Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Sección V10/P035–V10/P038

[الأنعام: 160] القول في تأويل قوله تعالى: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون} [الأنعام: 160] يقول تعالى ذكره: من وافى ربه يوم القيامة في موقف الحساب من هؤلاء الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا بالتوبة والإيمان والإقلاع عما هو عليه مقيم من ضلالته، وذلك هو الحسنة التي ذكرها الله فقال: من جاء بها فله عشر أمثالها. ويعني بقوله: {فله عشر أمثالها} [الأنعام: 160] فله عشر حسنات أمثال حسنته التي جاء بها. {ومن جاء بالسيئة} [الأنعام: 160] يقول: ومن وافى يوم القيامة منهم بفراق الدين الحق والكفر بالله، فلا يجزى إلا ما ساءه من الجزاء، كما وافى الله به من عمله السيئ. {وهم لا يظلمون} [البقرة: 281] يقول: ولا يظلم الله الفريقين: لا فريق الإحسان، ولا فريق الإساءة، بأن يجازي المحسن بالإساءة والمسيء بالإحسان، ولكنه يجازي كلا الفريقين من الجزاء ما هو له، لأنه جل ثناؤه حكيم لا يضع شيئا إلا في موضعه الذي يستحق أن يضعه فيه، ولا يجازي أحدا إلا بما يستحق من الجزاء. وقد دللنا فيما مضى على أن معنى الظلم وضع الشيء في غير موضعه بشواهده المغنية عن إعادتها في هذا الموضع. فإن قال قائل: فإن كان الأمر كما ذكرت من أن معنى الحسنة في هذا الموضع الإيمان بالله والإقرار بوحدانيته والتصديق برسوله، والسيئة فيه الشرك به والتكذيب لرسوله، فللإيمان أمثال فيجازى بها المؤمن، وإن كان له مثل فكيف يجازى به، والإيمان إنما هو عندك قول وعمل، والجزاء من الله لعباده عليه الكرامة في الآخرة، والإنعام عليه بما أعد لأهل كرامته من النعيم في دار الخلود، وذلك أعيان ترى وتعاين وتحس ويلتذ بها، لا قول يسمع ولا كسب جوارح؟ قيل: إن معنى ذلك غير الذي ذهبت إليه، وإنما معناه: من جاء بالحسنة فوافى الله بها له مطيعا، فإن له من الثواب ثواب عشر حسنات أمثالها. فإن قلت: فهل لقول لا إله إلا الله من الحسنات مثل؟ قيل: له مثل هو غيره، وليس له مثل هو قول لا إله إلا الله، وذلك هو الذي وعد الله جل ثناؤه من أتاه به أن يجازيه عليه من الثواب بمثل عشرة أضعاف ما يستحقه قائله، وكذلك ذلك فيمن جاء بالسيئة التي هي الشرك، إلا أن لا يجازى صاحبها عليها إلا ما يستحقه عليها من غير إضعافه عليه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، قال: لما نزلت: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} [الأنعام: 160] قال رجل من القوم: فإن (لا إله إلا الله) حسنة؟ قال: نعم، أفضل الحسنات حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، والحسن بن عبيد الله، عن جامع بن شداد، عن الأسود بن هلال، عن عبد الله: {من جاء بالحسنة} [الأنعام: 160] : «لا إله إلا الله» حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا حفص، قال: ثنا الأعمش، والحسن بن عبيد الله، عن جامع بن شداد، عن الأسود بن هلال، عن عبد الله، قال: {من جاء بالحسنة} [الأنعام: 160] قال: " من جاء بلا إله إلا الله، قال: {ومن جاء بالسيئة} [الأنعام: 160] قال: «الشرك» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا ابن فضيل، عن الحسن بن عبيد الله، عن جامع بن شداد، عن الأسود بن هلال، عن عبد الله: {من جاء بالحسنة} [الأنعام: 160] ، قال: «لا إله إلا الله» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا معاوية بن عمرو المعنى عن زائدة، عن عاصم، عن شقيق: {من جاء بالحسنة} [الأنعام: 160] قال: «لا إله إلا الله كلمة الإخلاص» . {ومن جاء بالسيئة} [الأنعام: 160] قال: «الشرك» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد، وعن عثمان بن الأسود، عن مجاهد، والقاسم بن أبي بزة: {من جاء بالحسنة} [الأنعام: 160] قالوا: «لا إله إلا الله كلمة الإخلاص» .

Sección V10/P038–V10/P042

{ومن جاء بالسيئة} [الأنعام: 160] قالوا: «بالشرك وبالكفر» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، وابن فضيل، عن عبد الملك، عن عطاء: {من جاء بالحسنة} [الأنعام: 160] قال: «لا إله إلا الله» . {ومن جاء بالسيئة} [الأنعام: 160] قال: «الشرك» حدثنا أبو كريب ، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} [الأنعام: 160] قال: «لا إله إلا الله» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي المحجل، عن إبراهيم: {من جاء بالحسنة} [الأنعام: 160] قال: «لا إله إلا الله» . {ومن جاء بالسيئة} [الأنعام: 160] قال: «الشرك» حدثنا ابن بشار قال: ثنا أبو أحمد الزبيري قال: ثنا سفيان، عن أبي المحجل، عن أبي معشر، عن إبراهيم، مثله حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي المحجل، عن إبراهيم، مثله حدثنا ابن وكيع قال: ثنا جرير، عن أبي المحجل، عن أبي معشر قال: كان إبراهيم يحلف بالله ما يستثني، أن {من جاء بالحسنة} [الأنعام: 160] : «لا إله إلا الله» ، {ومن جاء بالسيئة} [الأنعام: 160] : «من جاء بالشرك» حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا عبد الملك، عن عطاء، في قوله: {من جاء بالحسنة} [الأنعام: 160] قال: " كلمة الإخلاص: لا إله إلا الله " {ومن جاء بالسيئة} [الأنعام: 160] قال: «بالشرك» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، وحدثنا المثنى بن إبراهيم، قال: ثنا أبو نعيم، جميعا عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي صالح: {من جاء بالحسنة} [الأنعام: 160] قال: «لا إله إلا الله» . {ومن جاء بالسيئة} [الأنعام: 160] قال: «الشرك» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن عثمان بن الأسود، عن القاسم بن أبي بزة، {من جاء بالحسنة} [الأنعام: 160] قال: «كلمة الإخلاص» {ومن جاء بالسيئة} [الأنعام: 160] قال: «الكفر» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة، عن الضحاك: {من جاء بالحسنة} [الأنعام: 160] قال: «لا إله إلا الله» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن أشعث، عن الحسن: {من جاء بالحسنة} [الأنعام: 160] قال: «لا إله إلا الله» حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد: {من جاء بالحسنة} [الأنعام: 160] قال: «لا إله إلا الله» حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {من جاء بالحسنة} [الأنعام: 160] يقول: «من جاء بلا إله إلا الله» . {ومن جاء بالسيئة} [الأنعام: 160] قال: «الشرك» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون} [الأنعام: 160] : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " الأعمال ستة: موجبة وموجبة، ومضعفة ومضعفة، ومثل ومثل. فأما الموجبتان: فمن لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقي الله مشركا به دخل النار، وأما المضعف والمضعف: فنفقة المؤمن في سبيل الله سبع مائة ضعف، ونفقته على أهل بيته عشر أمثالها. وأما مثل ومثل: فإذا هم العبد بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، وإذا هم بسيئة ثم عملها كتبت عليه سيئة " حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا الأعمش، عن شمر بن عطية، عن شيخ، من التيم، عن أبي ذر، قال: قلت: يا رسول الله، علمني عملا يقربني إلى الجنة ويباعدني من النار، قال: «إذا عملت سيئة فاعمل حسنة، فإنها عشر أمثالها» ، قال: قلت: يا رسول الله، لا إله إلا الله من الحسنات؟

Sección V10/P042–V10/P043

قال: «هي أحسن الحسنات» وقال قوم: عني بهذه الآية: الأعراب، فأما المهاجرون، فإن حسناتهم سبع مائة ضعف أو أكثر ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثنا أبي، عن قتادة، 10P043 عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري، في قوله: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} [الأنعام: 160] قال: «هذه للأعراب، وللمهاجرين سبع مائة» حدثنا محمد بن نشيط بن هارون الحربي، قال: ثنا يحيى بن أبي بكر، قال: ثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن عبد الله بن عمرو، قال: نزلت هذه الآية في الأعراب: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} [الأنعام: 160] ، قال: قال رجل: فما للمهاجرين؟ قال: «ما هو أعظم من ذلك » : {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما} [النساء: 40] ، وإذا قال الله لشيء عظيم، فهو عظيم حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعد، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، قال: نزلت هذه الآية: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} [الأنعام: 160] " وهم يصومون ثلاثة أيام من الشهر، ويؤدون عشر أموالهم، ثم نزلت الفرائض بعد ذلك: صوم رمضان والزكاة " فإن قال قائل: وكيف قيل عشر أمثالها، فأضيف العشر إلى الأمثال، وهي الأمثال، وهل يضاف الشيء إلى نفسه؟ قيل: أضيفت إليها لأنه مراد بها: فله عشر حسنات أمثالها، فالأمثال حلت محل المفسر، وأضيف العشر إليها، كما يقال: عندي عشر نسوة، فلأنه أريد بالأمثال الآيات، وأقيمت الأمثال مقامها، فقيل: عشر أمثالها، فأخرج العشر مخرج عدد الآيات، والمثل مذكر لا مؤنث، ولكنها لما وضعت موضع الآيات، وكان المثل يقع للمذكر والمؤنث، فجعلت خلفا منها، فعل بها ما ذكرت، ومن قال: عندي عشر أمثالها، لم يقل: عندي عشر صالحات، لأن الصالحات فعل لا يعد، وإنما تعد الأسماء والمثل اسم، ولذلك جاز العدد به. وقد ذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك: (فله عشر) بالتنوين (أمثالها) بالرفع، وذلك على وجه صحيح في العربية، غير أن القراء في الأمصار على خلافها، فلا نستجيز خلافها فيما هي عليه مجتمعة 10P044

Sección V10/P043–V10/P048

[الأنعام: 161] القول في تأويل قوله تعالى: {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} [الأنعام: 161] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قل} [البقرة: 80] يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام: {إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم} [الأنعام: 161] يقول: قل لهم: إنني أرشدني ربي إلى الطريق القويم، هو دين الله الذي ابتعثه به، وذلك الحنيفية المسلمة، فوفقني له. {دينا قيما} [الأنعام: 161] يقول: مستقيما. {ملة إبراهيم} [البقرة: 130] يقول: دين إبراهيم. {حنيفا} [البقرة: 135] يقول: مستقيما. {وما كان من المشركين} [البقرة: 135] يقول: وما كان من المشركين بالله، يعني إبراهيم صلوات الله عليه ، لأنه لم يكن ممن يعبد الأصنام. واختلفت القراء في قراءة قوله: {دينا قيما} [الأنعام: 161] ، فقرأ ذلك عامة قراء المدينة وبعض البصريين: (دينا قيما) بفتح القاف وتشديد الياء إلحاقا منهم ذلك بقول الله: {ذلك الدين القيم} [التوبة: 36] ، وبقوله: {ذلك دين القيمة} [البينة: 5] ، وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين: {دينا قيما} [الأنعام: 161] بكسر القاف وفتح الياء وتخفيفها، وقالوا: القيم والقيم بمعنى واحد، وهم لغتان معناهما: الدين المستقيم. والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار، متفقتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فهو للصواب مصيب، غير أن فتح القاف وتشديد الياء أعجب إلي، لأنه أفصح اللغتين وأشهرهما. ونصب قوله: {دينا} [آل عمران: 85] على المصدر من معنى قوله: {إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم} [الأنعام: 161] ، وذلك أن المعنى هداني ربي إلى دين قويم، فاهتديت له دينا قيما، فالدين منصوب من المحذوف الذي هو (اهتديت) الذي ناب عنه قوله: {إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم} [الأنعام: 161] . وقال بعض نحويي البصرة: إنما نصب ذلك لأنه لما قال: {هداني ربي إلى صراط مستقيم} [الأنعام: 161] قد أخبر أنه عرف شيئا، فقال: {دينا قيما} [الأنعام: 161] كأنه قال: عرفت دينا قيما ملة إبراهيم. وأما معنى الحنيف، فقد بينته في مكانه في سورة البقرة بشواهده بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع 10P045 [الأنعام: 162_163] القول في تأويل قوله تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} [الأنعام: 162_163] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قل} [الأنعام: 162_163] يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام، الذين يسألونك أن تتبع أهواءهم على الباطل من عبادة الآلهة والأوثان: {إن صلاتي ونسكي} [الأنعام: 162] يقول: وذبحي. {ومحياي} [الأنعام: 162] يقول: وحياتي. {ومماتي} [الأنعام: 162] يقول: ووفاتي. {لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] : يعني أن ذلك كله له خالصا دون ما أشركتم به أيها المشركون من الأوثان. {لا شريك له} [الأنعام: 163] في شيء من ذلك من خلقه، ولا لشيء منهم فيه نصيب، لأنه لا ينبغي أن يكون ذلك إلا له خالصا. {وبذلك أمرت} [الأنعام: 163] يقول: وبذلك أمرني ربي. {وأنا أول المسلمين} [الأنعام: 163] يقول: وأنا أول من أقر وأذعن وخضع من هذه الأمة لربه، بأن ذلك كذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال: النسك في هذا الموضع: الذبح حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: {إن صلاتي ونسكي} [الأنعام: 162] قال: " النسك: الذبائح في الحج والعمرة " حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {ونسكي} [الأنعام: 162] : «ذبيحتي في الحج والعمرة» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ونسكي} [الأنعام: 162] : «ذبيحتي في الحج والعمرة» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل، وليس، بابن أبي خالد، عن سعيد بن جبير، في قوله: {صلاتي ونسكي} [الأنعام: 162] قال: «ذبحي» حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير، في قوله: {صلاتي ونسكي} [الأنعام: 162] قال: «ذبيحتي» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن إسماعيل عن ابن جبير، قال ابن مهدي: لا أدري من إسماعيل هذا: {صلاتي ونسكي} [الأنعام: 162] قال: «صلاتي وذبيحتي» حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الرزاق قال: ثنا الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير، في قوله: {صلاتي ونسكي} [الأنعام: 162] قال: «وذبيحتي» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {ونسكي} [الأنعام: 162] قال: «ذبحي» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {ونسكي} [الأنعام: 162] قال: «ذبيحتي» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: {صلاتي ونسكي} [الأنعام: 162] قال: " الصلاة: الصلاة، والنسك: الذبح " وأما قوله: {وأنا أول المسلمين} [الأنعام: 163] فإن محمد بن عبد الأعلى حدثنا قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، {وأنا أول المسلمين} [الأنعام: 163] قال: «أول المسلمين من هذه الأمة» 10P048

Sección V10/P048–V10/P049

[الأنعام: 164] القول في تأويل قوله تعالى: {قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} [الأنعام: 164] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قل} [الأنعام: 164] يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان، الداعيك إلى عبادة الأصنام واتباع خطوات الشيطان: {أغير الله أبغي ربا} [الأنعام: 164] يقول: أسوى الله أطلب سيدا يسودني. {وهو رب كل شيء} [الأنعام: 164] يقول: وهو سيد كل شيء دونه، ومدبره ومصلحه. {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} [الأنعام: 164] يقول: ولا تجترح نفس إثما إلا عليها، أي لا يؤخذ بما أتت من معصية الله تبارك وتعالى وركبت من الخطيئة سواها، بل كل ذي إثم فهو المعاقب بإثمه والمأخوذ بذنبه. {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164] يقول: ولا تأثم نفس آثمة بإثم نفس أخرى غيرها، ولكنها تأثم بإثمها وعليه تعاقب دون إثم أخرى غيرها. وإنما يعني بذلك المشركين الذين أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول هذا القول لهم، يقول: قل لهم: إنا لسنا مأخوذين بآثامكم، وعليكم عقوبة إجرامكم، ولنا جزاء أعمالنا. وهذا كما أمره الله جل ثناؤه في موضع آخر أن يقول لهم: {لكم دينكم ولي دين} [الكافرون: 6] وذلك كما حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: " كان في ذلك الزمان لا مخرج للعلماء العابدين إلا إحدى خلتين، إحداهما أفضل من صاحبتها: إما أمر ودعاء إلى الحق، أو الاعتزال، فلا تشارك أهل الباطل في عملهم، وتؤدي الفرائض فيما بينك وبين ربك، وتحب لله، وتبغض لله، ولا تشارك أحدا في إثم. قال: وقد أنزل في ذلك آية محكمة: {قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء} [الأنعام: 164] إلى قوله: {فيه تختلفون} [الأنعام: 164] ، وفي ذلك قال: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} [البينة: 4] " يقال من الوزر: وزر يوزر، فهو وزير، ووزر يوزر فهو موزور 10P049 [الأنعام: 164] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} [الأنعام: 164] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان: كل عامل منا ومنكم فله ثواب عمله وعليه وزره، فاعملوا ما أنتم عاملوه. {ثم إلى ربكم} [الأنعام: 164] أيها الناس {مرجعكم} [آل عمران: 55] يقول: ثم إليه مصيركم ومنقلبكم، {فينبئكم بما كنتم فيه} [المائدة: 48] في الدنيا {تختلفون} [آل عمران: 55] من الأديان والملل، إذ كان بعضكم يدين باليهودية، وبعض بالنصرانية، وبعض بالمجوسية، وبعض بعبادة الأصنام وادعائه الشركاء مع الله والأنداد، ثم يجازى جميعكم بما كان يعمل في الدنيا من خير أو 10P050 شر، فتعلموا حينئذ من المحسن منا والمسيء 10P049

Sección V10/P049–V10/P052

[الأنعام: 165] القول في تأويل قوله تعالى: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم} [الأنعام: 165] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأمته: والله {الذي جعلكم} [الأنعام: 165] أيها الناس {خلائف الأرض} [الأنعام: 165] بأن أهلك من كان قبلكم من القرون والأمم الخالية، واستخلفكم فجعلكم خلائف منهم في الأرض، تخلفونهم فيها، وتعمرونها بعدهم. والخلائف: جمع خليفة، كما الوصائف جمع وصيفة، وهي من قول القائل: خلف فلان فلانا في داره يخلفه فهو خليفة فيها، كما قال الشماخ: [+البحر الوافر] تصيبهم وتخطئني المنايا وأخلف في ربوع عن ربوع وذلك كما حدثني الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} [الأنعام: 165] قال: " أما خلائف الأرض: فأهلك القرون، واستخلفنا فيها بعدهم " وأما قوله: {ورفع بعضكم فوق بعض درجات} [الأنعام: 165] ، فإنه يقول: وخالف بين أحوالكم، فجعل بعضكم فوق بعض، بأن رفع هذا على هذا بما بسط لهذا من الرزق ففضله بما أعطاه من المال والغنى على هذا الفقير فيما خوله من أسباب الدنيا، وهذا على هذا بما أعطاه من الأيد والقوة على هذا الضعيف الواهن القوى، فخالف بينهم بأن رفع من درجة هذا على درجة هذا، وخفض من درجة هذا عن 10P051 درجة هذا وذلك كالذي حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ورفع بعضكم فوق بعض درجات} [الأنعام: 165] يقول: «في الرزق.» وأما قوله: {ليبلوكم فيما آتاكم} فإنه يعني: ليختبركم فيما خولكم من فضله ومنحكم من رزقه، فيعلم المطيع له منكم فيما أمره به ونهاه عنه والعاصي، ومن المؤدي مما آتاه الحق الذي أمره بأدائه منه والمفرط في أدائه 10P051 [الأنعام: 165] القول في تأويل قوله تعالى: {إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم} [الأنعام: 165] يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إن ربك يا محمد لسريع العقاب لمن أسخطه بارتكابه معاصيه وخلافه أمره فيما أمره به ونهاه، ولمن ابتلى منه فيما منحه من فضله وطوله، توليا وإدبارا عنه، مع إنعامه عليه وتمكينه إياه في الأرض، كما فعل بالقرون السالفة. {وإنه لغفور} [الأنعام: 165] : وإنه لساتر ذنوب من ابتلى منه إقبالا إليه بالطاعة عند ابتلائه إياه بنعمة، واختباره إياه بأمره ونهيه، فمغط عليه فيها وتارك فضيحته بها في موقف الحساب. {رحيم} [البقرة: 143] بتركه عقوبته على سالف ذنوبه التي سلفت بينه وبينه إذ تاب وأناب إليه قبل لقائه ومصيره إليه [007] سورة الأعراف مكية وآياتها ست ومائتان القول في تفسير السورة التي يذكر فيها الأعراف بسم الله الرحمن الرحيم 10P052

Sección V10/P052–V10/P055

[الأعراف: 1] القول في تأويل قوله تعالى: {المص} [الأعراف: 1] قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قول الله تعالى: {المص} [الأعراف: 1] فقال بعضهم: معناه: أنا الله أفضل ذكر من قال ذلك حدثنا سفيان، قال: ثنا أبي، عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس: {المص} [الأعراف: 1] : «أنا الله، أفضل» حدثني الحرث، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا عمار بن محمد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، في قوله: {المص} [الأعراف: 1] «أنا الله أفضل» وقال آخرون: هو هجاء حروف اسم الله تعالى الذي هو المصور ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {المص} [الأعراف: 1] قال: «هي هجاء المصور» وقال آخرون: هي اسم من أسماء الله أقسم ربنا به ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {المص} [الأعراف: 1] «قسم أقسمه الله، وهو من أسماء الله» وقال آخرون: هو اسم من أسماء القرآن ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {المص} [الأعراف: 1] قال: «اسم من أسماء القرآن» حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله وقال آخرون: هي حروف هجاء مقطعة. وقال آخرون: هي من حساب الجمل. وقال آخرون: هي حروف تحوي معاني كثيرة دل بها الله خلقه على مراده من ذلك. وقال آخرون: هي حروف اسم الله الأعظم. وقد ذكرنا كل ذلك بالرواية فيه، وتعليل كل فريق قال فيه قولا وأما الصواب من القول عندنا في ذلك بشواهده وأدلته فيما مضى بما أغنى عن إعادته 10P054 في هذا الموضع 10P053 [الأعراف: 2] القول في تأويل قوله تعالى: {كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين} [الأعراف: 2] قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: هذا القرآن يا محمد في كتاب أنزله الله إليك. ورفع (الكتاب) بتأويل: هذا كتاب 10P054 [الأعراف: 2] القول في تأويل قوله تعالى: {فلا يكن في صدرك حرج منه} [الأعراف: 2] يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فلا يضق صدرك يا محمد من الإنذار به من أرسلتك لإنذاره به، وإبلاغه من أمرتك بإبلاغه إياه، ولا تشك في أنه من عندي، واصبر بالمضي لأمر الله واتباع طاعته فيما كلفك وحملك من عبء أثقال النبوة، كما صبر أولو العزم من الرسل، فإن الله معك. والحرج: هو الضيق في كلام العرب، وقد بينا معنى ذلك بشواهده وأدلته في قوله: {ضيقا حرجا} [الأنعام: 125] بما أغنى عن إعادته. وقال أهل التأويل في ذلك ما حدثني به محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: {فلا يكن في صدرك حرج منه} [الأعراف: 2] ، قال: «لا تكن في شك منه» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {فلا يكن في صدرك حرج منه} [الأعراف: 2] قال: « 10P055 شك» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، قال: ثنا معمر، عن قتادة: {فلا يكن في صدرك حرج منه} [الأعراف: 2] : «شك منه» حدثنا بشر بن معاذ قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة مثله حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فلا يكن في صدرك حرج منه} [الأعراف: 2] ، قال: " أما الحرج: فشك " حدثنا الحرث قال: ثنا عبد العزيز قال: ثنا أبو سعد المدني قال: سمعت مجاهدا، في قوله: {فلا يكن في صدرك حرج منه} [الأعراف: 2] قال: «شك من القرآن» قال أبو جعفر: وهذا الذي ذكرته من التأويل عن أهل التأويل هو معنى ما قلنا في الحرج، لأن الشك فيه لا يكون إلا من ضيق الصدر به وقلة الاتساع لتوجيهه وجهته التي هي وجهته الصحيحة. وإنما اخترنا العبارة عنه بمعنى الضيق، لأن ذلك هو الغالب عليه من معناه في كلام العرب، كما قد بيناه قبل 10P055

Sección V10/P055–V10/P057

[الأعراف: 2] القول في تأويل قوله تعالى: {لتنذر به وذكرى للمؤمنين} [الأعراف: 2] يعني بذلك تعالى ذكره: هذا كتاب أنزلناه إليك يا محمد لتنذر به من أمرتك بإنذاره، {وذكرى للمؤمنين} [الأعراف: 2] : وهو من المؤخر الذي معناه التقديم، ومعناه: كتاب أنزل إليك لتنذر به، وذكر للمؤمنين، فلا يكن في صدرك حرج منه. وإذا كان ذلك معناه كان موضع قوله: {وذكرى} [الأعراف: 2] نصبا بمعنى: أنزلنا إليك هذا الكتاب لتنذر به، وتذكر به المؤمنين. ولو قيل: معنى ذلك: هذا كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه أن تنذر به وتذكر به المؤمنين، كان قولا غير مدفوعة صحته. وإذا وجه معنى الكلام إلى هذا الوجه كان في قوله: {وذكرى} [الأعراف: 2] من الإعراب وجهان: أحدهما النصب بالرد على موضع لتنذر به، والآخر الرفع عطفا على الكتاب، كأنه قيل: المص، كتاب أنزل إليك وذكرى للمؤمنين 10P056 [الأعراف: 3] القول في تأويل قوله تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون} [الأعراف: 3] يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك الذين يعبدون الأوثان والأصنام: اتبعوا أيها الناس ما جاءكم من عند ربكم بالبينات والهدى، واعملوا بما أمركم به ربكم، {ولا تتبعوا} [البقرة: 168] شيئا {من دونه} [النساء: 117] يعني: شيئا غير ما أنزل إليكم ربكم، يقول: لا تتبعوا أمر أوليائكم الذين يأمرونكم بالشرك بالله وعبادة الأوثان، فإنهم يضلونكم ولا يهدونكم. فإن قال قائل: وكيف قلت: معنى الكلام: قل اتبعوا، وليس في الكلام موجودا ذكر القول؟ قيل: إنه وإن لم يكن مذكورا صريحا، فإن في الكلام دلالة عليه، وذلك قوله: {فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به} [الأعراف: 2] ، ففي قوله: (لتنذر به) الأمر بالإنذار، وفي الأمر بالإنذار الأمر بالقول لأن الإنذار قول. فكان معنى الكلام: أنذر القوم وقل لهم: اتبعوا ما أنزل إليكم، كان غير مدفوع. وقد كان بعض أهل العربية يقول: قوله: {اتبعوا} [البقرة: 166] خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومعناه: كتاب أنزل إليك، فلا يكن في صدرك حرج منه، اتبع ما أنزل إليك من ربك. ويرى أن ذلك نظير قول الله: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] ، إذ ابتدأ خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جعل الفعل للجميع، إذ كان أمر الله نبيه بأمر أمرا منه لجميع أمته، كما يقال للرجل يفرد بالخطاب والمراد به هو وجماعة أتباعه أو عشيرته وقبيلته: أما تتقون الله؟ أما تستحيون من الله؟ ونحو ذلك من الكلام. وذلك وإن كان وجها غير مدفوع، فالقول الذي اخترناه أولى بمعنى الكلام لدلالة الظاهر الذي وصفنا عليه وقوله: {قليلا ما تذكرون} [الأعراف: 3] يقول: قليلا ما تتعظون وتعتبرون، فتراجعون الحق. 10P057

Sección V10/P057–V10/P059

[الأعراف: 4] القول في تأويل قوله تعالى: {وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون} [الأعراف: 4] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: حذر هؤلاء العابدين غيري والعادلين بي الآلهة والأوثان سخطي، لا أحل بهم عقوبتي فأهلكهم كما أهلكت من سلك سبيلهم من الأمم قبلهم، فكثيرا ما أهلكت قبلهم من أهل قرى عصوني وكذبوا رسلي وعبدوا غيري. {فجاءها بأسنا بياتا} [الأعراف: 4] يقول: فجاءتهم عقوبتنا ونقمتنا ليلا قبل أن يصبحوا، أو جاءتهم قائلين، يعني نهارا في وقت القائلة. وقيل: (وكم) لأن المراد بالكلام ما وصفت من الخبر عن كثرة ما قد أصاب الأمم السالفة من المثلاث بتكذيبهم رسله وخلافهم عليه، وكذلك تفعل العرب إذا أرادوا الخبر عن كثرة العدد، كما قال الفرزدق: [+البحر الكامل] كم عمة لك يا جرير وخالة فدعاء قد حلبت علي عشاري فإن قال قائل. فإن الله تعالى ذكره إنما أخبر أنه أهلك قرى، فما في خبره عن إهلاكه القرى من الدليل على إهلاكه أهلها؟ قيل: إن القرى لا تسمى قرى، ولا القرية قرية، إلا وفيها مساكن لأهلها وسكان منهم، ففي إهلاكها من فيها من أهلها. وقد كان بعض أهل العربية يرى أن الكلام خرج مخرج الخبر عن القرية، والمراد به أهلها. والذي قلنا في ذلك أولى بالحق لموافقته ظاهر التنزيل المتلو. فإن قال قائل: وكيف قيل: {وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون} [الأعراف: 4] ، وهل هلكت قرية إلا بمجيء بأس الله وحلول نقمته وسخطه بها؟ فكيف قيل (أهلكناها فجاءها) وإن كان مجيء بأس الله إياها بعد هلاكها، فما وجه مجيء ذلك قوما قد هلكوا وبادوا ولا يشعرون بما ينزل بهم ولا بمساكنهم؟ قيل: إن لذلك من التأويل وجهين كلاهما صحيح واضح منهجه: أحدهما أن يكون معناه: وكم من قرية أهلكناها بخذلاننا إياها عن اتباع ما أنزلنا إليها من البينات والهدى واختيارها اتباع أمر أوليائها المغويها عن طاعة ربها، فجاءها بأسنا إذ فعلت ذلك بياتا، أو هم قائلون. فيكون إهلاك الله إياها: خذلانه لها عن طاعته، ويكون مجيء بأس الله إياهم جزاء لمعصيتهم ربهم بخذلانه إياهم. والآخر منهما: أن يكون الإهلاك هو البأس بعينه. فيكون في ذكر الإهلاك الدلالة على ذكر مجيء البأس، وفي ذكر مجيء البأس الدلالة على ذكر الإهلاك. وإذا كان ذلك كذلك، كان سواء عند العرب بدئ بالإهلاك ثم عطف عليه بالبأس، أو بدئ بالبأس ثم عطف عليه بالإهلاك، وذلك كقولهم: زرتني فأكرمتني، إذ كانت الزيارة هي الكرامة، فسواء عندهم قدم الزيارة وأخر الكرامة، أو قدم الكرامة وأخر الزيارة، فقال: أكرمتني فزرتني. وكان بعض أهل العربية يزعم أن في الكلام محذوفا، لولا ذلك لم يكن الكلام صحيحا، وأن معنى ذلك: وكم من قرية أهلكناها، فكان مجيء بأسنا إياها قبل إهلاكنا. وهذا قول لا دلالة على صحته من ظاهر التنزيل، ولا من خبر يجب التسليم له، وإذا خلا القول من دلالة على صحته من بعض الوجوه التي يجب التسليم لها كان بينا فساده. وقال آخر منهم أيضا: معنى الفاء في هذا الموضع معنى الواو، وقال: تأويل الكلام: وكم من قرية أهلكناها وجاءها بأسنا بياتا. وهذا قول لا معنى له، إذ كان للفاء عند العرب من الحكم ما ليس للواو في الكلام، فصرفها إلى الأغلب من معناها عندهم ما وجد إلى ذلك سبيل أولى من صرفها إلى غيره. فإن قال: كيف قيل: {فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون} [الأعراف: 4] ، وقد علمت أن الأغلب من شأن (أو) في الكلام اجتلاب الشك، وغير جائز أن يكون في خبر الله شك؟ قيل: إن تأويل ذلك خلاف ما إليه ذهبت، وإنما معنى الكلام: وكم من قرية أهلكناها فجاء بعضها بأسنا بياتا، وبعضها وهم قائلون.

Sección V10/P059–V10/P060

ولو جعل مكان (أو) في هذا الموضع الواو لكان الكلام كالمحال، ولصار الأغلب من معنى الكلام: إن القرية التي أهلكها الله جاءها بأسه بياتا، وفي وقت القائلة ، وذلك خبر عن البأس أنه أهلك من قد هلك وأفنى من قد فني، وذلك من الكلام خلف، ولكن الصحيح من الكلام هو ما جاء به التنزيل، إذ لم يفصل القرى التي جاءها البأس بياتا من القرى التي جاءها ذلك قائلة، ولو فصلت لم يخبر عنها إلا بالواو. وقيل: (فجاءها بأسنا) خبرا عن القرية أن البأس أتاها، وأجرى الكلام على ما ابتدئ به في أول الآية، ولو قيل: فجاءهم بأسنا بياتا لكان صحيحا فصيحا ردا للكلام إلى معناه، إذ كان البأس إنما قصد به سكان القرية دون بنيانها، وإن كان قد نال بنيانها ومساكنها من البأس بالخراب نحو من الذي نال سكانها. وقد رجع في قوله: {أو هم قائلون} [الأعراف: 4] إلى خصوص الخبر عن سكانها دون مساكنها لما وصفنا من أن المقصود بالبأس كان السكان وإن كان في هلاكهم هلاك مساكنهم وخرابها. ولو قيل: (أو هي قائلة) كان صحيحا إذ كان السامعون قد فهموا المراد من الكلام. فإن قال قائل: أو ليس قوله: {أو هم قائلون} [الأعراف: 4] خبرا عن الوقت الذي أتاهم فيه بأس الله من النهار؟ قيل: بلى. فإن قال: أو ليس المواقيت في مثل هذا تكون في كلام العرب بالواو الدال على الوقت؟ قيل: إن ذلك وإن كان كذلك، فإنهم قد يحذفون من مثل هذا الموضع استثقالا للجمع بين حرفي عطف، إذ كان (أو) عندهم من حروف العطف، وكذلك الواو، فيقولون: لقيتني مملقا أو أنا مسافر، بمعنى: أو أنا مسافر، فيحذفون الواو وهم مريدوها في الكلام لما وصفت 10P061

Sección V10/P060–V10/P061

[الأعراف: 5] القول في تأويل قوله تعالى: {فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين} [الأعراف: 5] يقول تعالى ذكره: فلم يكن دعوى أهل القرية التي أهلكناها إذ جاءهم بأسنا وسطوتنا بياتا أو هم قائلون، إلا اعترافهم على أنفسهم بأنهم كانوا إلى أنفسهم مسيئين وبربهم آثمين ولأمره ونهيه مخالفين. وعنى بقوله جل ثناؤه: {دعواهم} [الأعراف: 5] في هذا الموضع: دعاءهم. وللدعوى في كلام العرب وجهان: أحدهما الدعاء، والآخر الادعاء للحق. ومن الدعوى التي معناها الدعاء قول الله تبارك وتعالى: {فما زالت تلك دعواهم} [الأنبياء: 15] ، ومنه قول الشاعر: [+البحر الطويل] وإن مذلت رجلي دعوتك أشتفي بدعواك من مذل بها فيهون وقد بينا فيما مضى قبل أن البأس والبأساء: الشدة، بشواهد ذلك الدالة على صحته، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وفي هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: «ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم» . وقد تأول ذلك كذلك بعضهم " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن أبي سنان، عن عبد الملك بن ميسرة الزراد، قال: قال عبد الله بن مسعود: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما هلك قوم حتى 10P063 يعذروا من أنفسهم» ، قال: قلت لعبد الملك: كيف يكون ذلك؟ قال: فقرأ هذه الآية: {فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا} [الأعراف: 5] الآية فإن قال قائل: وكيف قيل: {فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين} [الأعراف: 5] ، وكيف أمكنتهم الدعوى بذلك وقد جاءهم بأس الله بالهلاك، أقالوا ذلك قبل الهلاك؟ فإن كانوا قالوه قبل الهلاك، فإنهم قالوا قبل مجيء البأس، والله يخبر عنهم أنهم قالوه حين جاءهم لا قبل ذلك، أو قالوه بعدما جاءهم فتلك حالة قد هلكوا فيها، فكيف يجوز وصفهم بقيل ذلك إذا عاينوا بأس الله وحقيقة ما كانت الرسل تعدهم من سطوة الله؟ قيل: ليس كل الأمم كان هلاكها في لحظة، ليس بين أوله وآخره مهل، بل كان منهم من غرق بالطوفان، فكان بين أول ظهور السبب الذي علموا أنهم به هالكون وبين آخره الذي عم جميعهم هلاكه المدة التي لا خفاء بها على ذي عقل، ومنهم من متع بالحياة بعد ظهور علامة الهلاك لأعينهم أياما ثلاثة، كقوم صالح وأشباههم، فحينئذ لما عاينوا أوائل بأس الله الذي كانت رسل الله تتوعدهم به وأيقنوا حقيقة نزول سطوة الله بهم، دعوا: {يا ويلنا إنا كنا ظالمين} [الأنبياء: 14] ، {فلم يك ينفعهم إيمانهم} [غافر : 85] مع مجيء وعيد الله وحلول نقمته بساحتهم، فحذر ربنا جل ثناؤه الذين أرسل إليهم نبيه صلى الله عليه وسلم من سطوته وعقابه على كفرهم به وتكذيبهم رسوله، ما حل بمن كان قبلهم من الأمم، إذ عصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد 10P062

Sección V10/P061–V10/P066

[الأعراف: 6] القول في تأويل قوله تعالى: {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} [الأعراف: 6] يقول تعالى ذكره: لنسألن الأمم الذين أرسلت إليهم رسلي ماذا عملت فيما جاءتهم به الرسل من عندي من أمري ونهيي، هل عملوا بما أمرتهم به وانتهوا عما نهيتهم عنه وأطاعوا أمري، أم عصوني فخالفوا ذلك؟ {ولنسألن المرسلين} [الأعراف: 6] يقول: ولنسألن الرسل الذين أرسلتهم إلى الأمم، هل بلغتهم رسالاتي وأدت إليهم ما أمرتهم بأدائه إليه، أم قصروا في ذلك ففرطوا ولم يبلغوهم؟ وكذلك كان أهل التأويل يتأولونه ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} [الأعراف: 6] قال: «يسأل الله الناس عما أجابوا المرسلين، ويسأل المرسلين عما بلغوا» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فلنسألن الذين أرسل إليهم} [الأعراف: 6] إلى قوله 10P065 : {غائبين} [الأعراف: 7] قال: «يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} [الأعراف: 6] : «يقول فلنسألن الأمم ما عملوا فيما جاءت به الرسل، ولنسألن الرسل هل بلغوا ما أرسلوا به» حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد المدني، قال: قال مجاهد: {فلنسألن الذين أرسل إليهم} [الأعراف: 6] : «الأمم، ولنسألن الذين أرسلنا إليهم عما ائتمناهم عليه، هل بلغوا» 10P065 [الأعراف: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين} [الأعراف: 7] يقول تعالى ذكره: فلنخبرن الرسل ومن أرسلتهم إليه بيقين علم بما عملوا في الدنيا فيما كنت أمرتهم به، وما كنت نهيتهم عنه، وما كنا غائبين عنهم وعن أفعالهم التي كانوا يفعلونها. فإن قال قائل: وكيف يسأل الرسل والمرسل إليهم، وهو يخبر أنه يقص عليهم بعلم بأعمالهم وأفعالهم في ذلك؟ قيل: إن ذلك منه تعالى ذكره ليس بمسألة استرشاد ولا مسألة تعرف منهم ما هو به غير عالم، وإنما هو مسألة توبيخ وتقرير معناها الخبر، كما يقول الرجل للرجل: ألم أحسن إليك فأسأت؟ وألم أصلك فقطعت؟ فكذلك مسألة الله المرسل إليهم بأن يقول لهم: ألم يأتكم رسلي بالبينات؟ ألم أبعث إليكم النذر فتنذركم عذابي وعقابي في هذا اليوم من كفر بي وعبد غيري؟ كما أخبر جل ثناؤه أنه قائل لهم يومئذ: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين. وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم} [يس: 61] . ونحو ذلك من القول الذي ظاهره ظاهر مسألة، ومعناه الخبر والقصص وهو بعد توبيخ وتقرير. وأما مسألة الرسل الذي هو قصص وخبر، فإن الأمم المشركة لما سئلت في القيامة قيل لها: {ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم} [الزمر: 71] ؟ أنكر ذلك كثير منهم وقالوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فقيل للرسل: هل بلغتم ما أرسلتم به؟ أو قيل لهم: ألم تبلغوا إلى هؤلاء ما أرسلتم به؟ كما جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما قال جل ثناؤه لأمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] ، فكل ذلك من الله مسألة للرسل على وجه الاستشهاد لهم على من أرسلوا إليه من الأمم وللمرسل إليهم على وجه التقرير والتوبيخ، وكل ذلك بمعنى القصص والخبر. فأما الذي هو عن الله منفي من مسألته خلقه، فالمسألة التي هي مسألة استرشاد واستثبات فيما لا يعلمه السائل عنها ويعلمه المسئول، ليعلم السائل علم ذلك من قبله. فذلك غير جائز أن يوصف الله به، لأنه العالم بالأشياء قبل كونها وفي حال كونها وبعد كونها، وهي المسألة التي نفاها جل ثناؤه عن نفسه بقوله: {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} [الرحمن: 39] ، وبقوله: {ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون} [القصص: 78] ، يعني: لا يسأل عن ذلك أحدا منهم علم مستثبت، ليعلم علم ذلك من قبل من سأل منه، لأنه العالم بذلك كله وبكل شيء غيره. وقد ذكرنا ما روي في معنى ذلك من الخبر في غير هذا الموضع، فكرهنا إعادته. وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقول في معنى قوله: {فلنقصن عليهم بعلم} [الأعراف: 7] أنه ينطق لهم كتاب عملهم عليهم بأعمالهم. هذا قول غير بعيد من الحق، غير أن الصحيح من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان، فيقول له: أتذكر يوم فعلت كذا وفعلت كذا؟ حتى يذكره ما فعل في الدنيا ". والتسليم لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى من التسليم لغيره 10P067

Sección V10/P066–V10/P070

[الأعراف: 8] القول في تأويل قوله تعالى: {والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون} [الأعراف: 8] الوزن: مصدر من قول القائل: وزنت كذا وكذا، أزنه وزنا وزنة، مثل: وعدته أعده وعدا وعدة، وهو مرفوع بالحق، والحق به. ومعنى الكلام: والوزن يوم نسأل الذين أرسل إليهم والمرسلين، الحق. ويعني بالحق: العدل. وكان مجاهد يقول: " الوزن في هذا الموضع: القضاء " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {والوزن يومئذ} [الأعراف: 8] : «القضاء» وكان يقول أيضا: معنى الحق ههنا: العدل ذكر الرواية بذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن مجاهد: {والوزن يومئذ الحق} [الأعراف: 8] قال «العدل» وقال آخرون: معنى قوله: {والوزن يومئذ الحق} [الأعراف: 8] : وزن الأعمال ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {والوزن يومئذ الحق} [الأعراف: 8] : «توزن الأعمال» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {والوزن يومئذ الحق} [الأعراف : 8] قال: قال عبيد بن عمير: «يؤتى بالرجل العظيم الطويل الأكول الشروب، فلا يزن جناح بعوضة» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن 10P069 مجاهد: {والوزن يومئذ الحق} [الأعراف: 8] قال: قال عبيد بن عمير: «يؤتى بالرجل الطويل العظيم، فلا يزن جناح بعوضة» حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا يوسف بن صهيب، عن موسى، عن بلال بن يحيى، عن حذيفة، قال: " صاحب الموازين يوم القيامة جبريل عليه السلام، قال: يا جبريل، زن بينهم، فرد على المظلوم، وإن لم يكن له حسنات حمل عليه من سيئات صاحبه، فيرجع الرجل عليه مثل الجبال، فذلك قوله: {والوزن يومئذ الحق} [الأعراف: 8] واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {فمن ثقلت موازينه} [الأعراف: 8] ، فقال بعضهم: معناه: فمن كثرت حسناته ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن مجاهد: {فمن ثقلت موازينه} [الأعراف: 8] قال: «حسناته» وقال آخرون: معنى ذلك: فمن ثقلت موازينه التي توزن بها حسناته وسيئاته، قالوا: وذلك هو الميزان الذي يعرفه الناس، له لسان وكفتان ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج قال: قال ابن جريج: 10P070 قال لي عمرو بن دينار: قوله: {والوزن يومئذ الحق} [الأعراف: 8] قال: «إنا نرى ميزانا وكفتين» سمعت عبيد بن عمير يقول: «يجعل الرجل العظيم الطويل في الميزان، ثم لا يقوم بجناح ذباب» قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي القول الذي ذكرناه عن عمرو بن دينار من أن ذلك: هو الميزان المعروف الذي يوزن به، وأن الله جل ثناؤه يزن أعمال خلقه الحسنات منها والسيئات، كما قال جل ثناؤه: {فمن ثقلت موازينه} [الأعراف: 8] : موازين عمله الصالح، {فأولئك هم المفلحون} [الأعراف: 8] يقول: فأولئك هم الذين ظفروا بالنجاح وأدركوا الفوز بالطلبات، والخلود والبقاء في الجنات، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «ما وضع في الميزان شيء أثقل من حسن الخلق» ، ونحو ذلك من الأخبار التي تحقق أن ذلك ميزان يوزن به الأعمال على ما وصفت. فإن أنكر ذلك جاهل بتوجيه معنى خبر الله عن الميزان وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم عن وجهته، وقال: وكيف توزن الأعمال، والأعمال ليست بأجسام توصف بالثقل والخفة، وإنما توزن الأشياء ليعرف ثقلها من خفتها وكثرتها من قلتها، وذلك لا يجوز إلا على الأشياء التي توصف بالثقل والخفة والكثرة والقلة؟ قيل له في قوله: (وما وجه وزن الله الأعمال وهو العالم بمقاديرها قبل كونها؟

Sección V10/P070–V10/P071

) : وزن ذلك نظير إثباته إياه في أم الكتاب، واستنساخه ذلك في الكتاب من غير حاجة به إليه ومن غير خوف من نسيانه، وهو العالم بكل ذلك في كل حال ووقت قبل كونه وبعد وجوده، بل ليكون ذلك حجة على خلقه، كما قال جل ثناؤه في تنزيله: {كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون. هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق} [الجاثية: 29] الآية، فكذلك وزنه تعالى أعمال خلقه بالميزان حجة عليهم ولهم، إما بالتقصير في طاعته والتضييع، وإما بالتكميل والتتميم. وأما وجه جواز ذلك، فإنه كما حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا جعفر بن عون، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، قال: " يؤتى بالرجل يوم القيامة إلى الميزان، فيوضع في الكفة، فيخرج له تسعة وتسعون سجلا فيها خطاياه وذنوبه. قال: ثم يخرج له كتاب مثل الأنملة، فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. قال: فتوضع في الكفة فترجح بخطاياه وذنوبه " فكذلك وزن الله أعمال خلقه بأن يوضع العبد وكتب حسناته في كفة من كفتي الميزان، وكتب سيئاته في الكفة الأخرى، ويحدث الله تبارك وتعالى ثقلا وخفة في الكفة التي الموزون بها أولى احتجاجا من الله بذلك على خلقه كفعله بكثير منهم من استنطاق أيديهم وأرجلهم، استشهادا بذلك عليهم، وما أشبه ذلك من حججه. ويسأل من أنكر ذلك، فيقال له: إن الله أخبرنا تعالى ذكره أنه يثقل موازين [ص : 72] قوم في القيامة ويخفف موازين آخرين، وتظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحقيق ذلك، فما الذي أوجب لك إنكار الميزان أن يكون هو الميزان الذي وصفنا صفته الذي يتعارفه الناس؟ أحجة عقل؟ فقد يقال: وجه صحته من جهة العقل، وليس في وزن الله جل ثناؤه خلقه وكتب أعمالهم، لتعريفهم أثقل القسمين منها بالميزان، خروج من حكمة، ولا دخول في جور في قضية، فما الذي أحال ذلك عندك من حجة أو عقل أو خبر؟ إذ كان لا سبيل إلى حقيقة القول بإفساد ما لا يدفعه العقل إلا من أحد الوجهين اللذين ذكرت، ولا سبيل إلى ذلك. وفي عدم البرهان على صحة دعواه من هذين الوجهين وضوح فساد قوله وصحة ما قاله أهل الحق في ذلك. وليس هذا الموضع من مواضع الإكثار في هذا المعنى على من أنكر الميزان الذي وصفنا صفته، إذ كان قصدنا في هذا الكتاب البيان عن تأويل القرآن دون غيره، ولولا ذلك لقرنا إلى ما ذكرنا نظائره، وفي الذي ذكرنا من ذلك كفاية لمن وفق لفهمه إن شاء الله 10P071

Sección V10/P071–V10/P074

[الأعراف: 9] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون} [الأعراف: 9] يقول جل ثناؤه: ومن خفت موازين أعماله الصالحة فلم تثقل بإقراره بتوحيد الله والإيمان به وبرسوله واتباع ونهيه، فأولئك الذين غبنوا أنفسهم حظوظها من جزيل ثواب الله وكرامته، {بما كانوا بآياتنا يظلمون} [الأعراف: 9] يقول: 10P073 بما كانوا بحجج الله وأدلته يجحدون، فلا يقرون بصحتها، ولا يوقنون بحقيقتها كالذي حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن مجاهد: {ومن خفت موازينه} [الأعراف: 9] قال: «حسناته» وقيل: (فأولئك) و (من) في لفظ الواحد، لأن معناه الجمع، ولو جاء موحدا كان صوابا فصيحا 10P073 [الأعراف: 10] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون} [الأعراف: 10] يقول تعالى ذكره: ولقد وطأنا لكم أيها الناس في الأرض، وجعلناها لكم قرارا تستقرون فيها، ومهادا تمتهدونها، وفراشا تفترشونها. {وجعلنا لكم فيها معايش} [الأعراف: 10] تعيشون بها أيام حياتكم، من مطاعم ومشارب، نعمة مني عليكم وإحسانا مني إليكم. {قليلا ما تشكرون} [الأعراف: 10] يقول: وأنتم قليل شكركم على هذه النعم التي أنعمتها عليكم لعبادتكم غيري، واتخاذكم إلها سواي. والمعايش: جمع معيشة. واختلفت القراء في قراءتها، فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار: {معايش} [الأعراف: 10] بغير همز، وقرأه عبد الرحمن الأعرج: (معائش) بالهمز. والصواب من القراءة في ذلك عندنا: {معايش} [الأعراف: 10] بغير همز، لأنها مفاعل من قول القائل: عشت تعيش، فالميم فيها زائدة والياء في الحكم متحركة، لأن واحدها مفعلة معيشة متحركة الياء، نقلت حركة الياء منها إلى العين في واحدها، فلما جمعت ردت حركتها إليها لسكون ما قبلها وتحركها. وكذلك تفعل العرب بالياء والواو إذا سكن ما قبلهما وتحركتا في نظائر ما وصفنا من الجمع الذي يأتي على مثال مفاعل، وذلك مخالف لما جاء من الجمع على مثال فعائل التي تكون الياء فيها زائدة ليست بأصل، فإن ما جاء من الجمع على هذا المثال فالعرب تهمزه كقولهم: هذه مدائن وصحائف ونظائر، لأن مدائن جمع مدينة، والمدينة: فعيلة من قولهم: مدنت المدينة، وكذلك صحائف جمع صحيفة، والصحيفة فعيلة من قولك: صحفت الصحيفة، فالياء في واحدها زائدة ساكنة، فإذا جمعت همزت لخلافها في الجمع الياء التي كانت في واحدها، وذلك أنها كانت في واحدها ساكنة، وهي في الجمع متحركة، ولو جعلت مدينة مفعلة من دان يدين، وجمعت على مفاعل، كان الفصيح ترك الهمز فيها وتحريك الياء. وربما همزت العرب جمع مفعلة في ذوات الياء والواو وإن كان الفصيح من كلامها ترك الهمز فيها، إذا جاءت على مفاعل تشبيها منهم جمعها بجمع فعيلة، كما تشبه مفعلا بفعيل، فتقول: مسيل الماء، من سال يسيل، ثم تجمعها جمع (فعيل) ، فتقول هي أمسلة في الجمع تشبيها منهم لها بجمع بعير وهو فعيل، إذ تجمعه أبعرة، وكذلك يجمع المصير وهو مفعل مصران، تشبيها له بجمع بعير وهو فعيل، إذ تجمعه بعران، وعلى هذا همز الأعرج: (معائش) ، وذلك ليس بالفصيح في كلامها. وأولى ما قرئ به كتاب الله من الألسن، أفصحها وأعرفها دون أنكرها وأشذها 10P075

Sección V10/P074–V10/P079

[الأعراف: 11] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين} [الأعراف: 11] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تأويل ذلك: {ولقد خلقناكم} [الأعراف: 11] في ظهر آدم أيها الناس، {ثم صورناكم} [الأعراف: 11] في أرحام النساء خلقا مخلوقا ومثالا ممثلا في صورة آدم ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} [الأعراف: 11] ، قوله: {خلقناكم} [الأعراف: 11] «يعني آدم، وأما صورناكم فذريته» حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن 10P076 أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} [الأعراف: 11] الآية، قال: " أما خلقناكم فآدم، وأما صورناكم: فذرية آدم من بعده " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع: {ولقد خلقناكم} [الأعراف: 11] يعني: " آدم، {ثم صورناكم} [الأعراف: 11] يعني: «في الأرحام» حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الرحمن بن سعد قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، في قوله: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} [الأعراف: 11] يقول: «خلقناكم خلق آدم، ثم صورناكم في بطون أمهاتكم» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} [الأعراف: 11] يقول: «خلقنا آدم ثم صورنا الذرية في الأرحام» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} [الأعراف: 11] قال: «خلق الله آدم من طين، ثم صورناكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق، علقة ثم مضغة ثم عظاما، ثم كسا العظام لحما، ثم أنشأناه خلقا آخر» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، 10P077 قال: «خلق الله آدم ثم صور ذريته من بعده» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمر بن هارون، عن نصر بن مشارس، عن الضحاك: {خلقناكم ثم صورناكم} [الأعراف: 11] قال: «ذريته» حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك، قوله: {ولقد خلقناكم} [الأعراف: 11] يعني: «آدم» ، {ثم صورناكم} [الأعراف: 11] ، يعني: «ذريته» وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد خلقناكم في أصلاب آبائكم ثم صورناكم في بطون أمهاتكم ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شريك، عن سماك، عن عكرمة: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} [الأعراف: 11] قال: «خلقناكم في أصلاب الرجال، وصورناكم في أرحام النساء» حدثني المثنى قال: ثنا الحماني قال: ثنا شريك، عن سماك، عن عكرمة، 10P078 مثله حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، قال: سمعت الأعمش، يقرأ: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} [الأعراف: 11] قال: «خلقناكم في أصلاب الرجال، ثم صورناكم في أرحام النساء» وقال آخرون: بل معنى ذلك: {خلقناكم} [الأعراف: 11] يعني: آدم، {ثم صورناكم} [الأعراف: 11] يعني: في ظهره ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {ولقد خلقناكم} [الأعراف: 11] قال: " آدم، {ثم صورناكم} [الأعراف: 11] قال: «في ظهر آدم» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} [الأعراف: 11] : «في ظهر آدم» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} [الأعراف: 11] قال: «صورناكم في ظهر آدم» حدثني الحرث قال: ثنا عبد العزيز قال: ثنا أبو سعد المدني قال: سمعت مجاهدا في قوله: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} [الأعراف: 11] قال: «في ظهر آدم لما تصيرون إليه من الثواب في الآخرة» وقال آخرون: معنى ذلك: ولقد خلقناكم في بطون أمهاتكم، ثم صورناكم فيها ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عمن ذكره قال: {خلقناكم ثم صورناكم} [الأعراف: 11] قال: «خلق الله الإنسان في الرحم، ثم صوره فشق سمعه وبصره وأصابعه» قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: تأويله: {ولقد خلقناكم} [الأعراف: 11] ولقد خلقنا آدم، {ثم صورناكم} [الأعراف: 11] بتصويرنا آدم، كما قد بينا فيما مضى من خطاب العرب الرجل بالأفعال تضيفها إليه، والمعني في ذلك سلفه، وكما قال جل ثناؤه لمن بين أظهر المؤمنين من اليهود على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة} [البقرة: 63] ، وما أشبه ذلك من الخطاب الموجه إلى الحي الموجود والمراد به السلف المعدوم، فكذلك ذلك في قوله: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} [الأعراف: 11] معناه: ولقد خلقنا أباكم آدم، ثم صورناه.

Sección V10/P079–V10/P081

وإنما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن الذي يتلو ذلك قوله: {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} [الأعراف: 11] ، ومعلوم أن الله تبارك وتعالى قد أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يصور ذريته في بطون أمهاتهم، بل قبل أن يخلق أمهاتهم، و (ثم) في كلام العرب لا تأتي إلا بإيذان انقطاع ما بعدها عما قبلها، وذلك كقول القائل: قمت ثم قعدت، لا يكون القعود إذ عطف به ب (ثم) على قوله: (قمت) إلا بعد القيام، وكذلك ذلك في جميع الكلام. ولو كان العطف في ذلك بالواو جاز أن يكون الذي بعدها قد كان قبل الذي قبلها، وذلك كقول القائل: قمت وقعدت، فجائز أن يكون القعود في هذا الكلام قد كان قبل القيام، لأن الواو تدخل في الكلام إذا كانت عطفا لتوجب للذي بعدها من المعنى ما وجب للذي قبلها من غير دلالة منها بنفسها، على أن ذلك كان في وقت واحد أو وقتين مختلفين، أو إن كانا في وقتين أيهما المتقدم وأيهما المتأخر. فلما وصفنا قلنا إن قوله: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} [الأعراف: 11] لا يصح تأويله إلا على ما ذكرنا. فإن ظن ظان أن العرب إذا كانت ربما نطقت ب (ثم) في موضع الواو في ضرورة شعر كما قال بعضهم: [+البحر المتقارب] سألت ربيعة من خيرها أبا ثم أما فقالت لمه بمعنى: أبا وأما، فإن ذلك جائز أن يكون نظيره، فإن ذلك بخلاف ما ظن، وذلك أن كتاب الله جل ثناؤه نزل بأفصح لغات العرب، وغير جائز توجيه شيء منه إلى الشاذ من لغاتها وله في الأفصح الأشهر معنى مفهوم ووجه معروف. وقد وجه بعض من ضعفت معرفته بكلام العرب ذلك إلى أنه من المؤخر الذي معناه التقديم، وزعم أن معنى ذلك: ولقد خلقناكم، ثم قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم، ثم صورناكم. وذلك غير جائز في كلام العرب، لأنها لا تدخل (ثم) في الكلام وهي مراد بها التقديم على ما قبلها من الخبر، وإن كانوا قد يقدمونها في الكلام، إذا كان فيه دليل على أن معناها التأخير، وذلك كقولهم: قام ثم عبد الله عمرو، فأما إذا قيل: قام عبد الله ثم قعد عمرو، فغير جائز أن يكون قعود عمرو كان إلا بعد قيام عبد الله، إذا كان الخبر صدقا، فقول الله تبارك وتعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا} [الأعراف: 11] نظير قول القائل: قام عبد الله ثم قعد عمرو، في أنه غير جائز أن يكون أمر الله الملائكة بالسجود لآدم كان إلا بعد الخلق والتصوير لما وصفنا قبل. وأما قوله: {للملائكة اسجدوا لآدم} [الأعراف: 11] فإنه يقول جل ثناؤه: فلما صورنا آدم وجعلناه خلقا سويا، ونفخنا فيه من روحنا، قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم، ابتلاء منا واختبارا لهم بالأمر، ليعلم الطائع منهم من العاصي، {فسجدوا} [الأعراف: 11] يقول: فسجد الملائكة {إلا إبليس} [الأعراف: 11] فإنه {لم يكن من الساجدين} [الأعراف: 11] لآدم حين أمره الله مع من أمر من سائر الملائكة غيره بالسجود. وقد بينا فيما مضى المعنى الذي من أجله امتحن جل جلاله ملائكته بالسجود لآدم، وأمر إبليس وقصصه، وبما أغنى عن إعادته في هذا الموضع 10P081

Sección V10/P081–V10/P084

[الأعراف: 12] القول في تأويل قوله تعالى: {قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} [الأعراف: 12] وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قيله لإبليس إذ عصاه فلم يسجد لآدم إذ أمره بالسجود له، يقول: {قال} [البقرة: 30] الله لإبليس: {ما منعك} [الأعراف: 12] : أي شيء منعك {ألا تسجد} [الأعراف: 12] : أن تدع السجود لآدم، {إذ أمرتك} [الأعراف: 12] أن تسجد. {قال أنا خير منه} [الأعراف: 12] يقول: قال إبليس: أنا خير من آدم، {خلقتني من نار وخلقته من طين} [الأعراف: 12] فإن قال قائل: أخبرنا عن إبليس، ألحقته الملامة على السجود أم على ترك السجود؟ فإن تكن لحقته الملامة على ترك السجود، فكيف قيل له: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} [الأعراف: 12] ، وإن كان النكير على السجود، فذلك خلاف ما جاء به التنزيل في سائر القرآن، وخلاف ما يعرفه المسلمون. قيل: إن الملامة لم تلحق إبليس إلا على معصيته ربه بتركه السجود لآدم إذ أمره بالسجود له، غير أن في تأويل قوله: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} [الأعراف: 12] بين أهل المعرفة بكلام العرب اختلافا أبدأ بذكر ما قالوا، ثم أذكر الذي هو أولى ذلك بالصواب، فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: ما منعك أن تسجد، و (لا) ههنا زائدة، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] أبى جوده لا البخل واستعجلت به نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله وقال: فسرته العرب: أبى جوده البخل، وجعلوا (لا) زائدة حشوا ههنا وصلوا بها الكلام. قال: وزعم يونس أن أبا عمرو كان يجر (البخل) ، ويجعل (لا) مضافة إليه، أراد: أبى جوده (لا) التي هي للبخل، ويجعل (لا) مضافة، لأن (لا) قد تكون للجود والبخل، لأنه لو قال له: امنع الحق ولا تعط المسكين، فقال (لا) كان هذا جودا منه. وقال بعض نحويي الكوفة نحو القول الذي ذكرناه عن البصريين في معناه وتأويله، غير أنه زعم أن العلة في دخول (لا) في قوله: {ألا تسجد} [الأعراف: 12] ، أن في أول الكلام جحدا، يعني بذلك قوله: {لم يكن من الساجدين} [الأعراف: 11] ، فإن العرب ربما أعادوا في الكلام الذي فيه جحد الجحد، كالاستيثاق والتوكيد له، قال: وذلك كقولهم: [+البحر . ] ما إن رأينا مثلهن لمعشر سود الروس فوالج وفيول فأعاد على الجحد الذي هو (ما) جحدا، وهو قوله (إن) فجمعهما للتوكيد. وقال آخر منهم: ليست (لا) بحشو في هذا الموضع، ولا صلة، ولكن المنع ههنا بمعنى القول. إنما تأويل الكلام: من قال لك لا تسجد إذ أمرتك بالسجود؟ ولكن دخل في الكلام (أن) إذ كان المنع بمعنى القول لا في لفظه، كما يفعل ذلك في سائر الكلام الذي يضارع القول، وهو له في اللفظ مخالف كقولهم: ناديت أن لا تقم، وحلفت أن لا تجلس، وما أشبه ذلك من الكلام. وقال بعض من روى: (أبى جوده لا البخل) بمعنى: كلمة البخل، لأن (لا) هي كلمة البخل، فكأنه قال: كلمة البخل. وقال بعضهم: معنى المنع: الحول بين المرء وما يريده، قال: والممنوع مضطر به إلى خلاف ما منع منه، كالممنوع من القيام وهو يريده، فهو مضطر من الفعل إلى ما كان خلافا للقيام، إذ كان المختار للفعل هو الذي له السبيل إليه وإلى خلافه، فيؤثر أحدهما على الآخر فيفعله، قال: فلما كانت صفة المنع ذلك، فخوطب إبليس بالمنع، فقيل له: {ما منعك ألا تسجد} [الأعراف: 12] كان معناه: كأنه قيل له: أي شيء اضطرك إلى أن لا تسجد. قال أبو جعفر: والصواب عندي من القول في ذلك أن يقال: إن في الكلام محذوفا قد كفى دليل الظاهر منه، وهو أن معناه: ما منعك من السجود فأحوجك أن لا تسجد؟ فترك ذكر أحوجك استغناء بمعرفة السامعين.

Sección V10/P084–V10/P086

قوله: {إلا إبليس لم يكن من الساجدين} [الأعراف: 11] أن ذلك معنى الكلام من ذكره، ثم عمل قوله، {ما منعك} [الأعراف: 12] في أن ما كان عاملا فيه قبل (أحوجك) لو ظهر إذ كان قد ناب عنه. وإنما قلنا إن هذا القول أولى بالصواب لما قد مضى من دلالتنا قبل على أنه غير جائز أن يكون في كتاب الله شيء لا معنى له، وأن لكل كلمة معنى صحيحا، فتبين بذلك فساد قول من قال (لا) في الكلام حشو لا معنى لها. وأما قول من قال: معنى المنع ههنا: القول، فلذلك دخلت (لا) مع (أن) ، فإن المنع وإن كان قد يكون قولا وفعلا، فليس المعروف في الناس استعمال المنع في الأمر بترك الشيء، لأن المأمور بترك الفعل إذا كان قادرا على فعله وتركه ففعله لا يقال فعله وهو ممنوع من فعله إلا على استكراه للكلام، وذلك أن المنع من الفعل حول بينه وبينه، فغير جائز أن يكون وهو محول بينه وبينه فاعلا له، لأنه إن جاز ذلك وجب أن يكون محولا بينه وبينه لا محولا وممنوعا لا ممنوعا وبعد، فإن إبليس لم يأتمر لأمر الله تعالى بالسجود لآدم كبرا، فكيف كان يأتمر لغيره في ترك أمر الله وطاعته بترك السجود لآدم، فيجوز أن يقال له: أي شيء قال لك لا تسجد لآدم إذ أمرتك بالسجود له؟ ولكن معناه إن شاء الله ما قلت: ما منعك من السجود له، فأحوجك، أو فأخرجك، أو فاضطرك إلى أن لا تسجد له على ما بينت وأما قوله: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} [الأعراف: 12] فإنه خبر من الله جل ثناؤه عن جواب إبليس إياه إذ سأله: ما الذي منعه من السجود لآدم، فأحوجه إلى أن لا يسجد له، واضطره إلى خلافه أمره به وتركه طاعته، أن المانع كان له من السجود والداعي له إلى خلافه أمر ربه في ذلك أنه أشد منه أيدا، وأقوى منه قوة، وأفضل منه فضلا، لفضل الجنس الذي منه خلق وهو النار، من الذي خلق منه آدم وهو الطين، فجهل عدو الله وجه الحق، وأخطأ سبيل الصواب، إذ كان معلوما أن من جوهر النار: الخفة والطيش والاضطراب والارتفاع علوا، والذي في جوهرها من ذلك هو الذي حمل الخبيث بعد الشقاء الذي سبق له من الله في الكتاب السابق على الاستكبار عن السجود لآدم والاستخفاف بأمر ربه، فأورثه العطب والهلاك، وكان معلوما أن من جوهر الطين: الرزانة والأناة والحلم والحياء والتثبت، وذلك الذي في جوهره من ذلك كان الداعي لآدم بعد السعادة التي كانت سبقت له من ربه في الكتاب السابق إلى التوبة من خطيئته، ومسألته ربه العفو عنه والمغفرة، ولذلك كان الحسن وابن سيرين يقولان: «أول من قاس إبليس» ، يعنيان بذلك: القياس الخطأ، وهو هذا الذي ذكرنا من خطأ قوله وبعده من إصابة الحق في الفضل الذي خص الله به آدم على سائر خلقه من خلقه إياه بيده، ونفخه فيه من روحه، وإسجاده له الملائكة، وتعليمه أسماء كل شيء مع سائر ما خصه به من كرامته، فضرب عن ذلك كله الجاهل صفحا، وقصد إلى الاحتجاج بأنه خلقه من نار وخلق آدم من طين، وهو في ذلك أيضا له غير كفء، لو لم يكن لآدم من الله جل ذكره تكرمة شيء غيره، فكيف والذي خص به من كرامته يكثر تعداده ويمل إحصاؤه؟

Sección V10/P086–V10/P087

حدثني عمرو بن مالك، قال: ثنا يحيى بن سليم الطائفي، عن هشام، عن ابن سيرين، قال: «أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن كثير، عن ابن شوذب، عن مطر الوراق، عن الحسن، قوله: {خلقتني من نار وخلقته من طين} [الأعراف: 12] قال: «قاس إبليس، وهو أول من قاس» وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: " لما خلق الله آدم قال للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات: اسجدوا لآدم، فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر، لما كان حدث نفسه من كبره واغتراره، فقال: لا أسجد له وأنا خير منه، وأكبر سنا، وأقوى خلقا، خلقتني من 10P088 نار وخلقته من طين. يقول: إن النار أقوى من الطين " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {خلقتني من نار} [الأعراف: 12] قال: «ثم جعل ذريته من ماء» قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله عدو الله ليس لما سأله عنه بجواب، وذلك أن الله تعالى ذكره قال له: ما منعك من السجود؟ فلم يجب بأن الذي منعه من السجود: أنه خلقه من نار، وخلق آدم من طين، ولكنه ابتدأ خبرا عن نفسه، فيه دليل على موضع الجواب، فقال: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} [الأعراف: 12] 10P088

Preguntas

Taberî — Câmiü'l-Beyân · 134 · Qur'an & Sunnah