Taberî — Câmiü'l-Beyân
فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون معنى قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] : وآتوا حقه يوم كيله ، لا يوم قصله وقطعه، ولا يوم جداده وقطافه، فقد علمت من قال ذلك من أهل التأويل؟ وذلك ما حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، في قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «يوم كيله» وحدثنا المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن الحجاج، عن سالم المكي، عن محمد ابن الحنفية، قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «يوم كيله يعطي العشر ونصف العشر» مع آخرين، قد ذكرت الرواية فيما مضى عنهم بذلك؟ قيل: لأن يوم كيله غير يوم حصاده. ولن يخلو معنى قائلي هذا القول من أحد أمرين: إما أن يكونوا وجهوا معنى الحصاد إلى معنى الكيل، فذلك ما لا يعقل في كلام العرب، لأن الحصاد والحصد في كلامهم الجد والقطع، لا الكيل. أو يكونوا وجهوا تأويل قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] إلى وآتوا حقه بعد 09P614 يوم حصاده إذا كلتموه. فذلك خلاف ظاهر التنزيل، وذلك أن الأمر في ظاهر التنزيل بإيتاء الحق منه يوم حصاده لا بعد يوم حصاده. ولا فرق بين قائل: إنما عنى الله بقوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] بعد يوم حصاده، وآخر قال: عنى بذلك قبل يوم حصاده، لأنهما جميعا قائلان قولا دليل ظاهر التنزيل بخلافه 09P613
[الأنعام: 141] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأنعام: 141] اختلف أهل التأويل في الإسراف الذي نهى الله عنه بهذه الآية، ومن المنهي عنه. فقال بعضهم: المنهي عنه: رب النخل والزرع والثمر، والسرف الذي نهى الله عنه في هذه الآية، مجاوزة القدر في العطية إلى ما يجحف برب المال ذكر من قال ذلك حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: ثنا عاصم، عن أبي العالية، في قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا} [الأنعام: 141] الآية، قال: " كانوا يعطون شيئا سوى الزكاة، ثم تسارفوا، فأنزل الله: {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأنعام: 141] حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن عاصم الأحول، عن أبي العالية: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: " كانوا يعطون يوم 09P615 الحصاد شيئا سوى الزكاة، ثم تباروا فيه وأسرفوا، فقال الله: {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأنعام: 141] حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن عاصم الأحول، عن أبي العالية: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: " كانوا يعطون يوم الحصاد شيئا، ثم تسارفوا، فقال الله: {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأنعام: 141] حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: " نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، جد نخلا فقال: لا يأتين اليوم أحد إلا أطعمته، فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة، فقال الله: {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأنعام: 141] حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: {ولا تسرفوا} [الأنعام: 141] يقول: " لا تسرفوا فيما يؤتى يوم الحصاد، أم في كل شيء؟ قال: بلى في كل شيء، ينهى عن السرف. قال: ثم عاودته بعد حين، فقلت: ما قوله: {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأنعام: 141] ؟ قال: ينهى عن السرف في كل شيء. ثم تلا: {لم يسرفوا ولم يقتروا} [الفرقان: 67] حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا سفيان بن حسين، عن أبي بشر، قال: أطاف الناس بإياس بن معاوية بالكوفة، فسألوه: ما 09P616 السرف؟ فقال: «ما تجاوز أمر الله فهو سرف» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ولا تسرفوا} [الأنعام: 141] : «لا تعطوا أموالكم فتغدوا فقراء» وقال آخرون: الإسراف الذي نهى الله عنه في هذا الموضع: منع الصدقة والحق الذي أمر الله رب المال بإيتائه أهله، بقوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الله، عن عمرو بن سليم، وغيره، عن سعيد بن المسيب، في قوله: {ولا تسرفوا} [الأنعام: 141] قال: «لا تمنعوا الصدقة فتعصوا» حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا محمد بن الزبرقان، قال: ثنا محمد بن عبيدة، عن محمد بن كعب: {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأنعام: 141] ، " والسرف: أن لا يعطي في حق " 09P617 وقال آخرون: إنما خوطب بهذا السلطان: نهي أن يأخذ من رب المال فوق الذي ألزم الله ماله ذكر من قال ذلك حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد في قوله: {ولا تسرفوا} [الأنعام: 141] ، قال: قال للسلطان: لا تسرفوا، لا تأخذوا بغير حق، فكانت هذه الآية بين السلطان وبين الناس، يعني قوله: {كلوا من ثمره إذا أثمر} [الأنعام: 141] الآية والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى بقوله: {ولا تسرفوا} [الأنعام: 141] عن جميع معاني الإسراف، ولم يخصص منها معنى دون معنى.
وإذ كان ذلك كذلك، وكان الإسراف في كلام العرب: الإخطاء بإصابة الحق في العطية، إما بتجاوز حده في الزيادة وإما بتقصير عن حده الواجب، كان معلوما أن المفرق ماله مباراة، والباذله للناس حتى أجحفت به عطيته، مسرف بتجاوزه حد الله إلى ما كيفته له، وكذلك المقصر في بذله فيما ألزمه الله بذله فيه، وذلك كمنعه ما ألزمه إيتاءه منه أهل سهمان الصدقة إذا وجبت فيه، أو منعه من ألزمه الله نفقته من أهله وعياله ما ألزمه منها، وكذلك السلطان في أخذه من رعيته ما لم يأذن الله بأخذه. كل هؤلاء فيما فعلوا من ذلك مسرفون، داخلون في معنى من أتى ما نهى الله عنه من الإسراف بقوله: {ولا تسرفوا} [الأنعام: 141] في عطيتكم من أموالكم ما يجحف بكم، إذ كان ما قبله من الكلام أمرا من الله بإيتاء الواجب فيه أهله يوم حصاده، فإن الآية قد كانت تنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب خاص من الأمور والحكم بها على العام، بل عامة آي القرآن كذلك، فكذلك قوله: {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأنعام: 141] ، ومن الدليل على صحة ما قلنا من معنى الإسراف أنه على ما قلنا، قول الشاعر: [+البحر البسيط] أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ما في عطائهم من ولا سرف يعني بالسرف: الخطأ في العطية 09P618
[الأنعام: 142] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين} [الأنعام: 142] يقول تعالى ذكره: وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشا، مع ما أنشأ من الجنات المعروشات وغير المعروشات. والحمولة: ما حمل عليه من الإبل وغيرها، والفرش: صغار الإبل التي لم تدرك أن يحمل عليها. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: الحمولة: ما حمل عليه من كبار الإبل ومسانها، والفرش: صغارها التي لا يحمل عليها لصغرها ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، في قوله: {حمولة وفرشا} [الأنعام: 142] قال: " الحمولة: الكبار من الإبل، وفرشا: الصغار من الإبل " وقال: ثنا أبي، عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس: " الحمولة هي الكبار، والفرش: الصغار من الإبل " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، قال: " الحمولة: ما حمل من الإبل، والفرش: ما لم يحمل " وبه عن إسرائيل، عن خصيف، عن مجاهد: " الحمولة: ما حمل من الإبل، والفرش: ما لم يحمل " حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {وفرشا} [الأنعام: 142] قال: «صغار الإبل» حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، في قوله: {حمولة وفرشا} [الأنعام: 142] قال: " الحمولة: الكبار، والفرش: الصغار " حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود في قوله: {حمولة وفرشا} [الأنعام: 142] " الحمولة: ما حمل من الإبل، والفرش: هن الصغار " حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، أنه قال في هذه الآية: {حمولة وفرشا} [الأنعام: 142] قال: " الحمولة: ما حمل عليه من الإبل، والفرش: الصغار " قال ابن المثنى: قال محمد: قال شعبة: إنما كان حدثني سفيان عن أبي إسحاق حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: قال الحسن: «الحمولة من الإبل والبقر» وقال بعضهم: الحمولة من الإبل، وما لم يكن من الحمولة فهو الفرش حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن: {حمولة وفرشا} [الأنعام: 142] قال: " الحمولة: ما حمل عليه، والفرش: حواشيها، يعني صغارها " حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثنا عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ومن الأنعام حمولة وفرشا} [الأنعام: 142] : " فالحمولة ما حمل من الإبل، والفرش: صغار الإبل، الفصيل وما دون ذلك مما لا يحمل " 09P621 ويقال: الحمولة: من البقر والإبل، والفرش: الغنم. وقال آخرون: الحمولة: ما حمل عليه من الإبل والخيل والبغال وغير ذلك، والفرش: الغنم ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {ومن الأنعام حمولة وفرشا} [الأنعام: 142] : " فأما الحمولة: فالإبل والخيل والبغال والحمير، وكل شيء يحمل عليه، وأما الفرش: فالغنم " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس: " الحمولة من الإبل والبقر، وفرشا: المعز والضأن " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ومن الأنعام حمولة وفرشا} [الأنعام: 142] قال: " أما الحمولة: فالإبل والبقر.
قال: وأما الفرش: فالغنم " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة " كان غير الحسن يقول: الحمولة: الإبل والبقر، والفرش: الغنم " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ومن الأنعام حمولة وفرشا} [الأنعام: 142] " أما الحمولة: فالإبل. وأما الفرش: فالفصلان والعجاجيل والغنم، وما حمل عليه فهو حمولة " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {حمولة وفرشا} [الأنعام: 142] " الحمولة: الإبل، والفرش: الغنم " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي بكر الهذلي، عن الحسن: {وفرشا} [الأنعام: 142] قال: " الفرش: الغنم " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {حمولة وفرشا} [الأنعام: 142] قال: " الحمولة: ما تركبون، والفرش: ما تأكلون وتحلبون، شاة لا تحمل، تأكلون لحمها، وتتخذون من أصوافها لحافا وفرشا " والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الحمولة هي ما حمل من الأنعام، لأن ذلك من صفتها إذا حملت، لا أنه اسم لها كالإبل والخيل والبغال، فإذا كانت إنما سميت حمولة لأنها تحمل، فالواجب أن يكون كل ما حمل على ظهره من الأنعام حمولة، وهي جمع لا واحد لها من لفظها، كالركوبة والجزورة. وكذلك الفرش إنما هو صفة لما لطف فقرب من الأرض جسمه، فيقال له الفرش. وأحسبها سميت بذلك تمثيلا لها في استواء أسنانها ولطفها بالفرش من الأرض، وهي الأرض المستوية التي يتوطؤها الناس. فأما الحمولة بضم الحاء: فإنها الأحمال، وهي الحمول أيضا بضم الحاء 09P623
[الأنعام: 142] القول في تأويل قوله تعالى: {كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين} [الأنعام: 142] يقول جل ثناؤه: كلوا مما رزقكم الله أيها المؤمنون، فأحل لكم ثمرات حروثكم وغروسكم ولحوم أنعامكم، إذ حرم بعض ذلك على أنفسهم المشركون بالله، فجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا، وللشيطان مثله، فقالوا: هذا لله بزعمهم، وهذا لشركائنا. {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} [البقرة: 168] كما اتبعها باحرو البحيرة ومسيبو السوائب، فتحرموا على أنفسكم من طيب رزق الله الذي رزقكم ما حرموه، فتطيعوا بذلك الشيطان وتعصوا به الرحمن كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} [البقرة: 168] : «لا تتبعوا طاعته، هي ذنوب لكم، وهي طاعة للخبيث» إن الشيطان لكم عدو يبغي هلاككم وصدكم عن سبيل ربكم، {مبين} [البقرة: 168] قد أبان لكم عدوانه بمناصبته أباكم بالعداوة، حتى أخرجه من الجنة بكيده وخدعه، وحسدا منه له وبغيا عليه 09P623
[الأنعام: 143] القول في تأويل قوله تعالى: {ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين} [الأنعام: 143] 09P623 وهذا تقريع من الله جل ثناؤه العادلين به الأوثان من عبدة الأصنام الذين بحروا البحائر وسيبوا السوائب ووصلوا الوصائل، وتعليم منه نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به الحجة عليهم في تحريمهم ما حرموا من ذلك، فقال للمؤمنين به وبرسوله: {وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات} [الأنعام: 141] ومن الأنعام أنشأ حمولة وفرشا. ثم بين جل ثناؤه الحمولة والفرش، فقال: {ثمانية أزواج} [الأنعام: 143] ، وإنما نصب الثمانية، لأنها ترجمة عن الحمولة والفرش وبدل منها، كأن معنى الكلام: ومن الأنعام أنشأ ثمانية أزواج، فلما قدم قبل الثمانية الحمولة والفرش بين ذلك بعد، فقال: {ثمانية أزواج} [الأنعام: 143] على ذلك المعنى، {من الضأن اثنين ومن المعز اثنين} [الأنعام: 143] فذلك أربعة، لأن كل واحد من الأنثيين من الضأن زوج، فالأنثى منه زوج الذكر، والذكر منه زوج الأنثى، وكذلك ذلك من المعز ومن سائر الحيوان، فلذلك قال جل ثناؤه: {ثمانية أزواج} [الأنعام: 143] كما قال: {ومن كل شيء خلقنا زوجين} [الذاريات: 49] ، لأن الذكر زوج الأنثى، والأنثى زوج الذكر، فهما وإن كانا اثنين فهما زوجان، كما قال جل ثناؤه: {وجعل منها زوجها ليسكن إليها} [الأعراف: 189] ، وكما قال: {أمسك عليك زوجك} [الأحزاب: 37] وكما حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك: {من الضأن اثنين} [الأنعام: 143] «ذكر وأنثى» ، {ومن البقر اثنين} [الأنعام: 144] «ذكر وأنثى» ، {ومن الإبل اثنين} [الأنعام: 144] «ذكر وأنثى» ويقال للاثنين: هما زوج، كما قال لبيد: [+البحر الكامل] من كل محفوف يظل عصيه زوج عليه كلة وقرامها ثم قال لهم: كلوا مما رزقكم الله من هذه الثمار واللحوم، واركبوا هذه الحمولة أيها المؤمنون، فلا تتبعوا خطوات الشيطان في تحريم ما حرم هؤلاء الجهلة بغير أمري إياهم بذلك. قل يا محمد لهؤلاء الذين حرموا ما حرموا من الحرث والأنعام، اتباعا للشيطان من عبدة الأوثان والأصنام الذين زعموا أن الله حرم عليهم ما هم محرمون من ذلك: {آلذكرين حرم} [الأنعام: 143] ربكم أيها الكذبة على الله من الضأن والمعز، فإنهم إن ادعوا ذلك وأقروا به، كذبوا أنفسهم وأبانوا جهلهم، لأنهم إذا قالوا: يحرم الذكرين من ذلك، أوجبوا تحريم كل ذكرين من ولد الضأن والمعز، وهم يستمتعون بلحوم الذكران منها وظهورها، وفي ذلك فساد دعواهم وتكذيب قولهم. {أم الأنثيين} [الأنعام: 143] فإنهم إن قالوا: حرم ربنا الأنثيين، أوجبوا تحريم لحوم كل أنثى من ولد الضأن والمعز على أنفسهم وظهورها، وفي ذلك أيضا تكذيب لهم، ودحض دعواهم أن ربهم حرم ذلك عليهم، إذ كانوا يستمتعون بلحوم بعض ذلك وظهوره. {أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} [الأنعام: 143] يقول: أم حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، يعني أرحام أنثى الضأن وأنثى المعز، فلذلك قال: {أرحام الأنثيين} [الأنعام: 143] . وفي ذلك أيضا لو أقروا به فقالوا: حرم علينا ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، بطول قولهم وبيان كذبهم، لأنهم كانوا يقرون بإقرارهم بذلك أن الله حرم عليهم ذكور الضأن والمعز وإناثها أن يأكلوا لحومها أو يركبوا ظهورها، وقد كانوا يستمتعون ببعض ذكورها وإناثها. و (ما) التي في قوله: {أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} [الأنعام: 143] نصب عطفا بها على (الأنثيين) . {نبئوني بعلم} يقول: قل لهم: خبروني بعلم ذلك على صحته، أي ذلك حرم ربكم عليكم وكيف حرم، {إن كنتم صادقين} [البقرة: 23] فيما تنحلونه ربكم من دعواكم وتضيفونه إليه من تحريمكم. وإنما هذا إعلام من الله جل ثناؤه نبيه أن كل ما قاله هؤلاء المشركون في ذلك وأضافوه إلى الله، فهو كذب على الله، وأنه لم يحرم شيئا من ذلك، وأنهم إنما اتبعوا في ذلك خطوات الشيطان، وخالفوا أمره.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ثمانية أزواج من الضأن} [الأنعام: 143] اثنين ومن المعز اثنين الآية، «إن كل هذا لم أحرم منه قليلا ولا كثيرا، ذكرا ولا أنثى» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {من الضأن} [الأنعام: 143] اثنين ومن المعز اثنين قال: سلهم {آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} [الأنعام: 143] ؟ أي لم أحرم من هذا شيئا. {بعلم إن كنتم صادقين} [الأنعام: 143] فذكر من الإبل والبقر نحو ذلك " حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {ثمانية أزواج} [الأنعام: 143] " في شأن ما نهى الله عنه من البحيرة حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {ثمانية أزواج} [الأنعام: 143] قال: " هذا في شأن ما نهى الله عنه من البحائر والسيب قال ابن جريج: يقول: " من أين حرمت هذا من قبل الذكرين أم من قبل الأنثيين، أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين؟ وإنها لا تشتمل إلا على ذكر أو أنثى، فمن أين جاء التحريم؟ فأجابوا هم: وجدنا آباءنا كذلك يفعلون " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين} [الأنعام: 143] ، {ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين} [الأنعام: 144] ، يقول: " أنزلت لكم ثمانية أزواج من هذا الذي عددت ذكرا وأنثى، فالذكرين حرمت عليكم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين؟ يقول: أي ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ما تشتمل إلا على ذكر أو أنثى، فما حرمت عليكم ذكرا ولا أنثى من الثمانية، إنما ذكر هذا من أجل ما حرموا من الأنعام " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن: {أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} [الأنعام: 143] قال: «ما حملت الرحم» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {قل آلذكرين حرم أم الأنثيين} [الأنعام: 143] قال: هذا لقولهم: {ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا} [الأنعام: 139] ، قال: وقال ابن زيد في قوله: {ثمانية أزواج من الضأن} [الأنعام: 143] اثنين ومن المعز اثنين قال: الأنعام: هي الإبل والضأن والمعز، هذه الأنعام التي قال الله: {ثمانية أزواج} [الأنعام: 143] . قال: وقال في قوله: {هذه أنعام وحرث حجر} [الأنعام: 138] نحتجرها على من نريد وعمن نريد، وقوله: {وانعام حرمت ظهورها} قال: لا يركبها أحد، {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} [الأنعام: 138] فقال: {آلذكرين حرم أم الأنثيين} [الأنعام: 143] أي هذين حرم على هؤلاء، أي أن تكون لهؤلاء حلا وعلى هؤلاء حراما حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} [الأنعام: 143] يعني: «هل تشتمل الرحم إلا على ذكر أو أنثى، فهم يحرمون بعضا ويحلون بعضا؟ » حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين} [الأنعام: 143] فهذه أربعة أزواج، {ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل 09P629 آلذكرين حرم أم الأنثيين} [الأنعام: 144] يقول: لم أحرم شيئا من ذلك. {نبئوني بعلم إن كنتم صادقين} يقول: «كله حلال» والضأن: جمع لا واحد له من لفظه، وقد يجمع الضأن: الضئين والضئين، مثل الشعير والشعير، كما يجمع العبد على عبيد وعبيد. وأما الواحد من ذكوره فضائن، والأنثى ضائنة، وجمع الضائنة: ضوائن، وكذلك المعز جمع على غير واحد، وكذلك المعزى، وأما الماعز، فجمعه مواعز 09P628
[الأنعام: 144] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} [الأنعام: 144] وتأويل قوله: {ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} [الأنعام: 144] نحو تأويل قوله: {من الضأن اثنين ومن المعز اثنين} [الأنعام : 143] ، وهذه أربعة أزواج، على نحو ما بينا من الأزواج الأربعة قبل من الضأن والمعز، فذلك ثمانية أزواج كما وصف جل ثناؤه وأما قوله: {أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم} [الأنعام: 144] فإنه أمر من الله جل ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهؤلاء الجهلة من المشركين الذين قص قصصهم في هذه الآيات التي مضت، يقول له عز ذكره: قل لهم يا محمد، أي هذه سألتكم عن تحريمه حرم ربكم عليكم من هذه الأزواج الثمانية؟ فإن أجابوك عن شيء مما سألتهم عنه من ذلك، فقل لهم: أخبرا قلتم إن الله حرم هذا عليكم أخبركم به رسول عن ربكم، أم شهدتم ربكم فرأيتموه فوصاكم بهذا الذي تقولون وتردون على الله؟ فإن هذا الذي تقولون من إخباركم عن الله أنه حرام بما تزعمون على ما تزعمون، لا يعلم إلا بوحي من عنده مع رسول يرسله إلى خلقه، أو بسماع منه، فبأي هذين الوجهين علمتم أن الله حرم ذلك كذلك برسول أرسله إليكم؟ فأنبئوني بعلم إن كنتم صادقين، أم شهدتم ربكم، فأوصاكم بذلك وقال لكم: حرمت ذلك عليكم، فسمعتم تحريمه منه وعهده إليكم بذلك؟ فإنه لم يكن واحد من هذين الأمرين. يقول جل ثناؤه: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا} [الأنعام: 144] يقول: فمن أشد ظلما لنفسه، وأبعد عن الحق، ممن تخرص على الله قيل الكذب وأضاف إليه تحريم ما لم يحرم وتحليل ما لم يحلل. {ليضل الناس بغير علم} [الأنعام: 144] يقول: ليصدهم عن سبيله: {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} [المائدة: 51] يقول: لا يوفق الله للرشد من افترى على الله وقال عليه الزور والكذب وأضاف إليه تحريم ما لم يحرم كفرا بالله وجحودا لنبوة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم كالذي حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا} [الأنعام: 144] «الذي تقولون» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: كانوا يقولون يعني الذين كانوا يتخذون البحائر والسوائب: إن الله أمر بهذا. فقال الله: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم} [الأنعام: 144] 09P631
[الأنعام: 145] القول في تأويل قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم} [الأنعام: 145] يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء الذين جعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا، ولشركائهم من الآلهة والأنداد مثله، والقائلين {هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم} [الأنعام: 138] ، والمحرمين من أنعام أخر ظهورها، والتاركين ذكر اسم الله على أخر منها، والمحرمين بعض ما في بطون بعض أنعامهم على إناثهم وأزواجهم ومحليه لذكورهم، المحرمين ما رزقهم الله افتراء على الله، وإضافة منهم ما يحرمون من ذلك إلى أن الله هو الذي حرمه عليهم: أجاءكم من الله رسول بتحريمه ذلك عليكم، فأنبئونا به، أم وصاكم الله بتحريمه مشاهدة منكم له، فسمعتم منه تحريمه ذلك عليكم فحرمتموه؟ فإنكم كذبة إن ادعيتم ذلك ولا يمكنكم دعواه، لأنكم إذا ادعيتموه علم الناس كذبكم، فإني لا أجد فيما أوحي إلي من كتابه وآي تنزيله شيئا محرما على آكل يأكله مما تذكرون أنه حرمه من هذه الأنعام التي تصفون، تحريم ما حرم عليكم منها بزعمكم، إلا أن يكون ميتة قد ماتت بغير تذكية أو دما مسفوحا وهو المنصب أو إلا أن يكون لحم خنزير. {فإنه رجس أو فسقا} [الأنعام: 145] يقول: أو إلا أن يكون فسقا، يعني بذلك: أو إلا أن يكون مذبوحا ذبحه ذابح من المشركين من عبدة الأوثان لصنمه وآلهته فذكر عليه اسم وثنه، فإن ذلك الذبح فسق نهى الله عنه وحرمه، ونهى من آمن به عن أكل ما ذبح كذلك، لأنه ميتة. وهذا إعلام من الله جل ثناؤه للمشركين الذين جادلوا نبي الله وأصحابه في تحريم الميتة بما جادلوهم به أن الذي جادلوهم فيه من ذلك هو الحرام الذي حرمه الله، وأن الذي زعموا أن الله حرمه حلال قد أحله الله، وأنهم كذبة في إضافتهم تحريمه إلى الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، في قوله: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما} [الأنعام: 145] قال: " كان أهل الجاهلية يحرمون أشياء ويحلون أشياء، فقال: قل لا أجد مما كنتم تحرمون وتستحلون إلا هذا {إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به} [الأنعام: 145] حدثني المثنى قال: ثنا سويد قال: أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، في قوله: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما} [الأنعام: 145] الآية، قال: " كان أهل الجاهلية يستحلون أشياء ويحرمون أشياء، فقال الله لنبيه: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما} [الأنعام: 145] مما كنتم تستحلون إلا هذا، وكانت أشياء يحرمونها فهي حرام الآن " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} [الأنعام: 145] قال: " ما يؤكل. قلت: في الجاهلية؟
قال: نعم، وكذلك كان يقول: {إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا} [الأنعام: 145] قال ابن جريج: وأخبرني إبراهيم بن أبي بكر، عن مجاهد: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما} [الأنعام: 145] قال: «مما كان في الجاهلية يأكلون، لا أجد محرما من ذلك على طاعم يطعمه، إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا» وأما قوله: {أو دما مسفوحا} [الأنعام: 145] فإن معناه: أو دما مسالا مهراقا، يقال منه: سفحت دمه: إذا أرقته، أسفحه سفحا، فهو دم مسفوح، كما قال طرفة بن العبد: [+البحر الكامل] إني وجدك ما هجوتك وال أنصاب يسفح فوقهن دم وكما قال عبيد بن الأبرص: [+البحر الوافر] إذا ما عاده منا نساء سفحن الدمع من بعد الرنين يعني: صببن، وأسلن الدمع. وفي اشتراطه جل ثناؤه في الدم عند إعلامه عباده تحريمه إياه المسفوح منه دون غيره، الدليل الواضح أن ما لم يكن منه مسفوحا فحلال غير نجس وذلك كالذي حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة: {أو دما مسفوحا} [الأنعام: 145] قال: «لولا هذه الآية لتتبع المسلمون من العروق ما تتبعت اليهود» 09P634 حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة بنحوه، إلا أنه قال: لاتبع المسلمون حدثني المثنى قال: ثنا سويد قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة بنحوه حدثنا أبو كريب، قال: أخبرنا وكيع، عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز، " في القدر يعلوها الحمرة من الدم قال: إنما حرم الله الدم المسفوح " حدثني المثنى قال: ثنا الحجاج بن المنهال قال: ثنا حماد، عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز قال: " سألته عن الدم، وما يتلطخ بالمذبح من الرأس، وعن القدر يرى فيها الحمرة، قال: «إنما نهى الله عن الدم المسفوح» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {أو دما مسفوحا} [الأنعام: 145] قال: «حرم الدم ما كان مسفوحا، وأما لحم خالطه دم فلا بأس به» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا} [الأنعام: 145] : «يعني مهراقا» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، أخبرني ابن دينار، عن عكرمة: {أو دما مسفوحا} [الأنعام: 145] قال: لولا هذه الآية لتتبع المسلمون عروق اللحم ما تتبعها اليهود " حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة " أنها كانت لا ترى بلحوم السباع بأسا، والحمرة والدم يكونان على القدر بأسا. وقرأت هذه الآية: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} [الأنعام: 145] الآية " حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن يحيى بن سعيد، ثني القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت، وذكرت هذه الآية: {أو دما مسفوحا} [الأنعام: 145] قلت: «وإن البرمة ليرى في مائها الصفرة» وقد بينا معنى الرجس فيما مضى من كتابنا هذا، وأنه النجس والنتن، وما يعصى الله به، بشواهده، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع. وكذلك القول في معنى الفسق، وفي قوله: {أهل لغير الله به} [المائدة: 3] قد مضى ذلك كله بشواهده الكافية من وفق لفهمه عن تكراره وإعادته. 09P636 واختلفت القراء في قراءة قوله: {إلا أن يكون ميتة} [الأنعام: 145] فقرأ ذلك بعض قراء أهل المدينة والكوفة والبصرة: {إلا أن يكون} [الأنعام: 145] بالياء { (ميتة) } مخففة الياء منصوبة على أن في (يكون) مجهولا، والميتة فعل له فنصبت على أنها فعل (يكون) ، وذكروا (يكون) لتذكير المضمر في (يكون) . وقرأ ذلك بعض قراء أهل مكة والكوفة: (إلا أن تكون) بالتاء (ميتة) بتخفيف الياء من الميتة ونصبها.
وكأن معنى نصبهم الميتة معنى الأولين، وأنثوا (تكون) لتأنيث الميتة، كما يقال: إنها قائمة جاريتك، وإنه قائم جاريتك، فيذكر المجهول مرة، ويؤنث أخرى لتأنيث الاسم الذي بعده. وقرأ ذلك بعض المدنيين: (إلا أن تكون ميتة) بالتاء في (تكون) ، وتشديد الياء من (ميتة) ورفعها، فجعل (الميتة) اسم (تكون) ، وأنث (تكون) لتأنيث (الميتة) ، وجعل (تكون) مكتفية بالاسم دون الفعل، لأن قوله: (إلا أن تكون ميتة) استثناء، والعرب تكتفي في الاستثناء بالأسماء عن الأفعال، فيقولون: قام الناس إلا أن يكون أخاك، وإلا أن يكون أخوك، فلا تأتي 09P637 ليكون بفعل، وتجعلها مستغنية بالاسم، كما يقال: قام القوم إلا أخاك وإلا أخوك، فلا يعتد الاسم الذي بعد حرف الاستثناء نفلا. والصواب من القراءة في ذلك عندي : {إلا أن يكون} [الأنعام: 145] بالياء {ميتة} [الأنعام: 139] بتخفيف الياء ونصب الميتة، لأن الذي في (يكون) من المكنى من ذكر المذكر، وإنما هو: قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه، إلا أن يكون ذلك ميتة أو دما مسفوحا. فأما قراءة (ميتة) بالرفع، فإنه وإن كان في العربية غير خطأ فإنه في القراءة في هذا الموضع غير صواب، لأن الله يقول: {أو دما مسفوحا} [الأنعام: 145] ، فلا خلاف بين الجميع في قراءة الدم بالنصب، وكذلك هو في مصاحف المسلمين، وهو عطف على (الميتة) . فإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الميتة لو كانت مرفوعة لكان الدم وقوله {أو فسقا} [الأنعام: 145] مرفوعين، ولكنها منصوبة فيعطف بهما عليها بالنصب 09P635
[الأنعام: 145] القول في تأويل قوله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم} [الأنعام: 145] وقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في تأويل قوله: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد} [البقرة: 173] والصواب من القول فيه عندنا فيما مضى من كتابنا هذا في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، وأن معناه: فمن اضطر إلى أكل ما حرم الله من أكل الميتة والدم المسفوح أو لحم الخنزير، أو ما أهل لغير الله به، غير باغ في أكله إياه تلذذا، لا لضرورة حالة من الجوع، ولا عاد في أكله بتجاوزه ما حده الله وأباحه له من أكله، وذلك أن يأكل منه ما يدفع عنه الخوف على نفسه بترك أكله من الهلاك لم يتجاوز ذلك إلى أكثر منه، فلا حرج عليه في أكله ما أكل من ذلك. {فإن ربك غفور} [الأنعام: 145] فيما فعل من ذلك، فساتر عليه بتركه عقوبته عليه، ولو شاء عاقبه عليه. {رحيم} [البقرة: 143] بإباحته إياه أكل ذلك عند حاجته إليه، ولو شاء حرمه عليه ومنعه منه 09P638
[الأنعام: 146] القول في تأويل قوله تعالى: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون} [الأنعام: 146] يقول تعالى ذكره: وحرمنا على اليهود كل ذي ظفر، وهو من البهائم والطير ما لم يكن مشقوق الأصابع كالإبل والأنعام والإوز والبط. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، وعلي بن داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} [الأنعام: 146] «وهو البعير والنعامة» حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} [الأنعام: 146] قال: « 09P639 البعير والنعامة ونحو ذلك من الدواب» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن عطاء، عن سعيد: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} [الأنعام: 146] قال: «هو ليس الذي بمنفرج الأصابع» حدثني علي بن الحسين الأزدي قال: ثنا يحيى بن يمان، عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، في قوله: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} [الأنعام: 146] قال: «كل شيء متفرق الأصابع، ومنه الديك» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: {كل ذي ظفر} [الأنعام: 146] : «النعامة والبعير» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} [الأنعام: 146] فكان يقال: «البعير والنعامة وأشباهه من الطير والحيتان» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، قال: ثنا معمر، عن قتادة: {كل ذي ظفر} [الأنعام: 146] قال: «الإبل والنعام، ظفر يد البعير ورجله، والنعام 09P640 أيضا كذلك، وحرم عليهم أيضا من الطير البط وشبهه، وكل شيء ليس بمشقوق الأصابع» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " أما كل ذي ظفر: فالإبل والنعام " حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا شيخ، عن مجاهد، في قوله: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} [الأنعام: 146] قال: " النعامة والبعير شقا شقا، قال: قلت: ما شقا شقا؟ قال: كل ما لم تفرج قوائمه لم يأكله اليهود، البعير والنعامة، والدجاج والعصافير تأكلها اليهود لأنها قد فرجت " حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {كل ذي ظفر} [الأنعام: 146] قال: «النعامة والبعير شقا شقا» قلت للقاسم بن أبى بزة وحدثنيه: ما شقا شقا؟ قال: كل شيء لم يفرج من قوائم البهائم، قال: وما انفرج أكلته اليهود، قال: انفرجت قوائم الدجاج والعصافير، فيهود تأكلها. قال: ولم تنفرج قائمة البعير خفه ولا خف النعامة ولا قائمة الوزين، فلا تأكل اليهود الإبل ولا النعام ولا الوزين ولا كل شيء لم تنفرج قائمته، وكذلك لا تأكل حمار وحش، وكان ابن زيد يقول في ذلك بما حدثني به، يونس قال: أخبرنا ابن وهب، 09P641 قال: قال ابن زيد، في قوله: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} [الأنعام: 146] : «الإبل فقط» وأولى القولين في ذلك بالصواب، القول الذي ذكرنا عن ابن عباس ومن قال بمثل مقالته، لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه حرم على اليهود كل ذي ظفر، فغير جائز إخراج شيء من عموم هذا الخبر إلا ما أجمع أهل العلم أنه خارج منه.
وإذا كان ذلك كذلك، وكان النعام وكل ما لم يكن من البهائم والطير مما له ظفر غير منفرج الأصابع داخلا في ظاهر التنزيل، وجب أن يحكم له بأنه داخل في الخبر، إذ لم يأت بأن بعض ذلك غير داخل في الآية خبر عن الله، ولا عن رسوله، وكانت الأمة أكثرها مجمع على أنه فيه داخل 09P640
[الأنعام: 146] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما} [الأنعام: 146] اختلف أهل التأويل في الشحوم التي أخبر الله تعالى أنه حرمها على اليهود من البقر والغنم، فقال بعضهم: هي شحوم الثروب خاصة ذكر من قال ذلك حدثنا بشر، قال : ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما} [الأنعام: 146] : " الثروب. ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «قاتل الله اليهود، حرم الله عليهم الثروب، ثم أكلوا أثمانها» 09P642 وقال آخرون: بل ذلك كان كل شحم لم يكن مختلطا بعظم ولا على عظم ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج قال: قال ابن جريج، قوله: {حرمنا عليهم شحومهما} [الأنعام: 146] قال: «إنما حرم عليهم الثرب، وكل شحم كدن كذلك ليس في عظم» وقال آخرون: بل ذلك شحم الثرب والكلى ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {حرمنا عليهم شحومهما} [الأنعام: 146] قال: " الثرب وشحم الكليتين. وكانت اليهود تقول: إنما حرمه إسرائيل فنحن نحرمه " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {حرمنا عليهم شحومهما} [الأنعام: 146] قال: «إنما حرم عليهم الثروب والكليتين» هكذا هو في كتابي عن يونس، وأنا أحسب أنه الكلى والصواب في ذلك من القول أن يقال: إن الله أخبر أنه كان حرم على اليهود من البقر والغنم شحومهما، إلا ما استثناه منها مما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم، فكل شحم سوى ما استثناه الله في كتابه من البقر والغنم، فإنه كان محرما عليهم. وبنحو ذلك من القول تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك قوله: « 09P643 قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها ثم باعوها وأكلوا أثمانها» وأما قوله: {إلا ما حملت ظهورهما} [الأنعام: 146] فإنه يعني: إلا شحوم الجنب وما علق بالظهر، فإنها لم تحرم عليهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: {إلا ما حملت ظهورهما} [الأنعام: 146] يعني: «ما علق بالظهر من الشحوم» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال : ثنا أسباط، عن السدي: " أما ما حملت ظهورهما: فالأليات " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن إسماعيل، عن أبي صالح، قال: «الألية مما حملت ظهورهما» 09P643
[الأنعام: 146] القول في تأويل قوله تعالى: {أو الحوايا} [الأنعام: 146] قال أبو جعفر: والحوايا جمع، واحدها حاوياء وحاوية وحوية: وهي ما تحوى 09P644 من البطن فاجتمع واستدار، وهي بنات اللبن، وهي المباعر، وتسمى المرابض، وفيها الأمعاء. ومعنى الكلام: ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو ما حملت الحوايا، فالحوايا رفع عطفا على الظهور، و (ما) التي بعد (إلا) ، نصب على الاستثناء من الشحوم. وبمثل ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {أو الحوايا} [الأنعام: 146] «وهي المبعر» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {أو الحوايا} [الأنعام: 146] قال: «المبعر» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " الحوايا: المبعر والمربض " حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {أو الحوايا} [الأنعام: 146] قال: «المبعر» . حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن عطاء، عن سعيد بن جبير: {أو الحوايا} [الأنعام: 146] قال: «المباعر» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن عطاء، عن سعيد بن جبير: {أو الحوايا} [الأنعام: 146] قال: «المباعر» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {أو الحوايا} [الأنعام: 146] قال: «المبعر» حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {أو الحوايا} [الأنعام: 146] قال: «المبعر» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، والمحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، قال: «المبعر» حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {أو الحوايا} [الأنعام : 146] يعني: «البطون غير الثروب» حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {أو الحوايا} [الأنعام: 146] «هو المبعر» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن 09P646 السدي: {أو الحوايا} [الأنعام: 146] قال: «المباعر» وقال ابن زيد في ذلك ما حدثني به، يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {أو الحوايا} [الأنعام: 146] قال: " الحوايا: المرابض التي تكون فيها الأمعاء تكون وسطها، وهي بنات اللبن، وهي في كلام العرب تدعى المرابض " 09P646 [الأنعام: 146] القول في تأويل قوله تعالى: {أو ما اختلط بعظم} [الأنعام: 146] يقول تعالى ذكره: ومن البقر والغنم حرمنا على الذين هادوا شحومهما سوى ما حملت ظهورهما، أو ما حملت حواياهما، فإنا أحللنا ذلك لهم، وإلا ما اختلط بعظم فهو لهم أيضا حلال. فرد قوله: {أو ما اختلط بعظم} [الأنعام: 146] على قوله: {إلا ما حملت ظهورهما} [الأنعام: 146] ف (ما) التي في قوله: {أو ما اختلط بعظم} [الأنعام: 146] في موضع نصب عطفا على (ما) التي في قوله: {إلا ما حملت ظهورهما} [الأنعام: 146] وعنى بقوله: {أو ما اختلط بعظم} [الأنعام: 146] : شحم الألية والجنب وما أشبه ذلك كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {أو ما اختلط بعظم} [الأنعام: 146] قال: «شحم الألية بالعصعص، فهو حلال، وكل شيء في القوائم والجنب والرأس والعين قد اختلط بعظم، فهو حلال» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن 09P647 السدي: {أو ما اختلط بعظم} [الأنعام: 146] «مما كان من شحم على عظم» 09P646
[الأنعام: 146] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون} [الأنعام: 146] يقول تعالى ذكره: فهذا الذي حرمنا على الذين هادوا من الأنعام والطير، ذوات الأظافير غير المنفرجة، ومن البقر والغنم، ما حرمنا عليهم من شحومهما الذي ذكرنا في هذه الآية، حرمناه عليهم عقوبة منا لهم، وثوابا على أعمالهم السيئة وبغيهم على ربهم كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال : ثنا سعيد، عن قتادة: {ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون} [الأنعام: 146] «إنما حرم ذلك عليهم عقوبة ببغيهم» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ذلك جزيناهم ببغيهم} [الأنعام: 146] : «فعلنا ذلك بهم ببغيهم» وقوله: {وإنا لصادقون} [الأنعام: 146] يقول: وإنا لصادقون في خبرنا هذا عن هؤلاء اليهود عما حرمنا عليهم من الشحوم ولحوم الأنعام والطير التي ذكرنا أنا حرمنا عليهم، وفي غير ذلك من أخبارنا، وهم الكاذبون في زعمهم أن ذلك إنما حرمه إسرائيل على نفسه، وأنهم إنما حرموه لتحريم إسرائيل إياه على نفسه 09P647 [الأنعام: 147] القول في تأويل قوله تعالى: {فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين} [الأنعام: 147] يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فإن كذبوك يا محمد هؤلاء اليهود فيما أخبرناك أنا حرمنا عليهم وحللنا لهم كما بينا في هذه الآية، فقل: ربكم ذو رحمة بنا وبمن كان به مؤمنا من عباده وبغيرهم من خلقه، واسعة، تسع جميع خلقه المحسن والمسيء، لا يعاجل من كفر به بالعقوبة ولا من عصاه بالنقمة، ولا يدع كرامة من آمن به وأطاعه ولا يحرمه ثواب عمله، رحمة منه بكلا الفريقين، ولكن بأسه، وذلك سطوته وعذابه، لا يرده إذا أحله عند غضبه على المجرمين بهم عنهم شيء. والمحرمون هم الذين أجرموا فاكتسبوا الذنوب واجترحوا السيئات. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فإن كذبوك} [آل عمران: 184] : «اليهود» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فإن كذبوك} [آل عمران: 184] : «اليهود» {فقل ربكم ذو رحمة واسعة} [الأنعام: 147] " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " كانت اليهود يقولون: إنما حرمه إسرائيل يعني: الثرب وشحم الكليتين فنحن نحرمه، فذلك قوله: {فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة 09P649 واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين} [الأنعام: 147] 09P648
[الأنعام: 148] القول في تأويل قوله تعالى: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون} [الأنعام: 148] يقول جل ثناؤه: {سيقول الذين أشركوا} [الأنعام: 148] وهم العادلون بالله الأوثان والأصنام من مشركي قريش: {لو شاء الله ما أشركنا} [الأنعام: 148] يقول: قالوا احتجازا من الإذعان للحق بالباطل من الحجة لما تبين لهم الحق، وعلموا باطل ما كانوا عليه مقيمين من شركهم وتحريمهم ما كانوا يحرمون من الحروث والأنعام، على ما قد بين تعالى ذكره في الآيات الماضية قبل ذلك: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا} [الأنعام: 136] وما بعد ذلك: لو أراد الله منا الإيمان به وإفراده بالعبادة دون الأوثان والآلهة وتحليل ما حرم من البحائر والسوائب وغير ذلك من أموالنا، ما جعلنا لله شريكا، ولا جعل ذلك له آباؤنا من قبلنا، ولا حرمنا ما نحرمه من هذه الأشياء التي نحن على تحريمها مقيمون، لأنه قادر على أن يحول بيننا وبين ذلك، حتى لا يكون لنا إلى فعل شيء من ذلك سبيل، إما بأن يضطرنا إلى الإيمان وترك الشرك به وإلى القول بتحليل ما حرمنا، وإما بأن يلطف بنا بتوفيقه فنصير إلى الإقرار بوحدانيته وترك عبادة ما دونه من الأنداد والأصنام، وإلى تحليل ما حرمنا، ولكنه رضي منا ما نحن عليه من عبادة الأوثان والأصنام، واتخاذ الشريك له في العبادة والأنداد، وأراد ما نحرم من الحروث والأنعام، فلم يحل بيننا وبين ما نحن عليه من ذلك. قال الله مكذبا لهم في قيلهم: إن الله رضي منا ما نحن عليه من الشرك وتحريم ما نحرم، ورادا عليهم باطل ما احتجوا به من حجتهم في ذلك: {كذلك كذب الذين من قبلهم} [الأنعام: 148] يقول: كما كذب هؤلاء المشركون يا محمد ما جئتهم به من الحق والبيان، كذب من قبلهم من فسقة الأمم الذين طغوا على ربهم ما جاءتهم به أنبياؤهم من آيات الله وواضح حججه، وردوا عليهم نصائحهم. {حتى ذاقوا بأسنا} [الأنعام: 148] يقول: حتى أسخطونا فغضبنا عليهم، فأحللنا بهم بأسنا فذاقوه، فعطبوا بذوقهم إياه، فخابوا وخسروا الدنيا والآخرة، يقول: وهؤلاء الآخرون مسلوك بهم سبيلهم إن هم لم ينيبوا فيؤمنوا ويصدقوا بما جئتهم به من عند ربهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} [الأنعام: 148] ، وقال: {كذلك كذب الذين من قبلهم} [الأنعام: 148] ، ثم قال: {ولو شاء الله ما أشركوا} [الأنعام: 107] ، " فإنهم قالوا: عبادتنا الآلهة تقربنا إلى الله زلفى، فأخبرهم الله أنها لا تقربهم، وقوله: {ولو شاء الله ما أشركوا} [الأنعام: 107] يقول الله سبحانه: «لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، 09P651 عن مجاهد: {ولا حرمنا من شيء} [الأنعام: 148] قال: " قول قريش، يعني: أن الله حرم هذه البحيرة والسائبة " حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ولا حرمنا من شيء} [الأنعام: 148] قول قريش بغير يقين: إن الله حرم هذه البحيرة والسائبة فإن قال قائل: وما برهانك على أن الله تعالى إنما كذب من قيل هؤلاء المشركين قولهم: رضي الله منا عبادة الأوثان، وأراد منا تحريم ما حرمنا من الحروث والأنعام، دون أن يكون تكذيبه إياهم كان على قولهم: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} [الأنعام: 148] ، وعلى وصفهم إياه بأنه قد شاء شركهم وشرك آبائهم، وتحريمهم ما كانوا يحرمون؟ قيل له: الدلالة على ذلك.
قوله: {كذلك كذب الذين من قبلهم} [الأنعام: 148] ، فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم سلكوا في تكذيبهم نبيهم محمدا صلى الله عليه وسلم فيما آتاهم به من عند الله من النهي عن عبادة شيء غير الله تعالى، وتحريم غير ما حرم الله في كتابه وعلى لسان رسوله، مسلك أسلافهم من الأمم الخالية المكذبة الله ورسوله. والتكذيب منهم إنما كان لمكذب، ولو كان ذلك خبرا من الله عن كذبهم في قيلهم: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} [الأنعام: 148] لقال: (كذلك كذب الذين من قبلهم) بتخفيف الذال، وكان ينسبهم في قيلهم ذلك إلى الكذب على الله لا إلى التكذيب، مع علل كثيرة يطول بذكرها الكتاب، وفيما ذكرنا 09P652 كفاية لمن وفق لفهمه 09P651
Preguntas
- ¿Qué enseña el islam sobre la vida después de la muerte?
- ¿Qué creen los musulmanes acerca de los profetas?
- ¿Cómo se realizan las cinco oraciones diarias (salat)?
- ¿Cuáles son las reglas del ayuno en Ramadán?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?