Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Sección V08/P749–V09/P007

[المائدة: 97] القول في تأويل قوله تعالى: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم} [المائدة: 97] يقول تعالى ذكره: صير الله الكعبة البيت الحرام قواما للناس الذين لا قوام لهم، من رئيس يحجز قويهم عن ضعيفهم، ومسيئهم عن محسنهم، وظالمهم عن مظلومهم، والشهر الحرام والهدي والقلائد، فحجز بكل واحد من ذلك بعضهم عن بعض، إذ لم يكن لهم قيام غيره، وجعلها معالم لدينهم ومصالح أمورهم والكعبة سميت فيما قيل كعبة لتربيعها ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: «إنما سميت الكعبة لأنها مربعة» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا هاشم بن القاسم، عن أبي سعيد المؤدب، عن النضر بن عربي، عن عكرمة، قال: «إنما سميت الكعبة لتربيعها» . وقيل {قياما للناس } [المائدة: 97] بالياء، وهو من ذوات الواو، لكسرة القاف وهي فاء الفعل، فجعلت العين منه بالكسرة ياء، كما قيل في مصدر: (قمت) قياما، و (صمت) صياما، فحولت العين من الفعل وهي واو ياء لكسرة فائه، وإنما هو في الأصل: قمت قواما، وصمت صواما. وكذلك قوله: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس} [المائدة: 97] فحولت واوها ياء، إذ هي (قوام) وقد جاء ذلك من كلامهم مقولا على أصله الذي هو أصله، قال الراجز: [+البحر الرجز] قوام دنيا وقوام دين فجاء به بالواو على أصله. وجعل تعالى ذكره الكعبة والشهر الحرام والهدي والقلائد قواما لمن كان يحترم ذلك من العرب ويعظمه، بمنزلة الرئيس الذي يقوم به أمر تباعه. وأما الكعبة فالحرم كله، وسماها الله تعالى حراما لتحريمه إياها أن يصاد صيدها، أو يختلى خلاها، أو يعضد شجرها وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى قبل وقوله: {والشهر الحرام والهدي والقلائد} [المائدة: 97] يقول تعالى ذكره: وجعل الشهر الحرام والهدي والقلائد أيضا قياما للناس، كما جعل الكعبة البيت الحرام لهم قياما. والناس الذين جعل ذلك لهم قياما مختلف فيهم، فقال بعضهم: جعل الله ذلك في الجاهلية قياما للناس كلهم. وقال بعضهم: بل عنى به العرب خاصة. وبمثل الذي قلنا في تأويل القوام قال أهل التأويل. ذكر من قال: عنى الله تعالى بقوله: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس} [المائدة: 97] القوام على نحو ما قلنا حدثنا هناد، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا من، سمع خصيفا، يحدث، عن مجاهد، في: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس} [المائدة: 97] قال: «قواما للناس» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن خصيف، عن سعيد 09P008 بن جبير: {قياما للناس} [المائدة: 97] قال: «صلاحا لدينهم» حدثنا هناد، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا داود، عن ابن جريج، عن مجاهد، في: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس} [المائدة: 97] قال: «حين لا يرجون جنة ولا يخافون نارا، فشدد الله ذلك بالإسلام» حدثني هناد قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن إسرائيل، عن أبي الهيثم، عن سعيد بن جبير، قوله: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس} [المائدة: 97] قال: «شدة لدينهم» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي الهيثم، عن سعيد بن جبير، مثله حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس} [المائدة: 97] قال: «قيامها أن يأمن من توجه إليها» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد} [المائدة: 97] «يعني قياما لدينهم، ومعالم لحجهم» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد} [المائدة: 97] «جعل الله هذه الأربعة قياما للناس، هو قوام أمرهم» .

Sección V09/P007–V09/P009

وهذه الأقوال وإن اختلفت من قائلها ألفاظها، فإن معانيها آيلة إلى ما قلنا في ذلك من أن القوام للشيء هو الذي به صلاحه، كالملك الأعظم قوام رعيته ومن في سلطانه، لأنه مدبر أمرهم، وحاجز ظالمهم عن مظلومهم، والدافع عنهم مكروه من بغاهم وعاداهم. وكذلك كانت الكعبة والشهر الحرام والهدي والقلائد قوام أمر العرب الذي كان به صلاحهم في الجاهلية، وهي في الإسلام لأهله معالم حجهم ومناسكهم ومتوجههم لصلاتهم وقبلتهم التي باستقبالها يتم فرضهم وبنحو الذي قلنا في ذلك قالت جماعة أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا جامع بن حماد، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد} [المائدة: 97] «حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية، فكان الرجل لو جر كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتناول ولم يقرب وكان الرجل لو لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام لم يعرض له ولم يقربه وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادة من 09P010 شعر فأحمته ومنعته من الناس، وكان إذا نفر تقلد قلادة من الإذخر أو من لحاء السمر، فمنعته من الناس حتى يأتي أهله، حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية» حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد} [المائدة: 97] قال: " كان الناس كلهم فيهم ملوك تدفع بعضهم عن بعض. قال: ولم يكن في العرب ملوك تدفع بعضهم عن بعض، فجعل الله تعالى لهم البيت الحرام قياما يدفع بعضهم عن بعض به، والشهر الحرام كذلك، يدفع الله بعضهم عن بعض بالأشهر الحرم والقلائد. قال: ويلقى الرجل قاتل أخيه أو ابن عمه فلا يعرض له. وهذا كله قد نسخ " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {والقلائد} [المائدة: 97] : «كان ناس يتقلدون لحاء الشجر في الجاهلية إذا أرادوا الحج، فيعرفون بذلك» . وقد أتينا على البيان عن ذكر الشهر الحرام والهدي والقلائد فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع 09P010

Sección V09/P009–V09/P012

[المائدة: 97] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم} [المائدة: 97] عني تعالى ذكره بقوله: ذلك تصييره الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد يقول تعالى ذكره: صيرت لكم أيها الناس ذلك قياما كي تعلموا أن من أحدث لكم لمصالح دنياكم ما أحدث مما به قوامكم، علما منه بمنافعكم ومضاركم، أنه كذلك يعلم جميع ما في السموات وما في الأرض مما فيه صلاح عاجلكم وآجلكم، ولتعلموا أنه بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء من أموركم وأعمالكم، وهو محصيها عليكم حتى يجازى المحسن منكم بإحسانه والمسيء منكم بإساءته. 09P011 [المائدة: 98] القول في تأويل قوله تعالى: {اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم} [المائدة: 98] يقول تعالى ذكره: اعلموا أيها الناس أن ربكم الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض، ولا يخف عليه شيء من سرائر أعمالكم وعلانيتها، وهو يحصيها عليكم ليجازيكم بها، شديد عقابه من عصاه وتمرد عليه على معصيته إياه، وهو غفور الذنوب من أطاعه وأناب إليه فساتر عليه وتارك فضيحته بها، رحيم به أن يعاقبه على ما سلف من ذنوبه بعد إنابته وتوبته منها. 09P011 [المائدة: 99] القول في تأويل قوله تعالى: {ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون} [المائدة: 99] وهذا من الله تعالى ذكره تهديد لعباده ووعيد، يقول تعالى ذكره: ليس على رسولنا الذي أرسلناه إليكم أيها الناس بإنذاركم عقابنا بين يدي عذاب شديد وإعذارنا إليكم بما فيه قطع حججكم، إلا أن يؤدي إليكم رسالتنا، ثم إلينا الثواب على الطاعة، وعلينا العقاب على المعصية. والله يعلم ما تبدون وما تكتمون يقول: وغير خفي علينا المطيع منكم القابل رسالتنا العامل بما أمرته بالعمل به، من العاصي التارك العمل بما أمرته بالعمل به، لأنا نعلم ما عمله العامل منكم فأظهره بجوارحه ونطق به لسانه وما تكتمون يعني: ما تخفونه في أنفسكم من إيمان وكفر أو يقين وشك ونفاق. يقول تعالى ذكره: فمن كان كذلك لا يخفى عليه شيء من ضمائر الصدور وظواهر أعمال النفوس، مما في السموات وما في الأرض، وبيده الثواب والعقاب، فحقيق أن يتقى وأن يطاع فلا يعصى. 09P012 [المائدة: 100] القول في تأويل قوله تعالى: {قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون} [المائدة: 100] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد: لا يعتدل الرديء والجيد، والصالح والطالح، والمطيع والعاصي ولو أعجبك كثرة الخبيث يقول: لا يعتدل العاصي والمطيع لله عند الله ولو كثر أهل المعاصي فعجبت من كثرتهم، لأن أهل طاعة الله هم المفلحون الفائزون بثواب الله يوم القيامة وإن قلوا دون أهل معصيته، وإن أهل معاصيه هم الأخسرون الخائبون وإن كثروا. يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: فلا تعجبن من كثرة من يعصي الله فيمهله ولا يعاجله بالعقوبة فإن العقبى الصالحة لأهل طاعة الله عنده دونهم كما حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث} [المائدة: 100] قال: " 09P013 الخبيث: هم المشركون والطيب: هم المؤمنون ". وهذا الكلام وإن كان مخرجه مخرج الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمراد به بعض أتباعه، يدل على ذلك قوله: {فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون} [المائدة: 100] 09P012 [المائدة: 100] القول في تأويل قوله تعالى: {فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون} [المائدة: 100] يقول تعالى ذكره: واتقوا الله بطاعته فيما أمركم ونهاكم، واحذروا أن يستحوذ عليكم الشيطان بإعجابكم كثرة الخبيث، فتصيروا منهم يا أولي الألباب يعني بذلك: أهل العقول والحجا، الذين عقلوا عن الله آياته، وعرفوا مواقع حججه لعلكم تفلحون يقول: اتقوا الله لتفلحوا: أي كي تنجحوا في طلبتكم ما عنده. 09P013

Sección V09/P012–V09/P013

[المائدة: 101] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم} [المائدة: 101] ذكر أن هذه الآية أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب مسائل كان يسألها إياه أقوام، امتحانا له أحيانا، واستهزاء أحيانا، فيقول له بعضهم: من أبي؟ ويقول له بعضهم إذا ضلت ناقته: أين ناقتي؟ فقال لهم تعالى ذكره: لا تسألوا عن أشياء من ذلك، كمسألة عبد الله بن حذافة إياه من أبوه إن تبد لكم تسؤكم يقول: «إن أبدينا لكم حقيقة ما تسألون عنه ساءكم إبداؤها وإظهارها» . وبنحو الذي قلنا في ذلك تظاهرت الأخبار عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر الرواية بذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا بعض بني نفيل، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو الجويرية، قال: قال ابن عباس لأعرابي من بني سليم: " هل تدري فيما أنزلت هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] حتى فرغ من الآية، فقال: كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء، فيقول الرجل: من أبي ؟ والرجل تضل ناقته فيقول: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية " حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو عامر، وأبو داود، قالا: ثنا هشام، عن قتادة، عن أنس، قال: سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة، فصعد المنبر ذات يوم فقال: «لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم» قال أنس: فجعلت أنظر يمينا وشمالا، فأرى كل إنسان لافا ثوبه يبكي، فأنشأ رجل كان ذا لاحى يدعى إلى غير أبيه، فقال: يا رسول الله، من أبي؟ فقال: «أبوك حذافة» . قال: فأنشأ عمر فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا، وأعوذ بالله من سوء الفتن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم أر في الشر والخير كاليوم قط، إنه صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما وراء الحائط» وكان قتادة يذكر هذا الحديث عند هذه الآية: {لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] حدثني محمد بن معمر البحراني، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني موسى بن أنس، قال: سمعت أنسا، يقول: قال رجل: يا رسول الله، من أبي؟ قال: «أبوك فلان» قال: فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] حدثنا بشر بن معاذ قال: ثنا يزيد بن زريع قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] ، قال: فحدثنا أن أنس بن مالك حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه حتى أحفوه بالمسألة، فخرج عليهم ذات يوم فصعد المنبر فقال: «لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم» ، فأشفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون بين يديه أمر قد حضر، فجعلت لا ألتفت يمينا ولا شمالا إلا وجدت كلا لافا رأسه في ثوبه يبكي. فأنشأ رجل كان يلاحى فيدعى إلى غير أبيه، فقال: يا نبي الله، من أبي؟ قال: «أبوك حذافة» . قال: ثم قام عمر أو قال: فأنشأ عمر فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا، عائذا بالله أو قال: أعوذ بالله من سوء الفتن.

Sección V09/P013–V09/P017

قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم أر في الخير والشر كاليوم قط، صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط» حدثنا أحمد بن هشام، وسفيان بن وكيع، قالا: ثنا معاذ، قال: ثنا ابن عون، قال: سألت عكرمة مولى ابن عباس عن قوله: {يا أيها الذين 09P016 آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] ، قال: ذاك يوم قام فيهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به» ، قال: فقام رجل، فكره المسلمون مقامه يومئذ، فقال: يا رسول الله، من أبي؟ قال: «أبوك حذافة» قال: فنزلت هذه الآية حدثنا الحسين بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: نزلت: {لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] في رجل قال: يا رسول الله، من أبي؟ قال: «أبوك فلان» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثنا سفيان، عن معمر، عن قتادة قال: سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أكثروا عليه، فقام مغضبا خطيبا فقال: «سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي إلا حدثتكم» ، فقام رجل فقال: من أبي؟ قال: «أبوك حذافة» ، واشتد غضبه وقال: «سلوني» ، فلما رأى الناس ذلك كثر بكاؤهم، فجثا عمر على ركبتيه فقال: رضينا بالله ربا ". قال معمر: قال الزهري: قال أنس مثل ذلك: فجثا عمر على ركبتيه، فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما والذي نفسي بيده، لقد صورت لي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط، فلم أر كاليوم في الخير والشر» قال الزهري: فقالت أم عبد الله بن حذافة: ما رأيت ولدا أعق منك قط، 09P017 أتأمن أن تكون أمك قارفت ما قارف أهل الجاهلية ، فتفضحها على رءوس الناس، فقال: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] ، قال: غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما من الأيام فقام خطيبا، فقال: " سلوني فإنكم لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به، فقام إليه رجل من قريش من بني سهم يقال له عبد الله بن حذافة، وكان يطعن فيه، قال: فقال يا رسول الله، من أبي؟ قال: «أبوك فلان» ، فدعاه لأبيه، فقام إليه عمر فقبل رجله وقال: يا رسول الله، رضينا بالله ربا، وبك نبيا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، فاعف عنا عفا الله عنك، فلم يزل به حتى رضي، فيومئذ قال: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا قيس، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمار وجهه، حتى جلس على المنبر، فقام إليه رجل فقال: أين أبي؟ قال: «في النار» ، فقام آخر فقال: من أبي؟ قال: «أبوك حذافة» . فقام عمر بن الخطاب فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، وبالقرآن إماما، إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك، والله يعلم من آباؤنا. قال: فسكن غضبه، ونزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] . 09P018 وقال آخرون: نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل مسألة سائل سأله عن شيء في أمر الحج ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا منصور بن وردان الأسدي، قال: ثنا علي بن عبد الأعلى، قال: لما نزلت هذه الآية: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] قالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فسكت، ثم قالوا: أفي كل عام؟

Sección V09/P017

فسكت، ثم قال: «لا، ولو قلت نعم لوجبت» فأنزل الله هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن إبراهيم بن مسلم الهجري، عن ابن عياض، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب عليكم الحج» ، فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه، حتى عاد مرتين أو ثلاثا، فقال: «من السائل؟ » فقال: فلان، فقال: «والذي نفسي بيده، لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت عليكم ما أطقتموه، ولو تركتموه لكفرتم» فأنزل الله هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] حتى ختم الآية حدثني محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي قال: أخبرنا الحسين بن واقد، عن محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أيها الناس، كتب الله عليكم الحج» . فقام محصن الأسدي فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: «أما إني لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ثم تركتم لضللتم. اسكتوا عني ما سكت عنكم، فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم» فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] إلى آخر الآية حدثنا ابن حميد قال: ثنا يحيى بن واضح قال: ثنا الحسين بن واقد، عن محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة يقول: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله، إلا أنه قال: فقام عكاشة بن محصن الأسدي حدثنا زكريا بن يحيى بن أبان المصري، قال: ثنا أبو زيد عبد الرحمن بن أبي الغمر، قال: ثنا أبو مطيع معاوية بن يحيى، عن صفوان بن عمرو، قال: ثني سليم بن عامر، قال: سمعت أبا أمامة الباهلي، يقول: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فقال: «كتب عليكم الحج» ، فقام رجل من الأعراب فقال: أفي كل [ص : 20] عام؟ قال: فعلا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسكت وأغضب واستغضب. فمكث طويلا ثم تكلم فقال: من السائل؟ " فقال الأعرابي: أنا ذا، فقال: «ويحك ماذا يؤمنك أن أقول نعم، ولو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لكفرتم؟ ألا إنه إنما أهلك الذين قبلكم أئمة الحرج، والله لو أني أحللت لكم جميع ما في الأرض وحرمت عليكم منها موضع خف لوقعتم فيه» . قال: فأنزل الله تعالى عند ذلك: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء} [المائدة: 101] إلى آخر الآية حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في الناس فقال: «يا قوم، كتب عليكم الحج» ، فقام رجل من بني أسد فقال: يا رسول الله، أفي كل عام؟

Sección V09/P017–V09/P022

فأغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا، فقال: «والذي نفس محمد بيده لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، وإذن لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم، فإذا أمرتكم بشيء فافعلوا، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه» فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] ، نهاهم أن يسألوا عن مثل الذي 09P021 سألت النصارى من المائدة، فأصبحوا بها كافرين، فنهى الله تعالى عن ذلك وقال: لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك، ولكن انتظروا فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه " حدثني المثنى قال: ثنا عبد الله بن صالح قال: ثني معاوية بن صالح قال: ثنا علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم} [المائدة: 101] ، قال: لما أنزلت آية الحج، نادى النبي صلى الله عليه وسلم في الناس فقال: «يا أيها الناس، إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا» ، فقالوا: يا رسول الله، أعاما واحدا أم كل عام؟ فقال: «لا بل عاما واحدا، ولو قلت كل عام لوجبت، ولو وجبت لكفرتم» ، ثم قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] ، قال: سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء فوعظهم، فانتهوا حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] ، قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج، فقيل: أواجب هو يا رسول الله كل عام؟ قال: «لا، لو قلتها لوجبت، ولو وجبت ما أطقتم، ولو لم تطيقوا لكفرتم» ، ثم قال: «سلوني فلا يسألني رجل في مجلسي هذا عن شيء إلا أخبرته، وإن سألني عن أبيه» ، فقام إليه رجل فقال: من أبي؟ قال: «أبوك حذافة بن قيس» ، فقام عمر فقال: يا رسول الله، رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، ونعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله " وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية من أجل أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ذكر من قال ذلك حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، قال: ثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس: {لا تسألوا عن أشياء} [المائدة: 101] ، قال: هي البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. ألا ترى أنه يقول بعد ذلك: ما جعل الله من كذا ولا كذا؟ " قال: وأما عكرمة فإنه قال: " إنهم كانوا يسألونه عن الآيات فنهوا عن ذلك ثم قال: {قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين} [المائدة: 102] ، قال: فقلت: قد حدثني مجاهد بخلاف هذا عن ابن عباس، فما لك تقول هذا؟ فقال: هيه " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن ابن عون، عن عكرمة، عن الأعمش، قال: " هو الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أبي؟ وقال سعيد بن جبير: «هم الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة» وأولى الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال: نزلت هذه الآية من أجل إكثار السائلين رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل، كمسألة ابن حذافة إياه من أبوه، ومسألة سائله إذ قال: «إن الله فرض عليكم الحج» : أفي كل عام؟

Sección V09/P022

وما أشبه ذلك من المسائل، لتظاهر الأخبار بذلك عن الصحابة والتابعين وعامة أهل التأويل، وأما القول الذي رواه مجاهد عن ابن عباس، فقول غير بعيد من الصواب، ولكن الأخبار المتظاهرة عن الصحابة والتابعين بخلافه، وكرهنا القول به من أجل ذلك، على أنه غير مستنكر أن تكون المسألة عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام كانت فيما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عنه من المسائل التي كره الله لهم السؤال عنها، كما كره الله لهم المسألة عن الحج، أكل عام هو أم عاما واحدا؟ وكما كره لعبد الله بن حذافة مسألته عن أبيه، فنزلت الآية بالنهي عن المسائل كلها، فأخبر كل مخبر منهم ببعض ما نزلت الآية من أجله وأجل غيره. وهذا القول أولى الأقوال في ذلك عندي بالصحة، لأن مخارج الأخبار بجميع المعاني التي ذكرت إصحاح، فتوجيهها إلى الصواب من وجوهها أولى 09P023

Sección V09/P022–V09/P025

[المائدة: 101] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم} [المائدة: 101] يقول تعالى ذكره للذين نهاهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عما نهاهم عن مسألتهم إياه عنه من فرائض لم يفرضها الله عليهم، وتحليل أمور لم يحللها لهم، وتحريم أشياء لم يحرمها عليهم قبل نزول القرآن بذلك: أيها المؤمنون السائلون عما سألوا عنه رسولي مما لم أنزل به كتابا ولا وحيا، لا تسألوا عنه، فإنكم إن أظهر ذلك لكم تبيان بوحي وتنزيل ساءكم، لأن التنزيل بذلك إذا جاءكم إنما يجيئكم بما فيه امتحانكم واختباركم، إما بإيجاب عمل عليكم، ولزوم فرض لكم، وفي ذلك عليكم مشقة ولزوم مؤنة وكلفة، وإما بتحريم ما لو لم يأتكم بتحريمه وحي كنتم من التقدم عليه في فسحة وسعة، وإما بتحليل ما تعتقدون تحريمه، وفي ذلك لكم مساءة لنقلكم عما كنتم ترونه حقا إلى ما كنتم ترونه باطلا، ولكنكم إن سألتم عنها بعد نزول القرآن بها وبعد ابتدائكم شأن أمرها في كتابي إلى رسولي إليكم، بين لكم ما أنزلته إليه من إتيان كتابي وتأويل تنزيلي ووحيي، وذلك نظير الخبر الذي روي عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي حدثنا به هناد بن السري قال: ثنا أبو معاوية، عن داود بن أبي هند، عن مكحول، عن أبي ثعلبة الخشني، قال: «إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها» حدثنا هناد، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، قال: 09P025 كان عبيد بن عمير يقول: " إن الله تعالى أحل وحرم، فما أحل فاستحلوه، وما حرم فاجتنبوه، وترك من ذلك أشياء لم يحلها ولم يحرمها، فذلك عفو من الله عفاه، ثم يتلو: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] حدثنا ابن المثنى قال: ثنا الضحاك قال: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني عطاء، عن عبيد بن عمير أنه كان يقول: إن الله حرم وأحل، ثم ذكر نحوه وأما قوله: {عفا الله عنها} [المائدة: 101] فإنه يعني به: عفا الله لكم عن مسألتكم عن الأشياء التي سألتم عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كره الله لكم مسألتكم إياه عنها، أن يؤاخذكم بها، أو يعاقبكم عليها، إن عرف منها توبتكم وإنابتكم. {والله غفور} [البقرة: 218] ، يقول: والله ساتر ذنوب من تاب منها، فتارك أن يفضحه في الآخرة {حليم} [البقرة: 225] أن يعاقبه بها لتغمده التائب منها برحمته وعفوه، عن عقوبته عليها، وبنحو الذي قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس الذي ذكرناه آنفا وذلك ما حدثني به محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {لا تسألوا عن أشياء} [المائدة: 101] «إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك، ولكن انتظروا فإذا نزل القرآن، فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه» 09P025

Sección V09/P025–V09/P026

[المائدة: 102] القول في تأويل قوله تعالى: {قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين} [المائدة: 102] يقول تعالى ذكره: قد سأل الآيات قوم من قبلكم: فلما آتاهموها الله أصبحوا بها جاحدين منكرين أن تكون دلالة على حقيقة ما احتج بها عليهم، وبرهانا على صحة ما جعلت برهانا على تصحيحه، كقوم صالح الذين سألوا الآية فلما جاءتهم الناقة آية عقروها، وكالذين سألوا عيسى مائدة تنزل عليهم من السماء، فلما أعطوها كفروا بها، وما أشبه ذلك، فحذر الله تعالى المؤمنين بنبيه صلى الله عليه وسلم أن يسلكوا سبيل من قبلهم من الأمم التي هلكت بكفرهم بآيات الله لما جاءتهم عند مسألتهموها، فقال لهم: لا تسألوا الآيات، ولا تبحثوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم، فقد سأل الآيات من قبلكم قوم فلما أوتوها أصبحوا بها كافرين كالذي حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] «نهاهم أن يسألوا عن مثل الذي سألت النصارى من المائدة، فأصبحوا بها كافرين، فنهى الله عن ذلك» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {قد سألها قوم من قبلكم} [المائدة: 102] " قد سأل الآيات قوم من قبلكم، وذلك حين قيل له: غير لنا الصفا ذهبا " 09P026

Sección V09/P026

[المائدة: 103] القول في تأويل قوله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون} [المائدة: 103] يقول تعالى ذكره: ما بحر الله بحيرة، ولا سيب سائبة، ولا وصل وصيلة، ولا حمى حاميا، ولكنكم الذين فعلتم ذلك أيها الكفرة ، فحرمتموه افتراء على ربكم كالذي حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثني أبي وشعيب بن الليث، عن الليث، عن ابن الهاد، وحدثني يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، 09P027 قال: ثني الليث، قال: ثني ابن الهاد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السائبة» حدثنا هناد بن السري، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثني محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن الجون: «يا أكثم، رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به، ولا به منك» ، فقال أكثم: أخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا، إنك مؤمن، وهو كافر، إنه أول من غير دين إسماعيل، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، وحمى الحامي» حدثنا هناد، قال: ثنا يونس، قال: ثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " قد عرفت أول من بحر البحائر، رجل من مدلج، كانت له ناقتان، فجدع آذانهما وحرم ألبانهما وظهورهما وقال: هاتان لله، ثم احتاج إليهما فشرب ألبانهما وركب ظهورهما "، قال: «فلقد رأيته في النار يؤذي أهل 09P028 النار ريح قصبه» حدثنا هناد، قال: ثنا عبيدة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عرضت علي النار، فرأيت فيها عمرو بن فلان بن فلان بن خندف يجر قصبه في النار، وهو أول من غير دين إبراهيم، وسيب السائبة، وأشبه من رأيت به أكثم بن الجون» . فقال أكثم: يا رسول الله، أيضرني شبهه؟ قال: «لا، لأنك مسلم، وإنه كافر» حدثنا الحسن بن يحيى ، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، وهو أول من سيب السوائب» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعرف أول من سيب السوائب، وأول من غير عهد إبراهيم» ، قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: «عمرو بن لحي أخو بني كعب، لقد رأيته يجر قصبه في النار، يؤذي ريحه أهل النار. وإني لأعرف أول من بحر البحائر» . قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: «رجل من بني مدلج كانت له ناقتان، فجدع آذانهما وحرم ألبانهما، ثم شرب ألبانهما بعد ذلك، فلقد رأيته في النار هو وهما يعضانه بأفواههما، ويخبطانه بأخفافهما» 09P029 والبحيرة: الفعيلة، من قول القائل: بحرت أذن هذه الناقة: إذا شقها، أبحرها بحرا، والناقة مبحورة، ثم تصرف المفعولة إلى فعيلة، فيقال: هي بحيرة.

Sección V09/P026–V09/P029

وأما البحر من الإبل: فهو الذي قد أصابه داء من كثرة شرب الماء، يقال منه: بحر البعير يبحر بحرا، ومنه قول الشاعر: [+البحر البسيط] لأعلطنك وسما لا تفارقه كما يحز بحمى الميسم البحر وبنحو الذي قلنا في معنى البحيرة جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن أبيه، قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أرأيت إبلك ألست تنتجها مسلمة آذانها، فتأخذ الموسى فتجدعها تقول: هذه بحيرة، وتشق آذانها تقول هذه حرم؟ " قال: نعم، قال: «فإن ساعد الله أشد، وموسى الله أحد، كل مالك لك حلال لا يحرم عليك منه شيء» حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن أبي 09P030 إسحاق قال: سمعت أبا الأحوص، عن أبيه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " هل تنتج إبل قومك صحاحا آذانها فتعمد إلى الموسى فتقطع آذانها فتقول: هذه بحر، وتشقها أو تشق جلودها فتقول: هذه حرم، فتحرمها عليك وعلى أهلك؟ " قال: نعم. قال: «فإن ما آتاك الله لك حل، وساعد الله أشد، وموسى الله أحد» وربما قال: «ساعد الله أشد من ساعدك، وموسى الله أحد من موساك» وأما السائبة: فإنها المسيبة المخلاة، وكانت الجاهلية يفعل ذلك أحدهم ببعض مواشيه، فيحرم الانتفاع به على نفسه، كما كان بعض أهل الإسلام يعتق عبده سائبة فلا ينتفع به ولا بولائه. وأخرجت المسيبة بلفظ السائبة، كما قيل: عيشة راضية، بمعنى: مرضية. وأما الوصيلة، فإن الأنثى من نعمهم في الجاهلية كانت إذا أتأمت بطنا بذكر وأنثى، قيل: قد وصلت الأنثى أخاها، بدفعها عنه الذبح، فسموها وصيلة. وأما الحامي: فإنه الفحل من النعم يحمى ظهره من الركوب والانتفاع بسبب تتابع أولاد تحدث من فحلته. وقد اختلف أهل التأويل في صفات المسميات بهذه الأسماء، وما السبب الذي من أجله كانت تفعل ذلك ذكر الرواية بما قيل في ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، أن أبا صالح السمان، حدثه أنه، سمع أبا هريرة، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن الجون الخزاعي: «يا أكثم، رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، فما رأيت من رجل أشبه برجل منك به، ولا به منك» ، فقال أكثم: أيضرني شبهه يا نبي الله؟ قال: «لا، لأنك مؤمن وهو كافر، وإنه كان أول من غير دين إسماعيل، ونصب الأوثان، وسيب السوائب فيهم» وذلك أن الناقة إذا تابعت ثنتي عشرة إناثا ليس فيها ذكر سيبت، فلم يركب ظهرها، ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف. فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق أذنها ثم خلي سبيلها مع أمها في الإبل، فلم يركب ظهرها، ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف، كما فعل بأمها، فهي البحيرة ابنة السائبة. والوصيلة: أن الشاة إذا نتجت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس فيهن ذكر جعلت وصيلة، قالوا: وصلت، فكان ما ولدت بعد ذلك لذكورهم دون إناثهم، إلا أن يموت منها شيء فيشتركون في أكله ذكورهم وإناثهم. والحامي: أن الفحل إذا نتج له عشر إناث متتابعات ليس بينهن ذكر حمي ظهره، ولم يركب، ولم يجز وبره، ويخلى في إبله يضرب فيها، لا 09P032 ينتفع به بغير ذلك.

Sección V09/P029

يقول الله تعالى ذكره: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} [المائدة: 103] إلى قوله: {ولا يهتدون} [البقرة: 170] حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، في هذه الآية: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} [المائدة: 103]- قال أبو جعفر: سقط علي فيما أظن كلام منه - قال: فأتيت علقمة فسألته، فقال: «ما تريد إلى شيء كانت تصنعه أهل الجاهلية» ؟ حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن مسلم، قال: أتيت علقمة فسألته عن قول الله، تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} [المائدة: 103] ، فقال: وما تصنع بهذا؟ إنما هذا شيء من فعل الجاهلية "، قال: فأتيت مسروقا فسألته، فقال: " البحيرة: كانت الناقة إذا ولدت بطنا خمسا أو سبعا، شقوا أذنها وقالوا: هذه بحيرة. قال: {ولا سائبة} [المائدة: 103] ، قال: كان الرجل يأخذ بعض ماله فيقول: هذه سائبة. قال: {ولا وصيلة} [المائدة: 103] ، قال: كانوا إذا ولدت الناقة الذكر أكله الذكور دون الإناث، وإذا ولدت ذكرا وأنثى في بطن قالوا: وصلت أخاها، فلا يأكلونهما، قال: فإذا مات الذكر، أكله الذكور دون الإناث. قال: {ولا حام} [المائدة: 103] ، قال: كان البعير إذا ولد وولد ولده، قالوا: قد قضى هذا الذي عليه، فلم ينتفعوا بظهره، قالوا: هذا حام " حدثنا ابن وكيع قال: ثنا محمد بن عبيد، عن الأعمش، عن مسلم بن 09P033 صبيح قال: سألت علقمة عن قوله: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة} [المائدة: 103] ، قال: ما تصنع بهذا ؟ «هذا شيء كان يفعله أهل الجاهلية» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمان، ويحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، {ما جعل الله من بحيرة} [المائدة: 103] ، قال: البحيرة: التي قد ولت خمسة أبطن ثم تركت " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة، عن الشعبي: {ما جعل الله من بحيرة} [المائدة: 103] ، قال: البحيرة: المخضرمة. {ولا سائبة} [المائدة: 103] ، والسائبة: ما سيب للهدي والوصيلة: إذا ولدت بعد أربعة أبطن فيما يرى جرير ثم ولدت الخامس ذكرا وأنثى وصلت أخاها. والحام: الذي قد ضرب أولاد أولاده في الإبل حدثنا ابن وكيع قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي بنحوه، إلا أنه قال: والوصيلة: «التي ولدت بعد أربعة أبطن ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها» وسائر الحديث مثل حديث ابن حميد حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إسحاق الأزرق، عن زكريا، عن الشعبي، أنه سئل عن البحيرة فقال: " هي التي تجدع آذانها.

Sección V09/P029

وسئل عن السائبة، فقال: كانوا يهدون لآلهتهم الإبل والغنم فيتركونها عند آلهتهم لتذبح، فتخلط بغنم الناس، فلا يشرب ألبانها إلا الرجال، فإذا مات منها شيء أكله الرجال والنساء جميعا " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي 09P034 نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة} [المائدة: 103] وما معها: «البحيرة من الإبل يحرم أهل الجاهلية وبرها وظهرها ولحمها ولبنها إلا على الرجال، فما ولدت من ذكر وأنثى فهو على هيئتها، وإن ماتت اشترك الرجال والنساء في أكل لحمها، فإذا ضرب الجمل من ولد البحيرة فهو الحامي، والسائبة من الغنم على نحو ذلك إلا أنها ما ولدت من ولد بينها وبين ستة أولاد كان على هيئتها، فإذا ولدت في السابع ذكرا أو أنثى أو ذكرين، ذبحوه، فأكله رجالهم دون نسائهم، وإن توأمت أنثى وذكرا فهي وصيلة، ترك ذبح الذكر بالأنثى، وإن كانتا أنثيين تركتا» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثنا عمي، قال: ثني أبي ، عن أبيه، عن ابن عباس: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة} [المائدة: 103] ، " فالبحيرة: الناقة، كان الرجل إذا ولدت خمسة أبطن، فيعمد إلى الخامسة، فما لم يكن سقبا فيبتك آذانها، ولا يجز لها وبرا، ولا يذوق لها لبنا، فتلك البحيرة {ولا سائبة} [المائدة: 103] ، كان الرجل يسيب من ماله ما شاء. {ولا وصيلة} [المائدة: 103] فهي الشاة إذا ولدت سبعا عمد إلى السابع، فإن كان ذكرا ذبح، وإن كانت أنثى تركت، وإن كان في بطنها اثنان ذكر وأنثى فولدتهما قالوا: وصلت أخاها، فيتركان جميعا لا يذبحان، فتلك الوصيلة. وقوله: {ولا حام} [المائدة: 103] ، كان الرجل يكون له الفحل فإذا لقح عشرا قيل: حام، فاتركوه " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة} [المائدة: 103] ليسيبوها لأصنامهم {ولا وصيلة} [المائدة: 103] يقول: الشاة {ولا حام} [المائدة: 103] يقول: الفحل من الإبل " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} [المائدة: 103] " تشديد شدده الشيطان على أهل الجاهلية في أموالهم، وتغليظ عليهم، فكانت البحيرة مثل الإبل إذا نتج الرجل خمسا من إبله نظر البطن الخامس، فإن كانت سقبا ذبح فأكله الرجال دون النساء، وإن كان ميتة اشترك فيه ذكرهم وأنثاهم، وإن كانت حائلا وهي الأنثى تركت فبتكت أذنها، فلم يجز لها وبر، ولم يشرب لها لبن، ولم يركب لها ظهر، ولم يذكر لله عليها اسم. وكانت السائبة: يسيبون ما بدا لهم من أموالهم، فلا تمتنع من حوض أن تشرع فيه، ولا من حمى أن ترتع فيه. وكانت الوصيلة من الشاء: من البطن السابع، إذا كان جديا ذبح فأكله الرجال دون النساء، وإن كان ميتة اشترك فيه ذكرهم وأنثاهم، وإن جاءت بذكر وأنثى قيل وصلت أخاها، فمنعته الذبح.

Sección V09/P029–V09/P037

والحام: كان الفحل إذا ركب من بني بنيه عشرة أو ولد ولده، قيل حام، حمي ظهره، فلم يزم ولم يخطم ولم يركب حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن 09P036 السدي: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} [المائدة: 103] فالبحيرة من الإبل: كانت الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، إن كان الخامس سقبا ذبحوه فأهدوه إلى آلهتهم، وكانت أمه من عرض الإبل، وإن كانت ربعة استحيوها، وشقوا أذن أمها، وجزوا وبرها، وخلوها في البطحاء، فلم تجز لهم في دية، ولم يحلبوا لها لبنا، ولم يجزوا لها وبرا، ولم يحملوا على ظهرها، وهي من الأنعام التي حرمت ظهورها وأما السائبة: فهو الرجل يسيب من ماله ما شاء على وجه الشكر إن كثر ماله، أو برأ من وجع، أو ركب ناقة فأنجح، فإنه يسمي السائبة يرسلها فلا يعرض لها أحد من العرب إلا أصابته عقوبة في الدنيا وأما الوصيلة فمن الغنم، هي الشاة إذا ولدت ثلاثة أبطن أو خمسة، فكان آخر ذلك جديا ذبحوه وأهدوه لبيت الآلهة، وإن كانت عناقا استحيوها، وإن كانت جديا وعناقا استحيوا الجدي من أجل العناق، فإنها وصيلة وصلت أخاها. وأما الحام: فالفحل يضرب في الإبل عشر سنين، ويقال: إذا ضرب ولد ولده قيل: قد حمي ظهره، فيتركونه لا يمس، ولا ينحر أبدا، ولا يمنع من كلإ يريده، وهو من الأنعام التي حرمت ظهورها " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، في قوله: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} [المائدة: 103] ، قال: " البحيرة من الإبل التي يمنع درها للطواغيت والسائبة من الإبل: كانوا يسيبونها لطواغيتهم. والوصيلة من الإبل كانت الناقة تبكر 09P037 بأنثى، ثم تثني بأنثى، فيسمونها الوصيلة، يقولون: وصلت اثنتين ليس بينهما ذكر، فكانوا يجدعونها لطواغيتهم، أو يذبحونها، الشك من أبي جعفر. والحام: الفحل من الإبل كان يضرب الضراب المعدود، فإذا بلغ ذلك قالوا: هذا حام قد حمي ظهره، فترك، فسموه الحام. قال معمر: قال قتادة: «إذا ضرب عشرة» حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قال: " البحيرة من الإبل: كانت الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، فإن كان الخامس ذكرا كان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى بتكوا آذانها، ثم أرسلوها، فلم ينحروا لها ولدا، ولم يشربوا لها لبنا، ولم يركبوا لها ظهرا وأما السائبة، فإنهم كانوا يسيبون بعض إبلهم، فلا تمنع حوضا أن تشرع فيه، ولا مرعى أن ترتع فيه والوصيلة: الشاة كانت إذا ولدت سبعة أبطن، فإن كان السابع ذكرا ذبح وأكله الرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تركت " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: ثنا عبيد بن سلمان، عن الضحاك: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} [المائدة: 103] " أما البحيرة: فكانت الناقة إذا نتجوها خمسة أبطن نحروا الخامس إن كان سقبا، وإن كان ربعة شقوا أذنها واستحيوها، وهي بحيرة وأما السقب فلا يأكل نساؤهم منه، وهو خالص لرجالهم، فإن ماتت الناقة أو نتجوها ميتا فرجالهم ونساؤهم فيه سواء يأكلون منه وأما السائبة: فكان يسيب الرجل من ماله من الأنعام، فيهمل في الحمى فلا ينتفع بظهره ولا بولده، ولا بلبنه، ولا بشعره، ولا بصوفه وأما الوصيلة، فكانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن ذبحوا السابع إذا كان جديا، وإن كان عناقا استحيوه، وإن كان جديا وعناقا استحيوهما كليهما، وقالوا: إن الجدي وصلته أخته، فحرمته علينا.

Sección V09/P037

وأما الحامي: فالفحل إذا ركبوا أولاد ولده، قالوا: قد حمى هذا ظهره، وأحرز أولاد ولده، فلا يركبونه، ولا يمنعونه من حمى شجر، ولا حوض ما شرع فيه، وإن لم يكن الحوض لصاحبه، وكانت من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها في شيء من شأنهم، لا إن ركبوا، ولا إن حملوا، ولا إن حلبوا، ولا إن نتجوا، ولا إن باعوا، ففي ذلك أنزل الله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة} [المائدة: 103] إلى قوله: {وأكثرهم لا يعقلون} [المائدة: 103] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب ، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} [المائدة: 103] ، قال: " هذا شيء كانت تعمل به أهل الجاهلية، وقد ذهب قال: البحيرة: كان الرجل يجدع أذني ناقته ثم يعتقها، كما يعتق جاريته وغلامه، لا تحلب، ولا تركب والسائبة: يسيبها بغير تجديع والحام: إذا نتج له سبع إناث متواليات، قد حمي ظهره، ولا يركب، ولا يعمل عليه والوصيلة من الغنم: إذا ولدت سبع إناث متواليات حمت لحمها أن يؤكل " حدثنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: ثنا عبد الله بن يوسف قال: ثنا الليث بن سعد قال: ثني ابن الهاد، عن ابن شهاب قال: قال سعيد بن المسيب: " السائبة: التي كانت تسيب فلا يحمل عليها شيء والبحيرة: التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد والوصيلة: الناقة البكر تبكر أول نتاج الإبل بأنثى، 09P039 ثم تثني بعد بأنثى، وكانوا يسمونها للطواغيت، يدعونها الوصيلة، إن وصلت إحداهما بالأخرى والحامي: فحل الإبل يضرب العشر من الإبل، فإذا نقص ضرابه يدعونه للطواغيت، وأعفوه من الحمل، فلم يحملوا عليه شيئا، وسموه الحامي " وهذه أمور كانت في الجاهلية فأبطلها الإسلام، فلا نعرف قوما يعملون بها اليوم فإذا كان ذلك كذلك، وكان ما كانت الجاهلية تعمل به لا يوصل إلى علمه إذ لم يكن له في الإسلام اليوم أثر، ولا في الشرك نعرفه إلا بخبر، وكانت الأخبار عما كانوا يفعلون من ذلك مختلفة الاختلاف الذي ذكرنا، فالصواب من القول في ذلك أن يقال: أما معاني هذه الأسماء، فما بينا في ابتداء القول في تأويل هذه الآية. وأما كيفية عمل القوم في ذلك، فما لا علم لنا به. وقد وردت الأخبار بوصف عملهم ذلك على ما قد حكينا، وغير ضائر الجهل بذلك إذا كان المراد من علمه المحتاج إليه، موصلا إلى حقيقته، وهو أن القوم كانوا محرمين من أنعامهم على أنفسهم ما لم يحرمه الله اتباعا منهم خطوات الشيطان، فوبخهم الله تعالى بذلك، وأخبرهم أن كل ذلك حلال، فالحرام من كل شيء عندنا ما حرم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، بنص أو دليل والحلال منه: ما أحله الله ورسوله كذلك 09P038

Sección V09/P037–V09/P040

[المائدة: 103] القول في تأويل قوله تعالى: {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون} [المائدة: 103] اختلف أهل التأويل في المعني بالذين كفروا في هذا الموضع والمراد بقوله: وأكثرهم لا يعقلون، فقال بعضهم: المعني بالذين كفروا: اليهود، وبالذين لا يعقلون: أهل الأوثان. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن داود بن أبي هند، عن محمد بن أبي موسى: {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب} [المائدة: 103] قال: أهل الكتاب {وأكثرهم لا يعقلون} [المائدة: 103] قال: أهل الأوثان وقال آخرون: بل هم أهل ملة واحدة، ولكن (المفترين) : المتبوعون، و (الذين لا يعقلون) : الأتباع ذكر من قال ذلك حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا خارجة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، في قوله: {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون} [المائدة: 103] «هم الأتباع وأما (الذين افتروا) ، يعقلون أنهم افتروا» وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: إن المعنيين بقوله: {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب} [المائدة: 103] الذين بحروا البحائر، وسيبوا السوائب، ووصلوا الوصائل، وحموا الحوامي، مثل عمرو بن لحي وأشكاله، ممن سنوا لأهل الشرك السنن الرديئة وغيروا دين الله دين الحق، وأضافوا إلى الله تعالى أنه هو الذي حرم ما حرموا وأحل ما أحلوا، افتراء على الله الكذب وهم يعلمون، واختلاقا عليه الإفك وهم يعمهون فكذبهم الله تعالى في قيلهم ذلك، وإضافتهم إليه ما أضافوا من تحليل ما أحلوا وتحريم ما حرموا، فقال تعالى ذكره: ما جعلت من بحيرة ولا سائبة، ولكن الكفار هم الذين يفعلون ذلك ويفترون على الله الكذب وأن يقال: إن المعنيين بقوله {وأكثرهم لا يعقلون} [المائدة: 103] هم أتباع من سن لهم هذه السنن من جهلة المشركين، فهم لا شك أنهم أكثر من الذين لهم سنوا ذلك فوصفهم الله تعالى بأنهم لا يعقلون، لأنهم لم يكونوا يعقلون أن الذين سنوا لهم تلك السنن، وأخبروهم أنها من عند الله كذبة في أخبارهم أفكة، بل ظنوا أنهم فيما يقولون محقون في أخبارهم صادقون وإنما معنى الكلام: وأكثرهم لا يعقلون أن ذلك التحريم الذي حرمه هؤلاء المشركون وأضافوه إلى الله تعالى كذب وباطل. وهذا القول الذي قلنا في ذلك نظير قول الشعبي الذي ذكرناه، ولا معنى لقول من قال: عني بالذين كفروا: أهل الكتاب، وذلك أن النكير في ابتداء الآية من الله تعالى على مشركي العرب، فالختم بهم أولى من غيرهم، إذ لم يكن عرض في الكلام ما يصرف من أجله عنهم إلى غيرهم وبنحو ذلك كان يقول قتادة حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله 09P042 : {وأكثرهم لا يعقلون} [المائدة: 103] يقول: «لا يعقلون تحريم الشيطان الذي يحرم عليهم، إنما كان من الشيطان ولا يعقلون» 09P041

Sección V09/P040–V09/P042

[المائدة: 104] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون} [المائدة: 104] يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء الذين يبحرون البحائر ويسيبون السوائب، الذين لا يعقلون أنهم بإضافتهم تحريم ذلك إلى الله تعالى يفترون على الله الكذب: تعالوا إلى تنزيل الله وآي كتابه وإلى رسوله، ليتبين لكم كذب قيلكم فيم تضيفونه إلى الله تعالى من تحريمكم ما تحرمون من هذه الأشياء، أجابوا من دعاهم إلى ذلك، بأن يقولوا: حسبنا ما وجدنا عليه من قبلنا آباءنا يعملون به، ويقولون: نحن لهم تبع، وهم لنا أئمة وقادة، وقد اكتفينا بما أخذنا عنهم، ورضينا بما كانوا عليه من تحريم وتحليل قال الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولو كان آباء هؤلاء القائلين هذه المقالة لا يعلمون شيئا، يقول: لم يكونوا يعلمون أن ما يضيفونه إلى الله تعالى من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام كذب وفرية على الله، لا حقيقة لذلك ولا صحة لأنهم كانوا أتباع المفترين الذين ابتدءوا تحريم ذلك افتراء على الله بقيلهم ما كانوا يقولون من إضافتهم إلى الله تعالى ما يضيفون ما كانوا فيما هم به عاملون من ذلك على استقامة وصواب، بل كانوا على ضلالة وخطأ. 09P043

Sección V09/P042–V09/P044

[المائدة: 105] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون} [المائدة: 105] يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم فأصلحوها، واعملوا في خلاصها من عقاب الله تعالى، وانظروا لها فيما يقربها من ربها، فإنه لا يضركم من ضل يقول: لا يضركم من كفر وسلك غير سبيل الحق إذا أنتم اهتديتم وآمنتم بربكم وأطعتموه فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، فحرمتم حرامه وحللتم حلاله. ونصب قوله: أنفسكم بالإغراء، والعرب تغري من الصفات ب (عليك) ، و (عندك) و (دونك) و (إليك) . واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يقبل منكم ذلك ذكر من قال ذلك حدثنا سوار بن عبد الله، قال: ثنا أبي قال: ثنا أبو الأشهب، عن الحسن: أن هذه الآية قرئت على ابن مسعود: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] ، فقال ابن مسعود: «ليس هذا بزمانها، قولوها ما قبلت منكم، فإذا ردت عليكم فعليكم أنفسكم» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبو أسامة، عن أبي الأشهب، عن الحسن قال: ذكر عند ابن مسعود {يا أيها الذين آمنوا} [المائدة: 105] ، ثم ذكر نحوه حدثنا يعقوب قال: ثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن قال: قال رجل لابن مسعود: ألم يقل الله: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] ؟ قال: «ليس هذا بزمانها، قولوها ما قبلت منكم فإذا ردت عليكم فعليكم أنفسكم» حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا شبابة بن سوار، قال: ثنا الربيع بن صبيح، عن سفيان بن عقال، قال: قيل لابن عمر: لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه، فإن الله تعالى يقول: {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] ، فقال ابن عمر: إنها ليست لي ولا لأصحابي، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا فليبلغ الشاهد الغائب» ، فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم " حدثنا أحمد بن المقدام، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي قال: ثنا قتادة، عن أبي مازن، قال: انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة، فإذا قوم من المسلمين جلوس، فقرأ أحدهم هذه الآية: {عليكم أنفسكم} [المائدة: 105] ، فقال أكثرهم: لم يجئ تأويل هذه الآية اليوم حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا عمرو بن عاصم قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، عن قتادة، عن أبي مازن، بنحوه حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، وأبوعاصم، قالا: ثنا عوف، عن سوار بن شبيب، قال: كنت عند ابن عمر، إذ أتاه رجل جليد في العين، شديد اللسان، فقال: يا أبا عبد الرحمن نحن ستة كلهم قد قرأوا القرآن فأسرع فيه، وكلهم مجتهد لا يألو، وكلهم بغيض إليه أن يأتي دناءة، وهم في ذلك يشهد بعضهم على بعض بالشرك فقال رجل من القوم: وأي دناءة تريد أكثر من أن يشهر بعضهم على بعض بالشرك؟ قال: فقال الرجل: إني لست إياك أسأل، أنا أسأل الشيخ. فأعاد على عبد الله الحديث، فقال عبد الله بن عمر: " لعلك ترى لا أبا لك أني سآمرك أن تذهب فتقتلهم؟

Sección V09/P044

عظهم وانههم، فإن عصوك فعليك بنفسك، فإن الله تعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون} [المائدة: 105] " حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الحسن: أن ابن مسعود سأله رجل عن قوله: {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] قال: " إن هذا ليس بزمانها، إنها اليوم مقبولة، ولكنه قد أوشك أن يأتي زمان تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا أو قال: فلا يقبل منكم فحينئذ عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن 09P046 قتادة، عن رجل قال: كنت في خلافة عثمان بالمدينة في حلقة فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا فيهم شيخ يسندون إليه، فقرأ رجل: {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] ، فقال الشيخ: «إنما تأويلها آخر الزمان» حدثنا بشر بن معاذ قال: ثنا يزيد بن زريع قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: ثنا أبو مازن، رجل من صالحي الأزد من بني الجدان، قال: انطلقت في حياة عثمان إلى المدينة، فقعدت إلى حلقة فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ رجل من القوم هذه الآية: {لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] ، قال: فقال رجل من أسن القوم: «دع هذه الآية، فإنما تأويلها في آخر الزمان» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا ابن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن جبير بن نفير، قال: كنت في حلقة فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني لأصغر القوم، فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقلت أنا: أليس الله يقول في كتابه: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] ، فأقبلوا علي بلسان واحد وقالوا: تنزع بآية من القرآن لا تعرفها ولا تدري ما تأويلها، حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت ثم أقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم، قالوا: إنك غلام حدث السن، وإنك نزعت بآية لا تدري ما هي، وعسى أن تدرك ذلك الزمان إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت " حدثنا هناد، قال: ثنا ليث بن هارون، قال: ثنا إسحاق الرازي، عن أبي 09P047 جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن عبد الله بن مسعود، في قوله: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون} [المائدة: 105] ، قال: كانوا عند عبد الله بن مسعود جلوسا، فكان بين رجلين ما يكون بين الناس، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه، فقال رجل من جلساء عبد الله: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر؟

Preguntas