Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Sección V11/P149–V11/P153

{وما كان الله معذبهم} [الأنفال: 33] وهؤلاء المشركون يقولون: يا رب غفرانك وما أشبه ذلك من معاني الاستغفار بالقول. قالوا: وقوله: {وما لهم ألا يعذبهم الله} [الأنفال: 34] في الآخرة ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا عكرمة، عن 11P151 أبي زميل، عن ابن عباس: إن المشركين كانوا يطوفون بالبيت يقولون: لبيك لا شريك لك لبيك، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «قد قد» فيقولون: لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، ويقولون: غفرانك غفرانك. فأنزل الله: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] فقال ابن عباس: كان فيهم أمانان: نبي الله والاستغفار قال: فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وبقي الاستغفار. {وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون} [الأنفال: 34] قال: فهذا عذاب الآخرة قال: وذاك عذاب الدنيا " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو معشر، عن يزيد بن رومان، ومحمد بن قيس، قالا: " قالت قريش بعضها لبعض: محمد أكرمه الله من بيننا {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا} [الأنفال: 32] الآية؛ فلما أمسوا ندموا على ما قالوا، فقالوا: غفرانك اللهم، فأنزل الله: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] إلى قوله: {لا يعلمون} [الأنفال: 34] " حدثني ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " كانوا يقولون 11P152 يعني المشركين: والله إن الله لا يعذبنا ونحن نستغفر، ولا يعذب أمة ونبيها معها حتى يخرجه عنها، وذلك من قوله ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم يذكر له جهالتهم وغرتهم واستفتاحهم على أنفسهم؛ إذ قالوا {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء} [الأنفال: 32] كما أمطرتها على قوم لوط، وقال حين نعى عليهم سوء أعمالهم: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] ، أي: بقولهم، وإن كانوا يستغفرون كما قال: {وهم يصدون عن المسجد الحرام} [الأنفال: 34] من آمن بالله وعبده، أي: أنت ومن تبعك " حدثنا الحسن بن الصباح البزار، قال: ثنا أبو بردة، عن أبي موسى، قال: " إنه كان فيكم أمانان: قوله : {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] قال: أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد مضى، وأما الاستغفار فهو دائر فيكم إلى يوم القيامة " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن عامر أبي الخطاب الثوري، قال: سمعت أبا العلاء، يقول: " كان لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أمنتان: فذهبت إحداهما، وبقيت الأخرى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} [الأنفال: 33] الآية " وقال آخرون: معنى ذلك: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم يا محمد، وما كان الله معذب المشركين وهم يستغفرون، أي: لو استغفروا. قالوا: ولم يكونوا يستغفرون، فقال جل ثناؤه إذ لم يكونوا يستغفرون: {وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام} [الأنفال: 34] ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] قال: إن القوم لم يكونوا يستغفرون، ولو كانوا يستغفرون ما عذبوا.

Sección V11/P153–V11/P156

وكان بعض أهل العلم يقول: هما أمانان أنزلهما الله، فأما أحدهما فمضى نبي الله، وأما الآخر فأبقاه الله رحمة بين أظهركم، الاستغفار والتوبة " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " قال الله لرسوله: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] يقول: ما كنت أعذبهم وهم يستغفرون، ولو استغفروا وأقروا بالذنوب لكانوا مؤمنين، وكيف لا أعذبهم وهم لا يستغفرون، 11P154 وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن محمد وعن المسجد الحرام " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] قال: يقول: لو استغفروا لم أعذبهم " وقال آخرون: معنى ذلك: وما كان الله ليعذبهم وهم يسلمون. قالوا: واستغفارهم كان في هذا الموضع إسلامهم ذكر من قال ذلك: حدثنا سوار بن عبد الله، قال: ثنا عبد الملك بن الصباح، قال: ثنا عمران بن حدير، عن عكرمة، في قوله: " {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] قال: سألوا العذاب، فقال: لم يكن ليعذبهم وأنت فيهم، ولم يكن ليعذبهم وهم يدخلون في الإسلام " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {وأنت فيهم} [الأنفال: 33] قال: بين أظهرهم. وقوله: {وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] قال: يسلمون " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن 11P155 مجاهد: " {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} [الأنفال: 33] بين أظهرهم {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] قال: وهم يسلمون. {وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام} [الأنفال: 34] " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا محمد بن عبيد الله، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} [الأنفال: 33] قال: بين أظهرهم. {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] قال: دخولهم في الإسلام " وقال آخرون: بل معنى ذلك: وفيهم من قد سبق له من الله الدخول في الإسلام ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} [الأنفال: 33] يقول: ما كان الله سبحانه يعذب قوما وأنبياؤهم بين أظهرهم حتى يخرجهم. ثم قال: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] يقول: ومنهم من قد سبق له من الله الدخول في الإيمان، وهو الاستغفار، ثم قال: {وما لهم ألا يعذبهم الله} [الأنفال: 34] فعذبهم يوم بدر بالسيف " 11P156 وقال آخرون: بل معناه: وما كان الله معذبهم وهم يصلون ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] يعني: يصلون، يعني بهذا أهل مكة " حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن منصور، عن مجاهد، في قول الله: " {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] قال: يصلون " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم، يقول في قوله: " {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} [الأنفال: 33] يعني: أهل مكة، يقول: لم أكن لأعذبكم وفيكم محمد. ثم قال: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] يعني: يؤمنون ويصلون " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: " {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] قال: وهم يصلون " وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما كان الله ليعذب المشركين وهم يستغفرون.

Sección V11/P156

قالوا: ثم نسخ ذلك بقوله: {وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام} [الأنفال: 34] ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، والحسن البصري، قالا: " قال في الأنفال: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] فنسختها الآية التي تليها: {وما لهم ألا يعذبهم الله} [الأنفال: 34] إلى قوله: {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} [آل عمران: 106] فقوتلوا بمكة، وأصابهم فيها الجوع والحصر " وأولى هذه الأقوال عندي في ذلك بالصواب قول من قال: تأويله: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم يا محمد وبين أظهرهم مقيم، حتى أخرجك من بين أظهرهم؛ لأني لا أهلك قرية وفيها نبيها. وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون من ذنوبهم وكفرهم، ولكنهم لا يستغفرون من ذلك، بل هم مصرون عليه، فهم للعذاب مستحقون، كما يقال: ما كنت لأحسن إليك وأنت تسيء إلي، يراد بذلك: لا أحسن إليك إذا أسأت إلي ولو أسأت إلي لم أحسن إليك، ولكن أحسن إليك لأنك لا تسيء إلي، وكذلك ذلك. ثم قيل: {وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام} [الأنفال: 34] بمعنى: وما شأنهم وما يمنعهم أن يعذبهم الله وهم لا يستغفرون الله من كفرهم فيؤمنوا به، وهم يصدون المؤمنين بالله ورسوله عن المسجد الحرام. وإنما قلنا: هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب؛ لأن القوم أعني 11P158 مشركي مكة كانوا استعجلوا العذاب، فقالوا: اللهم إن كان ما جاء به محمد هو الحق، فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فقال الله لنبيه: ما كنت لأعذبهم وأنت فيهم وما كنت لأعذبهم لو استغفروا، وكيف لا أعذبهم بعد إخراجك منهم وهم يصدون عن المسجد الحرام، فأعلمه جل ثناؤه أن الذين استعجلوا العذاب حائق بهم ونازل، وأعلمهم حال نزوله بهم، وذلك بعد إخراجه إياه من بين أظهرهم. ولا وجه لإيعادهم العذاب في الآخرة، وهم مستعجلوه في العاجل، ولا شك أنهم في الآخرة إلى العذاب صائرون، بل في تعجيل الله لهم ذلك يوم بدر الدليل الواضح على أن القول في ذلك ما قلنا. وكذلك لا وجه لقول من وجه قوله: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] إلى أنه عنى به المؤمنين، وهو في سياق الخبر عنهم وعما الله فاعل بهم، ولا دليل على أن الخبر عنهم قد تقضى، وعلى أن ذلك به عنوا، ولا خلاف في تأويله من أهله موجود. وكذلك أيضا لا وجه لقول من قال: ذلك منسوخ بقوله: {وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام} [الأنفال: 34] الآية؛ لأن قوله جل ثناؤه: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] خبر، والخبر لا يجوز أن يكون فيه نسخ، وإنما يكون النسخ للأمر والنهي. واختلف أهل العربية في وجه دخول «أن» في قوله: {وما لهم ألا يعذبهم 11P159 الله} [الأنفال: 34] فقال بعض نحويي البصرة: هي زائدة هاهنا، وقد عملت كما عملت لا وهي زائدة، وجاء في الشعر: [+البحر البسيط] لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها إلي لام ذوو أحسابها عمرا وقد أنكر ذلك من قوله بعض أهل العربية، وقال: لم تدخل «أن» إلا لمعنى صحيح؛ لأن معنى {وما لهم} [الأنفال: 34] ما يمنعهم من أن يعذبوا، قال: فدخلت «أن» لهذا المعنى، وأخرج ب لا، ليعلم أنه بمعنى الجحد؛ لأن المنع جحد. قال: ولا في البيت صحيح معناها؛ لأن الجحد إذا وقع عليه جحد صار خبرا. وقال: ألا ترى إلى قولك: ما زيد ليس قائما، فقد أوجبت القيام؟ قال: وكذلك لا في هذا البيت 11P157

Sección V11/P156–V11/P159

[الأنفال: 34] القول في تأويل قوله تعالى: {وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون} [الأنفال: 34] يقول تعالى ذكره: وما لهؤلاء المشركين ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام، ولم يكونوا أولياء الله {إن أولياؤه} [الأنفال: 34] يقول: ما أولياء الله إلا المتقون، يعني: الذين يتقون الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه. {ولكن أكثرهم لا يعلمون} [الأنعام: 37] يقول: ولكن أكثر المشركين لا يعلمون أن أولياء الله المتقون، بل يحسبون أنهم أولياء الله، وبنحو ما قلنا قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون} [الأنفال: 34] هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: " {إن أولياؤه إلا المتقون} [الأنفال: 34] من كانوا وحيث كانوا ". حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " {وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون} [الأنفال: 34] الذين يخرجون منه، ويقيمون الصلاة عنده، أي: أنت يعني النبي صلى الله عليه وسلم ومن آمن بك " 11P160

Sección V11/P159–V11/P164

[الأنفال: 35] القول في تأويل قوله تعالى: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} [الأنفال: 35] يقول تعالى ذكره: وما لهؤلاء المشركين ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام الذي يصلون لله فيه ويعبدونه، ولم يكونوا لله أولياء، بل أولياؤه الذين يصدونهم عن المسجد الحرام وهم لا يصلون في المسجد الحرام. {وما كان صلاتهم عند البيت} [الأنفال: 35] يعني: بيت الله العتيق {إلا مكاء} [الأنفال: 35] وهو الصفير، يقال منه: مكا يمكو مكوا ومكاء، وقد قيل: إن المكو: أن يجمع الرجل يديه ثم يدخلهما في فيه ثم يصيح، ويقال منه: مكت است الدابة مكاء: إذا نفخت بالريح، ويقال: إنه لا يمكو إلا است مكشوفة، ولذلك قيل للاست المكوة، سميت بذلك، ومن ذلك قول عنترة: [+البحر الكامل] وحليل غانية تركت مجدلا تمكو فريصته كشدق الأعلم وقول الطرماح: [+البحر الكامل] فنحا لأولاها بطعنة محفظ تمكو جوانبها من الإنهار بمعنى: تصوت. وأما التصدية فإنها التصفيق، يقال منه: صدى يصدي تصدية، وصفق وصفح بمعنى واحد. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن موسى بن قيس، عن حجر بن عنبس: " {إلا مكاء وتصدية} [الأنفال: 35] قال: المكاء: التصفير، والتصدية: التصفيق " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: قوله: " {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} [الأنفال: 35] المكاء: التصفير، والتصدية: التصفيق " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} [الأنفال: 35] يقول: كانت صلاة المشركين عند البيت مكاء يعني التصفير، وتصدية يقول: التصفيق " حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا فضيل، عن عطية: " {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} [الأنفال: 35] قال: التصفيق والصفير " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن قرة بن خالد، عن عطية، عن ابن عمر، قال: " المكاء: التصفيق، والتصدية: الصفير. قال: وأمال ابن عمر خده إلى جانب " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا وكيع، عن قرة بن خالد، عن عطية، عن ابن عمر: " {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} [الأنفال: 35] قال: المكاء والتصدية: الصفير والتصفيق " حدثني الحارث، قال: ثنا القاسم، قال سمعت محمد بن الحسين يحدث عن قرة بن خالد، عن عطية العوفي، عن ابن عمر، قال: " المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرة، عن عطية، عن ابن عمر، في قوله: " {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} [الأنفال: 35] قال: المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق. وقال قرة: وحكى لنا عطية فعل ابن عمر، فصفر وأمال خده وصفق بيديه " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني بكر بن مضر، عن جعفر بن ربيعة، قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، يقول في قول الله: " {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} [الأنفال: 35] قال بكر: فجمع لي 11P164 جعفر كفيه، ثم نفخ فيهما صفيرا، كما قال له أبو سلمة " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: " المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق " قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سلمة بن سابور، عن عطية، عن ابن عمر: " {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} [الأنفال: 35] قال: تصفير وتصفيق ".

Sección V11/P164

قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن ابن عمر مثله حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حبويه أبو يزيد، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون، فأنزل الله: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده} [الأعراف: 32] فأمروا بالثياب " حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد، قال: " كانت قريش يعارضون النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف يستهزئون به، يصفرون به ويصفقون، فنزلت: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} [الأنفال: 35] " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: " {إلا مكاء} [الأنفال: 35] قال: كانوا ينفخون في أيديهم، والتصدية: التصفيق " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {إلا مكاء وتصدية} [الأنفال: 35] قال: المكاء: إدخال أصابعهم في أفواههم، والتصدية: التصفيق، يخلطون بذلك على محمد صلى الله عليه وسلم ". حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله، إلا أنه لم يقل صلاته حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: " المكاء: إدخال أصابعهم في أفواههم، والتصدية: التصفيق. قال نفر من بني عبد الدار كانوا يخلطون بذلك كله على محمد صلاته " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا طلحة بن عمرو، عن سعيد بن جبير: " {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} [الأنفال: 35] قال: من بين الأصابع. قال أحمد: سقط علي حرف وما أراه إلا الخذف والنفخ والصفير منها، وأراني سعيد بن جبير حيث كانوا يمكون من ناحية أبي قبيس " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق بن سليمان، قال: أخبرنا طلحة بن عمرو، عن سعيد بن جبير، في قوله: " {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} [الأنفال: 35] قال: المكاء: كانوا يشبكون بين أصابعهم ويصفرون بها، فذلك المكاء. قال: وأراني سعيد بن جبير المكان الذي كانوا يمكون فيه نحو أبي قبيس " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا محمد بن حرب، قال: ثنا ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، في قوله: " {مكاء وتصدية} [الأنفال: 35] قال: المكاء: النفخ، وأشار بكفه قبل فيه، والتصدية: التصفيق " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، قال: " المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق " حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} [الأنفال: 35] قال: كنا نحدث أن المكاء التصفيق بالأيدي، والتصدية صياح كانوا يعارضون به القرآن " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {مكاء وتصدية} [الأنفال: 35] قال: المكاء: التصفير، والتصدية: التصفيق " حدثني محمد بن الحسين ، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} [الأنفال: 35] والمكاء: الصفير، على نحو طير أبيض يقال له المكاء يكون بأرض الحجاز والتصدية: التصفيق " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} [الأنفال: 35] قال: المكاء: صفير كان أهل الجاهلية يعلنون به. قال: وقال في المكاء أيضا: صفير في أيديهم ولعب " وقد قيل في التصدية: إنها الصد عن بيت الله الحرام. وذلك قول لا وجه له لأن التصدية مصدر من قول القائل: صديت تصدية.

Sección V11/P164–V11/P168

وأما الصد فلا يقال منه: صديت، إنما يقال منه صددت، فإن شددت منها الدال على معنى تكرير الفعل، قيل: صددت تصديدا، إلا أن يكون صاحب هذا القول وجه التصدية إلى أنه من صددت، ثم قلبت إحدى داليه ياء، كما يقال: تظنيت من ظننت، وكما قال الراجز: تقضي البازي إذا البازي كسر يعني: تقضض البازي، فقلب إحدى ضاديه ياء، فيكون ذلك وجها يوجه إليه ذكر من قال ما ذكرنا في تأويل التصدية: حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا طلحة بن عمرو، عن سعيد بن جبير: " {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} [الأنفال: 35] صدهم عن بيت الله الحرام " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق بن سليمان، قال: أخبرنا طلحة بن عمرو، عن سعيد بن جبير: " {وتصدية} [الأنفال: 35] قال: التصدية: صدهم الناس عن البيت الحرام " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وتصدية} [الأنفال: 35] قال: التصدية عن سبيل الله، وصدهم عن الصلاة وعن دين الله " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} [الأنفال: 35] قال: ما كان صلاتهم التي يزعمون أنها يدرأ بها عنهم إلا مكاء وتصدية، وذلك ما لا يرضى الله ولا يحب، ولا ما افترض عليهم ولا ما أمرهم به " وأما قوله: {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} [آل عمران: 106] فإنه يعني العذاب الذي وعدهم به بالسيف يوم بدر، يقول للمشركين الذين قالوا: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء} [الأنفال: 32] الآية، حين أتاهم بما استعجلوه من العذاب: ذوقوا: أي اطعموا، وليس بذوق بفم، ولكنه ذوق بالحس، ووجود طعم ألمه بالقلوب. يقول لهم: فذوقوا العذاب بما 11P169 كنتم تجحدون أن الله معذبكم به على جحودكم توحيد ربكم ورسالة نبيكم صلى الله عليه وسلم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} [آل عمران: 106] أي ما أوقع الله بهم يوم بدر من القتل " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: " {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} [آل عمران: 106] قال: هؤلاء أهل بدر يوم عذبهم الله " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} [آل عمران: 106] يعني أهل بدر عذبهم الله يوم بدر بالقتل والأسر " 11P169

Sección V11/P168–V11/P171

[الأنفال: 36] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون} [الأنفال: 36] يقول تعالى ذكره: إن الذين كفروا بالله ورسوله ينفقون أموالهم، فيعطونها أمثالهم من المشركين ليتقووا بها على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، ليصدوا المؤمنين بالله ورسوله عن الإيمان بالله ورسوله، فسينفقون أموالهم في ذلك {ثم تكون} [الأنفال: 36] نفقتهم تلك {عليهم حسرة} [الأنفال: 36] يقول: تصير ندامة عليهم؛ لأن أموالهم تذهب، ولا يظفرون بما يأملون ويطمعون فيه من إطفاء نور الله، وإعلاء كلمة الكفر على كلمة الله؛ لأن الله معلي كلمته، وجاعل كلمة الكفر السفلى، ثم يغلبهم المؤمنون، ويحشر الله الذين كفروا به وبرسوله إلى جهنم، فيعذبون فيها، فأعظم بها حسرة وندامة لمن عاش منهم ومن هلك، أما الحي فحرب ماله وذهب باطلا في غير درك ولا نفع ورجع مغلوبا مقهورا محزونا مسلوبا، وأما الهالك: فقتل وسلب وعجل به إلى نار الله يخلد فيها، نعوذ بالله من غضبه وكان الذي تولى النفقة التي ذكرها الله في هذه الآية فيما ذكر أبا سفيان ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، في قوله: " {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم} [الأنفال: 36] الآية {والذين كفروا إلى جهنم يحشرون} [الأنفال: 36] قال: نزلت في أبي سفيان بن حرب استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش من بني كنانة، فقاتل بهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم الذين يقول فيهم كعب بن مالك: [+البحر الطويل] 11P171 وجئنا إلى موج من البحر وسطه أحابيش منهم حاسر ومقنع ثلاثة آلاف ونحن نصية ثلاث مئين إن كثرنا فأربع حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إسحاق بن إسماعيل، عن يعقوب القمي، عن جعفر، عن ابن أبزى: " {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله} [سورة: الأنفال، آية رقم: 36] قال: نزلت في أبي سفيان، استأجر يوم أحد ألفين ليقاتل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى من استجاش من العرب " قال: أخبرنا أبي، عن خطاب بن عثمان العصفري، عن الحكم بن عتيبة: " {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله} [الأنفال: 36] قال: نزلت في أبي سفيان، أنفق على المشركين يوم أحد أربعين أوقية من ذهب، وكانت الأوقية يومئذ اثنين وأربعين مثقالا " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله} [الأنفال: 36] الآية، قال: لما قدم أبو سفيان بالعير إلى مكة، أنشد الناس ودعاهم إلى القتال حتى غزا نبي الله من العام المقبل، وكانت بدر في رمضان يوم الجمعة صبيحة سابع عشرة من شهر رمضان، وكانت أحد في شوال يوم السبت لإحدى عشرة خلت منه في العام الرابع " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " قال الله فيما كان المشركون ومنهم أبو سفيان يستأجرون الرجال يقاتلون محمدا بهم: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله} [الأنفال: 36] وهو محمد صلى الله عليه وسلم {فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة} [الأنفال: 36] يقول: ندامة يوم القيامة وويلا {ثم يغلبون} [الأنفال: 36] " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: " {ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله} [الأنفال: 36] الآية، حتى قوله: {أولئك هم الخاسرون} [البقرة: 27] قال: في نفقة أبي سفيان على الكفار يوم أحد ".

Sección V11/P171–V11/P174

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن 11P173 مجاهد مثله حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قالا: ثنا محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، قالوا: " لما أصابت المسلمون يوم بدر من كفار قريش من أصحاب القليب ورجع فلهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بعيره، مشى عبد الله بن ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كان له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش، إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا أن ندرك منه ثأرا بمن أصيب منا، ففعلوا. قال: ففيهم كما ذكر عن ابن عباس أنزل الله: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم} [الأنفال: 36] إلى قوله: {والذين كفروا إلى جهنم يحشرون} [الأنفال: 36] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله} [الأنفال: 36] إلى قوله: {يحشرون} [الأنفال: 36] يعني النفر الذين مشوا إلى أبي سفيان وإلى من كان له مال من قريش في تلك التجارة، فسألوهم أن يعينوهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلوا " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن عطاء بن دينار، في قول الله: " {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم} [الأنفال: 36] الآية، نزلت في أبي سفيان بن حرب " وقال بعضهم: عني بذلك المشركون من أهل بدر ذكر من قال ذلك: حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله} [الأنفال: 36] الآية، قال: هم أهل بدر " والصواب من القول في ذلك عندي ما قلنا، وهو أن يقال: إن الله أخبر عن الذين كفروا به من مشركي قريش أنهم ينفقون أموالهم، ليصدوا عن سبيل الله، لم يخبرنا بأي أولئك عنى، غير أنه عم بالخبر الذين كفروا، وجائز أن يكون عنى المنفقين أموالهم لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأحد، وجائز أن يكون عنى المنفقين 11P175 منهم ذلك ببدر، وجائز أن يكون عنى الفريقين. وإذا كان ذلك كذلك، فالصواب في ذلك أن يعم كما عم جل ثناؤه الذين كفروا من قريش 11P174

Sección V11/P174–V11/P177

[الأنفال: 37] القول في تأويل قوله تعالى: {ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون} [الأنفال: 37] يقول تعالى ذكره: يحشر الله هؤلاء الذين كفروا بربهم، وينفقون أموالهم للصد عن سبيل الله إلى جهنم، ليفرق بينهم وهم أهل الخبث كما قال وسماهم {الخبيث} [البقرة: 267] وبين المؤمنين بالله وبرسوله، وهم الطيبون، كما سماهم جل ثناؤه. فميز جل ثناؤه بينهم بأن أسكن أهل الإيمان به وبرسوله جناته، وأنزل أهل الكفر ناره. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {ليميز الله الخبيث من الطيب} [الأنفال: 37] فميز أهل السعادة من أهل الشقاوة " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " ثم ذكر المشركين، وما يصنع بهم يوم القيامة، فقال: {ليميز الله 11P176 الخبيث من الطيب} [الأنفال: 37] يقول: يميز المؤمن من الكافر. {ويجعل الخبيث بعضه على بعض} [الأنفال: 37] " ويعني جل ثناؤه بقوله: {ويجعل الخبيث بعضه على بعض} [الأنفال: 37] فيحمل الكفار بعضهم فوق بعض. {فيركمه جميعا} [الأنفال: 37] يقول: فنجعلهم ركاما، وهو أن يجمع بعضهم إلى بعض حتى يكثروا، كما قال جل ثناؤه في صفة السحاب: {ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما} [النور: 43] أي مجتمعا كثيفا وكما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {فيركمه جميعا} [الأنفال: 37] قال: فيجمعه جميعا بعضه على بعض " وقوله: {فيجعله في جهنم} [الأنفال: 37] يقول: فيجعل الخبيث جميعا في جهنم، فوحد الخبر عنهم لتوحيد قوله: {ليميز الله الخبيث} [الأنفال: 37] ثم قال: {أولئك هم الخاسرون} [البقرة: 27] فجمع ولم يقل: ذلك هو الخاسر، فرده إلى أول الخبر. ويعني ب «أولئك» الذين كفروا، وتأويله: هؤلاء الذين ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله هم الخاسرون. ويعني بقوله: {الخاسرون} [الأنفال: 37] الذين غبنت صفقتهم وخسرت تجارتهم، وذلك أنهم شروا بأموالهم عذاب الله في الآخرة، وتعجلوا بإنفاقهم إياها فيما أنفقوا من قتال نبي الله والمؤمنين به الخزي والذل 11P176 [الأنفال: 38] القول في تأويل قوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين} [الأنفال: 38] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للذين كفروا من مشركي قومك: إن ينتهوا عما هم عليه مقيمون من كفرهم بالله ورسوله وقتالك وقتال المؤمنين فينيبوا إلى الإيمان، يغفر الله لهم ما قد خلا ومضى من ذنوبهم قبل إيمانهم وإنابتهم إلى طاعة الله وطاعة رسوله بإيمانهم وتوبتهم. {وإن يعودوا} [الأنفال: 38] يقول: وإن يعد هؤلاء المشركون لقتالك بعد الوقعة التي أوقعتها بهم يوم بدر، فقد مضت سنتي في الأولين منهم ببدر ومن غيرهم من القرون الخالية إذ طغوا وكذبوا رسلي ولم يقبلوا نصحهم من إحلال عاجل النقم بهم، فأحل بهؤلاء إن عادوا لحربك وقتالك مثل الذين أحللت بهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {فقد مضت سنة الأولين} [الأنفال: 38] في قريش يوم بدر وغيرها من الأمم قبل ذلك ". حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله حدثني المثنى، قال: ثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن 11P178 مجاهد: " {فقد مضت سنة الأولين} [الأنفال: 38] قال: في قريش وغيرها من الأمم قبل ذلك " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال في قوله: " {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا} [الأنفال: 38] لحربك {فقد مضت سنة الأولين} [الأنفال: 38] أي من قتل منهم يوم بدر " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: «وإن يعودوا لقتالك، فقد مضت سنة الأولين من أهل بدر» 11P178

Sección V11/P177–V11/P180

[الأنفال: 39] القول في تأويل قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير} [الأنفال: 39] يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: وإن يعد هؤلاء لحربك، فقد رأيتم سنتي فيمن قاتلكم منهم يوم بدر، وأنا عائد بمثلها فيمن حاربكم منهم، فقاتلوهم حتى لا يكون شرك ولا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، فيرتفع البلاء عن عباد الله من الأرض وهو الفتنة {ويكون الدين كله لله} [الأنفال: 39] يقول: حتى تكون الطاعة والعبادة كلها لله خالصة دون غيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، 11P179 قوله: " {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [البقرة: 193] يعني: حتى لا يكون شرك " حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال أخبرنا هشيم، عن يونس، عن الحسن، في قوله: " {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [البقرة: 193] قال: الفتنة: الشرك " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [البقرة: 193] يقول: قاتلوهم حتى لا يكون شرك، و {ويكون الدين كله لله} [الأنفال: 39] حتى يقال: لا إله إلا الله، عليها قاتل النبي صلى الله عليه وسلم، وإليها دعا " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [البقرة: 193] قال: حتى لا يكون شرك " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن، في قوله: " {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [البقرة: 193] قال: حتى لا يكون بلاء " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: " {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} [الأنفال: 39] أي لا يفتر مؤمن عن دينه، ويكون التوحيد لله خالصا ليس فيه شرك، ويخلع ما دونه من 11P180 الأنداد " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [البقرة: 193] قال: حتى لا يكون كفر {ويكون الدين كله لله} [الأنفال: 39] لا يكون مع دينكم كفر " حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أبان العطار، قال: ثنا هشام بن عروة، عن أبيه: أن عبد الملك بن مروان كتب إليه يسأله عن أشياء، فكتب إليه عروة: " سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإنك كتبت إلي تسألني عن مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، وسأخبرك به، ولا حول ولا قوة إلا بالله كان من شأن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، أن الله أعطاه النبوة، فنعم النبي ونعم السيد، ونعم العشيرة، فجزاه الله خيرا وعرفنا وجهه في الجنة، وأحيانا على ملته، وأماتنا عليها، وبعثنا عليها. وإنه لما دعا قومه لما بعثه الله له من الهدى والنور الذي أنزل عليه، لم ينفروا منه أول ما دعاهم إليه، وكانوا يسمعون له حتى ذكر طواغيتهم. وقدم ناس من الطائف من قريش لهم أموال، أنكر ذلك عليه ناس، واشتدوا عليه، وكرهوا ما قال، وأغروا به من أطاعهم، فانعطف عنه عامة الناس، فتركوه، إلا من حفظه الله منهم وهم قليل. فمكث بذلك ما قدر الله أن يمكث، ثم ائتمرت رءوسهم بأن يفتنوا من اتبعه عن دين الله من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم، فكانت فتنة شديدة الزلزال، فافتتن من افتتن، وعصم الله من شاء منهم. فلما فعل ذلك بالمسلمين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى أرض الحبشة، وكان بالحبشة ملك صالح يقال له النجاشي لا يظلم أحد بأرضه، وكان يثنى عليه مع ذلك. وكانت أرض الحبشة متجرا لقريش يتجرون فيها، ومساكن لتجارتهم يجدون فيها رتاعا من الرزق وأمنا ومتجرا حسنا.

Sección V11/P180–V11/P183

فأمرهم بها النبي صلى الله عليه وسلم فذهب إليها عامتهم لما قهروا بمكة، وخافوا عليهم الفتن، ومكث هو فلم يبرح، فمكث ذلك سنوات يشتدون على من أسلم منهم. ثم إنه فشا الإسلام فيها، ودخل فيه رجال من أشرافهم ومنعتهم، فلما رأوا ذلك استرخوا استرخاءة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، وكانت الفتنة الأولى هي أخرجت من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أرض الحبشة مخافة وفرارا مما كانوا فيه من الفتن والزلزال. فلما استرخي عنهم ودخل في الإسلام من دخل منهم، تحدث بهذا الاسترخاء عنهم، فبلغ ذلك من كان بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد استرخي عمن كان منهم بمكة وأنهم لا يفتنون، فرجعوا إلى مكة وكادوا يأمنون بها، وجعلوا يزدادون ويكثرون. وإنه أسلم من الأنصار بالمدينة ناس كثير، وفشا بالمدينة الإسلام، وطفق أهل المدينة يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فلما رأت قريش ذلك، توامرت على أن يفتنوهم، ويشدوا عليهم، فأخذوهم وحرصوا على أن يفتنوهم، فأصابهم جهد شديد، وكانت الفتنة الآخرة، فكانت ثنتين: فتنة أخرجت من خرج منهم إلى أرض الحبشة حين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بها وأذن لهم في الخروج إليها، وفتنة لما رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة ثم إنه جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة سبعون نفسا رءوس الذين أسلموا، فوافوه بالحج، فبايعوه بالعقبة، وأعطوه على: إنا منك وأنت منا، وعلى: أن من جاء من أصحابك أو جئتنا فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا. فاشتدت عليهم قريش عند ذلك، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يخرجوا إلى المدينة، وهي الفتنة الآخرة التي أخرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وخرج هو، وهي التي أنزل الله فيها: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} [الأنفال: 39] ". حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة بن الزبير، أنه كتب إلى الوليد: أما بعد: فإنك كتبت إلي تسألني عن مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، وعندي بحمد الله من ذلك علم بكل ما كتبت تسألني عنه، وسأخبرك إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم ذكر نحوه حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا قيس، عن الأعمش، عن مجاهد: " {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [البقرة: 193] قال: يساف ونائلة صنمان كانا يعبدان " وأما قوله: {فإن انتهوا} [البقرة: 192] فإن معناه: فإن انتهوا عن الفتنة، وهي الشرك بالله، وصاروا إلى الدين الحق معكم {فإن الله بما يعملون بصير} [الأنفال: 39] يقول: فإن الله لا يخفى عليه ما يعملون من ترك الكفر والدخول في دين الإسلام؛ لأنه يبصركم ويبصر أعمالكم والأشياء كلها متجلية له لا تغيب عنه ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين. وقد قال بعضهم: معنى ذلك: فإن انتهوا عن القتال. والذي قلنا في ذلك أولى بالصواب؛ لأن المشركين وإن انتهوا عن القتال، فإنه كان فرضا على المؤمنين قتالهم حتى يسلموا . 11P183

Sección V11/P183–V11/P187

[الأنفال: 40] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير} [الأنفال: 40] يقول تعالى ذكره: وإن أدبر هؤلاء المشركون عما دعوتموهم إليه أيها المؤمنون من الإيمان بالله ورسوله وترك قتالكم على كفرهم، فأبوا إلا الإصرار على 11P184 الكفر وقتالكم، فقاتلوهم وأيقنوا أن الله معينكم عليهم وناصركم. {نعم المولى} [الأنفال: 40] هو لكم، يقول: نعم المعين لكم ولأوليائه {ونعم النصير} [الأنفال: 40] وهو الناصر حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " {وإن تولوا} [البقرة: 137] عن أمرك إلى ما هم عليه من كفرهم فإن الله {هو مولاكم} [الحج: 78] الذي أعزكم ونصركم عليهم يوم بدر في كثرة عددهم وقلة عددكم. {نعم المولى ونعم النصير} [الأنفال: 40] " 11P184 [الأنفال: 41] القول في تأويل قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} [الأنفال: 41] قال أبو جعفر: وهذا تعليم من الله عز وجل المؤمنين قسم غنائمهم إذا غنموها، يقول تعالى ذكره: واعلموا أيها المؤمنون أنما غنمتم من غنيمة. واختلف أهل العلم في معنى الغنيمة والفيء، فقال بعضهم: فيهما معنيان كل واحد منهما غير صاحبه ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حميد بن عبد الرحمن، عن الحسن بن صالح، قال: سألت عطاء بن السائب عن هذه الآية: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] وهذه الآية: {ما أفاء الله على رسوله} [الحشر: 7] قال 11P185 قلت: ما الفيء وما الغنيمة؟ قال: «إذا ظهر المسلمون على المشركين وعلى أرضهم، وأخذوهم عنوة فما أخذوا من مال ظهروا عليه فهو غنيمة، وأما الأرض فهي في سوادنا هذا فيء» وقال آخرون: الغنيمة ما أخذ عنوة. والفيء: ما كان عن صلح ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان الثوري، قال: " الغنيمة: ما أصاب المسلمون عنوة بقتال فيه الخمس، وأربعة أخماسه لمن شهدها. والفيء: ما صولحوا عليه بغير قتال، وليس فيه خمس، هو لمن سمى الله " وقال آخرون: الغنيمة والفيء بمعنى واحد. وقالوا: هذه الآية التي في الأنفال ناسخة قوله: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول} [الحشر: 7] الآية ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: " {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} [الحشر: 7] قال: كان الفيء في هؤلاء، ثم نسخ ذلك في سورة الأنفال، فقال: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى 11P186 واليتامى والمساكين وابن السبيل} [الأنفال: 41] فنسخت هذه ما كان قبلها في سورة الحشر، وجعل الخمس لمن كان له الفيء في سورة الحشر، وسائر ذلك لمن قاتل عليه " وقد بينا فيما مضى الغنيمة، وأنها المال يوصل إليه من مال من خول الله ماله أهل دينه بغلبة عليه وقهر بقتال. فأما الفيء، فإنه ما أفاء الله على المسلمين من أموال أهل الشرك، وهو ما رده عليهم منها بصلح، من غير إيجاف خيل ولا ركاب. وقد يجوز أن يسمى ما ردته عليهم منها سيوفهم ورماحهم وغير ذلك من سلاحهم فيئا؛ لأن الفيء إنما هو مصدر من قول القائل: فاء الشيء يفيء فيئا: إذا رجع، وأفاءه الله: إذا رده. غير أن الذي ورد حكم الله فيه من الفيء يحكيه في سورة الحشر إنما هو ما وصفت صفته من الفيء دون ما أوجف عليه منه بالخيل والركاب، لعلل قد بينتها في كتابنا: «كتاب لطيف القول في أحكام شرائع الدين» وسنبينه أيضا في تفسير سورة الحشر إذا انتهينا إليه إن شاء الله تعالى. وأما قول من قال: الآية التي في سورة الأنفال ناسخة الآية التي في سورة الحشر فلا معنى له، إذ كان لا معنى في إحدى الآيتين ينفي حكم الأخرى. وقد بينا معنى النسخ، وهو نفي حكم قد ثبت بحكم بخلافه، في غير موضع بما أغنى عن إعادته 11P187 في هذا الموضع وأما قوله: {من شيء} [آل عمران: 92] فإنه مراد به كل ما وقع عليه اسم شيء مما خوله الله المؤمنين من أموال من غلبوا على ماله من المشركين مما وقع فيه القسم حتى الخيط والمخيط كما: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قوله: " {واعلموا أنما غنمتم من شيء} [الأنفال: 41] قال: المخيط من الشيء ". حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد بمثله. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم الفضل، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد مثله 11P187

Sección V11/P187–V11/P189

[الأنفال: 41] القول في تأويل قوله تعالى: {فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} [الأنفال: 41] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: قوله: {فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] مفتاح كلام، ولله الدنيا والآخرة وما فيهما، وإنما معنى الكلام: فأن للرسول خمسه ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، 11P188 قال: سألت الحسن عن قول الله: " {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول} [الأنفال: 41] قال: هذا مفتاح كلام، لله الدنيا والآخرة " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، قال: سألت الحسن بن محمد، عن قوله: " {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] قال: هذا مفتاح كلام، لله الدنيا والآخرة " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا أبو شهاب، عن ورقاء، عن نهشل، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية فغنموا خمس الغنيمة فضرب ذلك الخمس في خمسة. ثم قرأ: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول} [الأنفال: 41] قال: وقوله: {فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] مفتاح كلام {لله ما في السموات وما في الأرض} فجعل سهم الله وسهم الرسول واحدا " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم: " {فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] قال: لله كل شيء " حدثنا المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: " {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] قال: لله كل شيء، وخمس لله ورسوله، ويقسم ما سوى ذلك على أربعة أسهم " حدثنا ابن بشار، قال ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: «كانت الغنيمة تقسم خمس أخماس، فأربعة أخماس لمن قاتل عليها، ويقسم الخمس الباقي على خمسة أخماس، فخمس لله والرسول» حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا أبان، عن الحسن، قال: أوصى أبو بكر رضي الله عنه بالخمس من ماله وقال: «ألا أرضى من مالي بما رضي الله لنفسه؟ » حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن عبد الملك، عن عطاء: " {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول} [الأنفال: 41] قال: خمس الله وخمس رسوله واحد، كان النبي صلى الله عليه وسلم يحمل منه ويصنع فيه ما شاء " حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن أصحابه، عن إبراهيم: " {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] قال: كل شيء لله، الخمس للرسول، ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل " وقال آخرون: معنى ذلك فإن لبيت الله خمسه وللرسول ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع بن الجراح، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع 11P190 بن أنس، عن أبي العالية الرياحي، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالغنيمة، فيقسمها على خمسة تكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثم يأخذ الخمس، فيضرب بيده فيه، فيأخذ منه الذي قبض كفه فيجعله للكعبة، وهو سهم الله، ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم، فيكون سهم للرسول.

Sección V11/P189–V11/P190

وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل» حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: " {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] إلى آخر الآية، قال: فكان يجاء بالغنيمة فتوضع، فيقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة أسهم، فيجعل أربعة بين الناس ويأخذ سهما، ثم يضرب بيده في جميع ذلك السهم، فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة، فهو الذي سمي لله، ويقول: «لا تجعلوا لله نصيبا فإن لله الدنيا والآخرة» ثم يقسم بقيته على خمسة أسهم: سهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل " وقال آخرون: ما سمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك فإنما هو مراد به قرابته، وليس لله ولا لرسوله منه شيء ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن 11P191 عباس، قال: «كانت الغنيمة تقسم على خمسة أخماس، فأربعة منها لمن قاتل عليها، وخمس واحد يقسم على أربع، فربع لله والرسول ولذي القربى يعني قرابة النبي صلى الله عليه وسلم فما كان لله والرسول فهو لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم، من الخمس شيئا، والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل» وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال قوله: {فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] افتتاح كلام؛ وذلك لإجماع الحجة على أن الخمس غير جائز قسمه على ستة أسهم، ولو كان لله فيه سهم كما قال أبو العالية، لوجب أن يكون خمس الغنيمة مقسوما على ستة أسهم. وإنما اختلف أهل العلم في قسمه على خمسة فما دونها، فأما على أكثر من ذلك فما لا نعلم قائلا قاله غير الذي ذكرنا من الخبر عن أبي العالية، وفي إجماع من ذكرت الدلالة الواضحة على صحة ما اخترنا. فأما من قال: سهم الرسول لذوي القربى، فقد أوجب للرسول سهما، وإن كان صلى الله عليه وسلم صرفه إلى ذوي قرابته، فلم يخرج من أن يكون القسم كان على خمسة أسهم وقد: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] الآية، قال: كان نبي 11P192 الله صلى الله عليه وسلم إذا غنم غنيمة جعلت أخماسا، فكان خمس لله ولرسوله، ويقسم المسلمون ما بقي. وكان الخمس الذي جعل لله ولرسوله ولذوي القربى واليتامى وللمساكين وابن السبيل، فكان هذا الخمس خمسة أخماس: خمس لله ورسوله، وخمس لذوي القربى، وخمس لليتامى، وخمس للمساكين، وخمس لابن السبيل " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن،. قال: ثنا سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، قال: سألت يحيى بن الجزار عن سهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «هو خمس الخمس» . حدثنا ابن وكيع. قال: ثنا ابن عيينة، وجرير عن موسى بن أبي عائشة، عن يحيى بن الجزار مثله. حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد.

Sección V11/P190–V11/P195

قال: ثنا سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن يحيى بن الجزار مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: " {فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] قال: أربعة أخماس لمن حضر البأس، والخمس الباقي لله، 11P193 وللرسول خمسه يضعه حيث رأى، وخمسه لذوي القربى، وخمسه لليتامى، وخمسه للمساكين، ولابن السبيل خمسه " وأما قوله: {ولذي القربى} [الأنفال: 41] فإن أهل التأويل اختلفوا فيهم، فقال بعضهم: هم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني هاشم ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن شريك، عن خصيف، عن مجاهد، قال: «كان آل محمد صلى الله عليه وسلم لا تحل لهم الصدقة، فجعل لهم خمس الخمس» حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن خصيف، عن مجاهد، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته لا يأكلون الصدقة، فجعل لهم خمس الخمس» حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عبد السلام، عن خصيف، عن مجاهد، قال: «قد علم الله أن في بني هاشم الفقراء، فجعل لهم الخمس مكان الصدقة» حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا إسماعيل بن أبان، قال: ثنا الصباح بن يحيى المزني، عن السدي، عن ابن الديلمي، قال: قال علي بن الحسين رضي الله 11P194 عنه لرجل من أهل الشأم: أما قرأت في الأنفال : " {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول} [الأنفال: 41] الآية؟ قال: نعم، قال: فإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم " حدثنا الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيل، عن خصيف، عن مجاهد، قال: «هؤلاء قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين لا تحل لهم الصدقة» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو معاوية، عن حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس: " أن نجدة، كتب إليه يسأله عن ذوي القربى، فكتب إليه كتابا: تزعم أنا نحن، هم، فأبى ذلك علينا قومنا " قال: حدثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: " {فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] قال: أربعة أخماس لمن حضر البأس، والخمس الباقي لله، وللرسول خمسه يضعه حيث رأى، وخمس لذوي القربى، وخمس لليتامى، وخمس للمساكين، ولابن السبيل خمسه " وقال آخرون: بل هم قريش كلها ذكر من قال ذلك: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرني عبد الله بن نافع، عن أبي معشر، 11P195 عن سعيد المقبري، قال: كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله عن ذي القربى، قال: فكتب إليه ابن عباس: " قد كنا نقول: إنا هم فأبى ذلك علينا قومنا، وقالوا: قريش كلها ذوو قربى " وقال آخرون: سهم ذي القربى كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صار من بعده لولي الأمر من بعده ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أنه سئل عن سهم، ذي القربى، فقال: «كان طعمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان حيا، فلما توفي جعل لولي الأمر من بعده» وقال آخرون: بل سهم ذي القربى كان لبني هاشم وبني المطلب خاصة وممن قال ذلك الشافعي وكانت علته في ذلك ما: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثني الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن جبير بن مطعم، قال: لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذي القربى من خيبر على بني هاشم وبني المطلب مشيت أنا وعثمان بن عفان رضي الله عنه، فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله به منهم، أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة 11P196 واحدة؟

Sección V11/P195

فقال: «إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» ثم شبك رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه إحداهما بالأخرى " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي قول من قال: سهم ذي القربى كان لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وحلفائهم من بني المطلب؛ لأن حليف القوم منهم، ولصحة الخبر الذي ذكرناه بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. واختلف أهل العلم في حكم هذين السهمين، أعني سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسهم ذي القربى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: يصرفان في معونة الإسلام وأهله ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا أبو شهاب، عن ورقاء، عن نهشل، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: «جعل سهم الله وسهم الرسول واحدا ولذي القربى، فجعل هذان السهمان في الخيل والسلاح، وجعل سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل لا يعطى غيرهم» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، 11P197 قال: سألت الحسن عن قول الله: " {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى} [الأنفال: 41] قال: هذا مفتاح كلام، لله الدنيا والآخرة " ثم اختلف الناس في هذين السهمين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال قائلون: سهم النبي صلى الله عليه وسلم لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم. وقال قائلون: سهم القرابة لقرابة الخليفة، واجتمع رأيهم أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله، فكانا على ذلك في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم ، قال: سألت الحسن بن محمد، فذكر نحوه حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمر بن عبيد، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يجعلان سهم النبي صلى الله عليه وسلم في الكراع والسلاح، فقلت لإبراهيم: ما كان علي رضي الله عنه يقول فيه؟ قال: كان علي أشدهم فيه " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي 11P198 القربى واليتامى والمساكين} [الأنفال: 41] الآية. قال ابن عباس: فكانت الغنيمة تقسم على خمسة أخماس، أربعة بين من قاتل عليها، وخمس واحد يقسم على أربعة: لله، وللرسول، ولذي القربى، يعني قرابة النبي صلى الله عليه وسلم، فما كان لله وللرسول فهو لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم من الخمس شيئا.

Sección V11/P195–V11/P200

فلما قبض الله رسوله صلى الله عليه وسلم، رد أبو بكر رضي الله عنه نصيب القرابة في المسلمين، فجعل يحمل به في سبيل الله؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «لا نورث، ما تركنا صدقة» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: أنه سئل عن سهم ذي القربى، فقال: «كان طعمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما توفي حمل عليه أبو بكر وعمر في سبيل الله صدقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم» وقال آخرون: سهم ذوي القربى من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ولي أمر المسلمين ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عمرو بن ثابت، عن عمران بن ظبيان، عن حكيم بن سعد، عن علي، رضي الله عنه، قال: «يعطى كل إنسان نصيبه من الخمس، ويلي الإمام سهم الله ورسوله» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: أنه سئل عن 11P199 سهم، ذوي القربى، فقال: «كان طعمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان حيا، فلما توفي جعل لولي الأمر من بعده» وقال آخرون: سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مردود في الخمس، والخمس مقسوم على ثلاثة أسهم: على اليتامى، والمساكين، وابن السبيل. وذلك قول جماعة من أهل العراق. وقال آخرون: الخمس كله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك: حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا عبد الغفار، قال: ثنا المنهال بن عمرو، قال: سألت عبد الله بن محمد بن علي وعلي بن الحسين عن الخمس، فقالا: «هو لنا» فقلت لعلي: إن الله يقول: {واليتامى والمساكين وابن السبيل} [الأنفال: 41] فقال: «يتامانا ومساكيننا» والصواب من القول في ذلك عندنا، أن سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مردود في الخمس، والخمس مقسوم على أربعة أسهم على ما روي عن ابن عباس: للقرابة سهم، ولليتامى سهم، وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم؛ لأن الله أوجب الخمس لأقوام موصوفين بصفات، كما أوجب الأربعة الأخماس الآخرين. وقد أجمعوا أن حق الأربعة الأخماس لن يستحقه غيرهم، فكذلك حق أهل الخمس لن يستحقه غيرهم، فغير جائز أن يخرج عنهم إلى غيرهم، كما غير جائز أن تخرج بعض السهمان التي جعلها الله لمن سماه في كتابه بفقد بعض من يستحقه إلى غير أهل السهمان الأخر. وأما اليتامى: فهم أطفال المسلمين الذين قد هلك آباؤهم. والمساكين: هم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين. وابن السبيل: المجتاز سفرا قد انقطع به كما: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: «الخمس الرابع لابن السبيل، وهو الضيف الفقير الذي ينزل بالمسلمين» 11P200

Sección V11/P200

[الأنفال: 41] القول في تأويل قوله تعالى: {إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان} [الأنفال: 41] يقول تعالى ذكره: أيقنوا أيها المؤمنون أنما غنمتم من شيء فمقسوم القسم الذي بينته، وصدقوا به إن كنتم أقررتم بوحدانية الله وبما أنزل الله على عبده محمد صلى الله عليه وسلم يوم فرق بين الحق والباطل ببدر، فأبان فلج المؤمنين وظهورهم على عدوهم، وذلك يوم التقى الجمعان، جمع المؤمنين، وجمع المشركين. والله على إهلاك أهل الكفر وإذلالهم بأيدي المؤمنين، وعلى غير ذلك مما يشاء قدير لا يمتنع عليه شيء أراده. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن 11P201 عباس، قوله: " {يوم الفرقان} [الأنفال: 41] يعني بالفرقان يوم بدر، فرق الله فيه بين الحق والباطل " حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني الليث، قال: ثني عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير وإسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، يزيد أحدهما على صاحبه في قوله: " {يوم الفرقان} [الأنفال: 41] يوم فرق الله بين الحق والباطل، وهو يوم بدر، وهو أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رأس المشركين عتبة بن ربيعة. فالتقوا يوم الجمعة لتسع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، والمشركون ما بين الألف والتسعمائة، فهزم الله يومئذ المشركين، وقتل منهم زيادة على سبعين، وأسر منهم مثل ذلك " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن مقسم: " {يوم الفرقان} [الأنفال: 41] قال: يوم بدر، فرق الله بين الحق والباطل " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن 11P202 عثمان الجزري، عن مقسم، في قوله: " {يوم الفرقان} [الأنفال: 41] قال: يوم بدر، فرق الله بين الحق والباطل " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {يوم الفرقان يوم التقى الجمعان} [الأنفال: 41] يوم بدر، وبدر بين المدينة ومكة " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثني يحيى بن يعقوب أبو طالب، عن ابن عون، عن محمد بن عبد الله الثقفي، عن أبي عبد الرحمن السلمي عبد الله بن حبيب، قال: قال الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «كانت ليلة الفرقان يوم التقى الجمعان لسبع عشرة من شهر رمضان» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {يوم التقى الجمعان} [الأنفال: 41] قال ابن جريج: قال ابن كثير: «يوم بدر» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " {وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان} [الأنفال: 41] أي يوم فرق بين الحق والباطل ببدر، أي يوم التقى الجمعان منكم ومنهم " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان} [الأنفال: 41] وذاكم يوم بدر، يوم فرق الله بين الحق والباطل " 11P203

Sección V11/P200–V11/P205

[الأنفال: 42] القول في تأويل قوله تعالى: {إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم} [الأنفال: 42] يقول تعالى ذكره: أيقنوا أيها المؤمنون واعلموا أن قسم الغنيمة على ما بينه لكم ربكم إن كنتم آمنتم بالله وما أنزل على عبده يوم بدر، إذ فرق بين الحق والباطل من نصر رسوله {إذ أنتم} [آل عمران: 80] حينئذ {بالعدوة الدنيا} [الأنفال: 42] يقول: بشفير الوادي الأدنى إلى المدينة {وهم بالعدوة القصوى} [الأنفال: 42] يقول: وعدوكم من المشركين نزول بشفير الوادي الأقصى إلى مكة {والركب أسفل منكم} [الأنفال: 42] يقول: والعير فيه أبو سفيان وأصحابه في موضع أسفل منكم إلى ساحل البحر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {إذ أنتم بالعدوة الدنيا} [الأنفال: 42] قال: شفير الوادي الأدنى وهي بشفير الوادي الأقصى. {والركب أسفل منكم} [الأنفال: 42] قال: أبو سفيان وأصحابه أسفل منهم " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى} [الأنفال: 42] وهما شفيرا الوادي، كان نبي الله أعلى الوادي والمشركون بأسفله. {والركب أسفل منكم} [الأنفال: 42] يعني أبا سفيان، انحدر بالعير على حوزته حتى قدم بها مكة " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " {إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى} [الأنفال: 42] من الوادي إلى مكة. {والركب أسفل منكم} [الأنفال: 42] أي عير أبي سفيان التي خرجتم لتأخذوها وخرجوا ليمنعوها عن غير ميعاد منكم ولا منهم " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {والركب أسفل منكم} [الأنفال: 42] قال: أبو سفيان وأصحابه مقبلون من الشام تجارا، لم يشعروا بأصحاب بدر، ولم يشعر محمد صلى الله عليه وسلم بكفار قريش ولا كفار قريش بمحمد وأصحابه، حتى التقيا على ماء بدر من يسقي لهم كلهم، فاقتتلوا، فغلبهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فأسروهم ". حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه. 11P205 حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " ذكر منازل القوم والعير، فقال: {إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى} [الأنفال: 42] والركب: هو أبو سفيان وعيره، أسفل منكم على شاطئ البحر " واختلفت القراء في قراءة قوله: {إذ أنتم بالعدوة} [الأنفال: 42] فقرأ ذلك عامة قراء المدنيين والكوفيين: {بالعدوة} [الأنفال: 42] بضم العين، وقرأه بعض المكيين والبصريين: (بالعدوة) بكسر العين. وهما لغتان مشهورتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، ينشد بيت الراعي: [+البحر المتقارب] وعينان حمر مآقيهما كما نظر العدوة الجؤذر بكسر العين من العدوة، وكذلك ينشد بيت أوس بن حجر: [+البحر البسيط] وفارس لو تحل الخيل عدوته ولوا سراعا وما هموا بإقبال 11P206

Preguntas