Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

قسم V07/P309

> ( الاعراف 168 ) < > قوله تعالى : ( وقطعناهم في الأرض أمما ) أي فرقناهم في البلاد أراد به تشتيت أمرهم فلم تجمع لهم كلمة ( منهم الصالحون ) رفع على الابتداء والمراد من آمن بمحمد عليه السلام ومن لم يبدل منهم ومات قبل نسخ شرع موسى أو هم الذين وراء الصين كما سبق ( ) منصوب على الظرف قال النحاس : ولا نعلم أحدا رفعه والمراد الكفار منهم ( وبلوناهم ) أي اختبرناهم ) ( بالحسنات ) أي بالخصب والعافية ( والسيئات ) أي الجدب والشدائد ( ) ليرجعوا عن كفرهم < < الأعراف : ( 169 ) فخلف من بعدهم . . . . . > > < > ( الاعراف 169 ) <

قسم V07/P309–V07/P312

> قوله تعالى : ( فخلف من بعدهم خلف ) يعني أولاد الذين فرقهم في الأرض قال أبو حاتم : الخلف بسكون اللام : الأولاد الواحد والجميع فيه سواء والخلف بفتح اللام البدل ولدا كان أو غريبا وقال بن الأعرابي : الخلف بالفتح الصالح وبالجزم الطالح قال لبيد : ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب ومنه قيل للرديء من الكلام : خلف ومنه المثل السائر سكت ألفا ونطق خلفا فخلف في الذم بالإسكان وخلف بالفتح في المدح هذا هو المستعمل المشهور قال صلى الله عليه وسلم : ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ( وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر قال حسان بن ثابت : لنا القدم الأولى إليك وخلقنا لأولنا في طاعة الله تابع وقال آخر إنا وجدنا خلفا بئس الخلف أغلق عنا بابه ثم حلف لا يدخل البواب إلا من عرف عبدا إذا ما ناء بالحمل وقف ويروي : خضف أي ردم والمقصود من الآية الذم ( ورثوا الكتاب ) قال المفسرون : هم اليهود ورثوا كتاب الله فقرءوه وعلموه وخالفوا حكمه وأتوا محارمه مع دراستهم له فكان هذا توبيخا لهم وتقريعا ( يأخذون عرض هذا الأدنى ) ثم أخبر عنهم أنهم يأخذون ما يعرض لهم من متاع الدنيا لشدة حرصهم ونهمهم ( ويقولون سيغفر لنا ) وهم لا يتوبون ودل على أنهم لا يتوبون قوله تعالى : ( وإن يأتهم عرض مثله يأخذونه ) والعرض : متاع الدنيا بفتح الراء وبإسكانها ما كان من المال سوى الدراهم والدنانير والإشارة في هذه الآية إلى الرشا والمكاسب الخبيثة ثم ذمهم باغترارهم في قولهم سيغفر لنا وأنهم بحال إذا أمكنتهم ثانية ارتكبوها فقطعوا باغترارهم بالمغفرة وهم مصرون وإنما يقول سيغفر لنا من أقلع وندم قلت : وهذا الوصف الذي ذم الله تعالى به هؤلاء موجود فينا أسند الدارمي أبو محمد : حدثنا محمد بن المبارك حدثنا صدقة بن خالد عن بن جابر عن شيخ يكنى أبا عمرو عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب فيتهافت يقرءونه لا يجدون له شهوة ولا لذة يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب أعمالهم طمع لا يخالطه خوف إن قصروا قالوا سنبلغ وإن أساءوا قالوا سيغفر لنا إنا لا نشرك بالله شيئا وقيل : إن الضمير في يأتهم ليهود المدينة أي وإن يأت يهود يثرب الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم عرض مثله يأخذوه كما أخذه أسلافهم قوله تعالى : ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ) فيه مسألتان الأولى قوله تعالى : ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ) يريدالتوراة وهذا تشديد في لزوم قول الحق في الشرع والأحكام وألا يميل الحكام بالرشا إلى الباطل قلت : وهذا الذي لزم هؤلاء وأخذ عليهم به الميثاق في قول الحق لازم لنا على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم وكتاب ربنا على ما تقدم بيانه في النساء ولا خلاف فيه في جميع الشرائع والحمد لله الثانية قوله تعالى : ( ودرسوا ما فيه ) أي قرءوه وهم قريبو عهد به وقرأ أبو عبد الرحمن وادارسوا ما فيه فأدغم التاء في الدال قال بن زيد : كان يأتيهم المحق برشوة فيخرجون له كتاب الله فيحكمون له به فإذا جاء المبطل أخذوا منه الرشوة وأخرجوا له كتابهم الذي كتبوه بأيديهم وحكموا له وقال بن عباس : ألا يقولوا على الله إلا الحق وقد قالوا الباطل في غفران ذنوبهم الذي يوجبونه ويقطعون به وقال بن زيد : يعني في الأحكام التي يحكمون بها كما ذكرنا وقال بعض العلماء : إن معنى ودرسوا ما فيه أي محوه بترك العمل به والفهم له من قولك : درست الريح الآثار إذا محتها وخط دارس وربع دارس إذا امحي وعفا أثره وهذا المعنى مواطئ أي موافق لقوله تعالى : نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم الآية وقوله : فنبذوه وراء ظهورهم حسب ما تقدم بيانه في البقرة < <

قسم V07/P312–V07/P313

الأعراف : ( 170 ) والذين يمسكون بالكتاب . . . . . > > < > ( الاعراف 170 ) < > قوله تعالى : ( والذين يمسكون بالكتاب ) أي بالتوراة أي بالعمل بها يقال : مسك به وتمسك به أي إستمسك به وقرأ أبو العالية وعاصم في رواية أبي بكر يمسكون بالتخفيف من أمسك يمسك والقراءة الأولى أولى لأن فيها معنى التكرير والتكثير للتمسك بكتاب الله تعالى وبدينه فبذلك يمدحون فالتمسك بكتاب الله والدين يحتاج إلى الملازمة والتكرير لفعل ذلك وقال كعب بن زهير : فما تمسك بالعهد الذي زعمت إلا كما تمسك الماء الغرابيل فجاء به على طبعه يذم بكثرة نقض العهد < < الأعراف : ( 171 ) وإذ نتقنا الجبل . . . . . > > < > ( الاعراف 171 ) < > قوله تعالى : ( وإذ نتقنا الجبل ) نتقنا معناه رفعنا وقد تقدم بيانه في البقرة ( كأنه ظلة أي كأنه لارتفاعه سحابة تظل ( خذوا ما آتيناكم بقوة ) أي بجد وقد تقدم في البقرة إلى آخر الآية < < الأعراف : ( 172 ) وإذ أخذ ربك . . . . . > > < > ( الاعراف 172 ) < > < < الأعراف : ( 173 ) أو تقولوا إنما . . . . . > > < > ( الاعراف 173 : 174 ) <

قسم V07/P313–V07/P318

> فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وإذ أخذ ربك ) أي واذكر لهم مع ما سبق من تذكير المواثيق في كتابهم ما أخذت من المواثيق من العباد يوم الذر وهذه آية مشكلة وقد تكلم العلماء في تأويلها وأحكامها فنذكر ما ذكروه من ذلك حسب ما وقفنا عليه فقال قوم : معنى الآية أن الله تعالى أخرج من ظهور بني آدم بعضهم من بعض أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم دلهم بخلقه على توحيده لأن كل بالغ يعلم ضرورة أن له ربا واحدا ( ألست بربكم ) أي قال فقام ذلك مقام الإشهاد عليهم والإقرار منهم كما قال تعالى في السماوات والأرض : قالتا أتينا طائعين فصلت ذهب إلى هذا القفال وأطنب وقيل : إنه سبحانه أخرج الأرواح قبل خلق الأجساد وأنه جعل فيها من المعرفة ما علمت به ما خاطبها قلت : وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذين القولين وأنه تعالى أخرج الأشباح فيها الأرواح من ظهر آدم عليه السلام وروى مالك في موطئه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الآية وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين فقال عمر رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون ( فقال رجل : ففيم العمل قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار ( قال أبو عمر : هذا حديث منقطع الإسناد لأن مسلم بن يسار لم يلق عمر وقال فيه يحيى بن معين : مسلم بن يسار لا يعرف بينه وبين عمر نعيم بن ربيعة ذكره النسائي ونعيم غير معروف بحمل العلم لكن معنى هذا الحديث قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة كثيرة من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين وغيرهم روى الترمذي وصححه عن أبي هريرة قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة وجعل بين عيني كل رجل منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم فقال يا رب من هؤلاء قال هؤلاء ذريتك فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه فقال أي رب من هذا فقال هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داؤد فقال رب كم جعلت عمره قال ستين سنة قال أي رب زده من عمري أربعين سنة فلما انقضى عمر آدم عليه السلام جاءه ملك الموت فقال أو لم يبق من عمري أربعون سنة قال أو لم تعطها ابنك داؤد قال فجحد آدم فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته ( في غير الترمذي : فحينئذ أمر بالكتاب والشهود في رواية : فرأى فيهم الضعف والغني والفقير والذليل والمبتلي والصحيح فقال له آدم : يا رب ما هذا ألا سويت بينهم قال : أردت أن أشكر وروى عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أخذوا من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس ( وجعل الله لهم عقولا كنملة سليمان وأخذ عليهم العهد بأنه ربهم وأن لا إله غيره فأقروا بذلك والتزموه وأعلمهم بأنه سيبعث إليهم الرسل فشهد بعضهم على بعض قال أبي بن كعب : وأشهد عليهم السماوات السبع فليس من أحد يولد إلى يوم القيامة إلا وقد أخذ عليه العهد واختلف في الموضع الذي أخذ فيه الميثاق حين أخرجوا على أربعة أقوال فقال بن عباس : ببطن نعمان واد إلى جنب عرفة وروي عنه أن ذلك برهبا أرض بالهند الذي هبط فيه آدم عليه السلام وقال يحيى بن سلام قال بن عباس في هذه الآية : أهبط الله آدم بالهند ثم مسح على ظهره فأخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة ثم قال : الست بربكم قالوا بلى شهدنا قال يحيى قال الحسن : ثم أعادهم في صلب آدم عليه السلام وقال الكلبي : بين مكة والطائف وقال السدي : في السماء الدنيا حين أهبط من الجنة إليها مسح على ظهره فأخرج من صفحة ظهره اليمنى ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ فقال لهم ادخلوا الجنة برحمتي وأخرج من صفحة ظهره اليسرى ذرية سوداء وقال لهم ادخلوا النار ولا أبالي قال بن جريج : خرجت كل نفس مخلوقة للجنة بيضاء وكل نفس مخلوقة للنار سوداء الثانية قال بن العربي رحمه الله : فإن قيل فكيف يجوز أن يعذب الخلق وهم لم يذنبوا أو يعاقبهم على ما أراده منهم وكتبه عليهم وساقهم إليه قلنا : ومن أين يمتنع ذلك أعقلا أم شرعا فإن قيل لأن الرحيم الحكيم منا لا يجوز أن يفعل ذلك قلنا : لأن فوقه آمرا يأمره وناهيا ينهاه وربنا تعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون ولا يجوز أن يقاس الخلق بالخالق ولا تحمل أفعال العباد على أفعال الإله وبالحقيقة الأفعال كلها لله جل جلاله والخلق بأجمعهم له صرفهم كيف شاء وحكم بينهم بما أراد وهذا الذي يجده الآدمي إنما تبعث عليه رقة الجبلة وشفقة الجنسية وحب الثناء والمدح لما يتوقع في ذلك من الأنتفاع والباري تعالى متقدس عن ذلك كله فلا يجوز أن يعتبر به الثالثة واختلف في هذه الآية هل هي خاصة أو عامة فقيل : الآية خاصة لأنه تعالى قال : ( من بني آدم من ظهورهم ) فخرج من هذا الحديث من كان من ولد آدم لصلبه وقال جل وعز : ( أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل ) فخرج منها كل من لم يكن له آباء مشركون وقيل : هي مخصوصة فيمن أخذ عليه العهد على ألسنة الأنبياء وقيل : بل هي عامة لجميع الناس لأن كل أحد يعلم أنه كان طفلا فغذي وربي وأن له مدبرا وخالقا فهذا معنى وأشهدهم على أنفسهم ومعنى ( قالوا بلى ) أي إن ذلك واجب عليهم فلما اعترف الخلق لله سبحانه بأنه الرب ثم ذهلوا عنه ذكرهم بأنبيائه وختم الذكر بأفضل أصفيائه لتقوم حجته عليهم فقال له : ( فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر الغاشية ثم مكنه من الصيطرة وأتاه السلطنة ومكن له دينه في الأرض قال الطرطوشي : إن هذا العهد يلزم البشر وإن كانوا لا يذكرونه في هذه الحياة كما يلزم الطلاق من شهد عليه به وقد نسبه الرابعة وقد استدل بهذه الآية من قال : إن من مات صغيرا دخل الجنة لإقراره في الميثاق الأول ومن بلغ العقل لم يغنه الميثاق الأول وهذا القائل يقول : أطفال المشركين في الجنة وهو الصحيح في الباب وهذه المسألة اختلف فيها لاختلاف الآثار والصحيح ما ذكرناه وسيأتي الكلام في هذا في الروم إن شاء الله وقد أتينا عليها في كتاب التذكرة والحمد لله الخامسة قوله تعالى : ( من ظهورهم ) بدل اشتمال من قوله من بني آدم وألفاظ الآية تقتضي أن الأخذ إنما كان من بني آدم وليس لآدم في الآية ذكر بحسب اللفظ ووجه النظم على هذا : وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم ذريتهم وإنما لم يذكر ظهر آدم لأن المعلوم أنهم كلهم بنوه وأنهم أخرجوا يوم الميثاق من ظهره فاستغنى عن ذكره لقوله : من بني آدم ( ذريتهم ) قرأ الكوفيون وبن كثير بالتوحيد وفتح التاء وهي تقع للواحد والجمع قال الله تعالى : هب لي من لدنك ذرية طيبة فهذا للواحد لأنه إنما سأل هبة ولد فبشر بيحيى وأجمع القراء على التوحيد في قوله : من ذرية آدم مريم ولا شيء أكثر من ذرية آدم وقال : وكنا ذرية من بعدهم فهذا للجمع وقرأ الباقون ذرياتهم بالجمع لأن الذرية لما كانت تقع للواحد اتي بلفظ لا يقع للواحد فجمع لتخلص الكلمة إلى معناها المقصود إليه لا يشركها فيه شيء وهو الجمع لأن ظهور بني آدم استخرج منها ذريات كثيرة متناسبة أعقاب بعد أعقاب لا يعلم عددهم إلا الله فجمع لهذا المعنى السادسة قوله تعالى : ( بلى ) تقدم القول فيها في البقرة عند قوله : بلى من كسب سيئة مستوفي فتأمله هناك ( أن يقولوا ) أو يقولوا قرأ أبو عمرو بالياء فيهما ردهما على لفظ الغيبة المتكرر قبله وهو قوله : من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشدهم على أنفسهم وقوله : قالوا بلى أيضا لفظ غيبة وكذا وكنا ذرية من بعدهم ولعلهم فحمله على ما قبله وما بعده من لفظ الغيبة وقرأ الباقون بالتاء فيهما ردوه على لفظ الخطاب المتقدم في قوله : ألست بربكم قالوا بلى ويكون شهدنا من قول الملائكة لما قالوا بلى قالت الملائكة : شهدنا أن تقولوا أو تقولوا أي لئلا تقولوا وقيل : معنى ذلك أنهم لما قالوا بلى فأقروا له بالربوبية قال الله تعالى للملائكة : اشهدوا قالوا شهدنا بإقراركم لئلا تقولوا أو تقولوا وهذا قول مجاهد والضحاك والسدي وقال بن عباس وابي بن كعب : قوله شهدنا هو من قول بني آدم والمعنى : شهدنا أنك ربنا وإلهنا وقال بن عباس : أشهد بعضهم على بعض فالمعنى على هذا قالوا بلى شهد بعضنا على بعض فإذا كان ذلك من قول الملائكة فيوقف على بلى ولا يحسن الوقف عليه إذا كان من قول بني آدم لأن أن متعلقة بما قبل بلى من قوله : وأشهدهم على أنفسهم لئلا يقولوا وقد روى مجاهد عن بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم كما يؤخذ بالمشط من الرأس فقال لهم ألست بربكم قالوا بلى قالت الملائكة شهدنا أن تقولوا ( أي شهدنا عليكم بالإقرار بالربوبية لئلا تقولوا فهذا يدل على التاء قال مكي : وهو الاختيار لصحة معناه ولأن الجماعة عليه وقد قيل : إن قوله شهدنا من قول الله تعالى والملائكة والمعنى : فشهدنا على إقراركم قاله أبو مالك وروي عن السدي أيضا ( وكنا ذرية من بعدهم ) أي اقتدينا بهم ( أفتهلكنا بما فعل المبطلون ) بمعنى : لست تفعل هذا ولا عذر للمقلد في التوحيد < <

قسم V07/P318

الأعراف : ( 175 ) واتل عليهم نبأ . . . . . > > < > ( الاعراف 175 ) <

قسم V07/P318–V07/P320

> ذكر أهل الكتاب قصة عرفوها في التوراة واختلف في تعيين الذي أوتي الآيات فقال بن مسعود وبن عباس : هو بلعام بن باعوراء ويقال ناعم من بني إسرائيل في زمن موسى عليه السلام وكان بحيث إذا نظر رأى العرش وهو المعني بقوله واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا ولم يقل آية وكان في مجلسه اثنتا عشرة ألف محبرة للمتعلمين الذين يكتبون عنه ثم صار بحيث أنه كان في أول من صنف كتابا في أن ليس للعالم صانع قال مالك بن دينار : بعث بلعام بن باعوراء إلى ملك مدين ليدعوه إلى الإيمان فأعطاه وأقطعه فاتبع دينه وترك دين موسى ففيه نزلت هذه الآيات روى المعتمر بن سليمان عن أبيه قال : كان بلعام قد أوتي النبوة وكان مجاب الدعوة فلما أقبل موسى في بني إسرائيل يريد قتال الجبارين سأل الجبارون بلعام بن باعوراء أن يدعوا على موسى فقام ليدعو فتحول لسانه بالدعاء على أصحابه فقيل له في ذلك فقال : لا أقدر على أكثر مما تسمعون واندلع لسانه على صدره فقال : قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة فلم يبق إلا المكر والخديعة والحيلة وسأمكر لكم فإني أرى أن تخرجوا إليهم فتياتكم فإن الله يبغض الزنى فإن وقعوا فيه هلكوا ففعلوا فوقع بنو إسرائيل في الزنى فأرسل الله عليهم الطاعون فمات منهم سبعون ألفا وقد ذكر هذا الخبر بكماله الثعلبي وغيره وروي أن بلعام بن باعوراء دعا ألا يدخل موسى مدينة الجبارين فاستجيب له وبقي في التيه فقال موسى : يا رب بأي ذنب بقينا في التيه فقال : بدعاء بلعام قال : فكما سمعت دعاءه علي فاسمع دعائي عليه فدعا موسى أن ينزع الله عنه الأسم الأعظم فسلخه الله ما كان عليه وقال أبو حامد في آخر كتاب منهاج العارفين له : وسمعت بعض العارفين يقول إن بعض الأنبياء سأل الله تعالى عن أمر بلعام وطرده بعد تلك الآيات والكرامات فقال الله تعالى : لم يشكرني يوما من الأيام على ما أعطيته ولو شكرني على ذلك مرة لما سلبته وقال عكرمة : كان بلعام نبيا وأوتي كتابا وقال مجاهد : إنه أوتي النبوة فرشاه قومه على أن يسكت ففعل وتركهم على ما هم عليه قال الماوردي : وهذا غير صحيح لأن الله تعالى لا يصطفي لنبوته إلا من علم أنه لا يخرج عن طاعته إلى معصيته وقال عبد الله بن عمرو بن العاص وزيد بن أسلم : نزلت في أمية بن أبي الصلت الثقفي وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولا في ذلك الوقت وتمنى أن يكون هو ذلك الرسول فلما أرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم حسده وكفر به وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( آمن شعره وكفر قلبه ( وقال سعيد بن المسيب : نزلت في أبي عامر بن صيفي وكان يلبس المسوح في الجاهلية فكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم وذلك أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فقال : يا محمد ما هذا الذي جئت به قال : ( جئت بالحنيفية دين إبراهيم ( قال : فإني عليها فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لست عليها لأنك أدخلت فيها ما ليس منها ( فقال أبو عامر : أمات الله الكاذب منا طريدا وحيدا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( نعم أمات الله الكاذب منا كذلك ( وإنما قال هذا يعرض برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث خرج من مكة فخرج أبو عامر إلى الشام ومر إلى قيصر وكتب إلى المنافقين : استعدوا فإني آتيكم من عند قيصر بجند لنخرج محمدا من المدينة فمات بالشام وحيدا وفيه نزل : وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وسيأتي في براءة وقال بن عباس في رواية : نزلت في رجل كان له ثلاث دعوات يستجاب له فيها وكانت له امرأة يقال لها البسوس فكان له منها ولد فقالت : اجعل لي منها دعوة واحدة فقال : لك واحدة فما تأمرين قالت : ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل فلما علمت أنه ليس فيهم مثلها رغبت عنه فدعا الله عليها أن يجعلها كلبة نباحة فذهب فيها دعوتان فجاء بنوها وقالوا : لا صبر لنا عن هذا وقد صارت أمنا كلبة يعيرنا الناس بها فادع الله أن يردها كما كانت فدعا فعادت إلى ما كانت وذهبت الدعوات فيها والقول الأول أشهر وعليه الأكثر قال عبادة بن الصامت : نزلت في قريش آتاهم الله آياته التي أنزلها الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم فانسلخوا منها ولم يقبلوها قال بن عباس : كان بلعام من مدينة الجبارين وقيل : كان من اليمن ( فانسلخ منها ) أي من معرفة الله تعالى أي نزع منه العلم الذي كان يعلمه وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( العلم علمان علم في القلب فذلك العلم النافع وعلم على اللسان فذلك حجة الله تعالى على بن آدم ( فهذا مثل علم بلعام وأشباهه نعوذ بالله منه ونسأله التوفيق والممات على التحقيق والإنسلاخ : الخروج يقال : انسلخت الحية من جلدها أي خرجت منه وقيل : هذا من المقلوب أي انسلخت الآيات منه ( فأتبعه الشيطان ) أي لحق به يقال : أتبعت القوم أي لحقتهم وقيل : نزلت في اليهود والنصارى انتظروا خروج محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به < <

قسم V07/P320

الأعراف : ( 176 ) ولو شئنا لرفعناه . . . . . > > < > ( الاعراف 176 : 177 ) <

قسم V07/P320–V07/P323

> قوله تعالى : ( ولو شئنا لرفعناه ) يريد بلعام أي لو شئنا لأمتناه قبل أن يعصي فرفعناه إلى الجنة ( بها ) أي بالعمل بها ( ولكنه أخلد إلى الأرض ) أي ركن إليها عن بن جبير والسدي ومجاهد : سكن إليها أي سكن إلى لذاتها وأصل الإخلاد اللزوم يقال : أخلد فلان بالمكان إذا أقام به ولزمه قال زهير : لمن الديار غشيتها بالغرقد كالوحي في حجر المسيل المخلد يعني المقيم فكأن المعنى لزم لذات الأرض فعبر عنها بالأرض لأن متاع الدنيا على وجه الأرض ( واتبع هواه ) أي ما زين له الشيطان وقيل : كان هواه مع الكفار وقيل : اتبع رضا زوجته وكانت رغبت في أموال حتى حملته على الدعاء على موسى ( فمثله كمثل الكلب ) ابتداء وخبر ( إن تحمل عليه يلهث ) شرط وجوابه وهو في موضع الحال أي فمثله كمثل الكلب لاهثا والمعنى : أنه على شيء واحد لا يرعوي عن المعصية كمثل الكلب الذي هذه حالته فالمعنى : أنه لاهث على كل حال طردته أو لم تطرده قال بن جريج : الكلب منقطع الفؤاد لا فؤاد له إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث كذلك الذي يترك الهدى لا فؤاد له وإنما فؤاده منقطع قال القتيبي : كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة وحال المرض وحال الصحة وحال الري وحال العطش فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته فقال : إن وعظته ضل وإن تركته ضل فهو كالكلب إن تركته لهث وإن طردته لهث كقوله تعالى : وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون قال الجوهري : لهث الكلب بالفتح يلهث لهثا ولهاثا بالضم إذا أخرج لسانه من التعب أو العطش وكذلك الرجل إذا أعيى وقوله تعالى : إن تحمل عليه يلهث لأنك إذا حملت على الكلب نبح وولي هاربا وإذا تركته شد عليك ونبح فيتعب نفسه مقبلا عليك ومدبرا عنك فيعتريه عند ذلك ما يعتريه عند العطش من إخراج اللسان قال الترمذي الحكيم في نوادر الأصول إنما شبهه بالكلب من بين السباع لأن الكلب ميت الفؤاد وإنما لهاثه لموت فؤاده وسائر السباع ليست كذلك فلذلك لا يلهثن وإنما صار الكلب كذلك لأنه لما نزل آدم صلى الله عليه وسلم إلى الأرض شمت به العدو فذهب إلى السباع فأشلاهم على آدم فكان الكلب من أشدهم طلبا فنزل جبريل بالعصا التي صرفت إلى موسى بمدين وجعلها آية له إلى فرعون وملئه وجعل فيها سلطانا عظيما وكانت من آس الجنة فأعطاها آدم صلى الله عليه وسلم يومئذ ليطرد بها السباع عن نفسه وأمره فيما روي أن يدنو من الكلب ويضع يده على رأسه فمن ذلك ألفه الكلب ومات الفؤاد منه لسلطان العصا وألف به وبولده إلى يومنا هذا لوضع يده على رأسه وصار حارسا من حراس ولده وإذا أدب وعلم الإصطياد تأدب وقبل التعليم وذلك قوله : تعلمونهن مما علمكم الله السدي : كان بلعام بعد ذلك يلهث كما يلهث الكلب وهذا المثل في قول كثير من أهل العلم بالتأويل عام في كل من أوتي القرآن فلم يعمل به وقيل : هو في كل منافق والأول أصح قال مجاهد في قوله تعالى : فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث أي إن تحمل عليه بدابتك أو برجلك يلهث أو تتركه يلهث وكذلك من يقرأ الكتاب ولا يعمل بما فيه وقال غيره : هذا شر تمثيل لأنه مثله في أنه قد غلب عليه هواه حتى صار لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا بكلب لاهث أبدا حمل عليه أو لم يحمل عليه فهو لا يملك لنفسه ترك اللهثان وقيل : من أخلاق الكلب الوقوع بمن لم يخفه على جهة الإبتداء بالجفاء ثم تهدأ طائشته بنيل كل عوض خسيس ضربه الله مثلا للذي قبل الرشوة في الدين حتى انسلخ من آيات ربه فدلت الآية لمن تدبرها على ألا يغتر أحد بعمله ولا بعلمه إذ لا يدري بما يختم له ودلت على منع أخذ الرشوة لإبطال حق أو تغييره وقد مضى بيانه في المائدة ودلت أيضا على منع التقليد لعالم إلا بحجة يبينها لأن الله تعالى أخبر أنه أعطى هذا آياته فانسلخ منها فوجب أن يخاف مثل هذا على غيره وألا يقبل منه إلا بحجة قوله تعالى : ( ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم يظلمون ) أي هو مثل جميع الكفار وقوله : ساء مثلا القوم يقال : ساء الشيء قبح فهو لازم وساء يسوء مساءة فهو متعد أي قبح مثلهم وتقديره : ساء مثلا مثل القوم فحذف المضاف ونصب مثلا على التمييز قال الأخفش : فجعل المثل القوم مجازا والقوم مرفوع بالأبتداء أو على إضمار مبتدأ التقدير : ساء المثل مثلا هو مثل القوم وقدره أبو علي : ساء مثلا مثل القوم وقرأ عاصم الجحدري والأعمش ساء مثل القوم رفع مثلا بساء < <

قسم V07/P323–V07/P324

الأعراف : ( 178 ) من يهد الله . . . . . > > < > ( الاعراف 178 ) < > تقدم معناه في غير موضع وهذه الآية ترد على القدرية كما سبق وترد على من قال إن الله تعالى هدى جميع المكلفين ولا يجوز أن يضل أحدا < < الأعراف : ( 179 ) ولقد ذرأنا لجهنم . . . . . > > < > ( الاعراف 179 ) < > أخبر تعالى أنه خلق للنار أهلا بعدله ثم وصفهم فقال : ( لهم قلوب لا يفقهون بها ) أي بمنزلة من لا يفقه لأنهم لا ينتفعون بها ولا يعقلون ثوابا ولا يخافون عقابا و ( أعين لا يبصرون بها ) الهدى و ( آذان لا يسمعون بها ) المواعظ وليس الغرض نفي الإدراكات عن حواسهم جملة كما بيناه في البقرة ( أولئك كالأنعام بل هم أضل ) لأنهم لا يهتدون إلى ثواب فهم كالأنعام أي همتهم الأكل والشرب وهم أضل لأن الأنعام تبصر منافعها ومضارها وتتبع مالكها وهم بخلاف ذلك وقال عطاء : الأنعام تعرف الله والكافر لا يعرفه وقيل : الأنعام مطيعة لله تعالى والكافر غير مطيع ( أولئك هم الغافلون ) أي تركوا التدبر وأعرضوا عن الجنة والنار < < الأعراف : ( 180 ) ولله الأسماء الحسنى . . . . . > > < > ( الاعراف 180 ) <

قسم V07/P324–V07/P328

> قوله تعالى : ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) أمر بإخلاص العبادة لله ومجانبة المشركين والملحدين قال مقاتل وغيره من المفسرين : نزلت الآية في رجل من المسلمين كان يقول في صلاته : يا رحمن يا رحيم فقال رجل من مشركي مكة : أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا فما بال هذا يدعو ربين اثنين فأنزل الله سبحانه وتعالى ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها الثانية جاء في كتاب الترمذي وسنن بن ماجة وغيرهما حديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نص فيه أن لله تسعة وتسعين اسما في أحدهما ما ليس في الآخر وقد بينا ذلك في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى قال بن عطية وذكر حديث الترمذي وذلك الحديث ليس بالمتواتر وإن كان قد قال فيه أبو عيسى : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح وهو ثقة عند أهل الحديث وإنما المتواتر منه قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة ( ومعنى أحصاها عدها وحفظها وقيل غير هذا مما بيناه في كتابنا وذكرنا هناك تصحيح حديث الترمذي وذكرنا من الأسماء ما اجتمع عليه وما اختلف فيه مما وقفنا عليه في كتب أئمتنا ما ينيف على مائتي اسم وذكرنا قبل تعيينها في مقدمة الكتاب اثنين وثلاثين فصلا فيما يتعلق بأحكامها فمن أراده وقف عليه هناك وفي غيره من الكتب الموضوعة في هذا الباب والله الموفق للصواب لا رب سواه الثالثة واختلف العلماء من هذا الباب في الإسم والمسمى وقد ذكرنا ما للعلماء من ذلك في الكتاب الأسنى قال بن الحصار : وفي هذه الآية وقوع الإسم على المسمى ووقوعه على التسمية فقوله : ولله وقع على المسمى وقوله : الأسماء وهو جمع اسم واقع على التسميات يدل على صحة ما قلناه قوله : فادعوه بها والهاء في قوله : فادعوه تعود على المسمى سبحانه وتعالى فهو المدعو والهاء في قوله بها تعود على الأسماء وهي التسميات التي يدعى بها لا بغيرها هذا الذي يقتضيه لسان العرب ومثل ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لي خمسة أسماء أنا محمد وأحمد ( الحديث وقد تقدم في البقرة شيء من هذا والذي يذهب إليه أهل الحق أن الإسم هو المسمى أو صفة له تتعلق به وأنه غير التسمية قال بن العربي عند كلامه على قوله تعالى ولله الأسماء الحسنى : فيه ثلاثة أقوال قال بعض علمائنا : في ذلك دليل على أن الأسم المسمى لأنه لو كان غيره لوجب أن تكون الأسماء لغير الله تعالى الثاني قال آخرون : المراد به التسميات لأنه سبحانه واحد والأسماء جمع قلت ذكر بن عطية في تفسيره أن الأسماء في الآية بمعنى التسميات إجماعا من المتأولين لا يجوز غيره وقال القاضي أبو بكر في كتاب التمهيد : وتأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لله تسعة وتسعون اسما من أحصاها دخل الجنة ( أي أن له تسعة وتسعين تسمية بلا خلاف وهي عبارات عن كون الله تعالى على أوصاف شتى منها ما يستحقه لنفسه ومنها ما يستحقه لصفة تتعلق به وأسماؤه العائدة إلى نفسه هي هو وما تعلق بصفة له فهي أسماء له ومنها صفات لذاته ومنها صفات أفعال وهذا هو تأويل قوله تعالى : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها أي التسميات الحسنى الثالث قال آخرون منهم : ولله الصفات الرابعة سمى الله سبحانه أسماءه بالحسنى لأنها حسنة في الأسماع والقلوب فإنها تدل على توحيده وكرمه وجوده ورحمته وإفضاله والحسنى مصدر وصف به ويجوز أن يقدر الحسنى فعلى مؤنث الأحسن كالكبرى تأنيث الأكبر والجمع الكبر والحسن وعلى الأول أفرد كما أفرد وصف ما لا يعقل كما قال تعالى : مآرب أخرى ويا جبال أوبي معه الخامسة قوله تعالى : ( فادعوه بها ) أي اطلبوا منه بأسمائه فيطلب بكل اسم ما يليق به تقول : يا رحيم ارحمني يا حكيم احكم لي يا رزاق ارزقني يا هادي اهدني يا فتاح افتح لي يا تواب تب علي هكذا فإن دعوت بأسم عام قلت : يا مالك ارحمني يا عزيز احكم لي يا لطيف ارزقني وإن دعوت بالأعم الأعظم فقلت : يا ألله فهو متضمن لكل اسم ولا تقول يا رزاق اهدني إلا أن تريد يا رزاق ارزقني الخير قال بن العربي : وهكذا رتب دعاءك تكن من المخلصين وقد تقدم في البقرة شرائط الدعاء وفي هذه السورة أيضا والحمد لله السادسة أدخل القاضي أبو بكر بن العربي عدة من الأسماء في أسمائه سبحانه مثل متم نوره وخير الوارثين وخير الماكرين ورابع ثلاثة وسادس خمسة والطيب والمعلم وأمثال ذلك قال بن الحصار : واقتدى في ذلك بابن برجان إذ ذكر في الأسماء النظيف وغير ذلك مما لم يرد في كتاب ولا سنة قلت : أما ما ذكر من قوله مما لم يرد في كتاب ولا سنة فقد جاء في صحيح مسلم الطيب وخرج الترمذي النظيف وخرج عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه : ( رب أعني ولا تعن علي وانصرني ولا تنصر علي وامكر لي ولا تمكر علي ( الحديث وقال فيه : حديث حسن صحيح فعلى هذا جائز أن يقال : يا خير الماكرين امكر لي ولا تمكر علي والله أعلم وقد ذكرنا الطيب والنظيف في كتابنا وغيره مما جاء ذكره في الأخبار وعن السلف الأخيار وما يجوز أن يسمى به ويدعى وما يجوز أن يسمى به ولا يدعى وما لا يجوز أن يسمى به ولا يدعى حسب ما ذكره الشيخ أبو الحسن الأشعري وهناك يتبين لك ذلك إن شاء الله تعالى قوله تعالى : ( وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ) فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : يلحدون الإلحاد : الميل وترك القصد يقال : ألحد الرجل في الدين وألحد إذا مال ومنه اللحد في القبر لأنه في ناحيته وقرئ يلحدون لغتان والإلحاد يكون بثلاثة أوجه : أحدها بالتغيير فيها كما فعله المشركون وذلك أنهم عدلوا بها عما هي عليه فسموا بها أوثانهم فاشتقوا اللات من الله والعزى من العزيز ومناة من المنان قاله بن عباس وقتادة الثاني بالزيادة فيها الثالث بالنقصان منها كما يفعله الجهال الذين يخترعون أدعية يسمون فيها الله تعالى بغير أسمائه ويذكرون بغير ما يذكر من أفعاله إلى غير ذلك مما لا يليق به قال بن العربي : فحذار منها ولا يدعون أحدكم إلا بما في كتاب الله والكتب الخمسة وهي البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي فهذه الكتب التي يدور الإسلام عليها وقد دخل فيها ما في الموطأ الذي هو أصل التصانيف وذروا ما سواها ولا يقولن أحدكم أختار دعاء كذا وكذا فإن الله قد اختار له وأرسل بذلك إلى الخلق رسوله صلى الله عليه وسلم الثانية معنى الزيادة في الأسماء التشبيه والنقصان التعطيل فإن المشبهة وصفوه بما لم يأذن فيه والمعطلة سلبوه ما اتصف به ولذلك قال أهل الحق : إن ديننا طريق بين طريقين لا بتشبيه ولا بتعطيل وسئل الشيخ أبو الحسن البوشنجي عن التوحيد فقال : إثبات ذات غير مشبهة بالذوات ولا معطلة من الصفات وقد قيل في قوله تعالى : وذروا الذين يلحدون معناه اتركوهم ولا تحاجوهم ولا تعرضوا لهم فالآية على هذا منسوخة بالقتال قاله بن زيد وقيل : معناه الوعيد كقوله تعالى : ذرني ومن خلقت وحيدا المدثر وقوله : ذرهم يأكلوا ويتمتعوا وهو الظاهر من الآية لقوله تعالى : سيجزون ما كانوا يعملون والله أعلم < <

قسم V07/P328–V07/P329

الأعراف : ( 181 ) وممن خلقنا أمة . . . . . > > < > ( الاعراف 181 ) < > في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( هم هذه الأمة ( وروي أنه قال : ( هذه لكم وقد أعطى الله قوم موسى مثلها ( وقرأ هذه الآية وقال : ( إن من أمتي قوما على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم ( فدلت الآية على أن الله عز وجل لا يخلي الدنيا في وقت من الأوقات من داع يدعو إلى الحق < < الأعراف : ( 182 ) والذين كذبوا بآياتنا . . . . . > > < > ( الاعراف 182 ) < > أخبر تعالى عمن كذب بآياته أنه سيستدرجهم قال بن عباس : هم أهل مكة والإستدراج هو الأخذ بالتدريج منزلة بعد منزلة والدرج : لف الشيء يقال : أدرجته ودرجته ومنه أدرج الميت في أكفانه وقيل : هو من الدرجة فالإستدراج أن يحط درجة بعد درجة إلى المقصود قال الضحاك : كلما جددوا لنا معصية جددنا لهم نعمة وقيل لذي النون : ما أقصى ما يخدع به العبد قال : بالإلطاف والكرامات لذلك قال سبحانه وتعالى : سنستدرجهم من حيث لا يعلمون نسبغ عليهم النعم وننسيهم الشكر وأنشدوا : أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر < < الأعراف : ( 183 ) وأملي لهم إن . . . . . > > < > ( الاعراف 183 ) < > قوله تعالى : ( وأملي لهم ) أي أطيل لهم المدة وأمهلهم وأؤخر عقوبتهم ( إن كيدي ) أي مكري ( متين ) أي شديد قوي وأصله من المتن وهو اللحم الغليظ الذي عن جانب الصلب قيل : نزلت في المستهزئين من قريش قتلهم الله في ليلة واحدة بعد أن أمهلهم مدة نظيره حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة وقد تقدم < < الأعراف : ( 184 ) أولم يتفكروا ما . . . . . > > < > ( الاعراف 184 ) < > قوله تعالى : ( أولم يتفكروا ) أي فيما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم والوقف على يتفكروا حسن ثم قال : ( ما بصاحبهم من جنة ) رد لقولهم : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون وقيل : نزلت بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ليلة على الصفا يدعو قريشا فخذا فخذا فيقول : ( يا بني فلان ( يحذرهم بأس الله وعقابه فقال قائلهم : إن صاحبهم هذا لمجنون بات يصوت حتى الصباح < < الأعراف : ( 185 ) أولم ينظروا في . . . . . > > < > ( الاعراف 185 ) <

قسم V07/P329–V07/P333

> قوله تعالى : ( أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض ) فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( أولم ينظروا ) عجب من إعراضهم عن النظر في آياته ليعرفوا كمال قدرته حسب ما بيناه في سورة البقرة والملكوت من أبنية المبالغة ومعناه الملك العظيم وقد تقدم الثانية استدل بهذه الآية وما كان مثلها من قوله تعالى : قل انظروا ماذا في السماوات والأرض يونس وقوله تعالى : أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها ق وقوله أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت الغاشية الآية وقوله وفي أنفسكم أفلا تبصرون الذاريات من قال بوجوب النظر في آياته والاعتبار بمخلوقاته قالوا : وقد ذم الله تعالى من لم ينظر وسلبهم الإنتفاع بحواسهم فقال : لهم قلوب لا يفقهون بها الآية وقد اختلف العلماء في أول الواجبات هل هو النظر والاستدلال أو الإيمان الذي هو التصديق الحاصل في القلب الذي ليس من شرط صحته المعرفة فذهب القاضي وغيره إلى أن أول الواجبات النظر والإستدلال لأن الله تبارك وتعالى لا يعلم ضرورة وإنما يعلم بالنظر والاستدلال بالأدلة التي نصبها لمعرفته وإلى هذا ذهب البخاري رحمه الله حيث بوب في كتابه ( باب العلم قبل القول والعمل لقول الله عز وجل : فاعلم أنه لا إله إلا الله محمد ) قال القاضي : من لم يكن عالما بالله فهو جاهل والجاهل به كافر قال بن رشد في مقدماته : وليس هذا بالبين لأن الإيمان يصح باليقين الذي قد يحصل لمن هداه الله بالتقليد وبأول وهلة من الإعتبار بما أرشد الله إلى الإعتبار به في غير ما آية قال : وقد استدل الباجي على من قال إن النظر والإستدلال أول الواجبات بإجماع المسلمين في جميع الأعصار على تسمية العامة والمقلد مؤمنين قال : فلو كان ما ذهبوا إليه صحيحا لما صح أن يسمى مؤمنا إلا من عنده علم بالنظر والإستدلال قال : وأيضا فلو كان الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والإستدلال لجاز للكفار إذا غلب عليهم المسلمون أن يقولوا لهم : لا يحل لكم قتلنا لأن من دينكم أن الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال فأخرونا حتى ننظر ونستدل قال : وهذا يؤدي إلى تركهم على كفرهم وألا يقتلوا حتى ينظروا ويستدلوا قلت : هذا هو الصحيح في الباب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ( وترجم بن المنذر في كتاب الأشراف ذكر صفة كمال الإيمان أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر إذا قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأن كل ما جاء به محمد حق وأبرأ من كل دين يخالف دين الإسلام وهو بالغ صحيح العقل أنه مسلم وإن رجع بعد ذلك وأظهر الكفر كان مرتدا يجب عليه ما يجب على المرتد وقال أبو حفص الزنجاني وكان شيخنا القاضي أبو جعفر أحمد بن محمد السمناني يقول : أول الواجبات الإيمان بالله وبرسوله وبجميع ما جاء به ثم النظر والإستدلال المؤديان إلى معرفة الله تعالى فيتقدم وجوب الإيمان بالله تعالى عنده على المعرفة بالله قال : وهذا أقرب إلى الصواب وأرفق بالخلق لأن أكثرهم لا يعرفون حقيقة المعرفة والنظر والإستدلال فلو قلنا : إن أول الواجبات المعرفة بالله لأدي إلى تكفير الجم الغفير والعدد الكثير وألا يدخل الجنة إلا آحاد الناس وذلك بعيد لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قطع بأن أكثر أهل الجنة أمته وأن أمم الأنبياء كلهم صف واحد وأمته ثمانون صفا وهذا بين لا إشكال فيه والحمد لله الثالثة ذهب بعض المتأخرين والمتقدمين من المتكلمين إلى أن من لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طرقوها والأبحاث التي حرروها لم يصح إيمانه وهو كافر فيلزم على هذا تكفير أكثر المسلمين وأول من يبدأ بتكفيره آباؤه وأسلافه وجيرانه وقد أورد على بعضهم هذا فقال : لا تشنع علي بكثرة أهل النار أو كما قال قلت : وهذا القول لا يصدر إلا من جاهل بكتاب الله وسنة نبيه لأنه ضيق رحمة الله الواسعة على شرذمة يسيرة من المتكلمين واقتحموا في تكفير عامة المسلمين أي هذا من قول الأعرابي الذي كشف عن فرجه ليبول وانتهره أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لقد حجرت واسعا ( خرجه البخاري والترمذي وغيرهما من الأئمة أترى هذا الأعرابي عرف الله بالدليل والبرهان والحجة والبيان وأن رحمته وسعت كل شيء وكم من مثله محكوم له بالإيمان بل اكتفى صلى الله عليه وسلم من كثير ممن أسلم بالنطق بالشهادتين وحتى إنه اكتفى بالإشارة في ذلك ألا تراه لما قال للسوداء : ( أين الله ( قالت : في السماء قال : ( من أنا ( قالت أنت رسول الله قال : ( اعتقها فإنها مؤمنة ( ولم يكن هناك نظر ولا استدلال بل حكم بإيمانهم من أول وهلة وإن كان هناك عن النظر والمعرفة غفلة والله أعلم الرابعة ولا يكون النظر أيضا والاعتبار في الوجوه الحسان من المرد والنسوان قال أبو الفرج الجوزي : قال أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري بلغني عن هذه الطائفة التي تسمع السماع أنها تضيف إليه النظر إلى وجه الأمرد وربما زينته بالحلي والمصبغات من الثياب وتزعم أنها تقصد به الإزدياد في الإيمان بالنظر والإعتبار والإستدلال بالصنعة على الصانع وهذه النهاية في متابعة الهوى ومخادعة العقل ومخالفة العلم قال أبو الفرج : وقال الإمام أبو الوفاء بن عقيل لم يحل الله النظر إلا على صورة لا ميل للنفس إليها ولا حظ للهوى فيها بل عبرة لا يمازجها شهوة ولا يقارنها لذة ولذلك ما بعث الله سبحانه امرأة بالرسالة ولا جعلها قاضيا ولا إماما ولا مؤذنا كل ذلك لأنها محل شهوة وفتنة فمن قال : أنا أجد من الصور المستحسنة عبرا كذبناه وكل من ميز نفسه بطبيعة تخرجه عن طباعنا كذبناه وإنما هذه خدع الشيطان للمدعين وقال بعض الحكماء : كل شيء في العالم الكبير له نظير في العالم الصغير ولذلك قال تعالى : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم التين وقال : وفي أنفسكم أفلا تبصرون الذاريات وقد بينا وجه التمثيل في أول الأنعام فعلى العاقل أن ينظر إلى نفسه ويتفكر في خلقه من حين كونه ماء دافقا إلى كونه خلقا سويا يعان بالأغذية ويربى بالرفق ويحفظ باللين حتى يكتسب القوى ويبلغ الأشد وإذا هو قد قال : أنا وأنا ونسي حين أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا وسيعود مقبورا فيا ويحه إن كان محسورا قال الله تعالى : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين إلى قوله تبعثون فينظر أنه عبد مربوب مكلف مخوف بالعذاب إن قصر مرتجيا بالثواب إن ائتمر فيقبل على عبادة مولاه فإنه وإن كان لا يراه يراه ولا يخشى الناس والله أحق أن يخشاه ولا يتكبر على أحد من عباد الله فإنه مؤلف من أقذار مشحون من أوضار صائر إلى جنة إن أطاع أو إلى نار وقال بن العربي : وكان شيوخنا يستحبون أن ينظر المرء في الأبيات الحكمية التي جمعت هذه الأوصاف العلمية : كيف يزهو من رجيعه أبد الدهر ضجيعه فهو منه وإليه وأخوه ورضيعه وهو يدعوه إلى الحش بضغر فيطيعه قوله تعالى : ( وما خلق الله من شيء ) معطوف على ما قبله أي وفيما خلق الله من الأشياء ( وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ) أي وفي آجالهم التي عسى أن تكون قد قربت فهو في موضع خفض معطوف على ما قبله وقال بن عباس : أراد باقتراب الأجل يوم بدر ويوم أحد ( فبأي حديث بعده يؤمنون ) أي بأي قرآن غير ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يصدقون وقيل : الهاء للأجل على معنى بأي حديث بعد الأجل يؤمنون حين لا ينفع الإيمان لأن الآخرة ليست بدار تكليف < <

قسم V07/P333–V07/P335

الأعراف : ( 186 ) من يضلل الله . . . . . > > < > ( الاعراف 186 ) < > بين أن إعراضهم لأن الله أضلهم وهذا رد على القدرية ( ويذرهم في طغيانهم ) بالرفع على الإستئناف وقرئ بالجزم حملا على موضع الفاء وما بعدها ( يعمهون ) أي يتحيرون وقيل : يترددون وقد مضى في أول البقرة مستوفي < < الأعراف : ( 187 ) يسألونك عن الساعة . . . . . > > < > ( الاعراف 187 ) < > قوله تعالى : ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها ) أيان سؤال عن الزمان مثل متى قال الراجز : أيان تقضي حاجتي أيان أما ترى لنجحها أوانا وكانت اليهود تقول للنبي صلى الله عليه وسلم : إن كنت نبيا فأخبرنا عن الساعة متى تقوم وروي أن المشركين قالوا ذلك لفرط الإنكار ومرساها في موضع رفع بالإبتداء عند سيبويه والخبر أيان وهو ظرف مبني على الفتح بني لأن فيه معنى الإستفهام ومرساها بضم الميم من أرساها الله أي أثبتها أي متى مثبتها أي متى وقوعها وبفتح الميم من رست أي ثبتت ووقفت ومنه وقدور راسيات سبأ قال قتادة : أي ثابتات ( قل إنما علمها عند ربي ) ابتداء وخبر أي لم يبينها لأحد حتى يكون العبد أبدا على حذر ( لا يجليها ) أي لا يظهرها ( لوقتها ) أي في وقتها ( إلا هو ) والتجلية : إظهار الشيء يقال جلا لي فلان الخبر إذا أظهره وأوضحه ومعنى ( ثقلت في السماوات والأرض ) خفي علمها على أهل السماوات والأرض وكل ما خفي علمه فهو ثقيل على الفؤاد وقيل : كبر مجيئها على أهل السماوات والأرض عن الحسن وغيره بن جريج والسدي : عظم وصفها على أهل السماوات والأرض وقال قتادة وغيره : المعنى لا تطيقها السماوات والأرض لعظمها : لأن السماء تنشق والنجوم تتناثر والبحار تنضب وقيل : المعنى ثقلت المسألة عنها ( لا تأتيكم إلا بغتة ) أي فجأة مصدر في موضع الحال ( يسألونك كأنك حفي عنها ) أي عالم بها كثير السؤال عنها قال بن فارس : الحفي العالم بالشيء والحفي : المستقصي في السؤال قال الأعشى : فإن تسألي عني فيا رب سائل خفي عن الأعشى به حيث أصعدا يقال : أحفى في المسألة وفي الطلب فهو محف وحفي على التكثير مثل مخصب وخصيب قال محمد بن يزيد : المعنى يسألونك كأنك حفي بالمسألة عنها أي ملح يذهب إلى أنه ليس في الكلام تقديم وتأخير وقال بن عباس وغيره : هو على التقديم والتأخير والمعنى : يسألونك عنها كأنك حفي بهم أي حفي ببرهم وفرح بسؤالهم وذلك لأنهم قالوا : بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا بوقت الساعة ( قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ليس هذا تكريرا ولكن أحد العلمين لوقوعها والآخر لكنهها < < الأعراف : ( 188 ) قل لا أملك . . . . . > > < > ( الاعراف 188 ) <

قسم V07/P335–V07/P336

> قوله تعالى : ( قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ) أي لا أملك أن أجلب إلى نفسي خيرا ولا أدفع عنها شرا فكيف أملك علم الساعة وقيل : لا أملك لنفسي الهدى والضلال ( إلا ماشاء الله ) في موضع نصب بالإستثناء والمعنى : إلا ما شاء الله أن يملكني ويمكنني منه وأنشد سيبويه : مهما شاء بالناس يفعل ( ولو كنت أعلم بالغيب لاستكثرت من الخير ) المعنى لو كنت أعلم ما يريد الله عز وجل مني من قبل أن يعرفنيه لفعلته وقيل : لو كنت أعلم متى يكون لي النصر في الحرب لقاتلت فلم أغلب وقال بن عباس : لو كنت أعلم سنة الجدب لهيأت لها في زمن الخصب ما يكفيني وقيل : المعنى لو كنت أعلم التجارة التي تنفق لاشتريتها وقت كسادها وقيل المعنى لو كنت أعلم متى أموت لاستكثرت من العمل الصالح عن الحسن وبن جريج وقيل : المعنى لو كنت أعلم الغيب لأجبت عن كل ما أسأل عنه وكله مراد والله أعلم ( وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ) هذا استئناف كلام أي ليس بي جنون لأنهم نسبوه إلى الجنون وقيل : هو متصل والمعنى لو علمت الغيب لما مسني سوء ولحذرت ودل على هذا قوله تعالى : إن أنا إلا نذير مبين < < الأعراف : ( 189 ) هو الذي خلقكم . . . . . > > < > ( الاعراف 189 : 190 ) <

قسم V07/P336–V07/P340

> فيه سبع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وهو الذي خلقكم من نفس واحدة ) قال جمهور المفسرين : المراد بالنفس الواحدة آدم ( وجعل منها زوجها ) يعني حواء ( ليسكن إليها ) ليأنس بها ويطمئن وكان هذا كله في الجنة ثم ابتدأ بحالة أخرى هي في الدنيا بعد هبوطهما فقال : ( فلما تغشاها ) كناية عن الوقوع ( حملت حملا خفيفا ) كل ما كان في بطن أو على رأس شجرة فهو حمل بالفتح وإذا كان على ظهر أو على رأس فهو حمل بالكسر وقد حكى يعقوب في حمل النخلة الكسر وقال أبو سعيد السيرافي : يقال في حمل المرأة حمل وحمل يشبه مرة لاستبطانه بحمل المرأة ومرة لبروزه وظهوره بحمل الدابة والحمل أيضا مصدر حمل عليه يحمل حملا إذا صال ( فمرت به ) يعني المني أي استمرت بذلك الحمل الخفيف يقول : تقوم وتقعد وتقلب ولا تكترث بحمله إلى أن ثقل عن الحسن ومجاهد وغيرهما وقيل المعنى فاستمر بها الحمل فهو من المقلوب كما تقول : أدخلت القلنسوة في رأسي وقرأ عبد الله بن عمر فمارت به بألف والتخفيف من مار يمور إذا ذهب وجاء وتصرف وقرأ بن عباس ويحيى بن يعمر فمرت به خفيفة من المرية أي شكت فيما أصابها هل هو حمل أو مرض أو نحو ذلك الثانية قوله تعالى : ( فلما أثقلت ) صارت ذات ثقل كما تقول : أثمر النخل وقيل : دخلت في الثقل كما تقول : أصبح وأمسى ( دعوا الله ربهما ) الضمير في دعوا عائد على آدم وحواء وعلى هذا القول ما روي في قصص هذه الآية أن حواء لما حملت أول حمل لم تدر ما هو وهذا يقوي قراءة من قرأ فمرت به بالتخفيف فجزعت بذلك فوجد إبليس السبيل إليها قال الكلبي : إن إبليس أتى حواء في صورة رجل لما أثقلت في أول ما حملت فقال : ما هذا الذي في بطنك قالت : ما أدري قال : إني أخاف أن يكون بهيمة فقالت ذلك لآدم عليه السلام فلم يزالا في هم من ذلك ثم عاد إليها فقال : هو من الله بمنزلة فإن دعوت الله فولدت إنسانا أفتسمينه بي قالت نعم قال : فإني أدعو الله فأتاها وقد ولدت فقال : سميه باسمي فقالت وما اسمك قال : الحارث ولو سمى لها نفسه لعرفته فسمته عبد الحارث ونحو هذا مذكور من ضعيف الحديث في الترمذي وغيره وفي الإسرائيليات كثير ليس لها ثبات فلا يعول عليها من له قلب فإن آدم وحواء عليهما السلام وإن غرهما بالله الغرور فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين على أنه قد سطر وكتب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خدعهما مرتين خدعهما في الجنة وخدعهما في الأرض ( وعضد هذا بقراءة السلمي أتشركون بالتاء ومعنى ( صالحا ) يريد ولدا سويا ( فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما أتاهما ) واختلف العلماء في تأويل الشرك المضاف إلى آدم وحواء وهي : الثالثة قال المفسرون : كان شركا في التسمية والصفة لا في العبادة والربوبية وقال أهل المعاني : إنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما بتسميتهما ولدهما عبد الحارث لكنهما قصدا إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد فسمياه به كما يسمي الرجل نفسه عبد ضيفه على جهة الخضوع له لا على أن الضيف ربه كما قال حاتم : وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا وما في إلا تيك من شيمة العبد وقال قوم : إن هذا راجع إلى جنس الآدميين والتبيين عن حال المشركين من ذرية آدم عليه السلام وهو الذي يعول عليه فقوله : جعلا له يعني الذكر والأنثى الكافرين ويعني به الجنسان ودل على هذا ( فتعالى الله عما يشركون ) ولم يقل يشركان وهذا قول حسن وقيل : المعنى هو الذي خلقكم من نفس واحدة من هيئة واحدة وشكل واحد وجعل منها زوجها أي من جنسها فلما تغشاها يعني الجنسين وعلى هذا القول لا يكون لآدم وحواء ذكر في الآية فإذا آتاهما الولد صالحا سليما سويا كما أراداه صرفاه عن الفطرة إلى الشرك فهذا فعل المشركين قال صلى الله عليه وسلم : ( ما من مولود إلا يولد على الفطرة في رواية على هذه الملة أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ( قال عكرمة : لم يخص بها آدم ولكن جعلها عامة لجميع الخلق بعد آدم وقال الحسين بن الفضل : وهذا أعجب إلى أهل النظر لما في القول الأول من المضاف من العظائم بنبي الله آدم وقرأ أهل المدينة وعاصم شركا على التوحيد وأبو عمرو وسائر أهل الكوفة بالجمع على مثل فعلاء جمع شريك وأنكر الأخفش سعيد القراءة الأولى وهي صحيحة على حذف المضاف أي جعلا له ذا شرك مثل واسأل القرية فيرجع المعنى إلى أنهم جعلوا له شركاء الرابعة ودلت الآية على أن الحمل مرض من الأمراض روى بن القاسم ويحيى عن مالك قال : أول الحمل يسر وسرور وآخره مرض من الأمراض وهذا الذي قاله مالك : إنه مرض من الأمراض يعطيه ظاهر قوله : دعوا الله ربهما وهذه الحالة مشاهدة في الحمال ولأجل عظم الأمر وشدة الخطب جعل موتها شهادة كما ورد في الحديث وإذا ثبت هذا من ظاهر الآية فحال الحامل حال المريض في أفعاله ولا خلاف بين علماء الأمصار أن فعل المريض فيما يهب ويحابي في ثلثه وقال أبو حنيفة والشافعي : وإنما يكون ذلك في الحامل بحال الطلق فأما قبل ذلك فلا واحتجوا بأن الحمل عادة والغالب فيه السلامة قلنا : كذلك أكثر الأمراض غالبه السلامة وقد يموت من لم يمرض الخامسة قال مالك : إذا مضت للحامل ستة أشهر من يوم حملت لم يجز لها قضاء في مالها إلا في الثلث ومن طلق زوجته وهي حامل طلاقا بائنا فلما أتى عليها ستة أشهر فأراد ارتجاعها لم يكن له ذلك لأنها مريضة ونكاح المريضة لا يصح السادسة قال يحيى : وسمعت مالكا يقول في الرجل يحضر القتال : إنه إذا زحف في الصف للقتال لم يجز له أن يقضي في ماله شيئا إلا في الثلث وإنه بمنزلة الحامل والمريض المخوف عليه ما كان بتلك الحال ويلتحق بهذا المحبوس للقتل في قصاص وخالف في هذا أبو حنيفة والشافعي وغيرهما قال بن العربي : وإذا استوعبت النظر لم ترتب في أن المحبوس على القتل أشد حالا من المريض وإنكار ذلك غفلة في النظر فإن سبب الموت موجود عندهما كما أن المرض سبب الموت قال الله تعالى : ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون وقال رويشد الطائي : يا أيها الراكب المزجي مطيته سائل بني أسد ما هذه الصوت وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا قولا يبرئكم إني أنا الموت ومما يدل على هذا قوله تعالى : إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر فكيف يقول الشافعي وأبو حنيفة : الحال الشديدة إنما هي المبارزة وقد أخبر الله عز وجل عن مقاومة العدو وتداني الفريقين بهذه الحالة العظمى من بلوغ القلوب الحناجر ومن سوء الظنون بالله ومن زلزلة القلوب واضطرابها هل هذه حالة ترى على المريض أم لا هذا ما لا يشك فيه منصف وهذا لمن ثبت في اعتقاده وجاهد في الله حق جهاده وشاهد الرسول وآياته فكيف بنا السابعة وقد اختلف علماؤنا في راكب البحر وقت الهول هل حكمه حكم الصحيح أو الحامل فقال بن القاسم : حكمه حكم الصحيح وقال بن وهب وأشهب : حكمه حكم الحامل إذا بلغت ستة أشهر قال القاضي أبو محمد : وقولهما أقيس لأنها حالة خوف على النفس كإثقال الحمل قال بن العربي : وبن القاسم لم يركب البحر ولا رأى دودا على عود ومن أراد أن يوقن بالله أنه الفاعل وحده لا فاعل معه وأن الأسباب ضعيفة لا تعلق لموقن بها ويتحقق التوكل والتفويض فليركب البر < <

قسم V07/P340–V07/P343

الأعراف : ( 191 ) أيشركون ما لا . . . . . > > < > ( الاعراف 191 : 192 ) < > قوله تعالى : ( أيشركون ما لا يخلق شيئا ) أي أيعبدون ما لا يقدر على خلق شيء ( وهم يخلقون ) أي الأصنام مخلوقة وقال : يخلقون بالواو والنون لأنهم اعتقدوا أن الأصنام تضر وتنفع فأجريت مجرى الناس كقوله : في فلك يسبحون وقوله : ياأيها النمل ادخلوا مساكنكم ( ولايستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون ) أي إن الأصنام لا تنصر ولا تنتصر < < الأعراف : ( 193 ) وإن تدعوهم إلى . . . . . > > < > ( الاعراف 193 ) < > قوله تعالى : ( وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعونكم ) قال الأخفش : أي وإن تدعوا الأصنام إلى الهدى لا يتبعوكم ( سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون ) قال أحمد بن يحيى : لأنه رأس آية يريد أنه قال : أم أنتم صامتون ولم يقل أم صمتم وصامتون وصمتم عند سيبويه واحد وقيل : المراد من سبق في علم الله أنه لا يؤمن وقرئ لا يتبعوكم مشددا ومخففا لغتان بمعنى وقال بعض أهل اللغة : أتبعه مخففا إذا مضى خلفه ولم يدركه واتبعه مشددا إذا مضى خلفه فأدركه < < الأعراف : ( 194 ) إن الذين تدعون . . . . . > > < > ( الاعراف 194 : 196 ) < > قوله تعالى : ( إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ) حاجهم في عبادة الأصنام تدعون تعبدون وقيل : تدعونها آلهة من دون الله أي من غير الله وسميت الأوثان عبادا لأنها مملوكة لله مسخرة الحسن : المعنى أن الأصنام مخلوقة أمثالكم ولما اعتقد المشركون أن الأصنام تضر وتنفع أجراها مجرى الناس فقال : ( فادعوهم ) ولم يقل فادعوهن وقال : عباد وقال : إن الذين ولم يقل إن التي ومعنى فادعوهم أي فاطلبوا منهم النفع والضر ( فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ) أن عبادة الأصنام تنفع وقال بن عباس : معنى فادعوهم فاعبدوهم ثم وبخهم الله تعالى وسفه عقولهم فقال : ( ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها ) الآية أي أنتم أفضل منهم فكيف تعبدونهم والغرض بيان جهلهم لأن المعبود يتصف بالجوارح وقرأ سعيد بن جبير : إن الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم بتخفيف إن وكسرها لالتقاء الساكنين ونصب عبادا بالتنوين أمثالكم بالنصب والمعنى : ما الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم أي هي حجارة وخشب فأنتم تعبدون ما أنتم أشرف منه قال النحاس : وهذه قراءة لا ينبغي أن يقرأ بها من ثلاث جهات : أحدها أنها مخالفة للسواد والثانية أن سيبويه يختار الرفع في خبر إن إذا كانت بمعنى ما فيقول : إن زيد منطلق لأن عمل ما ضعيف وإن بمعناها فهي أضعف منها والثالثة إن الكسائي زعم أن إن لا تكاد تأتي في كلام العرب بمعنى ما إلا أن يكون بعدها إيجاب كما قال عز وجل : إن الكافرون إلا في غرور الملك فليستجيبوا لكم الأصل أن تكون اللام مكسورة فحذفت الكسرة لثقلها ثم قيل : في الكلام حذف المعنى : فادعوهم إلى أن يتبعوكم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين أنهم آلهة وقرأ أبو جعفر وشيبة ( أم لهم أيد يبطشون بها ) بضم الطاء وهي لغة واليد والرجل والأذن مؤنثات يصغرن بالهاء وتزاد في اليد ياء في التصغير ترد إلى أصلها فيقال : يدية بالتشديد لاجتماع الياءين قوله تعالى : ( قل ادعوا شركاءكم ) أي الأصنام ( ثم كيدون ) أنتم وهي ( فلا تنظرون ) أي فلا تؤخرون والأصل كيدوني حذفت الياء لأن الكسرة تدل عليها وكذا فلا تنظرون والكيد المكر والكيد الحرب يقال : غزا فلم يلق كيدا ( إن ولي الله الذي نزل الكتاب ) أي الذي يتولى نصري وحفظي الله وولى الشيء : الذي يحفظه ويمنع عنه الضرر والكتاب : القرآن ( وهو يتولى الصالحين ) أي يحفظهم وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم جهارا غير مرة يقول : ( ألا إن آل أبي يعني فلانا ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين ( وقال الأخفش : وقرئ إن ولي الله الذي نزل الكتاب يعني جبريل النحاس هي قراءة عاصم الجحدري والقراءة الأولى أبين لقوله : ( وهو يتولى الصالحين < <

قسم V07/P343

الأعراف : ( 197 ) والذين تدعون من . . . . . > > < > ( الاعراف 197 : 198 ) < > قوله تعالى : ( والذين تدعون من دونه ) كرره ليبين أن ما يعبدونه لا ينفع ولا يضر ( وإن تدعوهم إلى الهدى ) شرط والجواب ( لا يسمعوا ) ( وتراهم ) مستأنف ( ينظرون إليك ) في موضع الحال يعني الأصنام ومعنى النظر فتح العينين إلى المنظور إليه أي وتراهم كالناظرين إليك وخبر عنهم بالواو وهي جماد لا تبصر لأن الخبر جرى على فعل من يعقل وقيل : كانت لهم أعين من جواهر مصنوعة فلذلك قال وتراهم ينظرون وقيل : المراد بذلك المشركون أخبر عنهم بأنهم لا يبصرون حين لم ينتفعوا بأبصارهم < < الأعراف : ( 199 ) خذ العفو وأمر . . . . . > > < > ( الاعراف 199 ) <

قسم V07/P343–V07/P346

> فيه ثلاث مسائل : الأولى هذه الآية من ثلاث كلمات تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات فقوله : ( خذ العفو ) دخل فيه صلة القاطعين والعفو عن المذنبين والرفق بالمؤمنين وغير ذلك من أخلاق المطيعين ودخل في قوله : ( وأمر بالعرف ) صلة الأرحام وتقوى الله في الحلال والحرام وغض الأبصار والإستعداد لدار القرار وفي قوله : ( وأعرض عن الجاهلين ) الحض على التعلق بالعلم والإعراض عن أهل الظلم والتنزه عن منازعة السفهاء ومساواة الجهلة الأغبياء وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة قلت : هذه الخصال تحتاج إلى بسط وقد جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر بن سليم قال جابر بن سليم أبو جري : ركبت قعودي ثم أتيت إلى مكة فطلبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنخت قعودي بباب المسجد فدلوني على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو جالس عليه برد من صوف فيه طرائق حمر فقلت : السلام عليك يا رسول الله فقال : ( وعليك السلام ( فقلت : إنا معشر أهل البادية قوم فينا الجفاء فعلمني كلمات ينفعني الله بها قال : ( أدن ( ثلاثا فدنوت فقال : ( أعد علي ( فأعدت عليه فقال : ( اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئا وأن تلقى أخاك بوجه منبسط وأن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي وإن امرؤ سبك بما لا يعلم منك فلا تسبه بما تعلم فيه فإن الله جاعل لك أجرا وعليه وزرا ولا تسبن شيئا مما خولك الله تعالى ( قال أبو جري : فوالذي نفسي بيده ما سببت بعده شاة ولا بعيرا أخرجه أبو بكر البزار في مسنده بمعناه وروي أبو سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق ( وقال بن الزبير : ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس وروي البخاري من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير في قوله : خذ العفو وأمر بالعرف قال : ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس وروي سفيان بن عيينة عن الشعبي أنه قال : إن جبريل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما هذا يا جبريل ( فقال : ( لا أدري حتى أسأل العالم ( في رواية ( لا أدري حتى أسأل ربي ( فذهب فمكث ساعة ثم رجع فقال : ( إن الله تعالى يأمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك ( فنظمه بعض الشعراء فقال : مكارم الأخلاق في ثلاثة من كملت فيه فذلك الفتى إعطاء من تحرمه ووصل من تقطعه والعفو عمن اعتدى وقال جعفر الصادق : أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق في هذه الآية وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية وقال صلى الله عليه وسلم : ( بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ( وقال الشاعر كل الأمور تزول عنك وتنقضي إلا الثناء فإنه لك باقي ولو أنني خيرت كل فضيلة ما اخترت غير مكارم الأخلاق وقال سهل بن عبد الله : كلم الله موسى بطور سيناء قيل له : بأي شيء أوصاك قال : بتسعة أشياء الخشية في السر والعلانية وكلمة الحق في الرضا والغضب والقصد في الفقر والغنى وأمرني أن أصل من قطعني وأعطي من حرمني وأعفو عمن ظلمني وأن يكون نطقي ذكرا وصمتي فكرا ونظري عبرة قلت : وقد روي عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال ( أمرني ربي بتسع الإخلاص في السر والعلانية والعدل في الرضا والغضب والقصد في الغنى والفقر وأن أعفو عمن ظلمني وأصل من قطعني وأعطي من حرمني وأن يكون نطقي ذكرا وصمتي فكرا ونظري عبرة ( وقيل : المراد بقوله : خذ العفو أي الزكاة لأنها يسير من كثير وفيه بعد لأنه من عفا إذا درس وقد يقال : خذ العفو منه أي لا تنقص عليه وسامحه وسبب النزول يرده والله أعلم فإنه لما أمره بمحاجة المشركين دله على مكارم الأخلاق فإنها سبب جر المشركين إلى الإيمان أي إقبل من الناس ما عفا لك من أخلاقهم وتيسر تقول : أخذت حقي عفوا صفوا أي سهلا الثانية قوله تعالى : ( وأمر بالعرف ) أي بالمعروف وقرأ عيسى بن عمر العرف بضمتين مثل الحلم وهما لغتان والعرف والمعروف والعارفة : كل خصلة حسنة ترتضيها العقول وتطمئن إليها النفوس قال الشاعر : من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس وقال عطاء : وأمر بالعرف يعني بلا إله إلا الله الثالثة قوله تعالى : ( وأعرض عن الجاهلين ) أي إذا أقمت عليهم الحجة وأمرتهم بالمعروف فجهلوا عليك فأعرض عنهم صيانة له عليهم ورفعا لقدره عن مجاوبتهم وهذا وإن كان خطابا لنبيه عليه السلام فهو تأديب لجميع خلقه وقال بن زيد وعطاء : هي منسوخة بآية السيف وقال مجاهد وقتادة : هي محكمة وهو الصحيح لما رواه البخاري عن عبد الله بن عباس قال : قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر فنزل على بن أخيه الحر بن قيس بن حصن وكان من النفر الذين يدنيهم عمر وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبانا فقال عيينة لابن أخيه : يا بن أخي هل لك وجه عند هذا الأمير فتستأذن لي عليه قال : سأستأذن لك عليه فاستأذن لعيينة فلما دخل قال : يا بن الخطاب والله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل قال : فغضب عمر حتى هم بأن يقع به فقال الحر يا أمير المؤمنين إن الله قال لنبيه عليه السلام خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وإن هذا من الجاهلين فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه وكان وقافا عند كتاب الله عز وجل قلت : فاستعمال عمر رضي الله عنه لهذه الآية واستدلال الحر بها يدل على أنها محكمة لا منسوخة وكذلك استعملها الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما على ما يأتي بيانه وإذا كان الجفاء على السلطان تعمدا واستخفافا بحقه فله تعزيره وإذا كان غير ذلك فالإعراض والصفح والعفو كما فعل الخليفة العدل < <

قسم V07/P346–V07/P348

الأعراف : ( 200 ) وإما ينزغنك من . . . . . > > < > ( الاعراف 200 ) < > فيه مسألتان : الأولى لما نزل قوله تعالى : ( خذ العفو ) قال عليه السلام : ( كيف يا رب والغضب ( فنزلت ( وإما ينزغنك ) ونزغ الشيطان : وساوسه وفيه لغتان : نزغ ونغز يقال : إياك والنزاغ والنغاز وهم المورشون الزجاج : النزغ أدنى حركة تكون ومن الشيطان أدنى وسوسة قال سعيد بن المسيب : شهدت عثمان وعليا وكان بينهما نزغ من الشيطان فما أبقى واحد منهما لصاحبه شيئا ثم لم يبرحا حتى استغفر كل واحد منهما لصاحبه ومعنى ( ينزغنك ) : يصيبنك ويعرض لك عند الغضب وسوسة بما لا يحل ( فاستعذ بالله ) أي اطلب النجاة من ذلك بالله فأمر تعالى أن يدفع الوسوسة بالإلتجاء إليه والإستعاذة به ولله المثل الأعلى فلا يستعاذ من الكلاب إلا برب الكلاب وقد حكى عن بعض السلف أنه قال لتلميذه : ما تصنع بالشيطان إذا سول لك الخطايا قال : أجاهده قال : فإن عاد قال : أجاهده قال : فإن عاد قال : أجاهده قال : هذا يطول أرأيت لو مررت بغنم فنبحك كلبها ومنع من العبور ما تصنع قال : اكابده وأرده جهدي قال : هذا يطول عليك ولكن استغث بصاحب الغنم يكفه عنك الثانية النغز والنزغ والهمز والوسوسة سواء قال الله تعالى : وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وقال : من شر الوسواس الخناس الناس وأصل النزغ الفساد يقال : نزغ بيننا أي أفسد ومنه قوله : نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي أي أفسد وقيل : النزغ الإغواء والإغراء والمعنى متقارب قلت : ونظير هذه الآية ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يأتي الشيطان أحدكم فيقول له من خلق كذا وكذا حتى يقول له من خلق ربك فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته ( وفيه عن عبد الله قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة قال : ( تلك محض الإيمان ( وفي حديث أبي هريرة : ( ذلك صريح الإيمان ( والصريح الخالص وهذا ليس على ظاهره إذ لا يصح أن تكون الوسوسة نفسها هي الإيمان لأن الإيمان اليقين وإنما الإشارة إلى ما وجدوه من الخوف من الله تعالى أن يعاقبوا على ما وقع في أنفسهم فكأنه قال جزعكم من هذا هو محض الإيمان وخالصه لصحة إيمانكم وعلمكم بفسادها فسمى الوسوسة إيمانا لما كان دفعها والإعراض عنها والرد لها وعدم قبولها والجزع منها صادرا عن الإيمان وأما أمره بالإستعاذة فلكون تلك الوساوس من آثار الشيطان وأما الأمر بالإنتهاء فعن الركون إليها والإلتفات نحوها فمن كان صحيح الإيمان واستعمل ما أمره به ربه ونبيه نفعه وانتفع به وأما من خالجته الشبهة وغلب عليه الحس ولم يقدر على الإنفكاك عنها فلا بد من مشافهته بالدليل العقلي كما قال صلى الله عليه وسلم للذي خالطته شبهة الإبل الجرب حين قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا عدوى ( وقال أعرابي : فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فإذا دخل فيها البعير الأجرب أجربها فقال صلى الله عليه وسلم : ( فمن أعدى الأول ( فاستأصل الشبهة من أصلها فلما يئس الشيطان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بالإغراء والإضلال أخذ يشوش عليهم أوقاتهم بتلك الألقيات والوساوس : الترهات فنفرت عنها قلوبهم وعظم عليهم وقوعها عندهم فجاؤوا كما في الصحيح فقالوا : يا رسول الله إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به قال : ( أو قد وجدتموه ( قالوا : نعم قال : ( ذلك صريح الإيمان رغما للشيطان حسب ما نطق به القرآن في قوله : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ( فالخواطر التي ليست بمستقرة ولا اجتلبتها الشبهة فهي التي تدفع بالإعراض عنها وعلى مثلها يطلق اسم الوسوسة والله أعلم وقد مضى في آخر البقرة هذا المعنى والحمد لله < <

قسم V07/P348

الأعراف : ( 201 ) إن الذين اتقوا . . . . . > > < > ( الاعراف 201 : 202 ) <

الأسئلة