Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

قسم V07/P123

الأنعام : ( 146 ) وعلى الذين هادوا . . . . . > > < > ( الانعام 146 ) <

قسم V07/P123–V07/P127

> فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ) لما ذكر الله عز وجل ما حرم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم عقب ذلك بذكر ما حرم على اليهود لما في ذلك من تكذيبهم في قولهم : إن الله لم يحرم علينا شيئا وإنما نحن حرمنا على أنفسنا ما حرمه إسرائيل على نفسه وقد تقدم في البقرة معنى هادوا وهذا التحريم على الذين هادوا إنما هو تكليف بلوي وعقوبة فأول ما ذكر من المحرمات عليهم كل ذي ظفر وقرأ الحسن ظفر بإسكان الفاء وقرأ أبو السمال ظفر بكسر الظاء وإسكان الفاء وأنكر أبو حاتم كسر الظاء وإسكان الفاء ولم يذكر هذه القراءة وهي لغة وظفر بكسرهما والجمع أظفار وأظفور وأظافير قاله الجوهري وزاد النحاس عن الفراء أظافير وأظافرة قال بن السكيت : يقال رجل أظفر بين الظفر إذا كان طويل الأظفار كما يقال : رجل أشعر للطويل الشعر قال مجاهد وقتادة : ذي ظفر ما ليس بمنفرج الأصابع من البهائم والطير مثل الإبل والنعام والإوز والبط وقال بن زيد : الإبل فقط وقال بن عباس : ذي ظفر البعير والنعامة لأن النعامة ذات ظفر كالإبل وقيل : يعني كل ذي مخلب من الطير وذي حافر من الدواب ويسمى الحافر ظفرا استعارة وقال الترمذي الحكيم : الحافر ظفر والمخلب ظفر إلا أن هذا على قدره وذاك على قدره وليس ها هنا استعارة ألا ترى أن كليهما يقص ويؤخذ منهما وكلاهما جنس واحد : عظم لين رخو أصله من غذاء ينبت فيقص مثل ظفر الإنسان وإنما سمي حافرا لأنه يحفر الأرض بوقعه عليها وسمي مخلبا لأنه يخلب الطير برءوس تلك الإبر منها وسمي ظفرا لأنه يأخذ الأشياء بظفره أي يظفر به الآدمي والطير الثانية قوله تعالى : ( ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ) قال قتادة : يعني الثروب وشحم الكليتين وقاله السدي والثروب جمع الثرب وهو الشحم الرقيق الذي يكون على الكرش قال بن جريج : حرم عليهم كل شحم غير مختلط بعظم أو على عظم وأحل لهم شحم الجنب والألية لأنه على العصعص الثالثة قوله تعالى : ( إلا ماحملت ظهورهما ) ما في موضع نصب على الاستثناء ظهورهما رفع ب حملت ( أو الحوايا ) في موضع رفع عطف على الظهور أي أو حملت حواياهما والألف واللام بدل من الإضافة وعلى هذا تكون الحوايا من جملة ما أحل ( أو ما اختلط بعظم ) ما في موضع نصب عطف على ما حملت أيضا هذا أصح ما قيل فيه وهو قول الكسائي والفراء وأحمد بن يحيى والنظر يوجب أن يعطف الشيء على ما يليه إلا ألا يصح معناه أو يدل دليل على غير ذلك وقيل : إن الاستثناء في التحليل إنما هو ما حملت الظهور خاصة وقوله : أو الحوايا أو ما اختلط بعظم معطوف على المحرم والمعنى : حرمت عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما أختلط بعظم إلا ما حملت الظهور فإنه غير محرم وقد احتج الشافعي بهذه الآية في أن من حلف ألا يأكل الشحم حنث بأكل شحم الظهور لاستثناء الله عز وجل ما على ظهورهما من جملة الشحم الرابعة قوله تعالى : أو الحوايا : الحوايا : هي المباعر عن بن عباس وغيره وهو جمع مبعر سمي بذلك لاجتماع البعر فيه وهو الزبل وواحد الحوايا حاوياء مثل قاصعاء وقواصع وقيل : حاوية مثل ضاربة وضوارب وقيل : حوية مثل سفينة وسفائن قال أبو عبيدة : الحوايا ما تحوي من البطن أي استدار وهي منحوية أي مستديرة وقيل : الحوايا خزائن اللبن وهو يتصل بالمباعر وهي المصارين وقيل : الحوايا الأمعاء التي عليها الشحوم والحوايا في غير هذا الموضع : كساء يحوي حول سنام البعير قال امرؤ القيس جعلن حوايا واقتعدن قعائدا وخففن من حوك العراق المنمق فأخبر الله سبحانه أنه كتب عليهم تحريم هذا في التوراة ردا لكذبهم ونصه فيها : حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وكل دابة ليست مشقوقة الحافر وكل حوت ليس فيه سفاسق أي بياض ثم نسخ الله ذلك كله بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم وأباح لهم ما كان محرما عليهم من الحيوان وأزال الحرج بمحمد عليه السلام وألزم الخليقة دين الإسلام بحله وحرمه وأمره ونهيه الخامسة ولو ذبحوا أنعامهم فأكلوا ما أحل الله لهم في التوراة وتركوا ما حرم عليهم فهل يحل لنا قال مالك في كتاب محمد : هي محرمة وقال في سماع المبسوط : هي محللة وبه قال بن نافع وقال بن القاسم : أكرهه وجه الأول أنهم يدينون بتحريمها ولا يقصدونها عند الذكاة فكانت محرمة كالدم ووجه الثاني وهو الصحيح أن الله عز وجل رفع ذلك التحريم بالإسلام واعتقادهم فيه لا يؤثر لأنه اعتقاد فاسد قاله بن العربي قلت : ويدل على صحته ما رواه الصحيحان عن عبد الله بن مغفل قال : كنا محاصرين قصر خيبر فرمى إنسان بجراب فيه شحم فنزلت لآخذه فالتفت فإذا النبي صلى الله عليه وسلم فاستحييت منه لفظ البخاري ولفظ مسلم : قال عبد الله بن مغفل : أصبت جرابا من شحم يوم خيبر قال فالتزمته وقلت : لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا قال : فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متبسما قال علماؤنا : تبسمه عليه السلام إنما كان لما رأى من شدة حرص بن مغفل على أخذ الجراب ومن ضنته به ولم يأمره بطرحه ولا نهاه وعلى جواز الأكل مذهب أبي حنيفة والشافعي وعامة العلماء غير أن مالكا كرهه للخلاف فيه وحكى بن المنذر عن مالك تحريمها وإليه ذهب كبراء أصحاب مالك ومتمسكهم ما تقدم والحديث حجة عليهم فلو ذبحوا كل ذي ظفر قال أصبغ : ما كان محرما في كتاب الله من ذبائحهم فلا يحل أكله لأنهم يدينون بتحريمها وقاله أشهب وبن القاسم وأجازه بن وهب وقال بن حبيب : ما كان محرما عليهم وعلمنا ذلك من كتابنا فلا يحل لنا من ذبائحهم وما لم نعلم تحريمه إلا من أقوالهم واجتهادهم فهو غير محرم علينا من ذبائحهم السادسة قوله تعالى : ( ذلك ) أي ذلك التحريم فذلك في موضع رفع أي الأمر ذلك ( جزيناهم ببغيهم ) أي بظلمهم عقوبة لهم لقتلهم الأنبياء وصدهم عن سبيل الله وأخذهم الربا واستحلالهم أموال الناس بالباطل وفي هذا دليل على أن التحريم إنما يكون بذنب لأنه ضيق فلا يعدل عن السعة إليه إلا عند المؤاخذة ( وإنا لصادقون ) في أخبارنا عن هؤلاء اليهود عما حرمنا عليهم من اللحوم والشحوم < <

قسم V07/P127–V07/P128

الأنعام : ( 147 ) فإن كذبوك فقل . . . . . > > < > ( الانعام 147 ) < > قوله تعالى : ( فإن كذبوك ) شرط والجواب ( فقل ربكم ذو رحمة واسعة ) أي من سعة رحمته حلم عنكم فلم يعاقبكم في الدنيا ثم أخبر بما أعده لهم في الآخرة من العذاب فقال : ( ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين ) وقيل : المعنى ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين إذا أراد حلوله في الدنيا < < الأنعام : ( 148 ) سيقول الذين أشركوا . . . . . > > < > ( الانعام 148 ) < > قوله تعالى : ( سيقول الذين أشركوا ) قال مجاهد : يعني كفار قريش قالوا : ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ) يريد البحيرة والسائبة والوصيلة أخبر الله عز وجل بالغيب عما سيقولونه وظنوا أن هذا متمسك لهم لما لزمتهم الحجة وتيقنوا باطل ما كانوا عليه والمعنى : لو شاء الله لأرسل إلى آبائنا رسولا فنهاهم عن الشرك وعن تحريم ما أحل لهم فينتهوا فاتبعناهم على ذلك فرد الله عليهم ذلك فقال قل : ( هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ) أي أعندكم دليل على أن هذا كذا : ( إن تتبعون إلا الظن ) في هذا القول ( وإن أنتم إلا تخرصون ) لتوهموا ضعفتكم أن لكم حجة وقوله ولا آباؤنا عطف على النون في أشركنا ولم يقل نحن ولا آباؤنا لأن قوله ولا قام مقام توكيد المضمر ولهذا حسن أن يقال : ما قمت ولا زيد < < الأنعام : ( 149 ) قل فلله الحجة . . . . . > > < > ( الانعام 149 ) < > قوله تعالى : ( قل فلله الحجة البالغة ) أي التي تقطع عذر المحجوج وتزيل الشك عمن نظر فيها فحجته البالغة على هذا تبيينه أنه الواحد وإرساله الرسل والأنبياء فبين التوحيد بالنظر في المخلوقات وأيد الرسل بالمعجزات ولزم أمره كل مكلف فأما علمه وإرادته وكلامه فغيب لا يطلع عليه العبد إلا من ارتضى من رسول ويكفي في التكليف أن يكون العبد بحيث لو أراد أن يفعل ما أمر به لأمكنه وقد لبست المعتزلة بقوله : لو شاء الله ما أشركنا فقالوا : قد ذم الله هؤلاء الذين جعلوا شركهم عن مشيئته وتعلقهم بذلك باطل لأن الله تعالى إنما ذمهم على ترك اجتهادهم في طلب الحق وإنما قالوا ذلك على جهة الهزء واللعب نظيره وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم الزخرف ولو قالوه على جهة التعظيم والإجلال والمعرفة به لما عابهم لأن الله تعالى يقول : ولو شاء الله ما أشركوا وما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولو شاء الله لهداكم أجمعين ومثله كثير فالمؤمنون يقولونه لعلم منهم بالله تعالى < < الأنعام : ( 150 ) قل هلم شهداءكم . . . . . > > < > ( الانعام 150 ) <

قسم V07/P128–V07/P129

> قوله تعالى : ( قل هلم شهداءكم ) أي قل لهؤلاء المشركين أحضروا شهداءكم على أن الله حرم ما حرمتم وهلم كلمة دعوة إلى شيء ويستوي فيه الواحد والجماعة والذكر والأنثى عند أهل الحجاز إلا في لغة نجد فإنهم يقولون : هلما هلموا هلمى يأتون بالعلامة كما تكون في سائر الأفعال وعلى لغة أهل الحجاز جاء القرآن قال الله تعالى : والقائلين لإخوانهم هلم إلينا يقول : هلم أي أحضر أو ادن وهلم الطعام أي هات الطعام والمعنى ها هنا : هاتوا شهداءكم وفتحت الميم لالتقاء الساكنين كما تقول : رد يا هذا ولا يجوز ضمها ولا كسرها والأصل عند الخليل ها ضمت إليها لم ثم حذفت الألف لكثرة الاستعمال وقال غيره الأصل هل زيدت عليها لم وقيل : هي على لفظها تدل على معنى هات وفي كتاب العين للخليل : أصلها هل أؤم أي هل أقصدك ثم كثر استعمالهم إياها حتى صار المقصود بقولها احضر كما أن تعال أصلها أن يقولها المتعالي للمتسافل فكثر استعمالهم إياها حتى صار المتسافل يقول للمتعالي تعال قوله تعالى : ( فإن شهدوا ) أي شهد بعضهم لبعض ( فلا تشهد معهم ) أي فلا تصدق أداء الشهادة إلا من كتاب أو على لسان نبي وليس معهم شيء من ذلك < < الأنعام : ( 151 ) قل تعالوا أتل . . . . . > > < > ( الانعام 151 : 153 ) <

قسم V07/P129–V07/P141

> فيه أربع عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( قل تعالوا أتل ) أي تقدموا واقرءوا حقا يقينا كما أوحى إلي ربي لا ظنا ولا كذبا كما زعمتم ثم بين ذلك فقال : ألا تشركوا به شيئا يقال للرجل : تعال أي تقدم وللمرأة تعالي وللأثنين والاثنتين تعاليا ولجماعة الرجال تعالوا ولجماعة النساء تعالين قال الله تعالى : فتعالين أمتعكن وجعلوا التقدم ضربا من التعالي والإرتفاع لأن المأمور بالتقدم في أصل وضع هذا الفعل كأنه كان قاعدا فقيل له تعال أي ارفع شخصك بالقيام وتقدم واتسعوا فيه حتى جعلوه للواقف والماشي قاله بن الشجري الثانية قوله تعالى : ( ماحرم ) الوجه في ما أن تكون خبرية في موضع نصب ب أتل والمعنى : تعالوا أتل الذي حرم ربكم عليكم فإن علقت عليكم بحرم فهو الوجه لأنه الأقرب وهو اختيار البصريين وإن علقته بأتل فجيد لأنه الأسبق وهو اختيار الكوفيين فالتقدير في هذا القول أتل عليكم الذي حرم ربكم ( ألا تشركوا ) في موضع نصب بتقدير فعل من لفظ الأول أي أتل عليكم ألا تشركوا أي أتل عليكم تحريم الإشراك ويحتمل أن يكون منصوبا بما في عليكم من الإغراء وتكون عليكم منقطعة مما قبلها أي عليكم ترك الإشراك وعليكم إحسانا بالوالدين وألا تقتلوا أولادكم وألا تقربوا الفواحش كما تقول : عليك شأنك أي الزم شأنك وكما قال : عليكم أنفسكم قال جميعه بن الشجري وقال النحاس : يجوز أن تكون أن في موضع نصب بدلا من ما أي أتل عليكم تحريم الإشراك واختار الفراء أن تكون لا للنهي لأن بعده ولا الثالثة هذه الآية أمر من الله تعالى لنبيه عليه السلام بأن يدعو جميع الخلق إلى سماع تلاوة ما حرم الله وهكذا يجب على من بعده من العلماء أن يبلغوا الناس ويبينوا لهم ما حرم الله عليهم مما حل قال الله تعالى : لتبيننه للناس ولا تكتمونه وذكر بن المبارك : أخبرنا عيسى بن عمر عن عمرو بن مرة أنه حدثهم قال : قال ربيع بن خيثم لجليس له : أيسرك أن تؤتى بصحيفة من النبي صلى الله عليه وسلم لم يفك خاتمها قال نعم قال فاقرأ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم فقرأ إلى آخر الثلاث الآيات وقال كعب الأحبار : هذه الآية مفتتح التوراة : بسم الله الرحمن الرحيم قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم الآية وقال بن عباس : هذه الآيات المحكمات التي ذكرها الله في سورة آل عمران أجمعت عليها شرائع الخلق ولم تنسخ قط في ملة وقد قيل : إنها العشر كلمات المنزلة على موسى الرابعة قوله تعالى : ( وبالوالدين إحسانا ) الإحسان إلى الوالدين برهما وحفظهما وصيانتهما وامتثال أمرهما وإزالة الرق عنهما وترك السلطنة عليهما وإحسانا نصب على المصدر وناصبه فعل مضمر من لفظه تقديره وأحسنوا بالوالدين إحسانا الخامسة قوله تعالى : ( ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ) الإملاق الفقر : أي لا تئدوا من الموءودة بناتكم خشية العيلة فإني رازقكم وإياهم وقد كان منهم من يفعل ذلك بالإناث والذكور خشية الفقر كما هو ظاهر الآية أملق أي افتقر وأملقه أي أفقره فهو لازم ومتعد وحكى النقاش عن مؤرج أنه قال : الإملاق الجوع بلغة لخم وذكر منذر بن سعيد أن الإملاق الإنفاق يقال : أملق ماله بمعنى أنفقه وذكر أن عليا رضي الله عنه قال لامرأته : أملقي من مالك ما شئت ورجل ملق يعطي بلسانه ما ليس في قلبه فالملق لفظ مشترك يأتي بيانه في موضعه السادسة وقد يستدل بهذا من يمنع العزل لأن الوأد يرفع الموجود والنسل والعزل منع أصل النسل فتشابها إلا أن قتل النفس أعظم وزرا وأقبح فعلا ولذلك قال بعض علمائنا : إنه يفهم من قوله عليه السلام في العزل : ( ذلك الوأد الخفي ( الكراهة لا التحريم وقال به جماعة من الصحابة وغيرهم وقال بإباحته أيضا جماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء لقوله عليه السلام : ( لا عليكم ألا تفعلوا فإنما هو القدر ( أي ليس عليكم جناح في ألا تفعلوا وقد فهم منه الحسن ومحمد بن المثنى النهي والزجر عن العزل والتأويل الأول أولى لقوله عليه السلام : ( وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء ( قال مالك والشافعي : لا يجوز العزل عن الحرة إلا بإذنها وكأنهم رأوا الإنزال من تمام لذاتها ومن حقها في الولد ولم يروا ذلك في الموطوءة بملك اليمين إذ له أن يعزل عنها بغير إذنها إذ لا حق لها في شيء مما ذكر السابعة قوله تعالى : ( ولاتقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) نظيره وذروا ظاهر الإثم وباطنه فقوله : ما ظهر نهي عن جميع أنواع الفواحش وهي المعاصي وما بطن ما عقد عليه القلب من المخالفة وظهر وبطن حالتان تستوفيان أقسام ما جعلت له من الأشياء وما ظهر نصب على البدل من الفواحش وما بطن عطف عليه الثامنة قوله تعالى : ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) الألف واللام في النفس لتعريف الجنس كقولهم : أهلك الناس حب الدرهم والدينار ومثله إن الإنسان خلق هلوعا المعارج ألا ترى قوله سبحانه : إلا المصلين وكذلك قوله : والعصر إن الإنسان لفي خسر العصر لأنه قال : إلا الذين آمنوا وهذه الآية نهي عن قتل النفس المحرمة مؤمنة كانت أو معاهدة إلا بالحق الذي يوجب قتلها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم ماله ونفسه إلا بحقه وحسابهم على الله ( وهذا الحق أمور : منها منع الزكاة وترك الصلاة وقد قاتل الصديق مانعي الزكاة وفي التنزيل فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم وهذا بين وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة ( وقال عليه السلام : ( إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما ( أخرجه مسلم وروى أبو داود عن بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ( وسيأتي بيان هذا في الأعراف وفي التنزيل : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا الآية وقال : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا الحجرات الآية وكذلك من شق عصا المسلمين وخالف إمام جماعتهم وفرق كلمتهم وسعى في الأرض فسادا بانتهاب الأهل والمال والبغي على السلطان والامتناع من حكمه يقتل فهذا معنى قوله : إلا بالحق وقال عليه السلام : ( المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده ولا يتوارث أهل ملتين ( وروى أبو داود والنسائي عن أبي بكرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من قتل معاهدا في غير كنهه حرم الله عليه الجنة ( وفي رواية أخرى لأبي داود قال : ( من قتل رجل من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عاما ( في البخاري في هذا الحديث ( وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما ( خرجه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص التاسعة قوله تعالى : ( ذلكم ) إشارة إلى هذه المحرمات والكاف والميم للخطاب ولا حظ لهما من الإعراب ( وصاكم به ) الوصية الأمر المؤكد المقدور والكاف والميم محله النصب لأنه ضمير موضوع للمخاطبة وفي وصى ضمير فاعل يعود على الله وروى مطر الوراق عن نافع عن بن عمر أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أشرف على أصحابه فقال : علام تقتلوني فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث رجل زنى بعد حصانة فعليه الرجم أو قتل عمدا فعليه القود أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل ( فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام ولا قتلت أحدا فأقيد نفسي به ولا ارتددت منذ أسلمت إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ذلكم الذي ذكرت لكم وصاكم به لعلكم تعقلون العاشرة قوله تعالى : ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ) أي بما فيه صلاحه وتثميره وذلك بحفظ أصوله وتثمير فروعه وهذا أحسن الأقوال في هذا فإنه جامع قال مجاهد : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن بالتجارة فيه ولا تشتري منه ولا تستقرض الحادية عشرة قوله تعالى : ( حتى يبلغ أشده ) يعني قوته وقد تكون في البدن وقد تكون في المعرفة بالتجربة ولا بد من حصول الوجهين فإن الأشد وقعت هنا مطلقة وقد جاء بيان حال اليتيم في سورة النساء مقيدة فقال : وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فجمع بين قوة البدن وهو بلوغ النكاح وبين قوة المعرفة وهو إيناس الرشد فلو مكن اليتيم من ماله قبل حصول المعرفة وبعد حصول القوة لأذهبه في شهوته وبقي صعلوكا لا مال له وخص اليتيم بهذا الشرط لغفلة الناس عنه وافتقاد الآباء لأبنائهم فكان الاهتبال بفقيد الأب أولى وليس بلوغ الأشد مما يبيح قرب ماله بغير الأحسن لأن الحرمة في حق البالغ ثابتة وخص اليتيم بالذكر لأن خصمه الله والمعنى : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن على الأبد حتى يبلغ أشده وفي الكلام حذف فإذا بلغ أشده وأونس منه الرشد فادفعوا إليه ماله واختلف العلماء في أشد اليتيم فقال بن زيد : بلوغه وقال أهل المدينة بلوغه وإيناس رشده وعند أبي حنيفة : خمس وعشرون سنة قال بن العربي : وعجبا من أبي حنيفة فإنه يرى أن المقدرات لا تثبت قياسا ولا نظرا وإنما تثبت نقلا وهو يثبتها بالأحاديث الضعيفة ولكنه سكن دار الضرب فكثر عنده المدلس ولو سكن المعدن كما قيض الله لمالك لما صدر عنه إلا إبريز الدين وقد قيل : إن انتهاء الكهولة فيها مجتمع الأشد كما قال سحيم بن وثيل : أخو خمسين مجتمع أشدي ونجذني مداورة الشؤون يروي نجدني بالدال والذال والأشد واحد لا جمع له بمنزلة الآنك وهو الرصاص وقد قيل : واحده شد كفلس وأفلس وأصله من شد النهار أي ارتفع يقال : أتيته شد النهار ومد النهار وكان محمد بن الضبي ينشد بيت عنترة : عهدي به شد النهار كأنما خضب اللبان ورأسه بالعظلم وقال آخر : تطيف به شد النهار ظعينة طويلة أنقاء اليدين سحوق وكان سيبويه يقول : واحده شدة قال الجوهري : وهو حسن في المعنى لأنه يقال : بلغ الغلام شدته ولكن لا تجمع فعلة على أفعل وأما أنعم فإنما هو جمع نعم من قولهم : يوم بؤس ويوم نعم وأما قول من قال : واحده شد مثل كلب وأكلب وشد مثل ذئب وأذؤب فإنما هو قياس كما يقولون في واحد الأبابيل : إبول قياسا على عجول وليس هو شيئا سمع من العرب قال أبو زيد : أصابتني شدى على فعلى أي شدة وأشد الرجل إذا كانت معه دابة شديدة الثانية عشرة قوله تعالى : ( وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ) أي بالأعتدال في الأخذ والعطاء عند البيع والشراء والقسط : العدل ( لا نكلف نفسا إلا وسعها ) أي طاقتها في إيفاء الكيل والوزن وهذا يقتضي أن هذه الأوامر إنما هي فيما يقع تحت قدره البشر من التحفظ والتحرر وما لا يمكن الإحتراز عنه من تفاوت ما بين الكيلين ولا يدخل تحت قدرة البشر فمعفو عنه وقيل : الكيل بمعنى المكيال يقال : هذا كذا وكذا كيلا ولهذا عطف عليه بالميزان وقال بعض العلماء : لما علم الله سبحانه من عباده أن كثيرا منهم تضيق نفسه عن أن تطيب للغير بما لا يجب عليها له أمر المعطي بإيفاء رب الحق حقه الذي هو له ولم يكلفه الزيادة لما في الزيادة عليه من ضيق نفسه بها وأمر صاحب الحق بأخذ حقه ولم يكلفه الرضا بأقل منه لما في النقصان من ضيق نفسه وفي موطأ مالك عن يحيى بن سعيد أنه بلغه عن عبد الله بن عباس أنه قال : ما ظهر الغلول في قوم قط إلا ألقى الله في قلوبهم الرعب ولا فشا الزنى في قوم إلا كثر فيهم الموت ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا قطع عنهم الرزق ولا حكم قوم بغير الحق إلا فشا فيهم الدم ولا ختر قوم بالعهد إلا سلط الله عليهم العدو وقال بن عباس أيضا : إنكم معشر الأعاجم قد وليتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم الكيل والميزان الثالثة عشرة قوله تعالى : ( وإذا قلتم فاعدلوا ) يتضمن الأحكام والشهادات ( ولو كان ذا قربى ) أي ولو كان الحق على مثل قراباتكم كما تقدم في النساء ( وبعهد الله أوفوا ) عام في جميع ما عهده الله إلى عباده ويحتمل أن يراد به جميع ما انعقد بين إنسانين وأضيف ذلك العهد إلى الله من حيث أمر بحفظه والوفاء به ( لعلكم تذكرون ) تتعظون الرابعة عشرة قوله تعالى : ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ) هذه آية عظيمة عطفها على ما تقدم فإنه لما نهى وأمر حذر هنا عن اتباع غير سبيله فأمر فيها باتباع طريقه على ما نبينه بالأحاديث الصحيحة وأقاويل السلف وأن في موضع نصب أي وأتل أن هذا صراطي عن الفراء والكسائي قال الفراء : ويجوز أن يكون خفضا أي وصاكم به وبأن هذا صراطي وتقديرها عند الخليل وسيبويه : ولأن هذا صراطي كما قال : وأن المساجد لله الجن وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي وإن هذا بكسر الهمزة على الاستئناف أي الذي ذكر في الآيات صراطي مستقيما وقرأ بن أبي إسحاق ويعقوب وأن هذا بالتخفيف والمخففة مثل المشددة إلا أن فيه ضمير القصة والشان أي وأنه هذا فهي في موضع رفع ويجوز النصب ويجوز أن تكون زائدة للتوكيد كما قال عز وجل : فلما أن جاء البشير والصراط : الطريق الذي هو دين الإسلام ( مستقيما ) نصب على الحال ومعناه مستويا قويما لا اعوجاج فيه فأمر باتباع طريقه الذي طرقه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وشرعه ونهايته الجنة وتشعبت منه طرق فمن سلك الجادة نجا ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار قال الله تعالى : ( ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) أي تميل روى الدارمي أبو محمد في مسنده بإسناد صحيح : أخبرنا عفان حدثنا حماد بن زيد حدثنا عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال : خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطا ثم قال : ( هذا سبيل الله ( ثم خط خطوطا عن يمينه وخطوطا عن يساره ثم قال ( هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها ( ثم قرأ هذه الآية وأخرجه بن ماجة في سننه عن جابر بن عبد الله قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطا وخط خطين عن يمينه وخط خطين عن يساره ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال : ( هذا سبيل الله ثم تلا هذه الآية ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتعبوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ( وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد قاله بن عطية قلت : وهو الصحيح ذكر الطبري في كتاب آداب النفوس : حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن أبان أن رجلا قال لابن مسعود : ما الصراط المستقيم قال : تركنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه وطرفه في الجنة وعن يمينه جواد وعن يساره جواد وثم رجال يدعون من مر بهم فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة ثم قرأ بن مسعود : وأن هذا صراطي مستقيما الآية وقال عبد الله بن مسعود : تعلموا العلم قبل أن يقبض وقبضه أن يذهب أهله ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع وعليكم بالعتيق أخرجه الدارمي وقال مجاهد في قوله : ولا تتبعوا السبل قال : البدع قال بن شهاب : وهذا كقوله تعالى : إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا الآية فالهرب الهرب والنجاة النجاة والتمسك بالطريق المستقيم والسنن القويم الذي سلكه السلف الصالح وفيه المتجر الرابح روى الأئمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أمرتكم به فخذوه وما نهيتكم عنه فانتهوا ( وروى بن ماجه وغيره عن العرباض بن سارية قال : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقلنا : يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فما تعهد إلينا فقال : ( قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم والأمور المحدثات فإن كل بدعة ضلالة وعليكم بالطاعة وإن عبدا حبشيا فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد ( أخرجه الترمذي بمعناه وصححه وروى أبو داود قال حدثنا بن كثير قال أخبرنا سفيان قال : كتب رجل إلي عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر فكتب إليه : أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنته وكفوا مئونته فعليك بلزوم الجماعة فإنها لك بإذن الله عصمة ثم اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعة إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها أو عبرة فيها فإن السنة إنما سنها من قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم فإنهم على علم وقفوا وببصر نافذ كفوا وإنهم على كشف الأمور كانوا أقوى وبفضل ما كانوا فيه أولى فإن كان الهدى ما أنتم عليه فقد سبقتموهم إليه ولئن قلتم إنما حدث بعدهم فما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم فإنهم هم السابقون قد تكلموا فيه بما يكفي ووصفوا ما يشفي فما دونهم من مقصر وما فوقهم من مجسر وقد قصر قوم دونهم فجفوا وطمح عنهم أقوام فغلوا وإنهم مع ذلك لعلى هدى مستقيم وذكر الحديث وقال سهل بن عبد الله التستري : عليكم بالاقتداء بالأثر والسنة فإني أخاف أنه سيأتي عن قليل زمان إذا ذكر إنسان النبي صلى الله عليه وسلم والأقتداء به في جميع أحواله ذموه ونفروا عنه وتبرءوا منه وأذلوه وأهانوه قال سهل : إنما ظهرت البدعة على يدي أهل السنة لأنهم ظاهروهم وقاولوهم فظهرت أقاويلهم وفشت في العامة فسمعه من لم يكن يسمعه فلو تركوهم ولم يكلموهم لمات كل واحد منهم على ما في صدره ولم يظهر منه شيء وحمله معه إلى قبره وقال سهل : لا يحدث أحدكم بدعة حتى يحدث له إبليس عبادة فيتعبد بها ثم يحدث له بدعة فإذا نطق بالبدعة ودعا الناس إليها نزع منه تلك الخذمة قال سهل : لا أعلم حديثا جاء في المبتدعة أشد من هذا الحديث : ( حجب الله الجنة عن صاحب البدعة ( قال : فاليهودي والنصراني أرجى منهم قال سهل : من أراد أن يكرم دينه فلا يدخل على السلطان ولا يخلون بالنسوان ولا يخاصمن أهل الأهواء وقال أيضا : اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وفي مسند الدارمي : أن أبا موسى الأشعري جاء إلى عبد الله بن مسعود فقال : يا أبا عبد الرحمن إن رأيت في المسجد آنفا شيئا أنكرته ولم أر والحمد لله إلا خيرا قال : فما هو قال : إن عشت فستراه قال : رأيت في المسجد قوما حلقا حلقا جلوسا ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول لهم : كبروا مائة فيكبرون مائة فيقول : هللوا مائة فيهللون مائة ويقول : سبحوا مائة فيسبحون مائة قال : فماذا قلت لهم قال : ما قلت لهم شيئا انتظار رأيك وانتظار أمرك قال أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم ألا يضيع من حسناتهم ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم فقال : ما هذا الذي أراكم تصنعون قالوا : يا أبا عبد الرحمن حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح قال : فعدوا سيئاتكم وأنا ضامن لكم ألا يضيع من حسناتكم شيء ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم أو مفتتحي باب ضلالة قالوا : والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير فقال : وكم من مريد للخير لن يصيبه وعن عمر بن عبد العزيز وسأله رجل عن شيء من أهل الأهواء والبدع فقال : عليك بدين الأعراب والغلام في الكتاب واله عما سوى ذلك وقال الأوزاعي : قال إبليس لأوليائه من أي شيء تأتون بني آدم فقالوا : من كل شيء قال : فهل تأتونهم من قبل الاستغفار قالوا هيهات ذلك شيء قرن بالتوحيد قال : لأبثن فيهم شيئا لا يستغفرون الله منه قال : فبث فيهم الأهواء وقال مجاهد : ولا أدري أي النعمتين علي أعظم أن هداني للإسلام أو عافاني من هذه الأهواء وقال الشعبي : إنما سموا أصحاب الأهواء لأنهم يهوون في النار كله عن الدارمي وسئل سهل بن عبد الله عن الصلاة خلف المعتزلة والنكاح منهم وتزويجهم فقال : لا ولا كرامة هم كفار كيف يؤمن من يقول : القرآن مخلوق ولا جنة مخلوقة ولا نار مخلوقة ولا لله صراط ولا شفاعة ولا أحد من المؤمنين يدخل النار ولا يخرج من النار من مذنبي أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولا عذاب القبر ولا منكر ولا نكير ولا رؤية لربنا في الآخرة ولا زيادة وأن علم الله مخلوق ولا يرون السلطان ولا جمعة ويكفرون من يؤمن بهذا وقال الفضيل بن عياض : من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه وقد تقدم هذا من كلامه وزيادة وقال سفيان الثوري : البدعة أحب إلى إبليس من المعصية المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها وقال بن عباس : النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة وينهي عن البدعة عبادة وقال أبو العالية : عليكم بالأمر الأول الذي كانوا عليه قبل أن يفترقوا قال عاصم الأحول : فحدثت به الحسن فقال : قد نصحك والله وصدقك وقد مضى في آل عمران معنى قوله عليه السلام : ( تفرقت بنو إسرائيل على ثنتين وسبعين فرقة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ( الحديث وقد قال بعض العلماء العارفين : هذه الفرقة التي زادت في فرق أمة محمد صلى الله عليه وسلم هم قوم يعادون العلماء ويبغضون الفقهاء ولم يكن ذلك قط في الأمم السالفة وقد روى رافع بن خديج أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( يكون في أمتي قوم يكفرون بالله وبالقرآن وهم لا يشعرون كما كفرت اليهود والنصارى ( قال فقلت : جعلت فداك يا رسول الله كيف ذاك قال : ( يقرون ببعض ويكفرون ببعض ( قال قلت : جعلت فداك يا رسول الله وكيف يقولون قال : ( يجعلون إبليس عدلا لله في خلقه وقوته ورزقه ويقولون الخير من الله والشر من إبليس ( قال فيكفرون بالله ثم يقرؤون على ذلك كتاب الله فيكفرون بالقرآن بعد الإيمان والمعرفة قال : ( فما تلقى أمتي منهم من العداوة والبغضاء والجدال أولئك زنادقة هذه الأمة ( وذكر الحديث ومضى في النساء وهذه السورة النهي عن مجالسة أهل البدع والأهواء وأن من جالسهم حكمه حكمهم فقال : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا الآية ثم بين في سورة النساء وهي مدنية عقوبة من فعل ذلك وخالف ما أمر الله به فقال : وقد نزل عليكم في الكتاب الآية فألحق من جالسهم بهم وقد ذهب إلى هذا جماعة من أئمة هذه الأمة وحكم بموجب هذه الآيات في مجالس أهل البدع على المعاشرة والمخالطة منهم أحمد بن حنبل والأوزاعي وبن المبارك فإنهم قالوا في رجل شأنه مجالسة أهل البدع قالوا : ينهى عن مجالستهم فإن انتهى وإلا ألحق بهم يعنون في الحكم وقد حمل عمر بن عبد العزيز الحد على مجالس شربة الخمر وتلا إنكم إذا مثلهم قيل له : فإنه يقول إني أجالسهم لأباينهم وأرد عليهم قال ينهى عن مجالستهم فإن لم ينته ألحق بهم < <

قسم V07/P141–V07/P143

الأنعام : ( 154 ) ثم آتينا موسى . . . . . > > < > ( الانعام 154 : 155 ) < > قوله تعالى : ( ثم آتينا موسى الكتاب ) مفعولان ( تماما ) مفعول من أجله أو مصدر ( على الذين أحسن ) قرئ بالنصب والرفع فمن رفع وهي قراءة يحيى بن يعمر وبن أبي إسحاق فعلى تقدير : تماما على الذي هو أحسن قال المهدوي : وفيه بعد من أجل حذف المبتدأ العائد على الذي وحكى سيبويه عن الخليل أنه سمع ما أنا بالذي قائل لك شيئا ومن نصب فعلى أنه فعل ماضي داخل في الصلة هذا قول البصريين وأجاز الكسائي والفراء أن يكون اسما نعتا للذي وأجازا مررت بالذي أخيك ينعتان الذي بالمعرفة وما قاربها قال النحاس : وهذا محال عند البصريين لأنه نعت للاسم قبل أن يتم والمعنى عندهم : على المحسن قال مجاهد : تماما على المحسن المؤمن وقال الحسن في معنى قوله : تماما على الذي أحسن كان فيهم محسن وغير محسن فأنزل الله الكتاب تماما على المحسنين والدليل على صحة هذا القول أن بن مسعود قرأ : تماما على الذين أحسنوا وقيل : المعنى أعطينا موسى التوراة زيادة على ما كان يحسنه موسى مما كان علمه الله قبل نزول التوراة عليه قال محمد بن يزيد : فالمعنى تماما على الذي أحسن أي تماما على الذي أحسنه الله عز وجل إلى موسى عليه السلام من الرسالة وغيرها وقال عبد الله بن زيد : معناه على إحسان الله تعالى إلى أنبيائه عليهم السلام من الرسالة وغيرها وقال الربيع بن أنس : تماما على إحسان موسى من طاعته لله عز وجل وقاله الفراء ثم قيل : ثم يدل على أن الثاني بعد الأول وقصة موسى صلى الله عليه وسلم وإتيانه الكتاب قبل هذا فقيل : ثم بمعنى الواو أي وآتينا موسى الكتاب لأنهما حرفا عطف وقيل : تقدير الكلام ثم كنا قد آتينا موسى الكتاب قبل إنزالنا القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : المعنى قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ثم أتل ما آتينا موسى تماما ( وتفصيلا ) عطف عليه وكذا وهدى ورحمة ( وهذا كتاب ) إبتداء وخبر ( أنزلناه مبارك ) نعت أي كثير الخيرات ويجوز في غير القرآن مباركا على الحال ( فاتبعوه ) أي اعملوا بما فيه ( واتقوا ) أي اتقوا تحريفه ( لعلكم ترحمون ) أي لتكونوا راجين للرحمة فلا تعذبون < < الأنعام : ( 156 ) أن تقولوا إنما . . . . . > > < > ( الانعام 156 : 157 ) < > قوله تعالى : ( أن تقولوا ) في موضع نصب قال الكوفيون لئلا تقولوا وقال البصريون : أنزلناه كراهية أن تقولوا وقال الفراء والكسائي : المعنى فاتقوا أن تقولوا يا أهل مكة ( إنما أنزل الكتاب ) أي التوراة والإنجيل ( على طائفتين من قبلنا ) أي على اليهود والنصارى ولم ينزل علينا كتاب ( وإن كنا عن دراستهم لغافلين ) أي عن تلاوة كتبهم وعن لغاتهم ولم يقل عن دراستهما لأن كل طائفة جماعة ( أو اتقوا ) عطف على أن تقولوا ( فقد جاءكم بينة من ربكم ) أي قد زال العذر بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم والبينة والبيان واحد والمراد محمد صلى الله عليه وسلم سماه سبحانه بينة ( وهدى ورحمة ) أي لمن اتبعه ثم قال : ( فمن أظلم ) أي فإن كذبتم فلا أحد أظلم منكم ( صدف ) أعرض و ( يصدفون ) يعرضون وقد تقدم < < الأنعام : ( 158 ) هل ينظرون إلا . . . . . > > < > ( الانعام 158 ) <

قسم V07/P143–V07/P148

> قوله تعالى : ( هل ينظرون ) معناه أقمت عليهم الحجة وأنزلت عليهم الكتاب فلم يؤمنوا فماذا ينتظرون ( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ) أي عند الموت لقبض أرواحهم ( أو يأتي ربك ) قال بن عباس والضحاك : أمر ربك فيهم بالقتل أو غيره وقد يذكر المضاف إليه والمراد به المضاف كقوله تعالى : واسأل القرية يعني أهل القرية وقوله : واشربوا في قلوبهم العجل أي حب العجل كذلك هنا : يأتي أمر ربك أي عقوبة ربك وعذاب ربك ويقال : هذا من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله وقد تقدم القول في مثله في البقرة وغيرها ( أو يأتي بعض آيات ربك ) قيل : هو طلوع الشمس من مغربها بين بهذا أنهم يمهلون في الدنيا فإذا ظهرت الساعة فلا إمهال وقيل : إتيان الله تعالى مجيئه لفصل القضاء بين خلقه في موقف القيامة كما قال تعالى : وجاء ربك والملك صفا صفا الفجر وليس مجيئه تعالى حركة ولا انتقالا ولا زوالا لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسما أو جوهرا والذي عليه جمهور أئمة أهل السنة أنهم يقولون : يجيء وينزل ويأتي ولا يكيفون لأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير الشورى وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا : طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض ( وعن صفوان بن عسال المرادي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن بالمغرب بابا مفتوحا للتوبة مسيرة سبعين سنة لا يغلق حتى تطلع الشمس من نحوه ( أخرجه الدارقطني والدارمي والترمذي وقال : هذا حديث حسن صحيح وقال سفيان : قبل الشام خلقه الله يوم خلق السماوات والأرض ( مفتوحا ( يعني للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه قال : حديث حسن صحيح قلت : وكذب بهذا كله الخوارج والمعتزلة كما تقدم وروى بن عباس قال : سمعت عمر بن الخطاب فقال : أيها الناس إن الرجم حق فلا تخدعن عنه وإن آية ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجم وأن أبا بكر قد رجم وأنا قد رجمنا بعدهما وسيكون قوم من هذه الأمة يكذبون بالرجم ويكذبون بالدجال ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها ويكذبون بعذاب القبر ويكذبون بالشفاعة ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعد ما امتحشوا ذكره أبو عمر وذكر الثعلبي في حديث فيه طول عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما معناه : أن الشمس تحبس عن الناس حين تكثر المعاصي في الأرض ويذهب المعروف فلا يأمر به أحد ويفشو المنكر فلا ينهى عنه مقدار ليلة تحت العرش كلما سجدت واستأذنت ربها تعالى من أين تطلع لم يجئ لها جواب حتى يوافيها القمر فيسجد معها ويستأذن من أين يطلع فلا يجاء إليهما جواب حتى يحبسا مقدار ثلاث ليال للشمس وليلتين للقمر فلا يعرف طول تلك الليلة إلا المتهجدون في الأرض وهم يومئذ عصابة قليلة في كل بلدة من بلاد المسلمين فإذا تم لهما مقدار ثلاث ليال أرسل الله تعالى إليهما جبريل عليه السلام فيقول : ( إن الرب سبحانه وتعالى يأمركما أن ترجعا إلى مغاربكما فتطلعا منه وأنه لا ضوء لكما عندنا ولا نور ( فيطلعان من مغاربهما أسودين لا ضوء للشمس ولا نور للقمر مثلهما في كسوفهما قبل ذلك فذلك قوله تعالى : وجمع الشمس والقمر القيامة وقوله : إذا الشمس كورت التكوير فيرتفعان كذلك مثل البعيرين المقرونين فإذا ما بلغ الشمس والقمر سرة السماء وهي منصفها جاءهما جبريل عليه السلام فأخذ بقرونهما وردهما إلى المغرب فلا يغربهما من مغاربهما ولكن يغربهما من باب التوبة ثم يرد المصراعين ثم يلتئم ما بينهما فيصير كأنه لم يكن بينهما صدع فإذا أغلق باب التوبة لم تقبل لعبد بعد ذلك توبة ولم تنفعه بعد ذلك حسنة يعملها إلا من كان قبل ذلك محسنا فإنه يجري عليه ما كان عليه قبل ذلك اليوم فذلك قوله تعالى : ( يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ) ثم إن الشمس والقمر يكسيان بعد ذلك الضوء والنور ثم يطلعان على الناس ويغربان كما كانا قبل ذلك يطلعان ويغربان قال العلماء : وإنما لا ينفع نفسا إيمانها عند طلوعها من مغربها لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة من شهوات النفس وتفتر كل قوة من قوى البدن فيصير الناس كلهم لإيقانهم بدنو القيامة في حال من حضره الموت في انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم وبطلانها من أبدانهم فمن تاب في مثل هذه الحال لم تقبل توبته كما لا تقبل توبة من حضره الموت قال صلى الله عليه وسلم : إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ( أي تبلغ روحه رأس حلقه وذلك وقت المعاينة الذي يرى فيه مقعده من الجنة أو مقعده من النار فالمشاهد لطلوع الشمس من مغربها مثله وعلى هذا ينبغي أن تكون توبة كل من شاهد ذلك أو كان كالمشاهد له مردودة ما عاش لأن علمه بالله تعالى وبنبيه صلى الله عليه وسلم وبوعده قد صار ضرورة فإن امتدت أيام الدنيا إلى أن ينسى الناس من هذا الأمر العظيم ما كان ولا يتحدثوا عنه إلا قليلا فيصير الخبر عنه خاصا وينقطع التواتر عنه فمن أسلم في ذلك الوقت أو تاب قبل منه والله أعلم وفي صحيح مسلم عن عبد الله قال : حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لم أنسه بعد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبا ( وفيه عن حذيفة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غرفة ونحن أسفل منه فاطلع إلينا فقال : ( ما تذكرون ( قلنا : الساعة قال : ( إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف في جزيرة العرب والدخان والدجال ودابة الأرض ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس ( قال شعبة : وحدثني عبد العزيز بن رفيع عن أبي الطفيل عن أبي سريحة مثل ذلك لا يذكر النبي صلى الله عليه وسلم وقال أحدهما في العاشرة : ونزول عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم وقال الآخر : وريح تلقى الناس في البحر قلت : وهذا حديث متقن في ترتيب العلامات وقد وقع بعضها وهي الخسوفات على ما ذكر أبو الفرج الجوزي من وقوعها بعراق العجم والمغرب وهلك بسببها خلق كثير ذكره في كتاب فهوم الآثار وغيره ويأتي ذكر الدابة في النمل ويأجوج ومأجوج في الكهف ويقال : إن الآيات تتابع كالنظم في الخيط عاما فعاما وقيل : إن الحكم في طلوع الشمس من مغربها أن إبراهيم عليه السلام قال لنمروذ : فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر وأن الملحدة والمنجمة عن آخرهم ينكرون ذلك ويقولون : هو غير كائن فيطلعها الله تعالى يوما من المغرب ليرى المنكرين قدرته أن الشمس في ملكه إن شاء أطلعها من المشرق وإن شاء أطلعها من المغرب وعلى هذا يحتمل أن يكون رد التوبة والإيمان على من آمن وتاب من المنكرين لذلك المكذبين لخبر النبي صلى الله عليه وسلم بطلوعها فأما المصدقون لذلك فإنه تقبل توبتهم وينفعهم إيمانهم قبل ذلك وروي عن عبد الله بن عباس أنه قال : لا يقبل من كافر عمل ولا توبة إذا أسلم حين يراها إلا من كان صغيرا يومئذ فإنه لو أسلم بعد ذلك قبل ذلك منه ومن كان مؤمنا مذنبا فتاب من الذنب قبل منه وروي عن عمران بن حصين أنه قال : إنما لم تقبل توبته وقت طلوع الشمس حين تكون صيحة فيهلك فيها كثير من الناس فمن أسلم أو تاب في ذلك الوقت وهلك لم تقبل توبته ومن تاب بعد ذلك قبلت توبته ذكره أبو الليث السمرقندي في تفسيره وقال عبد الله بن عمر : يبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة حتى يغرسوا النخل والله بغيبه أعلم وقرأ بن عمر وبن الزبير يوم تأتى بالتاء مثل تلتقطه بعض السيارة وذهبت بعض أصابعه وقال جرير : لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع قال المبرد : التأنيث على المجاورة لمؤنث لا على الأصل وقرأ بن سيرين لا تنفع بالتاء قال أبو حاتم : يذكرون أن هذا غلط من بن سيرين قال النحاس : في هذا شيء دقيق من النحو ذكره سيبويه وذلك أن الإيمان والنفس كل واحد منهما مشتمل على الآخر فأنث الإيمان إذ هو من النفس وبها وأنشد سيبويه : مشين كما اهتزت رماح تسفهت أعاليها مر الرياح النواسم قال المهدوي : وكثيرا ما يؤنثون فعل المضاف المذكر إذا كانت إضافته إلى مؤنث وكان المضاف بعض المضاف إليه منه أو به وعليه قول ذي الرمة : مشين البيت فأنث المر لإضافته إلى الرياح وهي مؤنثة إذ كان المر من الرياح قال النحاس : وفيه قول آخر وهو أن يؤنث الإيمان لأنه مصدر كما يذكر المصدر المؤنث مثل فمن جاءه موعظة من ربه وكما قال : فقد عذرتنا في صحابته العذر ففي أحد الأقوال أنث العذر لأنه بمعنى المعذرة ( قل انتظروا إنا منتظرون ) بكم العذاب < <

قسم V07/P148–V07/P149

الأنعام : ( 159 ) إن الذين فرقوا . . . . . > > < > ( الانعام 159 ) < > قوله تعالى : ( إن الذين فرقوا دينهم ) قرأه حمزة والكسائي فارقوا بالألف وهي قراءة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه من المفارقة والفراق على معنى أنهم تركوا دينهم وخرجوا عنه وكان علي يقول : والله ما فرقوه ولكن فارقوه وقرأ الباقون بالتشديد إلا النخعي فإنه قرأ فرقوا مخففا أي آمنوا ببعض وكفروا ببعض والمراد اليهود والنصارى في قول مجاهد وقتادة والسدي والضحاك وقد وصفوا بالتفرق قال الله تعالى : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة وقال : ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله وقيل : عنى المشركين عبد بعضهم الصنم وبعضهم الملائكة وقيل : الآية عامة في جميع الكفار وكل من ابتدع وجاء بما لم يأمر الله عز وجل به فقد فرق دينه وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية إن الذين فرقوا دينهم هم أهل البدع والشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة وروى بقية بن الوليد حدثنا شعبة بن الحجاج حدثنا مجالد عن الشعبي عن شريح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا إنما هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأمة يا عائشة إن لكل صاحب ذنب توبة غير أن أصحاب البدع وأصحاب الأهواء ليس لهم توبة وأنا بريء منهم وهم منا برآء ( وروى ليث بن أبي سليم عن طاوس عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ إن الذين فارقوا دينهم ومعنى ( شيعا ) فرقا وأحزابا وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيع ( لست منهم في شيء ) فأوجب براءته منهم وهو كقوله عليه السلام : ( من غشنا فليس منا ( أي نحن برآء منه وقال الشاعر : إذا حاولت في أسد فجورا فإني لست منك ولست مني أي أنا أبرأ منك وموضع في شيء نصب على الحال من المضمر الذي في الخبر قاله أبو علي وقال الفراء : هو على حذف مضاف المعنى لست من عقابهم في شيء وإنما عليك الإنذار ( إنما أمرهم إلى الله ) تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم < < الأنعام : ( 160 ) من جاء بالحسنة . . . . . > > < > ( الانعام 160 ) <

قسم V07/P149–V07/P150

> قوله تعالى : ( من جاء بالحسنة ) ابتداء وهو شرط والجواب ( فله عشر أمثالها ) أي فله عشر حسنات أمثالها فحذفت الحسنات وأقيمت الأمثال التي هي صفتها مقامها جمع مثل وحكى سيبويه : عندي عشرة نسابات أي عندي عشرة رجال نسابات وقال أبو علي : حسن التأنيث في عشر أمثالها لما كان الأمثال مضافا إلى مؤنث والإضافة إلى المؤنث إذا كان إياه في المعنى يحسن فيه ذلك نحو تلتقطه بعض السيارة وذهبت بعض أصابعه وقرأ الحسن وسعيد بن جبير والأعمش فله عشر أمثالها والتقدير : فله عشر حسنات أمثالها أي له من الجزاء عشرة أضعاف مما يجب له ويجوز أن يكون له مثل ويضاعف المثل فيصير عشرة والحسنة هنا : الإيمان أي من جاء بشهادة أن لا إله إلا الله فله بكل عمل عمله في الدنيا من الخير عشرة أمثاله من الثواب ( ومن جاء بالسيئة ) يعني الشرك ( فلا يجزى إلا مثلها ) وهو الخلود في النار لأن الشرك أعظم الذنوب والنار أعظم العقوبة فذلك قوله تعالى : جزاء وفاقا النبأ يعني جزاء وافق العمل وأما الحسنة فبخلاف ذلك لنص الله تعالى على ذلك وفي الخبر ( الحسنة بعشر أمثالها وأزيد والسيئة واحدة وأغفر فالويل لمن غلبت آحاده أعشاره ( وروى الأعمش عن أبي صالح قال : الحسنة لا إله إلا الله والسيئة الشرك ( ) أي لا ينقص ثواب أعمالهم وقد مضى في البقرة بيان هذه الآية وأنها مخالفة للإنفاق في سبيل الله ولهذا قال بعض العلماء : العشر لسائر الحسنات والسبعمائة للنفقة في سبيل الله والخاص والعام فيه سواء وقال بعضهم : يكون للعوام عشرة وللخواص سبعمائة وأكثر إلى ما لا يحصى وهذا يحتاج إلى توقيف والأول أصح لحديث خريم بن فاتك عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه : ( وأما حسنة بعشر فمن عمل حسنة فله عشر أمثالها وأما حسنة بسبعمائة فالنفقة في سبيل الله ( < < الأنعام : ( 161 ) قل إنني هداني . . . . . > > < > ( الانعام 161 : 163 ) <

قسم V07/P150–V07/P154

> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ) لما بين تعالى أن الكفار تفرقوا بين أن الله هداه إلى الدين المستقيم وهو دين إبراهيم ( دينا ) نصب على الحال عن قطرب وقيل : نصب بهداني عن الأخفش قال غيره : انتصب حملا على المعنى لأن معنى هداني عرفني دينا ويجوز أن يكون بدلا من الصراط أي هداني صراطا مستقيما دينا وقيل : منصوب بإضمار فعل فكأنه قال : اتبعوا دينا واعرفوا دينا ( قيما ) قرأه الكوفيون وبن عامر بكسر القاف والتخفيف وفتح الياء مصدر كالشبع فوصف به والباقون بفتح القاف وكسر الياء وشدها وهما لغتان وأصل الياء الواو قيوم ثم أدغمت الواو في الياء كميت ومعناه دينا مستقيما لا عوج فيه ( ملة إبراهيم ) بدل ( حنيفا ) قال الزجاج : هو حال من إبراهيم وقال علي بن سليمان : هو نصب بإضمار أعني الثانية قوله تعالى : ( قل إن صلاتي ونسكي ) قد تقدم اشتقاق لفظ الصلاة وقيل : المراد بها هنا صلاة الليل وقيل : صلاة العيد والنسك جمع نسيكة وهي الذبيحة وكذلك قال مجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وغيرهم والمعنى : ذبحي في الحج والعمرة وقال الحسن : نسكي ديني وقال الزجاج : عبادتي ومنه الناسك الذي يتقرب إلى الله بالعبادة وقال قوم : النسك في هذه الآية جميع أعمال البر والطاعات من قولك نسك فلان فهو ناسك إذا تعبد ( ومحياي ) أي ما أعمله في حياتي ( ومماتي ) أي ما أوصي به بعد وفاتي ( لله رب العالمين ) أي أفرده بالتقرب بها إليه وقيل : ومحياي ومماتي لله أي حياتي وموتي له وقرأ الحسن : نسكي بإسكان السين وأهل المدينة ومحياي بسكون الياء في الإدراج والعامة بفتحها لأنه يجتمع ساكنان قال النحاس : لم يجزه أحد من النحويين إلا يونس وإنما أجازه لأن قبله ألفا والألف المدة التي فيها تقوم مقام الحركة وأجاز يونس اضربان زيدا وإنما منع النحويون هذا لأنه جمع بين ساكنين وليس في الثاني إدغام ومن قرأ بقراءة أهل المدينة وأراد أن يسلم من اللحن وقف على محياي فيكون غير لاحن عند جميع النحويين وقرأ بن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وعاصم الجحدري ومحيي بتشديد الياء الثانية من غير ألف وهي لغة عليا مضر يقولون : قفى وعصى وأنشد أهل اللغة : سبقوا هوى وأعنقوا لهواهم وقد تقدم الثالثة قال الكيا الطبري : قوله تعالى : قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم إلى قوله قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين استدل به الشافعي على افتتاح الصلاة بهذا الذكر فإن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزله في كتابه ثم ذكر حديث علي رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة قال : ( وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا ومسلما وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين إلى قوله وأنا من المسلمين ( قلت : روى مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال : ( وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك ( الحديث وأخرجه الدارقطني وقال في آخره : بلغنا عن النضر بن شميل وكان من العلماء باللغة وغيرها قال : معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( والشر ليس إليك ( الشر ليس مما يتقرب به إليك قال مالك : ليس التوجيه في الصلاة بواجب على الناس والواجب عليهم التكبير ثم القراءة قال بن القاسم : لم ير مالك هذا الذي يقوله الناس قبل القراءة : سبحانك اللهم وبحمدك وفي مختصر ما ليس في المختصر : أن مالكا كان يقوله في خاصة نفسه لصحة الحديث به وكان لا يراه للناس مخافة أن يعتقدوا وجوبه قال أبو الفرج الجوزي : وكنت أصلي وراء شيخنا أبي بكر الدينوري الفقيه في زمان الصبا فرآني مرة أفعل هذا فقال : يا بني إن الفقهاء قد اختلفوا في وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام ولم يختلفوا أن الأفتتاح سنة فاشتغل بالواجب ودع السنن والحجة لمالك قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي علمه الصلاة : ( إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ( ولم يقل له سبح كما يقول أبو حنيفة ولا قل وجهت وجهي كما يقول الشافعي وقال لأبي : ( كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة ( قال : قلت الله أكبر الحمد لله رب العالمين فلم يذكر توجيها ولا تسبيحا فإن قيل : فإن عليا قد أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله قلنا : يحتمل أن يكون قاله قبل التكبير ثم كبر وذلك حسن عندنا فإن قيل : فقد روى النسائي والدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة كبر ثم يقول إن : ( صلاتي ونسكي ( الحديث قلنا : هذا نحمله على النافلة في صلاة الليل كما جاء في كتاب النسائي عن أبي سعيد قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة بالليل قال : ( سبحانك اللهم وبحمدك تبارك أسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ( أو في النافلة مطلقا فإن النافلة أخف من الفرض لأنه يجوز أن يصليها قائما وقاعدا وراكبا وإلى القبلة وغيرها في السفر فأمرها أيسر وقد روى النسائي عن محمد بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام يصلي تطوعا قال : ( الله أكبر وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ( ثم يقرأ وهذا نص في التطوع لا في الواجب وإن صح أن ذلك كان في الفريضة بعد التكبير فيحمل على الجواز والإستحباب وأما المسنون فالقراءة بعد التكبير والله بحقائق الأمور عليم ثم إذا قاله فلا يقل : وأنا أول المسلمين وهي : الرابعة إذ ليس أحدهم بأولهم إلا محمدا صلى الله عليه وسلم فإن قيل : أو ليس إبراهيم والنبيون قبله قلنا عنه ثلاثة أجوبة : الأول أنه أول الخلق أجمع معنى كما في حديث أبي هريرة من قوله عليه السلام : ( نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة ( وفي حديث حذيفة ( نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق ( الثاني أنه أولهم لكونه مقدما في الخلق عليهم قال الله تعالى : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح قال قتادة : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث ( فلذلك وقع ذكره هنا مقدما قبل نوح وغيره الثالث أول المسلمين من أهل ملته قاله بن العربي وهو قول قتادة وغيره واختلفت الروايات في أول ففي بعضها ثبوتها وفي بعضها لا على ما ذكرنا وروى عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك في أول قطرة من دمها كل ذنب عملتيه ثم قولي : ( إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ( قال عمران : يا رسول الله هذا لك ولأهل بيتك خاصة أم للمسلمين عامة قال : ( بل للمسلمين عامة ( < <

قسم V07/P154

الأنعام : ( 164 ) قل أغير الله . . . . . > > < > ( الانعام 164 ) <

قسم V07/P154–V07/P157

> قوله تعالى : ( قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ) أي مالكه روى أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : ارجع يا محمد إلى ديننا واعبد آلهتنا واترك ما أنت عليه ونحن نتكفل لك بكل تباعة تتوقعها في دنياك وآخرتك فنزلت الآية وهي استفهام يقتضي التقرير والتوبيخ وغير نصب ب أبغي وربا تمييز قوله تعالى : ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ) فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ولا تكسب كل نفس إلا عليها أي لا ينفعني في ابتغاء رب غير الله كونكم على ذلك إذ لا تكسب كل نفس إلا عليها أي لا يؤخذ بما أتت من المعصية وركبت من الخطيئة سواها الثانية وقد استدل بعض العلماء من المخالفين بهذه الآية على أن بيع الفضولي لا يصح وهو قول الشافعي وقال علماؤنا : المراد من الآية تحمل الثواب والعقاب دون أحكام الدنيا بدليل قوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى على ما يأتي وبيع الفضولي عندنا موقوف على إجازة المالك فإن أجازه جاز هذا عروة البارقي قد باع للنبي صلى الله عليه وسلم واشتري وتصرف بغير أمره فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم وبه قال أبو حنيفة وروى البخاري والدارقطني عن عروة بن أبي الجعد قال : عرض للنبي صلى الله عليه وسلم جلب فأعطاني دينارا وقال : ( أي عروة آيت الجلب فاشتر لنا شاة بهذا الدينار ( فأتيت الجلب فساومت فاشتريت شاتين بدينار فجئت أسوقهما أو قال أقودهما فلقيني رجل في الطريق فساومني فبعته إحدى الشاتين بدينار وجئت بالشاة الأخرى وبدينار فقلت : يا رسول الله هذه الشاة وهذا ديناركم قال : ( كيف صنعت ( فحدثته الحديث قال : ( اللهم بارك له في صفقة يمينه ( قال : فلقد رأيتني أقف في كناسة الكوفة فأربح أربعين ألفا قبل أن أصل إلى أهلي لفظ الدارقطني قال أبو عمر : وهو حديث جيد وفيه صحة ثبوت النبي صلى الله عليه وسلم للشاتين ولولا ذلك ما أخذ منه الدينار ولا أمضى له البيع وفيه دليل على جواز الوكالة ولا خلاف فيها بين العلماء فإذا قال الموكل لوكيله : اشتر كذا فاشترى زيادة على ما وكل به فهل يلزم ذلك الأمر أم لا كرجل قال لرجل : اشتر بهذا الدرهم رطل لحم صفته كذا فاشترى له أربعة أرطال من تلك الصفة بذلك الدرهم فالذي عليه مالك وأصحابه أن الجميع يلزمه إذا وافق الصفة ومن جنسها لأنه محسن وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن وقال أبو حنيفة : الزيادة للمشتري وهذا الحديث حجة عليه قوله تعالى : ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى أي لا تؤخذ نفس بذنب غيرها بل كل نفس مأخوذة بجرمها ومعاقبة بإثمها وأصل الوزر الثقل ومنه قوله تعالى : ووضعنا عنك وزرك الشرح وهو هنا الذنب كما قال تعالى : وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم وقد تقدم قال الأخفش : يقال وزر يوزر ووزر يزر ووزر يوزر وزرا ويجوز إزرا كما يقال : إسادة والآية نزلت في الوليد بن المغيرة كان يقول : اتبعوا سبيلي أحمل أوزاركم ذكره بن عباس وقيل : إنها نزلت ردا على العرب في الجاهلية من مؤاخذة الرجل بأبيه وبابنه وبجريرة حليفه قلت : ويحتمل أن يكون المراد بهذه الآية في الآخرة وكذلك التي قبلها فأما التي في الدنيا فقد يؤاخذ فيها بعضهم بجرم بعض لا سيما إذا لم ينه الطائعون العاصين كما تقدم في حديث أبي بكر في قوله : ( عليكم أنفسكم ( المائدة وقوله تعالى : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة الأنفال إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم الرعد وقالت زينب بنت جحش : يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال : ( نعم إذا كثر الخبث ( قال العلماء : معناه أولاد الزنى والخبث ( بفتح الباء ) أسم للزنى فأوجب الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم دية الخطأ على العاقلة حتى لا يطل دم الحر المسلم تعظيما للدماء وأجمع أهل العلم على ذلك من غير خلاف بينهم في ذلك فدل على ما قلناه وقد يحتمل أن يكون هذا في الدنيا في ألا يؤاخذ زيد بفعل عمرو وأن كل مباشر لجريمة فعليه مغبتها وروى أبو داود عن أبي رمثة قال : انطلقت مع أبي نحو النبي صلى الله عليه وسلم ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي : ( ابنك هذا ( قال : إي ورب الكعبة قال : ( حقا ( قال : أشهد به قال : فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم ضاحكا من ثبت شبهي في أبي ومن حلف أبي علي ثم قال : ( أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه ( وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تزر وازرة وزر أخرى ولا يعارض ما قلناه أولا بقوله : وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم العنكبوت فإن هذا مبين في الآية الأخرى قوله : ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم فمن كان إماما في الضلالة ودعا إليها واتبع عليها فإنه يحمل وزر من أضله من غير أن ينقص من وزر المضل شيء على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى < <

قسم V07/P157–V07/P160

الأنعام : ( 165 ) وهو الذي جعلكم . . . . . > > < > ( الانعام 165 ) < > قوله تعالى : ( وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض ) خلائف جمع خليفة ككرائم جمع كريمة وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة أي جعلكم خلفا للأمم الماضية والقرون السالفة قال الشماخ : تصيبهم وتخطئني المنايا وأخلف في ربوع عن ربوع ( ورفع بعضكم فوق بعض ) في الخلق الرزق والقوة والبسطة والفضل والعلم ( درجات ) نصب بإسقاط الخافض أي إلى درجات ( ليبلوكم ) نصب بلام كي والابتلاء الأختبار أي ليظهر منكم ما يكون غايته الثواب والعقاب ولم يزل بعلمه غنيا فابتلى الموسر بالغني وطلب منه الشكر وابتلى المعسر بالفقر وطلب منه الصبر ويقال : ليبلوكم أي بعضكم ببعض كما قال : وجعلنا بعضكم لبعض فتنة الفرقان على ما يأتي بيانه ثم خوفهم فقال : ( إن ربك سريع العقاب ) لمن عصاه ( وإنه لغفور رحيم ) لمن أطاعه وقال : سريع العقاب مع وصفه سبحانه بالإمهال ومع أن عقاب النار في الآخرة لأن كل آت قريب فهو سريع على هذا كما قال تعالى : وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب وقال : يرونه بعيدا ونراه قريبا المعارج ويكون أيضا سريع العقاب لمن استحقه في دار الدنيا فيكون تحذيرا لمواقع الخطيئة على هذه الجهة والله أعلم تمت سورة الأنعام بحمد الله تعالى وصلواته على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا < > بسم الله الرحمن الرحيم < > < > تفسير سورة الأعراف < > هي مكية إلا ثمان آيات وهي قوله تعالى : واسألهم عن القرية إلى قوله : وإذ نتقنا الجبل فوقهم وروى النسائي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف فرقها في ركعتين صححه أبو محمد عبدالحق < < الأعراف : ( 1 ) المص > > < > ( الاعراف 1 : 2 ) < > قوله تعالى : ( المص ) تقدم في أول البقرة أو تكون رفعا على الابتداء والخبر ذلك كما تقول زيد ذلك الرجل وقال بن كيسان النحوي الم في موضع نصب كما تقول اقرأ الم أو عليك الم وقيل في موضع خفض بالقسم لقول بن عباس إنها أقسام أقسم الله بها وكتاب ) خبره كأنه قال : المص حروف ( كتاب إنزل إليك ) وقال الكسائي : أي هذا كتاب قوله تعالى : ( فلا يكن في صدرك حرج منه ) فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( حرج ) أي ضيق أي لا يضيق صدرك بالإبلاغ لأنه روي عنه عليه السلام أنه قال : ( إني أخاف أن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة ( الحديث خرجه مسلم قال الكيا : فظاهره النهي ومعناه نفي الحرج عنه أي لا يضيق صدرك ألا يؤمنوا به فإنما عليك البلاغ وليس عليك سوى الإنذار به من شيء من إيمانهم أو كفرهم ومثله قوله تعالى : فلعلك باخع نفسك الكهف الآية وقال : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ومذهب مجاهد وقتادة أن الحرج هنا الشك وليس هذا شك الكفر إنما هو شك الضيق وكذلك قوله تعالى : ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون وقيل : الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته وفيه بعد والهاء في منه للقرآن وقيل للإنذار أي أنزل إليك الكتاب لتنذر به فلا يكن في صدرك حرج منه فالكلام فيه تقديم وتأخير وقيل للتكذيب الذي يعطيه قوة الكلام أي فلا يكن في صدرك ضيق من تكذيب المكذبين له الثانية قوله تعالى : ( وذكرى ) يجوز أن يكون في موضع رفع ونصب وخفض فالرفع من وجهين قال البصريون : هي رفع على إضمار مبتدأ وقال الكسائي : عطف على كتاب والنصب من وجهين على المصدر أي وذكر به ذكرى قال البصريون وقال الكسائي : عطف على الهاء في أنزلناه والخفض حملا على موضع لتنذر به والإنذار للكافرين والذكرى للمؤمنين لأنهم المنتفعون به < <

قسم V07/P160–V07/P163

الأعراف : ( 3 ) اتبعوا ما أنزل . . . . . > > < > ( الاعراف 3 ) < > فيه مسألتاه : الأولى قوله تعالى : ( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ) يعني الكتاب والسنة قال الله تعالى : وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا الحشر وقالت فرقة : هذا أمر يعم النبي صلى الله عليه وسلم وأمته والظاهر أنه أمر لجميع الناس دونه أي اتبعوا ملة الإسلام والقرآن وأحلوا حلاله وحرموا حرامه وامتثلوا أمره واجتنبوا نهيه ودلت الآية على ترك اتباع الآراء مع وجود النص الثانية قوله تعالى : ( ولا تتبعوا من دونه أولياء ) من دونه من غيره والهاء تعود على الرب سبحانه والمعنى : لا تعبدوا معه غيره ولا تتخذوا من عدل عن دين الله وليا وكل من رضي مذهبا فأهل ذلك المذهب أولياؤه وروي عن مالك بن دينار أنه قرأ ولا تبتغوا من دونه أولياء أي ولا تطلبوا ولم ينصرف أولياء لأن فيه ألف التأنيث وقيل : تعود على ما من قوله : اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ( قليلا ما تذكرون ) ما زائدة وقيل : تكون مع الفعل مصدرا < < الأعراف : ( 4 ) وكم من قرية . . . . . > > < > ( الاعراف 4 : 5 ) < > قوله تعالى : ( وكم من قرية أهلكناها ) كم للتكثير كما أن رب للتقليل وهي في موضع رفع بالأبتداء وأهلكنا الخبر أي وكثير من القرى وهي مواضع اجتماع الناس أهلكناها ويجوز النصب بإضمار فعل بعدها ولا يقدر قبلها لأن الأستفهام لا يعمل فيه ما قبله ويقوي الأول قوله : وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح ولولا اشتغال أهلكنا بالضمير لانتصب به موضع كم ويجوز أن يكون أهلكنا صفة للقرية وكم في المعنى هي القرية فإذا وصفت القرية فكأنك قد وصفت كم يدل على ذلك قوله تعالى : وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا النجم فعاد الضمير على كم على المعنى إذ كانت الملائكة في المعنى فلا يصح على هذا التقدير أن يكون كم في موضع نصب بإضمار فعل بعدها ( فجاءها بأسنا ) فيه إشكال للعطف بالفاء فقال الفراء : الفاء بمعنى الواو فلا يلزم الترتيب وقيل : أي وكم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا كقوله : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم وقيل : إن الهلاك واقع ببعض القوم فيكون التقدير : وكم من قرية أهلكنا بعضها فجاءها بأسنا فأهلكنا الجميع وقيل : المعنى وكم من قرية أهلكناها في حكمنا فجاءها بأسنا وقيل : أهلكناها بإرسالنا ملائكة العذاب إليها فجاءها بأسنا وهو الاستئصال والبأس : العذاب الآتي على النفس وقيل : المعنى أهلكناها فكان إهلاكنا إياهم في وقت كذا فمجيء البأس على هذا هو الإهلاك وقيل : البأس غير الإهلاك كما ذكرنا وحكى الفراء أيضا أنه إذا كان معنى الفعلين واحدا أو كالواحد قدمت أيهما شئت فيكون المعنى وكم من قرية جاءها بأسنا فأهلكناها مثل دنا فقرب وقرب فدنا وشتمني فأساء وأساء فشتمني لأن الإساءة والشتم شيء واحد وكذلك قوله : اقتربت الساعة وانشق القمر القمر المعنى والله أعلم انشق القمر فاقتربت الساعة والمعنى واحد ( بياتا ) أي ليلا ومنه البيت لأنه يبات فيه يقال : بات يبيت بيتا وبياتا ( أو هم قائلون ) أي أو وهم قائلون فاستثقلوا فحذفوا الواو قاله الفراء وقال الزجاج : هذا خطأ إذا عاد الذكر استغنى عن الواو تقول : جاءني زيد راكبا أو هو ماش ولا يحتاج إلى الواو قال المهدوي : ولم يقل بياتا أو وهم قائلون لأن في الجملة ضميرا يرجع إلى الأول فاستغنى عن الواو وهو معنى قول الزجاج سواء وليس أو للشك بل للتفصيل كقولك : لأكرمنك منصفا لي أو ظالما وهذه الواو تسمى عند النحويين واو الوقت وقائلون من القائلة وهي القيلولة وهي نوم نصف النهار وقيل : الإستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر وإن لم يكن معها نوم والمعنى : جاءهم عذابنا وهم غافلون إما ليلا وإما نهارا والدعوى الدعاء ومنه قول : وآخر دعواهم يونس وحكى النحويون : اللهم أشركنا في صالح دعوى من دعاك وقد تكون الدعوى بمعنى الأدعاء والمعنى : أنهم لم يخلصوا عند الإهلاك إلا على الإقرار بأنهم كانوا ظالمين و دعواهم ) في موضع نصب خبر كان وأسمها ( إلا أن قالوا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين المعنى أنهم لم يخلصوا عند الإهلاك إلا على الإقرار بأنهم كانوا ظالمين ) نظيره فما كان جواب قومه إلا أن قالوا النمل ويجوز أن تكون الدعوى رفعا وأن قالوا نصبا كقول تعالى : ليس البر أن تولوا برفع البر وقوله : ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى أن كذبوا الروم برفع عاقبة < <

قسم V07/P163

الأعراف : ( 6 ) فلنسألن الذين أرسل . . . . . > > < > ( الاعراف 6 : 7 ) < > قوله تعالى : ( فلنسألن الذين أرسل إليهم ) دليل على أن الكفار يحاسبون وفي التنزيل ثم إن علينا حسابهم الغاشية وفي سورة القصص ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون القصص يعني إذا استقروا في العذاب والآخرة مواطن : موطن يسألون فيه للحساب وموطن لا يسألون فيه وسؤالهم سؤال تقرير وتوبيخ وإفضاح وسؤال الرسل سؤال استشهاد بهم وإفصاح أي عن جواب القوم لهم وهو معنى قوله : ليسأل الصادقين عن صدقهم على ما يأتي وقيل : المعنى فلنسألن الذين أرسل إليهم أي الأنبياء ولنسألن المرسلين أي الملائكة الذين أرسلوا إليهم واللام في فلنسألن لام القسم وحقيقتها التوكيد وكذا ( فلنقصن عليهم بعلم ) قال بن عباس : ينطق عليهم ( وما كنا غائبين ) أي كنا شاهدين لأعمالهم ودلت الآية على أن الله تعالى عالم بعلم < < الأعراف : ( 8 ) والوزن يومئذ الحق . . . . . > > < > ( الاعراف 8 : 9 ) <

قسم V07/P163–V07/P166

> قوله تعالى : ( والوزن يومئذ الحق ) ابتداء وخبر ويجوز أن يكون الحق نعته والخبر يومئذ ويجوز نصب الحق على المصدر والمراد بالوزن وزن أعمال العباد بالميزان قال بن عمر : توزن صحائف أعمال العباد وهذا هو الصحيح وهو الذي ورد به الخبر على ما يأتي وقيل : الميزان الكتاب الذي فيه أعمال الخلق وقال مجاهد : الميزان الحسنات والسيئات بأعيانها وعنه أيضا والضحاك والأعمش : الوزن والميزان بمعنى العدل والقضاء وذكر الوزن ضرب مثل كما تقول : هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه أي يعادله ويساويه وإن لم يكن هناك وزن قال الزجاج : هذا سائغ من جهة اللسان والأولى أن يتبع ما جاء في الأسانيد الصحاح من ذكر الميزان قال القشيري : وقد أحسن فيما قال إذ لو حمل الميزان على هذا فليحمل الصراط على الدين الحق والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد والشياطين والجن على الأخلاق المذمومة والملائكة على القوى المحمودة وقد أجمعت الأمة في الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر وصارت هذه الظواهر نصوصا قال بن فورك : وقد أنكرت المعتزلة الميزان بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها إذ لا تقوم بأنفسها ومن المتكلمين من يقول : إن الله تعالى يقلب الأعراض أجساما فيزنها يوم القيامة وهذا ليس بصحيح عندنا والصحيح أن الموازين تثقل بالكتب التي فيها الأعمال مكتوبة وبها تخف وقد روي في الخبر ما يحقق ذلك وهو أنه روي ( أن ميزان بعض بني آدم كاد يخف بالحسنات فيوضع فيه رق مكتوب فيه لا إله إلا الله فيثقل ( فقد علم أن ذلك يرجع إلى وزن ما كتب فيه الأعمال لا نفس الأعمال وأن الله سبحانه يخفف الميزان إذا أراد ويثقله إذا أراد بما يوضع في كفتيه من الصحف التي فيها الأعمال وفي صحيح مسلم عن صفوان بن محرز قال قال رجل لابن عمر : كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى قال سمعته يقول : ( يدني المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه فيقول هل تعرف فيقول أي رب أعرف قال فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم فيعطى صحيفة حسناته وأما الكفار والمنافقون فينادي بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على الله ( فقوله : ( فيعطى صحيفة حسناته دليل على أن الأعمال تكتب في الصحف وتوزن وروى بن ماجة من حديث عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق فينشر عليه تسعة وتسعو سجلا كل سجل مد البصر ثم يقول الله تبارك وتعالى هل تنكر من هذا شيئا فيقول لا يا رب فيقول أظلمتك كتبتي الحافظون فيقول لا ثم يقول ألك عذر ألك حسنة فيهاب الرجل فيقول لا فيقول بلى إن لك عندنا حسنات وإنه لا ظلم عليك اليوم فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فيقول إنك لا تظلم فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ( زاد الترمذي ( فلا يثقل مع أسم الله شيء ( وقال : حديث حسن غريب وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في الكهف والأنبياء إن شاء الله تعالى قوله تعالى : ( فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون ) موازينه جمع ميزان وأصله موزان قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها وقيل : يجوز أن يكون هناك موازين للعامل الواحد يوزن بكل ميزان منها صنف من أعماله ويمكن أن يكون ذلك ميزانا واحدا عبر عنه بلفظ الجمع كما تقول : خرج فلان إلى مكة على البغال وخرج إلى البصرة في السفن وفي التنزيل : كذبت قوم نوح المرسلين كذبت عاد المرسلين وإنما هو رسول واحد في أحد التأويلين وقيل : الموازين جمع موزون لا جمع ميزان أراد بالموازين الأعمال الموزونة ومن خفت موازينه مثله قال بن عباس : توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة فيوضع في كفة الميزان فتثقل حسناته على سيئاته فذلك قوله : فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون يؤتى بعمل الكافر في أقبح صورة فيوضع في كفة الميزان فيخف وزنه حتى يقع في النار وما أشار إليه بن عباس قريب مما قيل : يخلق الله تعالى كل جزء من أعمال العباد جوهرا فيقع الوزن على تلك الجواهر ورده بن فورك وغيره وفي الخبر ( إذا خفت حسنات المؤمن أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح الحسنات فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي صلى الله عليه وسلم بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك فمن أنت فيقول أنا محمد نبيك وهذه صلواتك التي كنت تصلي علي قد وفيتك أحوج ما تكون إليها ( ذكره القشيري في تفسيره وذكر أن البطاقة ( بكسر الباء ) رقعة فيها رقم المتاع بلغة أهل مصر وقال بن ماجة : قال محمد بن يحيى : البطاقة الرقعة وأهل مصر يقولون للرقعة بطاقة وقال حذيفة : صاحب الموازين يوم القيامة جبريل عليه السلام يقول الله تعالى : يا جبريل زن بينهم فرد من بعض على بعض قال : وليس ثم ذهب ولا فضة فإن كان للظالم حسنات أخذ من حسناته فرد على المظلوم وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتحمل على الظالم فيرجع الرجل وعليه مثل الجبال وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أن الله تعالى يقول يوم القيامة يا آدم ابرز إلى جانب الكرسي عند الميزان وانظر ما يرفع إليك من أعمال بنيك فمن رجح خيره على شره مثقال حبة فله الجنة ومن رجح شره على خيره مثقال حبة فله النار حتى تعلم أني لا أعذب إلا ظالما ( < <

قسم V07/P166–V07/P169

الأعراف : ( 10 ) ولقد مكناكم في . . . . . > > < > ( الاعراف 10 ) < > أي جعلناها لكم قرارا ومهادا وهيأنا لكم فيها أسباب المعيشة والمعايش جمع معيشة أي ما يتعيش به من المطعم والمشرب وما تكون به الحياة يقال : عاش يعيش عيشا ومعاشا ومعيشا ومعيشة وعيشة وقال الزجاج : المعيشة ما يتوصل به إلى العيش ومعيشة في قول الأخفش وكثير من النحويين مفعلة وقرأ الأعرج : معائش بالهمز وكذا روى خارجة بن مصعب عن نافع قال النحاس : والهمز لحن لا يجوز لأن الواحدة معيشة أصلها معيشة فزيدت ألف الوصل وهي ساكنة والياء ساكنة فلا بد من تحريك إذ لا سبيل إلى الحذف والألف لا تحرك فحركت الياء بما كان يجب لها في الواحد ونظيره من الواو منارة ومناور ومقام ومقاوم كما قال الشاعر : وإني لقوام مقاوم لم يكن جرير ولا مولى جرير يقومها وكذا مصيبة ومصاوب هذا الجيد ولغة شاذة مصائب قال الأخفش : إنما جاز مصائب لأن الواحدة معتلة قال الزجاج : هذا خطأ يلزمه عليه أن يقول مقائم ولكن القول أنه مثل وسادة وإسادة وقيل : لم يجز الهمز في معايش لأن المعيشة مفعلة فالياء أصلية وإنما يهمز إذا كانت الياء زائدة مثل مدينة ومدائن وصحيفة وصحائف وكريمة وكرائم ووظيفة ووظائف وشبه < < الأعراف : ( 11 ) ولقد خلقناكم ثم . . . . . > > < > ( الاعراف 11 ) < > قوله تعالى : ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ) لما ذكر نعمه ذكر ابتداء خلقه وقد تقدم معنى الخلق في غير موضع ثم صورناكم أي خلقناكم نطفا ثم صورناكم ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم وعن بن عباس والضحاك وغيرهما : المعنى خلقنا آدم ثم صورناكم في ظهره وقال الأخفش : ثم بمعنى الواو وقيل : المعنى ولقد خلقناكم يعني آدم عليه السلام ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ثم صورناكم على التقديم والتأخير وقيل : ولقد خلقناكم يعني آدم ذكر بلفظ الجمع لأنه أبو البشر ثم صورناكم راجع إليه أيضا كما يقال : نحن قتلناكم أي قتلنا سيدكم ( ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) وعلى هذا لا تقديم ولا تأخير عن بن عباس أيضا وقيل : المعنى ولقد خلقناكم يريد آدم وحواء فآدم من التراب وحواء من ضلع من أضلاعه ثم وقع التصوير بعد ذلك فالمعنى : ولقد خلقنا أبويكم ثم صورناهما قاله الحسن وقيل : المعنى خلقناكم في ظهر آدم ثم صورناكم حين أخذنا عليكم الميثاق هذا قول مجاهد رواه عنه بن جريج وبن أبي نجيح قال النحاس : وهذا أحسن الأقوال يذهب مجاهد إلى أنه خلقهم في ظهر آدم ثم صورهم حين أخذ عليهم الميثاق ثم كان السجود بعد ويقوي هذا وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم والحديث ( أنه أخرجهم أمثال الذر فأخذ عليهم الميثاق ( وقيل : ثم للإخبار أي ولقد خلقناكم يعني في ظهر آدم صلى الله عليه وسلم ثم صورناكم أي في الأرحام قال النحاس : هذا صحيح عن بن عباس قلت : كل هذه الأقوال محتمل والصحيح منها ما يعضده التنزيل قال الله تعالى : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين يعني آدم وقال : وخلق منها زوجها ثم قال : جعلناه أي جعلنا نسله وذريته نطفة في قرار مكين الآية فآدم خلق من طين ثم صور وأكرم بالسجود وذريته صوروا في أرحام الأمهات بعد أن خلقوا فيها وفي أصلاب الآباء وقد تقدم في أول سورة الأنعام أن كل إنسان مخلوق من نطفة وتربة فتأمله وقال هنا : خلقناكم ثم صورناكم وقال في آخر الحشر : هو الله الخالق البارئ المصور الحشر فذكر التصوير بعد البرء وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى وقيل : معنى ولقد خلقناكم أي خلقنا الأرواح أولا ثم صورنا الأشباح آخرا قوله تعالى : ( إلا إبليس لم يكن من الساجدين ) استثناء من غير الجنس وقيل : من الجنس وقد اختلف العلماء : هل كان من الملائكة أم لا كما سبق بيانه في البقرة < <

قسم V07/P169

الأعراف : ( 12 ) قال ما منعك . . . . . > > < > ( الاعراف 12 ) <

قسم V07/P169–V07/P172

> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ما منعك ) ما في موضع رفع بالأبتداء أي أي شيء منعك وهذا سؤال توبيخ ( ألا تسجد ) في موضع نصب أي من أن تسجد ولا زائدة وفي ص ما منعك أن تسجد ص وقال الشاعر : أبى جوده لا البخل فاستعجلت به نعم من فتى لا يمنع الجود نائله أراد أبي جوده البخل فزاد لا وقيل : ليست بزائدة فإن المنع فيه طرف من القول والدعاء فكأنه قال : من قال لك ألا تسجد أو من دعاك إلى ألا تسجد كما تقول : قد قلت لك ألا تفعل كذا وقيل : في الكلام حذف والتقدير : ما منعك من الطاعة وأحوجك إلى ألا تسجد قال العلماء : الذي أحوجه إلى ترك السجود هو الكبر والحسد وكان أضمر ذلك في نفسه إذا أمر بذلك وكان أمره من قبل خلق آدم يقول الله تعالى : إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ص فكأنه دخله أمر عظيم من قوله فقعوا له ساجدين فإن في الوقوع توضيع الواقع وتشريفا لمن وقع له فأضمر في نفسه ألا يسجد إذا أمره في ذلك الوقت فلما نفخ فيه الروح وقعت الملائكة سجدا وبقي هو قائما بين أظهرهم فأظهر بقيامه وترك السجود ما في ضميره فقال الله تعالى : ما منعك ألا تسجد أي ما منعك من الأنقياد لأمري فأخرج سر ضميره فقال : أنا خير منه الثانية قوله تعالى : ( إذ أمرتك ) يدل على ما يقوله الفقهاء من أن الأمر يقتضي الوجوب بمطلقه من غير قرينة لأن الذم علق على ترك الأمر المطلق الذي هو قوله عز وجل للملائكة : اسجدوا لآدم وهذا بين الثالثة قوله تعالى : ( قال أنا خير منه ) أي منعني من السجود فضلي عليه فهذا من إبليس جواب على المعنى كما تقول : لمن هذه الدار فيقول المخاطب : مالكها زيد فليس هذا عين الجواب بل هو كلام يرجع إلى معنى الجواب ( خلقتني من نار وخلقته من طين ) فرأى أن النار أشرف من الطين لعلوها وصعودها وخفتها ولأنها جوهر مضيء قال بن عباس والحسن وبن سيرين : أول من قاس إبليس فأخطأ القياس فمن قاس الدين برأيه قرنه الله مع إبليس قال بن سيرين : وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس وقالت الحكماء : أخطأ عدو الله من حيث فضل النار على الطين وإن كانا في درجة واحدة من حيث هي جماد مخلوق فإن الطين أفضل من النار من وجوه أربعة : أحدها أن من جوهر الطين الرزانة والسكون والوقار والأناة والحلم والحياء والصبر وذلك هو الداعي لآدم عليه السلام بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة والتواضع والتضرع فأورثه المغفرة والأجتباء والهداية ومن جوهر النار الخفة والطيش والحدة والأرتفاع والأضطراب وذلك هو الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الأستكبار والإصرار فأورثه الهلاك والعذاب واللعنة والشقاء قاله القفال الثاني إن الخبر ناطق بأن تراب الجنة مسك أذفر ولم ينطق الخبر بأن في الجنة نارا وأن في النار ترابا الثالث أن النار سبب العذاب وهي عذاب الله لأعدائه وليس التراب سببا للعذاب الرابع أن الطين مستغن عن النار والنار محتاجة إلى المكان ومكانها التراب قلت ويحتمل قولا خامسا وهو أن التراب مسجد وطهور كما جاء في صحيح الحديث والنار تخويف وعذاب كما قال تعالى : ذلك يخوف الله به عباده وقال بن عباس : كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربه وهو أول من قاس برأيه والقياس في مخالفة النص مردود الرابعة واختلف الناس في القياس إلى قائل به وراد له فأما القائلون به فهم الصحابة والتابعون وجمهور من بعدهم وأن التعبد به جائز عقلا واقع شرعا وهو الصحيح وذهب القفال من الشافعية وأبو الحسين البصري إلى وجوب التعبد به عقلا وذهب النظام إلى أنه يستحيل التعبد به عقلا وشرعا ورده بعض أهل الظاهر والأول الصحيح قال البخاري في ( كتاب الأعتصام بالكتاب والسنة ) : المعنى لا عصمة لأحد إلا في كتاب الله أو سنة نبيه أو في إجماع العلماء إذا وجد فيها الحكم فإن لم يوجد فالقياس وقد ترجم على هذا ( باب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين قد بين الله حكمها ليفهم السائل ) وترجم بعد هذا ( باب الأحكام التي تعرف بالدلائل وكيف معنى الدلالة وتفسيرها ) وقال الطبري : الأجتهاد والاستنباط من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة هو الحق الواجب والفرض اللازم لأهل العلم وبذلك جاءت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن جماعة الصحابة والتابعين وقال أبو تمام المالكي : أجمعت الأمة على القياس فمن ذلك أنهم أجمعوا على قياس الذهب والورق في الزكاة وقال أبو بكر : أقيلوني بيعتي فقال علي : والله لا نقيلك ولا نستقيلك رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاك لدنيانا فقاس الإمامة على الصلاة وقاس الصديق الزكاة على الصلاة وقال : والله لا أفرق بين ما جمع الله وصرح علي بالقياس في شارب الخمر بمحضر من الصحابة وقال : إنه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى فحده حد القاذف وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري كتابا فيه : الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في الكتاب والسنة اعرف الأمثال والأشباه ثم قس الأمور عند ذلك فاعمد إلى أحبها إلى الله تعالى وأشبهها بالحق فيما ترى الحديث بطوله ذكره الدارقطني وقد قال أبو عبيدة لعمر رضي الله عنهما في حديث الوباء حين رجع عمر من سرغ : نفر من قدر الله فقال عمر : نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله ثم قال له عمر : أرأيت فقايسه وناظره بما يشبه من مسألته بمحضر المهاجرين والأنصار وحسبك وأما الآثار وآي القرآن في هذا المعنى فكثير وهو يدل على أن القياس أصل من أصول الدين وعصمة من عصم المسلمين يرجع إليه المجتهدون ويفزع إليه العلماء العاملون فيستنبطون به الأحكام وهذا قول الجماعة الذين هم الحجة ولا يلتفت إلى من شذ عنها وأما الرأي المذموم والقياس المتكلف المنهي عنه فهو ما لم يكن على هذه الأصول المذكورة لأن ذلك ظن ونزغ من الشيطان قال الله تعالى : ولا تقف ما ليس لك به علم الإسراء وكل ما يورده المخالف من الأحاديث الضعيفة والأخبار الواهية في ذم القياس فهي محمولة على هذا النوع من القياس المذموم الذي ليس له في الشرع أصل معلوم وتتميم هذا الباب في كتب الأصول < <

قسم V07/P172–V07/P175

الأعراف : ( 13 ) قال فاهبط منها . . . . . > > < > ( الاعراف 13 ) < > قوله تعالى : ( قال فاهبط منها ) أي من السماء ( فما يكون لك أن تتكبر فيها ) لأن أهلها الملائكة المتواضعون ( فأخرج إنك من الصاغرين ) أي من الأذلين ودل هذا أن من عصى مولاه فهو ذليل وقال أبو روق والبجلي : فاهبط منها أي من صورتك التي أنت فيها لأنه افتخر بأنه من النار فشوهت صورته بالإظلام وزوال إشراقه وقيل : فاهبط منها أي انتقل من الأرض إلى جزائر البحار كما يقال : هبطنا أرض كذا أي انتقلنا إليها من مكان آخر فكأنه أخرج من الأرض إلى جزائر البحار فسلطانه فيها فلا يدخل الأرض إلا كهيئة السارق يخاف فيها حتى يخرج منها والقول الأول أظهر وقد تقدم في البقرة < < الأعراف : ( 14 ) قال أنظرني إلى . . . . . > > < > ( الاعراف 14 : 15 ) < > سأل النظرة والإمهال إلى يوم البعث والحساب طلب ألا يموت لأن يوم البعث لا موت بعده قال بن عباس والسدي وغيرها : أنظره إلى النفخة الأولى حيث يموت الخلق كلهم وكان طلب الإنظار إلى النفخة الثانية حيث يقوم الناس لرب العالمين فأبى الله ذلك عليه وقال : إلى يوم يبعثون ولم يتقدم ذكر من يبعث لأن القصة في آدم وذريته فدلت القرينة على أنهم هم المبعوثون < < الأعراف : ( 16 ) قال فبما أغويتني . . . . . > > < > ( الاعراف 16 : 17 ) < > فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فبما أغويتني ) الإغواء إيقاع الغي في القلب أي فبما أوقعت في قلبي من الغي والعناد والأستكبار وهذا لأن كفر إبليس ليس كفر جهل بل هو كفر عناد واستكبار وقد تقدم في البقرة قيل : معنى الكلام القسم أي فبإغوائك إياي لأقعدن لهم على صراطك أو في صراطك فحذف دليل على هذا القول قوله في ( ص ) : فبعزتك لأغوينهم أجمعين ص فكأن إبليس أعظم قدر إغواء الله إياه لما فيه من التسليط على العباد فأقسم به إعظاما لقدره عنده وقيل : الباء بمعنى اللام كأنه قال : فلإغوائك إياي وقيل : هي بمعنى مع والمعنى فمع إغوائك إياي وقيل : هو إستفهام كأنه سأل بأي شيء أغواه وكان ينبغي على هذا أن يكون : فبم أغويتني وقيل : المعنى فبما أهلكتني بلعنك إياي والإغواء الإهلاك قال الله تعالى : فسوف يلقون غيا مريم أي هلاكا وقيل : فبما أضللتني والإغواء : الإضلال والإبعاد قال بن عباس وقيل : خيبتني من رحمتك ومنه قول الشاعر : ومن يغو لا يعدم على الغي لائما أي من يخب وقال بن الأعرابي : يقال غوى الرجل يغوي غيا إذا فسد عليه أمره أو فسد هو في نفسه وهو أحد معاني قوله تعالى : وعصى آدم ربه فغوى أي فسد عيشه في الجنة ويقال : غوى الفصيل إذا لم يدر لبن أمه الثانية مذهب أهل السنة أي أن الله تعالى أضله وخلق فيه الكفر ولذلك نسب الإغواء في هذا إلى الله تعالى وهو الحقيقة فلا شيء في الوجود إلا وهو مخلوق له صادر عن إرادته تعالى وخالف الإمامية والقدرية وغيرهما شيخهم إبليس الذي طاوعوه في كل ما زينه لهم ولم يطاوعوه في هذه المسألة ويقولون : أخطأ إبليس وهو أهل للخطأ حيث نسب الغواية إلى ربه تعالى الله عن ذلك فيقال لهم : وإبليس وإن كان أهلا للخطأ فما تصنعون في نبي مكرم معصوم وهو ونوح عليه السلام حيث قال لقومه : ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون وقد روي أن طاوسا جاءه رجل في المسجد الحرام وكان متهما بالقدر وكان من الفقهاء الكبار فجلس إليه فقال له طاوس : تقوم أو تقام فقيل لطاوس : تقول هذا لرجل فقيه فقال : إبليس أفقه منه يقول إبليس : رب بما أغويتني ويقول هذا أنا أغوي نفسي الثالثة قوله تعالى : ( لآقعدن لهم صراطك المستقيم ) أي بالصد عنه وتزيين الباطل حتى يهلكوا كما هلك أو يضلوا كما ضل أو يخيبوا كما خيب حسب ما تقدم من المعاني الثلاثة في أغويتني والصراط المستقيم هو الطريق الموصل إلى الجنة وصراطك منصوب على حذف على أو في من قوله : صراطك المستقيم كما حكى سيبويه ضرب زيد الظهر والبطن وأنشد : لدن بهز الكف يعسل متنه فيه كما عسل الطريق الثعلب ومن أحسن ما قيل في تأويل ( ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ) أي لأصدنهم عن الحق وأرغبنهم في الدنيا وأشككهم في الآخرة وهذا غاية في الضلالة كما قال : ولأضلنهم حسب ما تقدم وروى سفيان عن منصور عن الحكم بن عتيبة قال : من بين أيديهم من دنياهم ومن خلفهم من آخرتهم وعن أيمانهم يعني حسناتهم وعن شمائلهم يعني سيئاتهم قال النحاس : وهذا قول حسن وشرحه : أن معنى ثم لآتينهم من بين أيديهم من دنياهم حتى يكذبوا بما فيها من الآيات وأخبار الأمم السالفة ومن خلفهم من آخرتهم حتى يكذبوا بها وعن أيمانهم من حسناتهم وأمور دينهم ويدل على هذا قوله : إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين الصافات وعن شمائلهم يعني سيئاتهم أي يتبعون الشهوات لأنه يزينها لهم ( ولا تجد أكثرهم شاكرين ) أي موحدين طائعين مظهرين الشكر < <

الأسئلة