Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

قسم V04/P278

آل عمران : ( 173 ) الذين قال لهم . . . . . > > < > ( ال عمران 173 ) <

قسم V04/P278–V04/P281

> اختلف في قوله تعالى : ( الذين قال لهم الناس ) فقال مجاهد ومقاتل وعكرمة والكلبي : هو نعيم بن مسعود الأشجعي واللفظ عام ومعناه خاص كقوله : أم يحسدون الناس يعني محمدا صلى الله عليه وسلم السدي : هو أعرابي جعل له جعل على ذلك وقال بن إسحاق وجماعة : يريد الناس ركب عبد القيس مروا بأبي سفيان فدسهم إلى المسلمين ليثبطوهم وقيل : الناس هنا المنافقون قال السدي : لما تجهز النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه للمسير إلى بدر الصغرى لميعاد أبي سفيان أتاهم المنافقون وقالوا : نحن أصحابكم الذين نهيناكم عن الخروج إليهم وعصيتمونا وقد قاتلوكم في دياركم وظفروا فإن أتيتموهم في ديارهم فلا يرجع منكم أحد فقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل وقال أبو معشر : دخل ناس من هذيل من أهل تهامة المدينة فسألهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي سفيان فقالوا : قد جمعوا لكم جموعا كثيرة فاخشوهم أي فخافوهم واحذروهم فإنه لا طاقة لكم بهم فالناس على هذه الأقوال على بابه من الجمع والله أعلم قوله تعالى : ( فزادهم إيمانا ) أي فزادهم قول الناس إيمانا أي تصديقا ويقينا في دينهم وإقامة على نصرتهم وقوة وجراءة واستعدادا فزيادة الإيمان على هذا هي في الأعمال وقد اختلف العلماء في زيادة الإيمان ونقصانه على أقوال والعقيدة في هذا على أن نفس الإيمان الذي هو تاج واحد وتصديق واحد بشيء ما إنما هو معنى فرد ولا يدخل معه زيادة إذا حصل ولا يبقى منه شيء إذا زال فلم يبق إلا أن تكون الزيادة والنقصان في متعلقاته دون ذاته فذهب جمع من العلماء إلى أنه يزيد وينقص من حيث الأعمال الصادرة عنه لا سيما أن كثيرا من العلماء يوقعون اسم الإيمان على الطاعات لقوله صلى الله عليه وسلم : ( الإيمان بضع وسبعون بابا فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ( أخرجه الترمذي وزاد مسلم ( والحياء شعبة من الإيمان ( وفي حديث علي رضي الله عنه : إن الإيمان ليبدو لمظة بيضاء في القلب كلما أزداد الإيمان أزدادت اللمظة وقوله لمظة قال الأصمعي : اللمظة مثل النكتة ونحوها من البياض ومنه قيل : فرس ألمظ إذا كان بجحفلته شيء من بياض والمحدثون يقولون لمظة بالفتح وأما كلام العرب فبالضم مثل شبهة ودهمة وخمرة وفيه حجة على من أنكر أن يكون الإيمان يزيد وينقص ألا تراه يقول : كلما أزداد الإيمان ازدادت اللمظة حتى يبيض القلب كله وكذلك النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب كلما أزداد النفاق اسود القلب حتى يسود القلب كله ومنهم من قال : إن الإيمان عرض وهو لا يثبت زمانين فهو للنبي صلى الله عليه وسلم وللصلحاء متعاقب فيزيد باعتبار توالى أمثاله على قلب المؤمن وباعتبار دوام حضوره وينقص بتوالي الغفلات على قلب المؤمن أشار إلى هذا أبو المعالي وهذا المعنى موجود في حديث الشفاعة حديث أبي سعيد الخدري أخرجه مسلم وفيه : ( فيقول المؤمنون يا ربنا إخواننا كانوا يصومون ويصلون ويحجون فقال لهم أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقية وإلى ركبتيه ثم يقولون ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به فيقول أرجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدأ ممن أمرتنا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه ( وذكر الحديث وقد قيل : إن المراد بالإيمان في هذا الحديث أعمال القلوب كالنية والإخلاص والخوف والنصيحة وشبه ذلك وسماها إيمانا لكونها في محل الإيمان أو عنى بالإيمان على عادة العرب في تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوره أو كان منه بسبب دليل هذا التاويل قول الشافعي بعد إخراج من كان في قلبه مثقال ذرة من خير : ( لم نذر فيها خيرا ( مع أنه تعالى يخرج بعد ذلك جموعا كثيرة ممن يقول لا إله إلا الله وهم مؤمنون قطعا ولو لم يكونوا مؤمنين لما أخرجهم ثم إن عدم الوجود الأول الذي يركب عليه المثل لم تكن زيادة ولا نقصان وقدر ذلك في الحركة فإن الله سبحانه إذا خلق علما فردا وخلق معه مثله أو أمثاله بمعلومات فقد زاد علمه فإن أعدم الله الأمثال فقد نقص أي زالت الزيادة وكذلك إذا خلق حركة وخلق معها مثلها أو أمثالها وذهب قوم من العلماء إلى أن زيادة الإيمان ونقصه إنما هو من طريق الأدلة فتزيد الأدلة عند واحد فيقال في ذلك : إنها زيادة في الإيمان وبهذا المعنى على أحد الأقوال فضل الأنبياء على الخلق فإنهم علموه من وجوه كثيرة أكثر من الوجوه التي علمه الخلق بها وهذا القول خارج عن مقتضى الآية إذ لا يتصور أن تكون الزيادة فيها من جهة الأدلة وذهب قوم : إلى أن الزيادة في الإيمان إنما هي بنزول الفرائض والأخبار في مدة النبي صلى الله عليه وسلم وفي المعرفة بها بعد الجهل غابر الدهر وهذا إنما هو زيادة إيمان فالقول فيه إن الإيمان يزيد قول مجازى ولا يتصور فيه النقص على هذا الحد وإنما يتصور بالإضافة إلى من علم فاعلم قوله تعالى : ( وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) أى كافينا الله وحسب مأخوذ من الإحساب وهو الكفاية قال الشاعر : فتملا بيتنا إقطا وسمنا وحسبك من غني شبع ورى روى البخاري عن بن عباس قال في قوله تعالى : الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم إلى قوله : وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم الخليل عليه السلام حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس : إن الناس قد جمعوا لكم والله أعلم < <

قسم V04/P281–V04/P283

آل عمران : ( 174 ) فانقلبوا بنعمة من . . . . . > > < > ( ال عمران 174 ) < > قال علماؤنا : لما فوضوا أمورهم إليه وأعتمدوا بقلوبهم عليه أعطاهم من الجزاء أربعة معان : النعمة والفضل وصرف السوء وأتباع الرضا فرضاهم عنه ورضي عنهم < < آل عمران : ( 175 ) إنما ذلكم الشيطان . . . . . > > < > ( ال عمران 175 ) < > قال بن عباس وغيره : المعنى يخوفكم أولياءه أى بأوليائه أو من أوليائه فحذف حرف الجر ووصل الفعل إلى الأسم فنصب كما قال تعالى : لينذر بأسا شديدا أى لينذركم ببأس شديد أى يخوف المؤمن بالكافر وقال الحسن والسدي : المعنى يخوف أولياءه المنافقين ليقعدوا عن قتال المشركين فأما أولياء الله فإنهم لا يخافونه إذا خوفهم وقد قيل : إن المراد هذا الذي يخوفكم بجمع الكفار شيطان من شياطين الإنس أما نعيم بن مسعود أو غيره على الخلاف في ذلك كما تقدم ( فلا تخافوهم ) أي لا تخافوا الكافرين المذكورين في قوله : إن الناس قد جمعوا لكم أو يرجع إلى الأولياء إن قلت : إن المعنى يخوف بأوليائه أي يخوفكم أولياءه قوله تعالى : ( وخافون ) أي خافوني في ترك أمري إن كنتم مصدقين بوعدي والخوف في كلام العرب الذعر وخاوفني فلان فخفته أي كنت أشد خوفا منه والخوفاء المفازة لا ماء بها ويقال : ناقة خوفاء وهي الجرباء والخافة كالخريطة من الأدم يشتار فيها العسل قال سهل بن عبد الله : اجتمع بعض الصديقين إلى إبراهيم الخليل فقالوا : ما الخوف فقال : لا تأمن حتى تبلغ المأمن قال سهل : وكان الربيع بن خيثم إذا مر بكير يغشى عليه فقيل لعلي بن أبي طالب ذلك فقال : إذا أصابه ذلك فأعلموني فأصابه فأعلموه فجاءه فأدخل يده في قميصه فوجد حركته عالية فقال : أشهد أن هذا أخوف ( أهل ) زمانكم فالخائف من الله تعالى هو أن يخاف أن يعاقبه إما في الدنيا وإما في الآخرة ولهذا قيل : ليس الخائف الذي يبكي ويمسح عينيه بل الخائف الذي يترك ما يخاف أن يعذب عليه ففرض الله تعالى على العباد أن يخافوه فقال : ( وخافون إن كنتم مؤمنين ) وقال : وإياي فأرهبون ومدح المؤمنين بالخوف فقال : يخافون ربهم من فوقهم ولأرباب الإشارات في الخوف عبارات مرجعها إلى ما ذكرنا قال الأستاذ أبو علي الدقاق : دخلت على أبي بكر بن فورك رحمه الله عائدا فلما رآني دمعت عيناه فقلت له : إن الله يعافيك ويشفيك فقال لي : أترى أني أخاف من الموت إنما أخاف مما وراء الموت وفي سنن بن ماجه عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا الله والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرشات ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله والله لوددت أني كنت شجرة تعضد ( خرجه الترمذي وقال : حديث حسن غريب ويروى من غير هذا الوجه أن أبا ذر قال : ( لوددت أني كنت شجرة تعضد ( والله أعلم < < آل عمران : ( 176 ) ولا يحزنك الذين . . . . . > > < > ( ال عمران 176 ) <

قسم V04/P283–V04/P285

> قوله تعالى : ( ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ) هؤلاء قوم أسلموا ثم آرتدوا خوفا من المشركين فاغتم النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل : ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر وقال الكلبي : يعني به المنافقين ورؤساء اليهود كتموا صفة النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب فنزلت ويقال : إن أهل الكتاب لما لم يؤمنوا شق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الناس ينظرون إليهم ويقولون إنهم أهل كتاب فلو كان قوله حقا لاتبعوه فنزلت ولا يحزنك قراءة نافع بضم الياء وكسر الزاي حيث وقع إلا في الأنبياء لا يحزنهم الفزع الأكبر فإنه بفتح الياء وبضم الزاي وضده أبو جعفر وقرأ بن محيض كلها بضم الياء وكسر الزاي والباقون كلها بفتح الياء وضم الزاي وهما لغتان : حزنني الأمر يحزنني وأحزنني أيضا وهي لغة قليلة والأولى أفصح اللغتين قاله النحاس وقال الشاعر في أحزن : مضى صحبي وأحزنني الديار وقراءة العامة يسارعون وقرأ طلحة يسرعون في الكفر قال الضحاك : هم كفار قريش وقال غيره : هم المنافقون وقيل : هو ما ذكرناه قبل وقيل : هو عام في جميع الكفار ومسارعتهم في الكفر المظاهرة على محمد صلى الله عليه وسلم قال القشيري : والحزن على كفر الكافر طاعة ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفرط في الحزن على كفر قومه فنهى عن ذلك كما قال : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات وقال : فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ( إنهم لن يضروا الله شيئا ) أي لا ينقصون من ملك الله وسلطانه شيئا يعني لا ينقص بكفرهم وكما روى عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال : ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتصروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسك وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا ادخل البحر يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ( خرجه مسلم في صحيحه والترمذي وغيرهما وهو حديث عظيم فيه طول يكتب كله وقيل : معنى لن يضروا الله شيئا أي لن يضروا أولياء الله حين تركوا نصرهم إذ كان الله عز وجل ناصرهم قوله تعالى : ( يريد الله إلا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم ) أى نصيبا والحظ النصيب والجد يقال : فلان أحظ من فلان وهو محظوظ وجمع الحظ أحاظ على غير قياس قال أبو زيد : يقال رجل حظيظ أى جديد إذا كان ذا حظ من الرزق وحظظت في الأمر أحظ وربما جمع الحظ أحظا أى لا يجعل لهم نصيبا في الجنة وهو نص في أن الخير والشر بإرادة الله تعالى < < آل عمران : ( 177 ) إن الذين اشتروا . . . . . > > < > ( ال عمران 177 ) <

قسم V04/P285–V04/P287

> قوله تعالى : ( إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان ) تقدم في البقرة ( لن يضروا الله شيئا ) كرر للتأكيد وقيل : أى من سوء تدبيره استبدال الإيمان بالكفر وبيعه به فلا يخاف جانبه ولا تدبير وانتصب شيئا في الموضعين لوقوعه موقع المصدر كأنه قال : لن يضروا الله ضررا قليلا ولا كثيرا ويجوز انتصابه على تقدير حذف الباء كأنه قال : لن يضروا الله بشيء < < آل عمران : ( 178 ) ولا يحسبن الذين . . . . . > > < > ( ال عمران 178 ) < > قوله تعالى : ( ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خير لأنفسهم ) الإملاء طول العمر ورغد العيش والمعنى : لا يحسبن هؤلاء الذين يخوفون المسلمين فإن الله قادر على إهلاكهم وإنما يطول أعمارهم ليعملوا بالمعاصي لا لأنه خير لهم ويقال : أنما نملي لهم بما أصابوا من الظفر يوم أحد لم يكن ذلك خيرا لأنفسهم وإنما كان ذلك ليزدادوا عقوبة وروي عن بن مسعود أنه قال : ما من أحد بر ولا فاجر إلا والموت خير له لأنه إن كان برا فقد قال الله تعالى : وما عند الله خير للأبرار وإن كان فاجرا فقد قال الله : ( إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ) وقرأ بن عامر وعاصم لا يحسبن بالياء ونصب السين وقرأ حمزة : بالتاء ونصب السين والباقون : بالياء وكسر السين فمن قرأ بالياء فالذين فاعلون أي فلا يحسبن الكفار وأنما نملي لهم خير لأنفسهم تسد مسد المفعولين وما بمعنى الذي والعائد محذوف وخير خبر أن ويجوز أن تقدر ما والفعل مصدرا والتقدير ولا يحسبن الذين كفروا أن إملاءنا لهم خير لأنفسهم ومن قرأ بالتاء فالفعل هو المخاطب وهو محمد صلى الله عليه وسلم والذين نصب على المفعول الأول لتحسب وأن وما بعدها بدل من الذين وهي تسد مسد المفعولين كما تسد لو لم تكن بدلا ولا يصلح أن تكون أن وما بعدها مفعولا ثانيا لتحسب لأن المفعول الثاني في هذا الباب هو الأول في المعنى لأن حسب وأخواتها داخلة على المبتدأ والخبر فيكون التقدير : ولا تحسبن أنما نملي لهم خير هذا قول الزجاج وقال أبو علي : لو صح هذا لقال خبرا بالنصب لأن أن تصير بدلا من الذين كفروا فكأنه قال : لا تحسبن إملاء الذين كفروا خيرا فقوله خيرا هو المفعول الثاني لحسب فإذا لا يجوز أن يقرأ لا تحسبن بالتاء إلا أن تكسر إن في أنما وتنصب خيرا ولم يرو ذلك عن حمزة والقراءة عن حمزة بالتاء فلا تصح هذه القراءة إذا وقال الفراء والكسائي : قراءة حمزة جائزة على التكرير تقديره ولا تحسبن الذي كفروا ولا تحسبن أنما نملي لهم خيرا فسدت أن مسد المفعولين لتحسب الثاني وهي وما عملت مفعول ثان لتحسب الأول قال القشيري : وهذا قريب مما ذكره الزجاج في دعوى البدل والقراءة صحيحة فإذا غرض أبي علي تغليظ الزجاج قال النحاس : وزعم أبو حاتم أن قراءة حمزة بالتاء هنا وقوله : ولا يحسبن الذين يبخلون لحن لا يجوز وتبعه على ذلك جماعة قلت : وهذا ليس بشيء لما تقدم بيانه من الإعراب ولصحة القراءة وثبوتها نقلا وقرأ يحيى بن وثاب إنما نملي لهم بكسر إن فيهما جميعا قال أبو جعفر : وقراءة يحيى حسنة كما تقول : حسبت عمرا أبوه خالد قال أبو حاتم وسمعت الأخفش يذكر كسر إن يحتج به لأهل القدر لأنه كان منهم ويجعل على التقديم والتأخير ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثما إنما نملي لهم خيرا لأنفسهم قال : ورأيت في مصحف في المسجد الجامع قد زادوا فيه حرفا فصار إنما نملي لهم إيمانا فنظر إليه يعقوب القارئ فتبين اللحن فحكه والآية نص في بطلان مذهب القدرية لأنه أخبر أنه يطيل أعمارهم ليزدادوا الكفر بعمل المعاصي وتوالى أمثاله على القلب كما تقدم بيانه في ضده وهو الإيمان وعن بن عباس قال : ما من بر ولا فاجر إلا والموت خير له ثم تلا إنما نملي لهم ليزدادوا لهم إثما وتلا وما عند الله خير للأبرار أخرجه رزين < <

قسم V04/P287

آل عمران : ( 179 ) ما كان الله . . . . . > > < > ( ال عمران 179 ) <

قسم V04/P287–V04/P289

> قال أبو العالية : سأل المؤمنون أن يعطوا علامة يفرقون بها بين المؤمن والمنافق فأنزل الله عز وجل ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه ) الآية واختلفوا من المخاطب بالآية على أقوال فقال بن عباس والضحاك ومقاتل والكلبي وأكثر المفسرين : الخطاب للكفار والمنافقين أي ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه من الكفر والنفاق وعداوة النبي صلى الله عليه وسلم قال الكلبي : إن قريشا من أهل مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : الرجل منا تزعم أنه في النار وأنه إذا ترك ديننا واتبع دينك قلت هو من أهل الجنة فأخبرنا عن هذا من أين هو وأخبرنا من يأتيك منا ومن لم يأتك فأنزل الله عز وجل ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه من الكفر والنفاق حتى يميز الخبيث من الطيب وقيل : هو خطاب للمشركين والمراد بالمؤمنين في قوله : ليذر المؤمنين من في الأصلاب والأرحام ممن يؤمن أي ما كان الله ليذر أولادكم الذين حكم لهم بالإيمان على ما أنتم عليه من الشرك حتى يفرق بينكم وبينهم وعلى هذا ( وما كان الله ليطلعكم ) كلام مستأنف وهو قول بن عباس وأكثر المفسرين وقيل : الخطاب للمؤمنين أي وما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من اختلاط المؤمن بالمنافق حتى يميز بينكم بالمحنة والتكليف فتعرفوا المنافق الخبيث والمؤمن الطيب وقد ميز يوم أحد بين الفريقين وهذا قول أكثر أهل المعاني ( وما كان الله ليطلعكم على الغيب ) يامعشر المؤمنين أي ما كان الله ليعين لكم المنافقين حتى تعرفوهم ولكن يظهر ذلك لكم بالتكليف والمحنة وقد ظهر ذلك في يوم أحد فإن المنافقين تخلفوا وأظهروا الشماتة فما كنتم تعرفون هذا الغيب قبل هذا فالآن قد أطلع الله محمدا عليه السلام وصحبه على ذلك وقيل : معنى ليطلعكم أي وما كان ( الله ) ليعلمكم ما يكون منهم فقوله : وما كان الله ليطلعكم على الغيب على هذا متصل وعلى القولين الأولين منقطع وذلك أن الكفار لما قالوا : لم لم يوح إلينا قال وما كان الله ليطلعكم على الغيب أي على من يستحق النبوة حتى يكون الوحي باختياركم ( ولكن الله يجتبي ) أي يختار ( من رسله ) لإطلاع غيبه ( من يشاء ) يقال : طلعت على كذا واطلعت عليه وأطلعت عليه غيري فهو لازم ومتعد وقرئ حتى يميز بالتشديد من ميز وكذا في الأنفال وهي قراءة حمزة والباقون يميز بالتخفيف من ماز يميز يقال : مزت الشيء بعضه من بعض أميزه ميزا وميزته تمييزا قال أبو معاذ : مزت الشيء أميزه ميزا إذا فرقت بين شيئين فإن كانت أشياء قلت : ميزتها تمييزا ومثله إذا جعلت الواحد شيئين قلت : فرقت بينهما مخففا ومنه فرق الشعر فإن جعلته أشياء قلت : فرقته تفريقا قلت : ومنه امتاز القوم تميز بعضهم عن بعض ويكاد يتميز : يتقطع وبهذا فسر قوله تعالى : تكاد تميز من الغيظ الملك وفي الخبر ( من ماز أذى عن الطريق فهو له صدقة قوله تعالى : ( فآمنوا بالله ورسله ) يقال : إن الكفار لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم من يؤمن منهم فأنزل الله فآمنوا بالله ورسله يعني لا تشتغلوا بما لا يعنيكم واشتغلوا بما يعنيكم وهو الإيمان ( فآمنوا ) أي صدقوا أي عليكم التصديق لا التشوف إلى اطلاع الغيب ( وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ) أي الجنة ويذكر أن رجلا كان عند الحجاج بن يوسف الثقفي منجما فأخذ الحجاج حصيات بيده قد عرف عددها فقال للمنجم : كم في يدي فحسب فأصاب المنجم فأغفله الحجاج وأخذ حصيات لم يعدهن فقال للمنجم : كم في يدي فحسب فأخطأ ثم حسب أيضا فأخطأ فقال : أيها الأمير أظنك لا تعرف عدد ما في يدك قال لا قال : فما الفرق بينهما فقال : إن ذاك أحصيته فخرج عن حد الغيب فحسبت فاصبت وإن هذا لم تعرف عددها فصار غيبا ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى وسيأتي هذا الباب في الأنعام إن شاء الله تعالى < <

قسم V04/P289

آل عمران : ( 180 ) ولا يحسبن الذين . . . . . > > < > ( ال عمران 180 ) <

قسم V04/P289–V04/P293

> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ولا يحسبن الذين ) الذين في موضع رفع والمفعول الأول محذوف قال الخليل وسيبويه والفراء : المعنى البخل خيرا لهم أي لا يحسبن الباخلون البخل خيرا لهم وإنما حذف لدلالة يبخلون على البخل وهو كقوله : من صدق كان خيرا له أي كان له الصدق خيرا له ومن هذا قول الشاعر : إذا نهى السفيه جرى إليه وخالف والسفيه إلى خلاف فالمعنى : جرى إلى السفه فالسفيه دل على السفه وأما قراءة حمزة بالتاء فبعيدة جدا قاله النحاس وجوازها أن يكون التقدير : لا تحسبن بخل الذين يبخلون هو خيرا لهم قال الزجاج : وهي مثل واسأل القرية وهو في قوله هو خيرا لهم فاصلة عند البصريين وهي العماد عند الكوفيين قال النحاس : ويجوز في العربية هو خير لهم ابتداء وخبر الثانية قوله تعالى : ( بل هو شر لهم ) ابتداء وخبر أي البخل شر لهم والسين في سيطوقون سين الوعيد أي سوف يطوقون قاله المبرد وهذه الآية نزلت في البخل بالمال والإنفاق في سبيل الله وأداء الزكاة المفروضة وهذه كقوله : ولا ينفقونها في سبيل الله الآية ذهب إلى هذا جماعة من المتأولين منهم بن مسعود وبن عباس وأبو وائل وأبو مالك والسدي والشعبي قالوا : ومعنى ( سيطوقون ما بخلوا به ) هو الذي ورد في الحديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه ثم يقول أنا مالك أنا كنزك ثم تلا هذه الآية ولا يحسبن الذين يبخلون الآية أخرجه النسائي وخرجه بن ماجه عن بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله إلا مثل له يوم القيامة شجاع أقرع حتى يطوق به في عنقه ( ثم قرأ علينا النبي صلى الله عليه وسلم مصداقه من كتاب الله تعالى ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله الآية وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل ما عنده فيبخل به عليه إلا أخرج له يوم القيامة شجاع من النار يتلمظ حتى يطوقه ( وقال بن عباس أيضا : إنما نزلت في أهل الكتاب وبخلهم ببيان ما علموه من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وقال ذلك مجاهد وجماعة من أهل العلم ومعنى سيطوقون على هذا التأويل سيحملون عقاب ما بخلوا به فهو من الطاقة كما قال تعالى : وعلى الذين يطيقونه البقرة وليس من التطويق وقال إبراهيم النخعي : معنى سيطوقون سيجعل لهم يوم القيامة طوق من النار وهذا يجري مع التأويل الأول أي قول السدي وقيل يلزمون أعمالهم كما يلزم الطوق العنق يقال : طوق فلان عمله طوق الحمامة أي ألزم عمله وقد قال تعالى : وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ومن هذا المعنى قول عبد الله بن جحش لأبي سفيان : أبلغ أبا سفيان عن أمر عواقبه ندامة دار بن عمك بعتها تقتضي بها عنك الغرامة وحليفكم بالله رب الناس مجتهد القسامة اذهب بها أذهب بها طوقتها طوق الحمامة وهذا يجري مع التأويل الثاني والبخل والبخل في اللغة أن يمنع الأنسان الحق الواجب عليه فأما من منع ما لايجب عليه فليس ببخيل لأنه لا يذم بذلك وأهل الحجاز يقولون : يبخلون وقد بخلوا وسائر العرب يقولون : بخلوا يبخلون حكاه النحاس وبخل يبخل بخلا وبخلا عن بن فارس الثالثة في ثمرة البخل وفائدته وهو ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار : ( من سيدكم ( قالوا الجد بن قيس على بخل فيه فقال صلى الله عليه وسلم : ( وأي داء أدوى من البخل ( قالوا : وكيف ذاك يا رسول الله قال : ( إن قوما نزلوا بساحل البحر فكرهوا لبخلهم نزول الأضياف بهم فقالوا : ليبعد الرجال منا عن النساء حتى يعتذر الرجال إلى الأضياف ببعد النساء وتعتذر النساء ببعد الرجال ففعلوا وطال ذلك بهم فاشتغل الرجال بالرجال والنساء بالنساء ( ذكره الماوردي في كتاب أدب الدنيا والدين والله أعلم الرابعة واختلف في البخل والشح هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين فقيل : البخل الامتناع من إخراج ما حصل عندك والشح : الحرص على تحصيل ما ليس عندك وقيل : إن الشح هو البخل مع حرص وهو الصحيح لما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم ( وهذا يرد قول من قال : إن البخل منع الواجب والشح منع المستحب إذ لو كان الشح منع المستحب لما دخل تحت هذا الوعيد العظيم والذم الشديد الذي فيه هلاك الدنيا والآخرة ويؤيد هذا المعنى ما رواه النسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري رجل مسلم أبدا ولا يجتمع شح وإيمان في قلب رجل مسلم أبدا ( وهذا يدل على أن الشح أشد في الذم من البخل إلا أنه قد جاء ما يدل على مساواتهما وهو قوله وقد سئل : أيكون المؤمن بخيلا قال : ( لا ( وذكر الماوردي في كتاب أدب الدنيا والدين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار : ( من سيدكم ( قالوا : الجد بن قيس على بخل فيه الحديث وقد تقدم قوله تعالى : ( ولله ميراث السماوات والأرض ) أخبر تعالى ببقائه ودوام ملكه وأنه في الأبد كهو في الأزل غني عن العالمين فيرث الأرض بعد فناء خلقه وزوال أملاكهم فتبقى الأملاك والأموال لا مدعى فيها فجرى هذا مجرى الوراثة في عادة الخلق وليس هذا بميراث في الحقيقة لأن الوارث في الحقيقة هو الذي يرث شيئا لم يكن ملكه من قبل والله سبحانه وتعالى مالك السماوات والأرض وما بينهما وكانت السماوات وما فيها والأرض وما فيها له وأن الأموال كانت عارية عند أربابها فإذا ماتوا ردت العارية إلى صاحبها الذي كانت له في الأصل ونظير هذه الآية قوله تعالى : إنا نحن نرث الأرض ومن عليها الآية والمعنى في الآيتين أن الله تعالى أمر عباده بأن ينفقوا ولا يبخلوا قبل أن يموتوا ويتركوا ذلك ميراثا لله تعالى ولا ينفعهم إلا ما أنفقوا < <

قسم V04/P293–V04/P294

آل عمران : ( 181 ) لقد سمع الله . . . . . > > < > ( ال عمران 181 : 182 ) < > قوله تعالى : ( لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ) ذكر تعالى قبيح قول الكفار ولا سيما اليهود وقال أهل التفسير : لما أنزل الله من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا البقرة قال قوم من اليهود منهم حيي بن أخطب في قول الحسن وقال عكرمة وغيره : هو فنحاص بن عازوراء إن الله فقير ونحن أغنياء يقترض منا وإنما قالوا هذا تمويها على ضعفائهم لا أنهم يعتقدون هذا لأنهم أهل كتاب ولكنهم كفروا بهذا القول لأنهم أرادوا تشكيك الضعفاء منهم ومن المؤمنين وتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم أي إنه فقير على قول محمد صلى الله عليه وسلم لأنه اقترض منا ( سنكتب ما قالوا ) سنجازيهم عليه وقيل : سنكتبه في صحائف أعمالهم أي نأمر الحفظة بإثبات قولهم حتى يقرءوه يوم القيامة في كتبهم التي يؤتونها حتى يكون أوكد للحجة عليهم وهذا كقوله : وإنا له كاتبون الأنبياء وقيل : مقصود الكتابة الحفظ أي سنحفظ ما قالوا لنجازيهم وما في قوله ما قالوا في موضع نصب بسنكتب وقرأ الأعمش وحمزة سيكتب بالياء فيكون ما اسم ما لم يسم فاعله واعتبر حمزة ذلك بقراءة بن مسعود : ويقال ذوقوا عذاب الحريق قوله تعالى : ( وقتلهم الأنبياء بغير حق ) أي ونكتب قتلهم الأنبياء أي رضاءهم بالقتل والمراد قتل أسلافهم الأنبياء لكن لما رضوا بذلك صحت الإضافة إليهم وحسن رجل عند الشعبي قتل عثمان رضي الله عنه فقال له الشعبي : شركت في دمه فجعل الرضا بالقتل قتلا رضي الله عنه قلت : وهذه مسألة عظمى حيث يكون الرضا بالمعصية معصية وقد روى أبو داود عن العرس بن عميرة الكندي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها وقال مرة فأنكرها كمن غاب عنها ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها ( وهذا نص قوله تعالى : ( بغير حق ) تقدم معناه في البقرة ( ونقول ذوقوا عذاب الحريق ) أي يقال لهم في جهنم أو عند الموت أو عند الموت أو عند الحساب هذا ثم هذا القول من الله تعالى أو من الملائكة قولان وقراءة بن مسعود ويقال والحريق اسم للملتهبة من النار والنار تشمل الملتهبة وغير الملتهبة قوله تعالى : ( ذلك بما قدمت أيديكم ) أي ذلك العذاب بما سلف من الذنوب وخص الأيدي بالذكر ليدل على تولي الفعل ومباشرته إذ قد يضاف الفعل إلى الإنسان بمعنى أنه أمر به كقوله : يذبح أبناءهم وأصل أيديكم أيديكم فحذفت الضمة لثقلها والله أعلم < < آل عمران : ( 183 ) الذين قالوا إن . . . . . > > < > ( ال عمران 183 : 184 ) <

قسم V04/P294–V04/P296

> قوله تعالى : ( الذين ) في موضع خفض بدلا من الذين في قوله عز وجل لقد سمع الله قول الذين قالوا أو نعت للعبيد أو خبر ابتداء أي هم الذين قالوا وقال الكلبي وغيره نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهوذا وفنحاص بن عازوراء وجماعة أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له : أتزعم أن الله أرسلك إلينا وأنه أنزل علينا كتابا عهد إلينا فيه ألا نؤمن لرسول يزعم أنه من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار فإن جئتنا به صدقناك فأنزل الله هذه الآية فقيل : كان هذا في التوراة ولكن كان تمام الكلام : حتى يأتيكم المسيح ومحمد فإذا أتياكم فآمنوا بهما من غير قربان وقيل : كان أمر القرابين ثابتا إلى أن نسخت على لسان عيسى بن مريم وكان النبي منهم يذبح ويدعو فتنزل نار بيضاء لها دوي وحفيف لا دخان لها فتأكل القربان فكان هذا القول دعوى من اليهود إذ كان ثم استثناء فأخفوه أو نسخ فكانوا في تمسكهم بذلك متعنتين ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم دليل قاطع في إبطال دعواهم وكذلك معجزات عيسى ومن وجب صدقه وجب تصديقه ثم قال تعالى : إقامة للحجة عليهم : ( قل ) يا محمد ( قد جاءكم ) يا معشر اليهود ( رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم ) من القربان ( فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين ) يعني زكريا ويحيى وشعيا وسائر من قتلوا من الأنبياء عليهم السلام ولم تؤمنوا بهم أراد بذلك أسلافهم وهذه الآية هي التي تلاها عامر الشعبي رضي الله عنه فاحتج بها على الذي حسن قتل عثمان رضي الله عنه كما بيناه وأن الله تعالى سمى اليهود قتلة لرضاهم بفعل أسلافهم وإن كان بينهم نحو من سبعمائة سنة والقربان ما يتقرب به إلى الله تعالى من نسك وصدقة وعمل صالح وهو فعلان من القربة ويكون اسما ومصدرا فمثال الاسم السلطان والبرهان والمصدر العدوان والخسران وكان عيسى بن عمر يقرأ بقربان بضم الراء اتباعا لضمه القاف كما قيل في جمع ظلمة : ظلمات وفي حجرة حجرات ثم قال تعالى معزيا لنبيه ومؤنسا له : ( فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤوا بالبينات ) أي بالدلالات ( والزبر ) أي الكتب المزبورة يعني المكتوبة والزبر جمع زبور وهو الكتاب وأصله من زبرت أي كتبت وكل زبور فهو كتاب قال امرؤ القيس : لمن طلل أبصرته فشجاني كخط زبور في عسيب يماني وأنا أعرف تزبرتي أي كتابتي وقيل : الزبور من الزبر بمعنى الزجر وزبرت الرجل انتهرته وزبرت البئر : طويتها بالحجارة وقرأ بن عامر بالزبر وبالكتاب المنير بزيادة باء في الكلمتين وكذلك هو في مصاحف أهل الشام ( والكتاب المنير ) أي الواضح المضيء من قولك : أنرت الشيء أنيره أي أوضحته : يقال : نار الشيء وأناره ونوره واستناره بمعنى وكل واحد منهما لازم ومتعد وجمع بين الزبر والكتاب وهما بمعنى لاختلاف لفظهما وأصلهما كما ذكرنا < < آل عمران : ( 185 ) كل نفس ذائقة . . . . . > > < > ( ال عمران 185 ) <

قسم V04/P296–V04/P302

> فيه سبع مسائل : الأولى لما أخبر جل وتعالى عن الباخلين وكفرهم في قولهم : إن الله فقير ونحن أغنياء وأمر المؤمنين بالصبر على أذاهم في قوله لتبلون الآية بين أن ذلك مما ينقضي ولا يدوم فإن أمد الدنيا قريب ويوم القيامة يوم الجزاء ( ذائقة الموت ) من الذوق وهذا مما لا محيص عنه للإنسان ولا محيد عنه لحيوان وقد قال أمية بن أبي الصلت : من لم يمت عبطة يمت هرما للموت كأس والمرء ذائقها وقال آخر : الموت باب وكل الناس داخله فليت شعري بعد الباب ما الدار الثانية قراءة العامة ذائقة الموت بالإضافة وقرأ الأعمش ويحيى وبن أبي إسحاق ذائقة الموت بالتنوين ونصب الموت قالوا : لأنها لم تذق بعد وذلك أن اسم الفاعل على ضربين : أحدهما أن يكون بمعنى المضي والثاني بمعنى الاستقبال فإن أردت الأول لم يكن فيه إلا الإضافة إلى ما بعده كقولك : هذا ضارب زيد أمس وقاتل بكر أمس لأنه يجري مجرى الأسم الجامد وهو العلم نحو غلام زيد وصاحب بكر قال الشاعر : الحافظ عورة العشيرة لا يأتيهم من ورائهم وكف وإن أردت الثاني جاز الجر والنصب والتنوين فيما هذا سبيله هو الأصل لأنه يجري مجرى الفعل المضارع فإن كان الفعل غير متعد لم يتعد نحو قائم زيد وإن كان متعديا عديته ونصبت به فتقول : زيد ضارب عمروا بمعنى يضرب عمروا ويجوز حذف التنوين والإضافة تخفيفا كما قال المرار : سل الهموم بكل معطى رأسه ناج مخالط صهبة متعيس مغتال أحبله مبين عنقه في منكب زبن المطي عرندس فحذف التنوين تخفيفا والأصل : معط رأسه بالتنوين والنصب ومثل هذا أيضا في التنزيل قوله تعالى هل هن كاشفات ضره وما كان مثله الثالثة ثم أعلم أن للموت أسبابا وأمارات فمن علامات موت المؤمن عرق الجبين أخرجه النسائي من حديث بريدة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( المؤمن يموت بعرق الجبين ( وقد بيناه في التذكرة فإذا احتضر لقن الشهادة لقوله عليه السلام : ( لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ( لتكون آخر كلامه فيختم له بالشهادة ولا يعاد عليه منها لئلا يضجر ويستحب قراءة يس ذلك الوقت لقوله عليه السلام : اقرؤوا يس على موتاكم أخرجه أبو داود وذكر الآجري في كتاب النصيحة من حديث أم الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من ميت يقرأ عنده سورة يس إلا هون عليه الموت ( فإذا قضى وتبع البصر الروح كما أخبر صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم وارتفعت العبادات : وزال التكليف توجهت على الأحياء أحكام منها تغميضه وإعلام إخوانه الصلحاء بموته وكرهه قوم وقالوا : هو من النعي والأول أصح وقد بيناه في غير هذا الموضع ومنها الأخذ في تجهيزه بالغسل والدفن لئلا يسرع إليه التغير قال صلى الله عليه وسلم لقوم أخروا دفن ميتهم : ( عجلوا بدفن جيفتكم ( وقال : ( أسرعوا بالجنازة ( الحديث وسيأتي الثالثة فأما غسله فهو سنة لجميع المسلمين حاشا الشهيد على ما تقدم وقيل : غسله واجب قاله القاضي عبد الوهاب والأول : مذهب الكتاب وعلى هذين القولين العلماء وسبب الخلاف قوله عليه السلام لأم عطية في غسلها ابنته زينب على ما في كتاب مسلم وقيل : هي أم كلثوم على ما في كتاب أبي داود : ( اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك ( الحديث وهو الأصل عند العلماء في غسل الموتى فقيل : المراد بهذا الأمر بيان حكم الغسل فيكون واجبا وقيل : المقصود منه تعليم كيفية الغسل فلا يكون فيه ما يدل على الوجوب قالوا ويدل عليه قوله : ( إن رأيتن ذلك ( وهذا يقتضي إخراج ظاهر الأمر عن الوجوب لأنه فوضه إلى نظرهن قيل لهم : هذا فيه بعد لأن ردك ( إن رأيتن ( إلى الأمر ليس السابق إلى الفهم بل السابق رجوع هذا الشرط إلى أقرب مذكور وهو ( أكثر من ذلك ( أو إلى التخيير في الأعداد وعلى الجملة فلا خلاف في أن غسل الميت مشروع معمول به في الشريعة لا يترك وصفته كصفة غسل الجنابة على ما هو معروف ولا يجاوز السبع غسلات في غسل الميت بإجماع على ما حكاه أبو عمر فإن خرج منه شيء بعد السبع غسل الموضع وحده وحكمه حكم الجنب إذا أحدث بعد غسله فإذا فرغ من غسله كفنه في ثيابه وهي : الرابعة والتكفين واجب عند عامة العلماء فإن كان له مال فمن رأس ماله عند عامة العلماء إلا ما حكى عن طاوس أنه قال : من الثلث كان المال قليلا أو كثيرا فإن كان الميت ممن تلزم غيره نفقته في حياته من سيد إن كان عبدا أو أب أو زوج أو بن فعلى السيد باتفاق وعلى الزوج والأب والابن باختلاف ثم على بيت المال أو على جماعة المسلمين على الكفاية والذي يتعين منه بتعيين الفرض ستر العورة فإن كان فيه فضل غير أنه لا يعم جميع الجسد غطى رأسه ووجهه إكراما لوجهه وسترا لما يظهر من تغير محاسنه والأصل في هذا قصة مصعب بن عمير فإنه ترك يوم أحد نمرة كان إذا غطي رأسه خرجت رجلاه وإذا غطي رجلاه خرج رأسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ضعوها مما يلي رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر ( أخرج الحديث مسلم والوتر مستحب عند كافة العلماء في الكفن وكلهم مجمعون على أنه ليس فيه حد والمستحب منه البياض قال صلى الله عليه وسلم : ( ألبسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم ( أخرجه أبو داود وكفن صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف والكفن في غير البياض جائز إلا أن يكون حريرا أو خزا فإن تشاح الورثة في الكفن قضي عليهم في مثل لباسه في جمعته وأعياده قال صلى الله عليه وسلم : ( إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه ( أخرجه مسلم إلا أن يوصي بأقل من ذلك فإن أوصى بسرف قيل : يبطل الزائد وقيل : يكون في الثلث والأول أصح لقوله تعالى : ( ولا تسرفوا ) وقال أبو بكر : إنه للمهلة فإذا فرغ من غسله وتكفينه ووضع على سريره واحتمله الرجال على أعناقهم وهي : الخامسة فالحكم الإسراع في المشي لقوله عليه السلام : ( أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه وإن تكن غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم ( لا كما يفعله اليوم الجهال في المشي رويدا والوقوف بها المرة بعد المرة وقراءة القرآن بالألحان إلى مالا يحل ولا يجوز حسب ما يفعله أهل الديار المصرية بموتاهم روى النسائي : أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا خالد قال أنبأنا عيينة بن عبد الرحمن قال حدثني أبي قال : شهدت جنازة عبد الرحمن بن سمرة وخرج زياد يمشي بين يدي السرير فجعل رجال من أهل عبد الرحمن ومواليهم يستقبلون السرير ويمشون على أعقابهم ويقولون : رويدا رويدا بارك الله فيكم فكانوا يدبون دبيبا حتى إذا كنا ببعض طريق المريد لحقنا أبو بكرة رضي الله عنه على بغلة فلما رأى الذين يصنعون حمل عليهم ببغلته وأهوى إليهم بالسوط فقال : خلوا فوالذي أكرم وجه أبي القاسم صلى الله عليه وسلم لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنها لنكاد نرمل بها رملا فانبسط القوم وروى أبو ماجدة عن بن مسعود قال سألنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن المشي مع الجنازة فقال : ( دون الخبب إن يكن خيرا يعجل إليه وإن يكن غير ذلك فبعدا لأهل النار ( الحديث قال أبو عمر : والذي عليه جماعة العلماء في ذلك الإسراع فوق السجية قليلا والعجلة أحب إليهم من الإبطاء ويكره الإسراع الذي يشق على ضعفة الناس ممن يتبعها وقال إبراهيم النخعي : بطئوا بها قليلا ولا تدبوا دبيب اليهود والنصارى وقد تأول قوم الإسراع في حديث أبي هريرة تعجيل الدفن لا المشي وليس بشيء لما ذكرنا وبالله التوفيق السادسة وأما الصلاة عليه فهي واجبة على الكفاية كالجهاد هذا هو المشهور من مذاهب العلماء : مالك وغيره لقوله صلى الله عليه وسلم في النجاشي : ( ( قوموا فصلوا عليه ( وقال أصبغ : إنها سنة وروي عن مالك وسيأتي لهذا المعنى زيادة بيان في براءة السابعة وأما دفنه في التراب ودسه وستره فذلك واجب لقوله تعالى : فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه وهناك يذكر حكم بنيان القبر وما يستحب منه وكيفية جعل الميت فيه ويأتي في الكهف حكم بناء المسجد عليه إن شاء الله تعالى فهذه جملة من أحكام الموتى وما يجب لهم على الأحياء وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ماقدموا ( أخرجه مسلم وفي سنن النسائي عنها أيضا قالت : ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم هالك بسوء فقال : ( لا تذكروا هلكاكم إلا بخير قوله تعالى : ( وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ) فأجر المؤمن ثواب وأجر الكافر عقاب ولم يعتد بالنعمة والبلية في الدنيا أجرا وجزاء لانها عرصة الفناء ( فمن زحزح عن النار أي أبعد ( وأدخل الجنة فقد فاز ) ظفر بما يرجو ونجا مما يخاف وروى الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من سره أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويأتي إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه ( عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها اقرؤوا إن شئتم فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) أي تغر المؤمن وتخدعه فيظن طول البقاء وهي فانية والمتاع ما يتمتع به وينتفع كالفأس والقدر والقصعة ثم يزول ولا يبقى ملكه قاله أكثر المفسرين قال الحسن : كخضرة النبات ولعب البنات لا حاصل له وقال قتادة : هي متاع متروك توشك أن تضمحل بأهلها فينبغي للإنسان أن يأخذ من هذا المتاع بطاعة الله سبحانه ما استطاع ولقد أحسن من قال : هي الدار دار الأذى والقذى ودار الفناء ودار الغير فلو نلتها بحذافيرها لمت ولم تقض منها الوطر أيا من يؤمل طول الخلود وطول الخلود عليه ضرر إذا أنت شبت وبان الشباب فلا خير في العيش بعد الكبر والغرور ( بفتح الغين ) الشيطان يغر الناس بالتمنية والمواعيد الكاذبة قال بن عرفة : الغرور ما رأيت له ظاهرا تحبه وفيه باطن مكروه أو مجهول والشيطان غرور لأنه يحمل على محاب النفس ووراء ذلك ما يسوء قال : ومن هذا بيع الغرر وهو ما كان له ظاهر بيع يغر وباطن مجهول < <

قسم V04/P302–V04/P303

آل عمران : ( 186 ) لتبلون في أموالكم . . . . . > > < > ( ال عمران 186 ) < > هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته والمعنى : لتختبرن ولتمتحنن في أموالكم بالمصائب والأرزاء بالإنفاق في سبيل الله وسائر تكاليف الشرع والابتلاء في الأنفس بالموت والأمراض وفقد الأحباب وبدأ بذكر الأموال لكثرة المصائب بها ( ولتسمعن ) إن قيل : لم ثبتت الواو في لتبلون وحذفت من ولتسمعن فالجواب أن الواو في لتبلون قبلها فتحة فحركت لالتقاء الساكنين وخصت بالضمة لأنها واو الجمع ولم يجز حذفها لأنها ليس قبلها ما يدل عليها وحذفت من ولتسمعن لأن قبلها ما يدل عليها ولا يجوز همز الواو في لتبلون لأن حركتها عارضة قاله النحاس وغيره ويقال للواحد من المذكر : لتبلين يارجل وللإثنين : لتبليان يارجلان ولجماعة الرجال : لتبلون ونزلت بسبب أن أبا بكر رضي الله عنه سمع يهوديا يقول : إن الله فقير ونحن أغنياء ردا على القرآن واستخفافا به حين أنزل الله من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا البقرة فلطمه فشكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت قيل : إن قائلها فنحاص اليهودي عن عكرمة الزهري : هو كعب بن الأشرف نزلت بسببه وكان شاعرا وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويؤلب عليه كفار قريش ويشبب بنساء المسلمين حتى بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة وأصحابه فقتله القتلة المشهورة في السير وصحيح الخبر وقيل غير هذا وكان صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كان بها اليهود والمشركون فكان هو وأصحابه يسمعون أذى كثيرا وفي الصحيحين أنه عليه السلام مر بابن أبي وهو عليه السلام على حمار فدعاه إلى الله تعالى فقال بن أبي : إن كان ما تقول حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه وقبض على أنفه لئلا يصيبه غبار الحمار فقال بن رواحة : نعم يا رسول الله فاغشنا في مجالسنا فإنا نحب ذلك واستب المشركون الذين كانوا حول بن أبي والمسلمون ومازال النبي صلى الله عليه وسلم يسكنهم حتى سكنوا ثم دخل على سعد بن عبادة يعوده وهو مريض فقال : ( ألم تسمع ما قال فلان ( فقال سعد : أعف عنه واصفح فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاءك الله بالحق الذي نزل وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق به فذلك فعل به مارأيت فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت هذه الآية قيل : هذا كان قبل نزول القتال وندب الله عباده إلى الصبر والتقوى وأخبر أنه من عزم الأمور وكذا في البخاري في سياق الحديث أن ذلك كان قبل نزول القتال والأظهر أنه ليس بمنسوخ فإن الجدال بالأحسن والمداراة أبدأ مندوب إليها وكان عليه السلام مع الأمر بالقتال يوادع اليهود ويداريهم ويصفح عن المنافقين وهذا بين ومعنى ( عزم الأمور ) شدها وصلابتها وقد تقدم < < آل عمران : ( 187 ) وإذ أخذ الله . . . . . > > < > ( ال عمران 187 ) <

قسم V04/P303–V04/P304

> فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ) هذا متصل بذكر اليهود فإنهم أمروا بالإيمان بمحمد عليه السلام وبيان أمره فكتموا نعته فالآية توبيخ لهم ثم مع ذلك هو خبر عام لهم ولغيرهم قال الحسن وقتادة : هي في كل من أوتى علم شيء من الكتاب فمن علم شيئا فليعلمه وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكه وقال محمد بن كعب : لا يحل لعالم أن يسكت على علمه ولا للجاهل أن يسكت على جهله قال الله تعالى وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب الآية وقال : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون وقال أبو هريرة : لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء ثم تلا هذه الآية وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب وقال الحسن بن عمارة : أتيت الزهري بعد ما ترك الحديث فألفيته على بابه فقلت : إن رأيت أن تحدثني فقال : أما علمت أني تركت الحديث فقلت : إما أن تحدثني وإما أن أحدثك قال حدثني قلت : حدثني الحكم بن عتيبة عن يحيى بن الجزار قال سمعت علي بن أبي طالب يقول : ما أخذ الله على الجاهلين أن يتعلموا حتى أخذ على العلماء أن يعلموا قال : فحدثني أربعين حديثا الثانية الهاء في قوله : ( لتبيننه للناس ) ترجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم وإن لم يجر له ذكر وقيل : ترجع إلى الكتاب ويدخل فيه بيان أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأنه في الكتاب وقال ( ولا تكتمونه ) ولم يقل تكتمنه لأنه في معنى الحال أي لتبيننه غير كاتمين وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وأهل مكة لتبيننه بالتاء على حكاية الخطاب والباقون بالياء لأنهم غيب وقرأ بن عباس وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ليبيننه فيجيء قوله ( فنبذوه ) عائدا على الناس الذين بين لهم الأنبياء وفي قراءة بن مسعود ليبينونه دون النون الثقيلة والنبذ الطرح وقد تقدم بيانه في البقرة بيانه أيضا ) مبالغة في الأطراح ومنه وأتخذتموه وراءكم ظهريا وقد تقدم في البقرة بيانه أيضا وتقدم معنى قوله : ( واشتروا به ثمنا قليلا ) في البقرة فلا معنى لإعادته ( فبئس مايشترون ) تقدم أيضا والحمد لله < < آل عمران : ( 188 ) لا تحسبن الذين . . . . . > > < > ( ال عمران 188 ) <

قسم V04/P304–V04/P307

> أي بما فعلوا من القعود في التخلف عن الغزو وجاءوا به من العذر ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رجالا من المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما يفعلوا فنزلت ( ولا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ) الآية وفي الصحيحين أيضا أن مروان قال لبوابه : اذهب يا رافع إلى بن عباس فقل له : لئن كان كل امرئ منا فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون فقال بن عباس : مالكم ولهذه الآية إنما أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب ثم تلا بن عباس وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ولا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا وقال بن عباس : سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم إياه وما سألهم عنه وقال محمد بن كعب القرظي : نزلت في علماء بني إسرائيل الذين كتموا الحق وأتوا ملوكهم من العلم ما يوافقهم في باطلهم واشتروا به ثمنا قليلا أي بما أعطاهم الملوك من الدنيا فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ( لا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ) فأخبر أن لهم عذابا أليما بما أفسدوا من الدين على عباد الله وقال الضحاك : إن اليهود كانوا يقولون للملوك إنا نجد في كتابنا أن الله يبعث نبينا في آخر الزمان يختم به النبوة فلما بعثه الله سألهم الملوك أهو هذا الذي تجدونه في كتابكم فقال اليهود طمعا في أموال الملوك : هو غير ذلك فأعطاهم الملوك الخزائن فقال الله تعالى : لا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا الملوك من الكذب حتى يأخذوا عرض الدنيا والحديث الأول خلاف مقتضى الحديث الثاني ويحتمل أن يكون نزولها على السببين لاجتماعهما في زمن واحد فكانت جوابا للفريقين والله أعلم وقوله : واستحمدوا بذلك إليه أي طلبوا أن يحمدوا وقول مروان : لئن كان كل أمريء منا الخ دليل على أن للعموم صيغا مخصوصة وأن الذين منها وهذا مقطوع به من تفهم ذلك من القرآن والسنة وقوله تعالى : ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا إذا كانت الآية في أهل الكتاب لا في المنافقين المتخلفين لأنهم كانوا يقولون : نحن على دين إبراهيم ولم يكونوا على دينه وكانوا يقولون : نحن أهل الصلاة والصوم والكتاب يريدون أن يحمدوا بذلك والذين فاعل بيحسبن بالياء وهي قراءة نافع وبن عامر وبن كثير وأبي عمرو أي لا يحسبن الفارحون فرحهم منجيا لهم من العذاب وقيل : المفعول الأول محذوف وهو أنفسهم والثاني بمفازة وقرأ الكوفيون تحسبن بالتاء على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي لا تحسبن يا محمد الفارحين بمفازة من العذاب وقوله فلا تحسبنهم بالتاء وفتح الباء إعادة تأكيد ومفعوله الأول الهاء والميم والمفعول الثاني محذوف أي كذلك والفاء عاطفة أو زائدة على بدل الفعل الثاني من الأول وقرأ الضحاك وعيسى بن عمر بالتاء وضم الباء فلا تحسبنهم أراد محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقرأ مجاهد وبن كثير وأبو عمرو ويحيى بن يعمر بالياء وضم الباء خبرا عن الفارحين أي فلا يحسبن أنفسهم بمفازة المفعول الثاني ويكون فلا يحسبنهم تأكيدا وقيل : الذين فاعل بيحسبن ومفعولاها محذوفان لدلالة يحسبنهم عليه كما قال الشاعر : بأي كتاب أم بأية آية ترى حبهم عارا علي وتحسب استغنى بذكر مفعول الواحد عن ذكر مفعول الثاني وبمفازة الثاني وهو بدل من الفعل الأول فأغنى لإبداله منه عن ذكر مفعوليه والفاء زائدة وقيل : قد تجيء هذه الأفعال ملغاة لا في حكم الجمل المفيدة نحو قول الشاعر : وما خلت أبقي بيننا من مودة عراض المذاكي المسنفات القلائصا المذاكي : الخيل التي قد أتى عليها بعد قروحها سنة أو سنتان الواحد مذك مثل المخلف من الإبل وفي المثل جرى المذكيات غلاب والمسنفات اسم مفعول يقال : سنفت البعير أسنفه سنفا إذا كففته بزمامه وأنت راكبه وأسنف البعير لغة في سنفه وأسنف البعير بنفسه إذا رفع رأسه يتعدى ولا يتعدى وكانت العرب تركب الإبل وتجنب الخيل تقول : الحرب لا تبقي مودة وقال كعب بن أبي سلمى : أرجو وآمل أن تدنو موتها وما إخال لدينا منك تنويل وقرأ جمهور القراء السبعة وغيرهم أتوا بقصر الألف أي بما جاؤوا به من الكذب والكتمان وقرأ مروان بن الحكم والأعمش وإبراهيم النخعي آتوا بالمد بمعنى أعطوا : وقرأ سعيد بن جبير أوتوا على مالم يسم فاعله أي أعطوا والمفازة المنجاة مفعلة من فاز يفوز إذا نجا أي ليسوا بفائزين وسمى موضع المخاوف مفازة على جهة التفاؤل قاله الأصمعي وقيل : لأنها موضع تفويز ومظنة هلاك تقول العرب : فوز الرجل إذا مات قال ثعلب : حكيت لابن الأعرابي قول الأصمعي فقال أخطأ قال لي أبو المكارم : إنما سميت مفازة لأن من قطعها فاز وقال الأصمعي : سمي اللديغ سليما تفاؤلا قال بن الأعرابي : لأنه مستسلم لما أصابه وقيل : لاتحسبنهم بمكان بعيد من العذاب لأن الفوز التباعد عن المكروه والله أعلم < <

قسم V04/P307–V04/P308

آل عمران : ( 189 ) ولله ملك السماوات . . . . . > > < > ( ال عمران 189 ) < > هذا احتجاج على الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء وتكذيب لهم وقيل : المعنى لا تظنن الفرحين ينجون من العذاب فإن لله كل شيء وهم في قبضة القدير فيكون معطوفا على الكلام الأول أي إنهم لا ينجون من عذابه يأخذهم متى شاء والله على كل شيء ) أي ممكن ( قدير ) وقد مضى في البقرة < < آل عمران : ( 190 ) إن في خلق . . . . . > > < > ( ال عمران 190 : 200 ) <

قسم V04/P308–V04/P327

> قوله تعالى : ( إن في خلق اسماوات والأرض ) تقدم معنى هذه الآية في البقرة في غير موضع فختم تعالى هذه السورة بالأمر بالنظر والاستدلال في آياته إذ لا تصدر إلا عن حي قيوم قدير وقدوس سلام غني عن العالمين حتى يكون إيمانهم مستندا إلى اليقين لا إلى التقليد ( لآيات لأولي الألباب ) الذين يستعملون عقولهم في تأمل الدلائل وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم قام يصلي فأتاه بلال يؤذنه بالصلاة فرآه يبكي فقال : يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال : ( يا بلال أفلا أكون عبدا شكورا ولقد أنزل الله علي الليلة آية ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ثم قال : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها الثانية قال العلماء : يستحب لمن انتبه من نومه أن يمسح على وجهه ويستفتح قيامه بقراءة هذه العشر الآيات اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما وسيأتي ثم يصلي ما كتب له فيجمع بين التفكر والعمل وهو أفضل العمل على ما يأتي بيانه في هذه الآية بعد هذا وروي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران كل ليلة خرجه أبو نصر الوائلي السجستاني الحافظ في كتاب الإبانة من حديث سليمان بن موسى عن مظاهر بن أسلم المخزومي عن المقبري عن أبي هريرة وقد تقدم أول السورة عن عثمان قال : من قرأ آخر آل عمران في ليلة كتب له قيام ليلة الثالثة قوله تعالى : ( الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ) ذكر تعالى ثلاث هيئات لا يخلو بن آدم منها في غالب أمره فكأنها تحصر زمانه ومن هذا المعنى قول عائشة رضي الله عنها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه أخرجه مسلم فدخل في ذلك كونه على الخلاء وغير ذلك وقد اختلف العلماء في هذا فأجاز ذلك عبد الله بن عمرو وبن سيرين والنخعي وكره ذلك بن عباس وعطاء والشعبي والأول أصح لعموم الآية والحديث قال النخعي : لا بأس بذكر الله في الخلاء فإنه يصعد المعنى : تصعد به الملائكة مكتوبا في صحفهم فحذف المضاف دليله قوله تعالى : ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ق وقال : وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين الانفطار لأن الله عز وجل أمر عباده بالذكر على كل حال ولم يستثن فقال : اذكروا الله ذكرا كثيرا وقال : فاذكروني أذكركم البقرة وقال : إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا فعم فذاكر الله تعالى على كل حالاته مثاب مأجور إن شاء الله تعالى وذكر أبو نعيم قال : حدثنا أبو بكر بن مالك حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا وكيع قال حدثنا سفيان عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن كعب الأحبار قال قال موسى عليه السلام : ( يا رب أقريب أنت فأناجيك أم بعيد فأناديك قال : يا موسى أنا جليس من ذكرني قال : يا رب فإنا نكون من الحال على حال نجلك ونعظمك أن نذكرك قال : وما هي قال : الجنابة والغائط قال : يا موسى اذكرني على كل حال ( وكراهية من كره ذلك إما لتنزيه ذكر الله تعالى في المواضع المرغوب عن ذكره فيها ككراهية قراءة القرآن في الحمام وإما إبقاء على الكرام الكاتبين على أن يحلهم موضع الأقذار والأنجاس لكتابة ما يلفظ به والله أعلم وقياما وقعودا ) نصب على الحال ( وعلى جنوبهم ) في موضع الحال أي ومضطجعين ومثله قوله تعالى : دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما يونس على العكس أي دعانا مضطجعا على جنبه وذهب جماعة من المفسرين منهم الحسن وغيره إلى أن قوله يذكرون الله إلى آخره إنما هو عبارة عن الصلاة أي لا يضيعونها ففي حال العذر يصلونها قعودا أو على جنوبهم وهي مثل قوله تعالى : فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم في قول بن مسعود على ما يأتي بيانه وإذا كانت الآية في الصلاة ففقهها أن الإنسان يصلي قائما فإن لم يستطع فقاعدا فإن لم يستطع فعلى جنبه كما ثبت عن عمران بن حصين قال : كان بي البواسير فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال : ( صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب ( رواه الأئمة وقد كان صلى الله عليه وسلم يصلي قاعدا قبل موته بعام في النافلة على ما في صحيح مسلم وروى النسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي متربعا قال أبو عبد الرحمن : لا أعلم أحد روى هذا الحديث غير أبي داود الحفري وهو ثقة ولا أحسب هذا الحديث إلا خطأ والله أعلم الرابعة واختلف العلماء في كيفية صلاة المريض والقاعد وهيئتها فذكر بن عبد الحكم عن مالك أنه يتربع في قيامه وقاله البويطي عن الشافعي فإذا أراد السجود تهيأ للسجود على قدر ما يطيق قال : وكذلك المتنفل ونحوه قول الثوري وكذلك قال الليث وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد وقال الشافعي في رواية المزني : يجلس في صلاته كلها كجلوس التشهد وروي هذا عن مالك وأصحابه والأول المشهور وهو ظاهر المدونة وقال أبو حنيفة وزفر : يجلس كجلوس التشهد وكذلك يركع ويسجد الخامسة قال : فإن لم يستطع القعود صلى على جنبه أو ظهره على التخيير هذا مذهب المدونة وحكى بن حبيب عن بن القاسم يصلي على ظهره فإن لم يستطع فعلى جنبه الأيمن ثم على جنبه الأيسر وفي كتاب بن المواز عكسه يصلي على جنبه الأيمن وإلا فعلى الأيسر وإلا فعلى الظهر وقال سحنون : يصلي على الأيمن كما يجعل في لحده وإلا فعلى ظهره وإلا فعلى الأيسر وقال مالك وأبو حنيفة : إذا صلى مضطجعا تكون رجلاه مما يلي القبلة والشافعي والثوري : يصلي على جنبه ووجهه إلى القبلة السادسة فإن قوى لخفة المرض وهو في الصلاة قال بن القاسم : إنه يقوم فيما بقي من صلاته ويبني على ما مضى وهو قول الشافعي وزفر والطبري وقال أبو حنيفة وصاحباه يعقوب ومحمد فيمن صلى مضطجعا ركعة ثم صح : إنه يستقبل الصلاة من أولها ولو كان قاعدا يركع ويسجد ثم صح بني في قول أبي حنيفة ولم يبن في قول محمد وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا افتتح الصلاة قائما ثم صار إلى حد الإيماء فليبن وروي عن أبي يوسف وقال مالك في المريض الذي لا يستطيع الركوع ولا السجود وهو يستطيع القيام والجلوس : إنه يصلي قائما ويومئ إلى الركوع فإذا أراد السجود جلس وأومأ إلى السجود وهو قول أبي يوسف وقياس قول الشافعي وقال أبو حنيفة وأصحابه : يصلي قاعدا السابعة وأما صلاة الراقد الصحيح فروى من حديث عمران بن حصين زيادة ليست موجودة في غيره وهي صلاة الراقد مثل نصف صلاة القاعد قال أبو عمر : وجمهور أهل العلم لايجيزون النافلة مضطجعا وهو حديث لم يروه إلا حسين المعلم وهو حسين بن ذكوان عن عبد الله بن بريدة عن عمران بن حصين وقد اختلف على حسين في إسناده ومتنه اختلافا يوجب التوقف عنه وإن صح فلا أدري ما وجهه فإن كان أحد من أهل العلم قد أجاز النافلة مضطجعا لمن قدر على القعود أو على القيام فوجهه هذه الزيادة في هذا الخبر وهي حجة لمن ذهب إلى ذلك وإن أجمعوا على كراهة النافلة راقدا لمن قدر على القعود أو القيام فحديث حسين هذا إما غلط وإما منسوخ وقيل : المراد بالآية الذين يستدلون بخلق السماوات والأرض على أن المتغير لا بد له من مغير وذلك المغير يجب أن يكون قادرا على الكمال وله أن يبعث الرسل فإن بعث رسولا ودل على صدقه بمعجزة واحدة لم يبق لأحد عذر فهؤلاء هم الذين يذكرون الله على كل حال والله أعلم الثامنة قوله تعالى : ( ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ) قد بينا معنى ويذكرون وهو إما ذكر باللسان وإما الصلاة فرضها ونفلها فعطف تعالى عبادة أخرى على إحداهما بعبادة أخرى وهي التفكر في قدرة الله تعالى ومخلوقاته والعبر الذي بث ليكون ذلك أزيد في بصائرهم : وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد وقيل : يتفكرون عطف على الحال وقيل : يكون منقطعا والأول أشبه والفكرة : تردد القلب في الشيء يقال : تفكر ورجل فكير كثير الفكر ومر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم يتفكرون في الله فقال : ( تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق فإنكم لا تقدرون قدره ( وإنما التفكر والأعتبار وانبساط الذهن في المخلوقات كما قال : ويتفكرون في خلق السماوات والأرض وحكى أن سفيان الثوري رضي الله عنه صلى خلف المقام ركعتين ثم رفع رأسه إلى السماء فلما رأى الكواكب غشى عليه وكان يبول الدم من طول حزنه وفكرته وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال أشهد أن لك ربا وخالقا اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له ( وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا عبادة كتفكر ( وروي عنه عليه السلام قال : ( تفكر ساعة خير من عبادة سنة ( وروى بن القاسم عن مالك قال : قيل لأم الدرداء : ما كان أكثر شأن أبي الدرداء قالت : كان أكثر شأنه التفكر قيل له : أفترى التفكر عمل من الأعمال قال : نعم هو اليقين وقيل لابن المسيب في الصلاة بين الظهر والعصر قال : ليست هذه عبادة إنما العبادة الورع عما حرم الله والتفكر في أمر الله وقال الحسن : تفكر ساعة خير من قيام ليلة وقال بن عباس وأبو الدرداء وقال الحسن : الفكرة مرآة المؤمن ينظر فيها إلى حسناته وسيئاته ومما يتفكر فيه مخاوف الآخرة من الحشر والنشر والجنة ونعيمها والنار وعذابها ويروى أن أبا سليمان الداراني رضي الله عنه أخذ قدح الماء ليتوضأ لصلاة الليل وعنده ضيف فرآه لما أدخل أصبعه في أذن القدح أقام لذلك متفكرا حتى طلع الفجر فقال له : ما هذا يا أبا سليمان قال : إني لما طرحت أصبعي في أذن القدح تفكرت في قول الله تعالى إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون المؤمن تفكرت في حالي وكيف أتلقى الغل إن طرح في عنقي يوم القيامة فما زلت في ذلك حتى أصبحت قال بن عطية : وهذا نهاية الخوف وخير الأمور أوساطها وليس علماء الأمة الذين هم الحجة على هذا المنهاج وقراءة علم كتاب الله تعالى ومعاني سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن يفهم ويرجي نفعه أفضل من هذا قال بن العربي : اختلف الناس أي العملين أفضل : التفكر أم الصلاة فذهب الصوفية إلى أن التفكر أفضل فإنه يثمر المعرفة وهو أفضل المقامات الشرعية وذهب الفقهاء إلى أن الصلاة أفضل لما ورد في الحديث من الحث عليها والدعاء إليها والترغيب فيها وفي الصحيحين عن بن عباس أنه بات عند خالته ميمونة وفيه : فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح النوم عن وجهه ثم قرأ الآيات العشر الخواتم من سورة آل عمران وقام إلى شن معلق فتوضأ وضوءا خفيفا ثم صلى ثلاث عشرة ركعة الحديث فانظروا رحمكم الله إلى جمعه بين التفكر في المخلوقات ثم إقباله على صلاته بعده وهذه السنة هي التي يعتمد عليها فأما طريقة الصوفية أن يكون الشيخ منهم يوما وليلة وشهرا مفكرا لا يفتر فطريقة بعيدة عن الصواب غير لائقة بالبشر ولا مستمرة على السنن قال بن عطية : وحدثني أبي عن بعض علماء المشرق قال : كنت بائتا في مسجد الأقدام بمصر فصليت العتمة فرأيت رجلا قد اضطجع في كساء له مسجى بكسائه حتى أصبح وصلينا نحن تلك الليلة فلما أقيمت صلاة الصبح قام ذلك الرجل فاستقبل القبلة وصلى مع الناس فاستعظمت جراءته في الصلاة بغير وضوء فلما فرغت الصلاة خرج فتبعته لأعظه فلما دنوت منه سمعته ينشد شعرا : مسجي الجسم غائب حاضر منتبه القلب صامت ذاكر منقبض في الغيوب منبسط كذاك من كان عارفا ذاكر يبيت في ليله أخا فكر فهو مدى الليل نائم ساهر قال : فعلمت أنه ممن يعبد بالفكرة فانصرفت عنه التاسعة قوله تعالى : ( ربنا ما خلقت هذا باطلا ) أي يقولون : ما خلقته عبثا وهزلا بل خلقته دليلا على قدرتك وحكمتك والباطل : الزائل الذاهب ومنه قول لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل أي زائل وباطلا نصب لأنه نعت مصدر محذوف أي خلقا باطلا وقيل : انتصب على نزع الخافض أي ما خلقتها للباطل وقيل : على المفعول الثاني ويكون خلق بمعنى جعل ( سبحانك ) أسند النحاس عن موسى بن طلحة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى سبحان الله فقال : ( تنزيه الله عن السوء ( وقد تقدم في البقرة معناه مستوفى ( وقنا عذاب النار ) أجرنا من عذابها وقد تقدم العاشرة قوله تعالى : ( ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) أي أذللته وأهنته وقال المفضل : أي أهلكته وأنشد : أخزى الإله من الصليب عبيده واللابسين قلانس الرهبان وقيل : فضحته وأبعدته يقال : أخزاه الله : أبعده ومقته والاسم الخزي قال بن السكيت : خزى يخزى خزيا إذا وقع في بلية وقد تمسك بهذه الآية أصحاب الوعيد وقالوا : من أدخل النار ينبغي ألا يكون مؤمنا لقوله تعالى : فقد أخزيته فإن الله يقول : يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه وما قالوه مردود لقيام الأدلة على أن من ارتكب كبيرة لا يزول عنه اسم الإيمان كما تقدم ويأتي والمراد من قوله : من تدخل النار من تخلد في النار قاله أنس بن مالك وقال قتادة : تدخل مقلوب تخلد ولا نقول كما قال أهل حروراء وقال سعيد بن المسيب : الآية خاصة في قوم لا يخرجون من النار ولهذا قال : ( وما للظالمين من أنصار ) أي الكفار وقال أهل المعاني : الخزي يحتمل أن يكون بمعنى الحياء يقال : خزي يخزي خزاية إذا استحيا فهو خزيان قال ذو الرمة : خزاية أدركته عند جولته من جانب الحيل مخلوطا بها الغضب فخزى المؤمنين يومئذ استحياؤهم في دخول النار من سائر أهل الأديان إلى أن يخرجوا منها والخزي للكافرين هو إهلاكهم فيها من غير موت والمؤمنون يموتون فافترقوا كذا ثبت في صحيح السنة من حديث أبي سعيد الخدري أخرجه مسلم وقد تقدم ويأتي الحادية عشرة قوله تعالى : ( ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان ) أي محمدا صلى الله عليه وسلم قاله بن مسعود وبن عباس وأكثر المفسرين وقال قتادة ومحمد بن كعب القرظي : هو القرآن وليس كلهم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم دليل هذا القول ما أخبر الله تعالى عن مؤمني الجن إذ قالوا : إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد الجن وأجاب الأولون فقالوا : من سمع القرآن فكأنما لقي النبي صلى الله عليه وسلم وهذا صحيح معنى وأن من ( أن آمنوا ) في موضع نصب على حذف حرف الخفض أي بأن آمنوا وفي الكلام تقديم وتأخير أي سمعنا مناديا للإيمان ينادي عن أبي عبيدة وقيل : اللام بمعنى إلى أي إلى الإيمان كقوله : ثم يعودون لما نهوا عنه المجادلة وقوله : بأن ربك أوحى لها الزلزلة وقوله : الحمد لله الذي هدانا لهذا أي إلى هذا ومثله كثير وقيل : هي لام أجل أي لأجل الإيمان الثانية عشرة قوله تعالى : ( ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا ) تأكيد ومبالغة في الدعاء ومعنى اللفظين واحد فإن الغفر والكفر : الستر ( وتوفنا مع الأبرار ) أي أبرارا مع الأنبياء أي في جملتهم واحدهم وبر وبار وأصله من الأتساع فكأن البر متسع في طاعة الله ومتسعة له رحمة الله الثالثة عشرة قوله تعالى : ( ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ) أي على ألسنة رسلك مثل واسأل القرية وقرأ الأعمش والزهري رسلك بالتخفيف وهو ما ذكر من استغفار الأنبياء والملائكة للمؤمنين والملائكة يستغفرون لمن في الأرض وما ذكر من دعاء نوح للمؤمنين ودعاء إبراهيم واستغفار النبي صلى الله عليه وسلم لأمته ( ولا تحزنا ) أي لا تعذبنا ولا تهلكنا ولا تفضحنا ولا تهنا ولا تبعدنا ولا تمقتنا يوم القيامة ( إنك لاتخلف الميعاد ) إن قيل : ما وجه قولهم ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك وقد علموا أنه لا يخلف الميعاد فالجواب من ثلاثة أوجه : الأول أن الله سبحانه وعد من آمن بالجنة فسألوا أن يكونوا ممن وعد بذلك دون الخزي والعقاب الثاني أنهم دعوا بهذا الدعاء على جهة العبادة والخضوع والدعاء مخ العبادة وهذا كقوله : قال رب احكم بالحق الأنبياء وإن كان هو لا يقضي إلا بالحق الثالث سألوا أن يعطوا ما وعدوا به من النصر على عدوهم معجلا لأنها حكاية عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه ذلك إعزازا للدين والله أعلم وروى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من وعده الله عز وجل على عمل ثوابا فهو منجز له رحمة ومن وعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار ( والعرب تذم بالمخالفة في الوعد وتمدح بذلك في الوعيد حتى قال قائلهم : ولا يرهب أبن العم ما عشت صولتي ولا أختفى من خشية المتهدد وإني متى أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي الرابعة عشرة قوله تعالى : ( فاستجاب لهم ربهم ) أي أجابهم قال الحسن : ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى أستجاب لهم وقال جعفر الصادق : من حزبه أمر فقال خمس مرات ربنا أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد قيل : وكيف ذلك قال : اقرؤوا إن شئتم الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم إلى قوله : إنك لا تخلف الميعاد الخامسة عشرة قوله تعالى : ( أني ) أي بأني وقرأ عيسى بن عمر إني بكسر الهمزة أي فقال : إني وروى الحاكم أبو عبد الله في صحيحه عن أم سلمة أنها قالت : يا رسول الله ألا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء فأنزل الله تعالى : ( فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو انثى ) الآية وأخرجه الترمذي ودخلت من للتأكيد لأن قبلها حرف نفي وقال الكوفيون : هي للتفسير ولا يجوز حذفها لأنها دخلت لمعنى لا يصلح الكلام إلا به وإنما تحذف إذا كان تأكيدا للجحد ( بعضكم من بعض ) ابتداء وخبر أي دينكم واحد وقيل : بعضكم من بعض في الثواب والأحكام والنصرة وشبه ذلك وقال الضحاك : رجالكم شكل نسائكم في الطاعة ونساؤكم شكل رجالكم في الطاعة نظيرها قوله عز وجل : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ويقال : فلان مني أي على مذهبي وخلقي السادسة عشرة قوله تعالى : ( فالذين هاجروا ) إبتداء وخبر أي هجروا أوطانهم وساروا إلى المدينة ( وأخرجوا من ديارهم ) في طاعة الله عز وجل ( وقاتلوا ) أي وقاتلوا أعدائي ( وقتلوا ) أي في سبيلي وقرأ بن كثير وبن عامر : وقاتلوا وقتلوا على التكثير وقرأ الأعمش وقتلوا وقاتلوا لأن الواو لا تدل على أن الثاني بعد الأول وقيل : في الكلام إضمار قد أي قتلوا وقد قاتلوا ومنه قول الشاعر : تصابى وأمسى علاه الكبر أي وقد علاه الكبر وقيل : أي وقد قاتل من بقي منهم تقول العرب : قتلنا بني تميم وإنما قتل بعضهم وقال امرؤ القيس : فإن تقاتلونا نقتلكم وقرأ عمر بن عبد العزيز : وقتلوا وقتلوا خفيفة بغير ألف ( لأكفرن عنهم سيئاتهم ) أي لأسترنها عليهم في الآخرة فلا أوبخهم بها ولا أعاقبهم عليها لأثيبنهم ( ثوابا من عند الله ) مصدر مؤكد عند البصريين لأن معنى لأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار لأثيبنهم ثوابا الكسائي : انتصب على القطع الفراء : على التفسير ( والله عنده حسن الثواب ) أي حسن الجزاء وهو ما يرجع على العامل من جراء عمله من ثاب يثوب السابعة عشرة قوله تعالى : ( لايغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ) قيل : الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد الأمة وقيل : للجميع وذلك أن المسلمين قالوا : هؤلاء الكفار لهم تجائر وأموال واضطراب في البلاد وقد هلكنا نحن من الجوع فنزلت هذه الآية أي لا يغرنكم سلامتهم بتقلبهم في أسفارهم ( متاع قليل ) أي تقلبهم متاع قليل وقرأ يعقوب يغرنك ساكنة النون وأنشد : لا يغرنك عشاء ساكن قد يوافي بالمنيات السحر ونظير هذه الآية قوله تعالى : فلا يغررك تقلبهم في البلاد المؤمن والمتاع : ما يعجل الأنتفاع به وسماه قليلا لأنه فان وكل فان وإن كان كثيرا فهو قليل وفي صحيح الترمذي عن المستورد الفهري قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بماذا يرجع ( قيل : ( يرجع ( بالياء والتاء ( وبئس المهاد ) أي بئس ما مهدوا لأنفسهم بكفرهم وما مهد الله لهم من النار الثامنة عشرة في هذه الآية وأمثالها كقوله : إنما نملي لهم خير الآية وأملي لهم إن كيدي متين أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين سنستدرجهم من حيث لا يعلمون الأعراف دليل على أن الكفار غير منعم عليهم في الدنيا لأن حقيقة النعمة الخلوص من شوائب الضرر العاجلة والآجلة ونعم الكفار مشوبة بالآلام والعقوبات فصار كمن قدم بين يدي غيره حلاوة من عسل فيها السم فهو وإن استلذ آكله لا يقال : أنعم عليه لأن فيه هلاك روحه ذهب إلى هذا جماعة من العلماء وهو قول الشيخ أبي الحسن الأشعري وذهب جماعة منهم سيف السنة ولسان الأمة القاضي أبو بكر : إلى أن الله أنعم عليهم في الدنيا قالوا : وأصل النعمة من النعمة بفتح النون وهي لين العيش ومنه قوله تعالى : ونعمة كانوا فيها فاكهين الدخان يقال : دقيق ناعم إذا بولغ في طحنه وأجيد سحقه وهذا هو الصحيح والدليل عليه أن الله تعالى أوجب على الكفار أن يشكروه وعلى جميع المكلفين فقال : فاذكروا آلاء الله واشكروا لله البقرة والشكر لا يكون إلا على نعمة وقال : وأحسن كما أحسن الله إليك وهذا خطاب لقارون وقال : وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة الآية فنبه سبحانه أنه قد أنعم عليهم نعمة دنياوية فجحدوها وقال يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وقال : يا أيها الناس أذكروا نعمة الله عليكم وهذا عام في الكفار وغيرهم فأما إذا قدم لغيره طعاما فيه سم فقد رفق به في الحال إذ لم يجرعه السم بحتا بل دسه في الحلاوة فلا يستبعد أن يقال : قد أنعم عليه وإذا ثبت هذا فالنعم ضربان : نعم نفع ونعم دفع فنعم النفع ما وصل إليهم من فنون اللذات ونعم الدفع ما صرف عنهم من أنواع الآفات فعلى هذا قد أنعم على الكفار نعم الدفع قولا واحدا وهو ما زوي عنهم من الآلام والأسقام ولا خلاف بينهم في أنه لم ينعم عليهم نعمة دينه والحمد لله التاسعة عشرة قوله تعالى : ( لكن الذين اتقوا ربهم ) إستدراك بعد كلام تقدم فيه معنى النفي لأن معنى ما تقدم ليس لهم في تقلبهم في البلاد كبير الانتفاع لكن المتقون لهم الانتفاع الكبير والخلد الدائم فموضع لكن رفع بالأبتداء وقرأ يزيد بن القعقاع لكن بتشديد النون الموفية عشرين قوله تعالى : ( نزلا من عند الله ) نزلا مثل ثوابا عند البصريين وعند الكسائي يكون مصدرا الفراء : هو مفسر وقرأ الحسن والنخعي نزلا بتخفيف الزاي استثقالا لضمتين وثقله الباقون والنزل : ما يهيأ للنزيل والنزيل الضيف قال الشاعر : نزيل القوم أعظمهم حقوقا وحق الله في حق النزيل والجمع الأنزال وحظ نزيل : مجتمع والنزل : أيضا الريع يقال طعام كثير النزل والنزل الحادية والعشرون قلت : ولعل النزل والله أعلم ما جاء في صحيح مسلم من حديث ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة الحبر الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هم في الظلمة دون الجسر ( قال : فمن أول الناس إج ازة قال : ( فقراء المهاجرين ( قال اليهودي : فما تحفتهم حين يدخلون الجنة قال ( زيادة كبد النون ( قال : فما غذاؤهم على إثرها فقال : ( ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها ( قال : فما شرابهم عليه قال : ( من عين فيها تسمى سلسبيلا ( وذكر الحديث قال أهل اللغة : والتحفة ما يتحف به الإنسان من الفواكه والطرف محاسنه وملاطفه وهذا مطابق لما ذكرناه في النزل والله أعلم وزيادة الكبد : قطعة منه كالأصبع قال الهروي : نزلا من عند الله أي ثوابا وقيل رزقا ( ) أي مما يتقلب به الكفار في الدنيا والله أعلم قال جابر بن عبد الله وأنس وبن عباس وقتادة والحسن : نزلت في النج اشي وذلك أنه لما مات نعاه جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : ( قوموا فصلوا على أخيكم النجاشي ( فقال بعضهم لبعض : يأمرنا أن نصلي على علج من علوج الحبشة فأنزل الله تعالى وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم قال الضحاك : ( وما أنزل إليكم القرآن ( وما أنزل إليهم ) التوراة والإنجيل وفي التنزيل : أولئك يؤتون أجرهم مرتين وفي صحيح مسلم : ( ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين فذكر رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم أدرك النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران ( وذكر الحديث وقد تقدم في البقرة الصلاة عليه وما للعلماء في الصلاة على الميت الغائب فلا معنى للإعادة وقال مجاهد وبن جريج وبن زيد : نزلت في مؤمني أهل الكتاب وهذا عام والنجاشي واحد منهم واسمه أصحمة وهو بالعربية عطية ) أذلة ونصب على الحال من المضمر الذي في يؤمن وقيل : من الضمير في إليهم أو في إليكم وما في الآية بين وقد تقدم ختم تعالى السورة بما تضمنته هذه الآية العاشرة من الوصاة التي جمعت الظهور في الدنيا على الأعداء والفوز بنعيم الآخرة فحض على الصبر على الطاعات وعن الشهوات والصبر الح بس وقد تقدم في البقرة بيانه وأمر بالمصابرة فقيل : معناه مصابرة الأعداء قاله زيد بن أسلم وقال الحسن : على الصلوات الخمس وقيل : إدامة مخالفة النفس عن شهواتها فهي تدعو وه وينزع وقال عطاء والقرظي : صابروا الوعد الذي وعدتم أي لا تيأسوا وانتظروا الفرج قال صلى الله عليه وسلم : ( انتظار الفرج بالصبر عبادة ( واختار هذا القول أبو عمر رحمه الله والأول قول الجمهور ومنه قول عنترة : فلم أر حيا صابروا مثل صبرنا ولا كافحوا مثل الذين نكافح فقوله صابروا مثل صبرنا أي صابروا العدو في الحرب ولم يبد منهم جبن ولا خور والمكافحة : المواجهة والمقابلة في الحرب ولذلك اختلفوا في معنى قوله ( ) فقال جمهور الأمة : رابطوا أعداءكم بالخيل أي ارتبطوها كما يرتبطها أعداؤك م ومنه قوله تعالى : ومن رباط الخيل وفي الموطأ عن مالك عن زيد بن أسلم قال : كتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعا من الروم وما يتخوف منهم فكتب إليه عمر : أما بعد فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة يجعل الله له بعدها فرجا وإنه لن يغلب عسر يسرين وإن الله تعالى يقول في كتابه يأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن : هذه الآية في انتظار الصلاة بعد الصلاة ولم يكن في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيح ه وأحتج أبو سلمة بقوله عليه السلام : ( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطأ إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط ( ثلاثا رواه مالك قال بن عطية : والقول الصحيح هو أن الرباط هو الملازمة في سبيل الله أصلها من ربط الخيل ثم سمي كل ملازم لثغر من ثغور الإسلام مرابطا فارسا كان أو راجلا واللفظ مأخوذ من الربط وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( فذلكم الرباط ( إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله والرباط اللغوي هو الأول وهذا كقوله : ( ليس الشديد بالصرعة ( وقوله ( ليس المسكين بهذا الطواف ( إلى غير ذلك قلت : قوله والرباط اللغوي هو الأول ليس بمسلم فإن الخليل بن أحمد أحد أئمة اللغة وثقاتها قد قال : الرباط ملازمة الثغور ومواظبة الصلاة أيضا فقد حصل أن انتظار الصلاة رباط لغوي حقيقة كما قال صلى الله عليه وسلم وأكثر من هذا ما قاله الشيباني أنه يقال : ماء مترابط أي دائم لا ينزح حكاه بن فارس وهو يقتضي تعدية الرباط لغة إلى غير ما ذكرناه فإن المرابطة عند العرب : العقد على الشيء حتى لا ينحل فيعود إلى ما كان صبر عنه فيحبس القلب على النية الحسنة والجسم على فعل الطاعة ومن أعظمها وأهمها ارتباط الخيل في سبيل الله كما نص عليه في التنزيل في قوله : ومن رباط الخيل على ما يأتي وارتباط النفس على الصلوات كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم رواه أبو هريرة وجابر علي ولا عطر بعد عروس المرابط في سبيل الله عند الفقهاء هو الذي يشخص إلى ثغر من الثغور ليرابط فيه مدة ما قاله محمد بن المواز ورواه وأما سكان الثغور دائما بأهليهم الذين يعمرون ويكتسبون هنالك فهم وإن كانوا حماة فليسوا بمرابطين قاله بن عطية وقال بن خويز منداد : وللرباط حالتان : حالة يكون الثغر مأمونا منيعا يجوز سكناه بالأهل والولد وإن كان غير مأمون جاز أن يرابط فيه بنفسه إذا كان من أهل القتال ولا ينقل إليه الأهل والولد لئلا يظهر العدو فيسبي ويسترق والله أعلم جاء في فضل الرباط أحاديث كثيرة منها ما رواه البخاري عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( رباط يوم في سبيل الله خير عند الله من الدنيا وما فيها ( وفي صحيح مسلم عن سلمان قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجرى عليه رزقه وأمن الفتان ( وروى أبو داود في سننه عن فضالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( كل ميت يختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فتان القبر ( وفي هذين الحديثين دليل على أن الرباط أفضل الأعمال التي يبقى ثوابها بعد الموت كما جاء في حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدق جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ( وهو حديث صحيح انفرد بإخراجه مسلم فإن الصدقة الجارية والعلم المنتفع به والولد الصالح يدعو لأبويه ينقطع ذلك بنفاد الصدقات وذهاب العلم وموت الولد والرباط يضاعف أجره إلى يوم القيامة لأنه لا معنى للنماء إلا المضاعفة وهي غير موقوفة على سبب فتنقطع بانقطاعه بل هي فضل دائم من الله تعالى إلى يوم القيامة وهذا لأن أعمال البر كلها لا يتمكن منها إلا بالسلامة من العدو والتحرز منه بحراسة بيضة الدين وإقامة شعائر الإسلام وهذا العمل الذي يجري عليه ثوابه هو ما كان يعمله من الأعمال الصالحة خرجه بن ماجه بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من مات مرابطا في سبيل الله أجرى عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمل وأجرى عليه رزقه وأمن من الفتان وبعثه الله يوم القيامة آمنا من الفزع ( وفي هذا الحديث قيد ثان وهو الموت حالة الرباط والله أعلم وروي عن عثمان بن عفان قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من رابط ليلة في سبيل الله كانت له كألف ليلة صيامها وقيامها ( وروي عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لرباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبا من غير شهر رمضان أعظم أجرا من عبادة مائة سنة صيامها وقيامها ورباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبا من شهر رمضان أفضل عند الله وأعظم أجرا أراه قال : من عبادة ألف سنة صيامها وقيامها فإن رده الله إلى أهله سالما لم تكتب عليه سيئة ألف سنة وتكتب له الحسنات ويجرى له أجر الرباط إلى يوم القيامة ( ودل هذا الحديث على أن رباط يوم في شهر رمضان يحصل له من الثواب الدائم وإن لم يمت مرابطا والله أعلم وعن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( حرس ليلة في سبيل الله أفضل من صيام رجل وقيامه في أهله ألف سنة السنة ثلاثمائة يوم وستون يوما واليوم كألف سنة ( قلت : وجاء في انتظار الصلاة بعد الصلاة أنه رباط فقد يحصل لمنتظر الصلوات ذلك الفضل إن شاء الله تعالى وقد روى أبو نعيم الحافظ قال حدثنا سليمان بن أحمد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا حجاج بن المنهال ح وحدثنا أبو بكر بن مالك قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثني الحسن بن موسى قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أبي أيوب الأزدي عن نوف البكالي عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة المغرب فصلينا معه فعقب من عقب ورجع من رجع فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يثوب الناس لصلاة العشاء فجاء وقد حضره الناس رافعا أصبعه وقد عقد تسعا وعشرين يشير بالسبابة إلى السماء فحسر ثوبه عن ركبتيه وهو يقول : ( ابشروا معشر المسلمين هذا ربكم قد فتح بابا من أبواب السماء يباهي بكم الملائكة يقول يا ملائكتي انظروا إلى عبادي هؤلاء قضوا فريضة وهم ينتظرون أخرى ( ورواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن مطرف بن عبد الله : أن نوفا وعبد الله بن عمرو اجتمعا فحدث نوف عن التوراة وحدث عبد الله بن عمرو بهذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ( ) أي لم تؤمروا بالجهاد من غير تقوى ( لتك ونوا على رجاء من الفلاح وقيل : لعل بمعنى لكي والفلاح البقاء وقد مضى هذا كله في بسم الله الرحمن الرحيم <

قسم V04/P327

> تفسير سورة النساء < > وهي مدنية إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح في عثمان بن طلحة الحجبي وهي قوله : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها على ما يأتي بيانه قال النقاش : وقيل : نزلت عند هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة وقد قال بعض الناس : إن قوله تعالى : يا أيها الناس حيث وقع إنما هو مكي وقاله علقمة وغيره فيشبه أن يكون صدر السورة مكيا وما نزل بعد الهجرة فإنما هو مدني وقال النحاس : هذه السورة مكية قلت : والصحيح الأول فإن في صحيح البخاري عن عائشة أنها قالت : ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تعني قد بنى بها ولا خلاف بين العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بنى بعائشة بالمدينة ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها وأما من قال : إن قوله : يا أيها الناس مكي حيث وقع فليس بصحيح فإن البقرة مدنية وفيها قوله : يا أيها الناس في موضعين وقد تقدم والله أعلم < < النساء : ( 1 ) يا أيها الناس . . . . . > > < > ( النساء 1 ) <

قسم V04/P327–V05/P007

> فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم ) قد مضى في البقرة إشتقاق الناس ومعنى التقوى والرب والخلق والزوج والبث فلا معنى للإعادة وفي الآية تنبيه على الصانع وقال واحدة على تأنيث لفظ النفس ولفظ النفس يؤنث وإن عني به مذكر ويجوز في الكلام من نفس واحد وهذا على مراعاة المعنى إذ المراد بالنفس آدم عليه السلام قاله مجاهد وقتادة وهي قراءة إبن أبي عبلة واحد بغير هاء وبث معناه فرق ونشر في الأرض ومنه وزرابي مبثوثة الغاشية وقد تقدم في البقرة ومنهما يعني آدم وحواء قال مجاهد : خلقت حواء من قصيري آدم وفي الحديث : ( خلقت المرأة من ضلع عوجاء ( وقد مضى في البقرة رجالا كثيرا ونساء حصر ذريتهما في نوعين فأقتضى أن الخنثى ليس بنوع لكن له حقيقة ترده إلى هذين النوعين وهي الآدمية فيلحق بأحدهما على ما تقدم ذكره في البقرة من إعتبار نقص الأعضاء وزيادتها الثانية قوله تعالى : ( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ) كرر الأتقاء تأكيدا وتنبيها لنفوس المأمورين والذي في موضع نصب على النعت والأرحام معطوف أي اتقوا الله أن تعصوه واتقوا الأرحام أن تقطعوها وقرأ أهل المدينة تساءلون بإدغام التاء في السين وأهل الكوفة بحذف التاء لإجتماع تاءين وتخفيف السين لأن المعنى يعرف وهو كقوله : ولا تعاونوا على الإثم وتنزل وشبهه وقرأ إبراهيم النخعي وقتادة والأعمش وحمزة الأرحام بالخفض وقد تكلم النحويون في ذلك فأما البصريون فقال رؤساؤهم : هو لحن لا تحل القراءة به وأما الكوفيون فقالوا : هو قبيح ولم يزيدوا على هذا ولم يذكروا علة قبحه قال النحاس : فيما علمت وقال سيبويه : لم يعطف على المضمر المخفوض لأنه بمنزلة التنوين والتنوين لا يعطف عليه وقال جماعة : هو معطوف على المكنى فإنهم كانوا يتساءلون بها يقول الرجل سألتك بالله والرحم هكذا فسره الحسن والنخعي ومجاهد وهو الصحيح في المسألة على ما يأتي وضعفه أقوام منهم الزجاج وقالوا : يقبح عطف الأسم الظاهر على المضمر في الخفض إلا بإظهار الخافض كقوله فخسفنا به وبداره الأرض ويقبح مررت به وزيد قال الزجاج عن المازني : لأن المعطوف والمعطوف عليه شريكان يحل كل واحد منهما محل صاحبه فكما لا يجوز مررت بزيد وك كذلك لا يجوز مررت بك وزيد وأما سيبويه فهي عنده قبيحة ولا تجوز إلا في الشعر كما قال : فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا فأذهب فما بك والأيام من عجب عطف الأيام على الكاف في بك بغير الباء للضرورة وكذلك قول الآخر : نعلق في مثل السواري سيوفنا وما بينها والكعب مهوى نفانف عطف الكعب على الضمير في بينها ضرورة وقال أبو علي : ذلك ضعيف في القياس وفي كتاب التذكرة المهدية عن الفارسي أن أبا العباس المبرد قال : لو صليت خلف إمام يقرأ ما أنتم بمصرخي إبراهيم واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام لأخذت نعلي ومضيت قال الزجاج : قراءة حمزة مع ضعفها وقبحها في العربية خطأ عظيم في أصول أمر الدين لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تحلفوا بآبائكم ( فإذا لم يجز الحلف بغير الله فكيف يجوز بالرحم ورأيت إسماعيل بن إسحاق يذهب إلى أن الحلف بغير الله أمر عظيم وأنه خاص لله تعالى قال النحاس : وقول بعضهم والأرحام قسم خطأ من المعنى والإعراب لأن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على النصب وروى شعبة عن عون بن أبي جحيفة عن المنذر بن جرير عن أبيه قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء قوم من مضر حفاة عراة فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير لما رأى من فاقتهم ثم صلى الظهر وخطب الناس فقال : يا أيها الناس اتقوا ربكم إلى : والأرحام ثم قال : تصدق رجل بديناره تصدق رجل بدرهمه تصدق رجل بصاع تمره وذكر الحديث فمعنى هذا على النصب لأنه حضهم على صلة أرحامهم وأيضا فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ( فهذا يرد قول من قال : المعنى أسألك بالله وبالرحم وقد قال أبو إسحاق : معنى تساءلون به يعني تطلبون حقوقكم به ولا معنى للخفض أيضا مع هذا قلت : هذا ما وقفت عليه من القول لعلماء اللسان في منع قراءة والأرحام بالخفض واختاره إبن عطية ورده الإمام أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري واختار العطف فقال : ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم تواترا يعرفه أهل الصنعة وإذا ثبت شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن رد ذلك فقد رد على النبي صلى الله عليه وسلم واستقبح ما قرأ به وهذا مقام محذور ولا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو فإن العربية تتلقى من النبي صلى الله عليه وسلم ولا يشك أحد في فصاحته وأما ما ذكر من الحديث ففيه نظر لأنه عليه السلام قال لأبي العشراء : ( وأبيك لو طعنت في خاصرته ( ثم النهي إنما جاء في الحلف بغير الله وهذا توسل إلى الغير بحق الرحم فلا نهى فيه قال القشيري : وقد قيل هذا إقسام بالرحم أي اتقوا الله وحق الرحم كما تقول : افعل كذا وحق أبيك وقد جاء في التنزيل : والنجم والطور والتين لعمرك وهذا تكلف قلت : لا تكلف فيه فإنه لا يبعد أن يكون والأرحام من هذا القبيل فيكون أقسم بها كما أقسم بمخلوقاته الدالة على وحدانيته وقدرته تأكيدا لها حتى قرنها بنفسه والله أعلم ولله أن يقسم بما شاء ويمنع ما شاء ويبيح ما شاء فلا يبعد أن يكون قسما والعرب تقسم بالرحم ويصح أن تكون الباء مرادة فحذفها كما حذفها في قوله : مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ولا ناعب إلا ببين غرابها فجر وإن لم يتقدم باء قال إبن الدهان أبو محمد سعيد بن مبارك : والكوفي يجيز عطف الظاهر على المجرور ولا يمنع منه ومنه قوله : آبك أيه بي أو مصدر من حمر الجلة جاب حشور ومنه : فأذهب فما بك والأيام من عجب وقول الآخر : وما بينها والكعب غوط نفانف ومنه : فحسبك والضحاك سيف مهند وقول الآخر : وقد رام آفاق السماء فلم يجد له مصعدا فيها ولا الأرض مقعدا وقول الآخر : ما إن بها والأمور من تلف ما حم من أمر غيبه وقعا وقول الآخر : أمر على الكتيبة لست أدري أحتفى كان فيها أم سواها ف سواها مجرور الموضع بفي وعلى هذا حمل بعضهم قوله تعالى : وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين الحجر فعطف على الكاف والميم وقرأ عبد الله بن يزيد والأرحام بالرفع على الإبتداء والخبر مقدر تقديره : والأرحام أهل أن توصل ويحتمل أن يكون إغراء لأن من العرب من يرفع المغرى وأنشد الفراء إن قوما منهم عمير وأشبا ه عمير ومنهم السفاح لجديرون باللقاء إذا قال أخو النجدة السلاح السلاح وقد قيل : إن والأرحام بالنصب عطف على موضع به لأن موضعه نصب ومنه قوله : فلسنا بالجبال ولا الحديدا وكانوا يقولون : أنشدك بالله والرحم والأظهر أنه نصب بإضمار فعل كما ذكرنا الثالثة اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة وأن قطيعتها محرمة وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسماء وقد سألته أأصل أمي ( نعم صلي أمك ( فأمرها بصلتها وهي كافرة فلتأكيدها دخل الفضل في صلة الكافر حتى إنتهى الحال بأبي حنيفة وأصحابه فقالوا بتوارث ذوي الأرحام إن لم يكن عصبة ولا فرض مسمى ويعتقون على من اشتراهم من ذوي رحمهم لحرمة الرحم وعضدوا ذلك بما رواه أبو داؤد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من ملك ذا رحم محرم فهو حر ( وهو قول أكثر أهل العلم روى ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة وهو قول الحسن البصري وجابر بن زيد وعطاء والشعبي والزهري وإليه ذهب الثوري وأحمد وإسحاق ولعلمائنا في ذلك ثلاثة أقوال : الأول أنه مخصوص بالآباء والأجداد الثاني الجناحان يعني الأخوة الثالث كقول أبي حنيفة وقال الشافعي : لا يعتق عليه إلا أولاده وآباؤه وأمهاته ولا يعتق عليه إخوته ولا أحد من ذوي قرابته ولحمته والصحيح الأول للحديث الذي ذكرناه وأخرجه الترمذي والنسائي وأحسن طرقه رواية النسائي له رواه من حديث ضمرة عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن إبن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ملك ذا رحم محرم فقد عتق عليه ( وهو حديث ثابت بنقل العدل عن العدل ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بعلة توجب تركه غير أن النسائي قال في آخره : هذا حديث منكر وقال غيره : تفرد به ضمرة وهذا هو معنى المنكر والشاذ في إصطلاح المحدثين وضمرة عدل ثقة وإنفراد الثقة بالحديث لا يضره والله أعلم الرابعة واختلفوا من هذا الباب في ذوي المحارم من الرضاعة فقال أكثر أهل العلم لا يدخلون في مقتضى الحديث وقال شريك القاضي بعتقهم وذهب أهل الظاهر وبعض المتكلمين إلى أن الأب لا يعتق على الإبن إذا ملكه واحتجوا بقوله عليه السلام : ( لا يجزى ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه ( قالوا : فإذا صح الشراء فقد ثبت الملك ولصاحب الملك التصرف وهذا جهل منهم بمقاصد الشرع فإن الله تعالى يقول : وبالوالدين إحسانا فقد قرن بين عبادته وبين الإحسان للوالدين في الوجوب وليس من الإحسان أن يبقى والده في ملكه وتحت سلطانه فإذا يجب عليه عتقه إما لأجل الملك عملا بالحديث ( فيشتريه فيعتقه ( أو لأجل الإحسان عملا بالآية ومعنى الحديث عند الجمهور أن الولد لما تسبب إلى عتق أبيه باشترائه نسب الشرع العتق إليه نسبة الإيقاع منه وأما إختلاف العلماء فيمن يعتق بالملك فوجه القول الأول ما ذكرناه من معنى الكتاب والسنة ووجه الثاني إلحاق القرابة القريبة المحرمة بالأب المذكور في الحديث ولا أقرب للرجل من إبنه فيحمل على الأب والأخ يقاربه في ذلك لأنه يدلي بالأبوة فإنه يقول : أنا إبن أبيه وأما القول الثالث فمتعلقه حديث ضمرة وقد ذكرناه والله أعلم الخامسة قوله تعالى : ( والأرحام ) الرحم اسم لكافة الأقارب من غير فرق بين المحرم وغيره وأبو حنيفة يعتبر الرحم المحرم في منع الرجوع في الهبة ويجوز الرجوع في حق بني الأعمام مع أن القطيعة موجودة والقرابة حاصلة ولذلك تعلق بها الإرث والولاية وغيرهما من الأحكام فإعتبار المحرم زيادة على نص الكتاب من غير مستند وهم يرون ذلك نسخا سيما وفيه إشارة إلى التعليل بالقطيعة وقد جوزوها في حق بني الأعمام وبني الأخوال والخالات والله أعلم السادسة قوله تعالى : ( إن الله كان عليكم رقيبا ) أي حفيظا عن إبن عباس ومجاهد إبن زيد : عليما وقيل : رقيبا حافظا قيل : بمعنى فاعل فالرقيب من صفات الله تعالى والرقيب : الحافظ والمنتظر تقول : رقبت أرقب رقبة ورقبانا إذا انتظرت والمرقب : المكان العالي المشرف يقف عليه الرقيب والرقيب : السهم الثالث من السبعة التي لها أنصباء ويقال : إن الرقيب ضرب من الحيات فهو لفظ مشترك والله أعلم < <

قسم V05/P007

النساء : ( 2 ) وآتوا اليتامى أموالهم . . . . . > > < > ( النساء 2 ) <

الأسئلة