Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

قسم V07/P390–V07/P393

> فيه مسألتان : الأولى قال بن عباس : أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب وكذلك تأول فيها الزبير بن العوام فإنه قال يوم الجمل وكان سنة ست وثلاثين : ما علمت أنا أردنا بهذه الآية إلا اليوم وما كنت أظنها إلا فيمن خوطب ذلك الوقت وكذلك تأول الحسن البصري والسدي وغيرهما قال السدي : نزلت الآية في أهل بدر خاصة فأصابتهم الفتنة يوم الجمل فاقتتلوا وقال بن عباس رضي الله عنه : نزلت هذه الآية في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : وقال : أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر فيما بينهم فيعمهم الله بالعذاب وعن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يكون بين ناس من أصحابي فتنة يغفرها الله لهم بصحبتهم إياي يستن بهم فيها ناس بعدهم يدخلهم الله بها النار ( قلت : وهذه التأويلات هي التي تعضدها الأحاديث الصحيحة ففي صحيح مسلم عن زينب بنت جحش أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له : يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال : ( نعم إذا كثر الخبث ( وفي صحيح الترمذي : ( إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده ( وقد تقدمت هذه الآحاديث وفي صحيح البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا ( ففي هذا الحديث تعذيب العامة بذنوب الخاصة وفيه استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال علماؤنا : فالفتنة إذا عملت هلك الكل وذلك عند ظهور المعاصي وانتشار المنكر وعدم التغيير وإذا لم تغير وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها وهكذا كان الحكم فيمن كان قبلنا من الأمم كما في قصة السبت حين هجروا العاصين وقالوا لا نساكنكم وبهذا قال السلف رضي الله عنهم روى بن وهب عن مالك أنه قال : تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارا ولا يستقر فيها واحتج بصنيع أبي الدرداء في خروجه عن أرض معاوية حين أعلن بالربا فأجاز بيع سقاية الذهب بأكثر من وزنها خرجه الصحيح وروى البخاري عن بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أنزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم ( فهذا يدل على أن الهلاك العام منه ما يكون طهرة للمؤمنين ومنه ما يكون نقمة للفاسقين وروى مسلم عن عبد الله بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها قالت : عبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه فقلت : يا رسول الله صنعت شيئا في منامك لم تكن تفعله فقال : ( العجب إن ناسا من أمتي يؤمون هذا البيت برجل من قريش قد لجأ بالبيت حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم ( فقلنا : يا رسول الله إن الطريق قد يجمع الناس قال : ( نعم فيهم المستبصر والمحبور وبن السبيل يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى يبعثهم الله تعالى على نياتهم ( فإن قيل : فقد قال الله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى كل نفس بما كسبت رهينة المدثر لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت البقرة وهذا يوجب ألا يؤخذ أحد بذنب أحد وإنما تتعلق العقوبة بصاحب الذنب فالجواب أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كل من رآه أن يغيره فإذا سكت عليه فكلهم عاص هذا بفعله وهذا برضاه وقد جعل الله في حكمه وحكمته الراضي بمنزلة العامل فانتظم في العقوبة قاله بن العربي وهو مضمون الأحاديث كما ذكرنا ومقصود الآية : واتقوا فتنة تتعدى الظالم فتصيب الصالح والطالح الثانية واختلف النحاة في دخول النون في لا تصيبن قال الفراء : هو بمنزلة قولك : انزل عن الدابة لا تطرحنك فهو جواب الأمر بلفظ النهي أي إن تنزل عنها لا تطرحنك ومثله قوله تعالى : ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم النمل أي إن تدخلوا لا يحطمنكم فدخلت النون لما فيه من معنى الجزاء وقيل : لأنه خرج مخرج القسم والنون لا تدخل إلا على فعل النهي أو جواب القسم وقال أبو العباس المبرد : إنه نهى عن بعد أمر والمعنى النهي للظالمين أي لا تقربن الظلم وحكى سيبويه : لا أرينك ها هنا أي لا تكن ها هنا فإنه من كان ها هنا رأيته وقال الجرجاني : المعنى اتقوا فتنة تصيب الذين ظلموا خاصة فقوله لا تصيبن نهى في موضع وصف النكرة وتأويله الإخبار بإصابتها الذين ظلموا وقرأ علي وزيد بن ثابت وأبي وبن مسعود لتصيبن بلا ألف قال المهدوي : من قرأ لتصيبن جاز أن يكون مقصورا من لا تصيبن حذفت الألف كما حذفت من ما وهي أخت لا في نحو أم والله لأفعلن وشبهه ويجوز أن تكون مخالفة لقراءة الجماعة فيكون المعنى أنها تصيب الظالم خاصة < <

قسم V07/P393–V07/P395

الأنفال : ( 26 ) واذكروا إذ أنتم . . . . . > > < > ( الانفال 26 ) < > قوله تعالى : ( واذكروا إذ أنتم قليل ) قال الكلبي : نزلت في المهاجرين يعني وصف حالهم قبل الهجرة وفي ابتداء الإسلام ( مستضعفون ) نعت ( في الأرض ) أي أرض مكة ( تخافون ) نعت ( أن يتخطفكم ) في موضع نصب والخطف : الأخذ بسرعة ( الناس ) رفع على الفاعل قتادة وعكرمة : هم مشركوا قريش وهب بن منبه : فارس والروم ( فآواكم ) قال بن عباس : إلى الأنصار السدي : إلى المدينة والمعنى واحد آوى إليه ( بالمد ) : ضم إليه وأوى إليه ( بالقصر ) : انضم إليه ( وأيدكم ) قواكم ( بنصره ) أي بعونه وقيل : بالأنصار وقيل : بالملائكة يوم بدر ( ورزقكم من الطيبات ) أي الغنائم ( لعلكم تشكرون ) قد تقدم معناه < < الأنفال : ( 27 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( الانفال 27 ) < > روي أنها نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين أشار إلى بني قريظة بالذبح قال أبو لبابة : والله ما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله فنزلت هذه الآية فلما نزلت شد نفسه إلى سارية من سواري المسجد وقال : والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي الخبر مشهور وعن عكرمة قال : لما كان شأن قريظة بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه فيمن كان عنده من الناس فلما انتهى إليهم وقعوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء جبريل عليه السلام على فرس أبلق فقالت عائشة رضي الله عنها : فلكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الغبار عن وجه جبريل عليهما السلام فقلت : هذا دحية يا رسول الله فقال : ( هذا جبريل عليه السلام ( قال : ( يا رسول الله ما يمنعك من بني قريظة أن تأتيهم ( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فكيف لي بحصنهم ( فقال جبريل : ( فإني أدخل فرسي هذا عليهم ( فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا معروري فلما رآه علي رضي الله عنه قال : يا رسول الله لا عليك ألا تأتيهم فإنهم يشتمونك فقال : ( كلا إنها ستكون تحية ( فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( يا إخوة القردة والخنازير ( فقالوا : يا أبا القاسم ما كنت فحاشا فقالوا : لا ننزل على حكم محمد ولكنا ننزل على حكم سعد بن معاذ فنزل فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبي ذراريهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بذلك طرقني الملك سحرا ( فنزل فيهم يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون نزلت في أبي لبابة أشار إلى بني قريظة حين قالوا : ننزل على حكم سعد بن معاذ لا تفعلوا فإنه الذبح وأشار إلى حلقه وقيل : نزلت الآية في أنهم كانوا يسمعون الشيء من النبي صلى الله عليه وسلم فيلقونه إلى المشركين ويفشونه وقيل : المعنى بغلول الغنائم ونسبتها إلى الله لأنه هو الذي أمر بقسمتها وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه المؤدي عن الله عز وجل والقيم بها والخيانة : الغدر وإخفاء الشيء ومنه : يعلم خائنة الأعين غافر وكان عليه السلام يقول : ( اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع ومن الخيانة فإنها بئست البطانة ( خرجه النسائي عن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فذكره ( وتخونوا أماناتكم ) في موضع جزم نسقا على الأول وقد يكون على الجواب كما يقال : لا تأكل السمك وتشرب اللبن والأمانات : الأعمال التي اؤتمن الله عليها العباد وسميت أمانة لأنها يؤمن معها من منع الحق مأخوذة من الأمن وقد تقدم في النساء القول في أداء الأمانات والودائع وغير ذلك ( وأنتم تعلمون ) أي ما في الخيانة من القبح والعار وقيل : تعلمون أنها أمانة < <

قسم V07/P395–V07/P397

الأنفال : ( 28 ) واعلموا أنما أموالكم . . . . . > > < > ( الانفال 28 ) < > قوله تعالى : ( واعلموا إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) كان لأبي لبابة أموال وأولاد في بني قريظة : وهو الذي حمله على ملاينتهم فهذا إشارة إلى ذلك ( فتنة ) أي اختبار امتحنهم بها ( وأن والله عنده أجر عظيم ) فآثروا حقه على حقكم < < الأنفال : ( 29 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( الانفال 29 ) < > قد تقدم معنى التقوى وكان الله عالما بأنهم يتقون أم لا يتقون فذكر بلفظ الشرط لأنه خاطب العباد بما يخاطب بعضهم بعضا فإذا اتقى العبد ربه وذلك باتباع أوامره واجتناب نواهيه وترك الشبهات مخافة الوقوع في المحرمات وشحن قلبه بالنية الخالصة وجوارحه بالأعمال الصالحة وتحفظ من شوائب الشرك الخفي والظاهر بمراعاة غير الله في الأعمال والركون إلى الدنيا بالعفة عن المال جعل له بين الحق والباطل فرقانا ورزقه فيما يريد من الخير إمكانا قال بن وهب : سألت مالكا عن قوله سبحانه وتعالى : إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا قال : مخرجا ثم قرأ ومن يتق الله يجعل له مخرجا الطلاق وحكى بن القاسم وأشهب عن مالك مثله سواء وقاله مجاهد قبله وقال الشاعر : مالك من طول الأسى فرقان بعد قطين رحلوا وبانوا وقال آخر : وكيف أرجي الخلد والموت طالبي وما لي من كأس المنية فرقان بن إسحاق : فرقانا فصلا بين الحق والباطل وقال بن زيد السدي : نجاة الفراء : فتحا ونصرا وقيل : في الآخرة فيدخلكم الجنة ويدخل الكفار النار < < الأنفال : ( 30 ) وإذ يمكر بك . . . . . > > < > ( الانفال 30 ) < > هذا إخبار بما اجتمع عليه المشركون من المكر بالنبي صلى الله عليه وسلم في دار الندوة فاجتمع رأيهم على قتله فبيتوه ورصدوه على باب منزل طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج فأمر النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه ودعا الله عز وجل أن يعمي عليهم أثره فطمس الله على أبصارهم فخرج وقد غشيهم النوم فوضع على رؤوسهم ترابا ونهض فلما أصبحوا خرج عليهم علي فأخبرهم أن ليس في الدار أحد فعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فات ونجا الخبر مشهور في السيرة وغيرها ومعنى ليثبتوك ليحبسوك يقال : اثبته إذا حبسته وقال قتادة : ليثبتوك وثاقا وعنه أيضا وعبد الله بن كثير : ليسجنوك وقال أبان بن تغلب وأبو حاتم : ليثخنوك بالجراحات والضرب الشديد قال الشاعر : فقلت ويحكما ما في صحيفتكم قالوا الخليفة أمسى مثبتا وجعا ( أو يقتلوك أو يخرجوك ) عطف ( ويمكرون ) مستأنف والمكر : التدبير في الأمر في خفية ( والله خير الماكرين ) ابتداء وخبر والمكر من الله هو جزاؤهم بالعذاب على مكرهم من حيث لا يشعرون < < الأنفال : ( 31 ) وإذا تتلى عليهم . . . . . > > < > ( الانفال 31 ) < > نزلت في النضر بن الحارث كان خرج إلى الحيرة في التجارة فاشترى أحاديث كليلة ودمنة وكسرى وقيصر فلما قص رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبار من مضى قال النضر : لو شئت لقلت مثل هذا وكان هذا وقاحة وكذبا وقيل : إنهم توهموا أنهم يأتون بمثله كما توهمت سحرة موسى ثم راموا ذلك فعجزوا عنه وقالوا عنادا : إن هذا إلا أساطير الأولين وقد تقدم < < الأنفال : ( 32 ) وإذ قالوا اللهم . . . . . > > < > ( الانفال 32 ) <

قسم V07/P397–V07/P399

> القراء على نصب الحق على خبر كان ودخلت هو للفصل ويجوز هو الحق بالرفع ( من عندك ) قال الزجاج : ولا أعلم أحدا قرأ بها ولا اختلاف بين النحويين في إجازتها ولكن القراءة سنة لا يقرأ فيها إلا بقراءة مرضية واختلف فيمن قال هذه المقالة فقال مجاهد وبن جبير : قائل هذا هو النضر بن الحارث أنس بن مالك : قائله أبو جهل رواه البخاري ومسلم ثم يجوز أن يقال : قالوه لشبهة كانت في صدورهم أو على وجه العناد والإبهام على الناس أنهم على بصيرة ثم حل بهم يوم بدر ما سألوا حكي أن بن عباس لقيه رجل من اليهود فقال اليهودي : ممن أنت قال : من قريش فقال : أنت من القوم الذين قالوا : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك الآية فهلا عليهم أن يقولوا : إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له إن هؤلاء قوم يجهلون قال بن عباس : وأنت يا إسرائيلي من القوم الذين لم تجف أرجلهم من بلل البحر الذي أغرق فيه فرعون وقومه وأنجى موسى وقومه حتى قالوا : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة فقال لهم موسى : إنكم قوم تجهلون فأطرق اليهودي مفحما ( فأمطر ) أمطر في العذاب ومطر في الرحمة عن أبي عبيدة وقد تقدم < < الأنفال : ( 33 ) وما كان الله . . . . . > > < > ( الانفال 33 ) < > لما قال أبو جهل : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك الآية نزلت وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم كذا في صحيح مسلم وقال بن عباس : لم يعذب أهل قرية حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم منها والمؤمنون يلحقوا بحيث أمروا ( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) بن عباس : كانوا يقولون في الطواف : غفرانك والإستغفار وإن وقع من الفجار يدفع به ضرب من الشرور والإضرار وقيل : إن الإستغفار راجع إلى المسلمين الذين هم بين أظهرهم أي وما كان الله معذبهم وفيهم من يستغفر من المسلمين فلما خرجوا عذبهم الله يوم بدر وغيره قاله الضحاك وغيره وقيل : إن الإستغفار هنا يراد به الإسلام أي وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون أي يسلمون قاله مجاهد وعكرمة وقيل : وهم يستغفرون أي في أصلابهم من يستغفر الله روي عن مجاهد أيضا وقيل : معنى يستغفرون لو استغفروا أي لو استغفروا لم يعذبوا استدعاهم إلى الاستغفار قاله قتادة وبن زيد وقال المدائني عن بعض العلماء قال : كان رجل من العرب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مسرفا على نفسه لم يكن يتحرج فلما أن توفي النبي صلى الله عليه وسلم لبس الصوف ورجع عما كان عليه وأظهر الدين والنسك فقيل له : لو فعلت هذا والنبي صلى الله عليه وسلم حي لفرح بك قال : كان لي أمانان فمضى واحد وبقي الآخر قال الله تبارك وتعالى : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم فهذا أمان والثاني وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون < < الأنفال : ( 34 ) وما لهم ألا . . . . . > > < > ( الانفال 34 ) < > قوله تعالى : ( وما لهم إلا يعذبهم الله ) المعنى : وما يمنعهم من أن يعذبوا أي إنهم مستحقون العذاب لما ارتكبوا من القبائح والأسباب ولكن لكل أجل كتاب فعذبهم الله بالسيف بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم وفي ذلك نزلت : سأل سائل بعذاب واقع المعارج وقال الأخفش : إن أن زائدة قال النحاس : لو كان كما قال لرفع يعذبهم ( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) أي إن المتقين أولياؤه < < الأنفال : ( 35 ) وما كان صلاتهم . . . . . > > < > ( الانفال 35 : 37 ) <

قسم V07/P399–V07/P400

> قال بن عباس : كانت قريش تطوف بالبيت عراة يصفقون ويصفرون فكان ذلك عبادة في ظنهم والمكاء : الصفير والتصدية : التصفيق قاله مجاهد والسدي وبن عمر رضي الله عنهم ومنه قول عنترة : وحليل غانية تركت مجدلا تمكو فريصته كشدق الأعلم أي تصوت ومنه مكت است الدابة إذا نفخت بالريح قال السدي : المكاء الصفير على لحن طائر أبيض بالحجاز يقال له المكاء قال الشاعر : إذا غرد المكاء في غير روضة فويل لأهل الشاء والحمرات قتادة : المكاء ضرب بالأيدي والتصدية صياح وعلى التفسيرين ففيه رد على الجهال من الصوفية الذين يرقصون ويصفقون ويصعقون وذلك كله منكر يتنزه عن مثله العقلاء ويتشبه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت وروى بن جريج وبن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال : المكاء إدخالهم أصابعهم في أفواههم والتصدية : الصفير يريدون أن يشغلوا بذلك محمدا صلى الله عليه وسلم عن الصلاة قال النحاس : المعروف في اللغة ما روي عن بن عمر حكى أبو عبيد وغيره أنه يقال : مكا يمكو مكوا ومكاء إذا صفر وصدى يصدي تصدية إذا صفق ومنه قول عمرو بن الإطنابة : وظلوا جميعا لهم ضجة مكاء لدى البيت بالتصدية أي بالتصفيق سعيد بن جبير وبن زيد : معنى التصدية صدهم عن البيت فالأصل على هذا تصددة فأبدل من أحد الدالين ياء ومعنى ( ليميز الله الخبيث من الطيب ) أي المؤمن من الكافر وقيل : هو عام في كل شيء من الأعمال والنفقات وغير ذلك < < الأنفال : ( 38 ) قل للذين كفروا . . . . . > > < > ( الانفال 38 ) <

قسم V07/P400–V07/P403

> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( قل للذين كفروا ) أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار هذا المعنى وسواء قال بهذه العبارة أو غيرها قال بن عطية : ولو كان كما ذكر الكسائي أنه في مصحف عبد الله بن مسعود قل للذين كفروا إن تنتهوا يغفر لكم لما تأدت الرسالة إلا بتلك الألفاظ بعينها هذا بحسب ما تقتضيه الألفاظ الثانية قوله تعالى : ( إن ينتهوا ) يريد عن الكفر قال بن عطية : ولا بد والحامل على ذلك جواب الشرط يغفر لهم ما قد سلف ومغفرة ما قد سلف لا تكون إلا لمنته عن الكفر ولقد أحسن القائل أبو سعيد أحمد بن محمد الزبيري : يستوجب العفو الفتى إذا اعترف ثم انتهى عما أتاه واقترف لقوله سبحانه في المعترف إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف روى مسلم عن أبي شماسة المهري قال : حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت يبكي طويلا الحديث وفيه : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله ( الحديث قال بن العربي : هذه لطيفة من الله سبحانه من بها على الخلق وذلك أن الكفار يقتحمون الكفر والجرائم ويرتكبون المعاصي والمآثم فلو كان ذلك يوجب مؤاخذة لهم لما استدركوا أبدا توبة ولا نالتهم مغفرة فيسر الله تعالى عليهم قبول التوبة عند الإنابة وبذل المغفرة بالإسلام وهدم جميع ما تقدم ليكون ذلك أقرب لدخولهم في الدين وأدعى إلى قبولهم لكلمة المسلمين ولو علموا أنهم يؤاخذون لما تابوا ولا أسلموا وفي صحيح مسلم : أن رجلا فيمن كان قبلكم قتل تسعة وتسعين نفسا ثم سأل هل له من توبة فجاء عابدا فسأل هل له من توبة فقال : لا توبة لك فقتله فكمل به مائة الحديث فانظروا إلى قول العابد : لا توبة لك فلما علم أنه قد أيأسه قتله فعل الآيس من الرحمة فالتنفير مفسدة للخليفة والتيسير مصلحة لهم وروي عن بن عباس رضي الله عنهما أنه كان إذا جاء إليه رجل لم يقتل فسأل : هل لقاتل من توبة فيقول : لا توبة تخويفا وتحذيرا فإذا جاءه من قتل فسأله : هل لقاتل من توبة قال له : لك توبة تيسيرا وتأليفا وقد تقدم الثالثة قال بن القاسم وبن وهب عن مالك فيمن طلق في الشرك ثم أسلم : فلا طلاق له وكذلك من حلف فأسلم فلا حنث عليه وكذا من وجبت عليه هذه الأشياء فذلك مغفور له فأما من افترى على مسلم ثم أسلم أو سرق ثم أسلم أقيم عليه الحد للفرية والسرقة ولو زنى وأسلم أو اغتصب مسلمة ثم أسلم سقط عنه الحد وروى أشهب عن مالك أنه قال : إنما يعني الله عز وجل ما قد مضى قبل الإسلام من مال أو دم أو شيء قال بن العربي : وهذا هو الصواب لما قدمناه من عموم قوله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وقوله : ( الإسلام يهدم ما قبله ( وما بيناه من المعنى من التيسير وعدم التنفير قلت : أما الكافر الحربي فلا خلاف في إسقاط ما فعله في حال كفره في دار الحرب وأما إن دخل إلينا بأمان فقذف مسلما فإنه يحد وإن سرق قطع وكذلك الذمي إذا قذف حد ثمانين وإذا سرق قطع وإن قتل قتل ولا يسقط الإسلام ذلك عنه لنقضه العهد حال كفره على رواية بن القاسم وغيره قال بن المنذر : واختلفوا في النصراني يزني ثم يسلم وقد شهدت عليه بينة من المسلمين فحكى عن الشافعي رضي الله عنه إذ هو بالعراق لا حد عليه ولا تغريب لقول الله عز وجل : قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف قال بن المنذر : وهذا موافق لما روي عن مالك وقال أبو ثور : إذا أقر وهو مسلم أنه زنى وهو كافر أقيم عليه الحد وحكى عن الكوفي أنه قال : لا يحد الرابعة فأما المرتد إذا أسلم وقد فاتته صلوات وأصاب جنايات وأتلف أموالا فقيل : حكمه حكم الكافر الأصلي إذا أسلم لا يؤخذ بشيء مما أحدثه في حال ارتداده وقال الشافعي في أحد قوليه : يلزمه كل حق لله عز وجل وللآدمي بدليل أن حقوق الآدميين تلزمه فوجب أن تلزمه حقوق الله تعالى وقال أبو حنيفة : ما كان لله يسقط وما كان للآدمي لا يسقط قال بن العربي : وهو قول علمائنا لأن الله تعالى مستغن عن حقه والآدمي مفتقر إليه ألا ترى أن حقوق الله عز وجل لا تجب على الصبي وتلزمه حقوق الآدميين قالوا : وقوله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف عام في الحقوق لله تعالى الخامسة قوله تعالى : ( وإن يعودوا ) يريد إلى القتال لأن لفظة عاد إذا جاءت مطلقة فإنما تتضمن الرجوع إلى حالة كان الإنسان عليها ثم انتقل عنها قال بن عطية : ولسنا نجد في هذه الآية لهؤلاء الكفار حالة تشبه ما ذكرنا إلا القتال ولا يجوز أن يتأول إلى الكفر لأنهم لم ينفصلوا عنه وإنما قلنا ذلك في عاد إذا كانت مطلقة لأنها قد تجيء في كلام العرب داخلة على الابتداء والخبر فيكون معناها معنى صار كما تقول : عاد زيد ملكا يريد صار ومنه قول أمية بن أبي الصلت : تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا وهذه لا تتضمن الرجوع إلى حالة قد كان العائد عليها قبل فهي مقيدة بخبرها ما لا يجوز الاقتصار دونها فحكمها حكم صار قوله تعالى : ( فقد مضت سنة الأولين ) عبارة تجمع الوعيد والتهديد والتمثيل بمن هلك من الأمم في سالف الدهر بعذاب الله < <

قسم V07/P403–V07/P404

الأنفال : ( 39 ) وقاتلوهم حتى لا . . . . . > > < > ( الانفال 39 : 40 ) < > قوله تعالى : ( وقاتلوهم حتى لاتكون فتنة ) أي كفر إلى آخر الآية تقدم معناها وتفسير ألفاظها في البقرة وغيرها والحمد لله تم الجزء السابع من تفسير القرطبي يتلوه إن شاء الله تعالى الجزء الثامن وأوله قوله 8 < > بسم الله الرحمن الرحيم < > تفسير بقية سورة الأنفال < < الأنفال : ( 41 ) واعلموا أنما غنمتم . . . . . > > < > ( الانفال 41 ) <

قسم V07/P404–V08/P020

> قوله تعالى : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربي واليتامى والمساكين وبن السبيل إن كنتم آمنتم بالله ) فيه ست وعشرون مسألة : الأولى قوله تعالى : ( وأعلموا أنما غنمتم من شيء ) الغنيمة في اللغة ما يناله الرجل أو الجماعة بسعي ومن ذلك قول الشاعر : وقد طوفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب وقال آخر : ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه أنى توجه والمحروم محروم والمغنم والغنيمة بمعنى يقال غنم القوم غنما واعلم أن الأتفاق حاصل على أن المراد بقوله تعالى : غنمتم من شيء مال الكفار إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص على ما بيناه ولكن عرف الشرع قيد اللفظ بهذا النوع وسمى الشرع الواصل من الكفار إلينا من الأموال باسمين : غنيمة وفيئا فالشيء الذي يناله المسلمون من عدوهم بالسعي وإيجاف الخيل والركاب يسمى غنيمة ولزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفا والفيء مأخوذ من فاء يفيء إذا رجع وهو كل مال دخل على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف كخراج الأرضين وجزية الجماجم وخمس الغنائم ونحو هذا قال سفيان الثوري وعطاء بن السائب وقيل : إنهما واحد وفيهما الخمس قاله قتادة وقيل : الفيء عبارة عن كل ما صار للمسلمين من الأموال بغير قهر والمعنى متقارب الثانية هذه الآية ناسخة لأول السورة عند الجمهور وقد ادعى بن عبد البر الإجماع على أن هذه الآية نزلت بعد قوله : يسألونك عن الأنفال وأن أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين على ما يأتي بيانه وأن قوله : يسألونك عن الأنفال نزلت في حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر على ما تقدم أول السورة قلت : ومما يدل على صحة هذا ما ذكره إسماعيل بن إسحاق قال : حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا سفيان قال حدثني محمد بن السائب عن أبي صالح عن بن عباس قال : لما كان يوم بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من قتل قتيلا فله كذا ومن أسر أسيرا فله كذا ( وكانوا قتلوا سبعين وأسروا سبعين فجاء أبو اليسر بن عمرو بأسيرين فقال : يا رسول الله إنك وعدتنا من قتل قتيلا فله كذا وقد جئت بأسيرين فقام سعد فقال : يا رسول الله إنا لم يمنعنا زيادة في الأجر ولا جبن عن العدو ولكنا قمنا هذا المقام خشية أن يعطف المشركون فإنك إن تعطي هؤلاء لا يبقى لأصحابك شيء قال : وجعل هؤلاء يقولون وهؤلاء يقولون فنزلت ويسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فسلموا الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نزلت واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه الآية وقد قيل : إنها محكمة غير منسوخة وأن الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليست مقسومة بين الغانمين وكذلك لمن بعده من الأئمة كذا حكاه المازري عن كثير من أصحابنا رضي الله عنهم وأن للإمام أن يخرجها عنهم واحتجوا بفتح مكة وقصة حنين وكان أبو عبيد يقول : افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة ومن على أهلها فردها عليهم ولم يقسمها ولم يجعلها عليهم فيئا ورأى بعض الناس أن هذا جائز للأئمة بعده قلت : وعلى هذا يكون معنى قوله تعالى : واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه والأربعة الأخماس للإمام إن شاء حبسها وإن شاء قسمها بين الغانمين وهذا ليس بشيء لما ذكرناه ولأن الله سبحانه أضاف الغنيمة للغانمين فقال : واعلموا أنما غنمتم من شيء ثم عين الخمس لمن سمى في كتابه وسكت عن الأربعة الأخماس كما سكت عن الثلثين في قوله : وورثه أبواه فلامه الثلث فكان للأب الثلثان اتفاقا وكذا الأربعة الأخماس للغانمين إجماعا على ما ذكره بن المنذر وبن عبد البر والداودي والمازري أيضا والقاضي عياض وبن العربي والأخبار بهذا المعنى متظاهرة وسيأتي بعضها ويكون معنى قوله : يسئلونك عن الأنفال الآية ما ينفله الإمام لمن شاء لما يراه من المصلحة قبل القسمة وقال عطاء والحسن : هي مخصوصة بما شذ من المشركين إلى المسلمين من عبد أو أمة أو دابة يقضي فيها الإمام بما أحب وقيل : المراد بها أنفال السرايا أي غنائمها إن شاء خمسها الإمام وإن شاء نفلها كلها وقال إبراهيم النخعي في الإمام يبعث السرية فيصيبون المغنم : إن شاء الإمام نفله كله وإن شاء خمسه وحكاه أبو عمر عن مكحول وعطاء قال علي بن ثابت : سألت مكحول وعطاء عن الإمام ينفل القوم ما أصابوا قال : ذلك لهم قال أبو عمر : من ذهب إلى هذا تأول قول الله عز وجل : يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول أن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم يضعها حيث شاء ولم ير أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وقيل : غير هذا مما قد أتينا عليه في كتاب ( القبس في شرح موطأ مالك بن أنس ) ولم يقل أحد من العلماء فيما أعلم أن قوله تعالى يسئلونك عن الأنفال الآية ناسخ لقوله : واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه بل قال الجمهور على ما ذكرنا : إن قوله : ما غنمتم ناسخ وهم الذين لا يجوز عليهم التحريف ولا التبديل لكتاب الله تعالى وأما قصة فتح مكة فلا حجة فيها لاختلاف العلماء في فتحها وقد قال أبو عبيد : ولا نعلم مكة يشبهها شيء من البلدان من جهتين : إحداهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الله قد خصه من الأنفال والغنائم ما لم يجعله لغيره وذلك لقوله : يسئلونك عن الأنفال الآية فنرى أن هذا كان خاصا له والجهة الأخرى أنه سن لمكة سننا ليست لشيء من البلاد وأما قصة حنين فقد عوض الأنصار لما قالوا : يعطي الغنائم قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم فقال لهم : ( أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيوتكم ( خرجه مسلم وغيره وليس لغيره أن يقول هذا القول مع أن ذلك خاص به على ما قاله بعض علمائنا والله أعلم الثالثة لم يختلف العلماء أن قوله : واعلموا أنما غنمتم من شيء ليس على عمومه وأنه يدخله الخصوص فمما خصصوه بإجماع أن قالوا : سلب المقتول لقاتله إذا نادى به الإمام وكذلك الرقاب أعني الأسارى الخيرة فيها إلى الإمام بلا خلاف على ما يأتي بيانه ومما خص به أيضا الأرض والمعنى : ما غنمتم من ذهب وفضة وسائر الأمتعة والسبي وأما الأرض فغير داخلة في عموم هذه الآية لما روى أبو داود عن عمر بن الخطاب أنه قال : لولا آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ومما يصحح هذا المذهب ما رواه الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( منعت العراق قفيزها ودرهمها ومنعت الشام مدها ودينارها ( الحديث قال الطحاوي : منعت بمعنى ستمنع فدل ذلك على أنها لا تكون للغانمين لأن ما ملكه الغانمون لا يكون فيه قفيز ولا درهم ولو كانت الأرض تقسم ما بقي لمن جاء بعد الغانمين شيء والله تعالى يقول : والذين جاؤوا من بعدهم بالعطف على قوله : للفقراء المهاجرين قال : وإنما يقسم ما ينقل من موضع إلى موضع وقال الشافعي : كل ما حصل من الغنائم من أهل دار الحرب من شيء قل أو كثر من دار أو أرض أو متاع أو غير ذلك قسم إلا الرجال البالغين فإن الإمام فيهم مخير أن يمن أو يقتل أو يسبي وسبيل ما أخذ منهم وسبى سبيل الغنيمة واحتج بعموم الآية قال والأرض مغنومة لا محالة فوجب أن تقسم كسائر الغنائم وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أفتتح عنوة من خيبر قالوا : ولو جاز أن يدعى الخصوص في الأرض جاز أن يدعى في غير الأرض فيبطل حكم الآية وأما آية الحشر فلا حجة فيها لأن ذلك إنما هو في الفيء لا في الغنيمة وقوله : والذين جاؤوا من بعدهم استئناف كلام بالدعاء لمن سبقهم بالإيمان لا لغير ذلك قالوا : وليس يخلو فعل عمر في توقيفه الأرض من أحد وجهين : إما أن تكون غنيمة استطاب أنفس أهلها وطابت بذلك فوقفها وكذلك روى جرير أن عمر استطاب أنفس أهلها وكذلك صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبي هوازن لما أتوه استطاب أنفس أصحابه عما كان في أيديهم وأما أن يكون ما وقفه عمر فيئا فلم يحتج إلى مراضاة أحد وذهب الكوفيون إلى تخيير الإمام في قسمها أو إقرارها وتوظيف الخراج عليها وتصير ملكا لهم كأرض الصلح : قال شيخنا أبو العباس رضي الله عنه : وكأن هذا جمع بين الدليلين ووسط بين المذهبين وهو الذي فهمه عمر رضي الله عنه قطعا ولذلك قال : لولا آخر الناس فلم يخبر بنسخ فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا بتخصيصه بهم غير أن الكوفيين زادوا على ما فعل عمر فإن عمر إنما وقفها على مصالح المسلمين ولم يملكها لأهل الصلح وهم الذين قالوا للإمام أن يملكها لأهل الصلح الرابعة ذهب مالك وأبو حنيفة والثوري إلى أن السلب ليس للقاتل وأن حكمه حكم الغنيمة إلا أن يقول الأمير : من قتل قتيلا فله سلبه فيكون حينئذ له وقال الليث والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد والطبري وبن المنذر : السلب للقاتل على كل حال قاله الإمام أو لم يقله إلا أن الشافعي رضي الله عنه قال : إنما يكون السلب للقاتل إذا قتل قتيلا مقبلا عليه : وأما إذا قتله مدبرا عنه فلا قال أبو العباس بن سريج من أصحاب الشافعي : ليس الحديث ( من قتل قتيلا فله سلبه ( على عمومه لإجماع العلماء على أن من قتل أسيرا أو امرأة أو شيخا أنه ليس له سلب واحد منهم وكذلك من ذفف على جريح ومن قتل من قطعت يداه ورجلاه قال : وكذلك المنهزم لا يمتنع في انهزامه وهو كالمكتوف قال : فعلم بذلك أن الحديث إنما جعل السلب لمن لقتله معنى زائد أو لمن في قتله فضيلة وهو القاتل في الإقبال لما في ذلك من المؤنة وأما من أثخن فلا وقال الطبري : السلب للقاتل مقبلا قتله أو مدبرا هاربا أو مبارزا إذا كان في المعركة وهذا يرده ما ذكره عبد الرزاق ومحمد بن بكر عن بن جريج قال سمعت نافعا مولى بن عمر يقول : لم نزل نسمع إذا التقى المسلمون والكفار فقتل رجل من المسلمين رجلا من الكفار فإن سلبه له إلا أن يكون في معمعة القتال لأنه حينئذ لا يدري من قتل قتيلا فظاهر هذا يرد قول الطبري لاشتراطه في السلب القتل في المعركة خاصة وقال أبو ثور وبن المنذر : السلب للقاتل في معركة كان أو غير معركة في الإقبال والإدبار والهروب والانتهار على كل الوجوه لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : ( ( من قتل قتيلا فله سلبه ( قلت : روى مسلم عن سلمة بن الأكوع قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هوازن فبينا نحن نتضحى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه ثم انتزع طلقا من حقبه فقيد به الجمل ثم تقدم يتغدى مع القوم وجعل ينظر وفينا ضعفة ورقة في الظهر وبعضنا مشاة إذ خرج يشتد فأتى جمله فأطلق قيده ثم أناخه وقعد عليه فأثاره فاشتد به الجمل فاتبعه رجل على ناقة ورقاء قال سلمة وخرجت أشتد فكنت عند ورك الناقة ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي فضربت رأس الرجل فندر ثم جئت بالجمل أقوده عليه رحله وسلاحه فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه فقال : ( من قتل الرجل ( قالوا : بن الأكوع قال : ( له سلبه أجمع ( فهذا سلمة قتله هاربا غير مقبل وأعطاه سلبه وفيه حجة لمالك من أن السلب لا يستحقه القاتل إلا بإذن الإمام إذ لو كان واجبا له بنفس القتل لما احتاج إلى تكرير نفس هذا القول ومن حجته أيضا ما ذكره أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا أبو الأحوص عن الأسود بن قيس عن بشر بن علقمة قال : بارزت رجلا يوم القادسية فقتلته وأخذت سلبه فأتيت سعدا فخطب سعد أصحابه ثم قال : هذا سلب بشر بن علقمة فهو خير من اثني عشر ألف درهم وإنا قد نفلناه إياه فلو كان السلب للقاتل قضاء من النبي صلى الله عليه وسلم ما احتاج الأمر أن يضيفوا ذلك إلى أنفسهم باجتهادهم ولأخذه القاتل دون أمرهم والله أعلم وفي الصحيح أن معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء ضربا أبا جهل بسيفيهما حتى قتلاه فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( أيكما قتله ( فقال كل واحد منهما : أنا قتلته فنظر في السيفين فقال : ( كلاكما قتله ( وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح وهذا نص على أن السلب ليس للقاتل إذ لو كان له لقسمه النبي صلى الله عليه وسلم بينهما وفي الصحيح أيضا عن عوف بن مالك قال : خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ورافقني مددي من اليمن وساق الحديث وفيه : فقال عوف : يا خالد أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل قال : بلى ولكني استكثرته وأخرجه أبو بكر البرقاني بإسناده الذي أخرجه به مسلم وزاد فيه بيانا أن عوف بن مالك قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يخمس السلب وإن مدديا كان رفيقا لهم في غزوة مؤتة في طرف من الشام قال : فجعل رومي منهم يشتد على المسلمين وهو على فرس أشقر وسرج مذهب ومنطقة ملطخة وسيف محلى بذهب قال : فيغري بهم قال : فتلطف له المددي حتى مر به فضرب عرقوب فرسه فوقع وعلاه بالسيف فقتله وأخذ سلاحه قال : فأعطاه خالد بن الوليد وحبس منه قال عوف : فقلت له أعطه كله أليس قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( السلب للقاتل ( قال : بلى ولكني استكثرته قال عوف : وكان بيني وبينه كلام فقلت له : لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عوف : فلما اجتمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عوف ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لخالد : ( لم لم تعطه ( قال فقال : استكثرته قال : ( فادفعه إليه ( فقلت له : ألم أنجز لك ما وعدتك قال : فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( يا خالد لا تدفعه إليه هل أنتم تاركون لي أمرائي ( فهذا يدل دلالة واضحة على أن السلب لا يستحقه القاتل بنفس القتل بل برأي الإمام ونظره وقال أحمد بن حنبل : لا يكون السلب للقاتل إلا في المبارزة خاصة الخامسة اختلف العلماء في تخميس السلب فقال الشافعي : لا يخمس وقال إسحاق : إن كان السلب يسيرا فهو للقاتل وإن كان كثيرا خمس وفعله عمر بن الخطاب مع البراء بن مالك حين بارز المرزبان فقتله فكانت قيمة منطقته وسواريه ثلاثين ألفا فخمس ذلك أنس عن البراء بن مالك أنه قتل من المشركين مائة رجل إلا رجلا مبارزة وأنهم لما غزوا الزارة خرج دهقان الزارة فقال : رجل ورجل فبرز البراء فاختلفا بسيفيهما ثم اعتنقا فتوركه البراء فقعد على كبده ثم أخذ السيف فذبحه وأخذ سلاحه ومنطقته وأتى به عمر فنفله السلاح وقوم المنطقة بثلاثين ألفا فخمسها وقال : إنها مال وقال الأوزاعي ومكحول : السلب مغنم وفيه الخمس وروي نحوه عن عمر بن الخطاب والحجة للشافعي ما رواه أبو داود عن عوف بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في السلب للقاتل ولم يخمس السلب السادسة ذهب جمهور العلماء إلى أن السلب لا يعطى للقاتل إلا أن يقيم البينة على قتله قال أكثرهم : ويجزئ شاهد واحد على حديث أبي قتادة وقيل : شاهدان أو شاهد ويمين وقال الأوزاعي : يعطاه بمجرد دعواه وليست البينة شرطا في الاستحقاق بل إن اتفق ذلك فهو الأولى دفعا للمنازعة ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أبا قتادة سلب مقتول من غير شهادة ولا يمين ولا تكفي شهادة واحد ولا يناط بها حكم بمجردها وبه قال الليث بن سعد قلت : سمعت شيخنا الحافظ المنذري الشافعي أبا محمد عبد العظيم يقول : إنما أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم السلب بشهادة الأسود بن خزاعى وعبد الله بن أنيس وعلى هذا يندفع النزاع ويزول الإشكال ويطرد الحكم وأما المالكية فيخرج على قولهم أنه لا يحتاج الإمام فيه إلى بينة لأنه من الإمام ابتداء عطية فإن شرط الشهادة كان له وإن لم يشترط جاز أن يعطيه من غير شهادة السابعة واختلفوا في السلب ما هو فأما السلاح وكل ما يحتاج للقتال فلا خلاف أنه من السلب وفرسه إن قاتل عليه وصرع عنه وقال أحمد في الفرس : ليس من السلب وكذلك إن كان في هميانه وفي منطقته دنانير أو جواهر أو نحو هذا فلا خلاف أنه ليس من السلب واختلفوا فيما يتزين به للحرب فقال الأوزاعي : ذلك كله من السلب وقالت فرقة : ليس من السلب وهذا مروي عن سحنون رحمه الله إلا المنطقة فإنها عنده من السلب وقال بن حبيب في الواضحة : والسواران من السلب الثامنة قوله تعالى : ( فأن لله خمسه ) قال أبو عبيد : هذا ناسخ لقوله عز وجل في أول السورة قل الأنفال لله والرسول ولم يخمس رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم بدر فنسخ حكمه في ترك التخميس بهذا إلا أنه يظهر من قول علي رضي الله عنه في صحيح مسلم كان لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاني شارفا من الخمس يومئذ الحديث أنه خمس فإذا كان هذا فقول أبي عبيد مردود قال بن عطية : ويحتمل أن يكون الخمس الذي ذكر علي من إحدى الغزوات التي كانت بين بدر وأحد فقد كانت غزوة بني سليم وغزوة بني المصطلق وغزوة ذي أمر وغزوة بحران ولم يحفظ فيها قتال ولكن يمكن أن غنمت غنائم والله أعلم قلت : وهذا التأويل يرده قول علي يومئذ وذلك إشارة إلى يوم قسم غنائم بدر إلا أنه يحتمل أن يكون من الخمس إن كان لم يقع في بدر تخميس من خمس سرية عبد الله بن جحش فإنها أول غنيمة غنمت في الإسلام وأول خمس كان في الإسلام ثم نزل القرآن واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وهذا أولى من التأويل الأول والله أعلم التاسعة ما في قوله : ماغنمتم بمعنى الذي والهاء محذوفة أي الذي غنمتموه ودخلت الفاء لأن في الكلام معنى المجازاة وأن الثانية توكيد للأولى ويجوز كسرها وروي عن أبي عمرو قال الحسن : هذا مفتاح كلام الدنيا والآخرة لله ذكره النسائي واستفتح عز وجل الكلام في الفيء والخمس بذكر نفسه لأنهما أشرف الكسب ولم ينسب الصدقة إليه لأنها أوساخ الناس العاشرة واختلف العلماء في كيفية قسم الخمس على أقوال ستة : الأول قالت طائفة : يقسم الخمس على ستة فيجعل السدس للكعبة وهو الذي لله والثاني لرسول الله صلى الله عليه وسلم والثالث لذوي القربى والرابع لليتامى والخامس للمساكين والسادس لابن السبيل وقال بعض أصحاب هذا القول : يرد السهم الذي لله على ذوي الحاجة الثاني قال أبو العالية والربيع : تقسم الغنيمة على خمسة فيعزل منها سهم واحد وتقسم الأربعة على الناس ثم يضرب بيده على السهم الذي عزله فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة ثم يقسم بقية السهم الذي عزله على خمسة سهم للنبي صلى الله عليه وسلم وسهم لذوي القربى وسهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لابن السبيل الثالث قال المنهال بن عمرو : سألت عبد الله بن محمد بن علي وعلي بن الحسين عن الخمس فقال : هو لنا قلت لعلي : إن الله تعالى يقول : واليتامى والمساكين وبن السبيل فقال : أيتامنا ومساكيننا الرابع قال الشافعي : يقسم على خمسة ورأى أن سهم الله ورسوله واحد وأنه يصرف في مصالح المؤمنين والأربعة الأخماس على الأربعة الأصناف المذكورين في الآية الخامس قال أبو حنيفة : يقسم على ثلاثة : اليتامى والمساكين وبن السبيل وارتفع عنده حكم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بموته كما ارتفع حكم سهمه قالوا : ويبدأ من الخمس بإصلاح القناطر وبناء المساجد وأرزاق القضاة والجند وروي نحو هذا عن الشافعي أيضا السادس قال مالك : هو موكول إلى نظر الإمام واجتهاده فيأخذ منه من غير تقدير ويعطي منه القرابة باجتهاد ويصرف الباقي في مصالح المسلمين وبه قال الخلفاء الأربعة وبه عملوا وعليه يدل قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم ( فإنه لم يقسمه أخماسا ولا أثلاثا وإنما ذكر في الآية من ذكر على وجه التنبيه عليهم لأنهم من أهم من يدفع إليه قال الزجاج محتجا لمالك : قال الله عز وجل : يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وبن السبيل وللرجل جائز بإجماع أن ينفق في غير هذه الأصناف إذا رأى ذلك وذكر النسائي عن عطاء قال : خمس الله وخمس رسوله واحد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل منه ويعطي منه ويضعه حيث شاء ويصنع به ماشاء الحادية عشرة قوله تعالى : ( ولذي القربى ) ليست اللام لبيان الاستحقاق والملك وإنما هي لبيان المصرف والمحل والدليل عليه ما رواه مسلم أن الفضل بن عباس وربيعة بن عبد المطلب أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فتكلم أحدهما فقال : يا رسول الله أنت أبر الناس وأوصل الناس وقد بلغنا النكاح فجئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات فنؤدي إليك كما يؤدي الناس ونصيب كما يصيبون فسكت طويلا حتى أردنا أن نكلمه قال : وجعلت زينب تلمع إلينا من وراء الحجاب ألا تكلماه قال : ثم قال : ( إن الصدقة لا تحل لآل محمد إنما هي أوساخ الناس ادعوا لي محمية وكان على الخمس ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب ( قال : فجاءاه فقال لمحمية : ( أنكح هذا الغلام ابنتك ( للفضل بن عباس فأنكحه وقال لنوفل بن الحارث : ( أنكح هذا الغلام ابنتك ( يعني ربيعة بن عبد المطلب وقال لمحمية : ( أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا ( وقال صلى الله عليه وسلم : ( ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم ( وقد أعطى جميعه وبعضه وأعطى منه المؤلفة قلوبهم وليس ممن ذكرهم الله في التقسيم فدل على ما ذكرناه والموفق الإله الثانية عشرة واختلف العلماء في ذوي القربي على ثلاثة أقوال : قريش كلها قاله بعض السلف لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صعد الصفا جعل يهتف : ( يا بني فلان يا بني عبد مناف يا بني عبد المطلب يا بني كعب يا بني مرة يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار ( الحديث وسيأتي في الشعراء وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور ومجاهد وقتادة وبن جريج ومسلم بن خالد : بنو هاشم وبنو عبد المطلب لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قسم سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني عبد المطلب قال : ( إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام إنما بنو هاشم وبنو عبد المطلب شيء واحد ( وشبك بين أصابعه أخرجه النسائي والبخاري قال البخاري : قال الليث حدثني يونس وزاد : ولم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل شيئا قال بن إسحاق : وعبد شمس وهاشم والمطلب إخوة لأم وأمهم عاتكة بنت مرة وكان نوفل أخاهم لأبيهم قال النسائي : وأسهم النبي صلى الله عليه وسلم لذوي القربي وهم بنو هاشم وبنو المطلب بينهم الغني والفقير وقد قيل : إنه للفقير منهم دون الغني كاليتامى وبن السبيل وهو أشبه القولين بالصواب عندي والله أعلم والصغير والكبير والذكر والأنثى سواء لأن الله تعالى جعل ذلك لهم وقسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم وليس في الحديث أنه فضل بعضهم على بعض الثالث بنو هاشم خاصة قاله مجاهد وعلي بن الحسين وهو قول مالك والثوري والأوزاعي وغيرهم الثالثة عشرة لما بين الله عز وجل حكم الخمس وسكت عن الأربعة الأخماس دل ذلك على أنها ملك للغانمين وبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله : ( وأيما قرية عصت الله ورسوله فإن خمسها لله ورسوله ثم هي لكم ( وهذا ما لا خلاف فيه بين الأمة ولا بين الأئمة على ما حكاه بن العربي في ( أحكامه ) وغيره بيد أن الإمام إن رأى أن يمن على الأسارى بالإطلاق فعل وبطلت حقوق الغانمين فيهم كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بثمامة بن أثال وغيره وقال : ( لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى يعني أسارى بدر لتركتهم له ( أخرجه البخاري مكافأة له لقيامه في شأن نقض الصحيفة وله أن يقتل جميعهم وقد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط من بين الأسرى صبرا وكذلك النضر بن الحارث قتله بالصفراء صبرا وهذا ما لا خلاف فيه وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سهم كسهم الغانمين حضر أو غاب وسهم الصفي يصطفي سيفا أو سهما أو خادما أو دابة وكانت صفية بنت حيي من الصفي من غنائم خيبر وكذلك ذو الفقار كان من الصفي وقد انقطع بموته إلا عند أبي ثور فإنه رآه باقيا للإمام يجعله مجعل سهم النبي صلى الله عليه وسلم وكانت الحكمة في ذلك أن أهل الجاهلية كانوا يرون للرئيس ربع الغنيمة قال شاعرهم : لك المرباع منها والصفايا وحكمك والنشيطة والفضول وقال آخر : منا الذي ربع الجيوش لصلبه عشرون وهو يعد في الأحياء يقال : ربع الجيش يربعه رباعة إذا أخذ ربع الغنيمة قال الأصمعي : ربع في الجاهلية وخمس في الإسلام فكان يأخذ بغير شرع ولا دين الربع من الغنيمة ويصطفي منها ثم يتحكم بعد الصفي في أي شيء أراد وكان ما شذ منها وما فضل من خرثي ومتاع له فأحكم الله سبحانه الدين بقوله : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وأبقى سهم الصفي لنبيه صلى الله عليه وسلم وأسقط حكم الجاهلية وقال عامر الشعبي : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سهم يدعي الصفي إن شاء عبدا أو أمة أو فرسا يختاره قبل الخمس أخرجه أبو داود وفي حديث أبي هريرة قال : فيلقى العبد فيقول : ( أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع ( الحديث أخرجه مسلم تربع بالباء الموحدة من تحتها : تأخذ المرباع أي الربع مما يحصل لقومك من الغنائم والكسب وقد ذهب بعض أصحاب الشافعي رضي الله عنه إلى أن خمس الخمس كان النبي صلى الله عليه وسلم يصرفه في كفاية أولاده ونسائه ويدخر من ذلك قوت سنته ويصرف الباقي في الكراع والسلاح وهذا يرده ما رواه عمر قال : كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة فكان ينفق على نفسه منها قوت سنة وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله أخرجه مسلم وقال : ( والخمس مردود عليكم ( الرابعة عشرة ليس في كتاب الله تعالى دلالة على تفضيل الفارس على الراجل بل فيه أنهم سواء لأن الله تعالى جعل الأربعة أخماس لهم ولم يخص راجلا من فارس ولولا الأخبار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم لكان الفارس كالراجل والعبد كالحر والصبي كالبالغ وقد اختلف العلماء في قسمة الآربعة الأخماس فالذي عليه عامة أهل العلم فيما ذكر بن المنذر أنه يسهم للفارس سهمان وللراجل سهم وممن قال ذلك مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة وكذلك قال الأوزاعي ومن وافقه من أهل الشام وكذلك قال الثوري ومن وافقه من أهل العراق وهو قول الليث بن سعد ومن تبعه من أهل مصر وكذلك قال الشافعي رضي الله عنه وأصحابه وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور ويعقوب ومحمد قال بن المنذر : ولا نعلم أحدا خالف في ذلك إلا النعمان فإنه خالف فيه السنن وما عليه جل أهل العلم في القديم والحديث قال : لا يسهم للفارس إلا سهم واحد قلت : ولعله شبه عليه بحديث بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل للفارس سهمين وللراجل سهما خرجه الدارقطني وقال : قال الرمادي كذا يقول بن نمير قال لنا النيسابوري : هذا عندي وهم من بن أبي شيبة أو من الرمادي لأن أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن بشر وغيرهما رووه عن بن عمر رضي الله عنهما بخلاف هذا وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم سهما له وسهمين لفرسه هكذا رواه عبد الرحمن بن بشر عن عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر وذكر الحديث وفي صحيح البخاري عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما وهذا نص وقد روى الدارقطني عن الزبير قال : أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أسهم يوم بدر سهمين لفرسي وسهما لي وسهما لأمي من ذوي القرابة وفي رواية : وسهما لأمه سهم ذوي القربى وخرج عن بشير بن عمرو بن محصن قال : أسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لفرسي أربعة أسهم ولي سهما فأخذت خمسة أسهم وقيل : إن ذلك راجع إلى اجتهاد الإمام فينفذ ما رأى والله أعلم الخامسة عشرة لايفاضل بين الفارس والراجل بأكثر من فرس واحد وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة : يسهم لأكثر من فرس واحد لأنه أكثر عنا وأعظم منفعة وبه قال بن الجهم من أصحابنا ورواه سحنون عن بن وهب ودليلنا أنه لم ترد رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن يسهم لأكثر من فرس واحد وكذلك الأئمة بعده ولأن العدو لا يمكن أن يقاتل إلا على فرس واحد وما زاد على ذلك فرفاهية وزيادة عدة وذلك لا يؤثر في زيادة السهمان كالذي معه زيادة سيوف أو رماح واعتبارا بالثالث والرابع وقد روي عن سليمان بن موسى أنه يسهم لمن كان عنده أفراس لكل فرس سهم السادسة عشرة لايسهم إلا للعتاق من الخيل لما فيها من الكر والفر وما كان من البراذين والهجن بمثابتها في ذلك وما لم يكن كذلك لم يسهم له وقيل : إن أجازها الإمام أسهم لها لأن الانتفاع بها يختلف بحسب الموضع فالهجن والبراذين تصلح للمواضع المتوعرة كالشعاب والجبال والعتاق تصلح للمواضع التي يتأتى فيها الكر والفر فكان ذلك متعلقا برأي الإمام والعتاق : خيل العرب والهجن والبراذين : خيل الروم السابعة عشرة واختلف علماؤنا في الفرس الضعيف فقال أشهب وبن نافع : لا يسهم له لأنه لا يمكن القتال عليه فأشبه الكسير وقيل : يسهم له لأنه يرجى برؤه ولا يسهم للأعجف إذا كان في حيز ما لا ينتفع به كما لا يسهم للكسير فأما المريض مرضا خفيفا مثل الرهيص وما يجري مجراه مما لا يمنعه المرض عن حصول المنفعة المقصودة منه فإنه يسهم له ويعطى الفرس المستعار والمستأجر وكذلك المغصوب وسهمه لصاحبه ويستحق السهم للخيل وإن كانت في السفن ووقعت الغنيمة في البحر لأنها معدة للنزول إلى البر الثامنة عشرة لاحق في الغنائم للحشوة كالأجراء والصناع الذين يصحبون الجيش للمعاش لأنهم لم يقصدوا قتالا ولا خرجوا مجاهدين وقيل : يسهم لهم لقوله صلى الله عليه وسلم : ( الغنيمة لمن شهد الوقعة ( أخرجه البخاري وهذا لا حجة فيه لأنه جاء بيانا لمن باشر الحرب وخرج إليه وكفى ببيان الله عز وجل المقاتلين وأهل المعاش من المسلمين حيث جعلهم فرقتين متميزتين لكل واحدة حالها في حكمها فقال : علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله المزمل إلا أن هؤلاء إذا قاتلوا لا يضرهم كونهم على معاشهم لأن سبب الاستحقاق قد وجد منهم وقال أشهب لا يستحق أحد منهم وإن قاتل وبه قال بن القصار في الأجير : لا يسهم له وإن قاتل وهذا يرده حديث سلمة بن الأكوع قال : كنت تبيعا لطلحة بن عبيد الله أسقي فرسه وأحسه وأخدمه وآكل من طعامه الحديث وفيه : ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين سهم الفارس وسهم الراجل فجمعهما لي خرجه مسلم واحتج بن القصار ومن قال بقوله بحديث عبد الرحمن بن عوف ذكره عبد الرزاق وفيه : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن : ( هذه الثلاثة الدنانير حظه ونصيبه من غزوته في أمر دنياه وآخرته ( التاسعة عشرة فأما العبيد والنساء فمذهب الكتاب أنه لا يسهم لهم ولا يرضخ وقيل : يرضخ لهم وبه قال جمهور العلماء وقال الأوزاعي : إن قاتلت المرأة أسهم لها وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم للنساء يوم خيبر قال : وأخذ المسلمون بذلك عندنا وإلى هذا القول مال بن حبيب من أصحابنا خرج مسلم عن بن عباس أنه كان في كتابه إلى نجدة : تسألني هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء وقد كان يغزو بهن فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة وأما بسهم فلم يضرب لهن وأما الصبيان فإن كان مطيقا للقتال ففيه عندنا ثلاثة أقوال : الإسهام ونفيه حتى يبلغ لحديث بن عمر وبه قال أبو حنيفة والشافعي والتفرقة بين أن يقاتل فيسهم له أو لايقاتل فلا يسهم له والصحيح الأول لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة أن يقتل منهم من أنبت ويخلي منهم من لم ينبت وهذه مراعاة لإطاقة القتال لا للبلوغ وقد روى أبو عمر في الإستيعاب عن سمرة بن جندب قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عليه الغلمان من الأنصار فيلحق من أدرك منهم فعرضت عليه عاما فألحق غلاما وردني فقلت : يا رسول الله ألحقته ورددتني ولو صارعني صرعته قال : فصارعني فصرعته فألحقني وأما العبيد فلا يسهم لهم أيضا ويرضخ لهم الموفية عشرين الكافر إذا حضر بإذن الإمام وقاتل ففي الإسهام له عندنا ثلاثة أقوال : الإسهام ونفيه وبه قال مالك وبن القاسم زاد بن حبيب : ولا نصيب لهم ويفرق في الثالث وهو لسحنون بين أن يستقل المسلمون بأنفسهم فلا يسهم له أو لا يستقلوا ويفتقروا إلى معونته فيسهم له فإن لم يقاتل فلا يستحق شيئا وكذلك العبيد مع الأحرار وقال الثوري والأوزاعي : إذا استعين بأهل الذمة أسهم لهم وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يسهم لهم ولكن يرضخ لهم وقال الشافعي رضي الله عنه : يستأجرهم الإمام من مال لا مالك له بعينه فإن لم يفعل أعطاهم سهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال في موضع آخر : يرضخ للمشركين إذا قاتلوا مع المسلمين قال أبو عمر : اتفق الجميع أن العبد وهو ممن يجوز أمانه إذا قاتل لم يسهم له ولكن يرضخ فالكافر بذلك أولى ألا يسهم له الحادية والعشرون لو خرج العبد وأهل الذمة لصوصا وأخذوا مال أهل الحرب فهو لهم ولا يخمس لأنه لم يدخل في عموم قوله عز وجل : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ) أحد منهم ولا من النساء فأما الكفار فلا مدخل لهم من غير خلاف وقال سحنون لا يخمس ما ينوب العبد وقال بن القاسم : يخمس لأنه يجوز أن يأذن له سيده في القتال ويقاتل على الدين بخلاف الكافر وقال أشهب في كتاب محمد : إذا خرج العبد والذمي من الجيش وغنما فالغنيمة للجيش دونهم الثانية والعشرون سبب استحقاق السهم شهود الوقعة لنصر المسلمين على ما تقدم فلو شهد آخر الوقعة استحق ولو حضر بعد انقضاء القتال فلا ولو غاب بانهزام فكذلك فإن كان قصد التحيز إلى فئة فلا يسقط استحقاقه روي البخاري وأبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبان بن سعيد على سرية من المدينة قبل نجد فقدم أبان بن سعيد وأصحابه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد أن فتحها وإن حزم خيلهم ليف فقال أبان : أقسم لنا يا رسول الله قال أبو هريرة : فقلت لا تقسم لهم يا رسول الله فقال أبان : أنت بها يا وبرا تحدر علينا من رأس ضال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إجلس يا أبان ( ولم يقسم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الثالثة والعشرون واختلف العلماء فيمن خرج لشهود الوقعة فمنعه العذر منه كمرض ففي ثبوت الإسهام له ونفيه ثلاثة أقوال : يفرق في الثالث وهو المشهور فيثبته إن كان الضلال قبل القتال وبعد الإدراب وهو الأصح قاله بن العربي وينفيه إن كان قبله وكمن بعثه الأمير من الجيش في أمر من مصلحة الجيش فشغله ذلك عن شهود الوقعة فإنه يسهم له قاله بن المواز ورواه بن وهب وبن نافع عن مالك وروي لا يسهم له بل يرضخ له لعدم السبب الذي به يستحق به السهم والله أعلم وقال أشهب : يسهم للأسير وإن كان في الحديد والصحيح أنه لا يسهم له لأنه ملك مستحق بالقتال فمن غاب أو حضر مريضا كمن لم يحصر الرابعة والعشرون الغالب المطلق لا يسهم له ولم يسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لغائب قط إلا يوم خيبر فإنه أسهم لأهل الحديبية من حضر منهم ومن غاب لقول الله عز وجل : وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها الفتح قاله موسى بن عقبة وروي ذلك عن جماعة من السلف وقسم يوم بدر لعثمان ولسعيد بن زيد وطلحة وكانوا غائبين فهم كمن حضرها إن شاء الله تعالى فأما عثمان فإنه تخلف على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمره من أجل مرضها فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره فكان كمن شهدها وأما طلحة بن عبيد الله فكان بالشام في تجارة فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره فيعد لذلك في أهل بدر وأما سعيد بن زيد فكان غائبا بالشام أيضا فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره فهو معدود في البدريين قال بن العربي : أما أهل الحديبية فكان ميعادا من الله اختص به أولئك النفر فلا يشاركهم فيه غيرهم وأما عثمان وسعيد وطلحة فيحتمل أن يكون أسهم لهم من الخمس لأن الأمة مجمعة على أن من بقي لعذر فلا يسهم له قلت : الظاهر أن ذلك مخصوص بعثمان وطلحة وسعيد فلا يقاس عليهم غيرهم وأن سهمهم كان من صلب الغنيمة كسائر من حضرها لا من الخمس هذا الظاهر من الأحاديث والله أعلم وقد روى البخاري عن بن عمر قال : لما تغيب عثمان عن بدر فإنه كان تحته ابنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه ( الخامسة والعشرون قوله تعالى : ( إن كنتم آمنتم بالله ) قال الزجاج عن فرقة : المعنى فاعلموا أن الله مولاكم إن كنتم ف إن متعلقة بهذا الوعد وقالت : فرقة : إن إن متعلقة بقوله واعلموا أنما غنمتم قال بن عطية : وهذا هو الصحيح لأن قوله واعلموا يتضمن الأمر بالإنقياد والتسليم لأمر الله في الغنائم فعلق إن بقوله : واعلموا على هذا المعنى أي إن كنتم مومنين بالله فانقادوا وسلموا لأمر الله فيما أعلمكم به من حال قسمة الغنيمة قوله تعالى : ( وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان ) ما في موضع خفض عطف على اسم الله يوم الفرقان أي اليوم الذي فرقت فيه بين الحق والباطل وهو يوم بدر ( يوم التقى الجمعان ) حزب الله وحزب الشيطان ( والله على كل شيء قدير < <

قسم V08/P020–V08/P021

الأنفال : ( 42 ) إذ أنتم بالعدوة . . . . . > > < > ( الانفال 42 ) < > قوله تعالى : ( إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوة ) أي أنزلنا إذ أنتم على هذه الصفة أو يكون المعنى : واذكروا إذ أنتم والعدوة : جانب الوادي وقرئ بضم العين وكسرها فعلى الضم يكون الجمع عدي وعلى الكسر عدي مثل لحية ولحي وفرية وفري والدنيا : تأنيث الأدنى والقصوى : تأنيث الأقصى من دنا يدنو وقصا يقصو ويقال : القصيا والأصل الواو وهي لغة أهل الحجاز قصوى فالدنيا كانت مما يلي المدينة والقصوى مما يلي مكة أي إذ أنتم نزول بشفير الوادي بالجانب الأدنى إلى المدينة وعدوكم بالجانب الأقصى ( والركب أسفل منكم ) يعني ركب أبي سفيان وغيره كانوا في موضع أسفل منهم إلى ساحل البحر فيه الأمتعة وقيل : هي الإبل التي كانت تحمل أمتعتهم وكانت في موضع يأمنون عليها توفيقا من الله عز وجل لهم فذكرهم نعمه عليهم الركب ابتداء أسفل منكم ظرف في موضع الخبر أي مكانا أسفل منكم وأجاز الأخفش والكسائي والفراء والركب أسفل منكم أي أشد تسفلا منكم والركب جمع راكب ولا تقول العرب : ركب إلا للجماعة الراكبي الإبل وحكى بن السكيت وأكثر أهل اللغة أنه لا يقال راكب وركب إلا للذي على الإبل ولا يقال لمن كان على فرس أو غيرها راكب والركب والأركب والركبان والراكبون لا يكونون إلا على جمال عن بن فارس ( ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ) أي لم يكن يقع الإتفاق لكثرتهم وقلتكم فإنكم لو عرفتم كثرتهم لتأخرتم فوفق الله عز وجل لكم ( ليقضي الله أمرا كان مفعولا ) من نصر المؤمنين وإظهار الدين واللام في ليقضي متعلقة بمحذوف والمعنى : جمعهم ليقضي الله ثم كررها فقال : ( ليهلك أي جمعهم هنالك ليقضي أمرا ( ليهلك من هلك ) من في موضع رفع ويحيا في موضع نصب عطف على ليهلك والبينة إقامة الحجة والبرهان أي ليموت من يموت عن بينة رآها وعبرة عاينها فقامت عليه الحجة وكذلك حياة من يحيا وقال بن إسحاق : ليكفر من كفر بعد حجة قامت عليه وقطعت عذره ويؤمن من آمن على ذلك وقرئ من حيي بياءين على الأصل وبياء واحدة مشددة الأولى قراءة أهل المدينة والبزي وأبي بكر والثانية قراءة الباقين وهي اختيار أبي عبيد لأنها كذلك وقعت في المصحف < < الأنفال : ( 43 ) إذ يريكهم الله . . . . . > > < > ( الانفال 43 ) < > قال مجاهد : رآهم النبي صلى الله عليه وسلم في منامه قليلا فقص ذلك على أصحابه فثبتهم الله بذلك وقيل : عني بالمنام محل النوم وهو العين أي في موضع منامك فحذف عن الحسن قال الزجاج وهذا مذهب حسن ولكن الأولى أسوغ في العربية لأنه قد جاء وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم فدل بهذا على أن هذه رؤية الالتقاء وأن تلك رؤية النوم ومعنى ( لفشلتم ) لجبنتم عن الحرب ( ولتنازعتم في الأمر ) اختلفتم ( ولكن الله سلم ) أي سلمكم من المخالفة بن عباس : من الفشل ويحتمل منهما وقيل : سلم أي أتم أمر المسلمين بالظفر < < الأنفال : ( 44 ) وإذ يريكموهم إذ . . . . . > > < > ( الانفال 44 ) <

قسم V08/P021–V08/P023

> قوله تعالى : ( وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينهم قليلا ) هذا في اليقظة ويجوز حمل الأولى على اليقظة أيضا إذا قلت : المنام موضع النوم وهو العين فتكون الأولى على هذا خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم وهذه للجميع قال بن مسعود : قلت لإنسان كان بجانبي يوم بدر : أتراهم سبعين فقال : هم نحو المائة فأسرنا رجلا فقلنا : كم كنتم فقال : كنا ألفا ( ويقللكم في أعينهم ) كان هذا في ابتداء القتال حتى قال أبو جهل في ذلك اليوم : إنما هم أكلة جزور خذوهم أخذا واربطوهم بالحبال فلما أخذوا في القتال عظم المسلمون في أعينهم فكثروا كما قال : يرونهم مثليهم رأي العين حسب ماتقدم في آل عمران بيانه ( ليقضي الله أمرا كان مفعولا ) تكرر هذا لأن المعنى في الأول من اللقاء وفي الثاني من قتل المشركين وإعزاز الدين وهو إتمام النعمة على المسلمين ( وإلى الله ترجع الأمور ) أي مصيرها ومردها إليه < < الأنفال : ( 45 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( الانفال 45 ) < > قوله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة ) أي جماعة ( فاثبتوا ) أمر بالثبات عند قتال الكفار كما في الآية قبلها النهي عن الفرار عنهم فالتقى الأمر والنهي على سواء وهذا تأكيد على الوقوف للعدو والتجلد له قوله تعالى : ( واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ) للعلماء في هذا الذكر ثلاثة أقوال : الأول اذكروا الله عند جزع قلوبكم فإن ذكره يعين على الثبات في الشدائد الثاني اثبتوا بقلوبكم واذكروه بألسنتكم فإن القلب لا يسكن عند اللقاء ويضطرب اللسان فأمر بالذكر حتى يثبت القلب على اليقين ويثبت اللسان على الذكر ويقول ما قاله أصحاب طالوت : ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين وهذه الحالة لا تكون إلا عن قوة المعرفة واتقاد البصيرة وهي الشجاعة المحمودة في الناس الثالث اذكروا ما عندكم من وعد الله لكم في ابتياعه أنفسكم ومثامنته لكم قلت : والأظهر أنه ذكر اللسان الموافق للجنان قال محمد بن كعب القرظي : لو رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا يقول الله عز وجل : ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا ولرخص للرجل يكون في الحرب يقول الله عز وجل : إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا وقال قتادة : افترض الله جل وعز ذكره على عباده أشغل ما يكونون عند الضراب بالسيوف وحكم هذا الذكر أن يكون خفيا لأن رفع الصوت في مواطن القتال رديء مكروه إذا كان الذاكر واحدا فأما إذا كان من الجميع عند الحملة فحسن لأنه يفت في أعضاد العدو وروي أبو داود عن قيس بن عباد قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون الصوت عند القتال وروى أبو بردة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك قال بن عباس : يكره التلثم عند القتال قال بن عطية : وبهذا والله أعلم استن المرابطون بطرحه عند القتال على صيانتهم به < < الأنفال : ( 46 ) وأطيعوا الله ورسوله . . . . . > > < > ( الانفال 46 ) <

قسم V08/P023–V08/P026

> قوله تعالى : ( وأطيعوا الله ورسوله ولاتنازعوا ) هذا استمرار على الوصية لهم والأخذ على أيديهم في اختلافهم في أمر بدر وتنازعهم ( فتفشلوا ) نصب بالفاء في جواب النهي ولا يجيز سيبويه حذف الفاء والجزم وأجازه الكسائي وقرئ تفشلوا بكسر الشين وهو غير معروف ( وتذهب ريحكم ) أي قوتكم ونصركم كما تقول : الريح لفلان إذا كان غالبا في الأمر قال الشاعر : إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل خافقة سكون وقال قتادة وبن زيد : إنه لم يكن نصر قط إلا بريح تهب فتضرب في وجوه الكفار ومنه قوله عليه السلام : ( نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور ( قال الحكم : وتذهب ريحكم يعني الصبا إذ بها نصر محمد عليه الصلاة والسلام وأمته وقال مجاهد : وذهبت ريح أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين نازعوه يوم أحد قوله تعالى : ( واصبروا إن الله مع الصابرين ) أمر بالصبر وهو محمود في كل المواطن وخاصة موطن الحرب كما قال : إذا لقيتم فئة فاثبتوا < < الأنفال : ( 47 ) ولا تكونوا كالذين . . . . . > > < > ( الانفال 47 ) < > يعني أبا جهل وأصحابه الخارجين يوم بدر لنصرة العير خرجوا بالقيان والمغنيات والمعازف فلما وردوا الجحفة بعث خفاف الكناني وكان صديقا لأبي جهل بهدايا إليه مع بن له وقال : إن شئت أمددتك بالرجال وإن شئت أمددتك بنفسي مع من خف من قومي فقال أبو جهل : إن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد فوالله ما لنا بالله من طاقة وإن كنا نقاتل الناس فوالله إن بنا على الناس لقوة والله لا نرجع عن قتال محمد حتى نرد بدرا فنشرب فيها الخمور وتعزف علينا القيان فإن بدرا موسم من مواسم العرب وسوق من أسواقهم حتى تسمع العرب بمخرجنا فتهابنا آخر الأبد فوردوا بدرا ولكن جرى ما جرى من هلاكهم والبطر في اللغة التقوية بنعم الله عز وجل وما ألبسه من العافية على المعاصي وهو مصدر في موضع الحال أي خرجوا بطرين مرائين صادين وصدهم إضلال الناس < < الأنفال : ( 48 ) وإذ زين لهم . . . . . > > < > ( الانفال 48 ) < > روي أن الشيطان تمثل لهم يومئذ في صورة سراقة بن مالك بن جعشم وهو من بني بكر بن كنانة وكانت قريش تخاف من بني بكر أن يأتوهم من ورائهم لأنهم قتلوا رجلا منهم فلما تمثل لهم قال ما أخبر الله به عنه وقال الضحاك : جاءهم إبليس يوم بدر برايته وجنوده وألقى في قلوبهم أنهم لن يهزموا وهم يقاتلون على دين آبائهم وعن بن عباس قال : أمد الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بألف من الملائكة فكان جبريل عليه السلام في خمسمائة من الملائكة مجنبة وميكائيل في خمسمائة من الملائكة مجنبة وجاء إبليس في جند من الشياطين ومعه راية في صورة رجال من بني مدلج والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم فقال الشيطان للمشركين : لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما اصطف القوم قال أبو جهل : اللهم أولانا بالحق فآنصره ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فقال : ( يا رب إنك إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا ( فقال جبريل : ( خذ قبضة من التراب ( فأخذ قبضة من التراب فرمى بها وجوههم فما من المشركين من أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه فولوا مدبرين وأقبل جبريل عليه السلام إلى إبليس فلما رآه كانت يده في يد رجل من المشركين انتزع إبليس يده ثم ولى مدبرا وشيعته فقال له الرجل : يا سراقة ألم تزعم أنك لنا جار قال : إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون ذكره البيهقي وغيره وفي موطأ مالك عن إبراهيم بن أبي عبلة عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما رأى الشيطان نفسه يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر ( قيل : وما رأى يوم بدر يا رسول الله قال ( أما إنه رأى جبريل يزع الملائكة ( ومعنى نكص : رجع بلغة سليم عن مؤرج وغيره وقال الشاعر : ليس النكوص على الأدبار مكرمة إن المكارم إقدام على الأسل وقال آخر : وما ينفع المستأخرين نكوصهم ولا ضر أهل السابقات التقدم وليس ها هنا قهقري بل هو فرار كما قال : ( إذا سمع الأذان أدبر وله ضراط ( إني أخاف الله ) قيل : خاف إبليس أن يكون يوم بدر اليوم الذي أنظر إليه وقيل : كذب إبليس في قوله : إني أخاف الله ولكن علم أنه لا قوة له ويجمع جار على أجوار وجيران وفي القليل جيرة < <

قسم V08/P026–V08/P028

الأنفال : ( 49 ) إذ يقول المنافقون . . . . . > > < > ( الانفال 49 ) < > قيل : المنافقون : الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر والذين في قلوبهم مرض : الشاكون وهم دون المنافقين لأنهم حديثو عهد بالإسلام وفيهم بعض ضعف نية قالوا عند الخروج إلى القتال وعند التقاء الصفين : غر هؤلاء دينهم وقيل : هما واحد وهو أولى ألا ترى إلى قوله عز وجل : الذين يؤمنون بالغيب ثم قال والذين يؤمنون بما أنزل إليك وهما لواحد < < الأنفال : ( 50 ) ولو ترى إذ . . . . . > > < > ( الانفال 50 : 51 ) < > قيل : أراد من بقي ولم يقتل يوم بدر وقيل : هي فيمن قتل ببدر وجواب لو محذوف تقديره : لرأيت أمرا عظيما ( يضربون ) في موضع الحال ( وجوههم وأدبارهم ) أي أستاههم كني عنها بالأدبار قاله مجاهد وسعيد بن جبير الحسن : ظهورهم وقال : إن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشراك قال : ( ذلك ضرب الملائكة ( وقيل : هذا الضرب يكون عند الموت وقد يكون يوم القيامة حين يصيرون بهم إلى النار ( وذوقوا عذاب الحريق ) قال الفراء : المعنى ويقولون ذوقوا فحذف وقال الحسن : هذا يوم القيامة تقول لهم خزنة جهنم : ذوقوا عذاب الحريق وروي أن في بعض التفاسير أنه كان مع الملائكة مقامع من حديد كلما ضربوا التهبت النار في الجراحات فذلك قوله : وذوقوا عذاب الحريق والذوق يكون محسوسا ومعنى وقد يوضع موضع الإبتلاء والإختبار تقول : اركب هذا الفرس فذقه وانظر فلانا فذق ما عنده قال الشماخ يصف فرسا : فذاق فأعطته من اللين جانبا كفى ولها أن يغرق السهم حاجز وأصله من الذوق بالفم ( ذلك ) في موضع رفع أي الأمر ذلك أو ذلك جزاؤكم ( بما قدمت أيديكم ) أي اكتسبتم من الآثام ( وأن الله ليس بظلام للعبيد ) إذ قد أوضح السبيل وبعث الرسل فلم خالفتم وأن في موضع خفض عطف على ما وإن شئت نصبت بمعنى وبأن وحذفت الباء أو بمعنى : وذلك أن الله ويجوز أن يكون في موضع رفع نسقا على ذلك < < الأنفال : ( 52 ) كدأب آل فرعون . . . . . > > < > ( الانفال 52 ) < > الدأب العادة وقد تقدم في آل عمران أي العادة في تعذيبهم عند قبض الأرواح وفي القبور كعادة آل فرعون وقيل : المعنى جوزي هؤلاء بالقتل والسبي كما جوزي آل فرعون بالغرق أي دأبهم كدأب آل فرعون < < الأنفال : ( 53 ) ذلك بأن الله . . . . . > > < > ( الانفال 53 ) < > تعليل أي هذا العقاب لأنهم غيروا وبدلوا ونعمة الله على قريش الخصب والسعة والأمن والعافية أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم العنكبوت الآية وقال السدي : نعمة الله عليهم محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به فنقل إلى المدينة وحل بالمشركين العقاب < < الأنفال : ( 54 ) كدأب آل فرعون . . . . . > > < > ( الانفال 54 ) < > ليس هذا بتكرير لأن الأول للعادة في التكذيب والثاني للعادة في التغيير وباقي الآية بين < < الأنفال : ( 55 ) إن شر الدواب . . . . . > > < > ( الانفال 55 : 56 ) <

قسم V08/P028–V08/P030

> قوله تعالى : ( إن شر الدواب عند الله ) أي من يدب على وجه الأرض في علم الله وحكمه ( الذين كفروا فهم لا يؤمنون ) نظيره الصم البكم الذين لا يعقلون ثم وصفهم فقال : ( الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون ) أي لا يخافون الانتقام ومن في قوله منهم للتبعيض لأن العهد إنما كان يجري مع أشرافهم ثم ينقضونه والمعنى بهم قريظة والنضير في قول مجاهد وغيره نقضوا العهد فأعانوا مشركي مكة بالسلاح ثم اعتذروا فقالوا : نسينا فعاهدهم عليه السلام ثانية فنقضوا يوم الخندق < < الأنفال : ( 57 ) فإما تثقفنهم في . . . . . > > < > ( الانفال 57 ) < > شرط وجوابه ودخلت النون توكيدا لما دخلت ما هذا قول البصريين وقال الكوفيون : تدخل النون الثقيلة والخفيفة مع إما في المجازاة للفرق بين المجازاة والتخيير ومعنى تثقفنهم تأسرهم وتجعلهم في ثقاف أو تلقاهم بحال ضعف تقدر عليهم فيها وتغلبهم وهذا لازم من اللفظ لقوله في الحرب وقال بعض الناس : تصادفنهم وتلقاهم يقال : ثقفته أثقفه ثقفا أي وجدته وفلان ثقف لقف أي سريع الوجود لما يحاوله ويطلبه وثقف لقف وامرأة ثقاف والقول الأول أولى لإرتباطه بالآية كما بينا والمصادف قد يغلب فيمكن التشريد به وقد لا يغلب والثقاف في اللغة : ما يشد به القناة ونحوها ومنه قول النابغة : تدعو قعينا وقد عض الحديد بها عض الثقاف على صم الأنابيب ( فشرد بهم من خلفهم ) قال سعيد بن جبير : المعنى أنذر بهم من خلفهم قال أبو عبيد : هي لغة قريش شرد بهم سمع بهم وقال الضحاك : نكل بهم الزجاج : إفعل بهم فعلا من القتل تفرق به من خلفهم والتشريد في اللغة : التبديد والتفريق يقال : شردت بني فلان قلعتهم عن مواضعهم وطردتهم عنها حتى فارقوها وكذلك الواحد تقول : تركته شريدا عن وطنه وأهله قال الشاعر من هذيل : أطوف في الأباطح كل يوم مخافة أن يشرد بي حكيم ومنه شرد البعير والدابة إذا فارق صاحبه ومن بمعنى الذي قاله الكسائي وروي عن بن مسعود فشرذ بالذال المعجمة وهما لغتان وقال قطرب : التشريذ ( بالذال المعجمة ) التنكيل وبالدال المهملة التفريق حكاه الثعلبي وقال المهدوي : الذال لا وجه لها إلا أن تكون بدلا من الدال المهملة لتقاربهما ولا يعرف في اللغة فشرذ وقرئ من خلفهم بكسر الميم والفاء ( لعلهم يدكرون ) أي يتذكرون بوعدك إياهم وقيل : هذا يرجع إلى من خلفهم لأن من قتل لا يتذكر أي شرد بهم من خلفهم من عمل بمثل عملهم < < الأنفال : ( 58 ) وإما تخافن من . . . . . > > < > ( الانفال 58 ) <

قسم V08/P030–V08/P032

> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وإما تخافن من قوم خيانة ) أي غشا ونقضا للعهد ( فانبذ إليهم على سواء ) وهذه الآية نزلت في بني قريظة وبني النضير وحكاه الطبري عن مجاهد قال بن عطية : والذي يظهر في ألفاظ القرآن أن أم بني قريظة انقضى عند قوله فشرد بهم من خلفهم ثم ابتدأ تبارك وتعالى في هذه الآية بأمره فيما يصنعه في المستقبل مع من يخاف منه خيانة فتترتب فيهم هذه الآية وبنو قريظة لم يكونوا في حد من تخاف خيانته وإنما كانت خيانتهم ظاهرة مشهورة الثانية قال بن العربي : فإن قيل كيف يجوز نقض العهد مع خوف الخيانة والخوف ظن لا يقين معه فكيف يسقط يقين العهد مع ظن الخيانة فالجواب من وجهين : أحدهما أن الخوف قد يأتي بمعنى اليقين كما قد يأتي الرجاء بمعنى العلم قال الله تعالى : ما لكم لا ترجون لله وقارا نوح الثاني إذا ظهرت آثار الخيانة وثبتت دلائلها وجب نبذ العهد لئلا يوقع التمادي عليه في الهلكة وجاز إسقاط اليقين هنا ضرورة وأما إذا علم اليقين فيستغنى عن نبذ العهد إليهم وقد سار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة عام الفتح لما اشتهر منهم نقض العهد من غير أن ينبذ إليهم عهدهم والنبذ : الرمي والرفض وقال الأزهري : معناه إذا عاهدت قوما فعلمت منهم النقض بالعهد فلا توقع بهم سابقا إلى النقض حتى تلقى إليهم أنك قد نقضت العهد والمواعدة فيكونوا في علم النقض مستويين ثم أوقع بهم قال النحاس : هذا من معجز ما جاء في القرآن مما لا يوجد في الكلام مثله على اختصاره وكثرة معانيه والمعنى : وإما تخافن من قوم بينك وبينهم عهد خيانة فانبذ إليهم العهد أي قل لهم قد نبذت إليكم عهدكم وأنا مقاتلكم ليعلموا ذلك فيكونوا معك في العلم سواء ولا تقاتلهم وبينك وبينهم عهد وهم يثقون بك فيكون ذلك خيانة وغدرا ثم بين هذا بقوله : ( إن الله لا يحب الخائنين ) قلت : ما ذكره الأزهري والنحاس من إنباذ العهد مع العلم بنقضه يرده فعل النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة فإنهم لما نقضوا لم يوجه إليهم بل قال : ( اللهم اقطع خبري عنهم ( وغزاهم وهو أيضا معنى الآية لأن في قطع العهد منهم ونكثه مع العلم به حصول نقض عهدهم والاستواء معهم فأما مع غير العلم بنقض العهد منهم فلا يحل ولا يجوز روى الترمذي وأبو داود عن سليم بن عامر قال : كان بين معاوية والروم عهد وكان يسير نحو بلادهم ليقرب حتى إذا انقضى العهد غزاهم فجاءه رجل على فرس أو برذون وهو يقول : الله أكبر الله أكبر وفاء لا غدر فنظروا فإذا هو عمرو بن عنبسة فأرسل إليه معاوية فسأل فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء ( فرجع معاوية بالناس قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح والسواء : المساواة والإعتدال وقال الراجز : فاضرب وجوه الغدر الأعداء حتى يجيبوك إلى السواء وقال الكسائي : السواء العدل وقد يكون بمعنى الوسط ومنه قوله تعالى : في سواء الجحيم الصافات ومنه قول حسان : يا ويح أصحاب النبي ورهطه بعد المغيب في سواء الملحد الفراء : ويقال فانبذ إليهم على سواء جهرا لا سرا الثالثة روى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة ( قال علماؤنا رحمة الله عليهم : إنما كان الغدر في حق الإمام أعظم وأفحش منه في غيره لما في ذلك من المفسدة فإنهم إذا غدروا وعلم ذلك منهم ولم ينبذوا بالعهد لم يأمنهم العدو على عهد ولا صلح فتشتد شوكته ويعظم ضرره ويكون ذلك منفرا عن الدخول في الدين وموجبا لذم أئمة المسلمين فأما إذا لم يكن للعدو عهد فينبغي أن يتحيل عليه بكل حيلة وتدار عليه كل خديعة وعليه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم : ( الحرب خدعة ( وقد اختلف العلماء هل يجاهد مع الإمام الغادر على قولين فذهب أكثرهم إلى أنه لا يقاتل معه بخلاف الخائن والفاسق وذهب بعضهم إلى الجهاد معه والقولان في مذهبنا < <

قسم V08/P032–V08/P034

الأنفال : ( 59 ) ولا يحسبن الذين . . . . . > > < > ( الانفال 59 ) < > قوله تعالى : ( ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا ) أي من أفلت من وقعة بدر سبق إلى الحياة ثم استأنف فقال : ( إنهم لا يعجزون ) أي في الدنيا حتى يظفرك الله بهم وقيل : يعني في الآخرة وهو قول الحسن وقرأ بن عامر وحفص وحمزة يحسبن بالياء والباقون بالتاء على أن يكون في الفعل ضمير الفاعل والذين كفروا مفعول أول وسبقوا مفعول ثان وأما قراءة الياء فزعم جماعة من النحويين منهم أبو حاتم أن هذا لحن لا تحل القراءة به ولا تسمع لمن عرف الإعراب أو عرفه قال أبو حاتم : لأنه لم يأت ل يحسبن بمفعول وهو يحتاج إلى مفعولين قال النحاس : وهذا تحامل شديد والقراءة تجوز ويكون المعنى : ولا يحسبن من خلفهم الذين كفروا سبقوا فيكون الضمير يعود على ما تقدم إلا أن القراءة بالتاء أبين المهدوي : ومن قرأ بالياء احتمل أن يكون في الفعل ضمير النبي صلى الله عليه وسلم ويكون الذين كفروا سبقوا المفعولين ويجوز أن يكون الذين كفروا فاعلا والمفعول الأول محذوف المعنى : ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا مكي : ويجوز أن يضمر مع سبقوا أن فيسد مسد المفعولين والتقدير : ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا فهو مثل أحسب الناس أن يتركوا العنكبوت في سد ان مسد المفعولين وقرأ بن عامر أنهم لا يعجزون بفتح الهمزة واستبعد هذه القراءة أبو حاتم وأبو عبيد قال أبو عبيد : وإنما يجوز على أن يكون المعنى : ولا تحسبن الذين كفروا أنهم لا يعجزون قال النحاس : الذي ذكره أبو عبيد لا يجوز عند النحويين البصريين لا يجوز حسبت زيدا أنه خارج إلا بكسر الألف وإنما لم يجز لأنه في موضع المبتدا كما تقول : حسبت زيدا أبوه خارج ولو فتحت لصار المعنى حسبت زيدا خروجه وهذا محال وفيه أيضا من البعد أنه لا وجه لما قاله يصح به معنى إلا أن يجعل لا زائدة ولا وجه لتوجيه حرف في كتاب الله عز وجل إلى التطول بغير حجة يجب التسليم لها والقراءة جيدة على أن يكون المعنى : لأنهم لا يعجزون مكي : فالمعنى لا يحسبن الكفار أنفسهم فاتوا لأنهم لا يعجزون أي لا يفوتون ف أن في موضع نصب بحذف اللام أو في موضع خفض على إعمال اللام لكثرة حذفها مع أن وهو يروي عن الخليل والكسائي وقرأ الباقون بكسر إن على الاستئناف والقطع مما قبله وهو الاختيار لما فيه من معنى التأكيد ولأن الجماعة عليه وروي عن بن محيصن أنه قرأ لا يعجزون بالتشديد وكسر النون النحاس : وهذا خطأ من وجهين : أحدهما أن معنى عجزه ضعفه وضعف أمره والآخر أنه كان يجب أن يكون بنونين ومعنى أعجزه سبقه وفاته حتى لم يقدر عليه < < الأنفال : ( 60 ) وأعدوا لهم ما . . . . . > > < > ( الانفال 60 ) <

قسم V08/P034–V08/P038

> فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وأعدوا لهم ) أمر الله سبحانه المؤمنين بإعداد القوة للأعداء بعد أن أكد تقدمة التقوى فإن الله سبحانه لو شاء لهزمهم بالكلام والتفل في وجوههم وبحفنة من تراب كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه أراد أن يبتلي بعض الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه النافذ وكلما تعده لصديقك من خير أو لعدوك من شر فهو داخل في عدتك قال بن عباس : القوة ها هنا السلاح والقسي وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ( وهذا نص رواه عن عقبة أبو علي ثمامة بن شفي الهمداني وليس له في الصحيح غيره وحديث آخر في الرمي عن عقبة أيضا قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم الله فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه ( وقال صلى الله عليه وسلم : ( كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله فإنه من الحق ( ومعنى هذا والله أعلم : أن كل ما يتلهى به الرجل مما لا يفيده في العاجل ولا في الآجل فائدة فهو باطل والإعراض عنه أولى وهذه الأمور الثلاثة فإنه وإن كان يفعلها على أنه يتلهى بها وينشط فإنها حق لاتصالها بما قد يفيد فإن الرمي بالقوس وتأديب الفرس جميعا من معاون القتال وملاعبة الأهل قد تؤدي إلى ما يكون عنه ولد يوحد الله ويعبده فلهذا كانت هذه الثلاثة من الحق وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يدخل ثلاثة نفر في الجنة بسهم واحد صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي ومنبله ( وفضل الرمي عظيم ومنفعته عظيمة للمسلمين ونكايته شديدة على الكافرين قال صلى الله عليه وسلم : ( يا بني إسماعيل ارموا فإن أباكم كان راميا ( وتعلم الفروسية واستعمال الأسلحة فرض كفاية وقد يتعين الثانية قوله تعالى : ( ومن رباط الخيل ) وقرأ الحسن وعمرو بن دينار وأبو حيوة ومن ربط الخيل بضم الراء والباء جمع رباط ككتاب وكتب قال أبو حاتم عن بن زيد : الرباط من الخيل الخمس فما فوقها وجماعته ربط وهي التي ترتبط يقال منه : ربط يربط ربطا وارتبط يرتبط ارتباطا ومربط الخيل ومرابطها وهي ارتباطها بإزاء العدو قال الشاعر : أمر الإله بربطها لعدوه في الحرب إن الله خير موفق وقال مكحول بن عبد الله : تلوم على ربط الجياد وحبسها وأوصى بها الله النبي محمدا ورباط الخيل فضل عظيم ومنزلة شريفة وكان لعروة البارقي سبعون فرسا معدة للجهاد والمستحب منها الإناث قاله عكرمة وجماعة وهو صحيح فإن الأنثى بطنها كنز وظهرها عز وفرس جبريل كان أنثى وروى الأئمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الخيل ثلاثة لرجل أجر ولرجل ستر ولرجل وزر ( الحديث ولم يخص ذكرا من أنثى وأجودها أعظمها أجرا وأكثرها نفعا وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الرقاب أفضل فقال : ( أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها ( وروى النسائي عن أبي وهب الجشمي وكانت له صحبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تسموا بأسماء الأنبياء وأحب الأسماء إلى الله عز وجل عبد الله وعبد الرحمن وارتبطوا الخيل وامسحوا بنواصيها وأكفالها وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار وعليكم بكل كميت أغر محجل أو أشقر اغر محجل أو أدهم أغر محجل ( وروى الترمذي عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم ثم الأقرح المحجل طلق اليمين فإن لم يكن أدهم فكميت على هذه الشية ( ورواه الدارمي عن أبي قتادة أيضا أن رجلا قال : يا رسول الله إني أريد أن أشتري فرسا فأيها أشتري قال : ( اشتر أدهم أرثم محجلا طلق اليد اليمنى أو من الكميت على هذه الشبة تغنم وتسلم ( وكان صلى الله عليه وسلم يكره الشكال من الخيل والشكال : أن يكون الفرس في رجله اليمنى بياض وفي يده اليسرى أو في يده اليمنى ورجله اليسرى خرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ويذكر أن الفرس الذي قتل عليه الحسين بن علي رضي الله عنهما كان أشكل الثالثة فإن قيل : إن قوله وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة كان يكفي فلم خص الرمي والخيل بالذكر قيل له : إن الخيل لما كانت أصل الحروب وأوزارها التي عقد الخير في نواصيها وهي أقوى القوة وأشد العدة وحصون الفرسان وبها يجال في الميدان خصها بالذكر تشريفا وأقسم بغبارها تكريما فقال : والعاديات ضبحا العاديات الآية ولما كانت السهام من أنجع ما يتعاطى في الحروب والنكاية في العدو وأقربها تناولا للآرواح خصها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذكر لها والتنبيه عليها ونظير هذا في التنزيل وجبريل وميكال ومثله كثير الرابعة وقد استدل بعض علمائنا بهذه الآية على جواز وقف الخيل والسلاح واتخاذ الخزائن والخزان لها عدة للأعداء وقد اختلف العلماء في جواز وقف الحيوان كالخيل والإبل على قولين : المنع وبه قال أبو حنيفة والصحة وبه قال الشافعي رضي الله عنه وهو أصح لهذه الآية ولحديث بن عمر في الفرس الذي حمل عليه في سبيل الله وقوله عليه السلام في حق خالد : ( وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا فإنه قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله ( الحديث وما روي أن امرأة جعلت بعيرا في سبيل الله فأراد زوجها الحج فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( ادفعيه إليه ليحج عليه فإن الحج من سبيل الله ( ولأنه مال ينتفع به في وجه قربة فجاز أن يوقف كالرباع وقد ذكر السهيلي في هذه الآية تسمية خيل النبي صلى الله عليه وسلم وآلة حربه من أرادها وجدها في كتاب الأعلام الخامسة قوله تعالى : ( ترهبون به عدو الله وعدوكم ) يعني تخيفون به عدو الله وعدوكم من اليهود وقريش وكفار العرب ( وآخرين من دونهم ) يعني فارس والروم قاله السدي وقيل : الجن وهو اختيار الطبري وقيل : المراد بذلك كل من لا تعرف عداوته قال السهيلي : قيل هم قريظة وقيل : هم من الجن وقيل غير ذلك ولا ينبغي أن يقال فيهم شيء لأن الله سبحانه قال : ( وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ) فكيف يدعي أحد علما بهم إلا أن يصح حديث جاء في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قوله في هذه الآية : ( هم الجن ( ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الشيطان لا يخبل أحدا في دار فيها فرس عتيق ( وإنما سمي عتيقا لأنه قد تخلص من الهجانة وهذا الحديث أسنده الحارث بن أبي أسامة عن بن المليكي عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وروي : أن الجن لا تقرب دارا فيها فرس وأنها تنفر من صهيل الخيل السادسة قوله تعالى : ( وما تنفقوا من شيء ) أي تتصدقوا وقيل : تنفقوه على أنفسكم أو خيلكم ( في سبيل الله يوف إليكم ) في الآخرة الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ( وأنتم لا تظلمون < <

قسم V08/P038

الأنفال : ( 61 ) وإن جنحوا للسلم . . . . . > > < > ( الانفال 61 ) <

قسم V08/P038–V08/P041

> فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ) إنما قال لها لأن السلم مؤنثة ويجوز أن يكون التأنيث للفعلة والجنوح الميل يقول : إن مالوا يعني الذين نبذ إليهم عهدهم إلى المسالمة أي الصلح فمل إليها وجنح الرجل إلى الآخر : مال إليه ومنه قيل للأضلاع جوانح لأنها مالت على الحشوة وجنحت الإبل : إذا مالت أعناقها في السير وقال ذو الرمة : إذا مات فوق الرحل أحييت روحه بذكراك والعيس المراسيل جنح وقال النابغة : جوانح قد أيقن أن قبيله إذا ما التقى الجمعان أول غالب يعني الطير وجنح الليل إذا أقبل وأمال أطنابه على الأرض والسلم والسلام هو الصلح وقرأ الأعمش وأبو بكر وبن محيصن والمفضل للسلم بكسر السين الباقون بالفتح وقد تقدم معنى ذلك في البقرة مستوفي وقد يكون السلام من التسليم وقرأ الجمهور فآجنح بفتح النون وهي لغة تميم وقرأ الأشهب العقيلي فآجنح بضم النون وهي لغة قيس قال بن جني : وهذه اللغة هي القياس الثانية وقد اختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أم لا فقال قتادة وعكرمة : نسخها فاقتلوا المشركين حيث وجدتموه التوبة وقاتلوا المشركين كافة وقالا : نسخت براءة كل موادعة حتى يقولوا لا إله إلا الله بن عباس : الناسخ لها فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وقيل : ليست بمنسوخة بل أراد قبول الجزية من أهل الجزية وقد صالح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن بعده من الأئمة كثيرا من بلاد العجم على ما أخذوه منهم وتركوهم على ما هم فيه وهم قادرون على استئصالهم وكذلك صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا من أهل البلاد على مال يؤدونه من ذلك خيبر رد أهلها إليها بعد الغلبة على أن يعملوا ويؤدوا النصف قال بن إسحاق : قال مجاهد عني بهذه الآية قريظة لأن الجزية تقبل منهم فأما المشركون فلا يقبل منهم شيء وقال السدي وبن زيد : معنى الآية إن دعوك إلى الصلح فأجبهم ولا نسخ فيها قال بن العربي : وبهذا يختلف الجواب عنه وقد قال الله عز وجل : فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم فإذا كان المسلمون على عزة وقوة ومنعة وجماعة عديدة وشدة شديدة فلا صلح كما قال : فلا صلح حتى تطعن الخيل بالقنا وتضرب بالبيض الرقاق الجماجم وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح لنفع يجتلبونه أو ضرر يدفعونه فلا بأس أن يبتدئ المسلمون به إذا احتاجوا إليه وقد صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على شروط نقضوها فنقض صلحهم وقد صالح الضمري وأكيدر دومة وأهل نجران وقد هادن قريشا لعشرة أعوام حتى نقضوا عهده وما زالت الخلفاء والصحابة على هذه السبيل التي شرعناها سالكة وبالوجوه التي شرحناها عاملة قال القشيري : إذا كانت القوة للمسلمين فينبغي ألا تبلغ الهدنة سنة وإذا كانت القوة للكفار جاز مهادنتهم عشر سنين ولا تجوز الزيادة وقد هادن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة عشر سنين قال بن المنذر : اختلف العلماء في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة عام الحديبية فقال عروة : كانت أربع سنين وقال بن جريج : كانت ثلاث سنين وقال بن إسحاق : كانت عشر سنين وقال الشافعي رحمه الله : لا تجوز مهادنة المشركين أكثر من عشر سنين على ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فإن هو دون المشركون أكثر من فعل ذلك فهي منتقضة لأن الأصل فرض قتال المشركين حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية وقال بن حبيب عن مالك رضي الله عنه : تجوز مهادنة المشركين السنة والسنتين والثلاث وإلى غير مدة قال المهلب : إنما قاضاهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه القضية التي ظاهرها الوهن على المسلمين لسبب حبس الله ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة حين توجه إليها فبركت وقال : ( حبسها حابس الفيل ( على ما خرجه البخاري من حديث المسور بن مخرمة ودل على جواز صلح المشركين ومهادنتهم دون مال يؤخذ منهم إذا رأى ذلك الإمام وجها ويجوز عند الحاجة للمسلمين عقد الصلح بمال يبذلونه للعدو لموادعة النبي صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن الفزاري والحارث بن عوف المري يوم الأحزاب على أن يعطيهما ثلث ثمر المدينة وينصرفا بمن معهما من غطفان ويخذلا قريشا ويرجعا بقومهما عنهم وكانت هذه المقالة مراوضة ولم تكن عقدا فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما أنهما قد أنابا ورضيا استشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فقالا : يا رسول الله هذا أمر تحبه فنصنعه لك أو شيء أمرك الله به فنسمع له ونطيع أو أمر تصنعه لنا فقال : ( بل أمر أصنعه لكم فإن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ( فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله والله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وما طمعوا قط أن ينالوا منا ثمرة إلا شراء أو قرى فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك نعطيهم أموالنا والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( أنتم وذاك ( وقال لعيينة والحارث : ( انصرفا فليس لكما عندنا إلا السيف ( وتناول سعد الصحيفة وليس فيها شهادة أن لا إله إلا الله فمحاها < <

قسم V08/P041–V08/P043

الأنفال : ( 62 ) وإن يريدوا أن . . . . . > > < > ( الانفال 62 : 63 ) < > قوله تعالى : ( وإن يريدوا أن يخدعوك ) أي بأن يظهروا لك السلم ويبطنوا الغدر والخيانة فاجنح فما عليك من نياتهم الفاسدة ( فإن حسبك الله ) كافيك الله أي يتولى كفايتك وحياطتك قال الشاعر : إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا فحسبك والضحاك سيف مهند أي كافيك وكافي الضحاك سيف قوله تعالى : ( هو الذي أيدك بنصره ) أي قواك بنصره يريد يوم بدر ( وبالمؤمنين ) قال النعمان بن بشير : نزلت في الأنصار ( وألف بين قلوبهم ) أي جمع بين قلوب الأوس والخزرج وكان تألف القلوب مع العصبية الشديدة في العرب من آيات النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته لأن أحدهم كان يلطم اللطمة فيقاتل عنها حتى يستقيدها وكانوا أشد خلق الله حمية فألف الله بالإيمان بينهم حتى قاتل الرجل أباه وأخاه بسبب الدين وقيل : أراد التأليف بين المهاجرين والأنصار والمعنى متقارب < < الأنفال : ( 64 ) يا أيها النبي . . . . . > > < > ( الانفال 64 ) < > ليس هذا تكريرا فإنه قال فيما سبق : وإن يردوا أن يخدعوك فإن حسبك الله ) وهذه كفاية خاصة وفي قوله : يأيها النبي حسبك الله أراد التعميم أي حسبك الله في كل حال وقال بن عباس : نزلت في إسلام عمر فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان أسلم معه ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة فأسلم عمر وصاروا أربعين والآية مكية كتبت بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة مدنية ذكره القشيري قلت : ما ذكره من إسلام عمر رضي الله عنه عن بن عباس فقد وقع في السيرة خلافه عن عبد الله بن مسعود قال : ما كنا نقدر على أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر فلما أسلم قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة قال بن إسحاق : وكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا أو ولدوا بها ثلاثة وثمانين رجلا إن كان عمار بن ياسر منهم وهو يشك فيه وقال الكلبي : نزلت الآية بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال قوله تعالى : ( ومن اتبعك من المؤمنين ) قيل : المعنى حسبك الله وحسبك المهاجرون والأنصار وقيل : المعنى كافيك الله وكافي من تبعك قاله الشعبي وبن زيد والأول عن الحسن واختاره النحاس وغيره ف من على القول الأول في موضع رفع عطفا على اسم الله تعالى على معنى : فإن حسبك الله وأتباعك من المؤمنين وعلى الثاني على إضمار ومثله قوله صلى الله عليه وسلم : ( يكفينيه الله وأبناء قيلة ( وقيل يجوز أن يكون المعنى ومن اتبعك من المؤمنين حسبهم الله فيضمر الخبر ويجوز أن يكون من في موضع نصب على معنى : يكفيك الله ويكفي من اتبعك < < الأنفال : ( 65 ) يا أيها النبي . . . . . > > < > ( الانفال 65 : 66 ) <

قسم V08/P043–V08/P044

> قوله تعالى : ( يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ) أي حثهم وحضهم يقال : حارض على الأمر وواظب وواصب وأكب بمعنى واحد والحارض : الذي قد قارب الهلاك ومنه قوله عز وجل : حتى تكون حرضا يوسف أي تذوب غما فتقارب الهلاك فتكون من الهالكين ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ما ئتين ) لفظ خبر ضمنه وعد بشرط لأن معناه إن يصبر منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وعشرون وثلاثون وأربعون كل واحد منها اسم موضوع على صورة الجمع لهذا العدد ويجري هذا الاسم مجرى فلسطين فإن قال قائل : لم كسر أول عشرين وفتح أول ثلاثين وما بعده إلى الثمانين إلا ستين فالجواب عند سيبويه أن عشرين من عشرة بمنزلة اثنين من واحد فكسر أول عشرين كما كسر اثنان والدليل على هذا قولهم : ستون وتسعون كما قيل : ستة وتسعة وروى أبو داود عن بن عباس قال : نزلت إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين فشق ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم ألا يفر واحد من عشرة ثم إنه جاء التخفيف فقال : ( ألآن خفف الله عنكم ) قرأ أبو توبة إلى قوله : ( مائة صابرة يغلبوا مائتين ) قال : فلما خفف الله تعالى عنهم من العدد نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم وقال بن العربي : قال قوم إن هذا كان يوم بدر ونسخ وهذا خطأ من قائله ولم ينقل قط أن المشركين صافوا المسلمين عليها ولكن الباري جل وعز فرض ذلك عليهم أولا وعلق ذلك بأنكم تفقهون ما تقاتلون عليه وهو الثواب وهم لا يعلمون ما يقاتلون عليه قلت : وحديث بن عباس يدل على أن ذلك فرض ثم لما شق ذلك عليهم حط الفرض إلى ثبوت الواحد للاثنين فخفف عنهم وكتب عليهم ألا يفر مائة من مائتين فهو على هذا القول تخفيف لا نسخ وهذا حسن وقد ذكر القاضي بن الطيب أن الحكم إذا نسخ بعضه أو بعض أوصافه أو غير عدده فجائز أن يقال إنه نسخ لأنه حينئذ ليس بالأول بل هو غيره وذكر في ذلك خلافا < < الأنفال : ( 67 ) ما كان لنبي . . . . . > > < > ( الانفال 67 ) <

الأسئلة