Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Sección V11/P534–V11/P537

[التوبة: 61] القول في تأويل قوله تعالى: {ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم} [التوبة: 61] يقول تعالى ذكره: ومن هؤلاء المنافقين جماعة يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعيبونه، ويقولون: هو أذن سامعة، يسمع من كل أحد ما يقول فيقبله ويصدقه. وهو من قولهم: رجل أذنة مثل فعلة: إذا كان يسرع الاستماع والقبول، كما يقال: هو يقن ويقن: إذا كان ذا يقين بكل ما حدث. وأصله من أذن له يأذن: إذا استمع له، ومنه الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن» ، ومنه قول عدي بن زيد: [+البحر الرمل] أيها القلب تعلل بددن إن همي في سماع وأذن وذكر أن هذه الآية نزلت في نبتل بن الحارث حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " ذكر الله عيبهم، يعني المنافقين وأذاهم للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: {ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن} [التوبة: 61] الآية، وكان الذي يقول تلك المقالة فيما بلغني نبتل بن الحارث أخو بني عمرو بن عوف، وفيه نزلت هذه الآية، وذلك أنه قال: إنما محمد أذن، من حدثه شيئا صدقه، يقول الله: {قل أذن خير لكم} [التوبة: 61] أي يستمع الخبر ويصدق به " واختلف القراء في قراءة قوله: {قل أذن خير لكم} [التوبة: 61] فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار: {قل أذن خير لكم} [التوبة: 61] بإضافة الأذن إلى الخير، يعني: قل لهم يا محمد: هو أذن خير لا أذن شر. وذكر عن الحسن البصري أنه قرأ ذلك: (قل أذن خير لكم) بتنوين أذن، ويصير خير خبرا له، بمعنى: قل من يسمع منكم أيها المنافقون ما تقولون ويصدقكم إن كان محمد كما وصفتموه من أنكر إذا آذيتموه فأنكرتم ما ذكر له عنكم من أذاكم إياه وعيبكم له سمع منكم وصدقكم، خير لكم من أن يكذبكم ولا يقبل منكم ما تقولون. ثم كذبهم فقال: بل لا يقبل إلا من المؤمنين {يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} [التوبة: 61] . قال أبو جعفر: والصواب من القراءة عندي في ذلك، قراءة من قرأ: {قل أذن خير لكم} [التوبة: 61] بإضافة الأذن إلى الخير، وخفض الخير، يعني: قل هو أذن خير لكم، لا أذن شر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثني عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن 11P537 ابن عباس، قوله: " {ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن} [التوبة: 61] يسمع من كل أحد " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن} [التوبة: 61] قال: كانوا يقولون: إنما محمد أذن لا يحدث عنا شيئا إلا هو أذن يسمع ما يقال له " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن نجيح، عن مجاهد: " {ويقولون هو أذن} [التوبة: 61] نقول ما شئنا، ونحلف فيصدقنا " حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " {هو أذن} [التوبة: 61] قال: يقولون : نقول ما شئنا، ثم نحلف له فيصدقنا ". حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه وأما قوله: {يؤمن بالله} [البقرة: 228] فإنه يقول: يصدق بالله وحده لا شريك له. وقوله: {ويؤمن للمؤمنين} [التوبة: 61] يقول: ويصدق المؤمنين لا الكافرين ولا المنافقين. وهذا تكذيب من الله للمنافقين الذين قالوا: محمد أذن، يقول جل ثناؤه: إنما محمد صلى الله عليه وسلم مستمع خير، يصدق بالله وبما جاءه من عنده، ويصدق المؤمنين لا أهل النفاق والكفر بالله.

Sección V11/P537–V11/P538

11P538 وقيل: {ويؤمن للمؤمنين} [التوبة: 61] معناه: ويؤمن المؤمنين؛ لأن العرب تقول فيما ذكر لنا عنها: آمنت له وآمنته، بمعنى: صدقته، كما قيل: {ردف لكم بعض الذي تستعجلون} [النمل: 72] ومعناه: ردفكم. وكما قال: {للذين هم لربهم يرهبون} [الأعراف: 154] ومعناه: للذين هم ربهم يرهبون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثني عبد الله، قال: ثنى معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " {يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} [التوبة: 61] يعني: يؤمن بالله ويصدق المؤمنين " وأما قوله: {ورحمة للذين آمنوا منكم} [التوبة: 61] فإن القراء اختلفت في قراءته، فقرأ ذلك عامة الأمصار: {ورحمة للذين آمنوا} [التوبة: 61] بمعنى: قل هو أذن خير لكم، وهو رحمة للذين آمنوا منكم. فرفع الرحمة عطفا بها على الأذن. وقرأه بعض الكوفيين: (ورحمة) عطفا بها على الخير، بتأويل: قل أذن خير لكم، وأذن رحمة. قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي قراءة من قرأ {ورحمة} [البقرة: 157] بالرفع عطفا بها على الأذن، بمعنى: وهو رحمة للذين آمنوا 11P539 منكم، وجعله الله رحمة لمن اتبعه واهتدى بهداه وصدق بما جاء به من عند ربه؛ لأن الله استنقذهم به من الضلالة وأورثهم باتباعه جناته 11P538

Sección V11/P538–V11/P540

[التوبة: 61] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم} [التوبة: 61] يقول تعالى ذكره: لهؤلاء المنافقين الذين يعيبون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقولون: هو أذن وأمثالهم من مكذبيه، والقائلين فيه الهجر والباطل، عذاب من الله موجع لهم في نار جهنم 11P539 [التوبة: 62] القول في تأويل قوله تعالى: {يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين} [التوبة: 62] يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله صلى الله عليه وسلم: يحلف لكم أيها المؤمنون هؤلاء المنافقون بالله ليرضوكم فيما بلغكم عنهم من أذاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكرهم إياه، بالطعن عليه والعيب له، ومطابقتهم سرا أهل الكفر عليكم بالله، والأيمان الفاجرة أنهم ما فعلوا ذلك وأنهم لعلى دينكم ومعكم على من خالفكم، يبتغون بذلك رضاكم. يقول الله جل ثناؤه: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} [التوبة: 62] بالتوبة والإنابة مما قالوا ونطقوا {إن كانوا مؤمنين} [التوبة: 62] يقول: إن كانوا مصدقين بتوحيد الله، مقرين بوعده ووعيده. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يحلفون بالله لكم ليرضوكم} [التوبة: 62] الآية، ذكر لنا أن رجلا من المنافقين قال: والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا، وإن كان ما يقول محمد حقا، لهم شر من الحمير، قال: فسمعها رجل من المسلمين، فقال: والله إن ما يقول محمد حق، ولأنت شر من الحمار، فسعى بها الرجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إلى الرجل فدعاه، فقال له: «ما حملك على الذي قلت؟» فجعل يلتعن ويحلف بالله ما قال ذلك، قال: وجعل الرجل المسلم يقول: اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب، فأنزل الله في ذلك: {يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين} [التوبة: 62] 11P540 [التوبة: 63] القول في تأويل قوله تعالى: {ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم} [التوبة: 63] يقول تعالى ذكره: ألم يعلم هؤلاء المنافقون الذين يحلفون بالله كذبا للمؤمنين ليرضوهم وهم مقيمون على النفاق، أنه من يحارب الله ورسوله ويخالفهما فيناوئهما بالخلاف عليهما {فأن له نار جهنم} [التوبة: 63] في الآخرة. {خالدا فيها} [النساء: 14] يقول: لابثا فيها، مقيما إلى غير نهاية. {ذلك الخزي العظيم} [التوبة: 63] يقول: فلبثه في نار جهنم وخلوده فيها هو الهوان والذل العظيم، وقرأت القراء: {فأن} [الأنفال: 41] بفتح الألف من أن بمعنى: ألم يعلموا أن لمن حاد الله ورسوله نار جهنم، وإعمال يعلموا فيها، كأنهم جعلوا أن الثانية مكررة على الأولى، واعتمدوا عليها؛ إذ كان الخبر معها دون الأولى. وقد كانت بعض نحويي البصرة يختار الكسر في ذلك على الابتداء بسبب دخول الفاء فيها، وأن دخولها فيها عنده دليل على أنها جواب الجزاء، وأنها إذا كانت جواب الجزاء كان الاختيار فيها الابتداء. والقراءة التي لا أستجيز غيرها فتح الألف في كلام الحرفين، أعني أن الأولى والثانية؛ لأن ذلك قراءة الأمصار، وللعلة التي ذكرت من جهة العربية. {ذلك الخزي العظيم} [التوبة: 63] يقول: فلبثه في نار جهنم وخلوده فيها هو الهوان والذل العظيم 11P541

Sección V11/P540–V11/P541

[التوبة: 64] القول في تأويل قوله تعالى: {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون} [التوبة: 64] يقول تعالى ذكره: يخشى المنافقون أن تنزل فيهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم، يقول: تظهر المؤمنين على ما في قلوبهم. وقيل: إن الله أنزل هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن المنافقين كانوا إذا عابوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكروا شيئا من أمره وأمر المسلمين، قالوا: لعل الله لا يفشي سرنا، فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم: استهزئوا، متهددا لهم متوعدا {إن الله مخرج ما تحذرون} [التوبة: 64] . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة} [التوبة: 64] قال: يقولون القول 11P542 بينهم، ثم يقولون: عسى الله أن لا يفشي سرنا علينا ". حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله، إلا أنه قال: سرنا هذا وأما قوله: {إن الله مخرج ما تحذرون} [التوبة: 64] فإنه يعني: إن الله مظهر عليكم أيها المنافقون ما كنتم تحذرون أن تظهروه ، فأظهر الله ذلك عليهم وفضحهم، فكانت هذه السورة تدعى الفاضحة حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: «كانت تسمى هذه السورة الفاضحة فاضحة المنافقين» 11P542

Sección V11/P541–V11/P543

[التوبة: 65] القول في تأويل قوله تعالى: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون} [التوبة: 65] يقول تعالى جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المنافقين عما قالوا من الباطل والكذب، ليقولن لك: إنما قلنا ذلك لعبا، وكنا نخوض في حديث لعبا وهزوا. يقول الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد أبالله وآيات كتابه ورسوله كنتم تستهزئون. وكان ابن إسحاق يقول: الذي قال هذه المقالة كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: «كان الذي قال هذه المقالة فيما بلغني وديعة بن ثابت، أخو بني أمية بن زيد من بني عمرو بن عوف» حدثنا علي بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا الليث، قال: ثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم: أن رجلا من المنافقين قال لعوف بن مالك في غزوة تبوك: ما لقرائنا هؤلاء أرغبنا بطونا وأكذبنا ألسنة وأجبننا عند اللقاء، فقال له عوف: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه، فقال زيد: قال عبد الله بن عمر: فنظرت إليه متعلقا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تنكبه الحجارة، يقول: {إنما كنا نخوض ونلعب} [التوبة: 65] فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: « {أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون} ما يزيده» قال: ثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس، ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن، قال عبد الله بن عمر: فأنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تنكبه الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « {أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا 11P544 تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} » حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، عن عكرمة، في قوله: " {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب} [التوبة: 65] إلى قوله: {بأنهم كانوا مجرمين} [التوبة: 66] قال: فكان رجل ممن إن شاء الله عفا عنه يقول: اللهم إني أسمع آية أنا أعنى بها، تقشعر منها الجلود، وتجل منها القلوب، اللهم فاجعل وفاتي قتلا في سبيلك، لا يقول أحد: أنا غسلت، أنا كفنت، أنا دفنت، قال: فأصيب يوم اليمامة، فما من أحد من المسلمين إلا وجد غيره " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب} [التوبة: 65] الآية، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في غزوته إلى تبوك، وبين يديه ناس من المنافقين، فقال: أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «احبسوا علي هؤلاء الركب» . فأتاهم فقال: «قلتم كذا؟ قلتم كذا؟ » قالوا: يا نبي الله إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله تبارك وتعالى فيها ما تسمعون حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب} [التوبة: 65] قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه، فقالوا: يظن هذا أن يفتح قصور الروم وحصونها، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوا، فقال: «علي بهؤلاء النفر» فدعاهم فقال: «قلتم كذا وكذا؟

Sección V11/P543

» فحلفوا: ما كنا إلا نخوض ونلعب حدثنا الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب وغيره قالوا: قال رجل من المنافقين: ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، فقال: " {أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون} إلى قوله: {مجرمين} [التوبة: 66] " وإن رجليه لتسفعان بالحجارة، وما يلتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متعلق بنسعة رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {إنما كنا نخوض ونلعب} [التوبة: 65] قال: " قال رجل من 11P546 المنافقين: يحدثنا محمد أن ناقة فلان بوادي كذا وكذا في يوم كذا وكذا، وما يدريه ما الغيب ". حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه 11P545

Sección V11/P543–V11/P549

[التوبة: 66] القول في تأويل قوله تعالى: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين} [التوبة: 66] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء الذين وصفت لك صفتهم: {لا تعتذروا} [التوبة: 66] بالباطل، فتقولوا: كنا نخوض ونلعب. {قد كفرتم} [التوبة: 66] يقول: قد جحدتم الحق بقولكم ما قلتم في رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به {بعد إيمانكم} [البقرة: 109] يقول: بعد تصديقكم به وإقراركم به. {إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة} [التوبة: 66] وذكر أنه عني بالطائفة في هذا الموضع رجل واحد وكان ابن إسحاق يقول فيما: حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: «كان الذي عفي عنه فيما بلغني مخشي بن حمير الأشجعي 11P547 حليف بني سلمة، وذلك أنه أنكر منهم بعض ما سمع» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن حبان، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب: " {إن نعف عن طائفة، منكم} [التوبة: 66] قال: طائفة: رجل " واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : معناه: إن نعف عن طائفة منكم بإنكاره ما أنكر عليكم من قبل الكفر، نعذب طائفة بكفره واستهزائه بآيات الله ورسوله ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: " قال بعضهم: كان رجل منهم لم يمالئهم في الحديث، فيسير مجانبا لهم، فنزلت: {إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة} [التوبة: 66] فسمي طائفة وهو واحد " وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن تتب طائفة منكم فيعفو الله عنه، يعذب الله طائفة منكم بترك التوبة وأما قوله: {إنهم كانوا مجرمين} [الدخان: 37] فإن معناه: نعذب طائفة منهم 11P548 باكتسابهم الجرم، وهو الكفر بالله، وطعنهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم 11P547 [التوبة: 67] القول في تأويل قوله تعالى: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون} [التوبة: 67] يقول تعالى ذكره: {المنافقون والمنافقات} [التوبة: 67] وهم الذين يظهرون للمؤمنين الإيمان بألسنتهم ويسرون الكفر بالله ورسوله {بعضهم من بعض} [التوبة: 67] يقول: هم صنف واحد، وأمرهم واحد، في إعلانهم الإيمان واستبطانهم الكفر، يأمرون من قبل منهم بالمنكر، وهو الكفر بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به وتكذيبه. {وينهون عن المعروف} [التوبة: 67] يقول: وينهونهم عن الإيمان بالله ورسوله وبما جاءهم به من عند الله. وقوله: {ويقبضون أيديهم} [التوبة: 67] يقول: ويمسكون أيديهم عن النفقة في سبيل الله ويكفونها عن الصدقة، فيمنعون الذين فرض الله لهم في أموالهم ما فرض من الزكاة حقوقهم كما: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " {ويقبضون أيديهم} [التوبة: 67] قال: لا يبسطونها بنفقة في حق ". حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن 11P549 مجاهد مثله. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {ويقبضون أيديهم} [التوبة: 67] لا يبسطونها بخير " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {ويقبضون أيديهم} [التوبة: 67] قال: يقبضون أيديهم عن كل خير " وأما قوله: {نسوا الله فنسيهم} [التوبة: 67] فإن معناه: تركوا الله أن يطيعوه ويتبعوا أمره، فتركهم الله من توفيقه وهدايته ورحمته. وقد دللنا فيما مضى على أن معنى النسيان الترك بشواهده، فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا وكان قتادة يقول في ذلك ما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {نسوا الله فنسيهم} [التوبة: 67] نسوا من الخير، ولم ينسوا من الشر " قوله: {إن المنافقين هم الفاسقون} [التوبة: 67] يقول: إن الذين يخادعون 11P550 المؤمنين بإظهارهم لهم بألسنتهم الإيمان بالله، وهم للكفر مستبطنون، هم المفارقون طاعة الله الخارجون عن الإيمان به وبرسوله 11P549

Sección V11/P549–V11/P553

[التوبة: 68] القول في تأويل قوله تعالى: {وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم} [التوبة: 68] يقول تعالى ذكره: {وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار} [التوبة: 68] بالله {نار جهنم} [التوبة: 35] أن يصليهموها جميعا. {خالدين فيها} [البقرة: 162] يقول: ماكثين فيها أبدا، لا يحيون فيها ولا يموتون. {هي حسبهم} [التوبة: 68] يقول: هي كافيتهم عقابا وثوابا على كفرهم بالله. {ولعنهم الله} [التوبة: 68] يقول: وأبعدهم الله وأسحقهم من رحمته. {ولهم عذاب مقيم} [المائدة: 37] يقول: وللفريقين جميعا، يعني من أهل النفاق والكفر عند الله، عذاب مقيم دائم، لا يزول ولا يبيد 11P550 [التوبة: 69] القول في تأويل قوله تعالى: {كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون} [التوبة: 69] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المنافقين الذين قالوا: إنما كنا نخوض ونلعب: أبالله وآيات كتابه ورسوله كنتم تستهزئون، كالذين من قبلكم من الأمم الذين فعلوا فعلكم فأهلكهم الله، وعجل لهم في الدنيا الخزي مع ما أعد لهم من العقوبة والنكال في الآخرة؟ يقول لهم جل ثناؤه: واحذروا أن يحل بكم من عقوبة الله مثل الذي حل بهم، فإنهم كانوا أشد منكم قوة وبطشا، وأكثر منكم أموالا وأولادا. {فاستمتعوا بخلاقهم} [التوبة: 69] يقول: فتمتعوا بنصيبهم وحظهم من دنياهم ودينهم، ورضوا بذلك من نصيبهم في الدنيا عوضا من نصيبهم في الآخرة. وقد سلكتم أيها المنافقون سبيلهم في الاستمتاع بخلاقكم، يقول: فعلتم بدينكم ودنياكم كما استمتع الأمم الذين كانوا من قبلكم الذين أهلكتهم بخلافهم أمري بخلاقهم، يقول: كما فعل الذين من قبلكم بنصيبهم من دنياهم ودينهم، وخضتم في الكذب والباطل على الله كالذي خاضوا، يقول: وخضتم أنتم أيها المنافقون كخوض تلك الأمم قبلكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني أبو معشر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لتأخذن كما أخذ الأمم من قبلكم، ذراعا بذراع، وشبرا بشبر، وباعا بباع، حتى لو أن أحدا من أولئك دخل جحر ضب لدخلتموه» . قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم القرآن: {كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا} [التوبة: 69] قالوا: يا رسول الله، كما صنعت فارس والروم؟ قال: «فهل الناس 11P552 إلا هم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، قوله: " {كالذين من قبلكم} [التوبة: 69] الآية قال: قال ابن عباس: ما أشبه الليلة بالبارحة {كالذين من قبلكم} [التوبة: 69] هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم، لا أعلم إلا أنه قال: والذي نفسي بيده لتتبعنهم حتى لو دخل الرجل منهم جحر ضب لدخلتموه " قال ابن جريج: وأخبرنا زياد بن سعد، عن محمد بن زيد بن مهاجر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، وباعا بباع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» قالوا: ومن هم يا رسول الله، أهل الكتاب؟ قال: «فمه؟» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال أبو سعيد الخدري: " إنه قال: فمن؟ " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن 11P553 الحسن: " {فاستمتعوا بخلاقهم} [التوبة: 69] قال: بدينهم " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حذركم أن تحدثوا في الإسلام حدثا» وقد علم أنه سيفعل ذلك أقوام من هذه الأمة، فقال الله في ذلك: {فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا} [التوبة: 69] وإنما حسبوا أن لا يقع بهم من الفتنة ما وقع ببني إسرائيل قبلهم، وإن الفتنة عائدة كما بدت وأما قوله: {أولئك حبطت أعمالهم} [التوبة: 17] فإن معناه: هؤلاء الذين قالوا إنما كنا نخوض ونلعب، وفعلوا في ذلك فعل الهالكين من الأمم قبلهم. {حبطت أعمالهم} [البقرة: 217] يقول: ذهبت أعمالهم باطلا، فلا ثواب لها إلا النار؛ لأنها كانت فيما يسخط الله ويكرهه. {وأولئك هم الخاسرون} [التوبة: 69] يقول: وأولئك هم المغبونون صفقتهم ببيعهم نعيم الآخرة بخلاقهم من الدنيا اليسير الزهيد 11P553

Sección V11/P553–V11/P554

[التوبة: 70] القول في تأويل قوله تعالى: {ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} [التوبة: 70] يقول تعالى ذكره: ألم يأت هؤلاء المنافقين الذين يسرون الكفر بالله، وينهون عن الإيمان به وبرسوله {نبأ الذين من قبلهم} [التوبة: 70] يقول: خبر الأمم الذين كانوا من قبلهم حين عصوا رسلنا، وخالفوا أمرنا ماذا حل بهم من عقوبتنا؟ ثم بين جل ثناؤه من أولئك الأمم التي قال لهؤلاء المنافقين ألم يأتهم نبؤهم، فقال: {قوم نوح} [الأعراف: 69] ولذلك خفض القوم لأنه ترجم بهن عن الذين، والذين في موضع خفض. ومعنى الكلام: ألم يأت هؤلاء المنافقين خبر قوم نوح وصنيعي بهم؛ إذ كذبوا رسولي نوحا وخالفوا أمري، ألم أغرقهم بالطوفان؟ {وعاد} [التوبة: 70] يقول: وخبر عاد إذ عصوا رسولي هودا، ألم أهلكهم بريح صرصر عاتية؟ وخبر ثمود إذ عصوا رسولي صالحا، ألم أهلكهم بالرجفة، فأتركهم بأفنيتهم خمودا؟ وخبر قوم إبراهيم إذ عصوه، وردوا عليه ما جاءهم به من عند الله من الحق، ألم أسلبهم النعمة وأهلك ملكهم نمروذ؟ وخبر أصحاب مدين بن إبراهيم، ألم أهلكهم بعذاب يوم الظلة؛ إذ كذبوا رسولي شعيبا؟ وخبر المنقلبة بهم أرضهم، فصار أعلاها أسفلها؛ إذ عصوا رسولي لوطا وكذبوا ما جاءهم به من عندي من الحق. يقول تعالى ذكره: أفأمن هؤلاء المنافقون الذين يستهزئون بالله وبآياته ورسوله، أن يسلك بهم في الانتقام منهم وتعجيل الخزي والنكال لهم في الدنيا سبيل أسلافهم من الأمم، ويحل بهم بتكذيبهم رسولي محمدا صلى الله عليه وسلم ما حل بهم في تكذيبهم رسلنا؛ إذ أتتهم بالبينات. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {والمؤتفكات} [التوبة: 70] قال: قوم لوط انقلبت بهم أرضهم، فجعل عاليها سافلها " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {والمؤتفكات} [التوبة: 70] قال: هم قوم لوط " فإن قال قائل: فإن كان عنى بالمؤتفكات قوم لوط، فكيف قيل: المؤتفكات، فجمعت ولم توحد؟ قيل: إنها كانت قريات ثلاثا، فجمعت لذلك، ولذلك جمعت بالتاء على قول الله: {والمؤتفكة أهوى} [النجم: 53] . فإن قال: وكيف قيل: أتتهم رسلهم بالبينات، وإنما كان المرسل إليهم واحدا؟ قيل: معنى ذلك: أتى كل قرية من المؤتفكات رسول يدعوهم إلى الله، فتكون رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين بعثهم إليهم للدعاء إلى الله عن رسالته رسلا إليهم، كما قالت العرب لقوم نسبوا إلى أبي فديك الخارجي: الفديكات، وأبو فديك واحد، ولكن أصحابه لما نسبوا إليه وهو رئيسهم دعوا بذلك ونسبوا إلى رئيسهم، فكذلك قوله: {أتتهم رسلهم بالبينات} [التوبة: 70] 11P556 وقد يحتمل أن يقال: معنى ذلك: أتت قوم نوح وعاد وثمود وسائر الأمم الذين ذكرهم الله في هذه الآية رسلهم من الله بالبينات. وقوله: {فما كان الله ليظلمهم} [التوبة: 70] يقول جل ثناؤه: فما أهلك الله هذه الأمم التي ذكر أنه أهلكها إلا بإجرامها وظلمها أنفسها واستحقاقها من الله عظيم العقاب، لا ظلما من الله لهم ولا وضعا منه جل ثناؤه عقوبة في غير من هو لها أهل؛ لأن الله حكيم، لا خلل في تدبيره ولا خطأ في تقديره، ولكن القوم الذين أهلكهم ظلموا أنفسهم بمعصية الله وتكذيبهم رسله حتى أسخطوا عليهم ربهم فحق عليهم كلمة العذاب فعذبوا 11P555

Sección V11/P554–V11/P557

[التوبة: 71] القول في تأويل قوله تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم} [التوبة: 71] يقول تعالى ذكره: وأما المؤمنون والمؤمنات، وهم المصدقون بالله ورسوله وآيات كتابه، فإن صفتهم أن بعضهم أنصار بعض وأعوانهم. {يأمرون بالمعروف} [التوبة: 71] يقول: يأمرون الناس بالإيمان بالله ورسوله، وبما جاء به من عند الله. {ويقيمون الصلاة} [البقرة: 3] يقول: ويؤدون الصلاة المفروضة {ويؤتون الزكاة} [المائدة: 55] يقول: ويعطون الزكاة المفروضة أهلها. {ويطيعون الله ورسوله} [التوبة: 71] فيأتمرون لأمر الله ورسوله وينتهون عما نهيناهم عنه. {أولئك سيرحمهم الله} [التوبة: 71] يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم الذين سيرحمهم الله، فينقذهم من عذابه ويدخلهم جنته، لا أهل النفاق والتكذيب بالله ورسوله، الناهون عن المعروف، الآمرون بالمنكر، القابضون أيديهم عن أداء حق الله من أموالهم. {إن الله عزيز حكيم} [البقرة: 220] يقول: إن الله ذو عزة في انتقامه ممن انتقم من خلقه على معصيته وكفره به، لا يمنعه من الانتقام منه مانع ولا ينصره منه ناصر، حكيم في انتقامه منهم في جميع أفعاله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: " كل ما ذكره الله في القرآن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالأمر بالمعروف: دعاء من الشرك إلى الإسلام، والنهي عن المنكر: النهي عن عبادة الأوثان والشياطين " قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {يقيمون الصلاة} [التوبة: 71] قال: الصلوات الخمس " 11P557

Sección V11/P557–V11/P558

[التوبة: 72] القول في تأويل قوله تعالى: {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم} [التوبة: 72] يقول تعالى ذكره: وعد الله الذين صدقوا الله ورسوله وأقروا به 11P558 وبما جاء به من عند الله من الرجال والنساء {جنات تجري من تحتها الأنهار} [البقرة: 25] يقول: بساتين تجري تحت أشجارها الأنهار. {خالدين فيها} [البقرة: 162] يقول: لابثين فيها أبدا مقيمين لا يزول عنهم نعيمها. ولا يبيد. {ومساكن طيبة} [التوبة: 72] يقول: ومنازل يسكنونها طيبة. و «طيبها» كما: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا إسحاق بن سليمان، عن الحسن، قال: سألت عمران بن حصين وأبا هريرة عن آية، في كتاب الله تبارك وتعالى: {ومساكن طيبة في جنات عدن} [التوبة: 72] فقالا: على الخبير سقطت، سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «قصر في الجنة من لؤلؤ، فيه سبعون دارا من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريرا» حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: ثنا قرة بن حبيب، عن جسر بن فرقد، عن الحسن، عن عمران بن حصين، وأبي هريرة، قالا: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: {ومساكن طيبة في جنات عدن} [التوبة: 72] قال: «قصر من لؤلؤة، في ذلك القصر سبعون دارا من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتا من زبرجدة خضراء، في كل بيت سبعون سريرا، على كل سرير فراشا من كل لون، على كل فراش زوجة من الحور العين، في كل بيت سبعون مائدة، على كل مائدة سبعون لونا من طعام، في كل بيت سبعون وصيفة، ويعطى المؤمن من القوة في غداة [ص : 559] واحدة ما يأتي على ذلك كله أجمع» وأما قوله: {في جنات عدن} [التوبة: 72] فإنه يعني: وهذه المساكن الطيبة التي وصفها جل ثناؤه في جنات عدن وفي من صلة مساكن. وقيل: جنات عدن؛ لأنها بساتين خلد وإقامة لا يظعن منها أحد. وقيل: إنما قيل لها جنات عدن؛ لأنها دار الله التي استخلصها لنفسه ولمن شاء من خلقه، من قول العرب: عدن فلان بأرض كذا، إذا أقام بها وخلد بها، ومنه المعدن، ويقال: هو في معدن صدق، يعني به أنه في أصل ثابت، وقد أنشد بعض الرواة بيت الأعشى: [+البحر المتقارب] وإن تستضيفوا إلى حكمه تضافوا إلى راجح قد عدن وينشد: «قد وزن» . وكالذي قلنا في ذلك، كان ابن عباس وجماعة معه فيما ذكر يتأولونه. 11P560 حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، قال: ثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس: " {جنات عدن} [التوبة: 72] قال: معدن الرجل الذي يكون فيه " حدثنا محمد بن سهل بن عسكر، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا الليث بن سعد عن زيادة بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله يفتح الذكر في ثلاث ساعات يبقين من الليل: في الساعة الأولى منهن ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت، ثم ينزل في الساعة الثانية إلى جنة عدن، وهي داره التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر، وهي مسكنه، ولا يسكن معه من بني آدم غير ثلاثة: النبيين والصديقين والشهداء، ثم يقول: طوبى لمن دخلك ".

Sección V11/P558–V11/P562

وذكر في الساعة الثالثة حدثني موسى بن سهل، قال: ثنا آدم، قال: ثنا الليث بن سعد، قال: ثنا زيادة بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عدن داره» يعني دار الله " التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر، وهي مسكنه، ولا يسكنها معه من بني آدم غير ثلاث: النبيين، والصديقين، والشهداء، يقول الله تبارك وتعالى: طوبى لمن دخلك " وقال آخرون: معنى {جنات عدن} [التوبة: 72] جنات أعناب وكروم ذكر من قال ذلك: حدثني أحمد بن أبي سريج الرازي، قال: ثنا زكريا بن عدي، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، أن ابن عباس سأل كعبا عن {جنات عدن} [التوبة: 72] ، فقال: «هي الكروم والأعناب بالسريانية» وقال آخرون: هي اسم لبطنان الجنة ووسطها ذكر من قال ذلك: حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا شعبة، عن سليمان الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، قال: " عدن: بطنان الجنة " حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، قالا: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، وشعبة، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، في قوله: " {جنات عدن} [التوبة: 72] قال: بطنان الجنة. قال ابن بشار في حديثه: فقلت: ما بطنانها؟ وقال ابن المثنى، في حديثه: فقلت للأعمش: ما بطنان الجنة؟ قال: وسطها " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة وأبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله: " {جنات عدن} [التوبة: 72] قال: بطنان الجنة ". 11P562 قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، بمثله. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله مثله حدثنا أحمد بن أبي سريج، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى وعبد الله بن مرة عنهما جميعا، أو عن أحدهما، عن مسروق، عن عبد الله: " {جنات عدن} [التوبة: 72] قال: بطنان الجنة " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود في قول الله: " {جنات عدن} [التوبة: 72] قال: بطنان الجنة " وقال آخرون: عدن: اسم لقصر ذكر من قال ذلك: حدثني علي بن سعيد الكندي، قال: ثنا عبدة أبو غسان، عن عون بن موسى الكناني، عن الحسن، قال: «جنات عدن، وما أدراك ما جنات عدن، قصر من ذهب لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل.

Sección V11/P562–V11/P564

ورفع به صوته» حدثنا أحمد بن أبي سريج، قال: ثنا عبد الله بن عاصم، قال: ثنا عون بن 11P563 موسى، قال: سمعت الحسن بن أبي الحسن، يقول: «جنات عدن، وما أدراك ما جنات عدن، قصر من ذهب، لا يدخله إلا نبي أو صديق، أو شهيد، أو حكم عدل ورفع الحسن به صوته» حدثنا أحمد، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن نافع بن عاصم، عن عبد الله بن عمرو، قال: " إن في الجنة قصرا يقال له: عدن، حوله البروج والمروج، له خمسون ألف باب على كل باب حبرة، لا يدخله إلا نبي أو صديق " حدثنا الحسن بن ناصح، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، قال: سمعت يعقوب بن عاصم يحدث، عن عبد الله بن عمرو: «أن في الجنة قصرا يقال له عدن، له خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف حبرة، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد» وقيل: هي مدينة الجنة ذكر من قال ذلك: حدثت عن عبد الرحمن المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: " {في جنات 11P564 عدن} [التوبة: 72] قال: هي مدينة الجنة، فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد، والجنات حولها " وقيل: إنه اسم نهر ذكر من قال ذلك: حدثت عن المحاربي، عن واصل بن السائب الرقاشي، عن عطاء، قال: " عدن: نهر في الجنة، جناته على حافتيه " وأما قوله: {ورضوان من الله أكبر} [التوبة: 72] فإن معناه ورضا الله عنهم أكبر من ذلك كله، وبذلك جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا " حدثنا ابن حميد، قال: ثني يعقوب، عن حفص، عن شمر، قال: " يجيء القرآن يوم القيامة في صورة الرجل الشاحب إلى الرجل، حين ينشق عنه قبره، فيقول: أبشر بكرامة الله، أبشر برضوان الله، فيقول مثلك من يبشر بالخير، ومن أنت؟ فيقول: أنا القرآن الذي كنت أسهر ليلك، وأظمئ نهارك. فيحمله على رقبته، حتى يوافي به ربه، فيمثل بين يديه، فيقول: يا رب عبدك هذا اجزه عني خيرا، فقد كنت أسهر ليله، وأظمئ نهاره، وآمره فيطيعني، وأنهاه فيطيعني، فيقول الرب تبارك وتعالى: فله حلة الكرامة، فيقول: أي رب زده، فإنه أهل ذلك، فيقول: فله رضواني، قال: ورضوان من الله أكبر " وابتدئ الخبر عن رضوان الله للمؤمنين والمؤمنات أنه أكبر من كل ما ذكر جل ثناؤه، فرفع، وإن كان الرضوان فيما قد وعدهم، ولم يعطف به في الإعراب على الجنات والمساكن الطيبة، ليعلم بذلك تفضيل الله رضوانه عن المؤمنين على سائر ما قسم لهم من فضله وأعطاهم من كرامته، نظير قول القائل في الكلام الآخر أعطيتك ووصلتك بكذا، وأكرمتك، ورضاي بعد عنك أفضل ذلك. {ذلك هو الفوز العظيم} [التوبة: 72] هذه الأشياء التي وعدت المؤمنين والمؤمنات، هو الفوز العظيم، يقول: هو الظفر العظيم والنجاء الجسيم؛ لأنهم ظفروا بكرامة الأبد، ونجوا من الهوان في السفر، فهو الفوز العظيم الذي لا شيء أعظم منه 11P565

Sección V11/P564–V11/P567

[التوبة: 73] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير } [التوبة: 73] 11P566 يقول تعالى ذكره: يا أيها النبي جاهد الكفار بالسيف والسلاح والمنافقين. واختلف أهل التأويل في صفة الجهاد الذي أمر الله نبيه به في المنافقين، فقال بعضهم: أمره بجهادهم باليد واللسان، وبكل ما أطاق جهادهم به ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حميد بن عبد الرحمن، ويحيى بن آدم، عن حسن بن صالح، عن علي بن الأقمر، عن عمرو بن جندب، عن ابن مسعود، في قوله تعالى: " {جاهد الكفار والمنافقين} [التوبة: 73] قال: بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، فإن لم يستطع فليكفهر في وجهه " وقال آخرون: بل أمره بجهادهم باللسان ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله تعالى: " {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} [التوبة: 73] فأمره الله بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان، وأذهب الرفق عنهم " حدثنا القاسم، قال: ثني الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: " {جاهد الكفار والمنافقين} [التوبة: 73] قال: الكفار بالقتال، والمنافقين: أن تغلظ عليهم بالكلام " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} [التوبة: 73] يقول: جاهد الكفار بالسيف، واغلظ على المنافقين بالكلام، وهو مجاهدتهم " وقال آخرون: بل أمره بإقامة الحدود عليهم ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: " {جاهد الكفار والمنافقين} [التوبة: 73] قال: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بالحدود، أقم عليهم حدود الله " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} [التوبة: 73] قال: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجاهد الكفار بالسيف، ويغلظ على المنافقين في الحدود " 11P568 قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب ما قال ابن مسعود من أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم من جهاد المنافقين، بنحو الذي أمره به من جهاد المشركين فإن قال قائل: فكيف تركهم صلى الله عليه وسلم مقيمين بين أظهر أصحابه مع علمه بهم؟ قيل: إن الله تعالى ذكره إنما أمر بقتال من أظهر منهم كلمة الكفر، ثم أقام على إظهاره ما أظهر من ذلك. وأما من إذا اطلع عليه منهم أنه تكلم بكلمة الكفر وأخذ بها، أنكرها ورجع عنها وقال: إني مسلم، فإن حكم الله في كل من أظهر الإسلام بلسانه، أن يحقن بذلك له دمه وماله وإن كان معتقدا غير ذلك، وتوكل هو جل ثناؤه بسرائرهم، ولم يجعل للخلق البحث عن السرائر، فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم مع علمه بهم واطلاع الله إياه على ضمائرهم واعتقاد صدورهم، كان يقرهم بين أظهر الصحابة، ولا يسلك بجهادهم مسلك جهاد من قد ناصبه الحرب على الشرك بالله؛ لأن أحدهم كان إذا اطلع عليه أنه قد قال قولا كفر فيه بالله ثم أخذ به أنكره، وأظهر الإسلام بلسانه، فلم يكن صلى الله عليه وسلم يأخذه إلا بما أظهر له من قوله عند حضوره إياه وعزمه على إمضاء الحكم فيه، دون ما سلف من قول كان نطق به قبل ذلك، ودون اعتقاد ضميره الذي لم يبح الله لأحد الأخذ به في الحكم وتولى الأخذ به هو دون خلقه. وقوله: {واغلظ عليهم} [التوبة: 73] يقول تعالى ذكره: واشدد عليهم بالجهاد والقتال 11P569 والإرهاب. وقوله: {ومأواهم جهنم} [التوبة: 73] يقول: ومساكنهم جهنم وهي مثواهم ومأواهم. {وبئس المصير} [التوبة: 73] يقول: وبئس المكان الذي يصار إليه جهنم 11P567

Sección V11/P567–V11/P569

[التوبة: 74] القول في تأويل قوله تعالى: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير} [التوبة: 74] اختلف أهل التأويل في الذي نزلت فيه هذه الآية، والقول الذي كان قاله، الذي أخبر الله عنه أنه يحلف بالله ما قاله. فقال بعضهم: الذي نزلت فيه هذه الآية: الجلاس بن سويد بن الصامت وكان القول الذي قاله ما: حدثنا به ابن وكيع، قال: ثنا معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر} [التوبة: 74] قال: نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت، قال: إن كان ما جاء به محمد حقا، لنحن أشر من الحمير، فقال له ابن امرأته: والله يا عدو الله، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قلت، فإني إن لا أفعل أخاف أن تصيبني قارعة وأؤاخذ بخطيئتك، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الجلاس، فقال: «يا جلاس أقلت كذا وكذا؟ » فحلف ما قال، فأنزل الله تبارك وتعالى: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من 11P570 فضله} [التوبة: 74] حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو معاوية الضرير، عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: نزلت هذه الآية: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم} [التوبة: 74] في الجلاس بن سويد بن الصامت، أقبل هو وابن امرأته مصعب من قباء، فقال الجلاس: إن كان ما جاء به محمد حقا، لنحن أشر من حميرنا هذه التي نحن عليها، فقال مصعب: أما والله يا عدو الله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قلت، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، وخشيت أن ينزل في القرآن أو تصيبني قارعة أو أن أخلط، قلت: يا رسول الله أقبلت أنا والجلاس من قباء، فقال كذا وكذا، ولولا مخافة أن أؤاخذ بخطيئة أو تصيبني قارعة ما أخبرتك، قال: فدعا الجلاس، فقال له: «يا جلاس أقلت الذي قال مصعب؟ » قال: فحلف، فأنزل الله تبارك وتعالى: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم} [التوبة: 74] الآية حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: «كان الذي قال تلك المقالة فيما بلغني الجلاس بن سويد بن الصامت، فرفعها عنه رجل كان في حجره يقال له عمير بن سعيد، فأنكر، فحلف بالله ما قالها، فلما نزل فيه 11P571 القرآن تاب ونزع وحسنت توبته فيما بلغني» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {كلمة الكفر} [التوبة: 74] قال أحدهم: لئن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمير، فقال له رجل من المؤمنين: أن ما قال لحق ولأنت شر من حمار، قال: فهم المنافقون بقتله، فذلك قوله: {وهموا بما لم ينالوا} [التوبة: 74] " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه. قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله حدثني أيوب بن إسحاق بن إبراهيم، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: ثنا إسرائيل، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في ظل شجرة، فقال: «إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا جاء فلا تكلموه» فلم يلبث أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «علام تشتمني أنت وأصحابك؟

Sección V11/P569–V11/P574

» فانطلق الرجل فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا وما فعلوا حتى تجاوز عنهم، فأنزل الله: {يحلفون بالله ما قالوا} [التوبة: 74] ثم نعتهم جميعا، إلى آخر الآية 11P572 وقال آخرون: بل نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول، قالوا: والكلمة التي قالها ما حدثنا به بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {يحلفون بالله ما قالوا} [التوبة: 74] إلى قوله: {من ولي ولا نصير} [البقرة: 107] قال: ذكر لنا أن رجلين اقتتلا، أحدهما من جهينة والآخر من غفار، وكانت جهينة حلفاء الأنصار. وظهر الغفاري على الجهني، فقال عبد الله بن أبي للأوس: انصروا أخاكم، فوالله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، وقال: {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} [المنافقون: 8] فسعى بها رجل من المسلمين إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم. فأرسل إليه فسأله، فجعل يحلف بالله ما قاله، فأنزل الله تبارك وتعالى: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر} [التوبة: 74] " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر} [التوبة: 74] قال: نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول " قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى أخبر عن المنافقين أنهم يحلفون بالله كذبا على كلمة كفر تكلموا بها أنهم لم يقولوها. وجائز أن يكون ذلك القول ما روي عن عروة أن الجلاس قاله، وجائز أن يكون قائله عبد الله بن أبي ابن سلول. والقول ما ذكره قتادة عنه أنه قال، ولا علم لنا بأن ذلك من أي؛ إذ كان لا خبر بأحدهما يوجب الحجة ويتوصل به إلى يقين العلم به، وليس مما يدرك علمه بفطرة العقل، فالصواب أن يقال فيه كما قال الله جل ثناؤه: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم} [التوبة: 74] وأما قوله: {وهموا بما لم ينالوا} [التوبة: 74] فإن أهل التأويل اختلفوا في الذي كان هم بذلك وما الشيء الذي كان هم به. فقال بعضهم: هو رجل من المنافقين، وكان الذي هم به قتل ابن امرأته الذي سمع منه ما قال وخشي أن يفشيه عليه ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: " هم المنافق بقتله، يعني قتل المؤمن الذي قال له: أنت شر من الحمار. فذلك قوله: {وهموا بما لم ينالوا} [التوبة: 74] " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد به. وقال آخرون: كان الذي هم رجلا من قريش، والذي هم به قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك: حدثني الحارث، قال : ثنا عبد العزيز، قال: ثنا شبل، عن جابر، عن مجاهد، في قوله: " {وهموا بما لم ينالوا} [التوبة: 74] قال: رجل من قريش هم بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له الأسود " قال آخرون: الذي هم عبد الله بن أبي ابن سلول، وكان همه الذي لم ينله قوله: {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} [المنافقون: 8] وقوله: {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} [التوبة: 74] ذكر لنا أن المنافق الذي ذكر الله عنه أنه قال كلمة الكفر كان فقيرا، فأغناه الله بأن قتل له مولى، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته.

Sección V11/P574–V11/P576

فلما قال ما قال، قال الله تعالى: {وما نقموا} [التوبة: 74] يقول: ما أنكروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا {إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} [التوبة: 74] ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه: " {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} [التوبة: 74] وكان الجلاس قتل له مولى له، فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته، فاستغنى، فذلك قوله: {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} [التوبة: 74] " قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، قال: «قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالدية اثني عشر ألفا في مولى لبني عدي بن كعب» وفيه أنزلت هذه الآية: {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} [التوبة: 74] حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} [التوبة: 74] قال: كانت لعبد الله بن أبي دية، فأخرجها 11P575 رسول الله صلى الله عليه وسلم له " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان، قال: ثنا عمرو، قال: سمعت عكرمة: " أن مولى، لبني عدي بن كعب قتل رجلا من الأنصار، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدية اثني عشر ألفا، وفيه أنزلت: {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} [التوبة: 74] قال عمرو: لم أسمع هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من عكرمة، يعني الدية اثني عشر ألفا " حدثنا صالح بن مسمار، قال: ثنا محمد بن سنان العوقي، قال: ثنا محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس: " أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الدية اثني عشر ألفا، فذلك قوله: {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} [التوبة: 74] قال: بأخذ الدية " وأما قوله: {فإن يتوبوا يك خيرا لهم} [التوبة: 74] يقول تعالى ذكره: فإن يتب هؤلاء القائلون كلمة الكفر من قيلهم الذي قالوه فرجعوا عنه، يك رجوعهم وتوبتهم من ذلك خيرا لهم من النفاق. {وإن يتولوا} [التوبة: 74] يقول: وإن يدبروا عن التوبة فيأبوها، ويصروا على كفرهم {يعذبهم الله عذابا أليما} [التوبة: 74] يقول: يعذبهم عذابا موجعا في الدنيا، إما بالقتل، وإما بعاجل خزي لهم فيها، ويعذبهم في الآخرة بالنار. وقوله: {وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير} [التوبة: 74] يقول: وما لهؤلاء المنافقين إن عذبهم الله في عاجل الدنيا، من ولي يواليه على منعه من عقاب الله، ولا نصير ينصره من الله، فينقذه من عقابه وقد كانوا أهل عز ومنعة بعشائرهم وقومهم يمتنعون بهم ممن أرادهم بسوء، فأخبر جل ثناؤه أن الذين كانوا يمنعونهم ممن أرادهم بسوء من عشائرهم وحلفائهم، لا يمنعونهم من الله ولا ينصرونهم منه إذا احتاجوا إلى نصرهم. وذكر أن الذي نزلت فيه هذه الآية تاب مما كان عليه من النفاق ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه: {فإن يتوبوا يك خيرا لهم} [التوبة: 74] قال: قال الجلاس: «قد استثنى الله لي التوبة، فأنا أتوب، فقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه: {فإن يتوبوا يك خيرا لهم} [التوبة: 74] الآية، فقال الجلاس: «يا رسول الله إني أرى الله قد استثنى لي التوبة، فأنا أتوب، فتاب، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم منه» 11P576

Sección V11/P576–V11/P577

[التوبة: 75_76_77] القول في تأويل قوله تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون} [التوبة: 75_76_77] يقول تعالى ذكره: ومن هؤلاء المنافقين الذين وصفت لك يا محمد صفتهم {من عاهد الله} [التوبة: 75] يقوله: أعطى الله عهدا {لئن آتانا من فضله} [التوبة: 75] يقول: لئن أعطانا الله من فضله، ورزقنا مالا، ووسع علينا من عنده {لنصدقن} [التوبة: 75] يقول: لنخرجن الصدقة من ذلك المال الذي رزقنا ربنا {ولنكونن من الصالحين} [التوبة: 75] يقول: ولنعملن فيها بعمل أهل الصلاح بأموالهم من صلة الرحم به وإنفاقه في سبيل الله. يقول الله تبارك وتعالى: فرزقهم الله وآتاهم من فضله. {فلما آتاهم} [التوبة: 76] الله {من فضله بخلوا به} [التوبة: 76] بفضل الله الذي آتاهم فلم يصدقوا منه ولم يصلوا منه قرابة ولم ينفقوا منه في حق الله {وتولوا} [التوبة: 76] يقول وأدبروا عن عهدهم الذي عاهدوه الله {وهم معرضون} [آل عمران: 23] عنه {فأعقبهم} [التوبة: 77] الله {نفاقا في قلوبهم} [التوبة: 77] ببخلهم بحق الله الذي فرضه عليهم فيما آتاهم من فضله وإخلافهم الوعد الذي وعدوا الله ونقضهم عهده في قلوبهم {إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه} [التوبة: 77] من الصدقة والنفقة في سبيله {وبما كانوا يكذبون} [التوبة: 77] في قيلهم وحرمهم التوبة منه لأنه جل ثناؤه اشترط في نفاقهم أنه أعقبهموه {إلى يوم يلقونه} [التوبة: 77] وذلك يوم مماتهم وخروجهم من الدنيا. واختلف أهل التأويل في المعني بهذه الآية، فقال بعضهم: عني بها رجل يقال له ثعلبة بن حاطب من الأنصار ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن 11P578 أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله} [التوبة: 75] الآية، وذلك أن رجلا يقال له ثعلبة بن حاطب من الأنصار، أتى مجلسا فأشهدهم، فقال: لئن آتاني الله من فضله، آتيت منه كل ذي حق حقه، وتصدقت منه، ووصلت منه القرابة، فابتلاه الله فآتاه من فضله، فأخلف الله ما وعده، وأغضب الله بما أخلف ما وعده، فقص الله شأنه في القرآن: {ومنهم من عاهد الله} [التوبة: 75] الآية، إلى قوله: {يكذبون} [التوبة: 77] " حدثني المثنى، قال: ثنا هشام بن عمار، قال: ثنا محمد بن شعيب، قال: ثنا معاذ بن رفاعة السلمي، عن أبي عبد الملك علي بن يزيد الألهاني، أنه أخبره عن القاسم بن عبد الرحمن، أنه أخبره عن أبي أمامة الباهلي، عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري، أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ادع الله أن يرزقني مالا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تطيقه» قال: ثم قال مرة أخرى، فقال: «أما ترضى أن تكون مثل نبي الله؟ فوالذي نفسي بيده لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا وفضة لسارت» قال: والذي بعثك بالحق، لئن دعوت الله فرزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم ارزق ثعلبة مالا» . قال: فاتخذ غنما، فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها، فنزل واديا من أوديتها، حتى جعل 11P579 يصلي الظهر والعصر في جماعة، ويترك ما سواهما. ثم نمت وكثرت، فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدود، حتى ترك الجمعة. فطفق يتلقى الركبان يوم الجمعة يسألهم عن الأخبار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما فعل ثعلبة؟ » فقالوا: يا رسول الله اتخذ غنما فضاقت عليه المدينة، فأخبروه بأمره، فقال: «يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة» قال: وأنزل الله: {خذ من أموالهم صدقة} [التوبة: 103] الآية.

Sección V11/P577

ونزلت عليه فرائض الصدقة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين على الصدقة، رجلا من جهينة، ورجلا من سليم، وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة من المسلمين، وقال لهما: «مرا بثعلبة، وبفلان رجل من بني سليم فخذا صدقاتهما» فخرجا حتى أتيا ثعلبة، فسألاه الصدقة، وأقرأاه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، ما أدري ما هذا، انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إلي، فانطلقا، وسمع بهما السلمي، فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهم بها، فلما رأوها، قالوا: ما يجب عليك هذا، وما نريد أن نأخذ هذا منك. قال: بلى فخذوه، فإن نفسي بذلك طيبة، وإنما هي لي فأخذوها منه. فلما فرغا من صدقاتهما رجعا، حتى مرا بثعلبة، فقال: أروني كتابكما، فنظر فيه فقال: ما هذه إلا أخت الجزية، انطلقا حتى أرى رأيي. فانطلقا حتى أتيا النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآهما قال: «يا ويح ثعلبة» قبل أن يكلمهما، ودعا للسلمي بالبركة، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة، والذي صنع السلمي، فأنزل الله تبارك وتعالى فيه: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين} [التوبة: 75] إلى قوله: {وبما كانوا يكذبون} [التوبة: 77] وعند رسول الله رجل من أقارب ثعلبة، فسمع ذلك، فخرج حتى أتاه، فقال: ويحك يا ثعلبة، قد أنزل 11P580 الله فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يقبل منه صدقته. فقال: «إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك» فجعل يحثي على رأسه التراب، فقال له رسول له صلى الله عليه وسلم: «هذا عملك، قد أمرتك فلم تطعني» . فلما أبي أن يقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، رجع إلى منزله، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقبل منه شيئا. ثم أتى أبا بكر حين استخلف، فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعي من الأنصار، فاقبل صدقتي، فقال أبو بكر: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أقبلها؟ فقبض أبو بكر ولم يقبضها. فلما ولي عمر أتاه فقال: يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي، فقال: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر، وأنا لا أقبلها منك، فقبض ولم يقبلها. ثم ولي عثمان رحمة الله عليه، فأتاه فسأله أن يقبل صدقته، فقال: لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر ولا عمر رضوان الله عليهما وأنا لا أقبلها منك، فلم يقبلها منه، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان رحمة الله عليه " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله الآية: ذكر لنا أن رجلا من الأنصار أتى على مجلس من الأنصار، فقال لئن آتاه الله مالا ليؤدين إلى كل ذي حق حقه، فآتاه الله مالا، فصنع فيه ما تسمعون. قال: فلما آتاهم من فضله بخلوا به إلى 11P581 قوله: وبما كانوا يكذبون ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم حدث أن موسى عليه الصلاة والسلام لما جاء بالتوراة إلى بني إسرائيل قالت بنو إسرائيل: إن التوراة كثيرة، وإنا لا نفرغ لها، فسل لنا ربك جماعا من الأمر نحافظ عليه ونتفرغ فيه لمعايشنا، قال: يا قوم مهلا مهلا، هذا كتاب الله، ونور الله، وعصمة الله. قال: فأعادوا عليه، فأعاد عليهم، قالها ثلاثا. قال: فأوحى الله إلى موسى: ما يقول عبادي؟ قال: يا رب يقولون: كيت وكيت. قال: فإني آمرهم بثلاث إن حافظوا عليهن دخلوا بهن الجنة: أن ينتهوا إلى قسمة الميراث فلا يظلموا فيها، ولا يدخلوا أبصارهم البيوت حتى يؤذن لهم، وأن لا يطعموا طعاما حتى يتوضئوا وضوء الصلاة.

Sección V11/P577–V11/P583

قال: فرجع بهن نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه، ففرحوا ورأوا أنهم سيقومون بهن، قال: فوالله ما لبث القوم إلا قليلا حتى جنحوا، وانقطع بهم، فلما حدث نبي الله بهذا الحديث عن بني إسرائيل، قال: «تكفلوا لي بست أتكفل لكم بالجنة» قالوا: ما هن يا رسول الله؟ قال: «إذا حدثتم فلا تكذبوا، وإذا وعدتم فلا تخلفوا، وإذا اؤتمنتم فلا تخونوا، وكفوا أبصاركم وأيديكم وفروجكم أبصاركم عن الخيانة وأيديكم عن السرقة وفروجكم عن الزنا» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: " ثلاث من كن فيه صار منافقا وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا وعد أخلف " وقال آخرون: بل المعني بذلك: رجلان: أحدهما ثعلبة، والآخر معتب بن قشير ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن: " {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله} [التوبة: 75] إلى الآخر، وكان الذي عاهد الله منهم ثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، هما من بني عمرو بن عوف " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: " {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله} [التوبة: 75] قال: رجلان خرجا على ملإ قعود، فقالا: والله لئن رزقنا الله لنصدقن، فلما رزقهم الله بخلوا به " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، " {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله} [التوبة: 75] رجلان خرجا على ملإ قعود، فقالا: والله لئن رزقنا الله لنصدقن، فلما رزقهم بخلوا به، فأعقبهم نفاقا في قلوبهم بما أخلفوا الله ما وعدوه حين قالوا: لنصدقن، فلم يفعلوا ". 11P583 حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله} [التوبة: 75] الآية، قال: هؤلاء صنف من المنافقين، فلما آتاهم ذلك بخلوا به، فلما بخلوا بذلك أعقبهم بذلك نفاقا إلى يوم يلقونه، ليس لهم منه توبة ولا مغفرة ولا عفو، كما أصاب إبليس حين منعه التوبة " وقال أبو جعفر: في هذه الآية الإبانة من الله جل ثناؤه عن علامة أهل النفاق، أعني في قوله: {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون} [التوبة: 77] . وبنحو هذا القول كان يقول جماعة من الصحابة والتابعين، ووردت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: قال عبد الله: " اعتبروا المنافق بثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر. وأنزل الله تصديق ذلك في كتابه: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله} [التوبة: 75] إلى قوله: {يكذبون} [التوبة: 77] " حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن السماك، عن صبيح بن عبد الله بن عميرة، عن عبد الله بن عمرو، قال: " ثلاث من كن فيه كان منافقا: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان " قال: وتلا هذه الآية: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين} [التوبة: 75] إلى آخر الآية.

Preguntas