Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

قسم V05/P362

النساء : ( 102 ) وإذا كنت فيهم . . . . . > > < > ( النساء 102 ) <

قسم V05/P362–V05/P372

> فيه إحدى عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) روى الدارقطني عن أبي عياش الزرقي قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر فقالوا : قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم قال : ثم قالوا تأتي الآن عليهم صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم قال : فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآية بين الظهر والعصر وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة وذكر الحديث وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى وهذا كان سبب إسلام خالد رضي الله عنه وقد اتصلت هذه الآية بما سبق من ذكر الجهاد وبين الرب تبارك وتعالى أن الصلاة لا تسقط بعذر السفر ولا بعذر الجهاد وقتال العدو ولكن فيها رخص على ما تقدم في البقرة وهذه السورة بيانه من إختلاف العلماء وهذه الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يتناول الأمراء بعده إلى يوم القيامة ومثله قوله تعالى : خذ من أموالهم صدقة هذا قول كافة العلماء وشذ أبو يوسف وإسماعيل بن علية فقالا : لا نصلي صلاة الخوف بعد النبي صلى الله عليه وسلم فإن الخطاب كان خاصا له بقوله تعالى : وإذا كنت فيهم وإذا لم يكن فيهم لم يكن ذلك لهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم ليس كغيره في ذلك وكلهم كان يحب أن يأتم به ويصلي خلفه وليس أحد بعده يقوم في الفضل مقامه والناس بعده تستوي أحوالهم وتتقارب فلذلك يصلي الإمام بفريق ويأمر من يصلي بالفريق الآخر وأما أن يصلوا بإمام واحد فلا وقال الجمهور : إنا قد أمرنا بإتباعه والتأسي به في غير ما آية وغير حديث فقال تعالى : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة وقال صلى الله عليه وسلم : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ( فلزم أتباعه مطلقا حتى يدل دليل واضح على الخصوص ولو كان ما ذكروه دليلا على الخصوص للزم قصر الخطابات على من توجهت له وحينئذ كان يلزم أن تكون الشريعة قاصرة على من خوطب بها ثم إن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أطرحوا توهم الخصوص في هذه الصلاة وعدوه إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم وهم أعلم بالمقال وأقعد بالحال وقد قال تعالى : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وهذا خطاب له وأمته داخلة فيه ومثله كثير وقال تعالى : خذ من أموالهم صدقة وذلك لا يوجب الإقتصار عليه وحده وأن من بعده يقوم في ذلك مقامه فكذلك في قوله : وإذا كنت فيهم ألا ترى أن أبا بكر الصديق في جماعة الصحابة رضي الله عنهم قاتلوا من تأول في الزكاة مثل ما تأولتموه في صلاة الخوف قال أبو عمر : ليس في أخذ الزكاة التي قد استوى فيها النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده من الخلفاء ما يشبه صلاة من صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم وصلى خلف غيره لأن أخذ الزكاة فائدتها توصيلها للمساكين وليس فيها فضل للمعطي كما في الصلاة فضل للمصلي خلفه الثانية قوله تعالى : ( فلتقم طائفة منهم معك ) يعني جماعة منهم تقف معك في الصلاة ( وليأخذوا أسلحتهم ) يعني الذين يصلون معك ويقال : وليأخذوا أسلحتهم الذين هم بإزاء العدو على ما يأتي بيانه ولم يذكر الله تعالى في الآية لكل طائفة إلا ركعة واحدة ولكن روى في الأحاديث أنهم أضافوا إليها أخرى على ما يأتي وحذفت الكسرة من قوله : فلتقم وفليكونوا لثقلها وحكى الأخفش والفراء والكسائي أن لام الأمر ولام كي ولام الجحود يفتحن وسيبويه يمنع من ذلك لعلة موجبة وهي الفرق بين لام الجر ولام التأكيد والمراد من هذا الأمر الانقسام أي وسائرهم وجاه العدو حذرا من توقع حملته وقد اختلفت الروايات في هيئة صلاة الخوف واختلف العلماء لإختلافها فذكر إبن القصار أنه صلى الله عليه وسلم صلاها في عشرة مواضع قال إبن العربي : روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى صلاة الخوف أربعا وعشرين مرة وقال الإمام أحمد إبن حنبل وهو إمام أهل الحديث والمقدم في معرفة علل النقل فيه : لا أعلم أنه روى في صلاة الخوف إلا حديث ثابت وهي كلها صحاح ثابتة فعلى أي حديث صلى منها المصلي صلاة الخوف أجزأه إن شاء الله وكذلك قال أبو جعفر الطبري وأما مالك وسائر أصحابه إلا أشهب فذهبوا في صلاة الخوف إلى حديث سهل بن أبي حثمة وهو ما رواه في موطئه عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات الأنصاري أن سهل بن أبي حثمة حدثه أن صلاة الخوف أن يقوم الإمام ومعه طائفة من أصحابه وطائفة مواجهة العدو فيركع الإمام ركعة ويسجد بالذين معه ثم يقوم فإذا استوى قائما ثبت وأتموا لأنفسهم الركعة الباقية ثم يسلمون وينصرفون والإمام قائم فيكونون وجاه العدو ثم يقبل الآخرون الذين لم يصلوا فيكبرون وراء الإمام فيركع بهم الركعة ويسجد ثم يسلم فيقومون ويركعون لأنفسهم الركعة الباقية ثم يسلمون قال إبن القاسم صاحب مالك : والعمل عند مالك على حديث القاسم بن محمد عن صالح بن خوات قال إبن القاسم : وقد كان يأخذ بحديث يزيد بن رومان ثم رجع إلى هذا قال أبو عمر : حديث القاسم وحديث يزيد بن رومان كلاهما عن صالح إبن خوات : إلا أن بينهما فصلا في السلام ففي حديث القاسم أن الإمام يسلم بالطائفة الثانية ثم يقومون فيقضون لأنفسهم الركعة وفي حديث يزيد بن رومان أنه ينتظرهم ويسلم بهم وبه قال الشافعي وإليه ذهب قال الشافعي : حديث يزيد بن رومان عن صالح بن خوات هذا أشبه الأحاديث في صلاة الخوف بظاهر كتاب الله وبه أقول ومن حجة مالك في إختياره حديث القاسم القياس على سائر الصلوات في أن الإمام ليس له أن ينتظر أحدا سبقه بشئ منها وأن السنة المجتمع عليها أن يقضى المأمومون ما سبقوا به بعد سلام الإمام وقول أبي ثور في هذا الباب كقول مالك وقال أحمد كقول الشافعي في المختار عنده وكان لا يعيب من فعل شيئا من الأوجه المروية في صلاة الخوف وذهب أشهب من أصحاب مالك إلى حديث إبن عمر قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهة العدو ثم انصرفوا وقاموا مقام أصحابهم مقبلين على العدو وجاء أولئك ثم صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم ركعة ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة وقال إبن عمر : فإذا كان خوف أكثر من ذلك صلى راكبا أو قائما يومئ إيماء أخرجه البخاري ومسلم ومالك وغيرهم وإلى هذه الصفة ذهب الأوزاعي وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبد البر قال : لأنه أصحها إسنادا وقد ورد بنقل أهل المدينة وبهم الحجة على من خالفهم ولأنه أشبه بالأصول لأن الطائفة الأولى والثانية لم يقضوا الركعة إلا بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة وهو المعروف من سنته المجتمع عليها في سائر الصلوات وأما الكوفيون : أبو حنيفة وأصحابه إلا أبا يوسف القاضي يعقوب فذهبوا إلى حديث عبد الله بن مسعود أخرجه أبو داؤد والدارقطني قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فقاموا صفين صفا خلف النبي صلى الله عليه وسلم وصفا مستقبل العدو فصلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم ركعة وجاء الآخرون فقاموا مقامهم واستقبل هؤلاء العدو فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سلم فقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا ثم ذهبوا فقاموا مقام أولئك مستقبلين العدو ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا وهذه الصفة والهيئة هي الهيئة المذكورة في حديث إبن عمر إلا أن بينهما فرقا وهو أن قضاء أولئك في حديث إبن عمر يظهر أنه في حالة واحدة ويبقى الإمام كالحارس وحده وها هنا قضاؤهم متفرق على صفة صلاتهم وقد تأول بعضهم حديث إبن عمر على ما جاء في حديث إبن مسعود وقد ذهب إلى حديث إبن مسعود الثوري في إحدى الروايات الثلاث عنه وأشهب بن عبد العزيز فيما ذكر أبو الحسن اللخمي عنه والأول ذكره أبو عمر وإبن يونس وإبن حبيب عنه وروى أبو داؤد من حديث حذيفة وأبي هريرة وإبن عمر أنه عليه السلام صلى بكل طائفة ركعة ولم يقضوا وهو مقتضى حديث إبن عباس وفي الخوف ركعة وهذا قول إسحاق وقد تقدم في البقرة الإشارة إلى هذا وأن الصلاة أولى بما أحتيط لها وأن حديث إبن عباس لا تقوم به حجة وقوله في حديث حذيفة وغيره : ولم يقضوا أي في علم من روى ذلك لأنه قد روى أنهم قضوا ركعة في تلك الصلاة بعينها وشهادة من زاد أولى ويحتمل أن يكون المراد لم يقضوا أي لم يقضوا إذا أمنوا وتكون فائدة أن الخائف إذا أمن لا يقضى ما صلى على تلك الهيئة من الصلوات في الخوف قال جميعه أبو عمر وفي صحيح مسلم عن جابر أنه عليه السلام صلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين قال : فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان وأخرجه أبو داؤد والدارقطني من حديث الحسن عن أبي بكرة وذكرا فيه أنه سلم من كل ركعتين وأخرجه الدارقطني أيضا عن الحسن عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم ركعتين ثم سلم ثم صلى بالآخرين ركعتين ثم سلم قال أبو داؤد : وبذلك كان الحسن يفتي وروى عن الشافعي وبه يحتج كل من أجاز اختلاف نية الإمام والمأموم في الصلاة وهو مذهب الشافعي والأوزاعي وإبن علية وأحمد بن حنبل وداؤد وعضدوا هذا بحديث جابر : أن معاذا كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء ثم يأتي فيؤم قومه الحديث وقال الطحاوي : إنما كان هذا في أول الإسلام إذ كان يجوز أن تصلى الفريضة مرتين ثم نسخ ذلك والله أعلم فهذه أقاويل العلماء في صلاة الخوف الثالثة وهذه الصلاة المذكورة في القرآن إنما يحتاج إليها والمسلمون مستدبرون القبلة ووجه العدو القبلة وإنما اتفق هذا بذات الرقاع فأما بعسفان والموضع الآخر فالمسلمون كانوا في قبالة القبلة وما ذكرناه من سبب النزول في قصة خالد بن الوليد لا يلائم تفريق القوم إلى طائفتين فإن في الحديث بعد قوله فأقمت لهم الصلاة قال : فحضرت الصلاة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا السلاح وصفنا خلفه صفين قال : ثم ركع فركعنا جميعا قال : ثم رفع فرفعنا جميعا قال : ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالصف الذي يليه قال : والآخرون قيام يحرسونهم فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم قال : ثم تقدم هؤلاء في مصاف هؤلاء وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء قال : ثم ركع فركعوا جميعا ثم رفع فرفعوا جميعا ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم والصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم فلما جلس الآخرون سجدوا ثم سلم عليهم قال : فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين : مرة بعسفان ومرة في أرض بني سليم وأخرجه أبو داؤد من حديث أبي عياش الزرقي وقال : وهو قول الثوري وهو أحوطها وأخرجه أبو عيسى الترمذي من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بين ضجنان وعسفان الحديث وفيه أنه عليه السلام صدعهم صدعين وصلى بكل طائفة ركعة فكانت للقوم ركعة ركعة وللنبي صلى الله عليه وسلم ركعتان قال : حديث حسن صحيح غريب وفي الباب عن عبد الله إبن مسعود وزيد بن ثابت وإبن عباس وجابر وأبي عياش الزرقي واسمه زيد بن الصامت وإبن عمر وحذيفة وأبي بكر وسهل بن أبي حثمة قلت : ولا تعارض بين هذه الروايات فلعله صلى بهم صلاة كما جاء في حديث أبي عياش مجتمعين وصلى بهم صلاة أخرى متفرقين كما جاء في حديث أبي هريرة ويكون فيه حجة لمن يقول صلاة الخوف ركعة قال الخطابي : صلاة الخوف أنواع صلاها النبي صلى الله عليه وسلم في أيام مختلفة وأشكال متباينة يتوخى فيها كلها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة الرابعة واختلفوا في كيفية صلاة المغرب فروى الدارقطني عن الحسن عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالقوم صلاة المغرب ثلاث ركعات ثم انصرفوا وجاء الآخرون فصلى بهم ثلاث ركعات فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم ستا وللقوم ثلاثا ثلاثا وبه قال الحسن والجمهور في صلاة المغرب على خلاف هذا وهو أنه يصلي بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة وتقضى على إختلاف أصولهم فيه متى يكون هل قبل سلام الإمام أو بعده هذا قول مالك وأبي حنيفة لأنه أحفظ لهيئة الصلاة وقال الشافعي : يصلي بالأولى ركعة لأن عليا رضي الله عنه فعلها ليلة الهرير والله تعالى أعلم الخامسة واختلفوا في صلاة الخوف عند إلتحام الحرب وشدة القتال وخيف خروج الوقت فقال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وعامة العلماء : يصلي كيفما أمكن لقول إبن عمر : فإن كان خوف أكثر من ذلك فيصلي راكبا أو قائما يومئ إيماء قال في الموطأ : مستقبل القبلة وغير مستقبلها وقد تقدم في البقرة قول الضحاك وإسحاق وقال الأوزاعي إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء كل امرئ لنفسه فإن لم يقدروا على الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال ويأمنوا فيصلوا ركعتين فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين فإن لم يقدروا يجزئهم التكبير ويؤخروها حتى يأمنوا وبه قال مكحول قلت : وحكاه الكيا الطبري في أحكام القرآن له عن أبي حنيفة وأصحابه قال الكيا : وإذا كان الخوف أشد من ذلك وكان إلتحام القتال فإن المسلمين يصلون على ما أمكنهم مستقبلي القبلة ومستدبريها وأبو حنيفة وأصحابه الثلاثة متفقون على أنهم لا يصلون والحالة هذه بل يؤخرون الصلاة وإن قاتلوا في الصلاة قالوا : فسدت الصلاة وحكى عن الشافعي أنه إن تابع الطعن والضرب فسدت صلاته قلت : وهذا القول يدل على صحة قول أنس : حضرت مناهضة حصن تستر عند إضاءة الفجر واشتد اشتعال القتال فلم نقدر على الصلاة إلا بعد إرتفاع النهار فصليناها ونحن مع أبي موسى ففتح لنا قال أنس : وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها ذكره البخاري وإليه كان يذهب شيخنا الأستاذ أبو جعفر أحمد بن محمد بن محمد القيسي القرطبي المعروف بأبي حجة وهو إختيار البخاري فيما يظهر لأنه أردفه بحديث جابر قال : جاء عمر يوم الخندق فجعل يسب كفار قريش ويقول : يا رسول الله ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغرب فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( وأنا والله ما صليتها ( قال : فنزل إلى بطحان فتوضأ وصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى المغرب بعدها السادسة واختلفوا في صلاة الطالب والمطلوب فقال مالك وجماعة من أصحابه هما سواء كل واحد منهما يصلي على دابته وقال الأوزاعي والشافعي وفقهاء أصحاب الحديث وبن عبد الحكم : لا يصلي الطالب إلا بالأرض وهو الصحيح لأن الطلب تطوع والصلاة المكتوبة فرضها أن تصلى بالأرض حيثما أمكن ذلك ولا يصليها راكب إلا خائف شديد خوفه وليس كذلك الطالب والله أعلم السابعة واختلفوا أيضا في العسكر إذا رأوا سوادا فظنوه عدوا فصلوا صلاة الخوف ثم بان لهم أنه غير شيء فلعلمائنا فيه روايتان : إحداهما يعيدون وبه قال أبو حنيفة والثانية لا إعادة عليهم وهو أظهر قولي الشافعي ووجه الأولى أنهم تبين لهم الخطأ فعادوا إلى الصواب كحكم الحاكم ووجه الثانية أنهم عملوا على إجتهادهم فجاز لهم كما لو أخطئوا القبلة وهذا أولى لأنهم فعلوا ما أمروا به وقد يقال : يعيدون في الوقت فأما بعد خروجه فلا والله أعلم الثامنة قوله تعالى : ( وليأخذوا أسلحتهم ) وقال : ( وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ) هذا وصاة بالحذر وأخذ السلاح لئلا ينال العدو أمله ويدرك فرصته والسلاح ما يدفع به المرء عن نفسه في الحرب قال عنترة : كسوت الجعد جعد بني أبان سلاحي بعد عري وافتضاح يقول : أعرته سلاحي ليمتنع بها بعد عريه من السلاح قال إبن عباس : وليأخذوا أسلحتهم يعني الطائفة التي وجاه العدو لأن المصلية لا تحارب وقال غيره : هي المصلية أي وليأخذ الذين صلوا أولا أسلحتهم ذكره الزجاج قال : ويحتمل أن تكون الطائفة الذين هم في الصلاة أمروا بحمل السلاح أي فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإنه أرهب للعدو النحاس : يجوز أن يكون للجميع لأنه أهيب للعدو ويحتمل أن يكون للتي وجاه العدو خاصة قال أبو عمر : أكثر أهل العلم يستحبون للمصلي أخذ سلاحه إذا صلى في الخوف ويحملون قوله وليأخذوا أسلحتهم على الندب لأنه شيء لولا الخوف لم يجب أخذه فكان الأمر به ندبا وقال أهل الظاهر : أخذ السلاح في صلاة الخوف واجب لأمر الله به إلا لمن كان به أذى من مطر فإن كان ذلك جاز له وضع سلاحه قال إبن العربي إذا صلوا أخذوا سلاحهم عند الخوف وبه قال الشافعي وهو نص القرآن وقال أبو حنيفة : لا يحملونها لأنه لو وجب عليهم حملها لبطلت الصلاة بتركها قلنا : لم يجب حملها لأجل الصلاة وإنما وجب عليهم قوة لهم ونظرا التاسعة قوله تعالى : ( فإذا سجدوا ) الضمير في سجدوا للطائفة المصلية فلينصرفوا هذا على بعض الهيئات المروية وقيل : المعنى فإذا سجدوا ركعة القضاء وهذا على هيئة سهل بن أبي حثمة ودلت هذه الآية على أن السجود قد يعبر به عن جميع الصلاة وهو كقوله عليه السلام : ( إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين ( أي فليصل ركعتين وهو في السنة والضمير في قوله : ( فليكونوا ) يحتمل أن يكون للذين سجدوا ويحتمل أن يكون للطائفة القائمة أولا بإزاء العدو العاشرة قوله تعالى : ( ود الذين كفروا ) أي تمنى وأحب الكافرون غفلتكم عن أخذ السلاح ليصلوا إلى مقصودهم فبين الله تعالى بهذا وجه الحكمة في الأمر بأخذ السلاح وذكر الحذر في الطائفة الثانية دون الأولى لأنها أولى بأخذ الحذر لأن العدو لا يؤخر قصده عن هذا الوقت لأنه آخر الصلاة وأيضا يقول العدو قد أثقلهم السلاح وكلوا وفي هذه الآية أدل دليل على تعاطي الأسباب وإتخاذ كل ما ينجي ذوي الألباب ويوصل إلى السلامة ويبلغ دار الكرامة ومعنى ( ميلة واحدة ) مبالغة أي مستأصلة لا يحتاج معها إلى ثانية الحادية عشرة قوله تعالى : ( ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر ) الآية للعلماء في وجوب حمل السلاح في الصلاة كلام قد أشرنا إليه فإن لم يجب فيستحب للإحتياط ثم رخص في المطر وضعه لأنه تبتل المبطنات وتثقل ويصدأ الحديد وقيل : نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم يوم بطن نخلة لما انهزم المشركون وغنم المسلمون وذلك أنه كان يوما مطيرا وخرج النبي صلى الله عليه وسلم لقضاء حاجته واضعا سلاحه فرآه الكفار منقطعا عن أصحابه فقصده غورث بن الحارث فانحدر عليه من الجبل بسيفه فقال : من يمنعك مني اليوم فقال : ( الله ( ثم قال : ( اللهم أكفني الغورث بما شئت ( فأهوى بالسيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليضربه فانكب لوجهه لزلقة زلقها وذكر الواقدي أن جبريل عليه السلام دفعه في صدره على ما يأتي في المائدة وسقط السيف من يده فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ( من يمنعك مني يا غورث ( فقال : لا أحد فقال ( تشهد لي بالحق وأعطيك سيفك ( قال : لا ولكن أشهد ألا أقاتلك بعد هذا ولا أعين عليك عدوا فدفع إليه السيف ونزلت الآية رخصة في وضع السلاح في المطر ومرض عبد الرحمن بن عوف من جرح كما في صحيح البخاري فرخص الله سبحانه لهم في ترك السلاح والتأهب للعدو بعذر المطر ثم أمرهم فقال : ( خذوا حذركم ) أي كونوا متيقظين وضعتم السلاح أو لم تضعوه وهذا يدل على تأكيد التأهب والحذر من العدو في كل الأحوال وترك الإستسلام فإن الجيش ما جاءه مصاب قط إلا من تفريط في حذر وقال الضحاك في قوله تعالى : وخذوا حذركم يعني تقلدوا سيوفكم فإن ذلك هيئة الغزاة < <

قسم V05/P372–V05/P374

النساء : ( 103 ) فإذا قضيتم الصلاة . . . . . > > < > ( النساء 103 : 104 ) < > فيه خمس مسائل : الأولى ( قضيتم ) معناه فرغتم من صلاة الخوف وهذا يدل على أن القضاء يستعمل فيما قد فعل في وقته ومنه قوله تعالى : فإذا قضيتم مناسككم وقد تقدم الثانية قوله تعالى : ( فأذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ) ذهب الجمهور إلى أن هذا الذكر المأمور به إنما هو إثر صلاة الخوف أي إذا فرغتم من الصلاة فاذكروا الله بالقلب واللسان على أي حال كنتم قياما وقعودا وعلى جنوبكم وأديموا ذكره بالتكبير والتهليل والدعاء بالنصر لا سيما في حال القتال ونظيره إذا لقيتم فئة فأثبتوا وأذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ويقال : فإذا قضيتم الصلاة بمعنى إذا صليتم في دار الحرب فصلوا على الدواب أو قياما أو قعودا أو على جنوبكم إن لم تستطيعوا القيام إذا كان خوفا أو مرضا كما قال تعالى في آية أخرى : فإن خفتم فرجالا أو ركبانا وقال قوم : هذه الآية نظيرة التي في آل عمران فروى أن عبد الله بن مسعود رأى الناس يضجون في المسجد فقال : ما هذه الضجة قالوا : أليس الله تعالى يقول اذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم قال : إنما يعني بهذا الصلاة المكتوبة إن لم تستطع قائما فقاعدا وإن لم تستطع فصل على جنبك فالمراد نفس الصلاة لأن الصلاة ذكر الله تعالى وقد اشتملت على الأذكار المفروضة والمسنونة والقول الأول أظهر والله أعلم الثالثة قوله تعالى : ( فإذا اطمأننتم ) أي أمنتم والطمأنينة سكون النفس من الخوف ( فأقيموا الصلاة ) أي فأتوها بأركانها وبكمال هيئتها في السفر وبكمال عددها في الحضر ( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ) أي مؤقتة مفروضة وقال زيد إبن أسلم : موقوتا منجما أي تؤدونها في أنجمها والمعنى عند أهل اللغة : مفروض لوقت بعينه يقال : وقته فهو موقوت ووقته فهو مؤقت وهذا قول زيد بن أسلم بعينه وقال : كتابا والمصدر مذكر فلهذا قال : موقوتا الرابعة قوله تعالى : ( ولا تهنوا ) أي لا تضعفوا وقد تقدم في آل عمران ( في إبتغاء القوم ) طلبهم قيل : نزلت في حرب أحد حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج في آثار المشركين وكان بالمسلمين جراحات وكان أمر ألا يخرج معه إلا من كان في الوقعة كما تقدم في آل عمران وقيل : هذا في كل جهاد الخامسة قوله تعالى : ( إن تكونوا تألمون ) أي تتألمون مما أصابكم من الجراح فهم يتألمون أيضا مما يصيبهم ولكم مزية وهي أنكم ترجون ثواب الله وهم لا يرجونه وذلك أن من لا يؤمن بالله لا يرجو من الله شيئا ونظير هذه الآية إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وقد تقدم وقرأ عبد الرحمن الأعرج أن تكونوا بفتح الهمزة أي لأن وقرأ منصور بن المعتمر إن تكونوا تألمون بكسر التاء ولا يجوز عند البصريين كسر التاء لثقل الكسر فيها ثم قيل : الرجاء هنا بمعنى الخوف لأن من رجا شيئا فهو غير قاطع بحصوله فلا يخلو من خوف فوت ما يرجو وقال الفراء والزجاج : لا يطلق الرجاء بمعنى الخوف إلا مع النفي كقوله تعالى : ما لكم لا ترجون لله وقارا أي لا تخافون لله عظمة وقوله تعالى : للذين لا يرجون أيام الله أي لا يخافون قال القشيري : ولا يبعد ذكر الخوف من غير أن يكون في الكلام نفي ولكنهما أدعيا أنه لم يوجد ذلك إلا مع النفي والله أعلم < < النساء : ( 105 ) إنا أنزلنا إليك . . . . . > > < > ( النساء 105 ) <

قسم V05/P374–V05/P376

> فيه أربع مسائل : الأولى في هذه الآية تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم وتكريم وتعظيم وتفويض إليه وتقويم أيضا على الجادة في الحكم وتأنيب على ما رفع إليه من أمر بني أبيرق وكانوا ثلاثة إخوة : بشر وبشير ومبشر وأسير بن عروة إبن عم لهم نقبوا مشربة لرفاعة بن زيد في الليل وسرقوا أدراعا له وطعاما فعثر على ذلك وقيل إن السارق بشير وحده وكان يكنى أبا طعمة أخذ درعا قيل : كان الدرع في جراب فيه دقيق فكان الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى إنتهى إلى داره فجاء إبن أخي رفاعة واسمه قتادة بن النعمان يشكوهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجاء أسير بن عروة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن هؤلاء عمدوا إلى أهل بيت هم أهل صلاح ودين فأنبوهم بالسرقة ورموهم بها من غير بينة وجعل يجادل عنهم حتى غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتادة ورفاعة فأنزل الله تعالى : ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم الآية وأنزل الله تعالى ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا وكان البرئ الذي رموه بالسرقة لبيد بن سهل وقيل : زيد بن السمين وقيل : رجل من الأنصار فلما أنزل الله ما أنزل هرب إبن أبيرق السارق إلى مكة ونزل على سلافة بنت سعد بن شهيد فقال فيها حسان بن ثابت بيتا يعرض فيه بها وهو : وقد أنزلته بنت سعد وأصبحت ينازعها جلد آستها وتنازعه ظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتمو وفينا نبي عنده الوحي واضعه فلما بلغها قالت : إنما أهديت لي شعر حسان وأخذت رحله فطرحته خارج المنزل فهرب إلى خيبر وارتد ثم إنه نقب بيتا ذات ليلة ليسرق فسقط الحائط عليه فمات مرتدا ذكر هذا الحديث بكثير من ألفاظه الترمذي وقال : حديث حسن غريب لا نعلم أحدا أسنده غير محمد بن سلمة الحراني وذكره الليث والطبري بألفاظ مختلفة وذكر قصة موته يحيى بن سلام في تفسيره والقشيري كذلك وزاد ذكر الردة ثم قيل : كان زيد بن السمين ولبيد بن سهل يهوديين وقيل : كان لبيد مسلما وذكره المهدوي وأدخله أبو عمر في كتاب الصحابة له فدل ذلك على إسلامه عنده وكان بشير رجلا منافقا يهجو أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وينحل الشعر غيره وكان المسلمون يقولون : والله ما هو إلا شعر الخبيث فقال شعرا يتنصل فيه فمنه قوله : أو كلما قال الرجال قصيدة نحلت وقالوا إبن الأبيرق قالها وقال الضحاك : أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع يده وكان مطاعا فجاءت اليهود شاكين في السلاح فأخذوه وهربوا به فنزل هأنتم هؤلاء يعني اليهود والله أعلم الثانية قوله تعالى : ( بما أراك الله ) معناه على قوانين الشرع إما بوحي ونص أو بنظر جار على سنن الوحي وهذا أصل في القياس وهو يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى شيئا أصاب لأن الله تعالى أراه ذلك وقد ضمن الله تعالى لأنبيائه العصمة فأما أحدنا إذا رأى شيئا يظنه فلا قطع فيما رآه ولم يرد رؤية العين هنا لأن الحكم لا يرى بالعين وفي الكلام إضمار أي بما أراكه الله وفيه إضمار آخر وأمض الأحكام على ما عرفناك من غير إغترار بإستدلالهم الثالثة قوله تعالى : ( ولا تكن للخائنين خصيما ) اسم فاعل كقولك : جالسته فأنا جليسه ولا يكون فعيلا هنا بمعنى مفعول يدل على ذلك ولا تجادل فالخصيم هو المجادل وجمع الخصيم خصماء وقيل : خصيما مخاصما اسم فاعل أيضا فنهى الله عزوجل رسوله عن عضد أهل التهم والدفاع عنهم بما يقوله خصمهم من الحجة وفي هذا دليل على أن النيابة عن المبطل والمتهم في الخصومة لا تجوز فلا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق ومشى الكلام في السورة على حفظ أموال اليتامى والناس فبين أن مال الكافر محفوظ عليه كمال المسلم إلا في الموضع الذي أباحه الله تعالى المسألة الرابعة قال العلماء : ولا ينبغي إذا ظهر للمسلمين نفاق قوم أن يجادل فريق منهم فريقا عنهم ليحموهم ويدفعوا عنهم فإن هذا قد وقع على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم نزل قوله تعالى : ولا تكن للخائنين خصيما وقوله : ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد منه الذين كانوا يفعلونه من المسلمين دونه لوجهين : أحدهما أنه تعالى آبان ذلك بما ذكره بعد بقوله : هأنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا والآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حكما فيما بينهم ولذلك كان يعتذر إليه ولا يعتذر هو إلى غيره فدل على أن القصد لغيره < <

قسم V05/P376–V05/P378

النساء : ( 106 ) واستغفر الله إن . . . . . > > < > ( النساء 106 ) < > فيه مسألة واحدة : ذهب الطبري إلى أن المعنى : استغفر الله من ذنبك في خصامك للخائنين فأمره بالإستغفار لما هم بالدفع عنهم وقطع يد اليهودي وهذا مذهب من جوز الصغائر على الأنبياء صلوات الله عليهم قال إبن عطية : وهذا ليس بذنب لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما دافع على الظاهر وهو يعتقد براءتهم والمعنى : واستغفر الله للمذنبين من أمتك والمتخاصمين بالباطل ومحلك من الناس أن تسمع من المتداعيين وتقضي بنحو ما تسمع وتستغفر للمذنب وقيل : هو أمر بالإستغفار على طريق التسبيح كالرجل يقول : أستغفر الله على وجه التسبيح من غير أن يقصد توبة من ذنب وقيل : الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد بنو أبيرق كقوله تعالى : يا أيها النبي اتق الله فإن كنت في شك < < النساء : ( 107 ) ولا تجادل عن . . . . . > > < > ( النساء 107 ) < > أي لا تحاجج عن الذين يخونون أنفسهم نزلت في أسير بن عروة كما تقدم والمجادلة المخاصمة من الجدل وهو الفتل ومنه رجل مجدول الخلق ومنه الأجدل للصقر وقيل : هو من الجدالة وهي وجه الأرض فكل واحد من الخصمين يريد أن يلقي صاحبه عليها قال العجاج : قد أركب الحالة بعد الحالة وأترك العاجز بالجدالة منعفرا ليست له محالة الجدالة الأرض من ذلك قولهم : تركته مجدلا أي مطروحا على الجدالة قوله تعالى : ( إن الله لا يحب ) أي لا يرضى عنه ولا ينوه بذكر ( من كان خوانا ) خائنا وخوانا أبلغ لأنه من أبنية المبالغة وإنما كان ذلك لعظم قدر تلك الخيانة والله أعلم < < النساء : ( 108 ) يستخفون من الناس . . . . . > > < > ( النساء 108 : 109 ) < > قال الضحاك : لما سرق الدرع إتخذ حفرة في بيته وجعل الدرع تحت التراب فنزلت ( يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله ) يقول : لا يخفى مكان الدرع على الله وهو معهم أي رقيب حفيظ عليهم وقي : يستخفون من الناس أي يستترون كما قال تعالى : ومن هو مستخف بالليل أي مستتر وقيل : يستحيون من الناس وهذا لأن الإستحياء سبب الإستتار ومعنى ( وهو معهم ) أي بالعلم والرؤية والسمع هذا قول أهل السنة وقالت الجهمية والقدرية والمعتزلة : هو بكل مكان تمسكا بهذه الآية وما كان مثلها قالوا : لما قال وهو معهم ثبت أنه بكل مكان لأنه قد أثبت كونه معهم تعالى الله عن قولهم فإن هذه صفة الأجسام والله تعالى متعال عن ذلك ألا ترى مناظرة بشر في قول الله عزوجل : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم حين قال : هو بذاته في كل مكان فقال له خصمه : هو في قلنسوتك وفي حشوك وفي جوف حمارك تعالى الله عما يقولون حكى ذلك وكيع رضي الله عنه ومعنى ( ) يقولون قاله الكلبي عن أبي صالح عن إبن عباس ( ما لا يرضى ) أي ما لا يرضاه الله لأهل طاعته ( من القول ) أي من الرأي والإعتقاد كقولك : مذهب مالك والشافعي وقيل : القول بمعنى المقول لأن نفس القول لا يبيت قوله تعالى : ( هأنتم هؤلاء ) يريد قوم بشير السارق لما هربوا به وجادلوا عنه قال الزجاج : هؤلاء بمعنى الذين ( جادلتم ) حاججتم ( في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة ) إستفهام معناه الإنكار والتوبيخ ( أم من يكون عليهم وكيلا ) الوكيل : القائم بتدبير الأمور فالله تعالى قائم بتدبير خلقه والمعنى : لا أحد لهم يقوم بأمرهم إذا أخذهم الله بعذابه وأدخلهم النار < <

قسم V05/P378–V05/P380

النساء : ( 110 ) ومن يعمل سوءا . . . . . > > < > ( النساء 110 ) < > قال إبن عباس : عرض الله التوبة على بني أبيرق بهذه الآية أي ( ومن يعمل سوءا ) بأن يسرق ( أو يظلم نفسه ) بأن يشرك ( ثم يستغفر الله ) يعني بالتوبة فإن الإستغفار باللسان من غير توبة لا ينفع وقد بيناه في آل عمران وقال الضحاك : نزلت الآية في شأن وحشي قاتل حمزة أشرك بالله وقتل حمزة ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إني لنادم فهل لي من توبة فنزل : ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه الآية وقيل : المراد بهذه الآية العموم والشمول لجميع الخلق وروى سفيان عن أبي إسحاق عن الأسود وعلقمة قالا : قال عبد الله بن مسعود من قرأ هاتين الآيتين من سورة النساء ثم استغفر غفر له : ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما وروى عن علي رضي الله عنه أنه قال : كنت إذا سمعت حديثا من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعني الله به ما شاء وإذا سمعته من غيره حلفته وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر : قال : ما من عبد يذنب ذنبا ثم يتوضأ ويصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر الله له ثم تلا هذه الآية ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما < < النساء : ( 111 ) ومن يكسب إثما . . . . . > > < > ( النساء 111 : 112 ) < > قوله تعالى : ( ومن يكسب إثما ) أي ذنبا ( فإنما يكسبه على نفسه ) أي عاقبته عائدة عليه والكسب ما يجربه الإنسان إلى نفسه نفعا أو يدفع عنه به ضررا ولهذا لا يسمى فعل الرب تعالى كسبا قوله تعالى : ( ومن يكسب خطيئة أو إثما ) قيل : هما بمعنى واحد كرر لإختلاف اللفظ تأكيدا وقال الطبري : إنما فرق بين الخطيئة والإثم أن الخطيئة تكون عن عمد وعن غير عمد والإثم لا يكون إلا عن عمد وقيل : الخطيئة ما لم لتعمده خاصة كالقتل بالخطأ وقيل : الخطيئة الصغيرة والإثم الكبيرة وهذه الآية لفظها عام يندرج تحته أهل النازلة وغيرهم قوله تعالى : ( ثم يرم به بريئا ) قد تقدم اسم البرئ في البقرة والهاء في به للإثم أو للخطيئة لأن معناها الإثم أولهما جميعا وقيل : ترجع إلى الكسب ( فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ) تشبيه إذ الذنوب ثقل ووزر فهي كالمحمولات وقد قال تعالى : وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم والبهتان من البهت وهو أن تستقبل أخاك بأن تقذفه بذنب وهو منه بريء وروى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أتدرون ما الغيبة ( قالوا : الله ورسوله أعلم قال : ( ذكرك أخاك بما يكره ( قيل : أفرأيت إن كان في أخي ما أقول قال : ( إن كان فيه ما تقول فقد أغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته ( وهذا نص فرمى البرئ بهت له يقال : بهته بهتا وبهتا وبهتانا إذا قال عليه ما لم يفعله وهو بهات والمقول له مبهوت ويقال : بهت الرجل ( بالكسر ) إذا دهش وتحير وبهت ( بالضم ) مثله وأفصح منهما بهت كما قال الله تعالى : فبهت الذي كفر لأنه يقال : رجل مبهوت ولا يقال : باهت ولا بهيت قاله الكسائي < < النساء : ( 113 ) ولولا فضل الله . . . . . > > < > ( النساء 113 ) <

قسم V05/P380–V05/P381

> قوله تعالى : ( ولولا فضل الله عليك ورحمته ) ما بعد لولا مرفوع بالإبتداء عند سيبويه والخبر محذوف لا يظهر والمعنى : ولولا فضل الله عليك ورحمته بأن نبهك على الحق وقيل : بالنبوءة والعصمة ( لهمت طائفة منهم أن يضلوك ) عن الحق لأنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبرئ إبن أبيرق من التهمة ويلحقها اليهودي فتفضل الله عزوجل على رسوله عليه السلام بأن نبهه على ذلك وأعلمه إياه ( وما يضلون إلا أنفسهم ) لأنهم يعملون عمل الضالين فوباله لهم راجع عليهم ( وما يضرونك من شيء ) لأنك معصوم ( وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة ) هذا إبتداء كلام وقيل : الواو للحال كقولك : جئتك والشمس طالعة ومنه قول أمرئ القيس : وقد أغتدى والطير في وكناتها فالكلام متصل أي ما يضرونك من شيء مع إنزال الله عليك القرآن والحكمة القضاء بالوحي ( وعلمك ما لم تكن تعلم ) يعني من الشرائع والأحكام وتعلم في موضع نصب لأنه خبر كان وحذفت الضمة من النون للجزم وحذفت الواو لإلتقاء الساكنين < < النساء : ( 114 ) لا خير في . . . . . > > < > ( النساء 114 ) <

قسم V05/P381–V05/P384

> أراد ما تفاوض به قوم بني أبيرق من التدبير وذكروه للنبي صلى الله عليه وسلم والنجوى : السر بين الاثنين تقول : ناجيت فلانا مناجاة ونجاء وهم ينتجون ويتناجون ونجوت فلانا أنجوه نجوا أي ناجيته فنجوى مشتقة من نجوت الشئ أنجوه أي خلصته وأفردته والنجوة من الأرض المرتفع لإنفراده بإرتفاعه عما حوله قال الشاعر : فمن بنجوته كمن بعقوته والمستكن كمن يمشي بقرواح فالنجوى المسارة مصدر وقد تسمى به الجماعة كما يقال : قوم عدل ورضا قال الله تعالى : وإذ هم نجوى فعلى الأول يكون الأمر أمر إستثناء من غير الجنس وهو الإستثناء المنقطع وقد تقدم وتكون من في موضع رفع أي لكن من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ودعا إليه ففي نجواه خير ويجوز أن تكون من في موضع خفض ويكون التقدير : لا خير في كثير من نجواهم إلا نجوى من أمر بصدقة ثم حذف وعلى الثاني وهو أن يكون النجوى اسما للجماعة المنفردين فتكون من في موضع خفض على البدل أي لا خير في كثير من نجواهم إلا فيمن أمر بصدقة أو تكون في موضع نصب على قول من قال : ما مررت بأحد إلا زيدا وقال بعض المفسرين منهم الزجاج : النجوى كلام الجماعة المنفردة أو الاثنين كان ذلك سرا أو جهرا وفيه بعد والله أعلم والمعروف لفظ يعم أعمال البر كلها وقال مقاتل : المعروف هنا الفرض والأول أصح وقال صلى الله عليه وسلم : ( كل معروف صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق ( وقال صلى الله عليه وسلم : ( المعروف كاسمه وأول من يدخل الجنة يوم القيامة المعروف وأهله ( وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لا يزهدنك في المعروف كفر من كفره فقد يشكر الشاكر بأضعاف جحود الكافر وقال الحطيئة : من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس وأنشد الرياشي : يد المعروف غنم حيث كانت تحملها كفور أو شكور ففي شكر الشكور لها جزاء وعند الله ما كفر الكفور وقال الماوردي : فينبغي لمن يقدر على إسداء المعروف أن يعجله حذار فواته ويبادر به خيفة عجزه وليعلم أنه من فرص زمانه وغنائم إمكانه ولا يهمله ثقة بالقدرة عليه فكم من واثق بالقدرة فاتت فأعقبت ندما ومعول على مكنة زالت فأورثت خجلا كما قال الشاعر : ما زلت اسمع كم من واثق خجل حتى إبتليت فكنت الواثق الخجلا ولو فطن لنوائب دهره وتحفظ من عواقب أمره لكانت مغانمه مذخورة ومغارمه مجبورة فقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من فتح عليه باب من الخير فلينتهزه فإنه لا يدري متى يغلق عنه ( وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لكل شيء ثمرة وثمرة المعروف السراح ( وقيل لأنو شروان : ما أعظم المصائب عندكم قال : أن تقدر على المعروف فلا تصطنعه حتى يفوت وقال عبد الحميد : من أخر الفرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها وقال بعض الشعراء : إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل خافقة سكون ولا تغفل عن الإحسان فيها فما تدري السكون متى يكون وكتب بعض ذوي الحرمات إلى وال قصر في رعاية حرمته : أعلى الصراط تريد رعية حرمتي أم في الحساب تمن بالإنعام للنفع في الدنيا أريدك فانتبه لحوائجي من رقدة النوام وقال العباس رضي الله عنه : لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال : تعجيله وتصغيره وستره فإذا عجلته هنأته وإذا صغرته عظمته وإذا سترته أتممته وقال بعض الشعراء : زاد معروفك عندي عظما إنه عندك مستور حقير تتناساه كأن لم تأته وهو عند الناس مشهور خطير ومن شرط المعروف ترك الإمتنان به وترك الإعجاب بفعله لما فيهما من إسقاط الشكر وإحباط الأجر وقد تقدم في البقرة بيانه قوله تعالى : ( أو إصلاح بين الناس ) عام في الدماء والأموال والأعراض وفي كل شيء يقع التداعي والاختلاف فيه بين المسلمين وفي كل كلام يراد به وجه الله تعالى وفي الخبر : ( كلام إبن آدم كله عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر لله تعالى ( فأما من طلب الرياء والترؤس فلا ينال الثواب وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه : رد الخصوم حتى يصطلحوا فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن وسياتي في المجادلة ما يحرم من المناجاة وما يجوز إن شاء الله تعالى وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال : من أصلح بين إثنين أعطاه الله بكل كلمة عتق رقبة وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي أيوب : ( ألا أدلك على صدقة يحبها الله ورسوله تصلح بين أناس إذا تفاسدوا وتقرب بينهم إذا تباعدوا ( وقال الأوزاعي : ما خطوة أحب إلى الله عزوجل من خطوة في إصلاح ذات البين ومن أصلح بين اثنين كتب الله له براءة من النار وقال محمد بن المنكدر : تنازع رجلان في ناحية المسجد فملت إليهما فلم أزل بهما حتى اصطلحا فقال أبو هريرة وهو يراني : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من أصلح بين اثنين استوجب ثواب شهيد ( ذكر هذه الأخبار أبو مطيع مكحول بن المفضل النسفي في كتاب اللؤلئيات له وجدته بخط المصنف في وريقة ولم ينبه على موضعها رضي الله عنه و ( إبتغاء ) نصب على المفعول من أجله < <

قسم V05/P384–V05/P385

النساء : ( 115 ) ومن يشاقق الرسول . . . . . > > < > ( النساء 115 : 116 ) < > فيه مسألتان : الأولى قال العلماء : هاتان الآيتان نزلتا بسبب إبن أبيرق السارق لما حكم النبي صلى الله عليه وسلم عليه بالقطع وهرب إلى مكة وارتد قال سعيد بن جبير : لما صار إلى مكة نقب بيتا بمكة فلحقه المشركون فقتلوه فأنزل الله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به إلى قوله : فقد ضل ضلالا بعيدا وقال الضحاك : قدم نفر من قريش المدينة وأسلموا ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين فنزلت هذه الآية ( ومن يشاقق الرسول ) والمشاقة المعاداة والآية وإن نزلت في سارق الدرع أو غيره فهي عامة في كل من خالف طريق المسلمين والهدى الرشد والبيان وقد تقدم وقوله تعالى : ( نوله ما تولى ) يقال : إنه نزل فيمن ارتد والمعنى : نتركه وما يعبد عن مجاهد أي نكله إلى الأصنام التي لا تنفع ولا تضر وقاله مقاتل وقال الكلبي نزل قوله تعالى : نوله ما تولى في إبن ابيرق لما ظهرت حاله وسرقته هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطا لرجل بمكة يقال له : حجاج بن علاط فسقط فبقى في النقب حتى وجد على حاله وأخرجوه من مكة فخرج إلى الشام فسرق بعض أموال القافلة فرجموه وقتلوه فنزلت : ( نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ) وقرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو نوله ونصله بجزم الهاء والباقون بكسرها وهما لغتان الثانية قال العلماء في قوله تعالى : ومن يشاقق الرسول دليل على صحة القول بالإجماع وفي قوله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به رد على الخوارج حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة كافر وقد تقدم القول في هذا المعنى وروى الترمذي عن علي إبن أبي طالب رضي الله عنه قال : ما في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء قال : هذا حديث غريب قال إبن فورك : وأجمع أصحابنا على أنه لا تخليد إلا للكافر وأن الفاسق من أهل القبلة إذا مات غير تائب فإنه إن عذب بالنار فلا محالة أنه يخرج منها بشفاعة الرسول أو بإبتداء رحمة من الله تعالى وقال الضحاك : إن شيخا من الأعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا إلا أني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به فما حالي عند الله فأنزل الله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء الآية < < النساء : ( 117 ) إن يدعون من . . . . . > > < > ( النساء 117 ) <

قسم V05/P385–V05/P387

> قوله تعالى : ( إن يدعون من دونه ) أي من دون الله إلا إناثا نزلت في أهل مكة إذ عبدوا الأصنام وإن نافية بمعنى ما وإناثا أصناما يعني اللات والعزى ومناة وكان لكل حي صنم يعبدونه ويقولون : أنثى بني فلان قاله الحسن وإبن عباس وأتى مع كل صنم شيطانه يتراءى للسدنة والكهنة ويكلمهم فخرج الكلام مخرج التعجب لأن الأنثى من كل جنس أخسه فهذا جهل ممن يشرك بالله جمادا فيسميه أنثى أو يعتقده أنثى وقيل : ( إلا إناثا ) مواتا لأن الموات لا روح له كالخشبة والحجر والموات يخبر عنه كما يخبر عن المؤنث لإتضاع المنزلة تقول : الأحجار تعجبني كما تقول : المرأة تعجبني وقيل : إلا إناثا ملائكة لقولهم : الملائكة بنات الله وهي شفعاؤنا عند الله عن الضحاك وقراءة إبن عباس إلا وثنا بفتح الواو والثاء على إفراد اسم الجنس وقرأ أيضا وثنا بضم الثاء والواو جمع وثن وأوثان أيضا جمع وثن مثل أسد وآساد النحاس : ولم يقرأ به فيما علمت قلت : قد ذكر أبو بكر الأنباري حدثنا أبي حدثنا نصر بن داؤد حدثنا أبو عبيد حدثنا حجاج عن إبن جريج عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقرأ : إن يدعون من دونه إلا أوثانا وقرأ إبن عباس أيضا إلا إثنا كأنه جمع وثنا على وثان كما تقول : جمل وجمال ثم جمع وثانا على وثن كما تقول : مثال ومثل ثم أبدل من الواو همزة لما أنضمت كما قال عزوجل : وإذا الرسل أقتت من الوقت فأثن جمع الجمع وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنثا جمع أنيث كغدير وغدر وحكى الطبري أنه جمع إناث كثمار وثمر حكى هذه القراءة عن النبي صلى الله عليه وسلم أبو عمرو الداني قال : وقرأ بها إبن عباس والحسن وأبو حيوة قوله تعالى : ( وإن يدعون إلا شيطانا مريدا ) يريد إبليس لأنهم إذا أطاعوه فيما سول لهم فقد عبدوه ونظيره في المعنى : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله أي أطاعوهم فيما أمروهم به لا أنهم عبدوهم وسيأتي وقد تقدم إشتقاق لفظ الشيطان والمريد العاتي المتمرد فعيل من مرد إذا عتا قال الأزهري : المريد الخارج عن الطاعة وقد مرد الرجل يمرد مرودا إذا عتا وخرج عن الطاعة فهو مارد ومريد ومتمرد إبن عرفة : هو الذي ظهر شره ومن هذا يقال : شجرة مرداء إذا تساقط ورقها فظهرت عيدانها ومنه قيل للرجل : أمرد أي ظاهر مكان الشعر من عارضيه < < النساء : ( 118 ) لعنه الله وقال . . . . . > > < > ( النساء 118 ) < > قوله تعالى : ( لعنه الله ) أصل اللعن الإبعاد وقد تقدم وهو في العرف إبعاد مقترن بسخط وغضب فلعنة الله على إبليس عليه لعنة الله على التعيين جائزة وكذلك سائر الكفرة الموتى كفرعون وهامان وأبي جهل فأما الأحياء فقد مضى الكلام فيه في البقرة قوله تعالى : ( وقال لاتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ) أي وقال الشيطان والمعنى : لأستخلصنهم بغوايتي وأضلنهم بإضلالي وهم الكفرة والعصاة وفي الخبر ( من كل ألف واحد لله والباقي للشيطان ( قلت : وهذا صحيح معنى يعضده قوله تعالى لآدم يوم القيامة : ( ابعث بعث النار ( فيقول : وما بعث النار فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين ( أخرجه مسلم وبعث النار هو نصيب الشيطان والله أعلم وقيل : من النصيب طاعتهم إياه في أشياء منها أنهم كانوا يضربون للمولود مسمارا عند ولادته ودورانهم به يوم أسبوعه يقولون : ليعرفه العمار < < النساء : ( 119 ) ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم . . . . . > > < > ( النساء 119 ) <

قسم V05/P387–V05/P394

> فيه تسع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ولأضلنهم ) أي لأصرفنهم عن طريق الهدى ( ولأمنينهم ) أي لأسولن لهم من التمني وهذا لا ينحصر إلى واحد من الأمنية لأن كل واحد في نفسه إنما يمنيه بقدر رغبته وقرائن حاله وقيل : لأمنينهم طول الحياة الخير والتوبة والمعرفة مع الإصرار ( ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ) البتك القطع ومنه سيف باتك أي أحملهم على قطع آذان البحيرة والسائبة ونحوه يقال : بتكه وبتكه ( مخففا ومشددا ) وفي يده بتكة أي قطعة والجمع بتك قال زهير : طارت وفي كفه من ريشها بتك الثانية قوله تعالى : ( ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ) اللامات كلها للقسم واختلف العلماء في هذا التغيير إلى ماذا يرجع فقالت طائفة : هو الخصاء وفقء الأعين وقطع الآذان قال معناه إبن عباس وأنس وعكرمة وأبو صالح وذلك كله تعذيب للحيوان وتحريم وتحليل بالطغيان وقول بغير حجة ولا برهان والآذان في الأنعام جمال ومنفعة وكذلك غيرها من الأعضاء فلذلك رأى الشيطان أن يغير بها خلق الله تعالى وفي حديث عياض بن حمار المجاشعي : ( وأني خلقت عبادي حنفاء كلهم وأن الشياطين أتتهم فاجتالتهم عن دينهم فحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا وأمرتهم أن يغيروا خلقي ( الحديث أخرجه القاضي إسماعيل ومسلم أيضا وروى إسماعيل قال حدثنا أبو الوليد وسليمان إبن حرب قالا حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن أبيه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قشف الهيئة قال : ( هل لك من مال ( قال قلت : نعم قال ( من أي المال ( قلت : من كل المال من الخيل والإبل والرقيق قال أبو الوليد : والغنم قال : ( فإذا آتاك الله مالا فلير عليك أثره ( ثم قال : ( هل تنتج إبل قومك صحاحا آذانها فتعمد إلى موسى فتشق آذانها وتقول هذه بحر وتشق جلودها وتقول هذه صرم لتحرمها عليك وعلى أهلك ( قال : قلت أجل قال : ( وكل ما آتاك الله حل وموسى الله أحد من موسك وساعد الله أشد من ساعدك ( قال قلت : يا رسول الله أرأيت رجلا نزلت به فلم يقرني ثم نزل بي أفأقريه أم أكافئه فقال : ( بل أقره ( الثالثة ولما كان هذا من فعل الشيطان وأثره أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أن نستشرف العين والأذن ولا نضحي بعوراء ولا مقابلة ولا مدابرة ولا خرقاء ولا شرقاء ( أخرجه أبو داؤد عن علي قال : أمرنا فذكره المقابلة : المقطوعة طرف الأذن والمدابرة المقطوعة مؤخر الأذن والشرقاء : مشقوقة الأذن والخرقاء التي تخرق أذنها السمة والعيب في الأذن مراعي عند جماعة العلماء قال مالك والليث : المقطوعة الأذن أو جل الأذن لا تجزئ والشق للميسم يجزئ وهو قول الشافعي وجماعة الفقهاء فإن كانت سكاء وهي التي خلقت بلا أذن فقال مالك والشافعي : لا تجوز وإن كانت صغيرة الأذن أجزأت وروى عن أبي حنيفة مثل ذلك الرابعة وأما خصاء البهائم فرخص فيه جماعة من أهل العلم إذا قصدت فيه المنفعة إما لسمن أو غيره والجمهور من العلماء وجماعتهم على أنه لا بأس أن يضحي بالخصى واستحسنه بعضهم إذا كان أسمن من غيره ورخص في خصاء الخيل عمر بن عبد العزيز وخصى عروة بن الزبير بغلا له ورخص مالك في خصاء ذكور الغنم وإنما جاز ذلك لأنه لا يقصد به تعليق الحيوان بالدين لصنم يعبد ولا لرب يوحد وإنما يقصد به تطييب اللحم فيما يؤكل وتقوية الذكر إذا انقطع أمله عن الأنثى ومنهم من كره ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون ( واختاره إبن المنذر وقال : لأن ذلك ثابت عن إبن عمر وكان يقول : هو نماء خلق الله وكره ذلك عبد الملك بن مروان وقال الأوزاعي : كانوا يكرهون خصاء كل شيء له نسل وقال إبن المنذر : وفيه حديثان : أحدهما عن إبن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن خصاء الغنم والبقر والإبل والخيل والآخر حديث إبن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صبر الروح وخصاء البهائم والذي في الموطأ من هذا الباب ما ذكره عن نافع عن إبن عمر أنه كان يكره الإخصاء ويقول : فيه تمام الخلق قال أبو عمر : يعني في ترك الإخصاء تمام الخلق وروى نماء الخلق قلت : أسنده أبو محمد عبد الغني من حديث عمر بن إسماعيل عن نافع عن إبن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا تخصوا ما ينمى خلق الله ( رواه عن الدارقطني شيخه قال : حدثنا أبو عبد الله المعدل حدثنا عباس بن محمد حدثنا أبو مالك النخعي عن عمر بن إسماعيل فذكره قال الدارقطني : ورواه عبد الصمد بن النعمان عن أبي مالك الخامسة وأما الخصاء في الآدمي فمصيبة فإنه إذا خصى بطل قلبه وقوته عكس الحيوان وانقطع نسله المأمور به في قوله عليه السلام : ( تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم ( ثم إن فيه ألما عظيما ربما يفضي بصاحبه إلى الهلاك فيكون فيه تضييع مال وإذهاب نفس وكل ذلك منهى عنه ثم هذه مثلة وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة وهو صحيح وقد كره جماعة من فقهاء الحجازيين والكوفيين شراء الخصى من الصقالبة وغيرهم وقالوا : لو لم يشتروا منهم لم يخصوا ولم يختلفوا أن خصاء بني آدم لا يحل ولا يجوز لأنه مثلة وتغيير لخلق الله تعالى وكذلك قطع سائر أعضائهم في غير حد ولا قود قاله أبو عمر السادسة وإذا تقرر هذا فاعلم أن الوسم والإشعار مستثنى من نهيه عليه السلام عن شريطة الشيطان وهي ما قدمناه من نهيه عن تعذيب الحيوان بالنار والوسم : الكي بالنار وأصله العلامة يقال : وسم الشئ يسمه إذا علمه بعلامة يعرف بها ومنه قوله تعالى : سيماهم في وجوههم فالسيما العلامة والميسم المكواة وثبت في صحيح مسلم عن أنس قال : رأيت في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم الميسم وهو يسم إبل الصدقة والفئ وغير ذلك حتى يعرف كل مال فيؤدي في حقه ولا يتجاوز به إلى غيره السابعة والوسم جائز في كل الأعضاء غير الوجه لما رواه جابر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضرب في الوجه وعن الوسم في الوجه أخرجه مسلم وإنما كان ذلك لشرفه على الأعضاء إذ هو مقر الحسن والجمال ولأن به قوام الحيوان وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل يضرب عبده فقال : ( اتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته ( أي على صورة المضروب أي وجه هذا المضروب يشبه وجه آدم فينبغي أن يحترم لشبهه وهذا أحسن ما قيل في تأويله والله أعلم وقالت طائفة : الإشارة بالتغيير إلى الوشم وما جرى مجراه من التصنع للحسن قاله إبن مسعود والحسن ومن ذلك الحديث الصحيح عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ( الحديث أخرجه مسلم وسيأتي بكماله في الحشر إن شاء الله تعالى والوشم يكون في اليدين وهو أن يغرز ظهر كف المرأة ومعصمها بإبرة ثم يحشى بالكحل أو بالنئور فيخضر وقد وشمت تشم وشما فهي واشمة والمستوشمة التي يفعل ذلك بها قاله الهروي وقال إبن العربي : ورجال صقلية وإفريقية يفعلونه ليدل كل واحد منهم على رجلته في حداثته قال القاضي عياض : ووقع في رواية الهروي أحد رواة مسلم مكان ( الواشمة والمستوشمة ( ( الواشية والمستوشية ( بالياء مكان الميم ) وهو من الوشي وهو التزين وأصل الوشي نسج الثوب على لونين وثور موشى في وجهه وقوائمه سواد أي تشي المرأة نفسها بما تفعله فيها من التنميص والتفليج والأشر والمتنمصات جمع متنمصة وهي التي تقلع الشعر من وجهها بالمنماص وهو الذي يقلع الشعر ويقال لها النامصة إبن العربي : وأهل مصر ينتفون شعر العانة وهو منه فإن السنة حلق العانة ونتف الإبط فأما نتف الفرج فإنه يرخيه ويؤذيه ويبطل كثيرا من المنفعة فيه والمتفلجات جمع متفلجة وهي التي تفعل الفلج في أسنانها أي تعانيه حتى ترجع المصمتة الأسنان خلقة فلجاء صنعة وفي غير كتاب مسلم : ( الواشرات ( وهي جمع واشرة وهي التي تشر أسنانها أي تصنع فيها أشرا وهي التحزيزات التي تكون في أسنان الشبان تفعل ذلك المرأة الكبيرة تشبها بالشابة وهذه الأمور كلها قد شهدت الأحاديث بلعن فاعلها وأنها من الكبائر واختلف في المعنى الذي نهى لأجلها فقيل : لأنها من باب التدليس وقيل : من باب تغيير خلق الله تعالى كما قال إبن مسعود وهو أصح وهو يتضمن المعنى الأول ثم قيل : هذا المنهى عنه إنما هو فيما يكون باقيا لأنه من باب تغيير خلق الله تعالى فأما مالا يكون باقيا كالكحل والتزين به للنساء فقد أجاز العلماء ذلك مالك وغيره وكرهه مالك للرجال وأجاز مالك أيضا أن تشي المرأة يديها بالحناء وروى عن عمر إنكار ذلك وقال : إما أن تخضب يديها كلها وإما أن تدع وأنكر مالك هذه الرواية عن عمر ولا تدع الخضاب بالحناء فإن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة لا تخضب فقال : ( لا تدع إحداكن يدها كأنها يد رجل ( فما زالت تختضب وقد جاوزت التسعين حتى ماتت قال القاضي عياض : وجاء حديث بالنهي عن تسويد الحناء ذكره صاحب المصابيح ولا تتعطل ويكون في عنقها قلادة من سير في خرز فإنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة رضي الله عنها : ( إنه لا ينبغي أن تكوني بغير قلادة إما بخيط وإما بسير ( وقال أنس : يستحب للمرأة أن تعلق في عنقها في الصلاة ولو سيرا قال أبو جعفر الطبري : في حديث إبن مسعود دليل على أنه لا يجوز تغيير شيء من خلقها الذي خلقها الله عليه بزيادة أو نقصان إلتماس الحسن لزوج أو غيره سواء فلجت أسنانها أو وشرتها أو كان لها سن زائدة فأزالتها أو أسنان طوال فقطعت أطرافها وكذا لا يجوز لها حلق لحية أو شارب أو عنفقة إن نبتت لها لأن كل ذلك تغيير خلق الله قال عياض : ويأتي على ما ذكره أن من خلق بأصبع زائدة أو عضو زائد لا يجوز له قطعه ولا نزعه لأنه من تغيير خلق الله تعالى إلا أن تكون هذه الزوائد تؤلمه فلا بأس بنزعها عند أبي جعفر وغيره الثامنة قلت : ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم : ( لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة ( أخرجه مسلم فنهى صلى الله عليه وسلم عن وصل المرأة شعرها وهو أن يضاف إليه شعر آخر يكثر به والواصلة هي التي تفعل ذلك والمستوصلة هي التي تستدعي من يفعل ذلك بها مسلم عن جابر قال : زجر النبي صلى الله عليه وسلم أن تصل المرأة بشعرها شيئا وخرج عن أسماء بنت أبي بكر قالت : جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن لي إبنة عريسا أصابتها حصبة فتمرق شعرها أفأصله فقال : ( لعن الله الواصلة والمستوصلة ( وهذا كله نص في تحريم وصل الشعر وبه قال مالك وجماعة العلماء ومنعوا الوصل بكل شيء من الصوف والخرق وغير ذلك لأنه في معنى وصله بالشعر وشذ الليث بن سعد فأجاز وصله بالصوف والخرق وما ليس بشعر وهذا أشبه بمذهب أهل الظاهر وأباح آخرون وضع الشعر على الرأس وقالوا : إنما جاء النهي عن الوصل خاصة وهذه ظاهرية محضة وإعراض عن المعنى وشذ قوم فأجازوا الوصل مطلقا وهو قول باطل قطعا ترده الأحاديث وقد روى عن عائشة رضي الله عنها ولم يصح وروى عن إبن سيرين أنه سأله رجل فقال : إن أمي كانت تمشط النساء أتراني آكل من مالها فقال : إن كانت تصل فلا ولا يدخل في النهي ما ربط منه بخيوط الحرير الملونة على وجه الزينة والتجميل والله أعلم التاسعة وقالت طائفة : المراد بالتغيير لخلق الله هو أن الله تعالى خلق الشمس والقمر والأحجار والنار وغيرها من المخلوقات ليعتبر بها وينتفع بها فغيرها الكفار بأن جعلوها آلهة معبودة قال الزجاج : إن الله تعالى خلق الأنعام لتركب وتؤكل فحرموها على أنفسهم وجعل الشمس والقمر والحجارة مسخرة للناس فجعلوها آلهة يعبدونها فقد غيروا ما خلق الله وقاله جماعة من أهل التفسير : مجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة وروى عن إبن عباس فليغيرن خلق الله دين الله وقاله النخعي واختاره الطبري قال : وإذا كان ذلك معناه دخل فيه فعل كل ما نهى الله عنه من خصاء ووشم وغير ذلك من المعاصي لأن الشيطان يدعو إلى جميع المعاصي أي فليغيرن ما خلق الله في دينه وقال مجاهد أيضا : فليغيرن خلق الله فطرة الله التي فطر الناس عليها يعني أنهم ولدوا على الإسلام فأمرهم الشيطان بتغييره وهو معنى قوله عليه السلام : ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ( فيرجع معنى الخلق إلى ما أوجده فيهم يوم الذر من الإيمان به في قوله تعالى : ألست بربكم قالوا بلى قال إبن العربي : روى عن طاوس أنه كان لا يحضر نكاح سوداء بأبيض ولا بيضاء بأسود ويقول : هذا من قول الله فليغيرن خلق الله قال القاضي : وهذا وإن كان يحتمله اللفظ فهو مخصوص بما أنفذه النبي صلى الله عليه وسلم من نكاح مولاه زيد وكان أبيض بظئره بركة الحبشية أم أسامة وكان أسود من أبيض وهذا مما خفى على طاوس مع علمه قلت : ثم أنكح أسامة فاطمة بنت قيس وكانت بيضاء قرشية وقد كانت تحت بلال أخت عبد الرحمن بن عوف زهرية وهذا أيضا يخص وقد خفى عليهما قوله تعالى : ( ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله ) أي يطيعه ويدع أمر الله ( فقد خسر ) أي نقص نفسه وغبنها بأن أعطى الشيطان حق الله تعالى فيه وتركه من أجله < <

قسم V05/P394–V05/P395

النساء : ( 120 ) يعدهم ويمنيهم وما . . . . . > > < > ( النساء 120 : 122 ) < > قوله تعالى : ( يعدهم ) المعنى يعدهم أباطيله وترهاته من المال والجاه والرياسة وأن لا بعث ولا عقاب ويوهمهم الفقر حتى لا ينفقوا في الخير ( ويمنيهم ) كذلك ( وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) أي خديعة قال إبن عرفة : الغرور ما رأيت له ظاهرا تحبه وفيه باطن مكروه أو مجهول والشيطان غرور لأنه يحمل على محاب النفس ووراء ذلك ما يسوء ( أولئك ) إبتداء ( مأواهم ) إبتداء ثان ( جهنم ) خبر الثاني والجملة خبر الأول و ( محيصا ) ملجأ والفعل منه حاص يحيص ( ومن أصدق من الله قيلا ) إبتداء وخبر قيلا على البيان قال قيلا وقولا وقالا بمعنى أي لا أحد أصدق من الله وقد مضى الكلام على ما تضمنته هذه الآي من المعاني والحمد لله < < النساء : ( 123 ) ليس بأمانيكم ولا . . . . . > > < > ( النساء 123 ) <

قسم V05/P395–V05/P398

> قوله تعالى : ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ) وقرأ أبو جعفر المدني ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب بتخفيف الياء فيهما جميعا ومن أحسن ما روى في نزولها ما رواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن إبن عباس قال : قالت اليهود والنصارى لن يدخل الجنة إلا من كان منا وقالت قريش : ليس نبعث فأنزل الله ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب وقال قتادة والسدي : تفاخر المؤمنون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن أحق بالله منكم وقال المؤمنون : نبينا خاتم النبيين وكتابنا يقضي على سائر الكتب فنزلت الآية قوله تعالى : ( من يعمل سوءا يجز به ) السوء ها هنا الشرك قال الحسن : هذه الآية في الكافر وقرأ وهل يجازي إلا الكفور وعنه أيضا من يعمل سوءا يجز به قال : ذلك لمن أراد الله هوانه فأما من أراد كرامته فلا قد ذكر الله قوما فقال : أولئك الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون وقال الضحاك : يعني اليهود والنصارى والمجوس وكفار العرب وقال الجمهور : لفظ الآية عام والكافر والمؤمن مجاز بعمله السوء فأما مجازاة الكافر فالنار لأن كفره أوبقه وأما المؤمن فبنكبات الدنيا كما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال : لما نزلت من يعمل سوءا يجز به بلغت من المسلمين مبلغا شديدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها والشوكة يشاكها ( وخرج الترمذي الحكيم في ( نوادر الأصول في الفصل الخامس والتسعين ) حدثنا إبراهيم بن المستمر الهذلي قال حدثنا عبد الرحمن بن سليم بن حيان أبو زيد قال : سمعت أبي يذكر عن أبيه قال صحبت إبن عمر من مكة إلى المدينة فقال لنافع : لا تمر بي على المصلوب يعني إبن الزبير قال : فما فجئه في جوف الليل أن صك محمله جذعه فجلس فمسح عينيه ثم قال : يرحمك الله أبا خبيب أن كنت وأن كنت ولقد سمعت أباك الزبير يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من يعمل سوءا يجز به في الدنيا أو في الآخرة ( فإن يك هذا بذاك فهيه قال الترمذي أبو عبد الله : فأما في التنزيل فقد أجمله فقال : من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا فدخل فيه البر والفاجر والعدو والولي والمؤمن والكافر ثم ميز رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين الموطنين فقال : يجز به في الدنيا أو في الآخرة وليس يجمع عليه الجزاء في الموطنين ألا ترى أن إبن عمر قال : فإن يك هذا بذاك فهيه معناه أنه قاتل في حرم الله وأحدث فيه حدثا عظيما حتى أحرق البيت ورمى الحجر الأسود بالمنجنيق فانصدع حتى ضبب بالفضة فهو إلى يومنا هذا كذلك وسمع للبيت أنينا آه آه فلما رأى إبن عمر فعله ثم رآه مقتولا مصلوبا ذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يعمل سوءا يجز به ثم قال : إن يك هذا القتل بذاك الذي فعله فهيه أي كأنه جوزي بذلك السوء هذا القتل والصلب رحمه الله ثم ميز رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر بين الفريقين حدثنا أبي رحمه الله قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا محمد بن مسلم عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي قال : لما نزلت من يعمل سوءا يجز به قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : ما هذه بمبقية منا قال : ( يا أبا بكر إنما يجزى المؤمن بها في الدنيا ويجزي بها الكافر يوم القيامة ( حدثنا الجارود قال حدثنا وكيع وأبو معاوية وعبدة عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي بكر إبن أبي زهير الثقفي قال : لما نزلت من يعمل سوءا يجز به قال أبو بكر : كيف الصلاح يا رسول الله مع هذا كل شيء عملناه جزينا به فقال : ( غفر الله لك يا أبا بكر ألست تنصب ألست تحزن ألست تصيبك اللاواء ( قال : بلى قال : ( فذلك مما تجزون به ( ففسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أجمله التنزيل من قوله : من يعمل سوءا يجز به وروى الترمذي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنها لما نزلت قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( إما أنت يا أبا بكر والمؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة ( قال : حديث غريب : وفي إسناده مقال وموسى بن عبيدة يضعف في الحديث ضعفه يحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل ومولى بن سباع مجهول وقد روى هذا من غير وجه عن أبي بكر وليس له إسناد صحيح أيضا وفي الباب عن عائشة قلت : خرجه إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد إبن سلمة عن علي بن يزيد عن أمه أنها سألت عائشة عن هذه الآية وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه وعن هذه الآية من يعمل سوءا يجز به فقالت عائشة : ما سألني أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال : ( يا عائشة هذه مبايعة الله بما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة حتى البضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيفزع فيجدها في عيبته حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر من الكير ( واسم ليس مضمر فيها في جميع هذه الأقوال والتقدير : ليس الكائن من أموركم ما تتمنونه بل من يعمل سوءا يجز به وقيل : المعنى ليس ثواب الله بأمانيكم إذ قد تقدم والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات قوله تعالى : ( ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ) يعني المشركين لقوله تعالى : إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد وقيل : من يعمل سوءا يجز به إلا أن يتوب وقراءة الجماعة ولا يجد له بالجزم عطفا على يجز به وروى إبن بكار عن إبن عامر ولا يجد بالرفع إستئنافا فإن حملت الآية على الكافر فليس له غدا ولي ولا نصير وإن حملت على المؤمن فليس له ولي ولا نصير دون الله < <

قسم V05/P398

النساء : ( 124 ) ومن يعمل من . . . . . > > < > ( النساء 124 ) < > شرط الإيمان لأن المشركين أدلوا بخدمة الكعبة وإطعام الحجيج وقري ألاضياف وأهل الكتاب بسبقهم وقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه فبين تعالى أن الأعمال الحسنة لا تقبل من غير إيمان وقرأ يدخلون الجنة الشيخان أبو عمرو وإبن كثير ( بضم الياء وفتح الخاء ) على ما لم يسم فاعله الباقون بفتح الياء وضم الخاء يعني يدخلون الجنة بأعمالهم وقد مضى ذكر النقير وهي النكتة في ظهر النواة < < النساء : ( 125 ) ومن أحسن دينا . . . . . > > < > ( النساء 125 ) <

قسم V05/P398–V05/P401

> قوله تعالى : ( ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا ) فضل دين الإسلام على سائر الأديان وأسلم وجهه لله معناه أخلص دينه لله وخضع له وتوجه إليه بالعبادة قال إبن عباس : أراد أبا بكر الصديق رضي الله عنه وانتصب دينا على البيان وهو محسن إبتداء وخبر في موضع الحال أي موحد فلا يدخل فيه أهل الكتاب لأنهم تركوا الإيمان بمحمد عليه السلام والملة الدين والحنيف المسلم وقد تقدم قوله تعالى : ( واتخذ الله إبراهيم خليلا ) قال ثعلب : إنما سمى الخليل خليلا لأن محبته تتخلل القلب فلا تدع فيه خللا إلا ملأته وأنشد قول بشار : قد تخللت مسلك الروح منى وبه سمى الخليل خليلا وخليل فعيل بمعنى فاعل كالعليم بمعنى العالم وقيل : هو بمعنى المفعول كالحبيب بمعنى المحبوب وإبراهيم كان محبا لله وكان محبوبا لله وقيل : الخليل من الإختصاص فالله عزوجل أعلم اختص إبراهيم في وقته للرسالة واختار هذا النحاس قال : والدليل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم ( وقد إتخذ الله صاحبكم خليلا ( يعني نفسه وقال صلى الله عليه وسلم : ( لو كنت متخذ خليللا لأتخذت أبا بكر خليلا ( أي لو كنت مختصا أحدا بشيء لاختصصت أبا بكر رضي الله عنه وفي هذا رد على من زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم اختص بعض أصحابه بشيء من الدين وقيل : الخليل المحتاج فإبراهيم خليل الله على معنى أنه فقير محتاج إلى الله تعالى كأنه الذي به الإختلال وقال زهير يمدح هرم بن سنان : وإن أتاه خليل يوم مسغبة يقول لا غائب مالي ولا حرم أي لا ممنوع قال الزجاج : ومعنى الخليل : الذي ليس في محبته خلل فجائز أن يكون سمى خليلا لله بأنه الذي أحبه وأصطفاه محبة تامة وجائز أن يسمى خليل الله أي فقيرا إلى الله تعالى لأنه لم يجعل فقره ولا فاقته إلا إلى الله تعالى مخلصا في ذلك والإختلال الفقر فروى أنه لما رمى بالمنجنيق وصار في الهواء أتاه جبريل عليه السلام فقال : ألك حاجة قال : أما إليك فلا فخلة الله تعالى لإبراهيم نصرته إياه وقيل : سمى بذلك بسبب أنه مضى إلى خليل له بمصر وقيل : بالموصل ليمتار من عنده طعاما فلم يجد صاحبه فملا غرائره رملا وراح به إلى أهله فحطه ونام ففتحه أهله فوجدوه دقيقا فصنعوا له منه فلما قدموه إليه قال : من أين لكم هذا قالوا : من الذي جئت به من عند خليلك المصري فقال : هو من عند خليلي يعني الله تعالى فسمى خليل الله بذلك وقيل : إنه أضاف روساء الكفار وأهدى لهم هدايا وأحسن إليهم فقالوا له : ما حاجتك قال : حاجتي أن تسجدوا سجدة فسجدوا فدعا الله تعالى وقال : اللهم إني قد فعلت ما أمكنني فافعل اللهم ما أنت أهل لذلك فوفقهم الله تعالى للإسلام فاتخذه الله خليلا لذلك ويقال : لما دخلت عليه الملائكة بشبه الآدميين وجاء بعجل سمين فلم يأكلوا منه وقالوا : إنا لا نأكل شيئا بغير ثمن فقال لهم : أعطوا ثمنه وكلوا قالوا : وما ثمنه قال : أن تقولوا في أوله بإسم الله وفي آخره الحمد لله فقالوا فيما بينهم : حق على الله أن يتخذه خليلا فاتخذه الله خليلا وروى جابر إبن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إتخذ الله إبراهيم خليلا لإطعامه الطعام وإفشائه السلام وصلاته بالليل والناس نيام ( وروى عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يا جبريل لم أتخذ الله إبراهيم خليلا ( قال : لأطعامه الطعام يا محمد وقيل : معنى الخليل الذي يوالي في الله ويعادي في الله والخلة بين الآدميين الصداقة مشتقة من تخلل الأسرار بين المتخالين وقيل : هي من الخلة فكل واحد من الخليلين يسد خلة صاحبه وفي مصنف أبي داؤد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ( ولقد أحسن من قال : من لم تكن في الله خلته فخليله منه على خطر آخر : إذا ما كنت متخذا خليلا فلا تثقن بكل أخى إخاء فإن خيرت بينهم فألصق بأهل العقل منهم والحياء فإن العقل ليس له إذا ما تفاضلت الفضائل من كفاء وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه : أخلاء الرجال هم كثير ولكن في البلاء هم قليل فلا تغررك خلة من تؤاخى فمالك عند نائبة خليل وكل أخ يقول أنا وفي ولكن ليس يفعل ما يقول سوى خل له حسب ودين فذاك لما يقول هو الفعول < <

قسم V05/P401–V05/P402

النساء : ( 126 ) ولله ما في . . . . . > > < > ( النساء 126 ) < > قوله تعالى : ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ) أي ملكا وإختراعا والمعنى إنه إتخذ إبراهيم خليلا بحسن طاعته لا لحاجته إلى مخالته ولا للتكثير به والإعتضاد وكيف وله ما في السماوات وما في الأرض وإنما أكرمه لإمتثاله لأمره قوله تعالى : ( وكان الله بكل شيء محيطا ) أي أحاط علمه بكل الأشياء < < النساء : ( 127 ) ويستفتونك في النساء . . . . . > > < > ( النساء 127 ) < > نزلت بسبب سؤال قوم من الصحابة عن أمر النساء وأحكامهن في الميراث وغير ذلك فأمر الله نبيه عليه السلام أن يقول لهم : الله يفتيكم فيهن أي يبين لكم حكم ما سألتم عنه وهذه الآية رجوع إلى ما افتتحت به السورة من أمر النساء وكان قد بقيت لهم أحكام لم يعرفوها فسألوا فقيل لهم : إن الله يفتيكم فيهن روى أشهب عن مالك قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل فلا يجيب حتى ينزل عليه الوحي وذلك في كتاب الله ( ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن ) ويسألونك عن اليتامى ويسألونك عن الخمر والميسر ويسألونك عن الجبال قوله تعالى : ( وما يتلى عليكم ) ما في موضع رفع عطف على اسم الله تعالى والمعنى : والقرآن يفتيكم فيهن وهو قوله : فأنكحوا ما طاب لكم من النساء وقد تقدم وقوله تعالى : وترغبون أن تنكحوهن أي وترغبون عن أن تنكحوهن ثم حذفت عن وقيل : وترغبون في أن تنكحوهن ثم حذفت في قال سعيد بن جبير ومجاهد : ويرغب في نكاحها إذا كانت كثيرة المال وحديث عائشة يقوى حذف عن فإن في حديثها : وترغبون أن تنكحوهن رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال وقد تقدم أول السورة < < النساء : ( 128 ) وإن امرأة خافت . . . . . > > < > ( النساء 128 ) <

قسم V05/P402–V05/P406

> فيه سبع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وإن امرأة ) رفع بإضمار فعل يفسره ما بعده و ( خافت ) بمعنى توقعت وقول من قال : خافت تيقنت خطأ قال الزجاج : المعنى وإن امرأة خافت من بعلها دوام النشوز قال النحاس : الفرق بين النشوز والإعراض أن النشوز التباعد والإعراض ألا يكلمها ولا يأنس بها ونزلت الآية بسبب سودة بنت زمعة روى الترمذي عن إبن عباس قال : خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : لا تطلقني وأمسكني وأجعل يومي منك لعائشة ففعل فنزلت : فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحا والصلح خير فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز قال : هذا حديث حسن غريب وروى إبن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن رافع بن خديج كانت تحته خولة إبنة محمد بن مسلمة فكره من أمرها إما كبرا وإما غيره فأراد أن يطلقها فقالت : لا تطلقني وأقسم لي ما شئت فجرت السنة بذلك ونزلت ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا ) وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا قالت : الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها فتقول : أجعلك من شأني في حل فنزلت هذه الآية وقراءة العامة أن يصالحا وقرأ أكثر الكوفيين أن يصلحا وقرأ الجحدري وعثمان البتي أن يصلحا والمعنى يصطلحا ثم أدغم الثانية في هذه الآية من الفقه الرد على الرعن الجهال الذين يرون أن الرجل إذا أخذ شباب المرأة وأسنت لا ينبغي أن يتبدل بها قال إبن أبي مليكة : إن سودة بنت زمعة لما أسنت أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلقها فآثرت الكون معه فقالت له : أمسكني واجعل يومي لعائشة ففعل صلى الله عليه وسلم وماتت وهي من أزواجه قلت : وكذلك فعلت بنت محمد بن مسلمة روى مالك عن إبن شهاب عن رافع بن خديج أنه تزوج بنت محمد بن مسلمة الأنصارية فكانت عنده حتى كبرت فتزوج عليها فتاة شابة فآثر الشابة عليها فناشدته الطلاق فطلقها واحدة ثم أهملها حتى إذا كانت تحل راجعها ثم عاد فآثر الشابة عليها فناشدته الطلاق فطلقها واحدة ثم راجعها فآثر الشابة عليها فناشدته الطلاق فقال : ما شئت إنما بقيت واحدة فإن شئت استقررت على ما ترين من الأثرة وإن شئت فارقتك قالت : بل استقر على الأثرة فأمسكها على ذلك ولم ير رافع عليه إثما حين قرت عنده على الأثرة رواه معمر عن الزهري بلفظه ومعناه وزاد : فذلك الصلح الذي بلغنا أنه نزل فيه وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير قال أبو عمر بن عبدالبر : قوله والله أعلم : فآثر الشابة عليها يريد في الميل بنفسه إليها والنشاط لها لا أنه آثرها عليها في مطعم وملبس ومبيت لأن هذا لا ينبغي أن يظن بمثل رافع والله أعلم وذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن خالد إبن عرعرة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رجلا سأله عن هذه الآية فقال : هي المرأة تكون عند الرجل فتنبو عيناه عنها من دمامتها أو فقرها أو كبرها أو سوء خلقها وتكره فراقه فإن وضعت له من مهرها شيئا حل له أن يأخذ وإن جعلت له من أيامها فلا حرج وقال الضحاك : لا بأس أن ينقصها من حقها إذا تزوج من هي أشب منها وأعجب إليه وقال مقاتل بن حيان : هو الرجل تكون تحته المرأة الكبيرة فيتزوج عليها الشابة فيقول لهذه الكبيرة أعطيك من مالي على أن أقسم لهذه الشابة أكثر مما أقسم لك من الليل والنهار فترضى الأخرى بما اصطلحا عليه وإن أبت ألا ترضى فعليه أن يعدل بينهما في القسم الثالثة قال علماؤنا : وفي هذا أن أنواع الصلح كلها مباحة في هذه النازلة بأن يعطى الزوج على أن تصبر هي أو تعطى هي على أن يؤثر الزوج أو على أن يؤثر ويتمسك بالعصمة أو يقع الصلح على الصبر والأثرة من غير عطاء فهذا كله مباح وقد يجوز أن تصالح إحداهن صاحبتها عن يومها بشيء تعطيها كما فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان غضب على صفية فقالت لعائشة : أصلحي بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد وهبت يومي لك ذكره إبن خويز منداد في أحكامه عن عائشة قالت : وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية في شيء فقالت لي صفية : هل لك أن ترضين رسول الله صلى الله عليه وسلم عني ولك يومي قالت : فلبست خمارا كان عندي مصبوغا بزعفران ونضحته ثم جئت فجلست إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( إليك عني فإنه ليس بيومك ( فقلت : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وأخبرته الخبر فرضى عنها وفيه أن ترك التسوية بين النساء وتفضيل بعضهن على بعض لا يجوز إلا بإذن المفضولة ورضاها الرابعة قرأ الكوفيون يصلحا والباقون أن يصالحا الجحدري يصلحا فمن قرأ يصالحا فوجهه أن المعروف في كلام العرب إذا كان بين قوم تشاجر أن يقال : تصالح القوم ولا يقال : أصلح القوم ولو كان أصلح لكان مصدره إصلاحا ومن قرأ يصلحا فقد استعمل مثله في التشاجر والتنازع كما قال فأصلح بينهم ونصب قوله : صلحا على هذه القراءة على أنه مفعول وهو اسم مثل العطاء من أعطيت فأصلحت صلحا مثل أصلحت أمرا وكذلك هو مفعول أيضا على قراءة من قرأ يصالحا لأن تفاعل قد جاء متعديا ويحتمل أن يكون مصدرا حذفت زوائده ومن قرأ يصلحا فالأصل يصتلحا ثم صار إلى يصطلحا ثم أبدلت الطاء صادا وأدغمت فيها الصاد ولم تبدل الصاد طاء لما فيها من إمتداد الزفير الخامسة قوله تعالى : ( والصلح خير ) لفظ عام مطلق يقتضي أن الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف خير على الإطلاق ويدخل في هذا المعنى جميع ما يقع عليه الصلح بين الرجل وامرأته في مال أو وطء أو غير ذلك خير أي خير من الفرقة فإن التمادي على الخلاف والشحناء والمباغضة هي قواعد الشر وقال عليه السلام في البغضة : ( إنها الحالقة ( يعني حالقة الدين لا حالقة الشعر السادسة قوله تعالى : ( وأحضرت الأنفس الشح ) إخبار بأن الشح في كل أحد وأن الإنسان لا بد أن يشح بحكم خلقته وجبلته حتى يحمل صاحبه على بعض ما يكره يقال : شح يشح ( بكسر الشين ) قال إبن جبير : هو شح المرأة بالنفقة من زوجها وبقسمه لها أيامها وقال إبن زيد : الشح هنا منه ومنها وقال إبن عطية : وهذا أحسن فإن الغالب على المرأة الشح بنصيبها من زوجها والغالب على الزوج الشح بنصيبه من الشابة والشح الضبط على المعتقدات والإرادة وفي الهمم والأموال ونحو ذلك فما أفرط منه على الدين فهو محمود وما أفرط منه في غيره ففيه بعض المذمة وهو الذي قال الله فيه : ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون وما صار إلى حيز منع الحقوق الشرعية أو التي تقتضيها المروءة فهو البخل وهي رذيلة وإذا آل البخل إلى هذه الأخلاق المذمومة والشيم اللئيمة لم يبق معه خير مرجو ولا صلاح مأمول قلت : وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار : ( من سيدكم ( قالوا : الجد بن قيس على بخل فيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( وأي داء أدوى من البخل ( قالوا : وكيف ذاك يا رسول الله قال : ( إن قوما نزلوا بساحل البحر فكرهوا لبخلهم نزول الأضياف بهم فقالوا ليبعد الرجال منا عن النساء حتى يعتذر الرجال إلى الأضياف ببعد النساء وتعتذر النساء ببعد الرجال ففعلوا وطال ذلك بهم فاشتغل الرجال بالرجال والنساء بالنساء ( وقد تقدم ذكره الماوردي السابعة قوله تعالى : ( وإن تحسنوا وتتقوا ) شرط ( فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) جوابه وهذا خطاب للأزواج من حيث أن للزوج أن يشح ولا يحسن أي إن تحسنوا وتتقوا في عشرة النساء بإقامتكم عليهن مع كراهيتكم لصحبتهن واتقاء ظلمهن فهو أفضل لكم < <

قسم V05/P406–V05/P408

النساء : ( 129 ) ولن تستطيعوا أن . . . . . > > < > ( النساء 129 ) < > قوله تعالى : ( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل ) أخبر تعالى بنفي الاستطاعة في العدل بين النساء وذلك في ميل الطبع بالمحبة والجماع والحظ من القلب فوصف الله تعالى حالة البشر وأنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض دون بعض ولهذا كان عليه السلام يقول : ( اللهم إن هذه قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ( ثم نهى فقال : ( فلا تميلوا كل الميل ) قال مجاهد : لا تتعمدوا الإساءة بل إلزموا التسوية في القسم والنفقة لأن هذا مما يستطاع وسيأتي بيان هذا في الأحزاب مبسوطا إن شاء الله تعالى وروى قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه مائل ( قوله تعالى : ( فتذروها كالمعلقة ) أي لا هي مطلقة ولا ذات زوج قاله الحسن وهذا تشبيه بالشيء المعلق من شيء لأنه لا على الأرض استقر ولا على ما علق عليه انحمل وهذا مطرد في قولهم في المثل : أرض من المركب بالتعليق وفي عرف النحويين فمن تعليق الفعل ومنه في حديث أم زرع في قول المرأة : زوجي العشنق إن أنطق أطلق وإن أسكت أعلق وقال قتادة : كالمسجونة وكذا قرأ أبي فتذروها كالمسجونة وقرأ إبن مسعود فتذروها كأنها معلقة وموضع فتذروها نصب لأنه جواب النهي والكاف في كالمعلقة في موضع نصب أيضا < < النساء : ( 130 ) وإن يتفرقا يغن . . . . . > > < > ( النساء 130 : 132 ) < > قوله تعالى : ( وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ) أي وإن لم يصطلحا بل تفرقا فليحسنا ظنهما بالله فقد يقيض للرجل امرأة تقر بها عينه وللمرأة من يوسع عليها وروى عن جعفر بن محمد أن رجلا شكا إليه الفقر فأمره بالنكاح فذهب الرجل وتزوج ثم جاء إليه وشكا إليه الفقر فأمره بالطلاق فسئل عن هذه الآية فقال : أمرته بالنكاح لعله من أهل هذه الآية : إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله فلما لم يكن من أهل تلك الآية أمرته بالطلاق فقلت : فلعله من أهل هذه الآية وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته قوله تعالى : ( ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) أي الأمر بالتقوى كان عاما لجميع الأمم : وقد مضى القول في التقوى ( وإياكم ) عطف على الذين ( أن اتقوا الله ) في موضع نصب قال الأخفش : أي بأن اتقوا الله وقال بعض العارفين : هذه الآية هي رحى آي القرآن لأن جميعه يدور عليها قوله تعالى : ( وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ) إن قال قائل : ما فائدة هذا التكرير فعنه جوابان : أحدهما أنه كرر تأكيدا ليتنبه العباد وينظروا ما في ملكوته وملكه وأنه غني عن العالمين الجواب الثاني أنه كرر لفوائد : فأخبر في الأول أن الله تعالى يغني كلا من سعته لأن له ما في السماوات وما في الأرض فلا تنفد خزائنه ثم قال : أوصيناكم وأهل الكتاب بالتقوى وإن تكفروا أي وإن تكفروا فإنه غني عنكم لأن له ما في السماوات وما في الأرض ثم أعلم في الثالث بحفظ خلقه وتدبيره إياهم بقوله : ( وكفى بالله وكيلا ) لأن له ما في السماوات وما في الأرض وقال : ما في السماوات ولم يقل من في السماوات لأنه ذهب به مذهب الجنس وفي السماوات والأرض من يعقل ومن لا يعقل < <

قسم V05/P408–V05/P409

النساء : ( 133 ) إن يشأ يذهبكم . . . . . > > < > ( النساء 133 ) < > قوله تعالى : ( إن يشأ يذهبكم ) يعني بالموت ( أيها الناس ) يريد المشركين والمنافقين ( ويأت بآخرين ) يعني بغيركم ولما نزلت هذه الآية ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ظهر سلمان وقال : ( هم قوم هذا ( وقيل : الآية عامة أي وإن تكفروا يذهبكم ويأت بخلق أطوع لله منكم وهذا كما قال في آية أخرى : وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم وفي الآية تخويف وتنبيه لجميع من كانت له ولاية وإمارة ورياسة فلا يعدل في رعيته أو كان عالما فلا يعمل بعلمه ولا ينصح الناس أن يذهبه ويأتي بغيره ( وكان الله على ذلك قديرا ) والقدرة صفة أزلية لا تتناهى مقدوراته كما لا تتناهى معلوماته والماضي والمستقبل في صفاته بمعنى واحد وإنما خص الماضي بالذكر لئلا يتوهم أنه يحدث في ذاته وصفاته والقدرة هي التي يكون بها الفعل ولا يجوز وجود العجز معها < < النساء : ( 134 ) من كان يريد . . . . . > > < > ( النساء 134 ) < > أي من عمل بما افترضه الله عليه طلبا للآخرة أتاه الله ذلك في الآخرة ومن عمل طلبا للدنيا أتاه بما كتب له في الدنيا وليس له في الآخرة من ثواب لأنه عمل لغير الله كما قال تعالى : وما له في الآخرة من نصيب وقال تعالى : أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وهذا على أن يكون المراد بالآية المنافقون والكفار وهو إختيار الطبري وروى أن المشركين كانوا لا يؤمنون بالقيامة وإنما يتقربون إلى الله تعالى ليوسع عليهم في الدنيا ويرفع عنهم مكروهها فأنزل الله عزوجل ( من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا ) أي يسمع ما يقولونه ويبصر ما يسرونه < < النساء : ( 135 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( النساء 135 ) <

قسم V05/P409–V05/P414

> فيه عشر مسائل : الأولى قوله تعالى : ( كونوا قوامين ) قوامين بناء مبالغة أي ليتكرر منكم القيام بالقسط وهو العدل في شهادتكم على أنفسكم وشهادة المرء على نفسه إقراره بالحقوق عليها ثم ذكر الوالدين لوجوب برهما وعظم قدرهما ثم ثنى بالأقربين إذ هم مظنة المودة والتعصب فكان الأجنبي من الناس أحرى أن يقام عليه بالقسط ويشهد عليه فجاء الكلام في السورة في حفظ حقوق الخلق في الأموال الثانية لا خلاف بين أهل العلم في صحة أحكام هذه الآية وأن شهادة الولد على الوالدين الأب والأم ماضية ولا يمنع ذلك من برهما بل من برهما أن يشهد عليهما ويخلصهما من الباطل وهو معنى قوله تعالى : قوا أنفسكم وأهليكم نارا فإن شهد لهما أو شهدا له وهي الثالثة فقد اختلف فيها قديما وحديثا فقال إبن شهاب الزهري : كان من مضى من السلف الصالح يجيزون شهادة الوالدين والأخ ويتأولون في ذلك قول الله تعالى : كونوا قوامين بالقسط شهداء لله فلم يكن أحد يتهم في ذلك من السلف الصالح رضوان الله عليهم ثم ظهرت من الناس أمور حملت الولاة على إتهامهم فتركت شهادة من يتهم وصار ذلك لا يجوز في الولد والوالد والأخ والزوج والزوجة وهو مذهب الحسن والنخعي والشعبي وشريح ومالك والثوري والشافعي وإبن حنبل وقد أجاز قوم شهادة بعضهم لبعض إذا كانوا عدولا وروى عن عمر بن الخطاب أنه أجازه وكذلك روى عن عمر بن عبد العزيز وبه قال إسحاق والثوري والمزني ومذهب مالك جواز شهادة الأخ لأخيه إذا كان عدلا إلا في النسب وروى عنه إبن وهب أنها لا تجوز إذا كان في عياله أو في نصيب من مال يرثه وقال مالك وأبو حنيفة : شهادة الزوج لزوجته لا تقبل لتواصل منافع الأملاك بينهما وهي محل الشهادة وقال الشافعي : تجوز شهادة الزوجين بعضهما لبعض لأنهما أجنبيان وإنما بينهما عقد الزوجية وهو معرض للزوال والأصل قبول الشهادة إلا حيث خص فيما عدا المخصوص فبقى على الأصل وهذا ضعيف فإن الزوجية توجب الحنان والمواصلة والألفة والمحبة فالتهمة قوية ظاهرة وقد روى أبو داؤد من حديث سليمان بن موسى عن عمرو إبن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد شهادة الخائن والخائنة وذي الغمر على أخيه ورد شهادة القانع لأهل البيت وأجازها لغيرهم قال الخطابي : ذو الغمر هو الذي بينه وبين المشهود عليه عداوة ظاهرة فترد شهادته عليه للتهمة وقال أبو حنيفة : شهادته على العدو مقبولة إذا كان عدلا والقانع السائل والمستطعم وأصل القنوع السؤال ويقال في القانع : إنه المنقطع إلى القوم يخدمهم ويكون في حوائجهم وذلك مثل الأجير أو الوكيل ونحوه ومعنى رد هذه الشهادة التهمة في جر المنفعة إلى نفسه لأن القانع لأهل البيت ينتفع بما يصير إليهم من نفع وكل من جر إلى نفسه بشهادته نفعا فشهادته مردودة كمن شهد لرجل على شراء دار هو شفيعها أو كمن حكم له على رجل بدين وهو مفلس فشهد المفلس على رجل بدين ونحوه قال الخطابي : ومن رد شهادة القانع لأهل البيت بسبب جر المنفعة فقياس قوله أن يرد شهادة الزوج لزوجته لأن ما بينهما من التهمة في جر المنفعة أكثر وإلى هذا ذهب أبو حنيفة والحديث حجة على من أجاز شهادة الأب لإبنه لأنه يجر به النفع لما جبل عليه من حبه والميل إليه ولأنه يتملك عليه ماله وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( أنت ومالك لأبيك ( وممن ترد شهادته عند مالك البدوي على القروي قال : إلا أن يكون في بادية أو قرية فأما الذي يشهد في الحضر بدويا ويدع جيرته من أهل الحضر عندي مريب وقد روى أبو داؤد والدراقطني عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية ( قال محمد إبن عبد الحكم : تأول مالك هذا الحديث على أن المراد به الشهادة في الحقوق والأموال ولا ترد الشهادة في الدماء وما في معناها مما يطلب به الخلق وقال عامة أهل العلم : شهادة البدوي إذا كان عدلا يقيم الشهادة على وجهها جائزة والله أعلم وقد مضى القول في هذا في البقرة ويأتي في براءة تمامها إن شاء الله تعالى الرابعة قوله تعالى : ( شهداء لله ) نصب على النعت ل قوامين وإن شئت كان خبرا بعد خبر قال النحاس : وأجود من هذين أن يكون نصبا على الحال بما في قوامين من ذكر الذين آمنوا لأنه نفس المعنى أي كونوا قوامين بالعدل عند شهادتكم قال إبن عطية : والحال فيه ضعيفة في المعنى لأنها تخصيص القيام بالقسط إلى معنى الشهادة فقط ولم ينصرف شهداء لأن فيه ألف التأنيث الخامسة قوله تعالى : ( لله ) معناه لذات الله ولوجهه ولمرضاته وثوابه ( ولو على أنفسكم ) متعلق ب شهداء هذا هو الظاهر الذي فسر عليه الناس وأن هذه الشهادة المذكورة هي في الحقوق فيقر بها لأهلها فذلك قيامه بالشهادة على نفسه كما تقدم أدب الله جل وعز المؤمنين بهذا كما قال إبن عباس : أمروا أن يقولوا الحق ولو على أنفسهم ويحتمل أن يكون قوله : شهداء لله معناه بالوحدانية لله ويتعلق قوله : ولو على أنفسكم ب قوامين والتأويل الأول أبين السادسة قوله تعالى : ( إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ) في الكلام إضمار وهو اسم كان أي إن يكن الطالب أو المشهود عليه غنيا فلا يراعى لغناه ولا يخاف منه وإن يكن فقيرا فلا يراعى إشفاقا عليه فالله أولى بهما أي فيما اختار لهما من فقر وغنى قال السدي : اختصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم غني وفقير فكان ضلعه صلى الله عليه وسلم مع الفقير ورأى أن الفقير لا يظلم الغني فنزلت الآية السابعة قوله تعالى : ( فالله أولى بهما ) إنما قال بهما ولم يقل به وإن كانت أو إنما تدل على الحصول الواحد لأن المعنى فالله أولى بكل واحد منهما وقال الأخفش : تكون أو بمعنى الواو أي إن يكن غنيا وفقيرا فالله أولى بالخصمين كيفما كانا وفيه ضعف وقيل : إنما قال بهما لأنه قد تقدم ذكرهما كما قال تعالى : وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس الثامنة قوله تعالى : ( فلا تتبعوا الهوى ) نهى فإن إتباع الهوى مرد أي مهلك قال الله تعالى : فأحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله فإتباع الهوى يحمل على الشهادة بغير الحق وعلى الجور في الحكم إلى غير ذلك وقال الشعبي : أخذ الله عزوجل على الحكام ثلاثة اشياء : ألا يتبعوا الهوى وألا يخشوا الناس ويخشوه وألا يشتروا بآياته ثمنا قليلا ( أن تعدلوا ) في موضع نصب التاسعة قوله تعالى : ( وإن تلووا أو تعرضوا ) قرئ وإن تلووا من لويت فلانا حقه ليا إذا دفعته به والفعل منه لوى والأصل فيه لوى قلبت الياء ألفا لحركتها وحركة ما قبلها والمصدر ليا والأصل لويا وليانا والأصل لويانا ثم أدغمت الواو في الياء وقال القتبي : تلووا من اللي في الشهادة والميل إلى أحد الخصمين وقرأ إبن عامر والكوفيون تلوا أراد قمتم بالأمر وأعرضتم من قولك : وليت الأمر فيكون في الكلام معنى التوبيخ للإعراض عن القيام بالأمر وقيل : إن معنى تلوا الإعراض فالقراءة بضم اللام تفيد معنيين : الولاية والإعراض والقراءة بواوين تفيد معنى واحدا وهو الإعراض وزعم بعض النحويين أن من قرأ تلوا فقد لحن لأنه لا معنى للولاية ها هنا قال النحاس وغيره : وليس يلزم هذا ولكن تكون تلوا بمعنى تلووا وذلك أن أصله تلووا فاستثقلت الضمة على الواو بعدها واو أخرى فألقيت الحركة على اللام وحذفت إحدى الواوين لإلتقاء الساكنين وهي كالقراءة بإسكان اللام وواوين ذكره مكي وقال الزجاج : المعنى على قراءته وإن تلووا ثم همز الواو الأولى فصارت تلؤوا ثم خففت الهمزة بإلقاء حركتها على اللام فصارت تلوا وأصلها تلووا فتتفق القراءتان على هذا التقدير وذكره النحاس ومكي وإبن العربي وغيرهم قال إبن عباس : هو في الخصمين يجلسان بين يدي القاضي فيكون لي القاضي وإعراضه لأحدهما على الآخر فاللي على هذا مطل الكلام وجره حتى يفوت فصل القضاء وإنفاذه للذي يميل القاضي إليه قال إبن عطية : وقد شاهدت بعض القضاة يفعلون ذلك والله حسيب الكل وقال إبن عباس أيضا والسدي وإبن زيد والضحاك ومجاهد : هي في الشهود يلوي الشاهد الشهادة بلسانه ويحرفها فلا يقول الحق فيها أو يعرض عن أداء الحق فيها ولفظ الآية يعم القضاء والشهادة وكل إنسان مأمور بأن يعدل وفي الحديث : ( لي الواجد يحل عرضه وعقوبته ( قال إبن الأعرابي : عقوبته حبسه وعرضه شكايته العاشرة وقد استدل بعض العلماء في رد شهادة العبد بهذه الآية فقال : جعل الله تعالى الحاكم شاهدا في هذه الآية وذلك أدل دليل على أن العبد ليس من أهل الشهادة لأن المقصود منه الإستقلال بهذا المهم إذا دعت الحاجة إليه ولا يتأتى ذلك من العبد أصلا فلذلك ردت الشهادة < <

الأسئلة