Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

قسم V10/P011–V10/P013

الحجر : ( 19 ) والأرض مددناها وألقينا . . . . . > > < > ( الحجر 19 : 20 ) < > قوله تعالى : ( والأرض مددناها ) هذا من نعمه أيضا ومما يدل على كمال قدرته قال بن عباس : بسطناها على وجه الماء كما قال : والأرض بعد ذلك دحاها النازعات أي بسطها وقال : والأرض فرشناها فنعم الماهدون الذاريات وهو يرد على من زعم أنها كالكرة وقد تقدم ( وألقينا فيها رواسي ) جبالا ثابتة لئلا تتحرك بأهلها ( وأنبتنا فيها من كل شيء موزون ) أي مقدر معلوم قاله بن عباس وسعيد بن جبير وإنما قال موزون لأن الوزن يعرف به مقدار الشيء قال الشاعر : قد كنت قبل لقائكم ذا مرة عندي لكل مخاصم ميزانه وقال قتادة : موزون يعني مقسوم وقال مجاهد : موزون معدود ويقال : هذا كلام موزون أي منظوم غير منتثر فعلى هذا أي أنبتنا في الأرض ما يوزن من الجواهر والحيوانات والمعادن وقد قال الله عز وجل في الحيوان : وأنبتها نباتا حسنا والمقصود من الإنبات الإنشاء والإيجاد وقيل : ( أنبتنا فيها ) أي في الجبال ( من كل شيء موزون ) من الذهب والفضة والنحاس والرصاص والقزدير حتى الزرنيخ والكحل كل ذلك يوزن وزنا روي معناه عن الحسن وبن زيد وقيل : أنبتنا في الأرض الثمار مما يكال ويوزن وقيل : ما يوزن فيه الأثمان لأنه أجل قدرا وأعم نفعا مما لا ثمن له ( وجعلنا لكم فيها معايش ) يعني المطاعم والمشارب التي يعيشون بها واحدها معيشة [ بسكون الياء ] ومنه قول جرير : تكلفني معيشة آل زيد ومن لي بالمرقق والصناب والأصل معيشة على مفعلة [ بتحريك الياء ] وقد تقدم في الأعراف وقيل : إنها الملابس قاله الحسن وقيل : إنها التصرف في أسباب الرزق مدة الحياة قال الماوردي : وهو الظاهر ( ومن لستم له برازقين ) يريد الدواب والأنعام قاله مجاهد وعنده أيضا هم العبيد والأولاد الذين قال الله فيهم : نحن نرزقهم وإياكم ولفظ من يجوز أن يتناول العبيد والدواب إذا اجتمعوا لأنه إذا اجتمع من يعقل وما لا يعقل غلب من يعقل أي جعلنا لكم فيها معايش وعبيدا وإماء ودواب وأولادا نرزقهم ولا ترزقونهم ف من على هذا التأويل في موضع نصب قال معناه مجاهد وغيره وقيل : أراد به الوحش قال سعيد : قرأ علينا منصور ومن لستم له برازقين قال : الوحش ف من على هذا تكون لما لا يعقل مثل فمنهم من يمشي على بطنه الآية وهي في محل خفض عطفا على الكاف والميم في قوله : لكم وفيه قبح عند البصريين فإنه لا يجوز عندهم عطف الظاهر على المضمر إلا بإعادة حرف الجر مثل مررت به وبزيد ولايجوز مررت به وزيد إلا في الشعر كما قال : فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيام من عجب وقد مضى هذا المعنى في البقرة وسورة النساء < < الحجر : ( 21 ) وإن من شيء . . . . . > > < > ( الحجر 21 ) <

قسم V10/P013–V10/P014

> قوله تعالى : ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ) أي وإن من شيء من أرزاق الخلق ومنافعهم إلا عندنا خزائنه يعني المطر المنزل من السماء لأن به نبات كل شيء قال الحسن : المطر خزائن كل شيء وقيل : الخزائن المفاتيح أي في السماء مفاتيح الأرزاق قاله الكلبي والمعنى واحد ( وما ننزله إلا بقدر معلوم ) أي ولكن لا ننزله إلا على حسب مشيئتنا وعلى حسب حاجة الخلق إليه كما قال : ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء وروي عن بن مسعود والحكم بن عيينة وغيرهما أنه ليس عام أكثر مطرا من عام ولكن الله يقسمه كيف شاء فيمطر قوم ويحرم آخرون وربما كان المطر في البحار والقفار والخزائن جمع الخزانة وهو الموضع الذي يستر فيه الإنسان ما له والخزانة أيضا مصدر خزن يخزن وما كان في خزانة الإنسان كان معدا له فكذلك ما يقدر عليه الرب فكأنه معد عنده قاله القشيري وروي جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه قال : في العرش مثل كل شيء خلقه الله في البر والبحر وهو تأويل قوله تعالى : وإن من شيء إلا عندنا خزائنه والإنزال بمعنى الإنشاء والإيجاد كقوله : وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج وقوله : وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد الحديد وقيل : الإنزال بمعنى الإعطاء وسماه إنزالا لأن أحكام الله إنما تنزل من السماء قوله تعالى : < < الحجر : ( 22 ) وأرسلنا الرياح لواقح . . . . . > > < > ( الحجر 22 ) <

قسم V10/P014–V10/P017

> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وأرسلنا الرياح ) قراءة العامة الرياح بالجمع وقرأ حمزة بالتوحيد لأن معنى الريح الجمع أيضا وإن كان لفظها لفظ الواحد كما يقال : جاءت الريح من كل جانب كما يقال : أرض سباسب وثوب أخلاق وكذلك تفعل العرب في كل شيء اتسع وأما وجه قراءة العامة فلأن الله تعالى نعتها ب لواقح وهي جمع ومعنى لواقح حوامل لأنها تحمل الماء والتراب والسحاب والخير والنفع قال الأزهري : وجعل الريح لاقحا لأنها تحمل السحاب أي تقله وتصرفه ثم تمريه فتستدره أي تنزله قال الله تعالى : حتى إذا أقلت سحابا ثقالا أي حملت وناقة لاقح ونوق لواقح إذا حملت الأجنة في بطونها وقيل : لواقح بمعنى ملقحة وهو الأصل ولكنها لا تلقح إلا وهي في نفسها لاقح كأن الرياح لقحت بخير وقيل : ذوات لقح وكل ذلك صحيح أي منها ما يلقح الشجر كقولهم : عيشة راضية أي فيها رضا وليل نائم أي فيه نوم ومنها ما تأتي بالسحاب يقال : لقحت الناقة [ بالكسر ] لقحا ولقاحا [ بالفتح ] فهي لاقح وألقحها الفحل أي ألقى إليها الماء فحملته فالرياح كالفحل للسحاب قال الجوهري : ورياح لواقح ولا يقال ملاقح وهو من النوادر وحكى المهدوي عن أبي عبيدة : لواقح بمعنى ملاقح ذهب إلى أنه جمع ملقحة وملقح ثم حذفت زوائده وقيل : هو جمع لاقحة ولاقح على معنى ذات اللقاح على النسب ويجوز أن يكون معنى لاقح حاملا والعرب تقول للجنوب : لاقح وحامل وللشمال حائل وعقيم وقال عبيد بن عمير : يرسل الله المبشرة فتقم الأرض قما ثم يرسل المثيرة فتثير السحاب ثم يرسل المؤلفة فتؤلفه ثم يبعث اللواقح فتلقح الشجر وقيل : الريح الملاقح التي تحمل الندى فتجمعه في السحاب فإذا اجتمع فيه صار مطرا وعن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( الريح الجنوب من الجنة وهي الريح اللواقح التي ذكرها الله في كتابه وفيها منافع للناس ( وروي عنه عليه السلام أنه قال : ( ما هبت جنوب إلا أنبع الله بها عينا غدقة ( وقال أبو بكر بن عياش : لا تقطر قطرة من السحاب إلا بعد أن تعمل الرياح الأربع فيها فالصبا تهيجه والدبور تلقحه والجنوب تدره والشمال تفرقه الثانية روي بن وهب وبن القاسم وأشهب وبن عبد الحكم عن مالك واللفظ لأشهب قال مالك : قال الله تعالى : وأرسلنا الرياح لواقح فلقاح القمح عندي أن يحبب ويسنبل ولا أدري ما ييبس في أكمامه ولكن يحبب حتى يكون لو يبس حينئذ لم يكن فساد الأخير فيه ولقاح الشجر كلها أن تثمر ثم يسقط منها ما يسقط ويثبت ما يثبت وليس ذلك بأن تورد قال بن العربي : إنما عول مالك في هذا التفسير على تشبيه لقاح الشجر بلقاح الحمل وأن الولد إذا عقد وخلق ونفخ فيه الروح كان بمنزلة تحبب الثمر وتسنبله لأنه سمي باسم تشترك فيه كل حاملة وهو اللقاح وعليه جاء الحديث ( نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحب حتى يشتد ( قال بن عبد البر : الإبار عند أهل العلم في النخل التلقيح وهو أن يؤخذ شيء من طلع ذكور النخل فيدخل بين ظهراني طلع الإناث ومعنى ذلك في سائر الثمار طلوع الثمرة من التين وغيره حتى تكون الثمرة مرئية منظورا إليها والمعتبر عند مالك وأصحابه فيما يذكر من الثمار التذكير وفيما لا يذكر أن يثبت من نواره ما يثبت ويسقط ما يسقط وحد ذلك في الزرع ظهوره من الأرض قاله مالك وقد روي عنه أن إباره أن يحبب ولم يختلف العلماء أن الحائط إذا انشق طلع إناثه فأخر إباره وقد أبر غيره ممن حاله مثل حاله أن حكمه حكم ما أبر لأنه قد جاء عليه وقت الإبار وثمرته ظاهرة بعد تغيبها في الحب فإن إبر بعض الحائط كان ما لم يؤبر تبعا له كما أن الحائط إذا بدا صلاحه كان سائر الحائط تبعا لذلك الصلاح في جواز بيعه الثالثة روى الأئمة كلهم عن بن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترط المبتاع ومن ابتاع عبدا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع ( قال علماؤنا : إنما لم يدخل الثمر المؤبر مع الأصول في البيع إلا بالشرط لأنه عين موجودة يحاط بها أمن سقوطها غالبا بخلاف التي لم تؤبر إذ ليس سقوطها مأمونا فلم يتحقق لها وجود فلم يجز للبائع اشتراطها ولا استثناؤها لأنها كالجنين وهذا هو المشهور من مذهب مالك وقيل : يجوز استثناؤها وهو قول الشافعي الرابعة لو اشترى النخل وبقي الثمر للبائع جاز لمشتري الأصل شراء الثمرة قبل طيبها على مشهور قول مالك ويرى لها حكم التبعية وأن أفردت بالعقد وعنه في رواية : لا يجوز وبذلك قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأهل الظاهر وفقهاء الحديث وهو الأظهر من أحاديث النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها الخامسة ومما يتعلق بهذا الباب النهي عن بيع الملاقح والملاقح الفحول من الإبل الواحد ملقح والملاقح أيضا الإناث التي في بطونها أولادها الواحدة ملقحة [ بفتح القاف ] والملاقيح ما في بطون النوق من الأجنة الواحدة ملقوحة من قولهم : لقحت كالمحموم من حم والمجنون من جن وفي هذا جاء النهي وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن المجر وهو بيع ما في بطون الإناث ونهى عن المضامين والملاقيح قال أبو عبيد : المضامين ما في البطون وهي الأجنة والملاقيح ما في أصلاب الفحول وهو قول سعيد بن المسيب وغيره وقيل بالعكس : إن المضامين ما في ظهور الجمال والملاقيح ما في بطون الإناث وهو قول بن حبيب وغيره وأي الأمرين كان فعلماء المسلمين مجمعون على أن ذلك لا يجوز وذكر المزني عن بن هشام شاهدا بأن الملاقيح ما في البطون لبعض الأعراب : منيتي ملاقحا في الأبطن تنتج ما تلقح بعد أزمن وذكر الجوهري على ذلك شاهدا قول الراجز : إنا وجدنا طرد الهوامل خيرا من التأنان والمسائل وعدة العام وعام قابل ملقوحة في بطن ناب حامل قوله تعالى : ( وأنزلنا من السماء ) أي من السحاب وكل ما علاك فأظلك يسمى سماء وقيل : من جهة السماء ( ماء ) أي قطرا ( فأسقيناكموه ) أي جعلنا ذلك المطر لسقياكم ولشرب مواشيكم وأرضكم وقيل : سقى وأسقى بمعنى وقيل بالفرق وقد تقدم ( وما أنتم له بخازنين ) أي ليست خزائنه عندكم أي نحن الخازنون لهذا الماء ننزله إذا شئنا ونمسكه إذا شئنا ومثله وأنزلنا من السماء ماء طهورا وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون وقال سفيان : لستم بمانعين المطر < <

قسم V10/P017–V10/P020

الحجر : ( 23 ) وإنا لنحن نحيي . . . . . > > < > ( الحجر 23 ) < > أي الأرض ومن عليها ولا يبقى شيء سوانا نظيره إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون فملك كل شيء لله تعالى ولكن ملك عباده أملاكا فاذا ماتوا انقطعت الدعاوى فكان الله وارثا من هذا الوجه وقيل : الإحياء في هذه الآية إحياء النطفة في الأرحام فأما البعث فقد ذكره بعد هذا في قوله : وإن ربك هو يحشرهم < < الحجر : ( 24 ) ولقد علمنا المستقدمين . . . . . > > < > ( الحجر 24 ) < > فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين ) فيه ثمان تأويلات : الأول المستقدمين في الخلق إلى اليوم والمستأخرين الذين لم يخلقوا بعد قاله قتادة وعكرمة وغيرهما الثاني المستقدمين الأموات والمستأخرين الأحياء قاله بن عباس والضحاك الثالث المستقدمين من تقدم أمة محمد والمستأخرين أمة محمد صلى الله عليه وسلم قاله مجاهد الرابع المستقدمين في الطاعة والخير والمستأخرين في المعصية والشر قاله الحسن وقتادة أيضا الخامس المستقدمين في صفوف الحرب والمستأخرين فيها قاله سعيد بن المسيب السادس المستقدمين من قتل في الجهاد والمستأخرين من لم يقتل قاله القرظي السابع المستقدمين أول الخلق والمستأخرين آخر الخلق قاله الشعبي الثامن المستقدمين في صفوف الصلاة والمستأخرين فيها بسبب النساء وكل هذا معلوم لله تعالى فإنه عالم بكل موجود ومعدوم وعالم بمن خلق وما هو خالقه إلى يوم القيامة إلا أن القول الثامن هو سبب نزول الآية لما رواه النسائي والترمذي عن أبي الجوزاء عن بن عباس قال : كانت امرأة تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم حسناء من أحسن الناس فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها ويتأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطه فأنزل الله عز وجل ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين وروي عن أبي الجوزاء ولم يذكر بن عباس وهو أصح الثانية هذا يدل على فضل أول الوقت في الصلاة وعلى فضل الصف الأول قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ( فإذا جاء الرجل عند الزوال فنزل في الصف الأول مجاور الإمام حاز ثلاث مراتب في الفضل : أول الوقت والصف الأول ومجاورة الإمام فان جاء عند الزوال فنزل في الصف الآخر أو فيما نزل عن الصف الأول فقد حاز فضل أول الوقت وفاته فضل الصف الأول والمجاورة فإن جاء وقت الزوال ونزل في الصف الأول دون ما يلي الإمام فقد حاز فضل أول الوقت وفضل الصف الأول وفاته مجاورة الإمام فإن جاء بعد الزوال ونزل في الصف الأول فقد فاته فضيلة أول الوقت وحاز فضيلة الصف الأول ومجاورة الإمام وهكذا ومجاورة الإمام لا تكون لكل أحد وإنما هي كما قال صلى الله عليه وسلم : ( ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ( الحديث فما يلي الإمام ينبغي أن يكون لمن كانت هذه صفته فإن نزلها غيره أخر وتقدم هو إلى الموضع لأنه حقه بأمر صاحب الشرع كالمحراب هو موضع الإمام تقدم أو تأخر قاله بن العربي قلت : وعليه يحمل قول عمر رضي الله عنه : تأخر يا فلان تقدم يا فلان ثم يتقدم فيكبر وقد روي عن كعب أن الرجل من هذه الأمة ليخر ساجدا فيغفر لمن خلفه وكان كعب يتوخى الصف المؤخر من المسجد رجاء ذلك ويذكر أنه وجده كذلك في التوراة ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول وسيأتي في سورة الصافات زيادة بيان لهذا الباب إن شاء الله تعالى الثالثة وكما تدل هذه الآية على فضل الصف الأول في الصلاة فكذلك تدل على فضل الصف الأول في القتال فإن القيام في نحر العدو وبيع العبد نفسه من الله تعالى لا يوازيه عمل فالتقدم إليه أفضل ولا خلاف فيه ولا خفاء به ولم يكن أحد يتقدم في الحرب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان أشجع الناس قال البراء : كنا والله إذا احمر البأس نتقي به وإن الشجاع منا للذي يحاذي به يعني النبي صلى الله عليه وسلم < <

قسم V10/P020–V10/P022

الحجر : ( 25 ) وإن ربك هو . . . . . > > < > ( الحجر 25 ) < > قوله تعالى : ( وإن ربك هو يحشرهم ) أي للحساب والجزاء ( إنه حكيم عليم ) تقدم < < الحجر : ( 26 ) ولقد خلقنا الإنسان . . . . . > > < > ( الحجر 26 ) < > قوله تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان ) يعني آدم عليه السلام ( من صلصال ) أي من طين يابس عن بن عباس وغيره والصلصال : الطين الحر خلط بالرمل فصار يتصلصل إذا جف فإذا طبخ بالنار فهو الفخار عن أبي عبيدة وهو قول أكثر المفسرين وأنشد أهل اللغة : كعدو المصلصل الجوال وقال مجاهد : هو الطين المنتن واختاره الكسائي قال : وهو من قول العرب : صل اللحم وأصل إذا أنتن مطبوخا كان أو نيئا يصل صلولا قال الحطيئة : ذاك فتى يبذل ذا قدره لا يفسد اللحم لديه الصلول وطين صلال ومصلال أي يصوت إذا نقرته كما يصوت الحديد فكان أول ترابا أي متفرق الأجزاء ثم بل فصار طينا ثم ترك حتى أنتن فصار حما مسنونا أي متغيرا ثم يبس فصار صلصالا على قول الجمهور وقد مضى في البقرة بيان هذا والحمأ : الطين الأسود وكذلك الحمأة بالتسكين تقول منه : حمئت البئر حمأ [ بالتسكين ] إذا نزعت حمأتها وحمئت البئر حمأ [ بالتحريك ] كثرت حمأتها وأحمأتها إحماء ألقيت فيها الحمأة عن بن السكيت وقال أبو عبيدة : الحمأة [ بسكون الميم ] مثل الكمأة والجمع حمء مثل تمرة وتمر والحمأ المصدر مثل الهلع والجزع ثم سمي به والمسنون المتغير قال بن عباس : هو التراب المبتل المنتن فجعل صلصالا كالفخار ومثله قول مجاهد وقتادة قالا : المنتن المتغير من قولهم : قد أسن الماء إذا تغير ومنه يتسنه وماء غير آسن محمد ومنه قول أبي قيس بن الأسلت : سقت صداي رضابا غير ذي أسن كالمسك فت على ماء العناقيد وقال الفراء : هو المتغير وأصله من قولهم : سننت الحجر على الحجر إذا حككته به وما يخرج من الحجرين يقال له السنانة والسنين ومنه المسن قال الشاعر : ثم خاصرتها إلى القبة الحمراء تمشي في مرمر مسنون أي محكوك مملس حكى أن يزيد بن معاوية قال لأبيه : ألا ترى عبد الرحمن بن حسان يشبب بابنتك فقال معاوية : وما قال فقال قال : هي زهراء مثل لؤلؤة الغواص ميزت من جوهر مكنون فقال معاوية : صدق فقال يزيد : إنه يقول : وإذا ما نسبتها لم تجدها في سناء من المكارم دون فقال : صدق فقال : أين قوله : ثم خاصرتها البيت فقال معاوية : كذب وقال أبو عبيدة : المسنون المصبوب وهو من قول العرب : سننت الماء وغيره على الوجه إذا صببته والسن الصب وروي علي بن أبي طلحة عن بن عباس قال : المسنون الرطب وهذا بمعنى المصبوب لأنه لا يكون مصبوبا إلا وهو رطب النحاس : وهذا قول حسن لأنه يقال : سننت الشيء أي صببته قال أبو عمرو بن العلاء : ومنه الأثر المروي عن عمر أنه كان يسن الماء على وجهه ولا يشنه والشن [ بالشين ] تفريق الماء وبالسين المهملة صبه من غير تفريق وقال سيبويه : المسنون المصور أخذ من سنة الوجه وهو صورته وقال ذو الرمة : تريك سنة وجه مفرقة ملساء ليس بها خال ولا ندب وقال الأخفش : المسنون المنصوب القائم من قولهم : وجه مسنون إذا كان فيه طول وقد قيل : إن الصلصال التراب المدقق حكاه المهدوي ومن قال : إن الصلصال هو المنتن فأصله صلال فأبدل من إحدى المين الصاد ومن حمإ مفسر لجنس الصلصال كقولك : أخذت هذا من رجل من العرب < < الحجر : ( 27 ) والجان خلقناه من . . . . . > > <

قسم V10/P022–V10/P024

> ( الحجر 27 ) < > قوله تعالى : ( والجان خلقناه من قبل ) أي من قبل خلق آدم وقال الحسن : يعني إبليس خلقه الله تعالى قبل آدم عليه السلام وسمي جانا لتواريه عن الأعين وفي صحيح مسلم من حديث ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لما صور الله تعالى آدم عليه السلام في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك ( من نار السموم ) قال بن مسعود : نار السموم التي خلق الله منها الجان جزء من سبعين جزءا من نار جهنم وقال بن عباس : السموم الريح الحارة التي تقتل وعنه : أنها نار لا دخان لها والصواعق تكون منها وهي نار تكون بين السماء والحجاب فإذا أحدث الله أمرا أخترقت الحجاب فهوت الصاعقة إلى ما أمرت فالهدة التي تسمعون خرق ذلك الحجاب وقال الحسن : نار السموم نار دونها حجاب والذي تسمعون من انغطاط السحاب صوتها وعن بن عباس أيضا قال : كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم من بين الملائكة قال : وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار قلت : هذا فيه نظر فإنه يحتاج إلى سند يقطع العذر إذ مثله لا يقال من جهة الرأي وقد خرج مسلم من حديث عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم فقوله : ( خلقت الملائكة من نور ( يقتضي العموم والله أعلم وقال الجوهري : مارج من نار نار لا دخان لها خلق منها الجان والسموم الريح الحارة تؤنث يقال منه : سم يومنا فهو يوم مسموم والجمع سمائم قال أبو عبيدة : السموم بالنهار وقد تكون بالليل والحرور بالليل وقد تكون بالنهار القشيري : وسميت الريح الحارة سموما لدخولها في مسام البدن < < الحجر : ( 28 ) وإذ قال ربك . . . . . > > < > ( الحجر 28 : 29 ) < > قوله تعالى : ( وإذا قال ربك للملائكة ) تقدم في البقرة ( إني خالق بشرا من صلصال ) من طين ( فإذا سويته ) أي سويت خلقه وصورته ( ونفخت فيه من روحي ) النفخ إجراء الريح في الشيء والروح جسم لطيف أجرى الله العادة بأن يخلق الحياة في البدن مع ذلك الجسم وحقيقته إضافة خلق إلى خالق فالروح خلق من خلقه أضافه إلى نفسه تشريفا وتكريما كقوله : ( أرضي وسمائي وبيتي وناقة الله وشهر الله ( ومثله وروح منه وقد تقدم في النساء مبينا وذكرنا في كتاب [ التذكرة ] الأحاديث الواردة التي تدل على أن الروح جسم لطيف وأن النفس والروح اسمان لمسمى واحد وسيأتي ذلك إن شاء الله ومن قال إن الروح هو الحياة قال أراد : فإذا ركبت فيه الحياة ( فقعوا له ساجدين ) أي خروا له ساجدين وهو سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة ولله أن يفضل من يريد ففضل الأنبياء على الملائكة وقد تقدم في البقرة هذا المعنى وقال القفال : كانوا أفضل من آدم وامتحنهم بالسجود له تعريضا لهم للثواب الجزيل وهو مذهب المعتزلة وقيل : أمروا بالسجود لله عند آدم وكان آدم قبلة لهم < < الحجر : ( 30 ) فسجد الملائكة كلهم . . . . . > > < > ( الحجر 30 : 31 ) <

قسم V10/P024–V10/P026

> قوله تعالى : ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس ) فيه مسألتان : الأولى لا شك أن إبليس كان مأمورا بالسجود لقوله : ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك وإنما منعه من ذلك الاستكبار والاستعظام كما تقدم في البقرة بيانه ثم قيل : كان من الملائكة فهو استثناء من الجنس وقال قوم : لم يكن من الملائكة فهو استثناء منقطع وقد مضى في البقرة هذا كله مستوفى وقال بن عباس : الجان أبو الجن وليسوا شياطين والشياطين ولد إبليس لا يموتون إلا مع إبليس والجن يموتون ومنهم المؤمن ومنهم الكافر فآدم أبو الإنس والجان أبو الجن وإبليس أبو الشياطين ذكره الماوردي والذي تقدم في البقرة خلاف هذا فتأمله هناك الثانية الاستثناء من الجنس غير الجنس صحيح عند الشافعي حتى لو قال : لفلان علي دينار إلا ثوبا أو عشرة أثواب إلا قفيز حنطة وما جانس ذلك كان مقبولا ولا يسقط عنه من المبلغ قيمة الثوب والحنطة ويستوي في ذلك المكيلات والموزونات والمقدرات وقال مالك وأبو حنيفة رضي الله عنهما : استثناء المكيل من الموزون والموزون من المكيل جائز حتى لو استثنى الدراهم من الحنطة والحنطة من الدراهم قبل فأما إذا استثنى المقومات من المكيلات أو الموزونات والمكيلات من المقومات مثل أن يقول : علي عشرة دنانير إلا ثوبا أو عشرة أثواب إلا دينارا لا يصح الاستثناء ويلزم المقر جميع المبلغ وقال محمد بن الحسن : الاستثناء من غير الجنس لا يصح ويلزم المقر جملة ما أقر به والدليل لقول الشافعي أن لفظ الاستثناء يستعمل في الجنس وغير الجنس قال الله تعالى : لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما فاستثنى السلام من جملة اللغو ومثله فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس وإبليس ليس من جملة الملائكة قال الله تعالى : إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه وقال الشاعر : وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس فاستثنى اليعافير وهي ذكور الظباء والعيس وهي الجمال البيض من الأنيس ومثله قول النابغة : < < الحجر : ( 32 ) قال يا إبليس . . . . . > > < > ( الحجر 32 : 35 ) < > قوله تعالى : ( قال ياإبليس ما لك ) أي ما المانع لك ( ألا تكون مع الساجدين ) أي في ألا تكون ( قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون ) بين تكبره وحسده وأنه خير منه إذ هو من نار والنار تأكل الطين كما تقدم في الأعراف بيانه ( قال فأخرج منها ) أي من السماوات أو من جنة عدن أو من جملة الملائكة ( فإنك رجيم ) أي مرجوم بالشهب وقيل : ملعون مشئوم وقد تقدم هذا كله مستوفى في البقرة والأعراف ( وإن عليك اللعة ) أي لعنتي كما في سورة ص < < الحجر : ( 36 ) قال رب فأنظرني . . . . . > > < > ( الحجر 36 : 38 ) < > قوله تعالى : ( قال رب فانظرني إلى يوم يبعثون ) هذا السؤال من إبليس لم يكن عن ثقته منه بمنزلته عند الله تعالى وأنه أهل أن يجاب له دعاء ولكن سأل تأخير عذابه زيادة في بلائه كفعل الآيس من السلامة وأراد بسؤاله الإنظار إلى يوم يبعثون : ألا يموت لأن يوم البعث لا موت فيه ولابعده قال الله تعالى : ( فإنك من المنظرين ) يعني من المؤجلين ( إلى يوم الوقت المعلوم ) قال بن عباس : أراد به النفخة الأولى أي حين تموت الخلائق وقيل : الوقت المعلوم الذي استأثر الله بعلمه ويجهله إبليس فيموت إبليس ثم يبعث قال الله تعالى : كل من عليها فان وفي كلام الله تعالى قولان : أحدهما كلمه على لسان رسوله الثاني كلمه تغليظا في الوعيد لا على وجه التكرمة والتقريب < <

قسم V10/P026–V10/P028

الحجر : ( 39 ) قال رب بما . . . . . > > < > ( الحجر 39 ) < > قوله تعالى : ( قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ) تقدم معنى الإغواء والزينة في الأعراف وتزيينه هنا يكون بوجهين : إما بفعل المعاصي وإما بشغلهم بزينة الدنيا عن فعل الطاعة ومعنى ( لأغوينهم أجمعين ) أي لأضلنهم عن طريق الهدى وروى بن لهيعة عبد الله عن دراج بن السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن إبليس قال يارب وعزتك وجلالك لا أزال أغوي بني آدم ما دامت أرواحهم في أجسادهم فقال الرب وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم مااستغفروني ( < < الحجر : ( 40 ) إلا عبادك منهم . . . . . > > < > ( الحجر 40 ) < > قرأ أهل المدينة وأهل الكوفة بفتح اللام أي الذين استخلصتهم وأخلصتهم وقرأ الباقون بكسر اللام أي الذين أخلصوا لك العبادة من فساد أو رياء حكى أبو ثمامة أن الحواريين سألوا عيسى عليه السلام عن المخلصين لله فقال : ( الذي يعمل ولايحب أن يحمده الناس ( < < الحجر : ( 41 ) قال هذا صراط . . . . . > > < > ( الحجر 41 ) < > قال عمر بن الخطاب : معناه هذا صراط يستقيم بصاحبه حتى يهجم به على الجنة الحسن : علي بمعنى إلي مجاهد والكسائي : هذا على الوعيد والتهديد كقولك لمن تهدده : طريقك علي ومصيرك إلي وكقوله : إن ربك لبالمرصاد فكان معنى الكلام : هذا طريق مرجعه إلي فأجازي كلا بعمله يعني طريق العبودية وقيل : المعنى علي أن أدل على الصراط المستقيم بالبيان والبرهان وقيل : بالتوفيق والهداية وقرأ بن سيرين وقتادة والحسن وقيس بن بن عباد وأبو رجاء وحميد ويعقوب هذا صراط علي مستقيم برفع علي وتنوينه ومعناه رفيع مستقيم أي رفيع في الدين والحق وقيل : رفيع أن ينال مستقيم أن يمال قوله تعالى : < < الحجر : ( 42 ) إن عبادي ليس . . . . . > > < > ( الحجر 42 ) < > فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) قال العلماء : يعني على قلوبهم وقال بن عيينة : أي في أن يلقيهم في ذنب يمنعهم عفوي ويضيقه عليهم وهؤلاء الذين هداهم الله واجتباهم واختارهم واصطفاهم قلت : لعل قائلا يقول : قد أخبر الله عن صفة آدم وحواء عليهما السلام بقوله : فأزلهما الشيطان وعن جملة من أصحاب نبيه بقوله : إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا فالجواب ما ذكر وهو أنه ليس له سلطان على قلوبهم ولاموضع إيمانهم ولايلقيهم في ذنب يؤول إلى عدم القبول بل تزيله التوبة وتمحوه الأوبة ولم يكن خروج آدم عقوبة لما تناول على ما تقدم في البقرة بيانه وأما أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقد مضى القول عنهم في آل عمران ثم إن قوله سبحانه : ليس لك عليهم سلطان يحتمل أن يكون خاصا فيمن حفظه الله ويحتمل أن يكون في أكثر الأوقات والأحوال وقد يكون في تسلطه في تفريج كربة وإزالة غمة كما فعل ببلال إذ أتاه يهديه كما يهدي الصبي حتى نام ونام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس وفزعوا وقالوا : ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ( ليس في النوم تفريط ( ففرج عنهم ( إلا من اتبعك من الغاوين ) أي الضالين المشركين أي سلطانه على هؤلاء دليله إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون الثانية وهذه الآية والتي قبلها دليل على جواز استثناء القليل من الكثير والكثير من القليل مثل أن يقول : عشرة إلا درهما أو يقول : عشرة إلا تسعة وقال أحمد بن حنبل : لا يجوز أن يستثني إلا قدر النصف فما دونه وأما استثناء الأكثر من الجملة فلا يصح ودليلنا هذه الآية فإن فيها استثناء الغاوين من العباد والعباد من الغاوين وذلك يدل على أن استثناء الأقل من الجملة واستثناء الأكثر من الجملة جائز قوله تعالى : < <

قسم V10/P028

الحجر : ( 43 ) وإن جهنم لموعدهم . . . . . > > < > ( الحجر 43 : 44 ) <

قسم V10/P028–V10/P031

> قوله تعالى : ( وإن جهنم لموعدهم أجمعين ) يعني إبليس ومن اتبعه ( لها سبعة أبواب ) أي أطباق طبق فوق طبق ( لكل باب ) أي لكل طبقة ( منهم جزء مقسوم ) أي حظ معلوم ذكر بن المبارك قال : أخبرنا إبراهيم أبو هارون الغنوي قال : سمعت حطان بن عبد الله الرقاشي يقول سمعت عليا رضي الله عنه يقول : هل تدرون كيف أبواب جهنم قلنا هي مثل أبوابنا قال لا هي هكذا بعضها فوق بعض زاد الثعلبي : ووضع إحدى يديه على الأخرى وأن الله وضع الجنان على الأرض والنيران بعضها فوق بعض فأسفلها جهنم وفوقها الحطمة وفوقها سقر وفوقها الجحيم وفوقها لظى وفوقها السعير وفوقها الهاوية وكل باب أشد حرا من الذي يليه سبعين مرة قلت : كذا وقع هذا التفسير والذي عليه الأكثر من العلماء أن جهنم أعلى الدركات وهي مختصة بالعصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهي التي تخلى من أهلها فتصفق الرياح أبوابها ثم لظى ثم الحطمة ثم سعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية قال الضحاك : في الدرك الأعلى المحمديون وفي الثاني النصارى وفي الثالث اليهود وفي الرابع الصابئون وفي الخامس المجوس وفي السادس مشركو العرب وفي السابع المنافقون وآل فرعون ومن كفر من أهل المائدة قال الله تعالى : إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار وقد تقدم في النساء وقال : أدخلوا آل فرعون أشد العذاب وقال : فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين وقسم معاذ بن جبل رضي الله عنه العلماء السوء من هذه الأمة تقسيما على تلك الأبواب ذكرناه في كتاب [ التذكرة ] وروى الترمذي من حديث بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لجهنم سبعة أبواب باب منها لمن سل سيفه على أمتي ( قال : حديث غريب وقال أبي بن كعب : لجهنم سبعة أبواب باب منها للحرورية وقال وهب بن منبه : بين كل بابين مسيرة سبعين سنة كل باب أشد حرا من الذي فوقه بسبعين ضعفا وقد ذكرنا هذا كله في كتاب التذكرة وروى سلام الطويل عن أبي سفيان عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم جزء أشركوا بالله وجزء شكوا في الله وجزء غفلوا عن الله وجزء آثروا شهواتهم على الله وجزء شفوا غيظهم بغضب الله وجزء صيروا رغبتهم بحظهم من الله وجزء عتوا على الله ذكره الحليمي أبو عبد الله الحسين بن الحسن في كتاب [ منهاج الدين ] له وقال : فإن كان ثابتا فالمشركون بالله هم الثنوية والشاكون هم الذين لا يدرون أن لهم إلها أو لا إله لهم ويشكون في شريعته أنها من عنده أم لا والغافلون عن الله هم الذين يجحدونه أصلا ولايثبتونه وهم الدهرية والمؤثرون شهواتهم على الله هم المنهمكون في المعاصي لتكذيبهم رسل الله وأمره ونهيه والشافون غيظهم بغضب الله هم القاتلون أنبياء الله وسائر الداعين إليه المعذبون من ينصح لهم أو يذهب غير مذهبهم والمصيرون رغبتهم بحظهم من الله المنكرون بالبعث والحساب فهم يعبدون ما يرغبون فيه لهم جميع حظهم من الله تعالى والعاتون على الله الذين لا يبالون بأن يكون ما هم فيه حقا أو باطلا فلا يتفكرون ولايعتبرون ولايستدلون والله أعلم بما أراد رسوله صلى الله عليه وسلم إن ثبت الحديث ويروى أن سلمان الفارسي رضي الله عنه لما سمع هذه الآية وإن جهنم لموعدهم أجمعين فر ثلاثة أيام من الخوف لا يعقل فجيء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال : يا رسول الله أنزلت هذه الآية وإن جهنم لموعدهم أجمعين فو الذي بعثك بالحق لقد قطعت قلبي فأنزل الله تعالى إن المتقين في جنات وعيون وقال بلال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في مسجد المدينة وحده فمرت به امرأة أعرابية فصلت خلفه ولم يعلم بها فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم فخرت الأعرابية مغشيا عليها وسمع النبي صلى الله عليه وسلم وجبتها فانصرف ودعا بماء فصب على وجهها حتى أفاقت وجلست فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ياهذه مالك ( فقالت : أهذا شيء في كتاب الله المنزل أو تقوله من تلقاء نفسك فقال : ( ياأعرابية بل هو من كتاب الله المنزل ( فقالت : كل عضو من أعضائي يعذب على كل باب منها قال : ( ياأعرابية بل لكل باب منهم جزء مقسوم يعذب أهل كل منها على قدر أعمالهم ( فقالت : والله إني امرأة مسكينة ما لي مال ومالي إلا سبعة أعبد أشهدك يا رسول الله أن كل عبد منهم عن كل باب من أبواب جهنم حر لوجه الله تعالى فأتاه جبريل فقال : ( يا رسول الله بشر الأعرابية أن الله قد حرم عليها أبواب جهنم كلها وفتح لها أبواب الجنة كلها ( < <

قسم V10/P031–V10/P033

الحجر : ( 45 ) إن المتقين في . . . . . > > < > ( الحجر 45 : 46 ) < > قوله تعالى : ( إن المتقين في جنات وعيون ) أي الذين اتقوا الفواحش والشرك ( في جنات ) أي بساتين ( وعيون ) هي الأنهار الأربعة : ماء وخمر ولبن وعسل وأما العيون المذكورة في سورة الإنسان : الكافور والزنجبيل والسلسبيل وفي المطففين : التسنيم فيأتي ذكرها وأهلها إن شاء الله وضم العين من عيون على الأصل والكسر مراعاة للياء وقرىء بهما ( ادخلوها بسلام آمنين ) قراءة العامة ادخلوها بوصل الألف وضم الخاء من دخل يدخل على الأمر تقديره : قيل ادخلوها وقرأ الحسن وأبو العالية ورويس عن يعقوب ادخلوها بضم التنوين ووصل الألف وكسر الخاء على الفعل المجهول من أدخل أي أدخلهم الله إياها ومذهبهم كسر التنوين في مثل برحمة ادخلوا الجنة وشبهه إلا أنهم ها هنا ألقوا حركة الهمزة على التنوين إذ هي ألف قطع ولكن فيه انتقال من كسر إلى ضم ثم من ضم إلى كسر فيثقل على اللسان ( بسلام ) أي بسلامة من كل داء وآفة وقيل : بتحية من الله لهم ( آمنين ) أي من الموت والعذاب والعزل والزوال < < الحجر : ( 47 ) ونزعنا ما في . . . . . > > < > ( الحجر 47 : 48 ) < > قال بن عباس : أول ما يدخل أهل الجنة الجنة تعرض لهم عينان فيشربون من إحدى العينين فيذهب الله ما في قلوبهم من غل ثم يدخلون العين الأخرى فيغتسلون فيها فتشرق ألوانهم وتصفو وجوههم وتجري عليهم نضرة النعيم ونحوه عن علي رضي الله عنه وقال علي بن الحسين : نزلت في أبي بكر وعمر وعلي والصحابة يعني ما كان بينهم في الجاهلية من الغل والقول الأول أظهر يدل عليه سياق الآية وقال علي رضي الله عنه : أرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من هؤلاء والغل : الحقد والعداوة يقال منه : غل يغل ويقال من الغلول وهو السرقة من المغنم : غل يغل ويقال من الخيانة : أغل يغل كما قال : جزى الله عنا حمزة بنة نوفل ج زاء مغ ل بالأمانة ك اذب وقد مضى هذا في آل عمران ( إخوانا على سرر متقابلين ) أي لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض تواصلا وتحاببا عن مجاهد وغيره وقيل : الأسرة تدور كيفما شاؤوا فلا يرى أحد قفا أحد وقيل : متقابلين قد أقبلت عليهم الأزواج وأقبلوا عليهن بالود وسرر جمع سرير مثل جديد وجدد وقيل : هو من السرور فكأنه مكان رفيع ممهد للسرور والأول أظهر قال بن عباس : على سرر مكللة بالياقوت والزبرجد والدر والسرير ما بين صنعاء إلى الجابية ومابين بين عدن إلى أيلة وإخوانا نصب على الحال من المتقين أو من المضمر في ادخلوها أو من المضمر في آمنين أو يكون حالا مقدرة من الهاء والميم في صدورهم ( لا يمسهم فيها نصب ) أي إعياء وتعب ( وما هم عنها بمخرجين ) دليل على أن نعيم الجنة دائم لا يزول وأن أهلها فيها باقون أكلها دائم إن هذا لرزقنا ما له من نفاذ < < الحجر : ( 49 ) نبئ عبادي أني . . . . . > > < > ( الحجر 49 : 50 ) <

قسم V10/P033–V10/P035

> هذه الآية وزان قوله عليه السلام : ( لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته أحد ( أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وقد تقدم في الفاتحة وهكذا ينبغي للإنسان أن أن يذكر نفسه وغيره فيخوف ويرجي ويكون الخوف في الصحة أغلب عليه منه في المرض وجاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على الصحابة وهم يضحكون فقال : ( أتضحكون وبين أيديكم الجنة والنار ( فشق ذلك عليهم فنزلت الآية ذكره الماوردي والمهدوي ولفظ الثعلبي عن بن عمر قال : اطلع علينا النبي صلى الله عليه وسلم من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة ونحن نضحك فقال : ( مالكم تضحكون لا أراكم تضحكون ( ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر رجع القهقري فقال لنا : ( إني لما خرجت جاءني جبريل فقال يامحمد لم تقنط عبادي من رحمتي نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم ( فالقنوط إياس والرجاء إهمال وخير الأمور أوساطها < < الحجر : ( 51 ) ونبئهم عن ضيف . . . . . > > < > ( الحجر 51 : 54 ) < > قوله تعالى : ( ونبئهم عن ضيف إبراهيم ) ضيف إبراهيم : الملائكة الذين بشروه بالولد وبهلاك قوم لوط وقد تقدم ذكرهم وكان إبراهيم عليه السلام يكنى أبا الضيفان وكان لقصره أربعة أبواب لكيلا يفوته أحد وسمي الضيف ضيفا لإضافته إليك ونزوله عليك وقد مضى من حكم الضيف في هود ما يكفي والحمد لله ( إذ دخلوا عليه ) جمع الخبر لأن الضيف اسم يصلح للواحد والجمع والتثنية والمذكر والمؤنث كالمصدر ضافه وأضافه أماله ومنه الحديث ( حيث تضيف الشمس للغروب ( وضيفوفة السهم والإضافة النحوية ( فقالوا سلاما ) أي سلموا سلاما ( قال إنا منكم وجلون ) أي فزعون خائفون وإنما قال هذا بعد أن قرب العجل ورآهم لا يأكلون على ما تقدم في هود وقيل : أنكر السلام ولم يكن في بلادهم رسم السلام ( قالوا لاتوجل ) أي قالت الملائكة لا تخف ( إنا نبشرك بغلام عليم ) أي حليم قاله مقاتل وقال الجمهور : عالم وهو إسحاق ( قال أبشرتموني على أن مسني الكبر ) أن مصدرية أي على مس الكبر إياي وزوجتي وقد تقدم في هود وإبراهيم حيث يقول : فبم تبشرون استفهام تعجب وقيل : استفهام حقيقي وقرأ الحسن توجل بضم التاء والأعمش بشرتموني بغير ألف ونافع وشيبة تبشرون بكسر النون والتخفيف مثل أتحاجوني وقد تقدم تعليله وقرأ بن كثير وبن محيصن تبشرون بكسر النون مشددة تقديره تبشرونني فأدغم النون في النون الباقون تبشرون بنصب النون بغير إضافة < < الحجر : ( 55 ) قالوا بشرناك بالحق . . . . . > > < > ( الحجر 55 ) < > قوله تعالى : ( قالوا بشرناك بالحق ) أي بما لا خلف فيه وأن الولد لا بد منه ( فلا تكن من القانطين ) أي من الآيسين من الولد وكان قد أيس من الولد لفرط الكبر وقراءة العامة من القانطين بالألف وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب من القنطين بلا ألف وروي عن أبي عمرو وهو مقصور من القانطين ويجوز أن يكون من لغة من قال : قنط يقنط مثل حذر يحذر وفتح النون وكسرها من يقنط لغتان قرئ بهما وحكى فيه يقنط بالضم ولم يأت فيه قنط يقنط ومن فتح النون في الماضي والمستقبل فإنه جمع بين اللغتين فأخذ في الماضي بلغة من قال : قنط يقنط وفي المستقبل بلغة من قال : قنط يقنط ذكره المهدوي < < الحجر : ( 56 ) قال ومن يقنط . . . . . > > < > ( الحجر 56 ) <

قسم V10/P035–V10/P037

> أي المكذبون الذاهبون عن طريق الصواب يعني أنه استبعد الولد لكبر سنه لا أنه قنط من رحمة الله < < الحجر : ( 57 ) قال فما خطبكم . . . . . > > < > ( الحجر 57 : 60 ) < > فيه مسألتان : الأولى لما علم أنهم ملائكة إذ أخبروه بأمر خارق للعادة وهو بشراهم بالولد قال : فما خطبكم والخطب الأمر الخطير أي فما أمركم وشأنكم وما الذي جئتم به ( قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ) أي مشركين ضالين وفي الكلام إضمار أي أرسلنا إلى قوم مجرمين لنهلكهم ( إلا آل لوط ) أتباعه وأهل دينه ( إنا لمنجوهم ) وقرأ حمزة والكسائي لمنجوهم بالتخفيف من أنجى الباقون : بالتشديد من نجي واختاره أبو عبيد وأبو حاتم والتنجية والإنجاء التخليص ( إلا امرأته ) استثنى من آل لوط امرأته وكانت كافرة فالتحقت بالمجرمين في الهلاك وقد تقدمت قصة قوم لوط في الأعراف وسورة هود بما فيه كفاية ( قدرنا إنها لمن الغابرين ) أي قضينا وكتبنا إنها لمن الباقين في العذاب والغابر : الباقي قال : لا تكسع الشول بأغبارها إنك لا تدري من الناتج الأغبار بقايا اللبن وقرأ أبو بكر والمفضل قدرنا بالتخفيف هنا وفي النمل وشدد الباقون الهروي : يقال قدر وقدر بمعنى الثانية لا خلاف بين أهل اللسان وغيرهم أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي فاذا قال رجل : له علي عشرة دراهم إلا أربعة إلا درهما ثبت الإقرار بسبعة لأن الدرهم مستثنى من الأربعة وهو مثبت لأنه مستثنى من نفي وكانت الأربعة منفية لأنها مستثناة من موجب وهو العشرة فعاد الدرهم إلى الستة فصارت سبعة وكذلك لو قال : علي خمسة دراهم إلا درهما إلا ثلثيه كان عليه أربعة دراهم وثلث وكذلك إذا قال : لفلان علي عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة كأن الاستثناء الثاني راجع إلى ما قبله والثالث إلى الثاني فيكون عليه درهمان لأن العشرة إثبات والثمانية إثبات فيكون مجموعها ثمانية عشر والتسعة نفي والسبعة نفي فيكون ستة عشر تسقط من ثمانية عشر ويبقى درهمان وهو القدر الواجب بالإقرار لا غير فقوله سبحانه : إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته فاستثنى آل لوط من القوم المجرمين ثم قال : إلا امرأته فاستثناها من آل لوط فرجعت في التأويل إلى القوم المجرمين كما بينا وهكذا الحكم في الطلاق لو قال لزوجته : أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين إلا واحدة طلقت ثنتين لأن الواحدة رجعت إلى الباقي من المستثنى منه وهي الثلاث وكذا كل ما جاء من هذا فتفهمه < < الحجر : ( 61 ) فلما جاء آل . . . . . > > < > ( الحجر 61 : 65 ) <

قسم V10/P037–V10/P038

> قوله تعالى : ( فلما جاء آل لوط المرسلون قال إنكم قوم منكرون ) أي لا أعرفكم وقيل : كانوا شبابا ورأى جمالا فخاف عليهم من فتنة قومه فهذا هو الإنكار ( قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون ) أي يشكون أنه نازل بهم وهو العذاب ( وأتيناك بالحق ) أي بالصدق وقيل : بالعذاب ( وإنا لصادقون ) أي في هلاكهم ( فأسر بأهلك بقطع من الليل ) تقدم في هود ( واتبع أدربارهم ) أي كن من ورائهم لئلا يتخلف منهم أحد فيناله العذاب ( ولايلتفت منكم أحد ) نهوا عن الالتفات ليجدوا في السير ويتباعدوا عن القرية قبل أن يفاجئهم الصبح وقيل : المعنى لا يتخلف ( وامضوا حيث تؤمرون ) قال بن عباس : يعني الشام مقاتل : يعني صفد قرية من قرى لوط وقد تقدم وقيل : إنه مضى إلى أرض الخليل بمكان يقال له اليقين وإنما سمى اليقين لأن إبراهيم لما خرجت الرسل شيعهم فقال لجبريل : من أين يخسف بهم قال : ( من ها هنا ( وحد له حدا وذهب جبريل فلما جاء لوط جلس عند إبراهيم وارتقبا ذلك العذاب فلما اهتزت الأرض قال إبراهيم : ( أيقنت بالله ( فسمي اليقين < < الحجر : ( 66 ) وقضينا إليه ذلك . . . . . > > < > ( الحجر 66 : 71 ) < > قوله تعالى : ( وقضينا إليه ) أي أوحينا إلى لوط ( ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين ) نظيره فقطع دابر القوم الذين ظلموا ( مصبحين ) أي عند طلوع الصبح وقد تقدم ( وجاء أهل المدينة ) أي أهل مدينة لوط ( يستبشرون ) مستبشرين بالأضياف طمعا منهم في ركوب الفاحشة ( قال إن هؤلاء ضيفي ) أي أضيافي ( فلا تفضحون ) أي تخجلون ( واتقوا الله ولا تخزون ) يجوز أن يكون من الخزي وهو الذل والهوان ويجوز أن يكون من الخزاية وهو الحياء والخجل وقد تقدم في هود ( قالوا أو لم ننهك عن العالمين ) أي عن أن تضيف أحدا لأنا نريد منهم الفاحشة وكانوا يقصدون بفعلهم الغرباء عن الحسن وقد تقدم في الأعراف وقيل : أو لم ننهك عن أن تكلمنا في أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة ( قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين ) أي فتزوجوهن ولاتركنوا إلى الحرام وقد تقدم بيان هذا في هود < < الحجر : ( 72 ) لعمرك إنهم لفي . . . . . > > < > ( الحجر 72 ) <

قسم V10/P038–V10/P041

> فيه ثلاث مسائل : الأولى قال القاضي أبو بكر بن العربي : قال المفسرون بأجمعهم أقسم الله تعالى ها هنا بحياة محمد صلى الله عليه وسلم تشريفا له أن قومه من قريش في سكرتهم يعمهون وفي حيرتهم يترددون قلت : وهكذا قال القاضي عياض : أجمع أهل التفسير في هذا أنه قسم من الله جل جلاله بمدة حياة محمد صلى الله عليه وسلم وأصله ضم العين من العمر ولكنها فتحت لكثرة الاستعمال ومعناه وبقائك يامحمد وقيل وحياتك وهذا نهاية التعظيم وغاية البر والتشريف قال أبو الجوزاء : ما أقسم الله بحياة أحد غير محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أكرم البرية عنده قال بن العربي : ما الذي يمنع أن يقسم الله سبحانه وتعالى بحياة لوط ويبلغ به من التشريف ما شاء الله وكل ما يعطيه الله تعالى للوط من فضل يؤتى ضعفيه من شرف لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه أكرم على الله منه أو لا ترى أنه سبحانه أعطى إبراهيم الخلة وموسى التكليم وأعطى ذلك لمحمد فإذا أقسم بحياة لوط فحياة محمد أرفع ولايخرج من كلام إلى كلام لم يجر له ذكر لغير ضرورة قلت : ما قاله حسن فإنه كان يكون قسمه سبحانه بحياة محمد صلى الله عليه وسلم كلاما معترضا في قصة لوط قال القشيري أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم في تفسيره : ويحتمل أن يقال : يرجع ذلك إلى قوم لوط أي كانوا في سكرتهم يعمهون وقيل : لما وعظ لوط قومه وقال هؤلاء بناتي قالت الملائكة : يالوط لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ولايدرون ما يحل بهم صباحا فإن قيل : فقد أقسم تعالى بالتين والزيتون وطور سينين فما في هذا قيل له : ما من شيء أقسم الله به إلا وذلك دلالة على فضله على ما يدخل في عداده فكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم يجب أن يكن أفضل ممن هو في عداده والعمر والعمر [ بضم العين وفتحها ] لغتان معناهما واحد إلا أنه لا يستعمل في القسم إلا بالفتح لكثرة الاستعمال وتقول : عمرك الله أي أسأل الله تعميرك ولعمرك رفع بالابتداء وخبره محذوف المعنى لعمرك مما أقسم به الثانية كره كثير من العلماء أن يقول الإنسان لعمري لأن معناه وحياتي وقال إبراهيم النخعي : يكره للرجل أن يقول لعمري لأنه حلف بحياة نفسه وذلك من كلام ضعفة الرجال ونحو هذا قال مالك : إن المستضعفين من الرجال والمؤنثين يقسمون بحياتك وعيشك وليس من كلام أهل الذكران وإن كان الله سبحانه أقسم به في هذه القصة فذلك بيان لشرف المنزلة والرفعة لمكانه فلا يحمل عليه سواه ولايستعمل في غيره وقال بن حبيب : ينبغي أن يصرف لعمرك في الكلام لهذه الآية وقال قتادة : هو من كلام العرب قال بن العربي : وبه أقول لكن الشرع قد قطعه في الاستعمال ورد القسم إليه قلت : القسم ب لعمرك ولعمري ونحوه في أشعار العرب وفصيح كلامها كثير قال النابغة : لعمري وما عمري علي بهي ن لقد نطقت بطلا علي الأقارع آخر : لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى لكالطول المرخى وثنياه باليد آخر : أيها المنكح الثريا سهيلا عمرك الله كيف يلتقيان آخر : إذا رضيت علي بنو قشير لعمر الله أعجبني رضاها وقال بعض أهل المعاني : لا يجوز هذا لأنه لا يقال لله عمر وإنما هو تعالى أزلي ذكره الزهراوي الثالثة وقد مضى في الكلام فيما يحلف به ومالايجوز الحلف به المائدة وذكرنا هناك قول أحمد بن حنبل فيمن أقسم بالنبي صلى الله عليه وسلم لزمته الكفارة قال بن خويزمنداد : من جوز الحلف بغير الله تعالى مما يجوز تعظيمه بحق من الحقوق فليس يقول إنها يمين تتعلق بها كفارة إلا أنه من قصد الكذب كان ملوما لأنه في الباطن مستخف بما وجب عليه تعظيمه قالوا : وقوله تعالى لعمرك أي وحياتك وإذا أقسم الله تعالى بحياة نبيه فإنما أراد بيان التصريح لنا أنه يجوز أن نحلف بحياته وعلى مذهب مالك معنى قوله : لعمرك والتين والزيتون والطور وكتاب مسطور والنجم إذا هوى والشمس وضحاها لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ووالد وما ولد كل هذا معناه : وخالق التين والزيتون وبرب الكتاب المسطور وبرب البلد الذي حللت به وخالق عيشك وحياتك وحق محمد فاليمين والقسم حاصل به سبحانه لا بالمخلوق قال بن خويزمنداد : ومن جوز اليمين بغير الله تعالى تأول قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تحلفوا بآبائكم ( وقال : إنما نهي عن الحلف بالآباء الكفار ألا ترى أنه قال لما حلفوا بآبائهم : ( للجبل عند الله أكرم من آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية ( ومالك حمل الحديث على ظاهره قال بن خويزمنداد : واستدل أيضا من جوز ذلك بأن أيمان المسلمين جرت منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا أن يحلفوا بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى أن أهل المدينة إلى يومنا هذا إذا حاكم أحدهم صاحبه قال : احلف لي بحق ما حواه هذا القبر وبحق ساكن هذا القبر يعني النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك بالحرم والمشاعر العظام والركن والمقام والمحراب ومايتلى فيه < <

قسم V10/P041

الحجر : ( 73 ) فأخذتهم الصيحة مشرقين > > < > ( الحجر 73 : 74 ) < > قوله تعالى : ( فأخذتهم الصيحة مشرقين ) نصب على الحال أي وقت شروق الشمس يقال أشرقت الشمس أي أضاءت وشرقت إذا طلعت وقيل : هما لغتان بمعنى وأشرق القوم أي دخلوا في وقت شروق الشمس مثل أصبحوا وأمسوا وهو المراد في هذه الآية وقيل : أراد شروق الفجر وقيل : أول العذاب كان عند الصبح وامتد إلى شروق الشمس فكان تمام الهلاك عند ذلك والله أعلم والصيحة العذاب وتقدم ذكر سجيل < < الحجر : ( 75 ) إن في ذلك . . . . . > > < > ( الحجر 75 ) <

قسم V10/P041–V10/P044

> فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( للمتوسمين ) روى الترمذي الحكيم في [ نوادر الأصول ] من حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( للمتفرسين ( وهو قول مجاهد وروي أبو عيسى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ثم قرأ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ( قال : هذا حديث غريب وقال مقاتل وبن زيد : للمتوسمين للمتفكرين الضحاك : للناظرين قال الشاعر : أو كلما وردت عكاظ قبيلة بعثوا إلي ع ريفهم يتوس م وقال قتادة : للمعتبرين قال زهير : وفيهن ملهى للصديق ومنظر أنيق لعين الناظر المتوسم وقال أبو عبيدة : للمتبصرين والمعنى متقارب وروى الترمذي الحكيم من حديث ثابت عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن لله عز وجل عبادا يعرفون الناس بالتوسم ( قال العلماء : التوسم تفعل من الوسم وهي العلامة التي يستدل بها على مطلوب غيرها يقال : توسمت فيه الخير إذا رأيت ميسم ذلك فيه ومنه قول عبد الله بن رواحة للنبي صلى الله عليه وسلم : إني توسمت فيك الخير أعرفه والله يعلم أني ثابت البصر آخر : توسمت ه لما رأي ت مه اب ة عليه وقلت المرء من آل هاشم واتسم الرجل إذا جعل لنفسه علامة يعرف بها وتوسم الرجل طلب كلأ الوسمي وأنشد : وأصبحن كالدوم النواعم غدوة عل ى وجه ة من ظاعن متوسم وقال ثعلب : الواسم الناظر إليك من فرقك إلى قدمك وأصل التوسم التثبت والتفكر مأخوذ من الوسم وهو التأثير بحديدة في جلد البعير وغيره وذلك يكون بجودة القريحة وحدة الخاطر وصفاء الفكر زاد غيره : وتفريغ القلب من حشو الدنيا وتطهيره من أدناس المعاصي وكدورة الأخلاق وفضول الدنيا روى نهشل عن بن عباس للمتوسمين قال : لأهل الصلاح والخير وزعمت الصوفية أنها كرامة وقيل : بل هي استدلال بالعلامات ومن العلامات ما يبدو ظاهرا لكل أحد وبأول نظرة ومنها ما يخفى فلا يبدو لكل أحد ولايدرك ببادىء النظر قال الحسن : المتوسمون هم الذين يتوسمون الأمور فيعلمون أن الذي أهلك قوم لوط قادر على أن يهلك الكفار فهذا من الدلائل الظاهرة ومثله قول بن عباس : ما سألني أحد عن شيء إلا عرفت أفقيه هو أو غير فقيه وروي عن الشافعي ومحمد بن الحسن أنهما كانا بفناء الكعبة ورجل على باب المسجد فقال أحدهما : أراه نجارا وقال الآخر : بل حدادا فتبادر من حضر إلى الرجل فسأله فقال : كنت نجارا وأنا اليوم حداد وروي عن جندب بن عبد الله البجلي أنه أتى على رجل يقرأ القرآن فوقف فقال : من سمع سمع الله به ومن راءى راءى الله به فقلنا له : كأنك عرضت بهذا الرجل فقال : إن هذا يقرأ عليك القرآن اليوم ويخرج غدا حروريا فكان رأس الحرورية واسمه مرداس وروي عن الحسن البصري أنه دخل عليه عمرو بن عبيد فقال : هذا سيد فتيان البصرة إن لم يحدث فكان أمره من القدر ما كان حتى هجره عامة إخوانه وقال لأيوب : هذا سيد فتيان أهل البصرة ولم يستثن وروي عن الشعبي أنه قال لداود الأزدي وهو يماريه : إنك لا تموت حتى تكوى في رأسك وكان كذلك وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل على قوم من مذحج فيهم الأشتر فصعد فيه النظر وصوبه وقال : أيهم هذا قالوا : مالك بن الحارث فقال : ما له قاتله الله إني لأرى للمسلمين منه يوما عصيبا فكان منه في الفتنة ما كان وروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه : أن أنس بن مالك دخل عليه وكان قد مر بالسوق فنظر إلى امرأة فلما نظر إليه قال عثمان : يدخل أحدكم علي وفي عينيه أثر الزنى فقال له أنس : أوحيا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا ولكن برهان وفراسة وصدق ومثله كثير عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين الثانية قال أبو بكر بن العربي : إذا ثبت أن التوسم والتفرس من مدارك المعاني فإن ذلك لا يترتب عليه حكم ولا يؤخذ به موسوم ولا مفترس وقد كان قاضي القضاة الشامي المالكي ببغداد أيام كوني بالشام يحكم بالفراسة في الأحكام جريا على طريق إياس بن معاوية أيام كان قاضيا وكان شيخنا فخر الأسلام أبو بكر الشاشي صنف جزءا في الرد عليه كتبه لي بخطه وأعطانيه وذلك صحيح فإن مدارك الأحكام معلومة شرعا مدركة قطعا وليست الفراسة منها < <

قسم V10/P044

الحجر : ( 76 ) وإنها لبسبيل مقيم > > < > ( الحجر 76 : 79 ) < > قوله تعالى : ( وإنها ) يعني قرى قوم لوط ( لبسبيل مقيم ) أي على طريق قومك يامحمد إلى الشام ( إن في ذلك لآية للمؤمنين ) أي لعبرة للمصدقين ( وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين ) يريد قوم شعيب كانوا أصحاب غياض ورياض وشجر مثمر والأيكة : الغيضة وهي جماعة الشجر والجمع الأيك ويروى أن شجرهم كان دوما وهو المقل قال النابغة : تجلو بقاد متى حمامة أيكة بردا أسف لثاته بالإثمد وقيل : الأيكة اسم القرية وقيل اسم البلدة وقال أبو عبيدة : الأيكة وليكة مدينتهم بمنزلة بكة من مكة وتقدم خبر شعيب وقومه ( وإنهما لبإمام مبين ) أي بطريق واضح في نفسه ويعني مدينة قوم لوط وبقعة أصحاب الأيكة يعتبر بهما من يمر عليهما < < الحجر : ( 80 ) ولقد كذب أصحاب . . . . . > > < > ( الحجر 80 ) <

قسم V10/P044–V10/P052

> الحجر ينطلق على معان : منها حجر الكعبة ومنها الحرام قال الله تعالى : وحجرا محجورا أي حراما محرما والحجر العقل قال الله تعالى : لذي حجر والحجر حجر القميص والفتح أفصح والحجر الفرس الأنثى والحجر ديار ثمود وهو المراد هنا أي المدينة قاله الأزهري قتادة : وهي ما بين مكة وتبوك وهو الوادي الذي فيه ثمود الطبري : هي أرض بين الحجاز والشام وهم قوم صالح وقال : ( المرسلين ) وهو صالح وحده ولكن من كذب نبيا فقد كذب الأنبياء كلهم لأنهم على دين واحد في الأصول فلا يجوز التفريق بينهم وقيل : كذبوا صالحا ومن تبعه ومن تقدمه من النبيين أيضا والله أعلم روى البخاري عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم ألا يشربوا من بئرها ولا يستقوا منها فقالوا : قد عجنا واستقينا فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهرقوا الماء وأن يطرحوا ذلك العجين وفي الصحيح عن بن عمر أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر أرض ثمود فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي تردها الناقة وروي أيضا عن بن عمر قال : مررنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين حذرا أن يصيبكم مثل ما أصابهم ( ثم زجر فأسرع قلت : ففي هذه الآية التي بين الشارع حكمها وأوضح أمرها ثمان مسائل استنبطها العلماء واختلف في بعضها الفقهاء فأولها كراهة دخول تلك المواضع وعليها حمل بعض العلماء دخول مقابر الكفار فإن دخل الإنسان شيئا من تلك المواضع والمقابر فعلى الصفة التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم من الاعتبار والخوف والإسراع وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تدخلوا أرض بابل فإنها ملعونة ( مسألة : أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهرق ما استقوا من بئر ثمود وإلقاء ما عجن وخبز به لأجل أنه ماء سخط فلم يجزع الانتفاع به فرارا من سخط الله وقال ( اعلفوه الإبل ( قلت : وهكذا حكم الماء النجس وما يعجن به وثانيها قال مالك : إن مالايجوز استعماله من الطعام والشراب يجوز أن تعلفه الإبل والبهائم إذ لا تكليف عليها وكذلك قال في العسل النجس : إنه يعلفه النحل وثالثها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلف ما عجن بهذا الماء الإبل ولم يأمر بطرحه كما أمر في لحوم الحمر الإنسية يوم خيبر فدل على أن لحم الحمر أشد في التحريم وأغلظ في التنجيس وقد أم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكسب الحجام أن يعلف الناضح والرقيق ولم يكن ذلك لتحريم ولاتنجيس قال الشافعي : ولو كان حراما لم يأمره أن يطعمه رقيقه لأنه متعبد فيه كما تعبد في نفسه ورابعها في أمره صلى الله عليه وسلم بعلف الإبل العجين دليل على جواز حمل الرجل النجاسة إلى كلابه ليأكلوها خلافا لمن منع ذلك من أصحابنا وقال : تطلق الكلاب عليها ولايحملها إليهم وخامسها أمره صلى الله عليه وسلم أن يستقوا من بئر الناقة دليل على التبرك بآثار الأنبياء والصالحين وإن تقادمت أعصارهم وخفيت آثارهم كما أن في الأول دليلا على بغض أهل الفساد وذم ديارهم وآثارهم هذا وإن كان التحقق أن الجمادات غير مؤاخذات لكن المقرون بالمحبوب محبوب والمقرون بالمكروه المبغوض مبغوض كما قال كثير : أحب لحبها السودان حتى أحب لحبها سود الكلاب وكما قال آخر : أمر على الديار ديار ليل ى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما تلك الديار شغفن قلب ي ولك ن ح ب من سك ن الدي ارا وسادسها منع بعض العلماء الصلاة بهذا الموضع وقال : لا تجوز الصلاة فيها لأنها دار سخط وبقعة غضب قال بن العربي : فصارت هذه البقعة مستثناة من قوله صلى الله عليه وسلم : ( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ( فلا يجوز التيمم بترابها ولا الوضوء من مائها ولا الصلاة فيها وقد روى الترمذي عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلى في سبع مواطن : في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق بيت الله وفي الباب عن أبي مرثد وجابر وأنس : حديث بن عمر إسناده ليس بذاك القوي وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه وقد زاد علماؤنا : الدار المغضوبة والكنيسة والبيعة والبيت الذي فيه تماثيل والأرض المغضوبة أو موضعا تستقبل فيه نائما أو وجه رجل أو جدارا عليه نجاسة قال بن العربي : ومن هذه المواضع ما منع لحق الغير ومنه ما منع لحق الله تعالى ومنه ما منع لأجل النجاسة المحققة أو لغلبتها فما منع لأجل النجاسة إن فرش فيه ثوب طاهر كالحمام والمقبرة فيها أو إليها فإن ذلك جائز في المدونة وذكر أبو مصعب عنه الكراهة وفرق علماؤنا بين المقبرة القديمة والجديدة لأجل النجاسة وبين مقبرة المسلمين والمشركين لأنها دار عذاب وبقعة سخط كالحجر وقال مالك في المجموعة : لا يصلى في أعطان الإبل وإن فرش ثوبا كأنه رأى لها علتين : الاستتار بها ونفارها فتفسد على المصلي صلاته فإن كانت واحدة فلا بأس كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل في الحديث الصحيح وقال مالك : لا يصلى على بساط فيه تماثيل إلا من ضرورة وكره بن القاسم الصلاة إلى القبلة فيها تماثيل وفي الدار المغصوبة فإن فعل أجزأه وذكر بعضهم عن مالك أن الصلاة في الدار المغصوبة لا تجزي قال بن العربي : وذلك عندي بخلاف الأرض فإن الدار لا تدخل إلا بإذن والأرض وإن كانت ملكا فإن المسجدية فيها قائمة لا يبطلها الملك قلت : الصحيح إن شاء الله الذي يدل عليه النظر والخبر أن الصلاة بكل موضع طاهر جائزة صحيحة وماروي من قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن هذا واد به شيطان ( وقد رواه معمر عن الزهري فقال : واخرجوا عن الموضع الذي أصابتكم فيه الغفلة وقول علي : نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أصلي بأرض بابل فإنها ملعونة وقوله عليه السلام حين مر بالحجر من ثمود : ( لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين ( ونهيه عن الصلاة في معاطن الإبل إلى غير ذلك مما في هذا الباب فإنه مردود إلى الأصول المجتمع عليها والدلائل الصحيح مجيئها قال الإمام الحافظ أبو عمر : المختار عندنا في هذا الباب أن ذلك الوادي وغيره من بقاع الأرض جائز أن يصلى فيها كلها ما لم تكن فيها نجاسة متيقنة تمنع من ذلك ولا معنى لاعتلال من اعتل بأن موضع النوم عن الصلاة موضع شيطان وموضع ملعون لايجب أن تقام فيه الصلاة وكل ما روي في هذا الباب من النهي عن الصلاة في المقبرة وبأرض بابل وأعطان الإبل وغير ذلك مما في هذا المعنى كل ذلك عندنا منسوخ ومدفوع لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : ( جعلت لي الأرض كلها مسجدا وطهورا ( وقوله صلى الله عليه وسلم مخبرا : إن ذلك من فضائله ومما خص به وفضائله عند أهل العلم لا يجوز عليها النسخ ولا التبديل ولا النقص قال صلى الله عليه وسلم : ( أوتيت خمسا ( وقد روي ستا وقد روي ثلاثا وأربعا وهي تنتهي إلى أزيد من تسع قال فيهن ( لم يؤتهن أحد قبلي بعثت إلى الأحمر والأسود ونصرت بالرعب وجعلت أمتي خير الأمم وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأوتيت الشفاعة وبعثت بجوامع الكلم وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح الأرض فوضعت في يدي وأعطيت الكوثر وختم بي النبيون ( رواها جماعة من الصحابة وبعضهم يذكر بعضها ويذكر بعضهم ما لم يذكر غيره وهي صحاح كلها وجائز على فضائله الزيادة وغير جائز فيها النقصان ألا ترى أنه كان عبدا قبل أن يكون نبيا ثم كان نبيا قبل أن يكون رسولا وكذلك روي عنه وقال : ( ما أدري ما يفعل بي ولا بكم ( ثم نزلت ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر وسمع رجلا يقوله : ياخير البرية فقال : ( ذاك إبراهيم ( وقال : ( لا يقولن أحدكم أنا خير من يونس بن متا ( وقال : ( السيد يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام ( ثم قال بعد ذلك كله : ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ( ففضائله صلى الله عليه وسلم لم تزل تزداد إلى أن قبضه الله فمن ها هنا قلنا : إنه لا يجوز عليها النسخ ولا الاستثناء ولا النقصان وجائز فيها الزيادة وبقوله صلى الله عليه وسلم : ( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ( أجزنا الصلاة في المقبرة والحمام وفي كل موضع من الأرض إذا كان طاهرا من الأنجاس وقال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر : ( حيثما أدركتك الصلاة فصل فإن الأرض كلها مسجد ( ذكره البخاري ولم يخص موضعا من موضع وأما من احتج بحديث بن وهب قال : أخبرني يحيى بن أيوب عن زيد بن جبيرة عن داود بن حصين عن نافع عن بن عمر حديث الترمذي الذي ذكرناه فهو حديث انفرد به زيد بن جبيرة وأنكروه عليه ولايعرف هذا الحديث مسندا إلا برواية يحيى بن أيوب عن زيد بن جبيرة وقد كتب الليث بن سعد إلى عبد الله بن نافع مولى بن عمر يسأله عن هذا الحديث وكتب إليه عبد الله بن نافع لا أعلم من حدث بهذا عن نافع إلا قد قال عليه الباطل ذكره الحلواني عن سعيد بن أبي مريم عن الليث وليس فيه تخصيص مقبرة المشركين من غيرها وقد روي عن علي بن أبي طالب قال : نهاني حبيبي صلى الله عليه وسلم أن أصلي في المقبرة ونهاني أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة وإسناده ضعيف مجتمع على ضعفه وأبو صالح الذي رواه عن علي هو سعيد بن عبد الرحمن الغفاري بصري ليس بمشهور ولايصح له سماع عن علي ومن دونه مجهولون لا يعرفون قال أبو عمر : وفي الباب عن علي من قوله غير مرفوع حديث حسن الإسناد رواه الفضل بن دكين قال : حدثنا المغيرة بن أبي الحر الكندي قال حدثني أبو العنبس حجر بن عنبس قال : خرجنا مع علي إلى الحرورية فلما جاوزنا سويا وقع بأرض بابل قلنا : ياأمير المؤمنين أمسيت الصلاة الصلاة فأبى أن يكلم أحدا قالوا : يا أمير المؤمنين قد أمسيت قال بلى ولكن لا أصلي في في أرض خسف الله بها والمغيرة بن أبي الحركوفي ثقة قاله يحيى بن معين وغيره وحجر بن عنبس من كبار أصحاب علي وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ( قاله الترمذي : رواه سفيان الثوري عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا وكأنه أثبت وأصح قال أبو عمر : فسقط الاحتجاج به عند من لا يرى المرسل حجة ولو ثبت كان له الوجه ما ذكرنا ولسنا نقول كما قال بعض المنتحلين لمذهب المدنيين : إن المقبرة في هذا الحديث وغيره أريد بها مقبرة المشركين خاصة فإنه قال : المقبرة والحمام بالألف واللام فغير جائز أن يرد ذلك إلى مقبرة دون مقبرة أو حمام دون حمام بغير توقيف عليه فهو قول لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا خبر صحيح ولا مدخل له في القياس ولا في المعقول ولا دل عليه فحوى الخطاب ولا خرج عليه الخبر ولا يخلو تخصيص من خص مقبرة المشركين من أحد وجهين : إما أن يكون من أجل اختلاف الكفار إليها بأقدامهم فلا معنى لخصوص المقبرة بالذكر لأن كل موضع هم فيه بأجسامهم وأقدامهم فهو كذلك وقد جل رسول الله أن يتكلم بما لا معنى له أو يكون من أجل أنها بقعة سخط فلو كان كذلك ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه ليبني مسجده في مقبرة المشركين وينبشها ويسويها ويبني عليها ولو جاز لقائل أن يخص من المقابر مقبرة للصلاة فيها لكانت مقبرة المشركين أولى بالخصوص والاستثناء من أجل هذا الحديث وكل من كره الصلاة في القبرة لم يخص مقبرة من مقبرة لأن الألف واللام إشارة إلى الجنس لا إلى معهود ولو كان بين مقبرة المسلمين والمشركين فرق لبينه صلى الله عليه وسلم ولم يهمله لأنه بعث مبينا ولو ساغ لجاهل أن يقول : مقبرة كذا لجاز لآخر أن يقول : حمام كذا لأن في الحديث المقبرة والحمام وكذلك قوله : المزبلة والمجزرة غير جائز أن يقال : مزبلة كذا ولا مجزرة كذا ولا طريق كذا لأن التحكم في دين الله غير جائز وأجمع العلماء على أن التيمم على مقبرة المشركين إذا كان الموضع طيبا طاهرا نظيفا جائز وكذلك أجمعوا على أن من صلى في كنيسة أو بيعة على موضع طاهر أن صلاته ماضية جائزة وقد تقدم هذا في سورة براءة ومعلوم أن الكنيسة أقرب إلى تكون بقعة سخط من المقبرة لأنها بقعة يعصى الله ويكفر به فيها وليس كذلك المقبرة وقد وردت السنة باتخاذ البيع والكنائس مساجد روي النسائي عن طلق بن علي قال : خرجنا وفدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه وصلينا معه وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا وذكر الحديث وفيه : ( فإذا أتيتم أرضكم فاكسروا بيعتكم واتخذوها مسجدا ( وذكر أبو داود عن عثمان بن أبي العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طواغيتهم وقد تقدم في براءة وحسبك بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم الذي أسس على التقوى مبنيا في مقبرة المشركين وهو حجة على من كره الصلاة فيها وممن كره الصلاة في المقبرة سواء كانت لمسلمين أو مشركين الثوري وأبو حنيفة والأوزاعي والشافعي وأصحابهم وعند الثوري لا يعيد وعند الشافعي أجزأه إذا صلى في المقبرة في موضع ليس فيه نجاسة للأحاديث المعلومة في ذلك ولحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( صلوا في بيوتكم ولاتتخذوها قبورا ( ولحديث أبي مرثد الغنوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا تصلوا إلى القبور ولاتجلسوا عليها ( وهذان حديثان ثابتان من جهة الإسناد ولاحجة فيهما لأنهما محتملان للتأويل ولايجب أن يمتنع من الصلاة في كل موضع طاهر إلا بدليل لا يحتمل تأويلا ولم يفرق أحد من فقهاء المسلمين بين مقبرة المسلمين والمشركين إلا ما حكيناه من خطل القول الذي لا يشتغل بمثله ولا وجه له في نظر ولا في صحيح أثر وثامنها الحائط يلقى فيه النتن والعذرة ليكرم فلا يصلى فيه حتى يسقى ثلاث مرات لما رواه الدارقطني عن مجاهد عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحائط يلقى فيه العذرة والنتن قال : ( إذا سقي ثلاث مرات فصل فيه ( وخرجه أيضا من حديث نافع عن بن عمر أنه سئل عن هذه الحيطان التي تلقى فيها العذرات وهذا الزبل أيصلى فيها فقال : إذا سقيت ثلاث مرات فصل فيها رفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم اختلفا في الإسناد والله أعلم < <

قسم V10/P052–V10/P053

الحجر : ( 81 ) وآتيناهم آياتنا فكانوا . . . . . > > < > ( الحجر 81 ) < > قوله تعالى : ( وآتيناهم آياتنا ) أي بآياتنا كقوله : آتنا غدائنا أي بغدائنا والمراد الناقة وكان فيها آيات جمة : خروجها من الصخرة ودنو نتاجها عند خروجها وعظمها حتى لم تشبهها ناقة وكثرة لبنها حتى تكفيهم جميعا ويحتمل أنه كان لصالح آيات أخر سوى الناقة كالبئر وغيره ( فكانوا عنها معرضين ) أي لم يعتبروا < < الحجر : ( 82 ) وكانوا ينحتون من . . . . . > > < > ( الحجر 82 : 84 ) < > النحت في كلام العرب : البري والنجر نحته ينحته [ بالكسر ] نحتا أي براه والنحاتة البراية والمنحت ما ينحت به وفي التنزيل أتعبدون ما تنحتون أي تنجرون وصنعون فكانوا يتخذون من الجبال بيوتا لأنفسهم بشدة قوتهم ( آمنين ) أي من أن تسقط عليهم أو تخرب وقيل : آمنين من الموت وقيل ك من العذاب ( فأخذتهم الصيحة مصبحين ) أي في وقت الصبح وهو نصب على الحال وقد تقدم ذكر الصيحة في هود والأعراف ( فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ) من الأموال والحصون في الجبال ولا ما أعطوه من القوة < < الحجر : ( 85 ) وما خلقنا السماوات . . . . . > > < > ( الحجر 85 : 86 ) < > قوله تعالى : ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ) أي للزوال والفناء وقيل : أي لأجازي المحسن والمسيء كما قال : ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ( وإن الساعة لآتية ) أي لكائنة فيجزى كل بعمله ( فاصفح الفصح الجميل ) مثل واهجرهم هجرا جميلا أي تجاوز عنهم يامحمد واعف عفوا حسنا ثم نسخ بالسيف قال قتادة : نسخه قوله : فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم : ( لقد جئتكم بالذبح وبعثت بالحصاد ولم أبعث بالزراعة ( قاله عكرمة ومجاهد وقيل : ليس بمنسوخ وأنه أمر بالصفح في حق نفسه فيها بينه وبينهم والصفح : الإعراض عن الحسن وغيره ( إن ربك هو الخلاق ) أي المقدر للخلق والأخلاق ( العليم ) بأهل الوفاق والنفاق < < الحجر : ( 87 ) ولقد آتيناك سبعا . . . . . > > < > ( الحجر 87 ) <

الأسئلة