Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

قسم V10/P145–V10/P148

> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ضرب الله مثلا ) نبه تعالى على ضلالة المشركين وهو منتظم بما قبله من ذكر نعم الله عليهم وعدم مثل ذلك من آلهتهم ضرب الله مثلا أي بين شبها ثم ذكر ذلك فقال : ( عبدا مملوكا ) أي كما لا يستوي عندكم عبد مملوك لا يقدر من أمره على شيء ورجل حر قد رزق رزقا حسنا فكذلك أنا وهذه الأصنام فالذي هو مثال في هذه الآية هو عبد بهذه الصفة مملوك لا يقدر على شيء من المال ولا من أمر نفسه وإنما هو مسخر بإرادة سيده ولا يلزم من الآية أن العبيد كلهم بهذه الصفة فإن النكرة في الإثبات لا تقتضي الشمول عند أهل اللسان كما تقدم وإنما تفيد واحدا فإذا كانت بعد أمر أو نهي أو مضافة إلى مصدر كانت للعموم الشيوعي كقوله : أعتق رجلا ولا تهن رجلا والمصدر كإعتاق رقبة فأي رجل أعتق فقد خرج عن عهدة الخطاب ويصح منه الاستثناء وقال قتادة : هذا المثل للمؤمن والكافر فذهب قتادة إلى أن العبد المملوك هو الكافر لأنه لا ينتفع في الآخرة بشيء من عبادته وإلى أن معنى ومن رزقناه منا رزقا حسنا المؤمن والأول عليه الجمهور من أهل التأويل قال الأصم : المراد بالعبد المملوك الذي ربما يكون أشد من مولاة أسرا وأنضر وجها وهو لسيده ذليل لا يقدر إلا على ما أذن له فيه فقال الله تعالى ضربا للمثال أي فإذا كان هذا شأنكم وشأن عبيدكم فكيف جعلتم أحجارا مواتا شركاء لله تعالى في خلقه وعبادته وهي لا تعقل ولا تسمع الثانية فهم المسلمون من هذه الآية ومما قبلها نقصان رتبة العبد عن الحر في الملك وأنه لا يملك شيئا وإن ملك قال أهل العراق : الرق ينافي الملك فلا يملك شيئا ألبتة بحال وهو قول الشافعي في الجديد وبه قال الحسن وبن سيرين ومنهم من قال : يملك إلا أنه ناقص الملك لأن لسيده أن ينتزعه منه أي وقت شاء وهو قول مالك ومن اتبعه وبه قال الشافعي في القديم وهو قول أهل الظاهر ولهذا قال أصحابنا : لا تجب عليه عبادة الأموال من زكاة وكفارات ولا من عبادات الأبدان ما يقطعه عن خدمة سيده كالحج والجهاد وغير ذلك وفائدة هذه المسألة أن سيده لو ملكه جارية جاز له أن يطأها بملك اليمين ولو ملكه أربعين من الغنم فحال عليها الحول لم تجب على السيد زكاتها لأنها ملك غيره ولا على العبد لأن ملكه غير مستقر والعراقي يقول : لا يجوز له أن يطأ الجارية والزكاة في النصاب واجبة على السيد كما كانت ودلائل هذه المسألة للفريقين في كتب الخلاف وأدل دليل لنا قوله تعالى : الله الذي خلقكم ثم رزقكم الروم فسوى بين العبد والحر في الرزق والخلق وقال عليه السلام : ( من أعتق عبدا وله مال ( فأضاف المال إليه وكان بن عمر يرى عبده يتسرى في ماله فلا يعيب عليه ذلك وروي عن بن عباس أن عبدا له طلق امرأته طلقتين فأمره أن يرتجعها بملك اليمين فهذا دليل على أنه يملك ما بيده ويفعل فيه ما يفعل المالك في ملكه ما لم ينتزعه سيده والله أعلم الثالثة وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن طلاق العبد بيد سيده وعلى أن بيع الأمة طلاقها معولا على قوله تعالى : لا يقدر على شيء قال : فظاهره يفيد أنه لا يقدر على شيء أصلا لا على الملك ولا على غيره فهو على عمومه إلا أن يدل دليل على خلافه وفيما ذكرناه عن بن عمر وبن عباس ما يدل على التخصيص والله تعالى أعلم الرابعة قال أبو منصور في عقيدته : الرزق ما وقع الاغتذاء به وهذه الآية ترد هذا التخصيص وكذلك قوله تعالى : ومما رزقناهم ينفقون وأنفقوا مما رزقناكم وغير ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( جعل رزقي تحت ظل رمحي ( وقوله : ( أرزاق أمتي في سنابك خيلها وأسنة رماحها ( فالغنيمة كلها رزق وكل ما صح به الانتفاع فهو رزق وهو مراتب : أعلاها ما يغذي وقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوه الانتفاع في قوله : ( يقول بن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت ( وفي معنى اللباس يدخل الركوب وغير ذلك وفي ألسنة المحدثين : السماع رزق يعنون سماع الحديث وهو صحيح الخامسة قوله تعالى : ( ومن رزقناه منا رزقا حسنا ) هو المؤمن يطيع الله في نفسه وماله والكافر ما لم ينفق في الطاعة صار كالعبد الذي لا يملك شيئا ( هل يستوون ) أي لا يستوون ولم يقل يستويان لمكان من لأنه اسم مبهم يصلح للواحد والأثنين والجمع والمذكر والمؤنث وقيل : إن عبدا مملوكا ومن رزقناه أريد بهما الشيوع في الجنس ( الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) أي هو مستحق للحمد دون ما يعبدون من دونه إذ لا نعمة للأصنام عليهم من يد ولا معروف فتحمد عليه إنما الحمد الكامل لله لأنه المنعم الخالق ( بل أكثرهم ) أي اكثر المشركين ( لا يعلمون ) ان الحمد لي وجميع النعمة مني وذكر الأكثر وهو يريد الجميع فهو خاص أريد به التعميم وقيل : أي بل أكثر الخلق لا يعلمون وذلك أن أكثرهم المشركون < <

قسم V10/P148–V10/P149

النحل : ( 76 ) وضرب الله مثلا . . . . . > > < > ( النحل 76 ) < > قوله تعالى : ( وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم ) هذا مثل آخر ضربه الله تعالى لنفسه وللوثن فالأبكم الذي لا يقدر على شيء هو الوثن والذي يأمر بالعدل هو الله تعالى قاله قتادة وغيره وقال بن عباس : الأبكم عبد كان لعثمان رضي الله عنه وكان يعرض عليه الإسلام فيأبى ويأمر بالعدل عثمان وعنه أيضا أنه مثل لأبي بكر الصديق ومولى له كافر وقيل : الأبكم أبو جهل والذي يأمر بالعدل عمار بن ياسر العنسي وعنس [ بالنون ] حي من مذحج وكان حليفا لبني مخزوم رهط أبي جهل وكان أبو جهل يعذبه على الإسلام ويعذب أمه سمية وكانت مولاة لأبي جهل وقال لها ذات يوم : إنما آمنت بمحمد لأنك تحبينه لجماله ثم طعنها بالرمح في قبلها فماتت فهي أول شهيد مات في الإسلام رحمها الله من كتاب النقاش وغيره وسيأتي هذا في آية الإكراه مبينا إن شاء الله تعالى وقال عطاء : الأبكم أبي بن خلف كان لا ينطق بخير ( وهو كل على مولاه ) أي قومه لأنه كان يؤذيهم ويؤذي عثمان بن مظعون وقال مقاتل : نزلت في هشام بن عمرو بن الحارث كان كافرا قليل الخير يعادي النبي صلى الله عليه وسلم وقيل : إن الأبكم الكافر والذي يأمر بالعدل المؤمن جملة بجملة روي عن بن عباس وهو حسن لأنه يعم والأبكم الذي لا نطق له وقيل الذي لا يعقل وقيل الذي لا يسمع ولا يبصر وفي التفسير إن الأبكم ها هنا الوثن بين أنه لا قدرة له ولا أمر وأن غيره ينقله وينحته فهو كل عليه والله الآمر بالعدل الغالب على كل شيء وقيل : المعنى وهو كل على مولاه أي ثقل على وليه وقرابته ووبال على صاحبه وبن عمه وقد يسمى اليتيم كلا لثقله على من يكفله ومنه قول الشاعر : أكول لمال الكل قبل شبابه إذا كان عظم الكل غير شديد والكل أيضا الذي لا ولد له ولا والد والكل العيال والجمع الكلول يقال منه : كل السكين يكل كلا أي غلظت شفرته فلم يقطع ( أينما يوجهه لا يأت بخير ) قرأ الجمهور يوجهه وهو خط المصحف أي اينما يرسله صاحبه لا يأت بخير لأنه لا يعرف ولا يفهم ما يقال له ولا يفهم عنه وقرأ يحيى بن وثاب أينما يوجه على الفعل المجهول وروي عن بن مسعود أيضا توجه على الخطاب ( هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ) أي هل يستوي هذا الأبكم ومن يأمر بالعدل على الصراط المستقيم < < النحل : ( 77 ) ولله غيب السماوات . . . . . > > < > ( النحل 77 ) <

قسم V10/P149–V10/P151

> قوله تعالى : ( ولله غيب السماوات والأرض ) تقدم معناه وهذا متصل بقوله إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون أي شرع التحليل والتحريم إنما يحسن ممن يحيط بالعواقب والمصالح وأنتم أيها المشركون لا تحيطون بها فلم تتحكمون ( وما أمر الساعة إلا كلمح البصر ) وتجازون فيها بأعمالكم والساعة هي الوقت الذي تقوم فيه القيامة سميت ساعة لأنها تفجأ الناس في ساعة فيموت الخلق بصيحة واللمح : النظر بسرعة يقال : لمحه لمحا ولمحانا ووجه التأويل أن الساعة لما كانت آتية ولا بد جعلت من القرب كلمح البصر وقال الزجاج : لم يرد أن الساعة تأتي في لمح البصر وإنما وصف سرعة القدرة على الإتيان بها أي يقول للشيء كن فيكون وقيل : إنما مثل بلمح البصر لأنه يلمح السماء مع ما هي عليه من البعد من الأرض وقيل : هو تمثيل للقرب كما يقول القائل : ما السنة إلا لحظة وشبهه وقيل : المعنى هو عند الله كذلك لا عند المخلوقين دليله قوله : إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا ( أو هو أقرب ) ليس أو للشك بل للتمثيل بأيهما أراد الممثل وقيل : دخلت لشك المخاطب وقيل : أو بمنزلة بل ( إن الله على كل شيء قدير ) تقدم < < النحل : ( 78 ) والله أخرجكم من . . . . . > > < > ( النحل 78 ) < > قوله تعالى : ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ) ذكر أن من نعمه أن أخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا لا علم لكم بشيء وفيه ثلاثة أقاويل : أحدها لا تعلمون شيئا مما أخذ عليكم من الميثاق في أصلاب آبائكم الثاني لا تعلمون شيئا مما قضى عليكم من السعادة والشقاء الثالث لا تعلمون شيئا من منافعكم وتم الكلام ثم ابتدأ فقال : ( وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ) أي تعلمون بها وتدركون لأن الله جعل ذلك لعباده قبل إخراجهم من البطون وإنما أعطاهم ذلك بعد ما أخرجهم أي وجعل لكم السمع لتسمعوا به الأمر والنهي والأبصار لتبصروا بها آثار صنعه والأفئدة لتصلوا بها إلى معرفته والأفئدة : جمع الفؤاد نحو غراب وأغربة وقد قيل في ضمن قوله وجعل لكم السمع إثبات النطق لأن من لم يسمع لم يتكلم وإذا وجدت حاسة السمع وجد النطق وقرأ الأعمش وبن وثاب وحمزة إمهاتكم هنا وفي النور والزمر والنجم بكسر الهمزة والميم وأما الكسائي فكسر الهمزة وفتح الميم وإنما كان هذا للإتباع الباقون بضم الهمزة وفتح الميم على الأصل وأصل الأمهات : أمات فزيدت الهاء تأكيدا كما زادوا هاء في أهرقت الماء وأصله أرقت وقد تقدم هذا المعنى في الفاتحة ( لعلكم تشكرون ) فيه تأويلان : احدهما تشكرون نعمه الثاني يعني تبصرون آثار صنعته لأن إبصارها يؤدي إلى الشكر < < النحل : ( 79 ) ألم يروا إلى . . . . . > > < > ( النحل 79 ) < > قوله تعالى : ( ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله ) قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وبن عامر وحمزة ويعقوب تروا بالتاء على الخطاب واختاره أبو عبيد الباقون بالياء على الخبر ( مسخرات ) مذللات لأمر الله تعالى قاله الكلبي وقيل : مسخرات مذللات لمنافعكم ( في جو السماء ) الجو ما بين السماء والأرض وأضاف الجو إلى السماء لارتفاعه عن الأرض وفي قوله مسخرات دليل على مسخر سخرها ومدبر مكنها من التصرف ( ما يمسكهن إلا الله ) في حال القبض والبسط والاصطفاف بين لهم كيف يعتبرون بها على وحدانيته ( إن في ذلك لآيات ) أي علامات وعبرا ودلالات ( لقوم يؤمنون ) بالله وبما جاءت به رسلهم < < النحل : ( 80 ) والله جعل لكم . . . . . > > < > ( النحل 80 ) <

قسم V10/P151–V10/P158

> فيه عشر مسائل : الأولى قوله تعالى : ( جعل لكم ) معناه صير وكل ما علاك فأظلك فهو سقف وسماء وكل ما أقلك فهو أرض وكل ما سترك من جهاتك الأربع فهو جدار فإذا انتظمت واتصلت فهو بيت وهذه الآية فيها تعديد نعم الله تعالى على الناس في البيوت فذكر أولا بيوت المدن وهي التي للإقامة الطويلة وقوله : ( سكنا ) أي تسكنون فيها وتهدأ جوارحكم من الحركة وقد تتحرك فيه وتسكن في غيره إلا أن القول خرج على الغالب وعد هذا في جملة النعم فإنه لو شاء خلق العبد مضطربا أبدا كالأفلاك لكان ذلك كما خلق وأراد ولو خلقه ساكنا كالأرض لكان كما خلق وأراد ولكنه أوجده خلقا يتصرف للوجهين ويختلف حاله بين الحالتين وردده كيف وأين والسكن مصدر يوصف به الواحد والجمع ثم ذكر تعالى بيوت النقلة والرحلة وهي : الثانية فقال : ( وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها ) أي من الأنطاع والأدم ( بيوتا ) يعني الخيام والقباب يخف عليكم حملها في الأسفار ( يوم ظعنكم ) الظعن : سير البادية في الانتجاع والتحول من موضع إلى موضع ومنه قول عنترة : ظعن الذين فراقهم أتوقع وجرى ببينهم الغراب الأبقع والظعن الهودج أيضا قال : ألا هل هاجك الأظعان إذ بانوا وإذ جادت بوشك البين غربان وقرىء بإسكان العين وفتحها كالشعر والشعر وقيل : يحتمل أن يعم بيوت الأدم وبيوت الشعر وبيوت الصوف لأن هذه من الجلود لكونها ثابتة فيها نحا إلى ذلك بن سلام وهو احتمال حسن ويكون قوله ومن أصوافها ابتداء كلام كأنه قال جعل أثاثا يريد الملابس والوطاء وغير ذلك قال الشاعر : أهاجتك الظعائن يوم بانوا بذي الزي الجميل من الأثاث ويحتمل أن يريد بقوله من جلود الأنعام بيوت الأدم فقط كما قدمناه أولا ويكون قوله ومن أصوافها عطفا على قوله من جلود الأنعام أي جعل بيوتا أيضا قال بن العربي : وهذا أمر انتشر في تلك الديار وعزبت عنه بلادنا فلا تضرب الأخبية عندنا الا من الكتان والصوف وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم قبة من أدم وناهيك من أدم الطائف غلاء في القيمة واعتلاء في الصنعة وحسنا في البشرة ولم يعد ذلك صلى الله عليه وسلم ترفا ولا رآه سرفا لأنه مما امتن الله سبحانه من نعمته وأذن فيه من متاعه وظهرت وجوه منفعته في الاكتنان والاستظلال الذي لا يقدر على الخروج عنه جنس الإنسان ومن غريب ما جرى أني زرت بعض المتزهدين من الغافلين مع بعض المحدثين فدخلنا عليه في خباء كتان فعرض عليه صاحبي المحدث أن يحمله إلى منزله ضيفا وقال : إن هذا موضع يكثر فيه الحر والبيت أرفق بك وأطيب لنفسي فيك فقال : هذا الخباء لنا كثير وكان في صنعنا من الحقير فقلت : ليس كما زعمت فقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رئيس الزهاد قبة من أدم طائفي يسافر معها ويستظل بها فبهت ورأيته على منزلة من العي فتركته مع صاحبي وخرجت عنه الثالثة قوله تعالى : ( ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها ) أذن الله سبحانه بالانتفاع بصوف الغنم ووبر الإبل وشعر المعز كما أذن في الأعظم وهو ذبحها وأكل لحومها ولم يذكر القطن والكتان لأنه لم يكن في بلاد العرب المخاطبين به وإنما عدد عليهم ما أنعم به عليهم وخوطبوا فيما عرفوا بما فهموا وما قام مقام هذه وناب منابها فيدخل في الاستعمال والنعمة مدخلها وهذا كقوله تعالى : وينزل من السماء من جبال فيها من برد فخاطبهم بالبرد لأنهم كانوا يعرفون نزوله كثيرا عندهم وسكت عن ذكر الثلج لأنه لم يكن في بلادهم وهو مثله في الصفة والمنفعة وقد ذكرهما النبي صلى الله عليه وسلم معا في التطهير فقال : ( اللهم اغسلني بماء وثلج وبرد ( قال بن عباس : الثلج شيء أبيض ينزل من السماء وما رأيته قط وقيل : إن ترك ذكر القطن والكتان إنما كان إعراضا عن الترف إذ ملبس عباد الله الصالحين إنما هو الصوف وهذا فيه نظر فإنه سبحانه يقول : يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم حسبما تقدم بيانه في الأعراف وقال هنا : وجعل لكم سرابيل فأشار إلى القطن والكتان في لفظة سرابيل والله أعلم و ( أثاثا ) قال الخليل : متاعا منضما بعضه إلى بعض من أث إذا كثر قال : وفرع يزين المتن أسود فاحم أثيث كقنو النخلة المتعثكل بن عباس : أثاثا ثيابا وقد تقدم وتضمنت هذه الآية جواز الانتفاع بالأصواف والأوبار والأشعار على كل حال ولذلك قال أصحابنا : صوف الميتة وشعرها طاهر يجوز الانتفاع به على كل حال ويغسل مخافة أن يكون علق به وسخ وكذلك روت أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا بأس بجلد الميتة إذا دبغ وصوفها وشعرها إذا غسل ( لأنه مما لا يحله الموت وسواء كان شعر ما يؤكل لحمه أو لا كشعر بن آدم والخنزير فإنه طاهر كله وبه قال أبو حنيفة ولكنه زاد علينا فقال : القرن والسن والعظم مثل الشعر قال : لأن هذه الأشياء كلها لا روح فيها فلا تنجس بموت الحيوان وقال الحسن البصري والليث بن سعد والأوزاعي : إن الشعور كلها نجسة ولكنها تطهر بالغسل وعن الشافعي ثلاث روايات : الأولى طاهرة لا تنجس بالموت الثانية تنجس الثالثة الفرق بين شعر بن آدم وغيره فشعر بن آدم طاهر وما عداه نجس ودليلنا عموم قوله تعالى : ومن أصوافها الآية فمن علينا بأن جعل لنا الانتفاع بها ولم يخص شعر الميتة من المذكاة فهو عموم إلا أن يمنع منه دليل وأيضا فإن الأصل كونها طاهرة قبل الموت بإجماع فمن زعم أنه انتقل إلى نجاسة فعليه الدليل فإن قيل قوله : حرمت عليكم الميتة وذلك عبارة عن الجملة قلنا : نخصه بما ذكرنا فإنه منصوص عليه في ذكر الصوف وليس في آيتكم ذكره صريحا فكان دليلنا أولى والله أعلم وقد عول الشيخ الإمام أبو إسحاق إمام الشافعية ببغداد على أن الشعر جزء متصل بالحيوان خلقة فهو ينمي بنمائه ويتنجس بموته كسائر الأجزاء وأجيب بأن الماء ليس بدليل على الحياة لأن النبات ينمي وليس بحي وإذا عولوا على النماء المتصل لما على الحيوان عولنا نحن على الإبانة التي تدل على عدم الإحساس الذي يدل على عدم الحياة وأما ما ذكره الحنفيون في العظم والسن والقرن أنه مثل الشعر فالمشهور عندنا أن ذلك نجس كاللحم وقال بن وهب مثل قول أبي حنيفة ولنا قول ثالث هل تلحق أطراف القرون والأظلاف بأصولها أو بالشعر قولان وكذلك الشعري من الريش حكمه حكم الشعر والعظمي منه حكمه حكمه ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تنتفعوا من الميتة بشيء ( وهذا عام فيها وفي كل جزء منها إلا ما قام دليله ومن الدليل القاطع على ذلك قوله تعالى : قال من يحيي العظام وهي رميم وقال تعالى : وانظر إلى العظام كيف ننشزها وقال : فكسونا العظام لحما وقال : أئذا كنا عظاما نخرة النازعات فالأصل هي العظام والروح والحياة فيها كما في اللحم والجلد وفي حديث عبد الله بن عكيم : ( لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ( فإن قيل : قد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شاة ميمونة : ( ألا انتفعتم بجلدها ( فقالوا : يا رسول الله إنها ميتة فقال : ( إنما حرم أكلها ( والعظم لا يؤكل قلنا : العظم يؤكل وخاصة عظم الجمل الرضيع والجدي والطير وعظم الكبير يشوى ويؤكل وما ذكرناه قبل يدل على وجود الحياة فيه وما كان طاهرا بالحياة ويستباح بالذكاة ينجس بالموت والله أعلم الرابعة قوله تعالى : ( من جلود الأنعام ) عام في جلد الحي والميت فيجوز الانتفاع بجلود الميتة وإن لم تدبغ وبه قال بن شهاب الزهري والليث بن سعد قال الطحاوي : لم نجد عن أحد من الفقهاء جواز بيع جلد الميتة قبل الدباغ إلا عن الليث قال أبو عمر : يعني من الفقهاء أئمة الفتوى بالأمصار بعد التابعين وأما بن شهاب فذلك عنه صحيح وهو قول أباه جمهور أهل العلم وقد روي عنهما خلاف هذا القول والأول أشهر قلت : قد ذكر الدارقطني في سننه حديث يحيى بن أيوب عن يونس وعقيل عن الزهري وحديث بقية عن الزبيدي وحديث محمد بن كثير العبدي وأبي سلمة المنقري عن سليمان بن كثير عن الزهري وقال في آخرها : هذه أسانيد صحاح السادسة اختلف العلماء في جلد الميتة إذا دبغ هل يطهر أم لا فذكر بن عبد الحكم عن مالك ما يشبه مذهب بن شهاب في ذلك وذكره بن خويز منداد في كتابه عن بن عبد الحكم أيضا قال بن خويز منداد : وهو قول الزهري والليث قال : والظاهر من مذهب مالك ما ذكره بن عبد الحكم وهو أن الدباغ لا يطهر جلد الميتة ولكن يبيح الانتفاع به في الأشياء اليابسة ولا يصلى عليه ولا يؤكل فيه وفي المدونة لابن القاسم من اغتصب جلد ميتة غير مدبوغ فأتلفه كان عليه قيمته وحكى أن ذلك قول مالك وذكر أبو الفرج أن مالكا قال : من اغتصب لرجل جلد ميتة غير مدبوغ فلا شيء عليه قال إسماعيل : إلا أن يكون لمجوسي وروى بن وهب وبن عبد الحكم عن مالك جواز بيعه وهذا في جلد كل ميتة إلا الخنزير وحده لأن الذكاة لا تعمل فيه فالدباغ أولى قال أبو عمر : وكل جلد ذكي فجائز استعماله للوضوء وغيره وكان مالك يكره الوضوء في إناء جلد الميتة بعد الدباغ على اختلاف من قوله ومرة قال : إنه لم يكرهه إلا في خاصة نفسه وتكره الصلاة عليه وبيعه وتابعه على ذلك جماعة من أصحابه وأما أكثر المدنيين فعلى إباحة ذلك وإجازته لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أيما إهاب دبغ فقد طهر ( وعلى هذا أكثر أهل الحجاز والعراق من أهل الفقه والحديث وهو اختيار بن وهب السابعة ذهب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه إلى أنه لا يجوز الانتفاع بجلود الميتة في شيء وإن دبغت لأنها كلحم الميتة والأخبار بالأنتفاع بعد الدباغ ترد قوله واحتج بحديث عبد الله بن عكيم رواه أبو داود قال : قرئ علينا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأرض جهينة وأنا غلام شاب : ( ألا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ( وفي رواية : قبل موته بشهر رواه القاسم بن مخيمرة عن عبد الله بن عكيم قال : حدثنا مشيخة لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليهم قال داود بن علي : سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث فضعفه وقال : ليس بشيء إنما يقول حدثني الأشياخ قال أبو عمر : ولو كان ثابتا لاحتمل أن يكون مخالفا للأحاديث المروية عن بن عباس وعائشة وسلمة بن المحبق وغيرهم لأنه جائز أن يكون معنى حديث بن عكيم ( ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ( قبل الدباغ وإذا احتمل ألا يكون مخالفا فليس لنا أن نجعله مخالفا وعلينا أن نستعمل الخبرين ما أمكن وحديث عبد الله بن عكيم وإن كان قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بشهر كما جاء في الخبر فيمكن أن تكون قصة ميمونة وسماع بن عباس منه ( أيما إهاب دبغ فقد طهر ( قبل موته بجمعة أو دون جمعة والله أعلم الثامنة المشهور عندنا أن جلد الخنزير لا يدخل في الحديث ولا يتناوله العموم وكذلك الكلب عند الشافعي وعند الأوزاعي وأبي ثور : لا يطهر بالدباغ إلا جلد ما يؤكل لحمه وروى معن بن عيسى عن مالك أنه سئل عن جلد الخنزير إذا دبغ فكرهه قال بن وضاح : وسمعت سحنونا يقول لا بأس به وكذلك قال محمد بن عبد الحكم وداود بن علي وأصحابه لقوله عليه السلام : ( أيما مسك دبغ فقد طهر ( قال أبو عمر : يحتمل أن يكون أراد بهذا القول عموم الجلود المعهود الانتفاع بها فأما الخنزير فلم يدخل في المعنى لأنه غير معهود الانتفاع بجلده إذ لا تعمل فيه الذكاة ودليل آخر وهو ما قاله النضر بن شميل : إن الإهاب جلد البقر والغنم والإبل وما عداه فإنما يقال له : جلد لا إهاب قلت : وجلد الكلب وما لا يؤكل لحمه أيضا غير معهود الانتفاع به فلا يطهر وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( أكل كل ذي ناب من السباع حرام ( فليست الذكاة فيها ذكاة كما أنها ليست في الخنزير ذكاة وروى النسائي عن المقدام بن معد يكرب قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحرير والذهب ومياثر النمور التاسعة اختلف الفقهاء في الدباغ التي تطهر به جلود الميتة ما هو فقال أصحاب مالك وهو المشهور من مذهبه : كل شيء دبغ الجلد من ملح أو قرظ أو شب أو غير ذلك فقد جاز الانتفاع به وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه وهو قول داود وللشافعي في هذه المسألة قولان : أحدهما هذا والآخر أنه لا يطهر إلا الشب والقرظ لأنه الدباغ المعهود على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعليه خرج الخطابي والله أعلم ما رواه النسائي عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم رجال من قريش يجرون شاة لهم مثل الحصان فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو أخذتم إهابها ( قالوا : إنها ميتة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يطهرها الماء والقرظ العاشرة قوله تعالى : ( أثاثا ) الأثاث متاع البيت واحدها أثاثه هذا قول أبي زيد الأنصاري وقال الأموي : الأثاث متاع البيت وجمعه آثة وأثث وقال غيرهما : الأثاث جميع أنواع المال ولا واحد له من لفظه وقال الخليل : أصله من الكثرة واجتماع بعض المتاع إلى بعض حتى يكثر ومنه شعر أثيث أي كثير وأث شعر فلان يأث أثا إذا كثر والتف قال امرؤ القيس : وفرع يزين المتن أسود فاحم أثيث كقنوا النخلة المتعثكل وقيل : الأثاث ما يلبس ويفترش وقد تأثثت إذا اتخذت أثاثا وعن بن عباس رضي الله عنه أثاثا مالا وقد تقدم القول في الحين وهو هنا وقت غير معين بحسب كل إنسان إما بموته وإما بفقد تلك الأشياء التي هي أثاث ومن هذه اللفظة قول الشاعر : أهاجتك الظعائن يوم بانوا بذي الزي الجميل من الأثاث < <

قسم V10/P158–V10/P160

النحل : ( 81 ) والله جعل لكم . . . . . > > < > ( النحل 81 ) < > فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ظلالا ) الظلال : كل ما يستظل به من البيوت والشجر وقوله ( مما خلق ) يعم جميع الأشخاص المظلة الثانية قوله تعالى : ( أكنانا ) الأكنان : جمع كن وهو الحافظ من المطر والريح وغير ذلك وهي هنا الغيران في الجبال جعلها الله عدة للخلق يأوون إليها ويتحصنون بها ويعتزلون عن الخلق فيها وفي الصحيح أنه عليه السلام كان في أول أمره يتعبد بغار حراء ويمكث فيه الليالي الحديث وفي صحيح البخاري قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرا هاربا من قومه فارا بدينه مع صاحبه أبي بكر حتى لحقا بغار في جبل ثور فمكنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما فيه عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حتى تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل وهو لبن منحتهما ورضيفهما حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث وذكر الحديث انفرد بإخراجه البخاري الثالثة قوله تعالى : ( وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ) يعني القمص واحدها سربال ( وسرابيل تقيكم بأسكم ) يعني الدروع التي تقي الناس في الحرب ومنه قول كعب بن زهير : ش م العراني ن أبط ال لبوسه م من نسج داود في الهيجا سرابيل الرابعة إن قال قائل : كيف قال وجعل لكم من الجبال أكنانا ولم يذكر السهل وقال تقيكم الحر ولم يذكر البرد فالجواب أن القوم كانوا أصحاب جبال ولم يكونوا أصحاب سهل وكانوا أهل حر ولم يكونوا أهل برد فذكر لهم نعمه التي تختص بهم كما خصهم بذكر الصوف وغيره ولم يذكر القطن والكتان ولا الثلج كما تقدم فإنه لم يكن ببلادهم قال معناه عطاء الخرساني وغيره وأيضا : فذكر أحدهما يدل على الآخر ومنه قول الشاعر : وما أدري إذا يممت أرضا أريد الخير أيهما يليني أألخير الذي أنا أبتغيه أم الشر الذي هو يبتغيني الخامسة قال العلماء : في قوله تعالى : ( وسرابيل تقيكم بأسكم ) دليل على اتخاذ العباد عدة الجهاد ليستعينوا بها على قتال الأعداء وقد لبسها النبي صلى الله عليه وسلم تقاة الجراحة وإن كان يطلب الشهادة وليس للعبد أن يطلبها بأن يستسلم للحتوف وللطعن بالسنان وللضرب بالسيوف ولكنه يلبس لأمة حرب لتكون له قوة على قتال عدوه ويقاتل لتكون كلمة الله هي العليا ويفعل الله بعد ما يشاء السادسة قوله تعالى : ( كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ) قرأ بن محيصن وحميد تتم بتاءين نعمته رفعا على أنها الفاعل الباقون يتم بضم الياء على أن الله هو يتمها وتسلمون قراءة بن عباس وعكرمة تسلمون بفتح التاء واللام أي تسلمون من الجراح وإسناده ضعيف رواه عباد بن العوام عن حنظلة عن شهر عن بن عباس الباقون بضم التاء ومعناه تستسلمون وتنقادون إلى معرفة الله وطاعته شكرا على نعمه قال أبو عبيد : والاختيار قراءة العامة لأن ما أنعم الله به علينا من الإسلام أفضل مما أنعم به من السلامة من الجراح < < النحل : ( 82 ) فإن تولوا فإنما . . . . . > > < > ( النحل 82 ) < > قوله تعالى : ( فإن تولوا ) أي أعرضوا عن النظر والاستدلال والإيمان ( فإنما عليك البلاغ ) أي ليس عليك إلا التبليغ وأما الهداية فإلينا < < النحل : ( 83 ) يعرفون نعمة الله . . . . . > > < > ( النحل 83 ) <

قسم V10/P160–V10/P162

> قوله تعالى : ( يعرفون نعمة الله ) قال السدي : يعني محمدا صلى الله عليه وسلم أي يعرفون نبوته ( ثم ينكرونها ) ويكذبونه وقال مجاهد : يريد ما عدد الله عليهم في هذه السورة من النعم أي يعرفون أنها من عند الله وينكرونها بقولهم إنهم ورثوا ذلك عن آبائهم وبمثله قال قتادة وقال عون بن عبد الله : هو قول الرجل لولا فلان لكان كذا ولولا فلان ما أصبت كذا وهم يعرفون النفع والضر من عند الله وقال الكلبي : هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عرفهم بهذه النعم كلها عرفوها وقالوا : نعم هي كلها نعم من الله ولكنها بشفاعة آلهتنا وقيل : يعرفون نعمة الله بتقلبهم فيها وينكرونها بترك الشكر عليها ويحتمل سادسا يعرفونها في الشدة وينكرونها في الرخاء ويحتمل سابعا يعرفونها بأقوالهم وينكرونها بأفعالهم ويحتمل ثامنا يعرفونها بقلوبهم ويجحدونها بألسنتهم نظيرها وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ( وأكثرهم الكافرون ) يعني جميعهم حسبما تقدم < < النحل : ( 84 ) ويوم نبعث من . . . . . > > < > ( النحل 84 ) < > قوله تعالى : ( ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ) نظيره : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وقد تقدم ( ثم لا يؤذنون للذين كفروا ) أي في الاعتذار والكلام كقوله : ولا يؤذن لهم فيعتذرون وذلك حين تطبق عليهم جهنم كما تقدم في أول الحجر ويأتي ( ولا هم يستعتبون يعني يسترضون أي لا يكلفون أن يرضوا ربهم لأن الآخرة ليست بدار تكليف ولا يتركون إلى رجوع الدنيا فيتوبون وأصل الكلمة من العتب وهي الموجدة يقال : عتب عليه يعتب إذا وجد عليه فإذا فاوضه ما عتب عليه فيه قيل عاتبه فإذا رجع إلى مسرتك فقد أعتب والاسم العتبي وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب قاله الهروي وقال النابغة : فإن كنت مظلوما فعبدا ظلمته وإن كنت ذا عتبى فمثلك يعتب < < النحل : ( 85 ) وإذا رأى الذين . . . . . > > < > ( النحل 85 ) < > قوله تعالى : ( وإذا رأى الذين ظلموا ) أي أشركوا ( العذاب ) أي عذاب جهنم بالدخول فيها ( فلا يخفف عنهم ولاهم ينظرون ) أي لا يمهلون إذ لا توبة لهم ثم < < النحل : ( 86 ) وإذا رأى الذين . . . . . > > < > ( النحل 86 : 87 ) < > قوله تعالى : ( وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم ) أي أصنامهم وأوثانهم التي عبدوها وذلك أن الله يبعث معبوديهم فيتبعونهم حتى يوردوهم النار وفي صحيح مسلم : ( من كان يعبد شيئا فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ويتبع من كان يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت ( الحديث خرجه من حديث أنس والترمذي من حديث أبي هريرة وفيه : ( فيمثل لصاحب الصليب صليبه ولصاحب التصاوير تصاويره ولصاحب النار ناره فيتبعون ما كانوا يعبدون ( وذكر الحديث ( قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك ) أي الذين جعلناهم لك شركاء ( فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون ) أي ألقت إليهم الآلهة القول أي نطقت بتكذيب من عبدها بأنها لم تكن آلهة ولا أمرتهم بعبادتها فينطق الله الأصنام حتى تظهر عند ذلك فضيحة الكفار وقيل : المراد بذلك الملائكة الذين عبدوهم ( وألقوا إلى الله يومئذ السلم ) يعني المشركين أي استسلموا لعذابه وخضعوا لعزه وقيل : استسلم العابد والمعبود وانقادوا لحكمه فيهم ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) أي زال عنهم ما زين لهم الشيطان وما كانوا يؤملون من شفاعة آلهتهم < < النحل : ( 88 ) الذين كفروا وصدوا . . . . . > > < > ( النحل 88 ) <

قسم V10/P162–V10/P164

> قوله تعالى : ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق عذابهم ) قال بن مسعود : عقارب أنيابها كالنخل الطوال وحيات مثل أعناق الإبل وأفاعي كأنها البخاتي تضربهم فتلك الزيادة وقيل : المعنى يخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة برده إلى النار وقيل : المعنى زدنا القادة عذابا فوق السفلة فأحد العذابين على كفرهم والعذاب الآخر على صدهم ( بما كانوا يفسدون ) في الدنيا من الكفر والمعصية < < النحل : ( 89 ) ويوم نبعث في . . . . . > > < > ( النحل 89 ) < > قوله تعالى : ( ويوم نبعث كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم ) وهم الأنبياء شهداء على أممهم يوم القيامة بأنهم قد بلغوا الرسالة ودعوهم إلى الإيمان في كل زمان شهيد وإن لم يكن نبيا وفيهم قولان : أحدهما أنهم أئمة الهدى الذين هم خلفاء الأنبياء الثاني أنهم العلماء الذين حفظ الله بهم شرائع أنبيائه قلت : فعلى هذا لم تكن فترة إلا وفيها من يوحد الله كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : ( يبعث أمة وحده ( وسطيح وورقة بن نوفل الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : ( رأيته ينغمس في أنهار الجنة ( فهؤلاء ومن كان مثلهم حجة على أهل زمانهم وشهيد عليهم والله أعلم وقوله وجئنا بك شهيدا على هؤلاء تقدم في البقرة والنساء قوله تعالى : ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ) نظيره : ما فرطنا في الكتاب من شيء وقد تقدم فلينظر هناك وقال مجاهد : تبيانا للحلال والحرام < < النحل : ( 90 ) إن الله يأمر . . . . . > > < > ( النحل 90 ) <

قسم V10/P164–V10/P168

> فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) روي عن عثمان بن مظعون أنه قال : لما نزلت هذه الآية قرأتها على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فتعجب فقال : يا آل غالب اتبعوه تفلحوا فوالله إن الله أرسله ليأمركم بمكارم الأخلاق وفي حديث إن أبا طالب لما قيل له : إن بن اخيك زعم أن الله أنزل عليه إن الله يأمر بالعدل والإحسان الآية قال : اتبعوا بن أخي فوالله إنه لا يأمر إلا بمحاسن الأخلاق وقال عكرمة : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على الوليد بن المغيرة إن الله يأمر بالعدل والإحسان إلى آخرها فقال : يا بن أخي أعد فأعاد عليه فقال : والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أصله لمورق وأعلاه لمثمر وما هو بقول بشر وذكر الغزنوي أن عثمان بن مظعون هو القارئ قال عثمان : ما أسلمت ابتداء إلا حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت هذه الآية وأنا عنده فاستقر الإيمان في قلبي فقرأتها على الوليد بن المغيرة فقال : يا بن أخي أعد فأعدت فقال : والله إن له لحلاوة وذكر تمام الخبر وقال بن مسعود : هذه أجمع آية في القرآن لخير يمتثل ولشر يجتنب وحكى النقاش قال : يقال زكاة العدل الإحسان وزكاة القدرة العفو وزكاة الغنى المعروف وزكاة الجاه كتب الرجل إلى إخوانه الثانية اختلف العلماء في تأويل العدل والإحسان فقال بن عباس : العدل لا إله إلا الله والإحسان أداء الفرائض وقيل : العدل الفرض والإحسان النافلة وقال سفيان بن عيينة : العدل ها هنا استواء السريرة والإحسان أن تكون السريرة أفضل من العلانية علي بن أبي طالب : العدل الإنصاف والإحسان التفضل قال بن عطية العدل هو كل مفروض من عقائد وشرائع في أداء الأمانات وترك الظلم والإنصاف وإعطاء الحق والإحسان هو فعل كل مندوب إليه فمن الأشياء ما هو كله مندوب إليه ومنها ما هو فرض إلا أن حد الإجزاء منه داخل في العدل والتكميل الزائد على الإجزاء داخل في الإحسان وأما قول بن عباس ففيه نظر لأن أداء الفرائض هي الإسلام حسبما فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل وذلك هو العدل وإنما الإحسان التكميلات والمندوب إليه حسبما يقتضيه تفسير النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل بقوله : ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ( فإن صح هذا عن بن عباس فإنما أراد الفرائض مكملة وقال بن العربي : العدل بين العبد وبين ربه إيثار حقه تعالى على حظ نفسه وتقديم رضاه على هواه والاجتناب للزواجر والامتثال للأوامر وأما العدل بينه وبين نفسه فمنعها مما فيه هلاكها قال الله تعالى : ونهى النفس عن الهوى النازعات وعزوب الأطماع عن الاتباع ولزوم القناعة في كل حال ومعنى وأما العدل بينه وبين الخلق فبذل النصيحة وترك الخيانة فيما قل وكثر والإنصاف من نفسك لهم بكل وجه ولا يكون منك إساءة إلى أحد بقول ولا فعل لا في سر ولا في علن والصبر على ما يصيبك منهم من البلوى وأقل ذلك الإنصاف وترك الأذى قلت : هذا التفصيل في العدل حسن وعدل وأما الإحسان فقد قال علماؤنا : الإحسان مصدر أحسن يحسن إحسانا ويقال على معنيين : أحدهما متعد بنفسه كقولك : أحسنت كذا أي حسنته وكملته وهو منقول بالهمزة من حسن الشيء وثانيهما متعد بحرف جر كقولك : أحسنت إلى فلان أي أوصلت إليه ما ينتفع به قلت : وهو في هذه الآية مراد بالمعنيين معا فإنه تعالى يحب من خلقه إحسان بعضهم إلى بعض حتى أن الطائر في سجنك والسنور في دارك لا ينبغي أن تقصر تعهده بإحسانك وهو تعالى غني عن إحسانهم ومنه الإحسان والنعم والفضل والمنن وهو في حديث جبريل بالمعنى الأول لا بالثاني فإن المعنى الأول راجع إلى إتقان العبادة ومراعاتها بآدائها المصححة والمكملة ومراقبة الحق فيها واستحضار عظمته وجلاله حالة الشروع وحالة الاستمرار وهو المراد بقوله ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ( وأرباب القلوب في هذه المراقبة على حالين : أحدهما غالب عليه مشاهدة الحق فكأنه يراه ولعل النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى هذه الحالة بقوله : ( وجعلت قرة عيني في الصلاة ( وثانيهما لا تنتهي إلى هذا لكن يغلب عليه أن الحق سبحانه مطلع عليه ومشاهد له وإليه الإشارة بقوله تعالى الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين وقوله : إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه الثالثة قوله تعالى : ( وإيتاء ذي القربي ) أي القرابة يقول : يعطيهم المال كما قال وآت ذا القربى حقه يعني صلته وهذا من باب عطف المندوب على الواجب وبه استدل الشافعي في إيجاب إيتاء المكاتب على ما يأتي بيانه وإنما خص ذا القربى لأن حقوقهم أوكد وصلتهم أوجب لتأكيد حق الرحم التي اشتق الله اسمها من اسمه وجعل صلتها من صلته فقال في الصحيح : ( أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ( ولا سيما إذا كانوا فقراء الرابعة قوله تعالى : ( وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ) الفحشاء : الفحش وهو كل قبيح من قول أو فعل بن عباس : هو الزنى والمنكر : ما أنكره الشرع بالنهي عنه وهو يعم جميع المعاصي والرذائل والدناءات على اختلاف أنواعها وقيل هو الشرك والبغي : هو الكبر والظلم والحقد والتعدي وحقيقته تجاوز الحد وهو داخل تحت المنكر لكنه تعالى خصه بالذكر اهتماما به لشدة ضرره وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا ذنب أسرع عقوبة من بغي ( وقال عليه السلام : ( الباغي مصروع ( وقد وعد الله من بغي عليه بالنصر وفي بعض الكتب المنزلة : لو بغى جبل على جبل لجعل الباغي منهما دكا الخامسة ترجم الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه فقال : [ باب قوله تعالى : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون وقوله : إنما بغيكم على أنفسكم ثم بغي عليه لينصرنه الله وترك إثارة الشر على مسلم أو كافر ] ثم ذكر حديث عائشة في سحر لبيد بن الأعصم النبي صلى الله عليه وسلم قال بن بطال : فتأول رضي الله عنه من هذه الآيات ترك إثارة الشر على مسلم أو كافر كما دل عليه حديث عائشة حيث قال عليه السلام : ( أما الله فقد شفاني وأما أنا فأكره أن أثير على الناس شرا ( ووجه ذلك والله أعلم أنه تأول في قول الله تعالى : إن الله يأمر بالعدل والإحسان الندب بالإحسان إلى المسيء وترك معاقبته على إساءته فإن قيل : كيف يصح هذا التأويل في آيات البغي قيل : وجه ذلك والله أعلم أنه لما أعلم الله عباده بأن ضرر البغي ينصرف على الباغي بقوله : إنما بغيكم على أنفسكم وضمن تعالى نصرة من بغي عليه كان الأولى بمن بغي عليه شكر الله على ما ضمن من نصره ومقابلة ذلك بالعفو عمن بغى عليه وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم باليهودي الذي سحره وقد كان له الانتقام منه بقوله : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولكن آثر الصفح أخذا بقوله : ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور السادسة تضمنت هذه الآية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد تقدم القول فيهما روي أن جماعة رفعت عاملها إلى أبي جعفر المنصور العباسي فحاجها العامل وغلبها بأنهم لم يثبتوا عليه كبير ظلم ولا جوره في شيء فقام فتى من القوم فقال : يا أمير المؤمنين إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإنه عدل ولم يحسن قال : فعجب أبو جعفر من إصابته وعزل العامل < <

قسم V10/P168

النحل : ( 91 ) وأوفوا بعهد الله . . . . . > > < > ( النحل 91 ) <

قسم V10/P168–V10/P170

> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وأوفوا بعهد الله ) لفظ عام لجميع ما يعقد باللسان ويلتزمه الإنسان من بيع أو صلة أو مواثقة في أمر موافق للديانة وهذه الآية مضمن قوله إن الله يأمر بالعدل والإحسان لأن المعنى فيها : افعلوا كذا وانتهوا عن كذا فعطف على ذلك التقدير وقد قيل : إنها نزلت في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام وقيل : نزلت في التزام الحلف الذي كان في الجاهلية وجاء الإسلام بالوفاء به قاله قتادة ومجاهد وبن زيد والعموم يتناول كل ذلك كما بيناه روى الصحيح عن جبير بن مطعم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة ( يعني في نصرة الحق والقيام به والمواساة وهذا كنحو حلف الفضول الذي ذكره بن إسحاق قال : اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جدعان لشرفه ونسبه فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى ترد عليه مظلمته فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول أي حلف الفضائل والفضول هنا جمع فضل للكثرة كفلس وفلوس روي بن إسحاق عن بن شهاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم لو أدعى به في الإسلام لأجبت ( وقال بن إسحاق : تحامل الوليد بن عتبة على حسين بن علي في مال له لسلطان الوليد فإنه كان أميرا على المدينة فقال له حسين بن علي : أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن سيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لأدعون بحلف الفضول قال عبد الله بن الزبير : وأنا أحلف والله لئن دعانا لآخذن سيفي ثم لأقومن معه حتى ينتصف من حقه أو نموت جميعا وبلغت المسور بن مخرمة فقال مثل ذلك وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فقال مثل ذلك فلما بلغ ذلك الوليد أنصفه قال العلماء : فهذا الحلف الذي كان في الجاهلية هو الذي شده الإسلام وخصه النبي عليه الصلاة والسلام من عموم قوله : ( لا حلف في الأسلام ( والحكمة في ذلك أن الشرع جاء بالانتصار من الظالم وأخذ الحق منه وإيصاله إلى المظلوم وأوجب ذلك بأصل الشريعة إيجابا عاما على من قدر من المكلفين وجعل لهم السبيل على الظالمين فقال تعالى : إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم وفي الصحيح : ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما قالوا ( : يا رسول الله هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما قال : ( تأخذ على يديه في رواية : تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره ( وقد تقدم قوله عليه السلام : ( إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده ( الثانية قوله تعالى : ( ولاتنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) يقول بعد تشديدها وتغليظها يقال : توكيد وتأكيد ووكد وأكد وهما لغتان الثالثة قوله تعالى : ( وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ) يعني شهيدا ويقال حافظا ويقال ضامنا وإنما قال بعد توكيدها فرقا بين اليمين المؤكدة بالعزم وبين لغو اليمين وقال بن وهب وبن القاسم عن مالك : التوكيد هو حلف الإنسان في الشيء الواحد مرارا يردد فيه الأيمان ثلاثا أو اكثر من ذلك كقوله : والله لا أنقصه من كذا والله لا أنقصه من كذا والله لا أنقصه من كذا قال : فكفارة ذلك واحدة مثل كفارة اليمين وقال يحيى بن سعيد : هي العهود والعهد يمين ولكن الفرق بينهما أن العهد لا يكفر قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته يقال هذه غدرة فلان ( وأما اليمين بالله فقد شرع الله سبحانه فيها الكفارة بخصلة واحدة وحل ما انعقدت عليه اليمين وقال بن عمر : التوكيد هو أن يحلف مرتين فإن حلف واحدة فلا كفارة فيه وقد تقدم في المائدة < <

قسم V10/P170–V10/P172

النحل : ( 92 ) ولا تكونوا كالتي . . . . . > > < > ( النحل 92 ) < > قوله تعالى : ( ولاتكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ) النقض والنكث واحد والاسم النكث والنقض والجمع الأنكاث فشبهت هذه الآية الذي يحلف ويعاهد ويبرم عهده ثم ينقضه بالمرأة تغزل غزلها وتفتله محكما ثم تحله ويروى أن امرأة حمقاء كانت بمكة تسمى ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة كانت تفعل ذلك فبها وقع التشبيه قاله الفراء وحكاه عبد الله بن كثير والسدي ولم يسميا المرأة وقال مجاهد وقتادة : وذلك ضرب مثل لا على امرأة معينة وأنكاثا نصب على الحال والدخل : الدغل والخديعة والغش قال أبو عبيدة : كل أمر لم يكن صحيحا فهو دخل ( أن تكون أمة هي أربى من أمة ) قال المفسرون : نزلت هذه الآية في العرب الذين كانت القبيلة منهم إذ حالفت أخرى ثم جاءت إحداهما قبيلة كثيرة قوية فداخلتها غدرت الأولى ونقضت عهدها ورجعت إلى هذه الكبرى قاله مجاهد فقال الله تعالى : لا تنقضوا العهود من أجل أن طائفة أكثر من طائفة أخرى أو أكثر أموالا فتنقضون أيمانكم إذا رأيتم الكثرة والسعة في الدنيا لأعدائكم المشركين والمقصود النهي عن العود إلى الكفر بسبب كثرة الكفار وكثرة أموالهم وقال الفراء : المعنى لا تغدروا بقوم لقلتهم وكثرتكم أو لقلتكم وكثرتهم وقد عززتموهم بالأيمان ( أربى ) أي أكثر من ربا الشيء يربو إذا كثر والضمير في به يحتمل أن يعود على الوفاء الذي أمر الله به ويحتمل أن يعود على الرباء أي أن الله تعالى ابتلى عباده بالتحاسد وطلب بعضهم الظهور على بعض واختبرهم بذلك ليرى من يجاهد نفسه فيخالفها ممن يتبعها ويعمل بمقتضى هواها وهو معنى قوله : ( إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ) من البعث وغيره < < النحل : ( 93 ) ولو شاء الله . . . . . > > < > ( النحل 93 ) < > قوله تعالى : ( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ) أي على ملة واحدة ( ولكن يضل من يشاء ) بخذلانه إياهم عدلا منه فيهم ( ويهدي من يشاء ) بتوفيقه إياهم فضلا منه عليهم ولا يسأل عما يفعل بل تسألون أنتم والآية ترد على أهل القدر كما تقدم واللام في وليبينن ولتسئلن مع النون المشددة يدلان على قسم مضمر أي والله ليبينن لكم ولتسئلن < < النحل : ( 94 ) ولا تتخذوا أيمانكم . . . . . > > < > ( النحل 94 ) < > قوله تعالى : ( ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم ) كرر ذلك تأكيدا ( فتزل قدم بعد ثبوتها ) مبالغة في النهي عنه لعظم موقعه في الدين وتردده في معاشرات الناس أي لا تعقدوا الأيمان بالانطواء على الخديعة والفساد فتزل قدم بعد ثبوتها أي عن الأيمان بعد المعرفة بالله وهذه استعارة للمستقيم الحال يقع في شر عظيم ويسقط فيه لأن القدم إذا زلت نقلت الإنسان من حال خير إلى حال شر ومن هذا المعنى قول كثير : فلما توافينا ثبت وزلت والعرب تقول لكل مبتلى بعد عافية أو ساقط في ورطة : زلت قدمه كقول الشاعر : سيمنع منك السبق إن كنت سابقا وتقتل إن زلت بك القدمان ويقال لمن أخطأ في شيء : زل فيه ثم توعد تعالى بعد بعذاب في الدنيا وعذاب عظيم في الآخرة وهذا الوعيد إنما هو فيمن نقض عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن من عاهده ثم نقض عهده خرج عن الإيمان ولهذا قال : ( وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ) أي بصدكم وذوق السوء في الدنيا هو ما يحل بهم من المكروه < < النحل : ( 95 ) ولا تشتروا بعهد . . . . .

قسم V10/P172–V10/P173

> > < > ( النحل 95 : 96 ) < > قوله تعالى : ( ولاتشتروا بعهد الله ثمنا قليلا ) نهى عن الرشا وأخذ الأموال على نقض العهد أي لا تنقضوا عهودكم لعرض قليل من الدنيا وإنما كان قليلا وإن كثر لأنه مما يزول فهو على التحقيق قليل وهو المراد بقوله : ما عندكم ينفد وما عند الله باق فبين الفرق بين حال الدنيا وحال الآخرة بأن هذه تنفد وتحول وما عند الله من مواهب فضله ونعيم جنته ثابت لا يزول لمن وفى بالعهد وثبت على العقد ولقد أحسن من قال : المال ينفد حله وحرامه يوما وتبقى في غد آثامه ليس التقي بمتق لإلهه حتى يطيب شرابه وطعامه آخر : هب الدنيا تساق إليك عفوا أليس مصير ذاك إلى انتقال وما دنيال إلا مثل فيء أظلك ثم آذن ب ال زوال قوله تعالى : ( ولنجزين الذين صبروا ) أي على الإسلام والطاعات وعن المعاصي ( أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) أي من الطاعات وجعلها أحسن لأن ما عداها من الحسن مباح والجزاء إنما يكون على الطاعات من حيث الوعد من الله وقرأ عاصم وبن كثير ولنجزين بالنون على التعظيم الباقون بالياء وقيل : إن هذه الآية ولاتشتروا إلى هنا نزلت في امرئ القيس بن عابس الكندي وخصمه بن أسوع اختصما في أرض فأراد امرؤ القيس أن يحلف فلما سمع هذه الآية نكل وأقر له بحقه والله أعلم < < النحل : ( 97 ) من عمل صالحا . . . . . > > < > ( النحل 97 ) < > قوله تعالى : ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ) شرط وجوابه وفي الحياة الطيبة خمسة أقوال : الأول أنه الرزق الحلال قاله بن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والضحاك الثاني القناعة قاله الحسن البصري وزيد بن وهب ووهب بن منبه ورواه الحكم عن عكرمة عن بن عباس وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه الثالث توفيقه إلى الطاعات فإنها تؤديه إلى رضوان الله قال معناه الضحاك وقال أيضا : من عمل صالحا وهو مؤمن في فاقة وميسرة فحياته طيبة ومن أعرض عن ذكر الله ولم يؤمن بربه ولا عمل صالحا فمعيشته ضنك لا خير فيها وقال مجاهد وقتادة وبن زيد : هي الجنة وقاله الحسن وقال : لا تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة وقيل هي السعادة روي عن بن عباس أيضا وقال أبو بكر الوراق : هي حلاوة الطاعة وقال سهل بن عبد الله التستري : هي أن ينزع عن العبد تدبيره ويرد تدبيره إلى الحق وقال جعفر الصادق : هي المعرفة بالله وصدق المقام بين يدي الله وقيل : الاستغناء عن الخلق والافتقار إلى الحق وقيل : الرضا بالقضاء ( ولنجزينهم أجرهم ) أي في الآخرة ( بأحسن ما كانوا يعملون ) وقال فلنحيينه ثم قال ولنجزينهم لأن من يصلح للواحد والجمع فأعاد على اللفظ ومرة على المعنى وقد تقدم وقال أبو صالح : جلس ناس من أهل التوراة وناس من أهل الإنجيل وناس من أهل الأوثان فقال هؤلاء : نحن أفضل وقال هؤلاء : نحن أفضل فنزلت < < النحل : ( 98 ) فإذا قرأت القرآن . . . . . > > < > ( النحل 98 ) <

قسم V10/P173–V10/P175

> فيه مسألة واحدة وهي أن هذه الآية متصلة بقوله : ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء فإذا أخذت في قراءته فاستعذ بالله من أن يعرض لك الشيطان فيصدك عن تدبره والعمل بما فيه وليس يريد استعذ بعد القراءة بل هو كقولك : إذا أكلت فقل بسم الله أي إذا أردت أن تأكل وقد روى جبير بن مطعم عن أبيه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح الصلاة قال : ( اللهم إني أعوذ بك من الشيطان من همزه ونفخه ونفثه ( وروي أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة قال الكيا الطبري : ونقل عن بعض السلف التعوذ بعد القراءة مطلقا احتجاجا بقوله تعالى : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ولا شك أن ظاهر ذلك يقتضي أن تكون الاستعاذة بعد القراءة كقوله تعالى : فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا إلا أن غيره محتمل مثل قوله تعالى : وإذا قلتم فاعدلوا وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب وليس المراد به أن يسألها من وراء حجاب بعد سؤال متقدم ومثله قول القائل : إذا قلت فاصدق وإذا أحرمت فاغتسل يعني قبل الإحرام والمعنى في جميع ذلك : إذا أردت ذلك فكذلك الاستعاذة وقد تقدم هذا المعنى وتقدم القول في الاستعاذة مستوفى < < النحل : ( 99 ) إنه ليس له . . . . . > > < > ( النحل 99 : 100 ) < > قوله تعالى : ( إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا ) أي بالإغواء والكفر أي ليس لك قدرة على أن تحملهم على ذنب لا يغفر قاله سفيان وقال مجاهد : لا حجة له على ما يدعوهم إليه من المعاصي وقيل : إنه ليس له عليهم سلطان بحال لأن الله تعالى صرف سلطانه عليهم حين قال عدو الله إبليس لعنه الله ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال الله تعالى : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين قلت : قد بينا أن هذا عام يدخله التخصيص وقد أغوى آدم وحواء عليهما السلام بسلطانه وقد شوش على الفضلاء أوقاتهم بقوله : من خلق ربك حسبما تقدم في آخر الأعراف بيانه ( إنما سلطانه على الذين يتولونه ) أي يطيعونه يقال : توليته أي أطعته وتوليت عنه أي أعرضت عنه ( والذين هم به مشركون ) أي بالله قاله مجاهد والضحاك وقيل : يرجع به إلى الشيطان قاله الربيع بن أنس والقتبي والمعنى : والذين هم من أجله مشركون يقال : كفرت بهذه الكلمة أي من أجلها وصار فلان بك عالما أي من أجلك أي والذي تولى الشيطان مشركون بالله < < النحل : ( 101 ) وإذا بدلنا آية . . . . . > > < > ( النحل 101 : 102 ) <

قسم V10/P175–V10/P176

> قوله تعالى : ( وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل ) قيل : المعنى بدلنا شريعة متقدمة بشريعة مستأنفة قاله بن بحر مجاهد : أي رفعنا آية وجعلنا موضعها غيرها وقال الجمهور : نسخنا آية بآية أشد منها عليهم والنسخ والتبديل رفع الشيء مع وضع غيره مكانه وقد تقدم الكلام في النسخ في البقرة مستوفى ( قالوا ) يريد كفار قريش ( إنما أنت مفتر ) أي كاذب مختلق وذلك لما رأوا من تبديل الحكم فقال الله : ( بل أكثرهم لا يعلمون ) أن الله شرع الأحكام وتبديل البعض بالبعض وقوله : ( قل نزله روح القدس ) يعني جبريل نزل بالقرآن كله ناسخه ومنسوخه وروي بإسناد صحيح عن عامر الشعبي قال : وكل إسرافيل بمحمد صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين فكان يأتيه بالكلمة والكلمة ثم نزل عليه جبريل بالقرآن وفي صحيح مسلم أيضا أنه نزل عليه بسورة الحمد ملك لم ينزل إلى الأرض قط كما تقدم في الفاتحة بيانه ( من ربك بالحق ) أي من كلام ربك ( ليثبت الذين آمنوا ) أي بما فيه من الحجج والآيات ( وهدى ) أي وهو هدى ( وبشرى للمسلمين ) < < النحل : ( 103 ) ولقد نعلم أنهم . . . . . > > < > ( النحل 103 ) <

قسم V10/P176–V10/P178

> قوله تعالى : ( ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ) اختلف في اسم هذا الذي قالوا إنما يعلمه فقيل : هو غلام الفاكه بن المغيرة واسمه جبر كان نصرانيا فأسلم وكانوا إذا سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم ما مضى وما هو آت مع أنه أمي لم يقرأ قالوا : إنما يعلمه جبر وهو أعجمي فقال الله تعالى : ( لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ) أي كيف يعلمه جبر وهو أعجمي هذا الكلام الذي لا يستطيع الإنس والجن أن يعارضوا منه سورة واحدة فما فوقها وذكر النقاش أن مولى جبر كان يضربه ويقول له : أنت تعلم محمدا فيقول : لا والله بل هو يعلمني ويهديني وقال بن إسحاق : كان النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغني كثيرا ما يجلس عند المروة إلى غلام نصراني يقال له جبر عبد بني الحضرمي وكان يقرأ الكتب فقال المشركون : والله ما يعلم محمدا ما يأتي به إلا جبر النصراني وقال عكرمة : اسمه يعيش عبد لبني الحضرمي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقنه القرآن ذكره الماوردي وذكر الثعلبي عن عكرمة وقتادة أنه غلام لبني المغيرة اسمه يعيش وكان يقرأ الكتب الأعجمية فقالت قريش : إنما يعلمه بشر فنزلت المهدوي عن عكرمة هو غلام لبني عامر بن لؤي واسمه يعيش وقال عبد الله بن مسلم الحضرمي : كان لنا غلامان نصرانيان من أهل عين التمر اسم أحدهما يسار واسم الآخر جبر كذا ذكر الماوردي والقشيري والثعلبي إلا أن الثعلبي قال : يقال لأحدهما نبت ويكنى أبا فكيهة والآخر جبر وكانا صيقلين يعملان السيوف وكانا يقرأان كتابا لهم الثعلبي : يقرأان التوراة والإنجيل الماوردي والمهدوي : التوراة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بهما ويسمع قراءتهما وكان المشركون يقولون : يتعلم منهما فأنزل الله هذه الآية وأكذبهم وقيل : عنوا سلمان الفارسي رضي الله عنه قاله الضحاك وقيل : نصرانيا بمكة اسمه بلعام وكان غلاما يقرأ التوراة قاله بن عباس وكان المشركون يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يدخل عليه ويخرج من عنده فقالوا : إنما يعلمه بلعام وقال القتبي : كان بمكة رجل نصراني يقال له أبو ميسرة يتكلم بالرومية فربما قعد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الكفار : إنما يتعلم محمد منه فنزلت وفي رواية أنه عداس غلام عتبة بن ربيعة وقيل : عابس غلام حويطب بن عبد العزى ويسار أبو فكيهة مولى بن الحضرمي وكانا قد أسلما والله أعلم قلت : والكل محتمل فإن النبي صلى الله عليه وسلم ربما جلس إليهم في أوقات مختلفة ليعلمهم مما علمه الله وكان ذلك بمكة وقال النحاس : وهذه الأقوال ليست بمتناقضة لأنه يجوز أن يكونوا أومؤا إلى هؤلاء جميعا وزعموا أنهم يعلمونه قلت : وأما ما ذكره الضحاك من أنه سلمان ففيه بعد لأن سلمان إنما أتى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهذه الآية مكية ( لسان الذي يلحدون إليه أعجمي ) الإلحاد : الميل يقال : لحد وألحد أي مال عن القصد وقد تقدم في الأعراف وقرأ حمزة يلحدون بفتح الياء والحاء أي لسان الذي يميلون إليه ويشيرون أعجمي والعجمة : الإخفاء وضد البيان ورجل أعجم وامرأة عجماء أي لا يفصح ومنه عجم الذنب لاستتاره والعجماء البهيمة لأنها لا توضح عن نفسها وأعجمت الكتاب أي أزلت عجمته والعرب تسمي كل من لا يعرف لغتهم ولا يتكلم بكلامهم أعجميا وقال الفراء : الأعجم الذي في لسانه عجمة وإن كان من العرب والأعجمي أو العجمي الذي أصله من العجم وقال أبو علي : الأعجمي الذي لا يفصح سواء كان من العرب أو من العجم وكذلك الأعجم والأعجمي المنسوب إلى العجم وإن كان فصيحا وأراد باللسان القرآن لأن العرب تقول للقصيدة والبيت : لسان قال الشاعر : لسان الشر تهديها إلينا وخنت وما حسبتك أن تخونا يعني باللسان القصيدة ( وهذا لسان عربي مبين ) أي أفصح ما يكون من العربية < <

قسم V10/P178–V10/P179

النحل : ( 104 ) إن الذين لا . . . . . > > < > ( النحل 104 ) < > قوله تعالى : ( إن الذين لايؤمنون بآيات الله ) أي هؤلاء المشركون الذين لا يؤمنون بالقرآن ( لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم ) < < النحل : ( 105 ) إنما يفتري الكذب . . . . . > > < > ( النحل 105 ) < > قوله تعالى : ( إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله ) هذا جواب وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بالافتراء ( وأولءك هم الكاذبون ) هذا مبالغة في وصفهم بالكذب أي كل كذب قليل بالنسبة إلى كذبهم ويقال : كذب فلان ولا يقال إنه كاذب لأن الفعل قد يكون لازما وقد لا يكون لازما فأما النعت فيكون لازما ولهذا يقال : عصى آدم ربه فغوى ولا يقال : إنه عاص غاو فإذا قيل : كذب فلان فهو كاذب كان مبالغة في الوصف بالكذب قاله القشيري < < النحل : ( 106 ) من كفر بالله . . . . . > > < > ( النحل 106 ) <

قسم V10/P179–V10/P190

> فيه إحدى وعشرون مسألة : الأولى قوله تعالى : ( من كفر بالله ) هذا متصل بقوله تعالى : ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها فكان مبالغة في الوصف بالكذب لأن معناه لا ترتدوا عن بيعة الرسول صلى الله عليه وسلم أي من كفر من بعد إيمانه وارتد فعليه غضب الله قال الكلبي : نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح ومقيس بن صبابة وعبد الله بن خطل وقيس بن الوليد بن المغيرة كفروا بعد إيمانهم ثم قال : ( إلا من أكره ) وقال الزجاج : من كفر بالله من بعد إيمانه بدل ممن يفتري الكذب أي إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه لأنه رأى الكلام إلى آخر الاستثناء غير تام فعلقه بما قبله وقال الأخفش : من ابتداء وخبره محذوف اكتفى منه بخبر من الثانية كقولك : من يأتنا من يحسن نكرمه الثانية قوله تعالى : ( إلا من أكره ) هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر في قول أهل التفسير لأنه قارب بعض ما ندبوه إليه قال بن عباس : أخذه المشركون وأخذوا أباه وأمه سمية وصهيبا وبلالا وخبابا وسالما فعذبوهم وربطت سمية بين بعيرين ووجىء قبلها بحربة وقيل لها إنك أسلمت من أجل الرجال فقتلت وقتل زوجها ياسر وهما أول قتيلين في الإسلام وأما عمار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كيف تجد قلبك ( قال : مطمئن بالإيمان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فإن عادوا فعد ( وروى منصور بن المعتمر عن مجاهد قال : أول شهيدة في الإسلام أم عمار قتلها أبو جهل وأول شهيد من الرجال مهجع مولى عمر وروى منصور أيضا عن مجاهد قال : أول من أظهر الإسلام سبعة : رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وبلال وخباب وصهيب وعمار وسمية أم عمار فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه أبو طالب وأما أبو بكر فمنعه قومه وأخذوا الآخرين فألبسوهم أدراع الحديد ثم صهروهم في الشمس حتى بلغ منهم الجهد كل مبلغ من حر الحديد والشمس فلما كان من العشي أتاهم أبو جهل ومعه حربة فجعل يسبهم ويوبخهم وأتى سمية فجعل يسبها ويرفث ثم طعن فرجها حتى خرجت الحربة من فمها فقتلها رضي الله عنها قال : وقال الآخرون ما سئلوا إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله فجعلوا يعذبونه ويقولون له : ارجع عن دينك وهو يقول أحد أحد حتى ملوه ثم كتفوه وجعلوا في عنقه حبلا من ليف ودفعوه إلى صبيانهم يلعبون به بين أخشبي مكة حتى ملوه وتركوه قال فقال عمار : كلنا تكلم بالذي قالوا لولا أن الله تداركنا غير بلال فإنه هانت عليه نفسه في الله فهان على قومه حتى ملوه وتركوه والصحيح أن أبا بكر اشترى بلالا فأعتقه وروى بن أبي نجيح عن مجاهد أن ناسا من أهل مكة آمنوا فكتب إليهم بعض أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بالمدينة : أن هاجروا إلينا فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا فخرجوا يريدون المدينة حتى أدركتهم قريش بالطريق ففتنوهم فكفروا مكرهين ففيهم نزلت هذه الآية ذكر الروايتين عن مجاهد إسماعيل بن إسحاق وروى الترمذي عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما خير عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما ( هذا حديث حسن غريب وروي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة علي وعمار وسلمان بن ربيعة ( قال الترمذي : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسن بن صالح الثالثة لما سمح الله عز وجل بالكفر به وهو أصل الشريعة عند الإكراه ولم يؤاخذ به حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به ولم يترتب عليه حكم وبه جاء الأثر المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ( الحديث والخبر وإن لم يصح سنده فإن معناه صحيح باتفاق من العلماء قاله القاضي أبو بكر بن العربي وذكر أبو محمد عبد الحق أن إسناده صحيح قال : وقد ذكره أبو بكر الأصيلي في الفوائد وبن المنذر في كتاب الإقناع الرابعة أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بحكم الكفر هذا قول مالك والكوفيين والشافعي غير محمد بن الحسن فإنه قال : إذا أظهر الشرك كان مرتدا في الظاهر وفيما بينه وبين الله تعالى على الإسلام وتبين منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات ولا يرث أباه إن مات مسلما وهذا قول يرده الكتاب والسنة قال الله تعالى : إلا من أكره الآية وقال : إلا أن تتقوا منهم تقاة وقال : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض الآية وقال : إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الآية فعذر الله المستضعفين الذين يمتنعون من ترك ما أمر الله به والمكره لا يكون إلا مستضعفا غير ممتنع من فعل ما أمر به قاله البخاري الخامسة ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الرخصة إنما جاءت في القول وأما في الفعل فلا رخصة فيه مثل أن يكرهوا على السجود لغير الله أو الصلاة لغير القبلة أو قتل مسلم أو ضربه أو أكل ماله أو الزنى وشرب الخمر وأكل الربا يروى هذا عن الحسن البصري رضي الله عنه وهو قول الأوزاعي وسحنون من علمائنا وقال محمد بن الحسن : إذا قيل للأسير : اسجد لهذا الصنم وإلا قتلتك فقال : إن كان الصنم مقابل القبلة فليسجد ويكون نيته لله تعالى وإن كان لغير القبلة فلا يسجد وإن قتلوه والصحيح أنه يسجد وإن كان لغير القبلة وما أحراه بالسجود حينئذ ففي الصحيح عن بن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه قال : وفيه نزلت فأينما تولوا فثم وجه الله في رواية : ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة فإذا كان هذا مباحا في السفر في حالة الأمن لتعب النزول عن الدابة للتنفل فكيف بهذا واحتج من قصر الرخصة على القول بقول بن مسعود : ما من كلام يدرأ عني سوطين من ذي سلطان إلا كنت متكلما به فقصر الرخصة على القول ولم يذكر الفعل وهذا لا حجة فيه لأنه يحتمل أن يجعل للكلام مثالا وهو يريد أن الفعل في حكمه وقالت طائفة : الإكراه في الفعل والقول سواء إذا أسر الإيمان روي ذلك عن عمر بن الخطاب ومكحول وهو قول مالك وطائفة من أهل العراق روى بن القاسم عن مالك أن من أكره على شرب الخمر وترك الصلاة أو الإفطار في رمضان أن الإثم عنه مرفوع السادسة أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره ويصبر على البلاء الذي نزل به ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة واختلف في الزنى فقال مطرف وأصبغ وبن عبد الحكم وبن الماجشون : لا يفعل أحد ذلك وإن قتل لم يفعله فإن فعله فهو آثم ويلزمه الحد وبه قال أبو ثور والحسن قال بن العربي : الصحيح أنه يجوز الإقدام على الزنى ولا حد عليه خلافا لمن ألزمه ذلك لأنه رأى أنها شهوة خلقية لا يتصور الإكراه عليها وغفل عن السبب في باعث الشهوة وهو الإلجاء إلى ذلك وهو الذي أسقط حكمه وإنما يجب الحد على شهوة بعث عليها سبب اختياري فقاس الشيء على ضده فلم يحل بصواب من عنده وقال بن خويز منداد في أحكامه : اختلف أصحابنا متى أكره الرجل على الزنى فقال بعضهم : عليه الحد لأنه إنما يفعل ذلك باختياره وقال بعضهم : لا حد عليه قال بن خويز منداد : وهو الصحيح وقال أبو حنيفة : إن أكرهه غير السلطان حد وإن أكرهه السلطان فالقياس أن يحد ولكن أستحسن ألا يحد وخالفه صاحباه فقالا : لا حد عليه في الوجهين ولم يراعوا الانتشار وقالوا : متى علم أنه يتخلص من القتل بفعل الزنى جاز أن ينتشر قال بن المنذر : لا حد عليه ولا فرق بين السلطان في ذلك وغير السلطان السابعة اختلف العلماء في طلاق المكره وعتاقه فقال الشافعي وأصحابه : لا يلزمه شيء وذكر بن وهب عن عمر وعلي وبن عباس أنهم كانوا لا يرون طلاقه شيئا وذكره بن المنذر عن بن الزبير وبن عمر وبن عباس وعطاء وطاوس والحسن وشريح والقاسم وسالم ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأجازت طائفة طلاقه روي ذلك عن الشعبي والنخعي وأبي قلابة والزهري وقتادة وهو قول الكوفيين قال أبو حنيفة : طلاق المكره يلزم لأنه لم يعدم فيه أكثر من الرضا وليس وجوده بشرط في الطلاق كالهازل وهذا قياس باطل فإن الهازل قاصد إلى إيقاع الطلاق راض به والمكره غير راض ولا نية له في الطلاق وقد قال عليه السلام : ( إنما الأعمال بالنيات ( وفي البخاري : وقال بن عباس فيمن يكرهه اللصوص فيطلق : ليس بشيء وبه قال بن عمر وبن الزبير والشعبي والحسن وقال الشعبي : إن اكرهه اللصوص فليس بطلاق وإن أكرهه السلطان فهو طلاق وفسره بن عيينة فقال : إن اللص يقدم على قتله والسلطان لا يقتله الثامنة وأما بيع المكره والمضغوط فله حالتان الأولى أن يبيع ماله في حق وجب عليه فذلك ماض سائغ لا رجوع فيه عند الفقهاء لأنه يلزمه أداء الحق إلى ربه من غير المبيع فلما لم يفعل ذلك كان بيعه اختيارا منه فلزمه وأما بيع المكره ظلما أو قهرا فذلك بيع لا يجوز عليه وهو أولى بمتاعه يأخذه بلا ثمن ويتبع المشتري بالثمن ذلك الظالم فإن فات المتاع رجع بثمنه أو بقيمته بالأكثر من ذلك على الظالم إذا كان المشتري غير عالم بظلمه قال مطرف : ومن كان من المشترين يعلم حال المكره فإنه ضامن لما ابتاع من رقيقه وعروضه كالغاصب وكلما أحدث المبتاع في ذلك من عتق أو تدبير أو تحبيس فلا يلزم المكره وله أخذ متاعه قال سحنون : أجمع أصحابنا وأهل العراق على أن بيع المكره على الظلم والجور لا يجوز وقال الأبهري : إنه إجماع التاسعة وأما نكاح المكره فقال سحنون : أجمع أصحابنا على إبطال نكاح المكره والمكرهة وقالوا : لا يجوز المقام عليه لأنه لم ينعقد قال محمد بن سحنون : وأجاز أهل العراق نكاح المكره وقالوا : لو أكره على أن ينكح امرأة بعشرة آلاف درهم وصداق مثلها ألف درهم أن النكاح جائز وتلزمه الألف ويبطل الفضل قال محمد : فكما أبطلوا الزائد على الألف فكذلك يلزمهم إبطال النكاح بالإكراه وقولهم خلاف السنة الثابتة في حديث خنساء بنت خذام الأنصارية ولأمره صلى الله عليه وسلم بالاستئمار في أبضاعهن وقد تقدم فلا معنى لقولهم العاشرة فإن وطئها المكره على النكاح غير مكره على الوطء والرضا بالنكاح لزمه النكاح عندنا على المسمى من الصداق ودرىء عنه الحد وإن قال : وطئتها على غير رضا مني بالنكاح فعليه الحد والصداق المسمى لأنه مدع لإبطال الصداق المسمى وتحد المرأة إن أقدمت وهي عالمة أنه مكره على النكاح وأما المكرهة على النكاح وعلى الوطء فلا حد عليها ولها الصداق ويحد الواطىء فاعلمه قاله سحنون الحادية عشرة إذا استكرهت المرأة على الزنى فلا حد عليها لقوله إلا من أكره وقوله عليه السلام : ( إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ( ولقول الله تعالى : فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم يريد الفتيات وبهذا المعنى حكم عمر في الوليدة التي استكرهها العبد فلم يحدها والعلماء متفقون على أنه لا حد على امرأة مستكرهة وقال مالك : إذا وجدت المرأة حاملا وليس لها زوج فقالت استكرهت فلا يقبل ذلك منها وعليها الحد إلا أن تكون لها بينة أو جاءت تدمي على أنها أوتيت أو ما أشبه ذلك واحتج بحديث عمر بن الخطاب أنه قال : الرجم في كتاب الله حق على من زنى من الرجال والنساء إذا أحصن إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف قال بن المنذر : وبالقول الأول أقول الثانية عشرة واختلفوا في وجوب الصداق للمستكرهة فقال عطاء والزهري : لها صداق مثلها وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وقال الثوري : إذا أقيم الحد على الذي زنى بها بطل الصداق وروي ذلك عن الشعبي وبه قال أصحاب مالك وأصحاب الرأي قال بن المنذر : القول الأول صحيح الثالثة عشرة إذا أكره الإنسان على إسلام أهله لما لم يحل أسلمها ولم يقتل نفسه دونها ولا احتمل أذية في تخليصها والأصل في ذلك ما خرجه البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هاجر إبراهيم عليه السلام بسارة ودخل بها قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة فأرسل إليه أن أرسل بها إلي فأرسل بها فقام إليها فقامت تتوضأ وتصلي فقالت اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك فلا تسلط علي هذا الكافر فغط حتى ركض برجله ( ودل هذا الحديث أيضا على أن سارة لما لم يكن عليها ملامة فكذلك لا يكون على المستكرهة ملامة ولا حد فيما هو أكبر من الخلوة والله أعلم الرابعة عشرة وأما يمين المكره فغير لازمة عند مالك والشافعي وأبي ثور وأكثر العلماء قال بن الماجشون : وسواء حلف فيما هو طاعة لله أو فيما هو معصية إذا أكره على اليمين وقاله أصبغ وقال مطرف : إن أكره على اليمين فيما هو لله معصية أو ليس في فعله طاعة ولا معصية فاليمين فيه ساقطة وإن أكره على اليمين فيما هو طاعة مثل أن يأخذ الوالي رجلا فاسقا فيكرهه أن يحلف بالطلاق لا يشرب خمرا أولا يفسق ولا يغش في عمله أو الوالد يحلف ولده تأديبا له فإن اليمين تلزم وإن كان المكره قد أخطأ فيما يكلف من ذلك وقال به بن حبيب وقال أبو حنيفة ومن اتبعه من الكوفيين : إنه إن حلف ألا يفعل ففعل حنث قالوا : لأن المكره له أن يوري في يمينه كلها فلما لم يور ولا ذهبت نيته إلى خلاف ما أكره عليه فقد قصد إلى اليمين احتج الأولون بأن قالوا : إذا أكره عليها فنيته مخالفة لقوله لأنه كاره لما حلف عليه الخامسة عشرة قال بن العربي : ومن غريب الأمر أن علماءنا اختلفوا في الإكراه على الحنث هل يقع به أم لا وهذه مسألة عراقية سرت لنا منهم لا كانت هذه المسألة ولا كانوا وأي فرق يا معشر أصحابنا بين الإكراه على اليمين في أنها لا تلزم وبين الحنث في أنه لا يقع فاتقوا الله وراجعوا بصائركم ولا تغتروا بهذه الرواية فإنها وصمة في الدراية السادسة عشرة إذا أكره الرجل على أن يحلف وإلا أخذ له مال كأصحاب المكس وظلمة السعاة وأهل الاعتداء فقال مالك : لا تقية له في ذلك وإنما يدرأ المرء بيمينه عن بدنه لا ماله وقال بن الماجشون : لا يحنث وإن درأ عن ماله ولم يخف على بدنه وقال بن القاسم بقول مطرف ورواه عن مالك وقاله بن عبد الحكم وأصبغ قلت : قول بن الماجشون صحيح لأن المدافعة عن المال كالمدافعة عن النفس وهو قول الحسن وقتادة وسيأتي وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ( وقال : ( كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ( وروى أبو هريرة قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي قال : ( فلا تعطه مالك ( قال : أرأيت إن قاتلني قال : ( قاتله ( قال : أرأيت إن قتلني قال : ( فأنت شهيد ( قال : أرأيت إن قتلته قال : ( هو في النار ( خرجه مسلم وقد مضى الكلام فيه وقال مطرف وبن الماجشون : وإن بدر الحالف بيمينه للوالي الظالم قبل أن يسألها ليذب بها عما خاف عليه من ماله وبدنه فحلف له فإنها تلزمه وقاله بن عبد الحكم وأصبغ وقال أيضا بن الماجشون فيمن أخذه ظالم فحلف له بالطلاق ألبتة من غير أن يحلفه وتركه وهو كاذب وإنما حلف خوفا من ضربه وقتله وأخذ ماله : فإن كان إنما تبرع باليمين غلبة خوف ورجاء النجاة من ظلمه فقد دخل في الإكراه ولا شيء عليه وإن لم يحلف على رجاء النجاة فهو حانث السابعة عشرة قال المحققون من العلماء : إذا تلفظ المكره بالكفر فلا يجوز له أن يجريه على لسانه إلا مجرى المعاريض فإن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ومتى لم يكن كذلك كان كافرا لأن المعاريض لا سلطان للإكراه عليها مثاله أن يقال له : أكفر بالله فيقول باللاهي فيزيد الياء وكذلك إذا قيل له : أكفر بالنبي فيقول هو كافر بالنبي مشددا وهو المكان المرتفع من الأرض ويطلق على ما يعمل من الخوص شبه المائدة فيقصد أحدهما بقلبه ويبرأ من الكفر ويبرأ من إثمه فإن قيل له : أكفر بالنبيء [ مهموزا ] فيقول هو كافر بالنبيء يريد بالمخبر أي مخبر كان كطليحة ومسيلمة الكذاب أو يريد به النبيء الذي قال فيه الشاعر : فأصبح رتما دقاق الحصى مكان النبيء من الكاثب الثامنة عشرة أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر فاختار القتل أنه أعظم أجرا عند الله ممن اختار الرخصة واختلفوا فيمن أكره على غير القتل من فعل ما لا يحل له فقال أصحاب مالك : الأخذ بالشدة في ذلك واختيار القتل والضرب أفضل عند الله من الأخذ بالرخصة ذكره بن حبيب وسحنون وذكر بن سحنون عن أهل العراق أنه إذا تهدد بقتل أو قطع أو ضرب يخاف منه التلف فله أن يفعل ما أكره عليه من شرب خمر أو أكل خنزير فإن لم يفعل حتى قتل خفنا أن يكون آثما لأنه كالمضطر وروى خباب بن الأرت قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلت : ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا فقال : ( قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ( فوصفه صلى الله عليه وسلم هذا عن الأمم السالفة على جهة المدح لهم والصبر على المكروه في ذات الله وأنهم لم يكفروا في الظاهر وتبطنوا الإيمان ليدفعوا العذاب عن أنفسهم وهذه حجة من آثر الضرب والقتل والهوان على الرخصة والمقام بدار الجنان وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة الأخدود البروج إن شاء الله تعالى وذكر أبو بكر محمد بن محمد بن الفرج البغدادي قال : حدثنا شريح بن يونس عن إسماعيل بن إبراهيم عن يونس بن عبيد عن الحسن أن عيونا لمسيلمة أخذوا رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فذهبوا بهما إلى مسيلمة فقال لأحدهما : أتشهد أن محمدا رسول الله قال نعم قال : أتشهد أني رسول الله قال نعم فخلى عنه وقال للآخر : أتشهد أن محمدا رسول الله قال نعم قال : وتشهد أني رسول الله قال : أنا أصم لا أسمع فقدمه وضرب عنقه فجاء هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هلكت قال : ( وما أهلكك ( فذكر الحديث قال : ( أما صاحبك فأخذ بالثقة وأما أنت فأخذت بالرخصة على ما أنت عليه الساعة قال : أشهد أنك رسول الله قال : ( أنت على ما أنت عليه ( الرخصة فيمن حلفه سلطان ظالم على نفسه أو على أن يدله على رجل أو مال رجل فقال الحسن : إذا خاف عليه وعلى ماله فليحلف ولا يكفر يمينه وهو قول قتادة إذا حلف على نفسه أو مال نفسه وقد تقدم ما للعلماء في هذا وذكر موسى بن معاوية أن أبا سعيد بن أشرس صاحب مالك استحلفه السلطان بتونس على رجل أراد السلطان قتله أنه ما آواه ولا يعلم له موضعا قال : فحلف له بن أشرس وبن أشرس يومئذ قد علم موضعه وآواه فحلفه بالطلاق ثلاثا فحلف له بن أشرس ثم قال لامرأته : اعتزلي فاعتزلته ثم ركب بن أشرس حتى قدم على البهلول بن راشد القيروان فأخبره بالخبر فقال له البهلول : قال مالك إنك حانث فقال بن أشرس : وأنا سمعت مالكا يقول ذلك وإنما أردت الرخصة أو كلام هذا معناه فقال له البهلول بن راشد : قال الحسن البصري إنه لا حنث عليك قال : فرجع بن أشرس إلى زوجته وأخذ بقول الحسن وذكر عبد الملك بن حبيب قال : حدثني معبد عن المسيب بن شريك عن أبي شيبة قال : سألت أنس بن مالك عن الرجل يؤخذ بالرجل هل ترى أن يحلف ليقيه بيمينه فقال نعم ولأن أحلف سبعين يمينا وأحنث أحب إلي أن أدل على مسلم وقال إدريس بن يحيى كان الوليد بن عبد الملك يأمر جواسيس يتجسسون الخلق يأتونه بالأخبار قال : فجلس رجل منهم في حلقة رجاء بن حيوة فسمع بعضهم يقع في الوليد فرفع ذلك إليه فقال : يا رجاء أذكر بالسوء في مجلسك ولم تغير فقال : ما كان ذلك يا أمير المؤمنين فقال له الوليد : قل : آلله الذي لا إله إلا هو قال : آلله الذي لا إله إلا هو فأمر الوليد بالجاسوس فضربه سبعين سوطا فكان يلقى رجاء فيقول : يا رجاء بك يستقى المطر وسبعون سوطا في ظهري فيقول رجاء : سبعون سوطا في ظهرك خير لك من أن يقتل رجل مسلم التاسعة عشرة واختلف العلماء في حد الإكراه فروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : ليس الرجل آمن على نفسه إذا أخفته أو أوثقته أو ضربته وقال بن مسعود : ما كلام يدرأ عني سوطين إلا كنت متكلما به وقال الحسن : التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة إلا أن الله تبارك وتعالى ليس يجعل في القتل تقية وقال النخعي : القيد إكراه والسجن إكراه وهذا قول مالك إلا أنه قال : والوعيد المخوف إكراه وإن لم يقع إذا تحقق ظلم ذلك المعتدي وإنفاذه لما يتوعد به وليس عند مالك وأصحابه في الضرب والسجن توقيت إنما هو ما كأن يؤلم من الضرب وما كان من سجن يدخل منه الضيق على المكره وإكراه السلطان وغيره عند مالك إكراه وتناقض الكوفيون فلم يجعلوا السجن والقيد إكراها على شرب الخمر وأكل الميتة لأنه يخاف منهما التلف وجعلوهما إكراها في إقراره لفلان عندي ألف درهم قال بن سحنون : وفي إجماعهم على أن الألم والوجع الشديد إكراه ما يدل على أن الإكراه يكون من غير تلف نفس وذهب مالك إلى أن من أكره على يمين بوعيد أو سجن أو ضرب أنه يحلف ولا حنث عليه وهو قول الشافعي وأحمد وأبي ثور وأكثر العلماء الموفية عشرين ومن هذا الباب ما ثبت إن من المعاريض لمندوحة عن الكذب وروى الأعمش عن إبراهيم النخعي أنه قال : لا بأس إذا بلغ الرجل عنك شيء أن تقول والله إن الله يعلم ما قلت فيك من ذلك من شيء قال عبد الملك بن حبيب : معناه أن الله يعلم أن الذي قلت وهو في ظاهره انتفاء من القول ولا حنث علن من قال ذلك في يمينه ولا كذب عليه في كلامه وقال النخعي : كان لهم كلام من ألغاز الأيمان يدرءون به عن أنفسهم لا يرون ذلك من الكذب ولا يخشون فيه الحنث قال عبد الملك : وكانوا يسمون ذلك المعاريض من الكلام إذا كان ذلك في غير مكر ولا خديعة في حق وقال الأعمش : كان إبراهيم النخعي إذا أتاه أحد يكره الخروج إليه جلس في مسجد بيته وقال لجاريته : قولي له هو والله في المسجد وروى مغيرة عن إبراهيم أنه كان يجيز للرجل من البعث إذا عرضوا على أميرهم أن يقول : والله ما أهتدى إلا ما سدد لي غيري ولا أركب إلا ما حملني غيري ونحو هذا من الكلام قال عبد الملك : يعني بقوله غيري الله تعالى هو مسدده وهو يحمله فلم يكونوا يرون على الرجل في هذا حنثا في يمينه ولا كذبا في كلامه وكانوا يكرهون أن يقال هذا في خديعة وظلم وجحدان حق فمن اجترأ وفعل أثم في خديعته ولم تجب عليه كفارة في يمينه الحادية والعشرون قوله تعالى : ( ولكن من شرح بالكفر صدرا ) أي وسعه لقبول الكفر ولا يقدر أحد على ذلك إلا الله فهو يرد على القدرية وصدرا نصب على المفعول ( فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ) وهو عذاب جهنم < <

قسم V10/P190–V10/P192

النحل : ( 107 ) ذلك بأنهم استحبوا . . . . . > > < > ( النحل 107 : 109 ) < > قوله تعالى : ( ذلك ) أي ذلك الغضب ( بأنهم استحبوا الحياة الدنيا ) أي اختاروها على الآخرة ( وأن الله ) أن في موضع خفض عطفا على بأنهم ( لا يهدي القوم الكافرين ) ثم وصفهم فقال : ( أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ) أي عن فهم المواعظ ( وسمعهم ) عن كلام الله تعالى ( وأبصارهم ) عن النظر في الآيات ( وأولئك هم الغافلون ) عما يراد بهم ( لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ) تقدم < < النحل : ( 110 ) ثم إن ربك . . . . . > > < > ( النحل 110 ) < > قوله تعالى : ( ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا ) هذا كله في عمار والمعنى وصبروا على الجهاد ذكره النحاس وقال قتادة : نزلت في قوم خرجوا مهاجرين إلى المدينة بعد أن فتنهم المشركون وعذبوهم وقد تقدم ذكرهم في هذه السورة وقيل : نزلت في بن أبي سرح وكان قد ارتد ولحق بالمشركين فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله يوم فتح مكة فاستجار بعثمان فأجاره النبي صلى الله عليه وسلم ذكره النسائي عن عكرمة عن بن عباس قال : في سورة النحل من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره إلى قوله ولهم عذاب عظيم فنسخ واستثنى من ذلك فقال ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم وهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي كان على مصر كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار فأمر به أن يقتل يوم الفتح فاستجار له عثمان بن عفان فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم < < النحل : ( 111 ) يوم تأتي كل . . . . . > > < > ( النحل 111 ) < > قوله تعالى : ( يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ) أي إن الله غفور رحيم في ذلك أو ذكرهم يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها أي تخاصم وتحاج عن نفسها جاء في الخبر أن كل أحد يقول يوم القيامة : نفسي نفسي من شدة هول يوم القيامة سوى محمد صلى الله عليه وسلم فإنه يسأل في أمته وفي حديث عمر أنه قال لكعب الأحبار : يا كعب خوفنا هيجنا حدثنا نبهنا فقال له كعب : يا أمير المؤمنين والذي نفسي بيده لو وافيت يوم القيامة بمثل عمل سبعين نبيا لأتت عليك تارات لا يهمك إلا نفسك وإن لجهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي منتخب إلا وقع جاثيا على ركبتيه حتى إن إبراهيم الخليل ليدلي بالخلة فيقول : يا رب أنا خليلك إبراهيم لا أسألك اليوم إلا نفسي قال : يا كعب أين تجد ذلك في كتاب الله قال : قوله تعالى : يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون وقال بن عباس في هذه الآية : ما تزال الخصومة بالناس يوم القيامة حتى تخاصم الروح الجسد فتقول الروح : رب الروح منك أنت خلقته لم تكن لي يد أبطش بها ولا رجل أمشي بها ولا عين أبصر بها ولا أذن أسمع بها ولا عقل أعقل به حتى جئت فدخلت في هذا الجسد فضعف عليه أنواع العذاب ونجني فيقول الجسد : رب أنت خلقتني بيدك فكنت كالخشبة ليس لي يد أبطش بها ولا قدم أسعى به ولا بصر أبصر به ولا سمع أسمع به فجاء هذا كشعاع النور فبه نطق لساني وبه أبصرت عيني وبه مشت رجلي وبه سمعت أذني فضعف عليه أنواع العذاب ونجني منه قال : فيضرب الله لهما مثلا أعمى ومقعدا دخلا بستانا فيه ثمار فالأعمى لا يبصر الثمرة والمقعد لا ينالها فنادى المقعد الأعمى ايتني فاحملني آكل وأطعمك فدنا منه فحمله فأصابوا من الثمرة فعلى من يكون العذاب قال : عليكما جميعا العذاب ذكره الثعلبي قوله تعالى : < <

قسم V10/P192–V10/P195

النحل : ( 112 ) وضرب الله مثلا . . . . . > > < > ( النحل 112 ) < > قوله تعالى : ( وضرب الله مثلا قرية ) هذا متصل بذكر المشركين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على مشركي قريش وقال : ( اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ( فابتلوا بالقحط حتى اكلوا العظام ووجه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما ففرق فيهم ( كانت آمنة ) لا يهاج أهلها ( يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ) من البر والبحر نظيره يجبى إليه ثمرات كل شيء الآية ( فكفرت بأنعم الله ) الأنعم : جمع النعمة كالأشد جمع الشدة وقيل : جمع نعمى مثل بؤسى وأبؤس وهذا الكفران تكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم ( فأذاقها الله ) أي أذاق أهلها ( لباس الجوع والخوف ) سماه لباسا لأنه يظهر عليهم من الهزال وشحوبة اللون وسوء الحال ما هو كاللباس ( بما كانوا يصنعون ) أي من الكفر والمعاصي وقرأه حفص بن غياث ونصر بن عاصم وبن أبي إسحاق والحسن وأبو عمرو فيما روى عنه عبد الوارث وعبيد وعباس والخوف نصبا بإيقاع أذاقها عليه عطفا على لباس الجوع وأذاقها الخوف وهو بعث النبي صلى الله عليه وسلم سراياه التي كانت تطيف بهم وأصل الذوق بالفم ثم يستعار فيوضع موضع الابتلاء وضرب مكة مثلا لغيرها من البلاد أي أنه مع جوار بيت الله وعمارة مسجده لما كفر أهلها أصابهم القحط فكيف بغيرها من القرى وقد قيل : إنها المدينة آمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم كفرت بأنعم الله لقتل عثمان بن عفان وماحدث بها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفتن وهذا قول عائشة وحفصة زوجي النبي صلى الله عليه وسلم وقيل : إنه : إنه مثل مضروب بأي قرية كانت على هذه الصفة من سائر القرى < < النحل : ( 113 ) ولقد جاءهم رسول . . . . . > > < > ( النحل 113 ) < > قوله تعالى : ( ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه ) هذا يدل على أنها مكة وهو قول بن عباس ومجاهد وقتادة ( فأخذهم العذاب ) وهو الجوع الذي وقع بمكة وقيل : الشدائد والجوع منها < < النحل : ( 114 ) فكلوا مما رزقكم . . . . . > > < > ( النحل 114 ) < > قوله تعالى : ( فكلوا مما رزقكم الله ) أي كلوا يا معشر المسلمين من الغنائم وقيل : الخطاب للمشركين لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليهم بطعام رقة عليهم وذلك أنهم لما ابتلوا بالجوع سبع سنين وقطع العرب عنهم الميرة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أكلوا العظام المحرقة والجيفة والكلاب الميتة والجلود والعلهز وهو الوبر يعالج بالدم ثم إن رؤساء مكة كلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جهدوا وقالوا : هذا عذاب الرجال فما بال النساء والصبيان وقال له أبو سفيان : يا محمد إنك جئت تأمر بصلة الرحم والعفو وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم فدعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذن للناس بحمل الطعام إليهم وهم بعد مشركون < < النحل : ( 115 ) إنما حرم عليكم . . . . . > > < > ( النحل 115 ) < > تقدم في البقرة القول فيها مستوفى < < النحل : ( 116 ) ولا تقولوا لما . . . . . > > < > ( النحل 116 : 117 ) <

قسم V10/P195–V10/P197

> فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( لما تصف ) ما هنا مصدرية أي لوصف وقيل : اللام لام سبب وأجل أي لا تقول لأجل وصفكم الكذب بنزع الخافض أي لما تصف ألسنتكم من الكذب وقرىء الكذب بضم الكاف والذال والباء نعتا للألسنة وقد تقدم وقرأ الحسن هنا خاصة الكذب بفتح الكاف وخفض الذال والباء نعتا لما التقدير : ولاتقولوا لوصف ألسنتكم الكذب وقيل على البدل من ما أي ولا تقولوا للكذب الذي تصفه ألسنتكم هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب الآية خطاب للكفار الذين حرموا البحائر والسوائب وأحلوا ما في بطون الأنعام وإن كان ميتة فقوله هذا حلال إشارة إلى ميتة بطول الأنعام وكل ما أحلوه وقوله وهذا حرام إشارة إلى البحائر والسوائب وكل ما حرموه ( إن الذين يفترون على الله الكذب لايفلحون متاع قليل ) أي ما هم فيه من نعيم الدنيا يزول عن قريب وقال الزجاج : أي متاعهم متاع قليل قليل : لهم متاع قليل ثم يردون إلى عذاب أليم الثانية أسند الدارمي أبو محمد في مسنده أخبرنا هارون عن حفص عن الأعمش قال : ما سمعت إبراهيم قط يقول حلال ولاحرام ولكن يقول : كانوا يكرهون وكانوا يستحبون وقال بن وهب قال مالك : لم يكن من فتيا الناس أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام ولكن يقولوا إياكم كذا وكذا ولم أكن لأصنع هذا ومعنى هذا : أن التحليل والتحريم إنما هو لله عز وجل وليس لأحد أن يقول أو يصرح بهذا في عين من الأعيان إلا أن يكون الباريء تعالى يخبر بذلك عنه ومايؤدي إليه الاجتهاد في أنه حرام يقول : إني أكره [ كذا ] وكذلك كان مالك يفعل اقتداء بمن تقدم من أهل الفتوى فإن قيل : فقد قال فيمن قال لزوجته أنت علي حرام إنها حرام ويكون ثلاثا فالجواب أن مالكا لما سمع علي بن أبي طالب يقول إنها حرام اقتدى به وقد يقوى الدليل على التحريم عند المجتهد فلا بأس عند ذلك أن يقول ذلك كما يقول إن الربا حرام في غير الأعيان الستة وكثيرا ما يطلق مالك رحمه الله فذلك حرام لا يصلح في الأموال الربوية وفيما خالف المصالح وخرج عن طريق المقاصد لقوة الأدلة في ذلك < < النحل : ( 118 ) وعلى الذين هادوا . . . . . > > < > ( النحل 118 ) < > قوله تعالى : ( وعلى الذين هادوا ) بين أن الأنعام والحرث حلال لهذه الأمة فأما اليهود فحرمت عليهم منها أشياء ( حرمنا ما قصصنا عليك من قبل ) أي في سورة الأنعام ( وما ظلمناهم ) أي بتحريم ما حرمنا عليهم ولكن ظلموا أنفسهم فحرمنا عليهم تلك الأشياء عقوبة لهم كما تقدم في النساء < < النحل : ( 119 ) ثم إن ربك . . . . . > > < > ( النحل 119 ) < > قوله تعالى : ( ثم إن ربك للذين عملوا السوء ) أي الشرك قاله بن عباس وقد تقدم في النساء < < النحل : ( 120 ) إن إبراهيم كان . . . . . > > < > ( النحل 120 ) < > قوله تعالى : ( إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ) دعا عليه السلام مشركي العرب إلى ملة إبراهيم إذ كان أباهم وباني البيت الذي به عزهم والأمة : الرجل الجامع للخير وقد تقدم محامله وقال بن وهب وبن القاسم عن مالك قال : بلغني أن عبد الله بن مسعود قال : يرحم الله معاذا كان أمة قانتا فقيل له : يا أبا عبد الرحمن إنما ذكر الله عز وجل بهذا إبراهيم عليه السلام فقال بن مسعود : إن الأمة الذي يعلم الناس الخير وإن القانت هو المطيع وقد تقدم القنوت في البقرة و حنيفا في الأنعام < <

الأسئلة