم أمن بنى وقال الشافعي : يبني النازل ولا يبني الراكب وقال أبو يوسف : لا يبنى في شيء من هذا كله الثامنة قوله تعالى : ( فاذكروا الله ) قيل : معناه اشكروه على هذه النعمة في تعليمكم هذه الصلاة التي وقع بها الإجزاء ولم تفتكم صلاة من الصلوات وهو الذي لم تكونوا تعلمونه فالكاف في قوله كما بمعنى الشكر تقول : افعل بي كما فعلت بك كذا مكافأة وشكرا وما في قوله ما لم مفعولة ب علمكم التاسعة قال علماؤنا رحمة الله عليهم : الصلاة أصلها الدعاء وحالة الخوف اولى بالدعاء فلهذا لم تسقط الصلاة بالخوف فإذا لم تسقط الصلاة بالخوف فأحرى ألا تسقط بغيره من مرض أو نحوه فأمر الله سبحانه وتعالى بالمحافظة على الصلوات في كل حال من صحة أو مرض وحضر أو سفر وقدرة أو عجز وخوف أو أمن لا تسقط عن المكلف بحال ولا يتطرق إلى فرضيتها اختلال وسيأتي بيان حكم المريض في آخر آل عمران إن شاء الله تعالى والمقصود من هذا أن تفعل الصلاة كيفما أمكن ولا تسقط بحال حتى لو لم يتفق فعلها إلا بالإشارة بالعين لزم فعلها وبهذا تميزت عن سائر العبادات كلها تسقط بالأعذار ويترخص فيها بالرخص قال بن العربي : ولهذا قال علماؤنا : وهي مسألة عظمى إن تارك الصلاة يقتل لأنها أشبهت الإيمان الذي لا يسقط بحال وقالوا فيها : إحدى دعائم الاسلام لا تجوز النيابة عنها ببدن ولا مال فيقتل تاركها أصله الشهادتان وسيأتي ما للعلماء في تارك الصلاة في براءة إن شاء الله تعالى < <

قسم V03/P225

البقرة : ( 240 ) والذين يتوفون منكم . . . . . > > < > ( البقره 240 ) <

قسم V03/P225–V03/P227

> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ) ذهب جماعة من المفسرين في تأويل هذه الآية أن المتوفي عنها زوجها كانت تجلس في بيت المتوفي عنها حولا وينفق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل فإن خرجت لم يكن على الورثة جناح في قطع النفقة عنها ثم نسخ الحول بألاربعة ألاشهر والعشر ونسخت النفقة بالربع والثمن في سورة النساء قاله بن عباس وقتادة والضحاك وبن زيد والربيع وفي السكنى خلاف للعلماء روى البخاري عن بن الزبير قال : قلت لعثمان هذه الآية التي في البقرة : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا إلى قوله غير إخراج قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو تدعها قال : يابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه وقال الطبري عن مجاهد : إن هذه الآية محكمة لا نسخ فيها والعدة كانت قد ثبتت اربعة أشهر وعشرا ثم جعل الله لهن وصية منه سكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة فإن شاءت المرأة سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت وهو قول الله عز وجل : ( غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم ) قال بن عطية : وهذا كله قد زال حكمه بالنسخ المتفق عليه إلا ما قو له الطبري مجاهدا رحمهما الله تعالى وفي ذلك نظر على الطبري وقال القاضي عياض : والإجماع منعقد على أن الحول منسوخ وأن عدتها أربعة أشهر وعشر قال غيره : معنى قوله وصية أي من الله تعالى تجب على النساء بعد وفاة الزوج بلزوم البيوت سنة ثم نسخ قلت : ما ذكره الطبري عن مجاهد صحيح ثابت خرج البخاري قال : حدثنا إسحاق قال حدثنا روح قال حدثنا شبل عن بن أبي نجيح عن مجاهد والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا قال : كانت هذه العدة تعتد عند أهل زوجها واجبة فأنزل الله تعالى : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا إلى قوله من معروف قال : جعل الله لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت وهو قول الله تعالى : غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم إلا أن القول الأول أظهر لقوله عليه السلام : ( إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة عند رأس الحول ( الحديث وهذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم عن حالة المتوفي عنهن أزواجهن قبل ورود الشرع فلما جاء الإسلام أمرهن الله تعالى بملازمة البيوت حولا ثم نسخ بالأربعة الأشهر والعشر هذا مع وضوحه في السنة الثابتة المنقولة باخبار الآحاد إجماع من علماء المسلمين لا خلاف فيه قاله أبو عمر قال : وكذلك سائر الآية فقوله عز وجل : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج منسوخ كله عند جمهور العلماء ثم نسخ الوصية بالسكنى للزوجات في الحول إلا رواية شاذة مهجورة جاءت عن بن أبي نجيح عن مجاهد لم يتابع عليها ولا قال بها فيما زاد على الأربعة الأشهر والعشر أحد من علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم فيما علمت وقد روى بن جريج عن مجاهد مثل ما عليه الناس فانعقد الإجماع وارتفع الخلاف وبالله التوفيق الثانية قوله تعالى : ( وصية ) قرأ نافع وبن كثير والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر وصية بالرفع على الإبتداء وخبره ( لأزواجهم ) ويحتمل أن يكون المعنى عليهم وصية ويكون قوله لأزواجهم صفة قال الطبري : قال بعض النحاة : المعنى كتبت عليهم وصية ويكون قوله لأزواجهم صفة قال : وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود وقرأ أبو عمرو وحمزة وبن عامر وصية بالنصب وذلك حمل على الفعل أي فليوصوا وصية ثم الميت لايوصي ولكنه أراد إذا قربوا من الوفاة ولأزواجهم على هذه القراءة أيضا صفة وقيل : المعنى أوصى الله وصية متاعا أي متعوهن متاعا : أو جعل الله لهن ذلك متاعا لدلالة الكلام عليه ويجوز أن يكون نصبا على الحال أو بالمصدر الذي هو الوصية كقوله : أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما والمتاع ها هنا نفقة سنتها الثالثة قوله تعالى : ( غير إخراج ) معناه ليس لأولياء الميت ووارثي المنزل إخراجها وغير نصب على المصدر عند الأخفش كأنه قال لا إخراجا وقيل : نصب لأنه صفة المتاع وقيل : نصب على الحال من الموصين أي متعوهن غير مخرجات وقيل : بنزع الخافض أي من غير إخراج الرابعة قوله تعالى : ( فإن خرجن ) الآية معناه باختيارهن قبل الحول ( ولا جناح عليكم ) أي لا حرج على أحد ولي أو حاكم أو غيره لأنه لايجب عليها المقام في بيت زوجها حولا وقيل : أي لا جناح في قطع النفقة عنهن أو لا جناح عليهن في التشوف إلى الأزواج إذ قد انقطعت عنهن مراقبتكم أيها الورثة ثم عليها ألا تتزوج قبل انقضاء العدة بالحول أو لا جناح في تزويجهن بعد انقضاء العدة لأنه قال : من معروف وهو ما يوافق الشرع ( والله عزيز ) صفة تقتضي الوعيد بالنسبة لمن خالف الحد في هذه النازلة فأخرج المرأة وهي لا تريد الخروج ( حكيم ) أي محكم لما يريد من أمور عباده < <

قسم V03/P227–V03/P229

البقرة : ( 241 ) وللمطلقات متاع بالمعروف . . . . . > > < > ( 241 : 242 ) < > اختلف الناس في هذه الآية فقال أبو ثور : هي محكمة والمتعة لكل مطلقة وكذلك قال الزهري ( قال الزهري ) حتى للأمة يطلقها زوجها وكذلك قال سعيد بن جبير : لكل مطلقة متعة وهو أحد قولي الشافعي لهذه الآية وقال مالك : لكل مطلقة اثنتين أو واحدة بنى بها أم لا سمى لها صداقا أم لا المتعة إلا المطلقة قبل البناء وقد سمى لها صداقا فحسبها نصفه ولو لم يكن سمى لها كان لها المتعة أقل من صداق المثل أو أكثر وليس لهذه المتعة حد حكاه عنه بن القاسم وقال بن القاسم في إرخاء الستور من المدونة قال : جعل الله تعالى المتعة لكل مطلقة بهذه الآية ثم استثنى في الآية الأخرى التي قد فرض لها ولم يدخل بها فأخرجها من المتعة وزعم بن زيد أنها نسختها قال بن عطية : ففر بن القاسم من لفظ النسخ إلى لفظ الإستثناء والاستثناء لا يتجه في هذا الموضع بل هو نسخ محض كما قال زيد بن أسلم وإذا التزم بن القاسم أن قوله : وللمطلقات يعم كل مطلقة لزمه القول بالنسخ ولا بد وقال عطاء بن أبي رباح وغيره : هذه الآية في الثيبات اللواتي قد جومعن إذ تقدم في غير هذه الآية ذكر المتعة للواتي لم يدخل بهن فهذا قول بأن التي قد فرض لها قبل المسيس لم تدخل قط في العموم فهذا يجيء على أن قوله تعالى : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن مخصصة لهذا الصنف من النساء ومتى قيل : إن هذا العموم يتناولها فذلك نسخ لا تخصيص وقال الشافعي في القول الآخر : إنه لا متعة إلا للتي طلقت قبل الدخول وليس ثم المسيس ولا فرض لأن من استحقت شيئا من المهر لم تحتج في حقها إلى المتعة وقول الله عز وجل في زوجات النبي صلى الله عليه وسلم : فتعالين أمتعكن محمول على أنه تطوع من النبي صلى الله عليه وسلم لا وجوب له وقوله : فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن محمول على غير المفروضة أيضا قال الشافعي : والمفروض لها المهر إذا طلقت قبل المسيس لا متعة لها لأنها أخذت نصف المهر من غير جريان وطء والمدخول بها إذا طلقت فلها المتعة لأن المهر يقع في مقابلة الوطء والمتعة بسبب الإبتذال بالعقد وأوجب الشافعي المتعة للمختلعة والمبارئة وقال أصحاب مالك : كيف يكون للمفتدية متعة وهي تعطي فكيف تأخذ متاعا ( لا متعة لمختارة الفراق من مختلعة أو مفتدية أو مبارئة أو مصالحة أو ملاعنة أو معتقة تختار الفراق دخل بها أم لا سمي لها صداقا أم لا وقد مضى هذا مبينا < < البقرة : ( 243 ) ألم تر إلى . . . . . > > < > ( البقره 243 ) <

قسم V03/P229–V03/P235

> فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ألم تر ) هذه رؤية القلب بمعنى ألم تعلم والمعنى عند سيبويه تنبه إلى أمر الذين ولا تحتاج هذه الرؤية إلى مفعولين وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ألم تر بجزم الراء وحذفت الهمزة حذفا من غير إلقاء حركة لأن الأصل الم ترء وقصة هؤلاء أنهم قوم من بني إسرائيل وقع فيهم الوباء وكانوا بقرية يقال لها داوردان فخرجوا منها هاربين فنزلوا واديا فأماتهم الله تعالى قال بن عباس : كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون وقالوا : نأتي أرضا ليس بها موت فأماتهم الله تعالى فمر بهم نبي فدعا الله تعالى فأحياهم وقيل : إنهم ماتوا ثمانية أيام وقيل : سبعة والله أعلم قال الحسن : أماتهم الله قبل آجالهم عقوبة لهم ثم بعثهم إلى بقية آجالهم وقيل : إنما فعل ذلك بهم معجزة لنبي من أنبيائهم قيل : كان اسمه شمعون وحكى النقاش أنهم فروا من الحمى وقيل : إنهم فروا من الجهاد ولما أمرهم الله به على لسان حزقيل النبي عليه السلام فخافوا الموت بالقتل في الجهاد فخرجوا من ديارهم فرارا من ذلك فأماتهم الله ليعرفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد بقوله تعالى : وقاتلوا في سبيل الله البقرة قاله الضحاك قال بن عطية : وهذا القصص كله لين الأسانيد وإنما اللازم من الآية أن الله تعالى أخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم إخبارا في عبارة التنبيه والتوقيف عن قوم من البشر خرجوا من ديارهم فرارا من الموت فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم ليروا هم وكل من خلف من بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله تعالى لا بيد غيره فلا معنى لخوف خائف ولا لاغترار مغتر وجعل الله هذه الآية مقدمة بين يدي أمره المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالجهاد هذا قول الطبري وهو ظاهر رصف الآية قوله تعالى : ( وهم ألوف ) قال الجمهور : هي جمع ألف قال بعضهم : كانوا ستمائة الف وقيل : كانوا ثمانين ألفا بن عباس : أربعين الفا أبو مالك : ثلاثين ألفا السدي : سبعة وثلاثين ألفا وقيل : سبعين ألفا قاله عطاء بن أبي رباح وعن بن عباس أيضا أربعين الفا وثمانية آلاف رواه عنه بن جريج وعنه أيضا ثمانية آلاف وعنه أيضا أربعة آلاف وقيل : ثلاثة آلاف والصحيح أنهم زادوا على عشرة آلاف لقوله تعالى : وهم ألوف وهو جمع الكثرة ولا يقال في عشرة فما دونها ألوف وقال بن زيد في لفظة الوف : إنما معناها وهم مؤتلفون أي لم تخرجهم فرقة قومهم ولا فتنة بينهم إنما كانوا مؤتلفين فخالفت هذه الفرقة فخرجت فرارا من الموت وابتغاء الحياة بزعمهم فأماتهم الله في منجاهم بزعمهم فألوف على هذا جمع آلف مثل جالس وجلوس قال بن العربي : أماتهم الله تعالى ( مدة ) عقوبة لهم ثم أحياهم وميتة العقوبة بعدها حياة وميتة الأجل لا حياة بعدها قال مجاهد : إنهم لما أحيوا رجعوا إلى قومهم يعرفون ( أنهم كانوا موتى ) ولكن سحنة الموت على وجوههم ولا يلبس أحد منهم ثوبا إلا عاد كفنا دسما حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم بن جريج عن بن عباس : وبقيت الرائحة على ذلك السبط من بني إسرائيل إلى اليوم وروي أنهم كانوا بواسط العراق ويقال أنهم أحيوا بعد أن أنتنوا فتلك الرائحة موجودة في نسلهم إلى اليوم الثانية قوله تعالى : ( حذر الموت ) أي لحذر الموت فهو نصب لأنه مفعول له وموتوا ) أمر تكوين ولا يبعد أن يقال : نودوا وقيل لهم : موتوا وقد حكي أن ملكين صاحا بهم : موتوا فماتوا فالمعنى قال لهم الله بواسطة الملكين موتوا والله اعلم الثالثة أصح هذه ألاقوال ( وأبينها ) وأشهرها أنهم خرجوا فرارا من الوباء رواه سعيد بن جبير عن بن عباس قال : خرجوا فرارا من الطاعون فماتوا فدعا الله نبي من الأنبياء أن يحييهم حتى يعبدوه فأحياهم الله وقال عمرو بن دينار في هذه الآية : وقع الطاعون في قريتهم فخرج أناس وبقي أناس ومن خرج أكثر ممن بقي قال : فنجا الذين خرجوا ومات الذين أقاموا فلما كانت الثانية خرجوا بأجمعهم إلا قليلا فأماتهم الله ودوابهم ثم أحياهم فرجعوا إلى بلادهم وقد توالدت ذريتهم وقال الحسن : خرجوا حذارا من الطاعون فأماتهم الله ودوابهم في ساعة واحدة وهم أربعون ألفا قلت : وعلى هذا تترتب الأحكام في هذه الآية فروى الأئمة واللفظ للبخاري من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أسامة بن زيد يحدث سعدا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الوجع فقال : ( رجز أو عذاب عذب به بعض الأمم ثم بقي منه بقية فيذهب المرة ويأتي الأخرى فمن سمع به بأرض فلا يقدمن عليه ومن كان بأرض وقع بها فلا يخرج فرارا منه ( وأخرجه أبو عيسى الترمذي فقال : حدثنا قتيبة أنبأنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن عامر بن سعد عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الطاعون فقال : ( بقية رجز أو عذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليها ( قال : حديث حسن صحيح وبمقتضى هذه الأحاديث عمل عمر والصحابة رضوان الله عليهم لما رجعوا من سرغ حين أخبرهم عبد الرحمن بن عوف بالحديث على ما هو مشهور في الموطأ وغيره وقد كره قوم الفرار من الوباء والأرض السقيمة روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : الفرار من الوباء كالفرار من الزحف وقصة عمر في خروجه إلى الشام مع أبي عبيدة معروفة وفيها : أنه رجع وقال الطبري : في حديث سعد دلالة على أن على المرء توقي المكاره قبل نزولها وتجنب الأشياء المخوفة قبل هجومها وأن عليه الصبر وترك الجزع بعد نزولها وذلك أنه عليه السلام نهى من لم يكن في أرض الوباء عن دخولها إذا وقع فيها ونهى من هو فيها عن الخروج منها بعد وقوعه فيها فرارا منه فكذلك الواجب أن يكون حكم كل متق من الأمور غوائلها سبيله في ذلك سبيل الطاعون وهذا المعنى نظير قوله عليه السلام : ( لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا ( قلت : وهذا هو الصحيح في الباب وهو مقتضى قول الرسول عليه السلام وعليه عمل أصحابه البررة الكرام ( رضي الله عنهم ) وقد قال عمر لأبي عبيدة محتجا عليه لما قال له : أفرارا من قدر الله ( فقال عمر : لو غيرك قالها يا أبا عبيدة نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله المعنى : أي لا محيص للإنسان عما قدره الله له وعليه لكن أمرنا الله تعالى بالتحرز من المخاوف ( والمهلكات ) وباستفراغ الوسع في التوقي من المكروهات ثم قال له : أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله ( عز وجل ) فرجع عمر من موضعه ذلك إلى المدينة قال الكيا الطبري : ولا نعلم خلافا أن الكفار أو قطاع الطريق إذا قصدوا بلدة ضعيفة لا طاقة لأهلها بالقاصدين فلهم أن يتنحوا من بين أيديهم وإن كانت ألآجال المقدرة لا تزيد ولا تنقص وقد قيل : إنما نهي عن الفرار منه لأن الكائن بالموضع الذي الوباء فيه لعله قد أخذ بحظ منه لاشتراك أهل ذلك الموضع في سبب ذلك المرض العام فلا فائدة لفراره بل يضيف إلى ما أصابه من مبادئ الوباء مشقات السفر فتتضاعف الآلام ويكثر الضرر فيهلكون بكل طريق ويطرحون في كل فجوة ومضيق ولذلك يقال : ما فر أحد من الوباء فسلم حكاه بن المدائني ويكفي في ذلك موعظة قوله تعالى : ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ولعله إن فر ونجا يقول : إنما نجوت من أجل خروجي عنه فيسوء اعتقاده وبالجملة فالفرار منه ممنوع لما ذكرناه ولما فيه من تخلية البلاد : ولا تخلو من مستضعفين يصعب عليهم الخروج منها ولا يتأتى لهم ذلك ويتأذون بخلو البلاد من المياسير الذين كانوا أركانا للبلاد ومعونة للمستضعفين وإذا كان الوباء بأرض فلا يقدم عليه أحد أخذا بالحزم والحذر والتحرز من مواضع الضرر ودفعا للأوهام المشوشة لنفس الإنسان وفي الدخول عليه الهلاك وذلك لا يجوز في حكم الله تعالى فإن صيانة النفس عن المكروه واجبة وقد يخاف عليه من سوء الإعتقاد بأن يقول : لولا دخولي في هذا المكان لما نزل بي مكروه فهذه فائدة النهي عن دخول أرض بها الطاعون أو الخروج منها والله أعلم وقد قال بن مسعود : الطاعون فتنة على المقيم والفار فأما الفار فيقول : فبفراري نجوت وأما المقيم فيقول : أقمت فمت وإلى نحو هذا أشار مالك حين سئل عن كراهة النظر إلى المجذوم فقال : ما سمعت فيه بكراهة وما أرى ما جاء من النهي عن ذلك إلا خيفة أن يفزعه أو يخيفه شيء يقع في نفسه قال النبي صلى الله عليه وسلم في الوباء : ( إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه ( وسئل أيضا عن البلدة يقع فيها الموت وأمراض فهل يكره الخروج منها فقال : ما أرى بأسا خرج أو أقام الرابعة في قوله عليه السلام : ( إذا وقع الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه ( دليل على أنه يجوز الخروج من بلدة الطاعون على غير سبيل الفرار منه إذا اعتقد أن ما اصابه لم يكن ليخطئه وكذلك حكم الداخل إذا أيقن أن دخولها لايجلب إليه قدرا لم يكن الله قدره له فباح له الدخول إليه والخروج منه على هذا الحد الذي ذكرناه والله أعلم الخامسة في فضل الصبر على الطاعون وبيانه الطاعون وزنه فاعول من الطعن غير أنه لما عدل به عن أصله وضع دالا على الموت العام بالوباء قاله الجوهري ويروى من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( فناء أمتي بالطعن والطاعون ( قالت : الطعن قد عرفناه فما الطاعون قال : ( غدة كغدة البعير تخرج من المراق والآباط ( قال العلماء : وهذا الوباء قد يرسله الله نقمة وعقوبة على من يشاء من العصاة من عبيده وكفرتهم وقد يرسله شهادة ورحمة للصالحين كما قال معاذ في طاعون عمواس : إنه شهادة ورحمة لكم ودعوة نبيكم اللهم اعط معاذا وأهله نصيبهم من رحمتك فطعن في كفه رضي الله عنه قال أبو قلابة : قد عرفت الشهادة والرحمة ولم أعرف ما دعوة نبيكم فسألت عنها فقيل : دعا عليه السلام أن يجعل فناء أمته بالطعن والطاعون حين دعا ألا يجعل بأس أمته بينهم فمنعها فدعا بهذا ويروى من حديث جابر وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الفار من الطاعون كالفار من الزحف والصابر فيه كالصابر في الزحف ( وفي البخاري عن يحيى بن يعمر عن عائشة أنها أخبرته أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فأخبرها نبي الله صلى الله عليه وسلم : ( أنه كان عذابا يبعثه الله على من يشاء فجعله الله رحمة للمؤمنين فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد ( وهذا تفسير لقوله عليه الصلاة والسلام : ( الطاعون شهادة والمطعون شهيد ( أي الصابر عليه المحتسب أجره على الله العالم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله عليه ولذلك تمنى معاذ أن يموت فيه لعلمه أن من مات فهو شهيد وأما من جزع من الطاعون وكرهه وفر منه فليس بداخل في معنى الحديث والله أعلم السادسة قال أبو عمر : لم يبلغني أن أحدا من حملة العلم فر من الطاعون إلا ما ذكره بن المدائني أن علي بن زيد بن جدعان هرب من الطاعون إلى السيالة فكان يجمع كل جمعة ويرجع فكان إذا جمع صاحوا به : فر من الطاعون ( فمات بالسيالة قال : وهرب عمرو بن عبيد ورباط بن محمد إلى الرباطية فقال إبراهيم بن علي الفقيمي في ذلك : ولما استفز الموت كل مكذب صبرت ولم يصبر رباط ولا عمرو وذكر أبو حاتم عن الأصمعي قال : هرب بعض البصريين من الطاعون فركب حمارا له ومضى بأهله نحو سفوان فسمع حاديا يحدو خلفه : لن يسبق الله على حمار ولا على ذي منعة طيار أو يأتي الحتف على مقدار قد يصبح الله أمام الساري وذكر المدائني قال : وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان فخرج هاربا منه فنزل قرية من قرى الصعيد يقال لها سكر فقدم عليه حين نزلها رسول لعبد الملك بن مروان فقال له عبد العزيز : ما اسمك فقال له : طالب بن مدرك فقال : أوه ما أراني راجعا إلى الفسطاط ( فمات في تلك القرية < <

قسم V03/P235–V03/P236

البقرة : ( 244 ) وقاتلوا في سبيل . . . . . > > < > ( 244 ) < > هذا خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بالقتال في سبيل الله في قول الجمهور وهو الذي ينوى به أن تكون كلمة الله هي العليا وسبل الله كثيرة فهي عامة في كل سبيل قال الله تعالى : قل هذه سبيلي قال مالك : سبل الله كثيرة وما من سبيل إلا يقاتل عليها أو فيها أو لها وأعظمها دين الإسلام لا خلاف في هذا وقيل : الخطاب للذين أحيوا من بني إسرائيل روي عن بن عباس والضحاك والواو على هذا في قوله وقاتلوا عاطفة على الأمر المتقدم وفي الكلام متروك تقديره : وقال لهم قاتلوا وعلى القول الأول عاطفة جملة كلام على جملة ما تقدم ولا حاجة إلى إضمار في الكلام قال النحاس : وقاتلوا أمر من الله تعالى للمؤمنين ألا تهربوا كما هرب هؤلاء ( وأعلموا أن الله سميع عليم ) أي يسمع قولكم إن قلتم مثل ما قال هؤلاء ويعلم مرادكم به وقال الطبري : لا وجه لقول من قال : إن الأمر بالقتال للذين أحيوا والله أعلم < < البقرة : ( 245 ) من ذا الذي . . . . . > > < > ( 245 ) <

قسم V03/P236–V03/P242

> فيه أحدى عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ) لما أمر الله تعالى بالجهاد والقتال على الحق إذ ليس شيء من الشريعة إلا ويجوز القتال عليه وعنه وأعظمها دين الإسلام كما قال مالك حرض على الإنفاق في ذلك فدخل في هذا الخبر المقاتل في سبيل الله فإنه يقرض به رجاء الثواب كما فعل عثمان رضي الله عنه في جيش العسرة ومن رفع بالإبتداء وذا خبره والذي نعت لذا وإن شئت بدل ولما نزلت هذه الآية بادر أبو الدحداح إلى التصدق بماله ابتغاء ثواب ربه أخبرنا الشيخ الفقيه الإمام المحدث القاضي أبو عامر يحيى بن عامر بن أحمد بن منيع الأشعري نسبا ومذهبا بقرطبة أعادها الله في ربيع الآخر عام ثمانية وعشرين وستمائة قراءة مني عليه قال : أخبرنا أبي إجازة قال : قرأت على أبي بكر عبد العزيز بن خلف بن مدين الأزدي عن أبي عبد الله بن سعدون سماعا عليه قال : حدثنا أبو الحسن علي بن مهران قال : حدثنا أبو الحسن محمد بن عبد الله بن زكريا بن حيوة النيسابوري سنة ست وستين وثلاثمائة قال : أنبأنا عمي أبو زكريا يحيى بن زكريا قال : حدثنا محمد بن معاوية بن صالح قال : حدثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود قال : لما نزلت : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا قال أبو الدحداح : يا رسول الله أو إن الله تعالى يريد منا القرض قال : ( نعم يا أبا الدحداح ( قال : أرني يدك ( قال ) فناوله قال : فإني أقرضت الله حائطا فيه ستمائة نخلة ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه وعياله فناداها : يا أم الدحداح قالت : لبيك قال : اخرجي قد اقرضت ربي عز وجل حائطا فيه ستمائة نخلة وقال زيد بن أسلم : لما نزل : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا قال أبو الدحداح : فداك أبي وأمي يا رسول الله ( إن الله يستقرضنا وهو غني عن القرض قال : ( نعم يريد أن يدخلكم الجنة به ( قال : فإني إن أقرضت ربي قرضا يضمن لي به ولصبيتي الدحداحة معي الجنة قال : ( نعم ( قال : فناولني يدك فناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فقال : إن لي حديقتين إحداهما بالسافلة والأخرى بالعالية والله لا أملك غيرهما قد جعلتهما قرضا لله تعالى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اجعل إحداهما لله والأخرى دعها معيشة لك ولعيالك ( قال : فأشهدك يا رسول الله أني قد جعلت خيرهما لله تعالى وهو حائط فيه ستمائة نخلة قال : ( إذا يجزيك الله به الجنة ( فانطلق أبو الدحداح حتى جاء أم الدحداح وهي مع صبيانها في الحديقة تدور تحت النخل فأنشأ يقول : هداك ربي سبل الرشاد إلى سبيل الخير والسداد بيني من الحائط بالوداد فقد مضى قرضا إلى التناد اقرضته الله على اعتمادي بالطوع لا من ولا ارتداد إلا رجاء الضعف في المعاد فارتحلي بالنفس والأولاد والبر لاشك فخير زاد قدمه المرء إلى المعاد قالت أم الدحداح : ربح بيعك بارك الله لك فيما اشتريت ثم أجابته أم الدحداح وأنشأت تقول : بشرك الله بخير وفرح مثلك ما أدى مالديه ونصح قد متع الله عيالي ومنح بالعجوة السوداء والزهو البلح والعبد يسعى وله ما قد كدح طول الليالي وعليه ما اجترح ثم أقبلت أم الدحداح على صبيانها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم حتى أفضت إلى الحائط الآخر فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( كم من عذق رداح ودار فياح لأبي الدحداح ( الثانية قال بن العربي : انقسم الخلق بحكم الخالق وحكمته وقدرته ومشيئته وقضائه وقدره حين سمعوا هذه الآية أقساما فتفرقوا فرقا ثلاثة : الفرقة الأولى الرذلى قالوا : إن رب محمد محتاج فقير إلينا ونحن أغنياء فهذه جهالة لا تخفى على ذي لب فرد الله عليهم بقوله : لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء الفرقة الثانية لما سمعت هذا القول آثرت الشح والبخل وقدمت الرغبة في المال فما أنفقت في سبيل الله ولا فكت أسيرا ولا اعانت أحدا تكاسلا عن الطاعة وركونا إلى هذه الدار ( الفرقة ) الثالثة لما سمعت بادرت إلى إمتثاله وآثر المجيب منهم بسرعة بماله كأبي الدحداح رضي الله عنه وغيره والله أعلم الثالثة قوله تعالى قرضا حسنا القرض : اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء وأقرض فلان فلانا أي أعطاه ما يتجازاه قال الشاعر وهو لبيد : وإذا جوزيت قرضا فاجزه إنما يجزئ الفتى ليس الجمل والقرض بالكسر لغة فيه حكاها الكسائي واستقرضت من فلان أي طلبت منه القرض فأقرضني واقترضت منه أي أخذت القرض وقال الزجاج : القرض في اللغة البلاء الحسن والبلاء السيء قال أمية : كل امرئ سوف يجزى قرضه حسنا أو سيئا ومدينا مثل ما دانا وقال آخر : تجازى القروض بأمثالها فبالخير خيرا وبالشر شرا وقال الكسائي : القرض ما أسلفت من عمل صالح أو سيء وأصل الكلمة القطع ومنه المقراض وأقرضته أي قطعت له من مالي قطعة يجازي عليها وانقرض القوم : انقطع أثرهم وهلكوا والقرض ها هنا : اسم ولولاه لقال ( ها هنا ) إقراضا واستدعاء القرض في هذه الآية إنما هو تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه والله هو الغني الحميد لكنه تعالى شبه عطاء المؤمن في الدنيا بما يرجو به ثوابه في الآخرة بالقرض كما شبه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء حسب ما يأتي بيانه في براءة إن شاء الله تعالى وقيل المراد بالآية الحث على الصدقة وإنفاق المال على الفقراء والمحتاجين والتوسعة عليهم وفي سبيل الله بنصرة الدين وكنى الله سبحانه عن الفقير بنفسه العلية المنزهة عن الحاجات ترغيبا في الصدقة كما كنى عن المريض والجائع والعطشان بنفسه المقدسة عن النقائص والآلام ففي صحيح الحديث إخبارا عن الله تعالى : ( يابن آدم مرضت فلم تعدني واستطعمتك فلم تطعمني واستسقيتك فلم تسقني ( قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين قال : ( استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي ( وكذا فيما قبل أخرجه مسلم والبخاري وهذا كله خرج مخرج التشريف لمن كنى عنه ترغيبا لمن خوطب به الرابعة يجب على المستقرض رد القرض لأن الله تعالى بين أن من أنفق في سبيل الله لا يضيع عند الله تعالى بل يرد الثواب قطعا وأبهم الجزاء وفي الخبر : ( النفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبعمائة ضعف وأكثر ( على ما يأتي بيانه في هذه السورة عند قوله تعالى : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل الآية وقال ها هنا : ( فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) وهذا لا نهاية له ولا حد الخامسة ثواب القرض عظيم لأن فيه توسعة على المسلم وتفريجا عنه خرج بن ماجة في سننه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوبا الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر فقلت لجبريل : ما بال القرض أفضل من الصدقة قال لأن السائل يسأل وعنده والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة ( قال حدثنا محمد بن خلف العسقلاني حدثنا يعلى حدثنا سليمان بن يسير عن قيس بن رومي قال : كان سليمان بن أذنان يقرض علقمة ألف درهم إلى عطائه فلما خرج عطاؤه تقاضاها منه واشتد عليه فقضاه فكان علقمة غضب فمكث أشهرا ثم أتاه فقال : أقرضني ألف درهم إلى عطائي قال نعم وكرامة يا أم عتبة هلمي تلك الخريطة المختومة التي عندك قال : فجاءت بها فقال : أما والله إنها لدراهمك التي قضيتني ما حركت منها درهما واحدا قال : فلله أبوك ما حملك على ما فعلت بي قال : ما سمعت منك قال : ما سمعت مني قال : سمعتك تذكر عن بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقتها مرة ( قال : كذلك أنبأني بن مسعود السادسة قرض الآدمي للواحد واحد أي يرد عليه مثل ما أقرضه وأجمع أهل العلم على أن استقراض الدنانير والدراهم والحنطة والشعير والتمر والزبيب وكل ماله مثل من سائر الأطعمة جائز وأجمع المسلمون نقلا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أن اشتراط الزيادة في السلف ربا ولو كان قبضة من علف كما قال بن مسعود أو حبة واحدة ويجوز أن يرد أفضل مما يستلف إذا لم يشترط ذلك عليه لأن ذلك من باب المعروف إستدلالا بحديث أبي هريرة في البكر : ( إن خياركم أحسنكم قضاء ( رواه الأئمة : البخاري ومسلم وغيرهما فأثنى صلى الله عليه وسلم على من أحسن القضاء وأطلق ذلك ولم يقيده بصفة وكذلك قضى هو صلى الله عليه وسلم في البكر وهو الفتى المختار من الإبل جملا خيارا رباعيا والخيار : المختار والرباعي هو الذي دخل في السنة الرابعة لأنه يلقي فيها رباعيته وهي التي تلي الثنايا وهي أربع رباعيات مخففة الباء وهذا الحديث دليل على جواز قرض الحيوان وهو مذهب الجمهور ومنع من ذلك أبو حنيفة وقد تقدم السابعة ولا يجوز أن يهدي من استقرض هدية للمقرض ولا يحل للمقرض قبولها إلا أن يكون عادتهما ذلك بهذا جاءت السنة : خرج بن ماجة حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا إسماعيل بن عياش حدثنا عتبة بن حميد الضبي عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي قال سألت أنس بن مالك عن الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدي إليه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أقرض أحدكم أخاه قرضا فأهدى له أو حمله على دابته فلا يقبلها ولا يركبها إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك ( الثامنة القرض يكون من المال وقد بينا حكمه ويكون من العرض وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته قال اللهم إني قد تصدقت بعرضي على عبادك ( وروي عن بن عمر : أقرض من عرضك ليوم فقرك يعني من سبك فلا تأخذ منه حقا ولا تقم عليه حدا حتى تأتي يوم القيامة موفر الأجر وقال أبو حنيفة : لايجوز التصدق بالعرض لأنه حق الله تعالى وروي عن مالك بن العربي : وهذا فاسد قال عليه السلام في الصحيح : ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ( الحديث وهذا يقتضي أن تكون هذه المحرمات الثلاث تجري مجرى واحدا في كونها باحترامها حقا للأدمي التاسعة قوله تعالى : ( حسنا ) قال الواقدي : محتسبا طيبة به نفسه وقال عمرو بن عثمان الصدفي : لا يمن به ولا يؤذي وقال سهل بن عبد الله : لا يعتقد في قرضه عوضا العاشرة قوله تعالى : ( فيضاعفه له ) قرأ عاصم وغيره فيضاعفه بالألف ونصب الفاء وقرأ بن عامر ويعقوب بالتشديد في العين مع سقوط الألف ونصب الفاء وقرأ بن كثير وأبو جعفر وشيبة بالتشديد ورفع الفاء وقرأ الآخرون بالألف ورفع الفاء فمن رفعه نسقه على قوله : يقرض وقيل : على تقدير هو يضاعفه ومن نصب فجوابا للأستفهام بالفاء وقيل : بإضمار إن والتشديد والتخفيف لغتان دليل التشديد أضعافا كثيرة لأن التشديد للتكثير وقال الحسن والسدي : لا نعلم هذا التضعيف إلا لله وحده لقوله تعالى : ويؤت من لدنه أجرا عظيما قال أبو هريرة : هذا في نفقة الجهاد وكنا نحسب والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا نفقة الرجل على نفسه ورفقائه وظهره بألفي ألف الحادية عشرة قوله تعالى : ( والله يقبض ويبسط ) هذا عام في كل شيء فهو القابض الباسط وقد أتينا عليهما في شرح الاسماء الحسنى في الكتاب الأسنى وإليه ترجعون ) وعيد فيجازي كلا بعمله < <

قسم V03/P242–V03/P244

البقرة : ( 246 ) ألم تر إلى . . . . . > > < > ( 246 ) < > ذكر في التحريض على القتال قصة أخرى جرت في بني إسرائيل والملأ : الأشراف من الناس كأنهم ممتلئون شرفا وقال الزجاج : سموا بذلك لأنهم ممتلئون مما يحتاجون إليه منهم والملأ في هذه الآية القوم لأن المعنى يقتضيه والملأ : اسم للجمع كالقوم والرهط والملأ أيضا : حسن الخلق ومنه الحديث ( أحسنوا الملأ فكلكم سيروى ( خرجه مسلم قوله تعالى : ( من بعد موسى ) أي من بعد وفاته ( إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا ) قيل : هو شموئيل بن بال بن علقمة ويعرف بابن العجوز ويقال فيه : شمعون قاله السدي : وإنما قيل : بن العجوز لأن أمه كانت عجوزا فسألت الله الولد وقد كبرت وعقمت فوهبه الله تعالى لها ويقال له : سمعون لأنها دعت الله أن يرزقها الولد فسمع دعاءها فولدت غلاما فسمته سمعون تقول : سمع الله دعائي والسين تصير شينا بلغة العبرانية وهو من ولد يعقوب وقال مقاتل : هو من نسل هارون عليه السلام وقال قتادة : هو يوشع بن نون قال بن عطية : وهذا ضعيف لأن مدة داؤد هي من بعد موسى بقرون من الناس ويوشع هو فتى موسى وذكر المحاسبي أن اسمه إسماعيل والله أعلم وهذه الآية هي خبر عن قوم من بني إسرائيل نالتهم ذلة وغلبة عدو فطلبوا الإذن في الجهاد وأن يؤمروا به فلما أمروا كع أكثرهم وصبر الأقل فنصرهم الله وفي الخبر أن هؤلاء المذكورين هم الذين أميتوا ثم أحيوا والله أعلم قوله تعالى : ( نقاتل ) بالنون والجزم وقراءة جمهور القراء على جواب الأمر وقرأ الضحاك وبن أبي عبلة بالياء ورفع الفعل فهو في موضع الصفة للملك قوله تعالى : ( قال هل عسيتم ) وعسيتم بالفتح والكسر لغتان وبالثانية قرأ نافع والباقون بالأولى وهي الأشهر قال أبو حاتم : وليس للكسر وجه وبه قرأ الحسن وطلحة قال مكي في اسم الفاعل : عس فهذا يدل على كسر السين في الماضي والفتح في السين هي اللغة الفاشية قال أبو علي : ووجه الكسر قول العرب : هو عس بذلك مثل حر وشج وقد جاء فعل وفعل في نحو نعم ونعم وكذلك عسيت وعسيت فإن أسند الفعل إلى ظاهر فقياس عسيتم أن يقال : عسى زيد مثل رضي زيد فإن قيل فهو القياس وإن لم يقل فسائغ أن يؤخذ باللغتين فتستعمل إحداهما موضع الأخرى ومعنى هذه المقالة : هل أنتم قريب من التولي والفرار ( إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ) قال الزجاج : ألا تقاتلوا في موضع نصب أي هل عسيتم مقاتلة ( قالوا ومالنا ألا نقاتل في سبيل الله ) قال الأخفش : أن زائدة وقال الفراء : هو محمول على المعنى أي وما منعنا كما تقول : ما لك ألا تصلي أي ما منعك وقيل : المعنى وأي شيء لنا في ألا نقاتل في سبيل الله قال النحاس : وهذا أجودها وأن في موضع نصب ( وقد أخرجنا من ديارنا ) تعليل وكذلك ( وأبنائنا ) أي بسبب ذرارينا قوله تعالى : ( فلما كتب عليهم ) أي فرض عليهم ( القتال تولوا ) أخبر تعالى أنه لما فرض عليهم القتال ورأوا الحقيقة ورجعت أفكارهم إلى مباشرة الحرب وأن نفوسهم ربما قد تذهب تولوا أي اضطربت نياتهم وفترت عزائمهم وهذا شأن الأمم المتنعمة المائلة إلى الدعة تتمنى الحرب أوقات الأنفة فإذا حضرت الحرب كعت وانقادت لطبعها وعن هذا المعنى نهى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا ( رواه الأئمة ثم أخبر الله تعالى عن قليل منهم أنهم ثبتوا على النية الأولى واستمرت عزيمتهم على القتال في سبيل الله تعالى < <

قسم V03/P244

البقرة : ( 247 ) وقال لهم نبيهم . . . . . > > < > ( البقره 247 ) <

قسم V03/P244–V03/P246

> قوله تعالى : ( وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ) أي أجابكم إلى ما سألتم وكان طالوت سقاء وقيل : دباغا وقيل : مكاريا وكان عالما فلذلك رفعه الله على ما يأتي : وكان من سبط بنيامين ولم يكن من سبط النبوة ولا من سبط الملك وكانت النبوة في بني لاوي والملك في سبط يهوذا فلذلك أنكروا قال وهب بن منبه : لما قال الملأ من بني إسرائيل لشموئيل بن بال ما قالوا سأل الله تعالى أن يبعث إليهم ملكا ويدله عليه فقال الله تعالى له : أنظر إلى القرن الذي فيه الدهن في بيتك فإذا دخل عليك رجل فنش الدهن الذي في القرن فهو ملك بني إسرائيل فادهن رأسه منه وملكه عليهم قال : وكان طالوت دباغا فخرج في ابتغاء دابة أضلها فقصد شمويل عسى أن يدعو له في أمر الدابة أو يجد عنده فرجا فنش الدهن على ما زعموا قال : فقام إليه شمويل فأخذه ودهن منه رأس طالوت وقال له : أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله تعالى بتقديمه ثم قال لبني إسرائيل : إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا وطالوت وجالوت اسمان أعجميان معربان ولذلك لم ينصرفا وكذلك داؤد والجمع طواليت وجواليت ودواويد ولو سميت رجلا بطاوس وراقود لصرفت وإن كان أعجميين والفرق بين هذا والأول أنك تقول : الطاوس فتدخل الألف واللام فيمكن في العربية ولا يمكن هذا في ذاك قوله تعالى : ( أنى يكون له الملك علينا ) أي كيف يملكنا ونحن أحق بالملك منه جروا على سنتهم في تعنيتهم الأنبياء وحيدهم عن أمر الله تعالى فقالوا : أنى أي من أي جهة ف أنى في موضع نصب على الظرف ونحن من سبط الملوك وهو ليس كذلك وهو فقير فتركوا السبب الأقوى وهو قدر الله تعالى وقضاؤه السابق حتى احتج عليهم نبيهم بقوله : ( إن الله اصطفاه ) أي اختاره وهو الحجة القاطعة وبين لهم مع ذلك تعليل اصطفاء طالوت وهو بسطته في العلم الذي هو ملاك الإنسان والجسم الذي هو معينه في الحرب وعدته عند اللقاء فتضمنت بيان صفة الإمام وأحوال الإمامة وأنها مستحقة بالعلم والدين والقوة لا بالنسب فلا حظ للنسب فيها مع العلم وفضائل النفس وأنها متقدمة عليه لأن الله تعالى أخبر أنه اختاره عليهم لعلمه وقوته وإن كانوا أشرف منتسبا وقد مضى في أول السورة من ذكر الإمامة وشروطها ما يكفي ويغني وهذه الآية أصل فيها قال بن عباس : كان طالوت يومئذ أعلم رجل في بني إسرائيل وأجمله وأتمه وزيادة الجسم مما يهيب العدو وقيل : سمى طالوت لطوله وقيل : زيادة الجسم كانت بكثرة معاني الخير والشجاعة ولم يرد عظم الجسم ألم تر إلى قول الشاعر : ترى الرجل النحيف فتزدريه وفي أثوابه أسد هصور ويعجبك الطرير فتبتليه فيخلف ظنك الرجل الطرير وقد عظم البعير بغير لب فلم يستغن بالعظم البعير قلت : ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم لأزواجه : ( أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا ( فكن يتطاولن فكانت زينب أولهن موتا لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق خرجه مسلم وقال بعض المتأولين : المراد بالعلم علم الحرب وهذا تخصيص العموم من غير دليل وقد قيل : زيادة العلم بأن أوحى الله إليه وعلى هذا كان طالوت نبيا وسيأتي قوله تعالى : ( والله يؤتي ملكه من يشاء ) ذهب بعض المتأولين إلى أن هذا من قول الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم وقيل : هو من قول شمويل وهو الأظهر قال لهم ذلك لما علم من تعنتهم وجدالهم في الحجج فأراد أن يتمم كلامه بالقطعي الذي لا اعتراض عليه فقال الله تعالى : والله يؤتي ملكه من يشاء وإضافة ملك الدنيا إلى الله تعالى إضافة مملوك إلى ملك ثم قال لهم على جهة التغبيط والتنبيه من غير سؤال منهم : إن آية ملكه ويحتمل أن يكونوا سألوه الدلالة على صدقه في قوله : إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قال بن عطية : والأول أظهر بمساق الآية والثاني أشبه بأخلاق بني إسرائيل الذميمة وإليه ذهب الطبري < <

قسم V03/P246

البقرة : ( 248 ) وقال لهم نبيهم . . . . . > > < > ( البقره 248 ) <

قسم V03/P246–V03/P249

> قوله تعالى : ( وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ) أي إتيان التابوت والتابوت كان من شأنه فيما ذكر أنه أنزله الله على آدم عليه السلام فكان عنده إلى أن وصل إلى يعقوب عليه السلام فكان في بني إسرائيل يغلبون به من قاتلهم حتى عصوا فغلبوا على التابوت غلبهم عليه العمالقة : جالوت وأصحابه في قول السدي وسلبوا التابوت منهم قلت : وهذا أدل دليل على أن العصيان سبب الخذلان وهذا بين قال النحاس : والآية في التابوت على ما روي أنه كان يسمع فيه أنين فإذا سمعوا ذلك ساروا لحربهم وإذا هدأ الأنين لم يسيروا ولم يسر التابوت وقيل : كانوا يضعونه في مأزق الحرب فلا تزال تغلب حتى عصوا فغلبوا وأخذ منهم التابوت وذل أمرهم فلما رأوا آية الاصطلام وذهاب الذكر أنف بعضهم وتكلموا في أمرهم حتى أجتمع ملؤهم أن قالوا لنبي الوقت : أبعث لنا ملكا فلما قال لهم : ملككم طالوت راجعوه فيه كما أخبر الله عنهم فلما قطعهم بالحجة سألوه البينة على ذلك في قول الطبري فلما سألوا نبيهم البينة على ما قال دعا ربه فنزل بالقوم الذين أخذوا التابوت داء بسببه على خلاف في ذلك قيل : وضعوه في كنيسة لهم فيها أصنام فكانت الأصنام تصبح منكوسة وقيل : وضعوه في بيت أصنامهم تحت الصنم الكبير فأصبحوا وهو فوق الصنم فأخذوه وشدوه إلى رجليه فأصبحوا وقد قطعت يدا الصنم ورجلاه وألقيت تحت التأبوت فأخذوه وجعلوه في قرية قوم فأصاب أولئك القوم أوجاع في أعناقهم وقيل : جعلوه في مخراة قوم فكانوا يصيبهم الباسور فلما عظم بلاؤهم كيفما كان قالوا : ما هذا إلا لهذا التابوت ( فلنرده إلى بني إسرائيل فوضعوه على عجلة بين ثورين وأرسلوهما في الأرض نحو بلاد بني إسرائيل وبعث الله ملائكة تسوق البقرتين حتى دخلتا على بني إسرائيل وهم في أمر طالوت فأيقنوا بالنصر وهذا هو حمل الملائكة للتابوت في هذه الرواية وروي أن الملائكة جاءت به تحمله وكان يوشع بن نون قد جعله في البرية فروى أنهم رأوا التأبوت في الهواء حتى نزل بينهم قاله الربيع بن خيثم وقال وهب بن منبه : كان قدر التابوت نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين الكلبي : وكان من عود شمسار الذي يتخذ منه الأمشاط وقرأ زيد بن ثابت التابوه وهي لغته والناس على قراءته بالتاء وقد تقدم وروي عنه التيبوت ذكره النحاس وقرأ حميد بن قيس يحمله يالياء قوله تعالى : ( فيه سكينة من ربكم وبقية ) اختلف الناس في السكينة والبقية فالسكينة فعيلة مأخوذة من السكون والوقار والطمأنينة فقوله فيه سكينة أي هو سبب سكون قلوبكم فيما اختلفتم فيه من أمر طالوت ونظيره فأنزل الله سكينته عليه أي أنزل عليه ما سكن ( به ) قلبه وقيل : أراد أن التابوت كان سبب سكون قلوبهم فأينما كانوا سكنوا إليه ولم يفروا من التابوت إذا كان معهم في الحرب وقال وهب بن منبه : السكينة روح من الله تتكلم فكانوا إذا اختلفوا في امر نطقت ببيان ما يريدون وإذا صاحت في الحرب كان الظفر لهم وقال علي بن أبي طالب : هي ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان وروي عنه أنه قال : هي ريح حجوج لها رأسان وقال مجاهد : حيوان كالهر له جناحان وذنب ولعينيه شعاع فإذا نظر إلى الجيش انهزم وقال بن عباس : طست من ذهب من الجنة كان يغسل فيه قلوب الأنبياء وقاله السدي وقال بن عطية : والصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم فكانت النفوس تسكن إلى ذلك وتأنس به وتقوى قلت : وفي صحيح مسلم عن البراء قال : كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوط بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدور وتدنو وجعل فرسه ينفر منها فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال : ( تلك السكينة تنزلت للقرآن ( وفي حديث أبي سعيد الخدري : أن أسيد بن الحضير بينما هو ليلة يقرأ في مربده الحديث وفيه : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تلك الملائكة كانت تستمع لك ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم ( خرجه البخاري ومسلم فأخبر صلى الله عليه وسلم عن نزول السكينة مرة ومرة عن نزول الملائكة فدل على أن السكينة كانت في تلك الظلة وأنها تنزل أبدا مع الملائكة وفي هذا حجة لمن قال إن السكينة روح أو شيء له روح لأنه لا يصح استماع القرآن إلا لمن يعقل والله أعلم قوله تعالى ( وبقية ) اختلف في البقية على أقوال فقيل : عصا موسى وعصا هارون ورضاض الألواح لأنها انكسرت حين ألقاها موسى قاله بن عباس زاد عكرمة التوراة وقال أبو صالح : البقية : عصا موسى وثيابه وثياب هارون ولوحان من التوراة وقال عطية بن سعد : هي عصا موسى و عصا ) هارون وثيابهما ورضاض الألواح وقال الثوري : من الناس من يقول البقية قفيزا من في طست من ذهب وعصا موسى وعمامة هارون ورضاض الألواح ومنهم من يقول : العصا والنعلان ومعنى هذا ما روي من أن موسى لما جاء قومه بالألواح فوجدهم قد عبدوا العجل القى الألواح غضبا فتكسرت فنزع منها ما كان صحيحا وأخذ رضاض ما تكسر فجعله في التابوت وقال الضحاك البقية : الجهاد وقتال الأعداء قال بن عطية : أي الأمر بذلك في التابوت أما أنه مكتوب فيه وإما أن نفس الإتيان به ( هو ) كالأمر بذلك وأسند الترك إلى ( آل ) موسى وآل ) هارون من حيث كان الأمر مندرجا من قوم إلى قوم وكلهم آل موسى وآل هارون وآل الرجل قرابته وقد تقدم < <

قسم V03/P249

البقرة : ( 249 ) فلما فصل طالوت . . . . . > > < > ( البقره 249 ) <

قسم V03/P249–V03/P255

> فيه أحدى عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( فلما فصل طالوت بالجنود ) فصل معناه خرج بهم فصلت الشيء فانفصل أي قطعته فانقطع قال وهب بن منبه : فلما فصل طالوت قالوا له إن المياه لا تحملنا فادع الله أن يجري لنا نهرا فقال لهم طالوت : إن الله مبتليكم بنهر وكان عدد الجنود في قول السدي ثمانين ألفا ( وقال وهب ) : لم يتخلف عنه إلا ذو عذر من صغر أو كبر أو مرض والابتلاء الإختبار والنهر والنهر لغتان واشتقاقه من السعة ومنه النهار وقد تقدم قال قتادة : النهر الذي ابتلاهم الله به هو نهر بين الأردن وفلسطين وقرأ الجمهور بنهر بفتح الهاء وقرأ مجاهد وحميد الأعرج بنهر باسكان الهاء ومعنى هذا الإبتلاء أنه اختبار لهم فمن ظهرت طاعته في ترك الماء علم أنه مطيع فيما عدا ذلك ومن غلبته شهوته ( في الماء ) وعصى الأمر فهو في العصيان في الشدائد أحرى فروي أنهم أتوا النهر وقد نالهم عطش وهو في غاية العذوبة والحسن فلذلك رخص للمطيعين في الغرفة ليرتفع عنهم أذى العطش بعض الإرتفاع وليكسروا نزاع النفس في هذه الحال وبين أن الغرفة كافة ضرر العطش عند الحزمة الصابرين على شظف العيش الذين همهم في غير الرفاهية كما قال عروة : وأحسوا قراح الماء والماء بارد قلت : ومن هذا المعنى قوله عليه السلام : ( حسب المرء لقيمات يقمن صلبه ( وقال بعض من يتعاطى غوامض المعاني : هذه الآية مثل ضربه الله للدنيا فشبهها الله بالنهر والشارب منه والمائل إليها والمستكثر منها والتارك لشربه بالمنحرف عنها والزاهد فيها والمغترف بيده غرفة بالآخذ منها قدر الحاجة وأحوال الثلاثة عند الله مختلفة قلت : ما أحسن هذا لولا ما فيه من التحريف في التأويل والخروج عن الظاهر لكن معناه صحيح من غير هذا الثانية استدل من قال إن طالوت كان نبيا بقوله : إن الله مبتليكم وأن الله أوحى إليه بذلك وألهمه وجعل الإلهام ابتلاء من الله لهم ومن قال لم يكن نبيا قال : أخبره نبيهم شمويل بالوحي حين أخبر طالوت قومه بهذا وإنما وقع هذا الإبتلاء ليتميز الصادق من الكاذب وقد ذهب قوم إلى أن عبد الله بن حذافة السهمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمر أصحابه بإيقاد النار والدخول فيها تجربة لطاعتهم لكنه حمل مزاحه على تخشين الأمر الذي كلفهم وسيأتي بيانه في النساء إن شاء الله تعالى الثالثة قوله تعالى : ( فمن شرب منه فليس مني ) شرب قيل معناه كرع ومعنى فليس مني أي ليس من أصحابي في هذه الحرب ولم يخرجهم بذلك عن الإيمان قال السدي : كانوا ثمانين ألفا ولا محالة أنه كان فيهم المؤمن والمنافق والمجد والكسلان وفي الحديث ( من غشنا فليس منا ( أي ليس من أصحابنا ولا على طريقتنا وهدينا قال : إذا حاولت في أسد فجورا فإني لست منك ولست مني وهذا مهيع في كلام العرب يقول الرجل لابنه إذا سلك غير أسلوبه : لست مني الرابعة قوله تعالى : ( ومن لم يطعمه فانه مني ) يقال : طعمت الشيء أي ذقته وأطعمته الماء أي أذقته ولم يقل ومن لم يشربه لأن من عادة العرب إذا كرروا شيئا أن يكرروه بلفظ آخر ولغة القرآن افصح اللغات فلا عبرة بقدح من يقول : لا يقال طعمت الماء الخامسة استدل علماؤنا بهذا على القول بسد الذرائع لأن أدنى الذوق يدخل في لفظ الطعم فإذا وقع النهي عن الطعم فلا سبيل إلى وقوع الشرب ممن يتجنب الطعم ولهذه المبالغة لم يأت الكلام ومن لم يشرب منه السادسة لما قال تعالى : ( ومن لم يطعمه ) دل على أن الماء طعام وإذا كان طعاما كان قوتا لبقائه واقتيات الأبدان به فوجب أن يجري فيه الربا قال بن العربي : وهو الصحيح من المذهب قال أبو عمر قال مالك : لا بأس ببيع الماء على الشط بالماء متفاضلا وإلى أجل وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد بن الحسن : هو مما يكال ويوزن فعلى هذا القول لا يجوز عنده التفاضل وذلك عنده فيه ربا لأن علته في الربا الكيل والوزن وقال الشافعي : لا يجوز بيع الماء متفاضلا ولا يجوز فيه ألاجل وعلته في الربا أن يكون مأكولا جنسا السابعة قال بن العربي قال أبو حنيفة : من قال إن شرب عبدي فلان من الفرات فهو حر فلا يعتق إلا أن يكرع فيه والكرع أن يشرب الرجل بفيه من النهر فإن شرب بيده أو اغترف بالإناء منه لم يعتق لأن الله سبحانه وتعالى فرق بين الكرع في النهر وبين الشرب باليد قال : وهذا فاسد لأن شرب الماء يطلق على كل هيئة وصفة في لسان العرب من غرف باليد أو كرع بالفم انطلاقا واحدا فإذا وجد الشرب المحلوف عليه لغة وحقيقة حنث فاعلمه قلت : قول أبي حنيفة أصح فإن أهل اللغة فرقوا بينهما كما فرق الكتاب والسنة قال الجوهري وغيره : وكرع في الماء كروعا إذا تناوله بفيه من موضعه من غير أن يشرب بكفيه ولا بإناء وفيه لغة أخرى كرع بكسر الراء ( يكرع ) كرعا والكرع : ماء السماء يكرع فيه وأما السنة فذكر بن ماجة في سننه : حدثنا واصل بن عبد الأعلى حدثنا بن فضيل عن ليث عن سعيد بن عامر عن بن عمر قال : مررنا على بركة فجعلنا نكرع فيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تكرعوا ولكن اغسلوا أيديكم ثم أشربوا فيها فإنه ليس إناء أطيب من اليد ( وهذا نص وليث بن أبي سليم خرج له مسلم وقد ضعف الثامنة قوله تعالى : ( إلا من اغترف غرفة بيده ) الإغتراف : الأخذ من الشيء باليد وبآلة ومنه المغرفة والغرف مثل الإغتراف وقريء غرفة بفتح الغين وهي مصدر ولم يقل اغترافة لأن معنى الغرف والاغتراف واحد والغرفة المرة الواحدة وقريء غرفة بضم الغين وهي الشيء المغترف وقال بعض المفسرين : الغرفة بالكف الواحد والغرفة بالكفين وقال بعضهم : كلاهما لغتان بمعنى واحد وقال علي رضي الله عنه : الأكف أنظف الآنية ومنه قول الحسن : لايدلفون إلى ماء بآنية إلا إغترافا من الغدران بالراح الدليف : المشي الرويد قلت : ومن أراد الحلال الصرف في هذه الأزمان دون شبهة ولا إمتراء ولا ارتياب فليشرب بكفيه الماء من العيون والأنهار المسخرة بالجريان أناء الليل وآناء ) النهار مبتغيا بذلك من الله كسب الحسنات ووضع الأوزار واللحوق بالأئمة الأبرار قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من شرب بيده وهو يقدر على إناء يريد به التواضع كتب الله له بعدد أصابعه حسنات وهو إناء عيسى بن مريم عليهما السلام إذ طرح القدح فقال أف هذا مع الدنيا ( خرجه بن ماجة من حديث بن عمر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشرب على بطوننا وهو الكرع ونهانا أن نغترف باليد الواحدة وقال : ( لا يلغ أحدكم كما يلغ الكلب ولا يشرب باليد الواحدة كما يشرب القوم الذين سخط الله عليهم ولا يشرب بالليل في إناء حتى يحركه إلا أن يكون إناء مخمرا ومن شرب بيده وهو يقدر على إناء ( الحديث كما تقدم وفي إسناده بقية بن الوليد قال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به وقال أبو زرعة : إذا حدث بقية عن الثقات فهو ثقة التاسعة : قوله تعالى : ( فشربوا منه إلا قليلا منهم ) قال بن عباس : شربوا على قدر يقينهم فشرب الكفار شرب الهيم وشرب العاصون دون ذلك وأنصرف من القوم ستة وسبعون ألفا وبقي بعض المؤمنين لم يشرب شيئا وأخذ بعضهم الغرفة فأما من شرب فلم يرو بل برح به العطش وأما من ترك الماء فحسنت حاله وكان أجلد ممن أخذ الغرفة العاشرة قوله تعالى : ( فلما جاوزه هو ) الهاء تعود على النهر وهو توكيد والذين ) في موضع رفع عطفا على المضمر في جاوزه يقال : جاوزت المكان مجاوزة وجوازا والمجاز في الكلام ما جاز في الإستعمال ونفذ واستمر على وجهه قال بن عباس والسدي : جاز معه في النهر أربعة الآف رجل فيهم من شرب فلما نظروا إلى جالوت وجنوده وكانوا مائة ألف كلهم شاكون في السلاح رجع منهم ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون فعلى هذا القول قال المؤمنون الموقنون بالبعث والرجوع إلى الله تعالى عند ذلك وهم عدة أهل بدر : كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله وأكثر المفسرين : على أنه إنما جاز معه النهر من لم يشرب جملة فقال بعضهم : كيف نطيق العدو مع كثرتهم ( فقال أولوا العزم منهم : كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله قال البراء بن عازب : كنا نتحدث أن عدة أهل بدر كعدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا وفي رواية : وثلاثة عشر رجلا وما جاز معه إلا مؤمن الحادية عشرة قوله تعالى : ( قال الذين يظنون ) والظن هنا بمعنى اليقين ويجوز أن يكون شكا لا علما أي قال الذين يتوهمون أنهم يقتلون مع طالوت فيلقون الله شهداء فوقع الشك في القتل قوله تعالى : ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ) الفئة : الجماعة من الناس والقطعة منهم من فاوت رأسه بالسيف وفأيته أي قطعته وفي قولهم رضي الله عنهم : كم من فئة قليلة الآية تحريض على القتال وإستشعار للصبر واقتداء بمن صدق ربه قلت : هكذا يجب علينا نحن أن نفعل لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة منعت من ذلك حتى ينكسر العدد الكبير منا قدام اليسير من العدو كما شاهدناه غير مرة وذلك بما كسبت أيدينا وفي البخاري : قال أبو الدرداء : إنما تقاتلون بأعمالكم وفيه مسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم ( فالأعمال فاسدة والضعفاء مهملون والصبر قليل والاعتماد ضعيف والتقوى زائلة قال الله تعالى : اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله وقال : وعلى الله فتوكلوا وقال : إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وقال : ولينصرن الله من ينصره وقال : إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون فهذه أسباب النصر وشروطه وهي معدومة عندنا غير موجودة فينا فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحل بنا ( بل لم يبق من الإسلام إلا ذكره ولا من الدين إلا رسمه لظهور الفساد ولكثرة الطغيان وقلة الرشاد حتى استولى العدو شرقا وغربا برا وبحرا وعمت الفتن وعظمت المحن ولا عاصم إلا من رحم < <

قسم V03/P255

البقرة : ( 250 ) ولما برزوا لجالوت . . . . . > > < > ( 250 ) < > برزوا صاروا في البراز وهو الأفيح من الأرض المتسع وكان جالوت أمير العمالقة وملكهم ظله ميل ويقال أن البربر من نسله وكان فيما روي في ثلاثمائة ألف فارس وقال عكرمة : في تسعين ألفا ولما رأى المؤمنون كثرة عدوهم تضرعوا إلى ربهم وهذا كقوله : وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير إلى قوله : وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا الآية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقي العدو يقول في القتال : ( اللهم بك أصول وأجول ( وكان صلى الله عليه وسلم يقول إذا لقي العدو : ( اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم ( ودعا يوم بدر حتى سقط رداؤه عن منكبيه يستنجز الله وعده على ما يأتي بيانه في آل عمران إن شاء الله تعالى < < البقرة : ( 251 ) فهزموهم بإذن الله . . . . . > > < > ( البقره 251 ) <

قسم V03/P255–V03/P260

> قوله تعالى : ( فهزموهم بإذن الله ) أي فأنزل الله عليهم النصر فهزموهم : فكسروهم والهزم الكسر ومنه سقاء متهزم أي إنثنى بعضه على بعض مع الجفاف ومنه ما قيل في زمزم : إنها هزمة جبريل أي هزمها جبريل برجله فخرج الماء والهزم : ما تكسر من يابس الحطب قوله تعالى : ( وقتل داؤد جالوت ) وذلك أن طالوت الملك اختاره من بين قومه لقتال جالوت وكان رجلا قصيرا مسقاما مصفارا أصغر أزرق وكان جالوت من أشد الناس وأقواهم وكان يهزم الجيوش وحده وكان قتل جالوت وهو رأس العمالقة على يده وهو داؤد بن ايشي بكسر الهمزة ويقال : داؤد بن زكريا بن رشوي وكان من سبط يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام وكان من أهل بيت المقدس جمع له بين النبوة والملك بعد أن كان راعيا وكان أصغر أخوته وكان يرعى غنما وكان له سبعة أخوة في اصحاب طالوت فلما حضرت الحرب قال في نفسه : لأذهبن إلى رؤية هذه الحرب فلما نهض في طريقه مر بحجر فناداه : يا داود خذني فبي تقتل جالوت ثم ناداه حجر آخر ثم آخر فأخذها وجعلها في مخلاته وسار فخرج جالوت يطلب مبارزا فكع الناس عنه حتى قال طالوت : من يبرز إليه ويقتله فأنا أزوجه ابنتي وأحكمه في مالي فجاء داؤد عليه السلام فقال : أنا أبرز إليه وأقتله فازدراه طالوت حين رآه لصغر سنه وقصره فرده وكان داؤد أزرق قصيرا ثم نادى ثانية وثالثة فخرج داؤد فقال طالوت له : هل جربت نفسك بشيء قال نعم قال بماذا قال : وقع ذئب في غنمي فضربته ثم أخذت رأسه فقطعته من جسده قال طالوت : الذئب ضعيف هل جربت نفسك في غيره قال : نعم دخل الأسد في غنمي فضربته ثم أخذت بلحييه فشققتهما أفترى هذا أشد من الأسد قال لا وكان عند طالوت درع لا تستوي إلا على من يقتل جالوت فأخبره بها وألقاها عليه فاستوت فقال طالوت : فاركب فرسي وخذ سلاحي ففعل فلما مشى قليلا رجع فقال الناس : جبن الفتى فقال داؤد : إن الله إن لم يقتله لي ويعني عليه لم ينفعني هذا الفرس ولا هذا السلاح ولكني أحب أن أقاتله على عادتي قال : وكان داؤد من أرمى الناس بالمقلاع فنزل وأخذ مخلاته فتقلدها وأخذ مقلاعه وخرج إلى جالوت وهو شاك في سلاحه على رأسه بيضة فيها ثلاثمائة رطل فيما ذكر الماوردي وغيره فقال له جالوت : أنت يا فتى تخرج إلي قال نعم قال : هكذا كما تخرج إلى الكلب قال نعم وأنت أهون قال : لأطعمن لحمك اليوم للطير والسباع ثم تدانيا وقصد جالوت أن يأخذ داؤد بيده استخفافا به فأدخل داؤد يده إلى الحجارة فروي أنه التأمت فصارت حجرا واحدا فأخذه فوضعه في المقلاع وسمى الله وأداره ورماه فأصاب به رأس جالوت فقتله وحز رأسه وجعله في مخلاته واختلط الناس وحمل أصحاب طالوت فكانت الهزيمة وقد قيل : إنما أصاب بالحجر من البيضة موضع أنفه وقيل : عينه وخرج من قفاه وأصاب جماعة من عسكره فقتلهم وقيل إن الحجر تفتت حتى أصاب كل من في العسكر شيء منه وكان كالقبضة التي رمى بها النبي صلى الله عليه وسلم هوازن يوم حنين والله أعلم وقد أكثر الناس في قصص هذه الآي وقد ذكرت لك منها المقصود والله المحمود قلت : وفي قول طالوت : من يبرز له ويقتله فأني أزوجه ابنتي وأحكمه في مالي معناه ثابت في شرعنا وهو أن يقول الإمام : من جاء برأس فله كذا أو أسير فله كذا على ما يأتي بيانه في الأنفال إن شاء الله تعالى وفيه دليل على أن المبارزة لا تكون إلا بإذن الإمام كما يقوله أحمد واسحاق وغيرهما واختلف فيه عن الأوزاعي فحكي عنه أنه قال : لا يحمل أحد إلا بإذن إمامه وحكي عنه أنه قال : لا بأس به فإن نهى الإمام عن البراز فلا يبارز أحد إلا بإذنه وأباحت طائفة البراز ولم تذكر بإذن الإمام ولا بغير إذنه هذا قول مالك سئل مالك عن الرجل يقول بين الصفين : من يبارز \ فقال : ذلك إلى نيته إن كان يريد بذلك الله فأرجو ألا يكون به بأس قد كان يفعل ذلك فيما مضى وقال الشافعي : لا بأس بالمبارزة قال بن المنذر : المبارزة بإذن الإمام حسن وليس على من بارز بغير إذن الإمام حرج وليس ذلك بمكروه لأني لا أعلم خبرا يمنع منه ( وآتاه الله الملك والحكمة ) قال السدي : أتاه الله ملك طالوت ونبوة شمعون والذي علمه هو صنعة الدروع ومنطق الطير وغير ذلك من انواع ما علمه صلى الله عليه وسلم وقال بن عباس : هو أن الله أعطاه سلسلة موصولة بالمجرة والفلك ورأسها عند صومعة داؤد فكان لا يحدث في الهواء حدث إلا صلصلت السلسلة فيعلم داؤد ما حدث ولا يمسها ذو عاهة إلا بريء وكانت علامة دخول قومه في الدين أن يمسوها بأيديهم ثم يمسحون أكفهم على صدورهم وكانوا يتحاكمون إليها بعد داؤد عليه السلام إلى أن رفعت قوله تعالى : ( مما يشاء ) أي مما شاء وقد يوضع المستقبل موضع الماضي وقد تقدم قوله تعالى : ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين ) فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ) كذا قراءة الجماعة إلا نافعا فإنه قرأ دفاع ويجوز أن يكون مصدرا لفعل كما يقال : حسبت الشيء حسابا وآب آيابا ولقيته لقاء ومثله كتبه كتابا ومنه كتاب الله عليكم النحاس : وهذا حسن فيكون دفاع ودفع مصدرين لدفع وهو مذهب سيبويه وقال أبو حاتم : دافع ودفع بمعنى واحد مثل طرقت النعل وطارقت أي خصفت إحداهما فوق الأخرى والخصف : الخرز واختار أبو عبيدة قراءة الجمهور ولولا دفع الله وأنكر أن يقرأ دفاع وقال : لأن الله عز وجل لا يغالبه أحد قال مكي : هذا وهم توهم فيه باب المفاعلة وليس به واسم الله في موضع رفع بالفعل أي لولا أن يدفع الله ودفاع مرفوع بالإبتداء عند سيبويه الناس مفعول بعضهم بدل من الناس ببعض في موضع المفعول الثاني عند سيبويه وهو عنده مثل قولك : ذهبت بزيد فزيد في موضع مفعول فاعلمه الثانية واختلف العلماء في الناس المدفوع بهم الفساد من هم فقيل هم الأبدال وهم أربعون رجلا كلما مات واحد بدل الله آخر فإذا كان عند القيامة ماتوا كلهم إثنان وعشرون منهم بالشام وثمانية عشر بالعراق وروي عن علي رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الأبدال يكونون بالشام وهم أربعون رجلا كلما مات منهم رجل أبدل الله مكانه رجلا يسقي بهم الغيث وينصر بهم على الأعداء ويصرف بهم عن أهل الأرض البلاء ( ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول وخرج أيضا عن أبي الدرداء قال : إن الأنبياء كانوا أوتاد الأرض فلما انقطعت النبوة أبدل الله مكانهم قوما من امة محمد صلى الله عليه وسلم يقال لهم الأبدال لم يفضلوا الناس بكثرة صوم ولا صلاة ولكن بحسن الخلق وصدق الورع وحسن النية وسلامة القلوب لجميع المسلمين والنصيحة لهم ابتغاء مرضاة الله بصبر وحلم ولب وتواضع في غير مذلة فهم خلفاء الأنبياء قوم اصطفاهم الله لنفسه واستخلصهم بعلمه لنفسه وهم اربعون صديقا منهم ثلاثون رجلا على مثل يقين إبراهيم خليل الرحمن يدفع الله بهم المكاره عن أهل الأرض والبلايا عن الناس وبهم يمطرون ويرزقون لا يموت الرجل منهم حتى يكون الله قد أنشأ من يخلفه وقال بن عباس : ولولا دفع الله العدو بجنود المسلمين لغلب المشركون فقتلوا المؤمنين وخربوا البلاد والمساجد وقال سفيان الثوري : هم الشهود الذين تستخرج بهم الحقوق وحكى مكي أن أكثر المفسرين على أن المعنى : لولا أن الله يدفع بمن يصلي عمن لا يصلي وبمن يتقي عمن لا يتقي لأهلك الناس بذنوبهم وكذا ذكر النحاس والثعلبي أيضا ( قال الثعلبي ) وقال سائر المفسرين : ولولا دفاع الله المؤمنين الأبرار عن الفجار والكفار لفسدت الأرض أي هلكت وذكر حديثا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله يدفع العذاب بمن يصلى من أمتي عمن لا يصلي وبمن يزكي عمن لا يزكي وبمن يصوم عمن لا يصوم وبمن يحج عمن لا يحج وبمن يجاهد عمن لا يجاهد ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء ما أنظرهم الله طرفة عين ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن لله ملائكة تنادي كل يوم لولا عباد ركع وأطفال رضع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا ( خرجه أبو بكر الخطيب بمعناه من حديث الفضيل بن عياض حدثنا منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لولا فيكم رجال خشع وبهائم رتع وصبيان رضع لصب العذاب على المؤمنين صبا ( أخذ بعضهم هذا المعنى فقال : لولا عباد للإله ركع وصبية من اليتامى رضع ومهملات في الفلاة رتع صب عليكم العذاب الأوجع وروى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله ليصلح بصلاح الرجل ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم ( وقال قتادة : يبتلي الله المؤمن بالكافر ويعافي الكافر بالمؤمن وقال بن عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الله ليدفع بالمؤمن الصالح عن مائة من أهل بيته وجيرانه البلاء ( ثم قرأ بن عمر ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض وقيل : هذا الدفع بما شرع على ألسنة الرسل من الشرائع ولولا ذلك لتسالب الناس وتناهبوا وهلكوا وهذا قول حسن فإنه عموم في الكف والدفع وغير ذلك فتأمله ( ولكن الله ذو فضل على العالمين ) بين سبحانه أن دفعه بالمؤمنين شر الكافرين فضل منه ونعمة <

قسم V03/P260

> ( البقره 252 ) < > ( تلك ) ابتداء ( آيات الله ) خبره وإن شئت كان بدلا والخبر ( نتلوها عليك بالحق ) ( وإنك لمن المرسلين ) خبر إن أي وإنك لمرسل نبه الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن هذه الآيات التي تقدم ذكرها لا يعلمها إلا نبي مرسل < < البقرة : ( 253 ) تلك الرسل فضلنا . . . . . > > < > ( البقرة 253 ) <

قسم V03/P260–V03/P264

> قوله تعالى ( تلك الرسل ) قال : تلك ولم يقل : ذلك مراعاة لتأنيث لفظ الجماعة وهي رفع بالابتداء والرسل نعته وخبر الإبتداء الجملة وقيل : الرسل عطف بيان و فضلنا ) الخبر وهذه آية مشكلة والأحاديث ثابتة بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تخيروا بين الأنبياء ( ولا تفضلوا بين أنبياء الله ( رواها الأئمة الثقات أي لا تقولوا : فلان خير من فلان ولا فلان أفضل من فلان يقال : خير فلان بين فلان وفلان وفضل ( مشددا ) إذا قال ذلك وقد اختلف العلماء في تأويل هذا المعنى فقال قوم : إن هذا كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل وقبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل وقال بن قتيبة : إنما أراد بقوله ( أنا سيد ولد آدم ( يوم القيامة لأنه الشافع يومئذ وله لواء الحمد والحوض وأراد بقوله : ( لا تخيروني على موسى ( على طريق التواضع كما قال أبو بكر : وليتكم ولست بخيركم وكذلك معنى قوله : ( لا يقل أحد أنا خير من يونس بن متى ( على معنى التواضع وفي قوله تعالى : ولا تكن كصاحب الحوت ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منه لأن الله تعالى يقول : ولا تكن مثله فدل على أن قوله : ( لا تفضلوني عليه ( من طريق التواضع ويجوز أن يريد لا تفضلوني عليه في العمل فلعله أفضل عملا مني عملا ولا في البلوى والامتحان فإنه أعظم محنة مني وليس ما أعطاه الله لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم من السؤدد والفضل يوم القيامة على جميع الأنبياء والرسل بعمله بل بتفضيل الله إياه واختصاصه له وهذا التأويل اختاره المهلب ومنهم من قال : إنما نهى عن الخوض في ذلك لأن الخوض في ذلك ذريعة إلى الجدال وذلك يؤدي إلى أن يذكر منهم ما لا ينبغي أن يذكر ويقل احترامهم عند المماراة قال شيخنا : فلا يقال : النبي أفضل من الأنبياء كلهم ولا من فلان ولا خير كما هو ظاهر النهي لما يتوهم من النقص في المفضول لأن النهي اقتضى منع إطلاق اللفظ لا منع اعتقاد ذلك المعنى فإن الله تعالى أخبر بأن الرسل متفاضلون فلا تقول : نبينا خير من الأنبياء ولا من فلان النبي إجتنابا لما نهي عنه وتأدبا به وعملا باعتقاد ما تضمنه القرآن من التفضيل والله بحقائق الأمور عليم قلت : وأحسن من هذا قول من قال : إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينات وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل وإنما تتفاضل بأمور أخر زائدة عليها ولذلك منهم رسل وأولوا عزم ومنهم من أتخذ خليلا ومنهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات قال الله تعالى : ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داؤد زبورا وقال : تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض قلت : وهذا قول حسن فإنه جمع بين الآي والأحاديث من غير نسخ والقول بتفضيل بعضهم على بعض إنما هو بما منح من الفضائل وأعطى من الوسائل وقد أشار بن عباس إلى هذا فقال : إن الله فضل محمدا على الأنبياء وعلى أهل السماء فقالوا : بم يا بن عباس فضله على أهل السماء فقال : إن الله تعالى قال : ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم : إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر قالوا : فما فضله على الأنبياء قال قال الله تعالى : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم وقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم : وما أرسلناك إلا كافة للناس فأرسله إلى الجن والإنس ذكره أبو محمد الدارمي في مسنده وقال أبو هريرة : خير بني آدم نوح وإبراهيم وموسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وهم أولو العزم من الرسل وهذا نص من بن عباس وأبي هريرة في التعيين ومعلوم أن من أرسل أفضل ممن لم يرسل فإن من أرسل فضل على غيره بالرسالة واستووا في النبوة إلى ما يلقاه الرسل من تكذيب أممهم وقتلهم إياهم وهذا مما لا خفاء فيه إلا أن بن عطية أبا محمد عبد الحق قال : إن القرآن يقتضي التفضيل وذلك في الجملة دون تعيين أحد مفضول وكذلك هي الأحاديث ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنا أكرم ولد آدم على ربي ( وقال : ( أنا سيد ولد آدم ( ولم يعين وقال عليه السلام : ( لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى ( وقال : ( لا تفضلوني على موسى ( وقال بن عطية : وفي هذا نهي شديد عن تعيين المفضول لأن يونس عليه السلام كان شابا وتفسخ تحت أعباء النبوة فإذا كان التوقيف لمحمد صلى الله عليه وسلم فغيره أحرى قلت : ما أخترناه أولى إن شاء الله تعالى فإن الله تعالى لما أخبر أنه فضل بعضهم على بعض جعل يبين بعض المتفاضلين ويذكر الأحوال التي فضلوا بها فقال : منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وقال : وآتينا داؤد زبورا وقال تعالى : وآتيناه الإنجيل ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين وقال تعالى : ولقد آتينا داؤد وسليمان علما وقال : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح فعم ثم خص وبدأ بمحمد صلى الله عليه وسلم وهذا ظاهر قلت : وهكذا القول في الصحابة إن شاء الله تعالى اشتركوا في الصحبة ثم تباينوا في الفضائل بما منحهم الله من المواهب والوسائل فهم متفاضلون بتلك مع أن الكل شملتهم الصحبة والعدالة والثناء عليهم وحسبك بقوله الحق : محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار إلى آخر السورة وقال : وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها ثم قال : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل وقال : لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعم وخص ونفى عنهم الشين والنقص رضي الله عنهم أجمعين ونفعنا بحبهم آمين قوله تعالى : ( منهم من كلم الله ) المكلم موسى عليه السلام وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آدم أنبي مرسل هو فقال : ( نعم نبي مكلم ( قال بن عطية : وقد تأول بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة فعلى هذا تبقى خاصية موسى وحذفت الهاء لطول الاسم والمعنى من كلمه الله قوله تعالى : ( ورفع بعضهم درجات ) قال النحاس : بعضهم هنا على قول بن عباس والشعبي ومجاهد محمد صلى الله عليه وسلم قال صلى الله عليه وسلم : ( بعثت إلى الأحمر والأسود وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ونصرت بالرعب مسيرة شهر وأحلت لي الغنائم وأعطيت الشفاعة ( ومن ذلك القرآن وانشقاق القمر وتكليمه الشجر واطعامه الطعام خلقا عظيما من تميرات ودرور شاة أم معبد بعد جفاف وقال بن عطية معناه وزاد : وهو أعظم الناس أمة وختم به النبيون إلى غير ذلك من الخلق العظيم الذي أعطاه الله ويحتمل اللفظ أن يراد به محمد صلى الله عليه وسلم وغيره ممن عظمت آياته ويكون الكلام تأكيدا ويحتمل أن يريد به رفع ادريس المكان العلي ومراتب الأنبياء في السماء كما في حديث الإسراء وسيأتي وبينات عيسى هي إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وخلق الطير من الطين كما نص عليه في التنزيل ( وأيدناه ) قويناه ( بروح القدس ) جبريل عليه السلام وقد تقدم قوله تعالى : ( ولوشاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم ) أي من بعد الرسل قيل : الضمير لموسى وعيسى والاثنان جمع وقيل : من بعد جميع الرسل وهو ظاهر اللفظ وقيل : إن القتال إنما وقع من الذين جاؤوا بعدهم وليس كذلك المعنى بل المراد ما اقتتل الناس بعد كل نبي وهذا كما تقول : اشتريت خيلا ثم بعتها فجائز لك هذه العبارة وأنت إنما إشتريت فرسا وبعته ثم آخر وبعته ثم آخر وبعته وكذلك هذه النوازل إنما اختلف الناس بعد كل نبي فمنهم من آمن ومنهم من كفر بغيا وحسدا على حطام الدنيا وذلك كله بقضاء وقدر وإرادة من الله تعالى ولو شاء خلاف ذلك لكان ولكنه المستأثر بسر الحكمة في ذلك الفعل لما يريد وكسرت النون من ولكن اختلفوا لالتقاء الساكنين ويجوز حذفها في غير القرآن وأنشد سيبويه : فلست بآتيه ولا أستطيعه ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل ( فمنهم من آمن ومنهم من كفر ) من في موضع رفع بالابتداء والصفة < <

قسم V03/P264

البقرة : ( 254 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( 254 ) <

الأسئلة