Taberî — Câmiü'l-Beyân
ثم أرسل عثمان إلى حفصة يسألها أن تعطيه الصحيفة، وحلف لها ليردنها إليها، فأعطته إياها، فعرض المصحف عليها، فلم يختلفا في شيء فردها إليها، وطابت نفسه، وأمر الناس أن يكتبوا مصاحف، فلما ماتت حفصة، أرسل إلى عبد الله بن عمر في الصحيفة بعزمة، فأعطاهم إياها، فغسلت غسلا " وحدثني به يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا نعيم بن حماد، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمارة بن غزية، عن ابن شهاب، عن خارجة بن زيد عن أبيه زيد بن ثابت، بنحوه سواء وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال حدثنا ابن علية، قال حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، قال: " لما كان في خلافة عثمان، جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون، حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين، قال أيوب: فلا أعلمه ألا قال: حتى كفر بعضهم بقراءة بعض. فبلغ ذلك عثمان، فقام خطيبا، فقال: أنتم عندي تختلفون فيه وتلحنون، فمن نأى عني من أهل الأمصار أشد فيه اختلافا، وأشد لحنا، اجتمعوا يا أصحاب محمد، فاكتبوا للناس إماما قال أبو قلابة: فحدثني أنس بن مالك، قال: كنت فيمن يملى عليهم، قال: فربما اختلفوا في الآية فيذكرون الرجل قد تلقاها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعله أن يكون غائبا، أو في بعض البوادي، فيكتبون ما قبلها وما بعدها، ويدعون موضعها، حتى يجيء أو يرسل إليه، فلما فرغ من المصحف، كتب عثمان إلى أهل الأمصار: إني قد صنعت كذا وكذا، ومحوت ما عندي، فامحوا ما عندكم " حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، قال: قال ابن شهاب: أخبرني أنس بن مالك الأنصاري أنه اجتمع في غزوة أذربيجان وأرمينية أهل الشام وأهل العراق، فتذاكروا القرآن واختلفوا فيه حتى كاد يكون بينهم فتنة، فكتب حذيفة بن اليمان لما رأى اختلافهم في القرآن إلى عثمان، فقال: " إن الناس اختلفوا في القرآن، حتى إني والله لأخشى أن يصيبهم مثل ما أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف. قال: ففزع لذلك فزعا شديدا، فأرسل إلى حفصة، 01P058 فاستخرج الصحف التي كان أبو بكر أمر زيدا بجمعها، فنسخ منها مصاحف، فبعث بها إلى الآفاق " حدثني سعيد بن الربيع، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، قال: «قبض النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن القرآن جمع، وإنما كان في الكرانيف والعسب» حدثنا سعيد بن الربيع، قال: حدثنا سفيان، عن مجالد، عن الشعبي، عن صعصعة: أن أبا بكر «أول من ورث الكلالة، وجمع المصحف» قال أبو جعفر: وما أشبه ذلك من الأخبار، التي يطول باستيعاب جميعها الكتاب، والآثار الدالة على أن إمام المسلمين، وأمير المؤمنين عثمان بن عفان رحمة الله عليه، جمع المسلمين، نظرا منه لهم، وإشفاقا منه عليهم، ورأفة منه بهم، حذار الردة من بعضهم بعد الإسلام، والدخول في الكفر بعد الإيمان، إذ ظهر من بعضهم بمحضره وفي عصره التكذيب ببعض الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن، مع سماع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم النهي عن التكذيب بشيء منها، وإخباره إياهم، أن المراء فيها كفر، فحملهم رحمة الله عليه إذ رأى ذلك ظاهرا بينهم في عصره، وبحداثة عهدهم بنزول القرآن، وفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم، بما أمن عليهم معه عظيم البلاء في الدين، من تلاوة القرآن على حرف واحد، وجمعهم على مصحف واحد، وحرف واحد، وحرق ما عدا المصحف الذي جمعهم عليه، وعزم على كل من كان عنده مصحف مخالف المصحف الذي جمعهم عليه أن يحرقه، فاستوثقت له الأمة على ذلك بالطاعة، ورأت أن فيما فعل من ذلك الرشد والهداية، فتركت القراءة بالأحرف الستة، التي عزم عليها أمامها العادل في تركها، طاعة منها له، ونظرا منها لأنفسها، ولمن بعدها من سائر أهل ملتها، حتى درست من الأمة معرفتها، وتعفت آثارها، فلا سبيل لأحد اليوم إلى القراءة بها لدثورها، وعفو آثارها، وتتابع المسلمين على رفض القراءة بها، من غير جحود منها صحتها وصحة شيء منها، ولكن نظرا منها لأنفسها ولسائر أهل دينها، فلا قراءة اليوم للمسلمين ألا بالحرف الواحد، الذي اختاره لهم أمامهم الشفيق الناصح، دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية.
فإن قال بعض من ضعفت معرفته: وكيف جاز لهم ترك قراءة أقرأهموها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمرهم بقراءتها؟ قيل: إن أمره إياهم بذلك، لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمر إباحة ورخصة، لأن القراءة بها لو كانت فرضا عليهم، لوجب أن يكون العلم بكل حرف من تلك الأحرف السبعة، عند من يقوم بنقله الحجة، ويقطع خبره العذر، ويزيل الشك من قراءة الأمة، وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخيرين، بعد أن يكون في نقلة القرآن من الأمة، من تجب بنقله الحجة ببعض تلك الأحرف السبعة، فإذا كان ذلك كذلك، لم يكن القوم بتركهم نقل جميع القراءات السبع تاركين ما كان عليهم نقله، بل كان الواجب عليهم من الفعل ما فعلوا، إذ كان الذي فعلوا من ذلك، كان هو النظر للإسلام وأهله، فكان القيام بفعل الواجب عليهم بهم أولى من فعل ما لو فعلوه، كانوا إلى الجناية على الإسلام وأهله أقرب، منهم إلى السلامة من ذلك. فأما ما كان من اختلاف القراءة، في رفع حرف وجره ونصبه، وتسكين حرف وتحريكه ونقل حرف إلى آخر، مع اتفاق الصورة، فمن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف» بمعزل، لأنه معلوم أنه لا حرف من حروف القرآن، مما اختلفت القراءة في قراءته بهذا المعنى يوجب المراء به كفر المماري به في قول أحد من علماء الأمة. وقد أوجب عليه الصلاة والسلام بالمراء فيه الكفر من الوجه الذي تنازع فيه المتنازعون إليه، وتظاهرت عنه بذلك الرواية، على ما قد قدمنا ذكرها في أول هذا الباب. فإن قال لنا قائل: فهل لك من علم بالألسن السبعة التي نزل بها القرآن، وأي الألسن هي من ألسن العرب؟ قلنا: أما الألسن الستة التي قد نزلت القراءة بها، فلا حاجة بنا إلى معرفتها، لأنا لو عرفناها، لم نقرأ اليوم بها، مع الأسباب التي قدمنا ذكرها. وقد قيل: إن خمسة منها لعجز هوازن، واثنين منها لقريش وخزاعة. وروي جميع ذلك عن ابن عباس، وليست الرواية عنه من رواية من يجوز الاحتجاج بنقله، وذلك أن الذي روى عنه أن خمسة منها من لسان العجز من هوازن: الكلبي عن أبي صالح، وأن الذي روى عنه أن اللسانين الآخرين لسان قريش وخزاعة: قتادة، وقتادة لم يلقه ولم يسمع منه حدثني بذلك بعض أصحابنا، قال: حدثنا صالح بن نصر الخزاعي، قال: حدثنا الهيثم بن عدي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن ابن عباس، قال: «نزل القرآن بلسان قريش ولسان خزاعة، وذلك أن الدار واحدة» وحدثني بعض أصحابنا، قال: حدثنا صالح بن نصر، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي الأسود الديلي، قال: " نزل القرآن بلسان الكعبين: كعب بن عمرو، وكعب بن لؤي. فقال خالد بن سلمة لسعد بن إبراهيم: ألا تعجب من هذا الأعمى يزعم أن القرآن نزل بلسان الكعبين وإنما نزل بلسان قريش؟ " قال أبو جعفر: والعجز من هوازن: سعد بن بكر ، وجشم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف وأما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم، إذ ذكر نزول القرآن على سبعة أحرف، أن كلها شاف كاف، فإنه كما قال جل ثناؤه في وصفه القرآن: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين} [يونس: 57] جعله الله للمؤمنين شفاء يستشفون بمواعظه، من الأدواء العارضة لصدورهم، من وساوس الشيطان وخطراته، فيكفيهم ويغنيهم عن كل ما عداه من المواعظ ببيان آياته
القول في البيان عن معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنزل القرآن من سبعة أبواب الجنة» ، وذكر الأخبار المروية بذلك قال أبو جعفر: اختلفت النقلة في ألفاظ الخبر بذلك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فروي عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " كان الكتاب الأول نزل من باب واحد، وعلى حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب، وعلى سبعة أحرف: زجر، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال؛ فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، 01P063 واعملوا بمحكمه، وأمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كل من عند ربنا " حدثني بذلك يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأنا ابن وهب، قال: أخبرني حيوة بن شريح، عن عقيل بن خالد، عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروي عن أبي قلابة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مرسلا غير ذلك حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا عباد بن زكريا، عن عوف، عن أبي قلابة، قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " أنزل القرآن على سبعة أحرف: أمر، وزجر، وترغيب، وترهيب، وجدل، وقصص، ومثل " وروي عن أبي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في ذلك ما حدثني به أبو كريب، قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن جده، عن أبي بن كعب، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله أمرني أن أقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: رب خفف عن أمتي، قال: اقرأه على حرفين، فقلت: رب خفف عن أمتي، فأمرني أن أقرأه على سبعة أحرف، من سبعة أبواب من الجنة، كلها شاف كاف " وروي عن ابن مسعود من قيله خلاف ذلك كله، وهو ما حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا المحاربي، عن الأحوص بن حكيم، عن ضمرة بن حبيب، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسعود، قال: " إن الله أنزل القرآن على خمسة أحرف: حلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال، فأحل الحلال وحرم الحرام، واعمل بالمحكم، وآمن بالمتشابه، واعتبر بالأمثال " وكل هذه الأخبار التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، متقاربة المعاني، لأن قول القائل: فلان مقيم على باب من أبواب هذا الأمر؛ وفلان مقيم على وجه من وجوه هذا الأمر، وفلان مقيم على حرف من هذا الأمر، سواء. ألا ترى أن الله جل ثناؤه وصف قوما عبدوه، على وجه من وجوه العبادات فأخبر عنهم أنهم عبدوه على حرف، فقال: {ومن الناس من يعبد الله على حرف} [الحج: 11] يعني أنهم عبدوه على وجه الشك، لا على اليقين والتسليم لأمره؛ فكذلك رواية من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: نزل القرآن من سبعة أبواب، ونزل على سبعة أحرف سواء، معناهما مؤتلف، وتأويلهما غير مختلف في هذا الوجه. ومعنى ذلك كله: الخبر منه صلى الله عليه وسلم، عما خصه الله به وأمته، من الفضيلة والكرامة 01P065 التي لم يؤتها أحدا في تنزيله، وذلك أن كل كتاب تقدم كتابنا نزوله، على نبي من أنبياء الله، صلوات الله عليهم، فإنما نزل بلسان واحد، متى حول إلى غير اللسان الذي نزل به، كان ذلك له ترجمة وتفسيرا، لا تلاوة له على ما أنزله الله، وأنزل كتابنا بألسن سبعة، بأي تلك الألسن السبعة تلاه التالي، كان له تاليا على ما أنزله الله، لا مترجما ولا مفسرا، حتى يحوله عن تلك الألسن السبعة إلى غيرها، فيصير فاعل ذلك حينئذ إذا أصاب معناه مترجما له، كما كان التالي لبعض الكتب التي أنزلها الله بلسان واحد، إذا تلاه بغير اللسان الذي نزل به، له مترجما لا تاليا على ما أنزله الله به.
فذلك معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كان الكتاب الأول نزل على حرف واحد، ونزل القرآن على سبعة أحرف» وأما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الكتاب الأول نزل من باب واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب» فإنه صلى الله عليه وسلم، عنى بقوله: نزل الكتاب الأول من باب واحد والله أعلم ما نزل من كتب الله، على من أنزله من أنبيائه خاليا من الحدود والأحكام والحلال والحرام، كزبور داود، الذي إنما هو تذكير ومواعظ، وإنجيل عيسى، الذي هو تمجيد ومحامد وحض على الصفح والإعراض، دون غيرها من الأحكام والشرائع، وما أشبه ذلك من الكتب التي نزلت ببعض المعاني السبعة التي يحوي جميعها كتابنا الذي خص الله به نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، وأمته. فلم يكن المتعبدون بإقامته، يجدون لرضا الله تعالى ذكره مطلبا ينالون به الجنة، 01P066 ويستوجبون منه القربة، إلا من الوجه الواحد، الذي أنزل به كتابهم، وذلك هو الباب الواحد من أبواب الجنة، الذي نزل منه ذلك الكتاب، وخص الله نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، وأمته، بأن أنزل عليهم كتابه، على أوجه سبعة، من الوجوه التي ينالون بها رضوان الله، ويدركون بها الفوز بالجنة، إذا أقاموها؛ فلكل وجه من أوجهه السبعة باب من أبواب الجنة الذي نزل منه القرآن، لأن العامل بكل وجه من أوجهه السبعة، عامل في باب من أبواب الجنة وطالب من قبله الفوز بها، والعمل بما أمر الله جل ذكره في كتابه باب من أبواب الجنة، وترك ما نهى الله عنه فيه باب آخر ثان من أبوابها، وتحليل ما أحل الله فيه باب ثالث من أبوابها، وتحريم ما حرم الله فيه باب رابع من أبوابها، والإيمان بمحكمه المبين باب خامس من أبوابها، والتسليم لمتشابهه الذي استأثر الله بعلمه، وحجب علمه عن خلقه، والإقرار بأن كل ذلك من عند ربه باب سادس من أبوابها، والاعتبار بأمثاله والاتعاظ بعظاته باب سابع من أبوابها، فجميع ما في القرآن، من حروفه السبعة، وأبوابه السبعة، التي نزل منها، جعله الله لعباده، إلى رضوانه هاديا، ولهم إلى الجنة قائدا. فذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «نزل القرآن من سبعة أبواب الجنة» وأما قوله صلى الله عليه وسلم، في القرآن: «إن لكل حرف منه حدا» يعني لكل وجه من 01P067 أوجهه السبعة حد حده الله جل ثناؤه، لا يجوز لأحد أن يتجاوزه. وقوله صلى الله عليه وسلم: «وإن لكل حرف منها ظهرا وبطنا» فظهره الظاهر في التلاوة، وبطنه ما بطن من تأويله. وقوله: «وإن لكل حد من ذلك مطلعا» فإنه يعني أن لكل حد من حدود الله التي حدها فيه، من حلال وحرام وسائر شرائعه، مقدارا من ثواب الله وعقابه، يعاينه في الآخرة، ويطلع عليه، ويلاقيه في القيامة. كما قال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: «لو أن لي ما في الأرض من صفراء وبيضاء لافتديت به من هول المطلع» يعني بذلك ما يطلع عليه ويهجم عليه من أمر الله بعد وفاته.
القول في الوجوه التي من قبلها يوصل إلى معرفة تأويل القرآن قال أبو جعفر: قد قلنا في الدلالة على أن القرآن كله عربي، وأنه نزل بألسن بعض العرب، دون ألسن جميعها، وأن قراءة المسلمين اليوم ومصاحفهم التي هي بين أظهرهم، ببعض الألسن التي نزل بها القرآن دون جميعها، وقلنا في البيان عما يحويه القرآن من النور والبرهان والحكمة والبيان، التي أودعها الله إياه، من أمره، ونهيه، وحلاله، وحرامه، ووعده، ووعيده، ومحكمه، ومتشابهه، ولطائف حكمه، ما فيه الكفاية لمن وفق لفهمه. ونحن قائلون في البيان عن وجوه مطالب تأويله: قال الله جل ذكره وتقدست أسماؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} [النحل: 44] . وقال أيضا جل ذكره: {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} [النحل: 64] . وقال: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب} . فقد تبين ببيان الله جل ذكره، أن مما أنزل الله من القرآن، على نبيه صلى الله عليه وسلم، ما لا يوصل إلى علم تأويله، إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك تأويل جميع ما فيه، من وجوه أمره: وواجبه، وندبه، وإرشاده وصنوف نهيه، ووظائف حقوقه، وحدوده، ومبالغ فرائضه، ومقادير اللازم بعض خلقه لبعض، وما أشبه ذلك من أحكام آيه، التي لم يدرك علمها إلا ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته. وهذا وجه لا يجوز لأحد القول فيه، إلا ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، بتأويله، بنص منه عليه، أو بدلالة قد نصبها دالة أمته على تأويله. وأن منه ما لا يعلم تأويله إلا الله الواحد القهار: وذلك ما فيه من الخبر عن آجال حادثة، وأوقات آتية، كوقت قيام الساعة، والنفخ في الصور، ونزول عيسى ابن مريم، وما أشبه ذلك؛ فإن تلك أوقات لا يعلم أحد حدودها، ولا يعرف أحد من تأويلها إلا الخبر بأشراطها، لاستئثار الله بعلم ذلك على خلقه. وكذلك أنزل ربنا في محكم كتابه، فقال: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون} . وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شيئا من ذلك لم يدل عليه إلا بأشراطه، دون تحديده بوقت، كالذي روي عنه، صلى الله عليه وسلم ، أنه قال لأصحابه إذا ذكر الدجال: «إن يخرج وأنا فيكم، فأنا حجيجه، وإن يخرج بعدي، فالله خليفتي عليكم» وما أشبه ذلك من الأخبار، التي يطول باستيعابها الكتاب، الدالة على أنه صلى الله عليه وسلم، لم يكن عنده علم أوقات شيء منه، بمقادير السنين والأيام، وأن الله جل ثناؤه، إنما كان عرفه مجيئه بأشراطه، ووقته بأدلته. وأن منه ما يعلم تأويله كل ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن، وذلك إقامة إعرابه، ومعرفة المسميات بأسمائها اللازمة غير المشترك فيها، والموصوفات بصفاتها الخاصة دون ما سواها، فإن ذلك لا يجهله أحد منهم، وذلك كسامع منهم لو سمع تاليا يتلو: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} [البقرة: 12] .
لم يجهل أن معنى الإفساد هو ما ينبغي تركه مما هو مضرة، وأن الإصلاح هو ما ينبغي فعله، مما فعله منفعة؛ وإن جهل المعاني التي جعلها الله إفسادا، والمعاني التي جعلها الله إصلاحا، فالذي يعلمه ذو اللسان الذي بلسانه نزل القرآن، من تأويل القرآن، هو ما وصفت من معرفة أعيان المسميات بأسمائها اللازمة، غير المشترك فيها، والموصوفات بصفاتها الخاصة، دون الواجب من أحكامها وصفاتها وهيئاتها، التي خص الله بعلمها نبيه صلى الله عليه وسلم، فلا يدرك علمه إلا ببيانه، دون ما استأثر الله بعلمه دون خلقه. وبمثل ما قلنا من ذلك، روي الخبر عن ابن عباس حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، قال: قال ابن عباس: " التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله " قال أبو جعفر: وهذا الوجه الرابع الذي ذكره ابن عباس، من أن أحدا لا يعذر بجهالته، معنى غير الإبانة عن وجوه مطالب تأويله، وإنما هو خبر عن أن من تأويله ما لا يجوز لأحد الجهل به؛ وقد روي بنحو ما قلنا في ذلك أيضا، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر في إسناده نظر حدثني يونس بن عبد الأعلى الصدفي، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت عمرو بن الحارث، يحدث عن الكلبي، عن أبي صالح مولى أم هانئ، عن عبد الله بن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أنزل القرآن على أربعة أحرف: حلال، وحرام لا يعذر أحد بالجهالة به، وتفسير يفسره العرب، وتفسير يفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله، ومن ادعى علمه سوى الله، فهو كاذب "
ذكر بعض الأخبار التي رويت بالنهي عن القول في تأويل القرآن بالرأي حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: حدثنا شريك، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من قال في القرآن برأيه، فليتبوأ مقعده من النار» حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا عبد الأعلى هو ابن عامر الثعلبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من قال في القرآن برأيه، أو بما لا يعلم، فليتبوأ مقعده من النار» وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا محمد بن بشر، وقبيصة، عن سفيان، عن عبد الأعلى، قال: حدثنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال في القرآن بغير علم، فليتبوأ مقعده من النار» حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا الحكم بن بشير، قال: حدثنا عمرو بن قيس الملائي، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن ليث، عن بكر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «من تكلم في القرآن برأيه، فليتبوأ مقعده من النار» وحدثني أبو السائب سلم بن جنادة السوائي، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم، عن أبي معمر، قال: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: «أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني، إذا قلت في القرآن ما لا أعلم» حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن عبد الله بن مرة، عن أبي معمر، قال: قال أبو بكر الصديق: «أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني، إذا قلت في القرآن برأيي أو بما لا أعلم» قال أبو جعفر: وهذه الأخبار شاهدة لنا على صحة ما قلنا، من أن ما كان من تأويل آي القرآن الذي لا يدرك علمه، إلا بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بنصبه الدلالة عليه، فغير جائز لأحد القيل فيه برأيه، بل القائل في ذلك برأيه، وإن أصاب 01P073 الحق فيه، فمخطئ فيما كان من فعله بقيله فيه برأيه، لأن إصابته ليست إصابة موقن أنه محق، وإنما هو إصابة خارص وظان، والقائل في دين الله بالظن قائل على الله ما لا يعلم، وقد حرم الله جل ثناؤه ذلك في كتابه على عباده، فقال: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 33] فالقائل في تأويل كتاب الله الذي لا يدرك علمه إلا ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي جعل الله إليه بيانه، قائل بما لا يعلم، وإن وافق قيله ذلك في تأويله ما أراد الله به من معناه، لأن القائل فيه بغير علم، قائل على الله ما لا علم له به. وهذا هو معنى الخبر، الذي حدثنا به العباس بن عبد العظيم العنبري، قال: حدثنا حبان بن هلال، قال: حدثنا سهيل بن أبي حزم، قال: حدثنا أبو عمران الجوني، عن جندب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قال في القرآن برأيه فأصاب، فقد أخطأ» 01P074 يعني صلى الله عليه وسلم، أنه أخطأ في فعله، بقيله فيه برأيه، وإن وافق قيله ذلك عين الصواب عند الله، لأن قيله فيه برأيه، ليس بقيل عالم أن الذي قال فيه من قول حق وصواب، فهو قائل على الله ما لا يعلم، آثم بفعله ما قد نهى عنه وحظر عليه
ذكر بعض الأخبار التي رويت في الحض على العلم بتفسير القرآن ومن كان يفسره من الصحابة حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق المروزي، قال سمعت أبي يقول: حدثنا الحسين بن واقد، قال: حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن ابن مسعود، قال: «كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات، لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن» حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن، قال: «حدثنا الذين، كانوا يقرؤننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا إذا تعلموا عشر آيات، لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا» وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا جابر بن نوح، قال: حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، قال: قال عبد الله: «والذي لا إله غيره، ما نزلت آية في كتاب الله، إلا وأنا أعلم فيم نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته» وحدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، قال: كان عبد الله «يقرأ علينا السورة، ثم يحدثنا فيها، ويفسرها عامة النهار» حدثني أبو السائب سلم بن جنادة، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، قال: " استعمل علي ابن عباس على الحج، قال: فخطب الناس خطبة، لو سمعها الترك والروم لأسلموا، ثم قرأ عليهم سورة النور، فجعل يفسرها " وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، قال: " قرأ ابن عباس سورة البقرة، فجعل يفسرها، فقال رجل: لو سمعت هذا الديلم لأسلمت " وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو يمان، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، قال: «من قرأ القرآن، ثم لم يفسره، كان كالأعمى، أو كالأعرابي» وحدثنا أبو كريب، قال: ذكر أبو بكر بن عياش الأعمش قال: قال أبو وائل: «ولي ابن عباس الموسم، فخطبهم فقرأ على المنبر سورة النور، والله لو سمعها الترك لأسلموا» فقيل له: حدثنا به عن عاصم. فسكت وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت الأعمش، عن شقيق، قال: «شهدت ابن عباس وولي الموسم، فقرأ سورة النور على المنبر، وفسرها، لو سمعت الروم لأسلمت» قال أبو جعفر: وفي حث الله عز وجل عباده على الاعتبار بما في آي القرآن، من المواعظ والتبيان، بقوله جل ذكره، لنبيه صلى الله عليه وسلم: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب} وقوله: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون} [الزمر: 28] وما أشبه ذلك من آي القرآن، التي أمر الله عباده، وحثهم فيها، على الاعتبار بأمثال آي القرآن، والاتعاظ بمواعظه، ما يدل على أن عليهم معرفة 01P077 تأويل ما لم يحجب عنهم تأويله من آيات، لأنه محال أن يقال لمن لا يفهم ما يقال له ولا يعقل تأويله: اعتبر بما لا فهم لك به، ولا معرفة من القيل والبيان إلا على معنى الأمر بأن يفهمه ويفقهه، ثم يتدبره ويعتبر به. فأما قبل ذلك، فمستحيل أمره بتدبره. وهو بمعناه جاهل، كما محال أن يقال لبعض أصناف الأمم الذين لا يعقلون كلام العرب ولا يفهمونه. لو أنشدت قصيدة شعر من أشعار بعض العرب، ذات أمثال ومواعظ وحكم: اعتبر بما فيها من الأمثال، وادكر بما فيها من المواعظ إلا بمعنى الأمر لها بفهم كلام العرب ومعرفته، ثم الاعتبار بما نبهه عليه ما فيها من الحكم، فأما وهي جاهلة بمعاني ما فيها من الكلام والمنطق؛ فمحال أمرها بما دلت عليه معاني ما حوته من الأمثال والعبر. بل سواء أمرها بذلك وأمر بعض البهائم به، إلا بعد العلم بمعاني المنطق والبيان الذي فيها.
فكذلك ما في آي كتاب الله، من العبر والحكم والأمثال والمواعظ، لا يجوز أن يقال: اعتبر بها، إلا لمن كان بمعاني بيانه عالما، وبكلام العرب عارفا، وإلا بمعنى الأمر لمن كان بذلك منه جاهلا، أن يعلم معاني كلام العرب، ثم يتدبره بعد، ويتعظ بحكمه وصنوف عبره. 01P078 فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله جل ثناؤه، قد أمر عباده بتدبره، وحثهم على الاعتبار بأمثاله، كان معلوما أنه لم يأمر بذلك من كان بما يدل عليه آيه جاهلا. وإذا لم يجز أن يأمرهم بذلك، إلا وهم بما يدلهم عليه عالمون، صح أنهم بتأويل ما لم يحجب عنهم علمه من آية، الذي استأثر الله بعلمه منه دون خلقه، الذي قد قدمنا صفته آنفا عارفون. وإذا صح ذلك، فسد قول من أنكر تفسير المفسرين من كتاب الله وتنزيله، ما لم يحجب عن خلقه تأويله
ذكر بعض الأخبار التي غلط في تأويلها منكرو القول في تأويل القرآن فإن قال لنا قائل: فما أنت قائل فيما حدثكم به العباس بن عبد العظيم، قال: حدثنا محمد بن خالد بن عثمة، قال: حدثني جعفر بن محمد الزبيري، قال: حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: «ما كان النبي صلى الله عليه وسلم، يفسر شيئا من القرآن، إلا آيا تعد، علمهن إياه جبريل» حدثنا محمد بن يزيد الطرسوسي، قال: أخبرنا معن، 01P079 عن جعفر بن خالد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: «لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم، يفسر شيئا من القرآن، إلا آيا تعد، علمهن إياه جبريل عليه السلام» وحدثنا أحمد بن عبدة الضبي، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، قال: «لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليعظمون القول في التفسير، منهم سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع» وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا بشر بن عمر، قال: حدثنا مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت رجلا، يسأل سعيد بن المسيب عن آية، من القرآن، فقال: «لا أقول في القرآن شيئا» حدثنا يونس، قال : حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: " أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن، قال: أنا لا أقول في القرآن شيئا " حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت الليث يحدث عن 01P080 يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب «أنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن» حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، قال: حدثنا سفيان، عن هشام، عن ابن سيرين قال: سألت عبيدة السلماني عن آية، قال: «عليك بالسداد فقد ذهب الذين علموا فيم أنزل القرآن» حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب وابن عون، عن محمد قال: سألت عبيدة عن آية من القرآن، فقال: «ذهب الذين كانوا يعلمون فيم أنزل القرآن، اتق الله، وعليك بالسداد» وحدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، أن ابن عباس: «سئل عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها، فأبى أن يقول فيها» حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن مهدي بن ميمون، عن الوليد بن مسلم، قال: جاء طلق بن حبيب، إلى جندب بن عبد الله فسأله عن آية من القرآن فقال له: " أحرج عليك إن كنت مسلما لما قمت عني أو قال: أن تجالسني " حدثني عباس بن الوليد، قال: أخبرني أبي قال: حدثنا عبد الله بن شوذب، قال: حدثني يزيد بن أبي يزيد، قال: «كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام وكان، أعلم الناس، وإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن، سكت كأن لم 01P081 يسمع» وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: أخبرنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سأل رجل سعيد بن المسيب عن آية من القرآن، فقال: «لا تسألني عن آية، من القرآن، وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه شيء منه» يعني عكرمة وحدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا سعيد بن عامر، عن شعبة، عن عبد الله بن أبي السفر، قال: قال الشعبي: «والله ما من آية إلا قد سألت عنها، ولكنها الرواية عن الله» وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن صالح يعني ابن مسلم، قال: حدثني رجل، عن الشعبي، قال: " ثلاث لا أقول فيهن حتى أموت: القرآن، والروح، والرأي، وما أشبه ذلك من الأخبار " قيل له: أما الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه لم يكن يفسر من القرآن شيئا إلا آيا تعد، فإن ذلك مصحح ما قلنا من القول في الباب الماضي قبل، وهو أن من تأويل القرآن، ما لا يدرك علمه إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك يفصل جمل ما في آيه، من أمر الله ونهيه، وحلاله وحرامه، وحدوده وفرائضه، وسائر معاني شرائع دينه، الذي هو مجمل في ظاهر التنزيل، وبالعباد إلى تفسيره الحاجة، لا يدرك علم تأويله إلا ببيان من عند الله، على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أشبه ذلك مما تحويه أي القرآن، من سائر حكمه، الذي جعل الله بيانه لخلقه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يعلم أحد من خلق الله تأويل ذلك، إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا بتعليم الله إياه ذلك، بوحيه إليه، إما مع جبريل، أو مع من شاء من رسله إليه.
فذلك هو الآي، التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يفسرها لأصحابه، بتعليم جبريل إياه، وهن لا شك أي ذوات عدد. ومن أي القرآن، ما قد ذكرنا أن الله جل ثناؤه، استأثر بعلم تأويله، فلم يطلع على علمه ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا، ولكنهم يؤمنون بأنه من عنده، وأنه لا يعلم تأويله إلا الله. فأما ما لا بد للعباد من علم تأويله، فقد بين لهم نبيهم صلى الله عليه وسلم، ببيان الله ذلك له بوحيه مع جبريل، وذلك هو المعنى الذي أمره الله ببيانه لهم، فقال له جل ذكره: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} [النحل: 44] . ولو كان تأويل الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يفسر من القرآن شيئا إلا آيا تعد هو ما يسبق إليه أوهام أهل الغباء، من أنه لم يكن يفسر من القرآن إلا القليل من آيه، واليسير من حروفه، كان إنما أنزل إليه صلى الله عليه وسلم الذكر، ليترك للناس بيان ما أنزل إليهم، لا ليبين لهم ما أنزل إليهم. وفي أمر الله جل ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم، ببلاغ ما أنزل إليه، وإعلامه إياه، أنه إنما نزل إليه ما أنزل، ليبين للناس ما نزل إليهم، وقيام الحجة على أن النبي صلى الله عليه وسلم، قد بلغ فأدى، ما أمره الله ببلاغه وأدائه، على ما أمره به، وصحة الخبر عن عبد الله بن مسعود لقيله: «كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات، لم يجاوزهن حتى يعلم معانيهن والعمل بهن» ما ينبئ عن جهل من ظن أو توهم، أن معنى الخبر الذي ذكرنا، عن عائشة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه لم يفسر من القرآن شيئا إلا آيا تعد، هو أنه لم يكن يبين لأمته من تأويله إلا اليسير القليل منه. هذا مع ما في الخبر، الذي روي عن عائشة، من العلة التي في إسناده، التي لا يجوز معها الاحتجاج به لأحد ممن علم صحيح سند الآثار وفاسدها في الدين، لأن راويه ممن لا يعرف في أهل الآثار، وهو جعفر بن محمد الزبيري. وأما الأخبار التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه من التابعين، بإحجامه عن التأويل، فإن فعل من فعل ذلك منهم، كفعل من أحجم منهم عن الفتيا في النوازل والحوادث، مع إقراره بأن الله جل ثناؤه، لم يقبض نبيه إليه إلا بعد إكمال الدين به لعباده، وعلمه بأن لله في كل نازلة وحادثة، حكما موجودا، بنص أو دلالة، فلم يكن إحجامه عن القول في ذلك، إحجام جاحد أن يكون لله فيه حكم موجود بين أظهر عباده، ولكن إحجام خائف، أن لا يبلغ في اجتهاده، ما كلف الله العلماء من عباده فيه، فكذلك معنى إحجام من أحجم عن القيل في تأويل القرآن، وتفسيره من العلماء السلف، إنما كان إحجامه عنه حذار أن لا يبلغ أداء ما كلف من إصابة صواب القول فيه، لا على أن تأويل ذلك محجوب عن علماء الأمة غير موجود بين أظهرهم
ذكر الأخبار عن بعض السلف فيمن كان من قدماء المفسرين محمودا علمه بالتفسير ومن كان منهم مذموما علمه بذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن سليمان، عن مسلم، قال: قال عبد الله: «نعم ترجمان القرآن ابن عباس» وحدثني يحيى بن داود الواسطي، قال: حدثنا إسحاق الأزرق، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، قال: «نعم ترجمان القرآن ابن عباس» 01P085 وحدثني محمد بن بشار، قال حدثنا جعفر بن عون، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله: بنحوه وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا طلق بن غنام، عن عثمان المكي، عن ابن أبي مليكة، قال: " رأيت مجاهدا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه الواحد فيقول له ابن عباس:: اكتب، قال: حتى سأله عن التفسير، كله " وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا المحاربي، ويونس بن بكير قالا: حدثنا محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، قال: «عرضت المصحف على ابن عباس، ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفته عند كل آية منه، وأسأله عنها» وحدثني عبيد الله بن يوسف الجبيري، عن أبي بكر الحنفي، قال: سمعت سفيان الثوري، يقول: «إذا جاءك التفسير عن مجاهد، فحسبك به» وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا سليمان أبو داود، عن شعبة، عن 01P086 عبد الملك بن ميسرة، قال: «لم يلق الضحاك ابن عباس، وإنما لقي سعيد بن جبير بالري، وأخذ عنه التفسير» وحدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا أبو داود، عن شعبة، عن مشاش، قال: قلت للضحاك: " سمعت من ابن عباس شيئا؟ قال: لا " حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: حدثنا زكريا، قال: كان الشعبي يمر بأبي صالح باذان، فيأخذ بأذنه فيعركها، ويقول: «تفسر القرآن وأنت لا تقرأ القرآن» وحدثني عبيد الله بن أحمد بن شبويه، قال: حدثنا علي بن الحسين بن واقد، قال: حدثني أبي، قال، حدثنا الأعمش، قال: حدثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {والله يقضي بالحق} [غافر: 20] ، قال: «قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة، وبالسيئة 01P087 السيئة، إن الله هو السميع البصير» قال الحسين: فقلت للأعمش: حدثني به الكلبي إلا أنه قال: «إن الله قادر أن يجزي بالسيئة السيئة، وبالحسنة عشرا» فقال الأعمش: لو أن الذي عند الكلبي عندي، ما خرج مني بحقير وحدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: حدثنا علي بن حكيم الأودي، قال: حدثنا عبد الله بن بكير، عن صالح بن مسلم، قال: مر الشعبي على السدي وهو يفسر، فقال: «لأن يضرب على استك بالطبل، خير لك من مجلسك هذا» وحدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: حدثني علي بن حكيم، قال: حدثنا شريك، عن مسلم بن عبد الرحمن النخعي، قال: كنت مع إبراهيم، فرأى السدي، فقال: «أما إنه يفسر تفسير القوم» حدثنا ابن البرقي، قال: حدثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سمعت سعيد بن بشير، يقول عن قتادة، قال: «ما أرى أحدا يجري مع الكلبي في التفسير في عنان» قال أبو جعفر: قد قلنا فيما مضى من كتابنا هذا في وجوه تأويل القرآن، وأن تأويل جميع القرآن على أوجه ثلاثة: أحدها: لا سبيل إلى الوصول إليه، وهو الذي استأثر الله بعلمه، وحجب علمه عن جميع خلقه، وهو أوقات ما كان من آجال الأمور الحادثة، التي أخبر الله في كتابه أنها كائنة، مثل وقت قيام الساعة، ووقت نزول عيسى ابن مريم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، والنفخ في الصور، وما أشبه ذلك. والوجه الثاني: ما خص الله بعلم تأويله نبيه صلى الله عليه وسلم، دون سائر أمته، وهو ما فيه مما بعباده إلى علم تأويله الحاجة، فلا سبيل لهم إلى علم ذلك، إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم لهم تأويله.
والثالث منها: ما كان علمه عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وذلك علم تأويل عربيته وإعرابه، لا توصل إلى علم ذلك إلا من قبلهم، فإذا كان ذلك كذلك، فأحق المفسرين بإصابة الحق في تأويل القرآن الذي إلى علم تأويله للعباد سبيل، أوضحهم حجة فيما تأول وفسر، مما كان تأويله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، دون سائر أمته، من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، الثابتة عنه، إما من وجه النقل المستفيض، فيما وجد فيه من ذلك عنه النقل المستفيض، وإما من وجه نقل العدول الأثبات، فيما لم يكن فيه عنه النقل المستفيض، أو من وجه الدلالة المنصوبة على صحته، وأوضحهم برهانا فيما ترجم وبين من ذلك، مما كان مدركا علمه من جهة اللسان، إما بالشواهد من أشعارهم السائرة، وإما من منطقهم 01P088 ولغاتهم المستفيضة المعروفة، كائنا من كان ذلك المتأول والمفسر، بعد أن لا يكون خارجا تأويله وتفسيره ما تأول وفسر من ذلك عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة والخلف من التابعين وعلماء الأمة.
القول في تأويل أسماء القرآن وسوره وآيه قال أبو جعفر: إن الله تعالى ذكره، سمى تنزيله الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، أسماء أربعة: منهن القرآن، فقال في تسميته إياه بذلك، في تنزيله: {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين} [يوسف: 3] وقال: {إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون} [النمل: 76] . ومنهن الفرقان: قال جل ثناؤه، في وحيه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، يسميه بذلك: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا} [الفرقان: 1] . ومنهن الكتاب: قال تبارك اسمه، في تسميته إياه به: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما} [الكهف: 2] . ومنهن الذكر: قال تعالى ذكره، في تسميته إياه به: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9] . ولكل اسم من أسمائه الأربعة في كلام العرب معنى ووجه غير معنى الآخر ووجهه. 01P089 فأما القرآن: فإن المفسرين اختلفوا في تأويله، والواجب أن يكون تأويله على قول ابن عباس، من التلاوة والقراءة، وأن يكون مصدرا من قول القائل: قرأت القرآن، كقولك الخسران: من خسرت، والغفران: من غفر الله لك، والكفران: من كفرتك. والفرقان: من فرق الله بين الحق والباطل. وذلك أن يحيى بن عثمان بن صالح السهمي، حدثني قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: {فإذا قرأناه} [القيامة: 18] ، يقول: " بيناه، فاتبع قرآنه، يقول: اعمل به " ومعنى قول ابن عباس هذا، فإذا بيناه بالقراءة، فاعمل بما بيناه لك بالقراءة. ومما يوضح صحة ما قلنا في تأويل حديث ابن عباس هذا ما حدثني به، محمد بن سعد، قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن عبد الله بن عباس، " {إن علينا جمعه وقرآنه} [القيامة: 17] قال: أن نقرئك فلا تنسى، {فإذا قرأناه} [القيامة: 18] عليك {فاتبع قرآنه} [القيامة: 18] يقول: إذا تلي عليك، فاتبع ما فيه " قال أبو جعفر: فقد صرح هذا الخبر عن ابن عباس، أن معنى القرآن عنده القراءة، فإنه مصدر من قول القائل قرأت علي ما قد قلناه، وأما على قول قتادة، فإن الواجب أن يكون مصدرا، من قول القائل قرأت 01P090 الشيء إذا جمعته وضممت بعضه إلى بعض، كقولك: ما قرأت هذه الناقة سلى قط، تريد بذلك أنها لم تضم رحما على ولد، كما قال عمرو بن كلثوم التغلبي: [+البحر الوافر] تريك إذا دخلت على خلاء وقد أمنت عيون الكاشحينا ذراعي عيطل أدماء بكر هجان اللون لم تقرأ جنينا يعني بقوله: لم تقرأ جنينا: لم تضمم رحما على ولد. وذلك أن بشر بن معاذ العقدي حدثنا قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، في قوله تعالى: " {إن علينا جمعه وقرآنه} [القيامة: 17] يقول: حفظه وتأليفه، {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} [القيامة: 18] يقول: اتبع حلاله، واجتنب 01P092 حرامه " وحدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا محمد بن ثور، قال: حدثنا معمر، عن قتادة، بمثله. فرأى قتادة أن تأويل القرآن: التأليف، قال أبو جعفر: ولكلا القولين أعني قول ابن عباس وقول قتادة، اللذين حكيناهما، وجه صحيح في كلام العرب.
غير أن أولى قوليهما بتأويل قول الله تعالى {إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} [القيامة: 18] قول ابن عباس، لأن الله وجل ثناؤه أمر نبيه في غير آية من تنزيله، باتباع ما أوحي إليه، ولم يرخص له في ترك اتباع شيء من أمره، إلى وقت تأليفه القرآن، فكذلك قوله {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} [القيامة: 18] نظير سائر ما في آي القرآن التي أمره الله فيها باتباع ما أوحي إليه في تنزيله، ولو وجب أن يكون معنى قوله {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} [القيامة: 18] فإذا ألفناه فاتبع ما ألفنا لك فيه، لوجب أن لا يكون كان لزمه فرض {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق: 1] ولا فرض {يا أيها المدثر قم فأنذر} [المدثر: 1] قبل أن يؤلف إلى ذلك غيره من القرآن وذلك إن قاله قائل خروج من قول أهل الملة، 01P093 وإذا صح أن حكم كل آية من آي القرآن، كان لازما النبي صلى الله عليه وسلم، اتباعه والعمل به، مؤلفة كانت إلى غيرها، أو غير مؤلفة، صح ما قال ابن عباس في تأويل قوله {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} [القيامة: 18] أنه يعني به: فإذا بيناه لك بقراءتنا، فاتبع ما بيناه لك بقراءتنا، دون قول من قال: معناه فإذا ألفناه فاتبع ما ألفناه. وقد قيل، إن قول الشاعر: [+البحر البسيط] ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحا وقرآنا يعني به قائله: تسبيحا وقراءة. فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يسمى قرآنا بمعنى القراءة، وإنما هو مقروء؟ قيل كما جاز أن يسمى المكتوب كتابا، بمعنى كتاب الكاتب، كما قال الشاعر، في صفة كتاب طلاق، كتبه لامرأته: [+البحر الوافر] تؤمل رجعة مني وفيها كتاب مثل ما لصق الغراء يريد: طلاقا مكتوبا، فجعل المكتوب كتابا. وأما تأويل اسمه، الذي هو فرقان، فإن تفسير أهل التفسير جاء في ذلك بألفاظ 01P094 مختلفة، هي في المعاني مؤتلفة. فقال عكرمة فيما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا حكام بن سلم، عن عنبسة، عن جابر، عن عكرمة، أنه كان يقول: «هو النجاة» وكذلك كان السدي يتأوله. حدثنا بذلك محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، وهو قول جماعة غيرهما وكان ابن عباس يقول: الفرقان: المخرج حدثني بذلك يحيى بن عثمان بن صالح، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وكذلك كان مجاهد يقول في تأويله حدثنا بذلك ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن جابر، عن مجاهد وكان مجاهد يقول في قول الله عز وجل: " {يوم الفرقان} [الأنفال: 41] يوم فرق الله فيه بين الحق والباطل " حدثني بذلك محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثني أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد فكل هذه التأويلات في معنى الفرقان، على اختلاف ألفاظها متقاربات المعاني، وذلك أن من جعل له مخرج من أمر كان فيه فقد جعل ذلك المخرج منه 01P095 نجاة، وكذلك إذا نجى منه فقد نصر على من بغاه فيه سوءا، وفرق بينه وبين باغيه بالسوء. فجميع ما روينا عمن روينا عنه في معنى الفرقان قول صحيح المعنى، لاتفاق معاني ألفاظهم في ذلك. وأصل الفرقان عندنا: الفرق بين الشيئين، والفصل بينهما وقد يكون ذلك بقضاء، واستنقاذ، وإظهار حجة، وتصرف، وغير ذلك من المعاني المفرقة بين المحق والمبطل. فقد تبين بذلك، أن القرآن سمي فرقانا، لفصله بحجته وأدلته وحدوده وفرائضه وسائر معاني حكمه، بين المحق والمبطل، وفرقانه بينهما بنصره المحق وتخذيله المبطل، حكما وقضاء. وأما تأويل اسمه الذي هو الكتاب فهو مصدر من قولك كتبت كتابا، كما تقول قمت قياما، وحسبت الشيء حسابا، والكتاب هو خط الكاتب حروف المعجم، مجموعة ومفترقة، وسمي كتابا وإنما هو مكتوب، كما قال الشاعر في البيت الذي استشهدنا به: [+البحر الوافر] . وفيها كتاب مثل ما لصق الغراء. 01P096 يعني به مكتوبا.
وأما تأويل اسمه الذي هو الذكر، فإنه محتمل معنيين: أحدهما أنه ذكر من الله جل ذكره، ذكر به عباده، فعرفهم فيه حدوده وفرائضه، وسائر ما أودعه من حكمه والآخر أنه ذكر وشرف وفخر لمن آمن به وصدق بما فيه، كما قال جل ثناؤه: {وإنه لذكر لك ولقومك} [الزخرف: 44] يعني به أنه شرف له ولقومه. ثم لسور القرآن أسماء سماها بها رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا أبو العوام، وحدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: حدثنا رواد بن الجراح، قال: حدثنا سعيد بن بشير، جميعا عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة بن الأسقع، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أعطيت مكان التوراة السبع الطول، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضلت بالمفصل» وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن خالد الحذاء، عن أبي 01P097 قلابة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت السبع الطول مكان التوراة، وأعطيت المثاني مكان الزبور، وأعطيت المئين مكان الإنجيل، وفضلت بالمفصل» قال خالد: كانوا يسمون المفصل: العربي؛ قال خالد: قال بعضهم: ليس في العربي سجدة وحدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا حكام بن سلم، عن عمرو بن أبي قيس، عن عاصم، عن المسيب، عن ابن مسعود، قال: «الطول كالتوارة. والمئون كالإنجيل، والمثاني كالزبور، وسائر القرآن بعد فضل على الكتب» حدثني أبو عبيد الوصابي، قال: حدثنا محمد بن حفص قال: أنبأنا أبو حميد، حدثنا الفزاري عن ليث بن أبي سليم، عن أبي بردة، عن أبي المليح، عن واثلة بن الأسقع، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «أعطاني ربي مكان التوراة السبع الطول، ومكان الإنجيل المثاني، ومكان الزبور المئين، وفضلني بالمفصل» 01P098 قال أبو جعفر: فالسبع الطول: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس؛ في قول سعيد بن جبير حدثني بذلك يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، وقد روي عن ابن عباس، قول يدل على موافقته قول سعيد هذا وذلك ما حدثنا به، محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، ويحيى بن سعيد، ومحمد بن جعفر، وسهل بن يوسف، قالوا: حدثنا عوف، قال: حدثني يزيد الفارسي، قال: حدثني ابن عباس، قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن عمدتم، إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتموهما في السبع الطول؟ ما حملكم على ذلك؟ قال عثمان: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما يأتي عليه الزمان، وهو تنزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا ببعض من كان يكتب، فيقول: «ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا 01P099 وكذا» وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتهما في السبع الطول فهذا الخبر ينبئ عن عثمان بن عفان رحمة الله عليه أنه لم يكن تبين له أن الأنفال وبراءة، من السبع الطول، ويصرح عن ابن عباس، أنه لم يكن يرى ذلك منها. وإنما سميت هذه السور السبع الطول، لطولها على سائر سور القرآن. وأما المئون: فهي ما كان من سور القرآن، عدد آيه مائة آية، أو تزيد عليها شيئا أو 01P100 تنقص منها شيئا يسيرا.
وأما المثاني: فإنها ما ثنى المئين فتلاها، وكان المئون لها أوائل، وكان المثاني لها ثواني؛ وقد قيل: إن المثاني سميت مثاني لتثنية الله جل ذكره فيها الأمثال والخبر والعبر، وهو قول ابن عباس حدثنا بذلك أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن عبد الله بن عثمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وروى عن سعيد بن جبير أنه كان يقول: «إنما سميت مثاني لأنها ثنيت فيها الفرائض والحدود» حدثنا بذلك محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير: وقد قال جماعة يكثر تعدادهم: «القرآن كله مثان» وقال جماعة أخرى: بل المثاني فاتحة الكتاب، لأنها تثنى قراءتها في كل صلاة. وسنذكر أسماء قائلي ذلك وعللهم، والصواب من القول، فيما اختلفوا فيه من ذلك، إذا انتهينا إلى تأويل قوله تعالى: {ولقد آتيناك سبعا من المثاني} [الحجر: 87] إن شاء الله ذلك. وبمثل ما جاءت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أسماء سور القرآن التي ذكرت، جاء شعر الشعراء، فقال بعضهم: حلفت بالسبع اللواتي طولت وبمئين بعدها قد أمئيت وبمثان ثنيت فكررت وبالطواسين التي قد ثلثت وبالحواميم اللواتي سبعت وبالمفصل اللواتي فصلت قال أبو جعفر: وهذه الأبيات تدل على صحة التأويل الذي تأولناه، في هذه الأسماء؛ وأما المفصل، فإنها سميت مفصلا، لكثرة الفصول التي بين سورها ببسم الله الرحمن الرحيم قال أبو جعفر: ثم تسمى كل سورة من القرآن سورة، وتجمع سورا، على تقدير خطبة وخطب، وغرفة وغرف؛ والسورة بغير همز: المنزلة من منازل الارتفاع، ومن ذلك سور المدينة، سمي بذلك الحائط الذي يحويها لارتفاعه على ما يحويه، غير أن السورة من سور المدينة لم يسمع في جمعها سور، كما سمع في جمع سورة من القرآن سور، قال العجاج: في جمع السورة من البناء: [+البحر الرجز] فرب ذي سرادق محجور سرت إليه في أعالي السور فخرج بتقدير جمعها على تقدير جمع برة وبسرة، لأن جمع ذلك بر وبسر، وكذلك لم يسمع في جمع سورة من القرآن سور، ولو جمعت كذلك لم يكن خطأ في القياس، إذا أريد به جميع القرآن، وإنما تركوا فيما يرى جمعه كذلك، لأن كل جمع كان بلفظ الواحد المذكر مثل بر وشعير وقصب وما أشبه ذلك، فإن جماعه كالواحد من الأشياء غيره، لأن حكم الواحد منه مفردا قلما يصاب، فجرى جماعه مجرى الواحد من الأشياء غيره، ثم جعلت الواحدة منه كالقطعة من جميعه، فقيل: برة وشعيرة وقصبة، يراد به قطعة منه، ولم تكن سور القرآن موجودة مجتمعة اجتماع البر والشعير وسور المدينة، بل كل سورة منها موجودة منفردة بنفسها انفراد كل غرفة من الغرف، وخطبة من الخطب، فجعل جمعها جمع الغرف والخطب، المبني جمعها من واحدها، ومن الدلالة على أن معنى السورة المنزلة من الارتفاع قول نابغة بني ذبيان: [+البحر الطويل] ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب يعني بذلك أن الله أعطاه منزلة من منازل الشرف، التي قصرت عنها منازل الملوك. وقد همز بعضهم السورة من القرآن، وتأويلها في لغة من همزها: القطعة التي أفضلت من القرآن عما سواها وأبقيت، وذلك أن سؤر كل شيء البقية منه.
تبقى بعد الذي يؤخذ منه، ولذلك سميت الفضلة من شراب الرجل يشربه، ثم يفضلها فيبقيها في الإناء سؤرا؛ ومن ذلك قول أعشى بني ثعلبة، يصف امرأة فارقته، فأبقت من وجدها بقية: [+البحر المتقارب] فبانت وقد أسأرت في الفؤاد صدعا على نأيها مستطيرا وقال الأعشى في مثل ذلك: [+البحر البسيط] بانت وقد أسأرت في النفس حاجتها بعد ائتلاف وخير الود ما نفعا وأما الآية من القرآن، فإنها تحتمل وجهين في كلام العرب: أحدهما: أن تكون سميت آية، لأنها علامة يعرف بها تمام ما قبلها وابتداؤها، كالآية التي تكون دلالة على الشيء، يستدل بها عليه، كقول الشاعر: [+البحر الطويل] ألكني إليها عمرك الله يا فتى بآية ما جاءت إلينا تهاديا يعني: بعلامة ذلك، ومنه قوله، جل ذكره: {ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك} [المائدة: 114] أي علامة منك، لإجابتك دعاءنا، وإعطائك إيانا سؤلنا. والآخر منهما: القصة، كما قال كعب بن زهير بن أبي سلمى: [+البحر الطويل] ألا بلغا هذا المعرض آية أيقظان قال القول إذ قال أم حلم يعني بقوله آية: رسالة مني وخبرا عني، فيكون معنى الآيات: القصص، قصة تتلو قصة بفصول ووصول
القول في تأويل أسماء فاتحة الكتاب قال أبو جعفر: صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما حدثني به، يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هي أم القرآن، هي فاتحة الكتاب، وهي السبع المثاني» فهذه أسماء فاتحة الكتاب، وسميت فاتحة الكتاب، لأنها يفتتح بكتابتها المصاحف، ويقرأ بها في الصلوات، فهي فواتح لما يتلوها من سور القرآن في الكتابة والقراءة وسميت أم القرآن، لتقدمها على سائر سور القرآن غيرها، وتأخر ما سواها خلفها، في القراءة والكتابة. وذلك من معناها شبيه بمعنى فاتحة الكتاب، وإنما قيل لها لكونها كذلك أم القرآن لتسمية العرب كل جامع أمرا أو مقدما لأمر، إذا كانت له توابع تتبعه، هو لها إمام جامع أما، فتقول للجلدة التي تجمع الدماغ أم الرأس، وتسمي لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها للجيش أما، ومن ذلك قول ذي الرمة يصف راية معقودة، على قناة يجتمع تحتها هو وصحبه: [+البحر الطويل] 01P106 وأسمر قوام إذا نام صحبتي خفيف الثياب لا تواري له أزرا على رأسه أم لنا نقتدي بها جماع أمور لا نعاصي لها أمرا إذا نزلت قيل انزلوا وإذا غدت غدت ذات برزيق ننال بها فخرا يعني بقوله: على رأسه أم لنا أي على رأس الرمح راية يجتمعون لها في النزول والرحيل وعند لقاء العدو. وقد قيل: إن مكة سميت أم القرى، لتقدمها أمام جميعها، وجمعها ما سواها، وقيل: إنما سميت بذلك لأن الأرض دحيت منها، فصارت لجميعها أما، ومن ذلك قول حميد بن ثور الهلالي: [+البحر الطويل] إذا كانت الخمسون أمك لم يكن لدائك إلا أن تموت طبيب لأن الخمسين جامعة ما دونها من العدد، فسماها أما للذي قد بلغها. وأما تأويل اسمها أنها السبع فإنها سبع آيات، لا خلاف بين الجميع من القراء والعلماء في ذلك، وإنما اختلفوا في الآي التي صارت بها سبع آيات. 01P107 فقال أعظم أهل الكوفة: صارت سبع آيات، ببسم الله الرحمن الرحيم؛ وروي ذلك عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين. وقال آخرون: هي سبع آيات، وليس منهن بسم الله الرحمن الرحيم، ولكن السابعة أنعمت عليهم؛ وذلك قول أعظم قراء أهل المدينة ومتفقهيهم. قال أبو جعفر: وقد بينا الصواب من القول عندنا في ذلك، في كتابنا اللطيف في أحكام شرائع الإسلام بوجيز من القول، وسنستقصي بيان ذلك بحكاية أقوال المختلفين فيه من الصحابة، والتابعين، والمتقدمين، والمتأخرين في كتابنا الأكبر في أحكام شرائع الإسلام إن شاء الله ذلك. وأما وصف النبي صلى الله عليه وسلم آياتها السبع بأنهن مثان، فلأنها تثنى قراءتها في كل صلاة تطوع ومكتوبة، وكذلك كان الحسن البصري يتأول ذلك حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: سألت الحسن عن قوله {ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم} [الحجر: 87] قال: " هي فاتحة الكتاب، ثم سئل عنها، وأنا أسمع، فقرأها: {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] حتى أتى على آخرها، فقال، تثنى في كل قراءة أو قال: في كل صلاة " الشك من أبي جعفر والمعنى الذي قلنا في ذلك، قصد أبو النجم العجلي، بقوله: [+البحر السريع] الحمد لله الذي عافاني وكل خير بعده أعطاني من القران ومن المثاني وكذلك قول الراجز الآخر: [+البحر الرجز] نشدتكم بمنزل الفرقان أم الكتاب السبع من مثاني تبين من آي من القرآن والسبع سبع الطول الدواني وليس في وجود اسم السبع المثاني لفاتحة الكتاب ما يدفع صحة وجود اسم المثاني للقرآن كله، ولما يثنى من السور، لأن لكل ذلك وجها ومعنى مفهوما، لا يفسد بتسمية بعض ذلك بالمثاني تسمية غيره بها. فأما وجه تسمية مثاني المئين من سور القرآن، بالمثاني، فقد بينا صحته، وسندل على صحة وجه تسمية جميع القرآن به، عند انتهائنا إليه، في سورة الزمر إن شاء الله القول في تأويل الاستعاذة 01P109
[البقرة: 67] تأويل قوله: {أعوذ} [البقرة: 67] قال أبو جعفر: والاستعاذة: الاستجارة، وتأويل قول القائل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أستجير بالله دون غيره من سائر خلقه من الشيطان، أن يضرني في ديني، أو يصدني عن حق يلزمني لربي 01P109 [آل عمران: 36] تأويل قوله: {من الشيطان} [آل عمران: 36] قال أبو جعفر: والشيطان في كلام العرب، كل متمرد من الجن والإنس والدواب وكل شيء، وكذلك قال ربنا جل ثناؤه: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن} [الأنعام: 112] فجعل من الإنس شياطين، مثل الذي جعل من الجن وقال عمر بن الخطاب رحمة الله عليه، وركب برذونا، فجعل يتبختر به، فجعل يضربه، فلا يزداد إلا تبخترا، فنزل عنه، وقال: «ما حملتموني إلا على شيطان ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي» حدثنا بذلك يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأنا ابن وهب، قال: خبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر قال أبو جعفر: وإنما سمي المتمرد من كل شيء شيطانا، لمفارقة أخلاقه وأفعاله أخلاق سائر جنسه وأفعاله، وبعده عن الخير؛ وقد قيل إنه أخذ من قول القائل: 01P110 شطنت داري من دارك، يريد بذلك بعدت، ومن ذلك قول نابغة بني ذبيان: [+البحر الوافر] نأت بسعاد عنك نوى شطون فبانت والفؤاد بها رهين والنوى: الوجه الذي نوته وقصدته، والشطون: البعيد، فكأن الشيطان على هذا التأويل، فيعال من شطن؛ ومما يدل على أن ذلك كذلك، قول أمية بن أبي الصلت: [+البحر الخفيف] أيما شاطن عصاه عكاه ثم يلقى في السجن والأكبال ولو كان فعلان، من شاط يشيط، لقال أيما شائط، ولكنه قال أيما شاطن، لأنه من شطن يشطن، فهو شاطن [آل عمران: 36] تأويل قوله: {الرجيم} [آل عمران: 36] وأما الرجيم فهو فعيل، بمعنى مفعول، كقول القائل: كف خضيب، ولحية دهين، ورجل لعين، يريد بذلك: مخضوبة، ومدهونة، وملعون؛ وتأويل الرجيم: الملعون، المشتوم. وكل مشتوم بقول رديء أو سب، فهو مرجوم وأصل الرجم: الرمي بقول كان أو بفعل ومن الرجم بالقول قول أبي إبراهيم، لإبراهيم صلوات الله عليه: {لئن لم تنته لأرجمنك} [مريم: 46] . وقد يجوز أن يكون قيل للشيطان رجيم، لأن الله جل ثناؤه طرده من سمواته، ورجمه بالشهب الثواقب. 01P111 وقد روي عن ابن عباس أن أول ما نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، علمه الاستعاذة حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال: " أول ما نزل جبريل على محمد، قال: يا محمد، قل: أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم. ثم قال: قل بسم الله الرحمن الرحيم. ثم قال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق: 1] " قال عبد الله: وهي أول سورة أنزلها الله على محمد، بلسان جبريل، فأمره أن يتعوذ بالله دون خلقه. [001] سورة الفاتحة مكية وآياتها سبع {بسم الله الرحمن الرحيم}
Preguntas
- ¿Qué enseña el islam sobre la vida después de la muerte?
- ¿Qué creen los musulmanes acerca de los profetas?
- ¿Cómo se realizan las cinco oraciones diarias (salat)?
- ¿Cuáles son las reglas del ayuno en Ramadán?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?