Taberî — Câmiü'l-Beyân
[هود: 2] القول في تأويل قوله تعالى: {ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير} [هود: 2] يقول تعالى ذكره: ثم فصلت بأن لا تعبدوا إلا الله وحده لا شريك له، وتخلعوا الآلهة والأنداد. ثم قال تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للناس إنني لكم من عند الله نذير ينذركم عقابه على معاصيه وعبادة الأصنام، وبشير يبشركم بالجزيل من الثواب على طاعته وإخلاص العبادة والألوهة له 12P312
[هود: 3] القول في تأويل قوله تعالى: {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير} [هود: 3] يقول تعالى ذكره: ثم فصلت آياته بأن لا تعبدوا إلا الله وبأن استغفروا ربكم. ويعني بقوله: {وأن استغفروا ربكم} [هود: 3] وأن اعملوا أيها الناس من الأعمال ما يرضي ربكم عنكم، فيستر عليكم عظيم ذنوبكم التي ركبتموها بعبادتكم الأوثان والأصنام، وإشراككم الآلهة والأنداد في عبادته. وقوله: {ثم توبوا إليه} [هود: 3] يقول: ثم ارجعوا إلى ربكم بإخلاص العبادة له دون ما سواه من سائر ما تعبدون من دونه بعد خلعكم الأنداد، وبراءتكم من عبادتها. ولذلك قيل : {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} [هود: 3] ولم يقل: وتوبوا إليه؛ لأن التوبة معناها الرجوع إلى العمل بطاعة الله، والاستغفار: استغفار من الشرك الذي كانوا عليه مقيمين، والعمل لله لا يكون عملا له إلا بعد ترك الشرك به، فأما الشرك فإن عمله لا يكون إلا للشيطان، فلذلك أمرهم تعالى ذكره بالتوبة إليه بعد الاستغفار من الشرك؛ لأن أهل الشرك كانوا يرون أنهم يطيعون الله بكثير من أفعالهم، وهم على شركهم مقيمون. وقوله: {يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى} [هود: 3] يقول تعالى ذكره للمشركين الذين خاطبهم بهذه الآيات: استغفروا ربكم، ثم توبوا إليه، فإنكم إذا فعلتم ذلك بسط عليكم من الدنيا، ورزقكم من زينتها، وأنسأ لكم في آجالكم إلى الوقت الذي قضى فيه عليكم الموت. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى} [هود: 3] فأنتم في ذلك المتاع فخذوه بطاعة الله، ومعرفة حقه، فإن الله منعم يحب الشاكرين، وأهل الشكر في مزيد من الله، وذلك قضاؤه الذي قضى. وقوله: {إلى أجل مسمى} [البقرة: 282] يعني الموت " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن 12P314 مجاهد: " {إلى أجل مسمى} [البقرة: 282] قال: الموت " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {إلى أجل مسمى} [البقرة: 282] وهو الموت " حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " {إلى أجل مسمى} [البقرة: 282] قال: الموت " وأما قوله: {ويؤت كل ذي فضل فضله} [هود: 3] فإنه يعني: يثيب كل من تفضل بفضل ماله أو قوته أو معروفه على غيره محتسبا مريدا به وجه الله، أجزل ثوابه وفضله في الآخرة. كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {ويؤت كل ذي فضل فضله} [هود: 3] قال: ما احتسب به من ماله، أو عمل بيده أو رجله، أو كلمه ، أو ما تطوع به من أمره كله " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. قال: وحدثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه، إلا أنه قال: أو عمل بيديه أو رجليه وكلامه، وما تطول به من أمره كله. حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، 12P315 عن مجاهد بنحوه، إلا أنه قال: وما نطق به من أمره كله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {ويؤت كل ذي فضل فضله} [هود: 3] أي في الآخرة " وقد روي عن ابن مسعود أنه كان يقول في تأويل ذلك ما حدثت به، عن المسيب بن شريك، عن أبي بكر، عن سعيد بن جبير، عن ابن مسعود، في قوله: " {ويؤت كل ذي فضل فضله} [هود: 3] قال: من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات.
فإن عوقب بالسيئة التي كان عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات، وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من الحسنات العشر واحدة وبقيت له تسع حسنات. ثم يقول: هلك من غلب آحاده أعشاره " وقوله: {وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير} [هود: 3] يقول تعالى ذكره: وإن أعرضوا عما دعوتهم إليه من إخلاص العبادة لله، وترك عبادة الآلهة، وامتنعوا من الاستغفار لله، والتوبة إليه فأدبروا مولين عن ذلك، فإني أيها القوم أخاف عليكم عذاب يوم كبير، شأنه عظيم هوله، وذلك {ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون} [الجاثية: 22] وقال جل ثناؤه: {وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير} [هود: 3] ولكنه مما قد تقدم قوله، والعرب إذا قدمت قبل الكلام قولا خاطبت، ثم عادت إلى الخبر عن الغائب، ثم رجعت بعد إلى الخطاب، وقد بينا ذلك في غير موضع بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع 12P315
[هود: 4] القول في تأويل قوله تعالى: {إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير} [هود: 4] يقول تعالى ذكره إلى الله أيها القوم مآبكم ومصيركم، فاحذروا عقابه إن توليتم عما أدعوكم إليه من التوبة إليه من عبادتكم الآلهة والأصنام، فإنه مخلدكم نار جهنم إن هلكتم على شرككم قبل التوبة إليه. {وهو على كل شيء قدير} [المائدة: 120] يقول: وهو على إحيائكم بعد مماتكم، وعقابكم على إشراككم به الأوثان وغير ذلك مما أراد بكم وبغيركم قادر 12P316
[هود: 5] القول في تأويل قوله تعالى: {ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور} [هود: 5] اختلف القراء في قراءة قوله: {ألا إنهم يثنون صدورهم} [هود: 5] فقرأته عامة الأمصار: {ألا إنهم يثنون صدورهم} [هود: 5] على تقدير يفعلون من «ثنيت» ، والصدور منصوبة. واختلفت قارئو ذلك كذلك في تأويله، فقال بعضهم: ذلك كان من فعل بعض المنافقين كان إذا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم غطى وجهه وثنى ظهره ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن حصين، عن عبد الله بن شداد، في قوله: " {ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم} [هود: 5] قال: كان أحدهم إذا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال بثوبه على وجهه، وثنى ظهره " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عبد الله بن شداد بن الهاد. قوله: " {ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه} [هود: 5] قال: من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان المنافقون إذا مروا به ثنى أحدهم صدره ويطأطئ رأسه، فقال الله: {ألا إنهم يثنون صدورهم} [هود: 5] الآية " حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن حصين، قال: سمعت عبد الله بن شداد يقول، في قوله: " {يثنون صدورهم} [هود: 5] قال: كان أحدهم إذا مر بالنبي صلى الله عليه وسلم ثنى صدره، وتغشى بثوبه كي لا يراه النبي صلى الله عليه وسلم " وقاله آخرون: بل كانوا يفعلون ذلك جهلا منهم بالله وظنا أن الله يخفى عليه، ما تضمره صدورهم إذا فعلوا ذلك. ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {يثنون صدورهم} [هود: 5] قال: شكا وامتراء في الحق، ليستخفوا من الله إن استطاعوا " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {يثنون صدورهم} [هود: 5] شكا وامتراء في الحق. {ليستخفوا منه} [هود: 5] قال: من الله إن استطاعوا " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن 12P318 مجاهد: " {يثنون صدورهم} [هود: 5] قال: تضيق شكا " حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {يثنون صدورهم} [هود: 5] قال: تضيق شكا وامتراء في الحق، قال: {ليستخفوا منه} [هود: 5] قال: من الله إن استطاعوا " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: " {ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم} [هود: 5] قال: من جهالتهم به، قال الله: {ألا حين يستغشون ثيابهم} [هود: 5] في ظلمة الليل في أجوف بيوتهم، {يعلم} [هود: 5] تلك الساعة {ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور} [هود: 5] " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رزين: " {ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم} [هود: 5] قال: كان أحدهم يحني ظهره ويستغشي بثوبه " وقال آخرون: إنما كانوا يفعلون ذلك لئلا يسمعوا كلام الله تعالى.
12P319 ذكر من قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {ألا إنهم يثنون صدورهم} [هود: 5] الآية، قال: كانوا يحنون صدورهم لكيلا يسمعوا كتاب الله، قال تعالى: {ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون} [هود: 5] وذلك أخفى ما يكون ابن آدم إذا حنى صدره واستغشى بثوبه، وأضمر همه في نفسه، فإن الله لا يخفى ذلك عليه " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {يستغشون ثيابهم} [هود: 5] قال: أخفى ما يكون الإنسان إذا أسر في نفسه شيئا، وتغطى بثوبه، فذلك أخفى ما يكون، والله يطلع على ما في نفوسهم، والله يعلم ما يسرون وما يعلنون " وقال آخرون: إنما هذا إخبار من الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن المنافقين الذين كانوا يضمرون له العداوة والبغضاء، ويبدون له المحبة والمودة، وأنهم معه وعلى دينه. يقول جل ثناؤه: ألا إنهم يطوون صدورهم على الكفر ليستخفوا من الله، ثم أخبر جل ثناؤه أنه لا يخفى عليه سرائرهم وعلانيتهم وقال آخرون: كانوا يفعلون ذلك إذا ناجى بعضهم بعضا 12P320 ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه} [هود: 5] قال: هذا حين يناجي بعضهم بعضا. وقرأ: {ألا حين يستغشون ثيابهم} [هود: 5] الآية وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ذلك: «وألا إنهم تثنوني صدورهم» على مثال: تحلولي التمرة: تفعوعل حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، قال: سمعت ابن عباس يقرأ: «ألا إنهم تثنوني صدورهم» قال: كانوا لا يأتون النساء ولا الغائط إلا وقد تغشوا بثيابهم كراهة أن يفضوا بفروجهم إلى السماء " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر، يقول: سمعت ابن عباس، يقرؤها: «ألا إنهم تثنوني صدورهم» قال: سألته عنها، فقال: كان ناس يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء، وأن يصيبوا فيفضوا إلى السماء " 12P321 وروي عن ابن عباس في تأويل ذلك قول آخر، وهو ما حدثنا به، محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: أخبرت عن عكرمة، أن ابن عباس، قرأ «ألا إنهم تثنوني صدورهم» وقال ابن عباس: تثنوني صدورهم: الشك في الله وعمل السيئات. {يستغشون ثيابهم} [هود: 5] يستكبر، أو يستكن من الله والله يراه، {يعلم ما يسرون وما يعلنون} [هود: 5] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قرأ: «ألا إنهم تثنوني صدورهم» قال عكرمة: تثنوني صدورهم، قال: الشك في الله وعمل السيئات، فيستغشي ثيابه ويستكن من الله، والله يعلم ما يسرون وما يعلنون " والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قراء الأمصار، وهو: {ألا إنهم يثنون صدورهم} [هود: 5] على مثال «يفعلون» ، والصدور نصب بمعنى: يحنون صدورهم ويكنونها. كما: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {يثنون صدورهم} [هود: 5] يقول: يكنون " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن 12P322 أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {ألا إنهم يثنون صدورهم} [هود: 5] يقول: يكتمون ما في قلوبهم. {ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم} [هود: 5] ما عملوا بالليل والنهار " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {ألا إنهم يثنون صدورهم} [هود: 5] يقول: تثنوني صدورهم " وهذا التأويل الذي تأوله الضحاك على مذهب قراءة ابن عباس، إلا أن الذي حدثنا هكذا ذكر القراءة في الرواية. فإذا كانت القراءة التي ذكرنا أولى القراءتين في ذلك بالصواب لإجماع الحجة من القراء عليها.
فأولى التأويلات بتأويل ذلك، تأويل من قال: إنهم كانوا يفعلون ذلك جهلا منهم بالله أنه يخفى عليه ما تضمره نفوسهم أو تناجوه بينهم. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بالآية، لأن قوله: {ليستخفوا منه} [هود: 5] بمعنى: ليستخفوا من الله، وأن الهاء في قوله: {منه} [هود: 5] عائدة على اسم الله، ولم يجر لمحمد ذكر قبل. فيجعل من ذكره صلى الله عليه وسلم، وهي في سياق الخبر عن الله. فإذا كان ذلك كذلك كانت بأن تكون من ذكر الله أولى. وإذا صح أن ذلك كذلك، كان معلوما أنهم لم يحدثوا أنفسهم أنهم يستخفون من الله إلا بجهلهم به، فلما أخبرهم جل ثناؤه أنه لا يخفى عليه سر أمورهم وعلانيتها على أي حال كانوا تغشوا بالثياب أو أظهروا بالبزار، فقال: {ألا حين يستغشون ثيابهم} [هود: 5] يعني: يتغشون ثيابهم يتغطونها ويلبسون، يقال منه: استغشى ثوبه وتغشاه، قال الله: {واستغشوا ثيابهم} [نوح: 7] وقالت الخنساء: [+البحر البسيط] أرعى النجوم وما كلفت رعيتها وتارة أتغشى فضل أطماري {يعلم ما يسرون} [هود: 5] يقول جل ثناؤه: يعلم ما يسر هؤلاء الجهلة بربهم، الظانون أن الله يخفى عليه ما أضمرته صدورهم إذا حنوها على ما فيها وثنوه، وما تناجوه بينهم فأخفوه {وما يعلنون} [هود: 5] سواء عنده سرائر عباده وعلانيتهم {إنه عليم بذات الصدور} [هود: 5] يقول تعالى ذكره: إن الله ذو علم بكل ما أخفته صدور خلقه من إيمان، وكفر وحق وباطل وخير وشر، وما تستجنه مما لم يجنه بعد. كما حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " {ألا حين يستغشون ثيابهم} [هود: 5] يقول: يغطون رءوسهم " قال أبو جعفر: فاحذروا أن يطلع عليكم ربكم، وأنتم مضمرون في صدوركم 12P324 الشك في شيء من توحيده أو أمره أو نهيه، أو فيما ألزمكم الإيمان به والتصديق، فتهلكوا باعتقادكم ذلك. 12P323
[هود: 6] القول في تأويل قوله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين} [هود: 6] يعني تعالى ذكره بقوله: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود: 6] وما تدب دابة في الأرض. والدابة: الفاعلة من دب فهو يدب، وهو داب، وهي دابة. {إلا على الله رزقها} [هود: 6] يقول: إلا ومن الله رزقها الذي يصل إليها هو به متكفل، وذلك قوتها وغذاؤها وما به عيشها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد في قوله: " {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود: 6] قال: ما جاءها من رزق فمن الله، وربما لم يرزقها حتى تموت جوعا، ولكن ما كان من رزق فمن الله " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود: 6] قال: كل 12P325 دابة " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود: 6] يعني: كل دابة، والناس منهم " وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يزعم أن كل ماش فهو دابة، وأن معنى الكلام: وما دابة في الأرض، وأن «من» زائدة وقوله: {ويعلم مستقرها} [هود: 6] حيث تستقر فيه، وذلك مأواها الذي تأوي إليه ليلا أو نهارا {ومستودعها} [هود: 6] الموضع الذي يودعها، إما بموتها فيه أو دفنها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن التيمي، عن ليث، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: " {مستقرها} [هود: 6] حيث تأوي، {ومستودعها} [هود: 6] حيث تموت " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن 12P326 ابن عباس، قوله: " {ويعلم مستقرها} [هود: 6] يقول، حيث تأوي، {ومستودعها} [هود: 6] يقول، إذا ماتت " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن ليث، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: " {ويعلم مستقرها ومستودعها} [هود: 6] قال، المستقر: حيث تأوي، والمستودع، حيث تموت " وقال آخرون: {مستقرها} [هود: 6] في الرحم، {ومستودعها} [هود: 6] في الصلب. ذكر من قال ذلك حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {ويعلم مستقرها} [هود: 6] في الرحم، {ومستودعها} [هود: 6] في الصلب، مثل التي في الأنعام " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {ويعلم مستقرها ومستودعها} [هود: 6] فالمستقر: ما كان في الرحم، والمستودع: ما كان في الصلب " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {ويعلم مستقرها} [هود: 6] يقول: في الرحم، {ومستودعها} [هود: 6] في الصلب " 12P327 وقال: آخرون: المستقر: في الرحم، والمستودع: حيث تموت. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، ويعلى بن فضيل، عن إسماعيل، عن إبراهيم، عن عبد الله: " {ويعلم مستقرها} [هود: 6] ومستودعها قال: مستقرها: الأرحام، ومستودعها: الأرض التي تموت فيها " قال: ثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله: " {ويعلم مستقرها} [هود: 6] ومستودعها المستقر: الرحم، والمستودع. المكان الذي تموت فيه " وقال آخرون {مستقرها} [هود: 6] أيام حياتها {ومستودعها} [هود: 6] حيث تموت فيه.
ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعد، قال: أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، قوله: " {ويعلم مستقرها ومستودعها} [هود: 6] قال: مستقرها: أيام حياتها، ومستودعها: حيث تموت ومن حيث تبعث " وإنما اخترنا القول الذي اخترناه فيه، لأن الله جل ثناؤه أخبر أن ما رزقت الدواب من رزق فمنه، فأولى أن يتبع ذلك أن يعلم مثواها ومستقرها دون الخبر عن علمه بما تضمنته الأصلاب والأرحام. 12P328 ويعني بقوله: {كل في كتاب مبين} [هود: 6] عدد كل دابة، ومبلغ أرزاقها، وقدر قرارها في مستقرها، ومدة لبثها في مستودعها، كل ذلك في كتاب عند الله مثبت مكتوب مبين، يبين لمن قرأه أن ذلك مثبت مكتوب قبل أن يخلقها، ويوجدها. وهذا إخبار من الله جل ثناؤه الذين كانوا يثنون صدورهم ليستخفوا منه أنه قد علم الأشياء كلها، وأثبتها في كتاب عنده قبل أن يخلقها ويوجدها؛ يقول لهم تعالى ذكره: فمن كان قد علم ذلك منهم قبل أن يوجدهم، فكيف يخفى عليه ما تنطوي عليه نفوسهم إذا ثنوا به صدورهم واستغشوا عليه ثيابهم؟ 12P327
[هود: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} [هود: 7] يقول تعالى ذكره: الله الذي إليه مرجعكم أيها الناس جميعا {وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام} يقول: أفيعجز من خلق ذلك من غير شيء أن يعيدكم أحياء بعد أن يميتكم؟ وقيل: إن الله تعالى ذكره خلق السموات والأرض وما فيهن في الأيام الستة، فاجتزى في هذا الموضع بذكر خلق السموات والأرض من ذكر خلق ما فيهن حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال. أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، مولى أم سلمة، عن أبي هريرة، قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، فقال «خلق الله التربة 12P329 يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها من كل دابة يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " {في ستة أيام} [هود: 7] قال: بدأ خلق الأرض في يومين، وقدر فيها أقواتها في يومين " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن كعب، 12P330 قال: " بدأ الله خلق السموات والأرض يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وفرغ منها يوم الجمعة، فخلق آدم في آخر ساعة من يوم الجمعة، قال: فجعل مكان كل يوم ألف سنة " وحدثت عن المسيب بن شريك، عن أبي روق، عن الضحاك: " {وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام} قال: من أيام الآخرة، كل يوم مقداره ألف سنة؛ ابتدأ في الخلق يوم الأحد، وختم الخلق يوم الجمعة فسميت الجمعة، وسبت يوم السبت فلم يخلق شيئا " وقوله: {وكان عرشه على الماء} [هود: 7] يقول: وكان عرشه على الماء قبل أن يخلق السموات والأرض وما فيهن كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ، في قول الله: " {وكان عرشه على الماء} [هود: 7] قبل أن يخلق شيئا " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه. 12P331 حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {وكان عرشه على الماء} [هود: 7] ينبئكم ربكم تبارك وتعالى كيف كان بدء خلقه قبل أن يخلق السموات والأرض " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة " {وكان عرشه على الماء} [هود: 7] قال: هذا بدء خلقه قبل أن يخلق السماء والأرض " حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمه أبي رزين العقيلي، قال: قلت: يا رسول الله: " أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: «في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء» حدثنا ابن وكيع، ومحمد بن هارون القطان الرازقي قالا: ثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمه أبي رزين. قال: قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: «كان في عماء 12P332 ما فوقه هواء، وما تحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء» حدثنا خلاد بن أسلم، قال: أخبرنا النضر بن شميل، قال.
أخبرنا المسعودي، قال: أخبرنا جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز، عن ابن حصين وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتى قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلوا عليه، فجعل يبشرهم، ويقولون: أعطنا حتى ساء ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم خرجوا من عنده، وجاء قوم آخرون فدخلوا عليه، فقالوا: جئنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونتفقه في الدين، ونسأله عن بدء هذا الأمر، قال: «فاقبلوا البشرى إذ لم يقبلها أولئك الذين خرجوا» قالوا: قبلنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان الله ولا شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر قبل كل شيء، ثم خلق سبع سموات» . ثم أتاني آت، فقال: تلك ناقتك قد ذهبت، فخرجت ينقطع دونها السراب، ولوددت أني تركتها حدثنا محمد بن منصور، قال: ثنا إسحاق بن سليمان، قال: ثنا عمرو بن أبي قيس، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: " {وكان عرشه على الماء} [هود: 7] قال: كان عرش الله على الماء، ثم اتخذ لنفسه جنة، ثم اتخذ دونها أخرى، ثم أطبقهما بلؤلؤة واحدة، قال: {ومن دونهما جنتان} [الرحمن: 62] قال: وهي التي {لا تعلم نفس} أو قال: وهما التي لا تعلم نفس {ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} [السجدة: 17] . قال: وهي التي لا تعلم الخلائق ما فيها أو ما فيهما يأتيهم كل يوم منها أو منهما تحفة " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، قال سئل ابن عباس عن قول الله: " {وكان عرشه على الماء} [هود: 7] قال: على أي شيء كان الماء؟ قال: على متن الريح " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن 12P334 الأعمش، عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس عن قوله تعالى: " {وكان عرشه على الماء} [هود: 7] على أي شيء كان الماء؟ قال: على متن الريح " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن سعيد، عن ابن عباس، مثله قال: ثنا الحسين، قال: ثنا مبشر الحلبي، عن أرطاة بن المنذر، قال: سمعت ضمرة يقول: «إن الله كان عرشه على الماء، وخلق السموات والأرض بالحق، وخلق القلم، فكتب به ما هو خالق وما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبح لله ومجده ألف عام قبل أن يخلق شيئا من الخلق» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل، قال: سمعت وهب بن منبه يقول: «إن العرش كان قبل أن يخلق الله السموات والأرض، ثم قبض قبضة من صفاء الماء، ثم فتح القبضة فارتفع دخان، ثم قضاهن سبع سموات في يومين، ثم أخذ طينة من الماء فوضعها مكان البيت، ثم دحا الأرض منها، ثم خلق الأقوات في يومين، والسموات في يومين وخلق الأرض في يومين، ثم فرغ من آخر الخلق يوم السابع» 12P335 وقوله: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [هود: 7] يقول تعالى ذكره: وهو الذي خلق السموات والأرض أيها الناس، وخلقكم في ستة أيام، {ليبلوكم} [هود: 7] يقول: ليختبركم، {أيكم أحسن عملا} [هود: 7] يقول: أيكم أحسن له طاعة كما: حدثنا عن داود بن المحبر، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، عن كليب بن وائل، عن عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه تلا هذه الآية: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [هود: 7] قال: «أيكم أحسن عملا، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [هود: 7] يعني الثقلين " وقوله: {ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} [هود: 7] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولئن قلت لهؤلاء المشركين من قومك إنكم مبعوثون أحياء من بعد مماتكم فتلوت عليهم بذلك تنزيلي ووحيي، ليقولن إن هذا إلا سحر مبين؛ أي ما هذا الذي تتلوه علينا مما تقول إلا سحر لسامعه، مبين حقيقته أنه سحر.
وهذا على تأويل من قرأ ذلك: {إن هذا إلا سحر مبين} [المائدة: 110] ؛ وأما من قرأ: «إن هذا إلا ساحر مبين» فإنه يوجه الخبر بذلك عنهم إلى أنهم وصفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه فيما أتاهم به من ذلك ساحر مبين. وقد بينا الصواب من القراءة في ذلك في نظائره فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته ههنا 12P336
[هود: 8] القول في تأويل قوله تعالى: {ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [هود: 8] يقول تعالى ذكره: ولئن أخرنا عن هؤلاء المشركين من قومك يا محمد العذاب، فلم نعجله لهم، وأنسأنا في آجالهم إلى أمة معدودة، ووقت محدود وسنين معلومة. وأصل الأمة ما قد بينا فيما مضى من كتابنا هذا أنها الجماعة من الناس تجتمع على مذهب ودين، ثم تستعمل في معان كثيرة ترجع إلى معنى الأصل الذي ذكرت. وإنما قيل للسنين المعدودة والحين في هذا الموضع ونحوه أمة، لأن فيها تكون الأمة. وإنما معنى الكلام: ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى مجيء أمة وانقراض أخرى قبلها. وبنحو الذي قلنا من أن معنى الأمة في هذا الموضع الأجل والحين قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان الثوري، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس، وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس: " {ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة} [هود: 8] قال: إلى أجل محدود " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس بمثله حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {إلى أمة معدودة} [هود: 8] قال: أجل معدود " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، قال: «إلى أجل معدود» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي 12P338 نجيح، عن مجاهد: " {إلى أمة معدودة} [هود: 8] قال: إلى حين " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: " {ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة} [هود: 8] يقول: أمسكنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة " قال ابن جريج: قال مجاهد: إلى حين حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة} [هود: 8] يقول: إلى أجل معلوم " وقوله: {ليقولن ما يحبسه} [هود: 8] يقول: ليقولن هؤلاء المشركون ما يحبسه؟ أي شيء يمنعه من تعجيل العذاب الذي يتوعدنا به؟ تكذيبا منهم به، وظنا منهم أن ذلك إنما أخر عنهم لكذب المتوعد كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " {ليقولن ما يحبسه} [هود: 8] قال: للتكذيب به، أو أنه ليس بشيء " 12P339 وقوله: {ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم} [هود: 8] يقول تعالى ذكره تحقيقا لوعيده وتصحيحا لخبره: ألا يوم يأتيهم العذاب الذي يكذبون به ليس مصروفا عنهم، يقول: ليس يصرفه عنهم صارف، ولا يدفعه عنهم دافع، ولكنه يحل بهم فيهلكهم. {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [الزمر: 48] يقول: ونزل بهم وأصابهم الذي كانوا به يسخرون من عذاب الله. وكان استهزاؤهم به الذي ذكره الله قيلهم قبل نزوله ما يحبسه نقلا بأنبيائه. وبنحو الذي قلنا في ذلك كان بعض أهل التأويل يقول. ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [الزمر: 48] قال: ما جاءت به أنبياؤهم من الحق " 12P339
[هود: 9] القول في تأويل قوله تعالى: {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور} [هود: 9] يقول تعالى ذكره: ولئن أذقنا الإنسان منا رخاء وسعة في الرزق والعيش، فبسطنا عليه من الدنيا، وهي الرحمة التي ذكرها تعالى ذكره في هذا الموضع، {ثم نزعناها منه} [هود: 9] يقول: ثم سلبناه ذلك، فأصابته مصائب أجاحته فذهبت به؛ {إنه ليئوس كفور} [هود: 9] يقول: يظل قنطا من رحمة الله آيسا من الخير. وقوله: «يئوس» : فعول، من قول القائل: يئس فلان من كذا فهو 12P340 يئوس، إذا كان ذلك صفة له. وقوله: «كفور» ، يقول: هو كفور لمن أنعم عليه، قليل الشكر لربه المتفضل عليه بما كان وهب له من نعمته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: " {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور} [هود: 9] قال: يا ابن آدم إذا كانت بك نعمة من الله من السعة والأمن والعافية فكفور لما بك منها، وإذا نزعت منك يبتغ لك فراغك فيئوس من روح الله، قنوط من رحمته، كذلك المرء المنافق والكافر " 12P340 [هود: 10_11] القول في تأويل قوله تعالى: {ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير} [هود: 10_11] يقول تعالى ذكره: ولئن نحن بسطنا للإنسان في دنياه، ورزقناه رخاء في عيشه، ووسعنا عليه في رزقه؛ وذلك هي النعم التي قال الله جل ثناؤه: {ولئن أذقناه نعماء} [هود: 10] وقوله: {بعد ضراء} [يونس: 21] يقول: بعد ضيق من العيش كان فيه، وعسرة كان يعالجها. {ليقولن ذهب السيئات عني} [هود: 10] يقول تعالى ذكره: ليقولن عند ذلك: ذهب الضيق والعسرة عني، وزالت الشدائد والمكاره. {إنه لفرح فخور} [هود: 10] يقول تعالى ذكره: إن الإنسان لفرح بالنعم التي يعطاها مسرور بها فخور، يقول: ذو فخر بما نال من السعة في الدنيا، وما بسط له فيها من العيش، وينسى صروفها ونكد العوائص فيها، ويدع طلب النعيم الذي يبقى والسرور الذي يدوم فلا يزول حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قوله: " {ذهب السيئات عني} [هود: 10] غرة بالله وجراءة عليه. {إنه لفرح} [هود: 10] والله لا يحب الفرحين، {فخور} [هود: 10] بعد ما أعطى الله، وهو لا يشكر الله " ثم استثنى جل ثناؤه من الإنسان الذي وصفه بهاتين الصفتين الذين صبروا وعملوا الصالحات. وإنما جاز استثناؤهم منه لأن الإنسان بمعنى الجنس، ومعنى الجمع، وهو كقوله: {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [العصر: 2] فقال تعالى ذكره: {إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات} [هود: 11] ، فإنهم إن تأتيهم شدة من الدنيا وعسرة فيها لم يثنهم ذلك عن طاعة الله، ولكنهم صبروا لأمره وقضائه، فإن نالوا فيها رخاء وسعة شكروه وأدوا حقوقه بما آتاهم منها. يقول الله: {أولئك لهم مغفرة} [هود: 11] يغفرها لهم، ولا يفضحهم بها في معادهم. {وأجر كبير} [هود: 11] يقول: ولهم من الله مع مغفرة ذنوبهم ثواب على أعمالهم الصالحة التي عملوها في دار الدنيا جزيل، وجزاء عظيم حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: " {إلا الذين صبروا} [هود: 11] عند البلاء {وعملوا الصالحات} [هود: 11] عند النعمة، {لهم 12P342 مغفرة} [المائدة: 9] لذنوبهم، {وأجر كبير} [هود: 11] . قال: الجنة " 12P341
[هود: 12] القول في تأويل قوله تعالى: {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل} [هود: 12] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فلعلك يا محمد تارك بعض ما يوحي إليك ربك أن تبلغه من أمرك بتبليغه ذلك، وضائق بما يوحى إليك صدرك، فلا تبلغه إياهم مخافة {أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك} [هود: 12] له مصدق بأنه لله رسول. يقول تعالى ذكره: فبلغهم ما أوحيته إليك، فإنك {إنما أنت نذير} [هود: 12] تنذرهم عقابي وتحذرهم بأسي على كفرهم بي، وإنما الآيات التي يسألونكها عندي، وفي سلطاني أنزلها إذا شئت، وليس عليك إلا البلاغ والإنذار. {والله على كل شيء وكيل} [هود: 12] يقول: والله القيم بكل شيء وبيده تدبيره، فانفذ لما أمرتك به، ولا يمنعك مسألتهم إياك الآيات، من تبليغهم وحيي، والنفوذ لأمري. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: " قال الله لنبيه: {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك} [هود: 12] أن تفعل فيه ما أمرت وتدعو إليه كما أرسلت، قالوا: {لولا أنزل عليه كنز} [هود: 12] لا نرى 12P343 معه مالا، أين المال؟ {أو جاء معه ملك} [هود: 12] ينذر معه، {إنما أنت نذير} [هود: 12] فبلغ ما أمرت " 12P342 [هود: 13] القول في تأويل قوله تعالى: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} [هود: 13] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم كفاك حجة على حقيقة ما أتيتهم به ودلالة على صحة نبوتك، هذا القرآن من سائر الآيات غيره، إذ كانت الآيات إنما تكون لمن أعطيها دلالة على صدقه، لعجز جميع الخلق عن أن يأتوا بمثلها، وهذا القرآن جميع الخلق عجزة عن أن يأتوا بمثله. فإن هم قالوا: افتريته: أي اختلقته وتكذبته. ودل على أن معنى الكلام ما ذكرنا قوله: {أم يقولون افتراه} [يونس: 38] إلى آخر الآية. ويعني تعالى ذكره بقوله: {أم يقولون افتراه} [يونس: 38] أي أيقولون افتراه وقد دللنا على سبب إدخال العرب «أم» في مثل هذا الموضع فقل لهم: يأتوا بعشر سور مثل هذا القرآن مفتريات، يعني مفتعلات مختلقات، إن كان ما أتيتكم به من هذا القرآن مفترى، وليس بآية معجزة كسائر ما سئلته من الآيات، كالكنز الذي قلتم: هلا أنزل عليه أو الملك الذي قلتم: هلا جاء معه نذير له مصدقا فإنكم قومي، وأنتم من أهل لساني، وأنا رجل منكم، ومحال أن أقدر أخلق وحدي مئة سورة وأربع عشرة سورة، ولا تقدروا بأجمعكم أن تفتروا وتختلقوا عشر سور مثلها، ولا سيما إذا استعنتم في ذلك بمن شئتم من الخلق. يقول جل ثناؤه: قل لهم: وادعوا من استطعتم أن تدعوهم من دون الله، يعني سوى الله، لافتراء ذلك، واختلاقه من الآلهة، فإن أنتم لم تقدروا على أن تفتروا عشر سور مثله، فقد تبين لكم أنكم كذبة في قولكم افتراه، وصحت عندكم حقيقة ما أتيتكم به أنه من عند الله، ولم يكن لكم أن تتخيروا الآيات على ربكم، وقد جاءكم من الحجة على حقيقة ما تكذبون به أنه من عند الله مثل الذي تسألون من الحجة وترغبون أنكم تصدقون بمجيئها. وقوله: {إن كنتم صادقين} [البقرة: 23] لقوله: {فأتوا بعشر سور مثله} [هود: 13] وإنما هو: قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات إن كنتم صادقين أن هذا القرآن افتراه محمد، وادعوا من استطعتم من دون الله على ذلك من الآلهة والأنداد حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، {أم يقولون، افتراه} [يونس: 38] قد قالوه؛ {قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم} [هود: 13] قال: يشهدون أنها مثله " هكذا قال القاسم في حديثه 12P344
[هود: 14] القول في تأويل قوله تعالى: {فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون} [هود: 14] يقول تعالى ذكره لنبيه: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: فإن لم يستجب لكم من تدعون من دون الله إلى أن يأتوا بعشر سور مثل هذا القرآن مفتريات، ولم تطيقوا أنتم وهم أن تأتوا بذلك، فاعلموا وأيقنوا أنه إنما أنزل من السماء على محمد صلى الله عليه وسلم بعلم الله وإذنه، وأن محمدا لم يفتره، ولا يقدر أن يفتريه، {وأن لا إله إلا هو} [هود: 14] يقول: وأيقنوا أيضا أن لا معبود يستحق الألوهة على الخلق إلا الله الذي له الخلق والأمر، فاخلعوا الأنداد والآلهة، وأفردوا له العبادة. وقد قيل: إن قوله: {فإن لم يستجيبوا لكم} [هود: 14] خطاب من الله لنبيه، كأنه قال: فإن لم يستجب لك هؤلاء الكفار يا محمد، فاعلموا أيها المشركون أنما أنزل بعلم الله. وذلك تأويل بعيد من المفهوم. وقوله: {فهل أنتم مسلمون} [هود: 14] يقول: فهل أنتم مذعنون لله بالطاعة، ومخلصون له العبادة بعد ثبوت الحجة عليكم؟ وكان مجاهد يقول: عني بهذا القول أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {فهل أنتم مسلمون} [هود: 14] قال: لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: وحدثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، 12P346 عن مجاهد، في قوله: " {وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون} [هود: 14] قال: لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله وقيل: {فإن لم يستجيبوا لكم} [هود: 14] والخطاب في أول الكلام قد جرى لواحد، وذلك قوله: {قل فأتوا} [آل عمران: 93] ولم يقل: فإن لم يستجيبوا لك على نحو ما قد بينا قبل في خطاب رئيس القوم وصاحب أمرهم، أن العرب تخرج خطابه أحيانا مخرج خطاب الجمع إذا كان خطابه خطاب الأتباع وجنده، وأحيانا مخرج خطاب الواحد إذا كان في نفسه واحدا 12P345
[هود: 15] القول في تأويل قوله تعالى: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون} [هود: 15] يقول تعالى ذكره: {من كان يريد} [النساء: 134] بعمله {الحياة الدنيا} [البقرة: 85] وأثاثها {وزينتها} [هود: 15] يطلب به {نوف إليهم} [هود: 15] أجور {أعمالهم فيها} [هود: 15] وثوابها {وهم فيها} [البقرة: 25] يقول: وهم في الدنيا {لا يبخسون} [هود: 15] يقول: لا ينقصون أجرها، ولكنهم يوفونه فيها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. 12P347 ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها} [هود: 15] الآية، وهي ما يعطيهم الله من الدنيا بحسناتهم؛ وذلك أنهم لا يظلمون نقيرا، يقول: من عمل صالحا التماس الدنيا صوما أو صلاة أو تهجدا بالليل لا يعمله إلا لالتماس الدنيا؛ يقول الله: أوفيه الذي التمس في الدنيا من المثابة، وحبط عمله الذي كان يعمل التماس الدنيا، وهو في الآخرة من الخاسرين " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن سعيد بن جبير: " {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها} [هود: 15] قال: ثواب ما عملوا في الدنيا من خير أعطوه في الدنيا، و {ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها} [هود: 16] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن سعيد بن جبير، قوله: " {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها} [هود: 15] قال: وربما عملوا من خير أعطوه في الدنيا، و {ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها} [هود: 16] قال: هي مثل الآية التي في الروم: {وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله} [الروم: 39] " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن سعيد بن جبير: " { 12P348 من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها} [هود: 15] قال: من عمل للدنيا وفيه في الدنيا " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها} [هود: 15] قال: من عمل عملا مما أمر الله به من صلاة أو صدقة لا يريد بها وجه الله أعطاه الله في الدنيا ثواب ذلك مثل ما أنفق؛ فذلك قوله: نوف إليهم أعمالهم فيها في الدنيا، {وهم فيها لا يبخسون} [هود: 15] أجر ما عملوا فيها، {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها} [هود: 16] " الآية حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن عيسى يعني ابن ميمون، عن مجاهد، في قوله: " {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها} [هود: 15] قال: ممن لا يقبل منه جوزي به، يعطى ثوابه " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن عيسى الجرشي، عن مجاهد: " {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف} [هود: 15] إليهم أعمالهم فيها قال: ممن لا يقبل منه يعجل له في الدنيا " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون} [هود: 15] أي لا يظلمون. يقول: من كانت الدنيا همه وسدمه وطلبته ونيته، جازاه الله 12P349 بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها جزاء. وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة.
{وهم فيها لا يبخسون} [هود: 15] أي في الآخرة لا يظلمون " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق جميعا، عن معمر، عن قتادة: " {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها} [هود: 15] الآية، قال: من كان إنما همته الدنيا إياها يطلب أعطاه الله مالا، وأعطاه فيها ما يعيش، وكان ذلك قصاصا له بعمله. {وهم فيها لا يبخسون} [هود: 15] قال: لا يظلمون " قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ليث بن أبي سلم، عن محمد بن كعب القرظي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحسن من محسن فقد وقع أجره على الله في عاجل الدنيا وآجل الآخرة» حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها} [هود: 15] الآية، يقول: من عمل عملا صالحا في غير تقوى يعني من أهل الشرك أعطي على ذلك أجرا في الدنيا 12P350 يصل رحما، يعطي سائلا، يرحم مضطرا في نحو هذا من أعمال البر؛ يعجل الله له ثواب عمله في الدنيا، ويوسع عليه في المعيشة والرزق، ويقر عينه فيما خوله، ويدفع عنه من مكاره الدنيا في نحو هذا، وليس له في الآخرة من نصيب " حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا حفص بن عمر أبو عمر الضرير، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن أنس في قوله: " {نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون} [هود: 15] قال: هي في اليهود، والنصارى " قال: ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن أبي رجاء الأزدي، عن الحسن: " نوف إليهم أعمالهم فيها قال: طيباتهم " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، مثله حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن وهب، أنه بلغه أن مجاهدا، كان يقول في هذه الآية: «هم أهل الرياء، هم أهل الرياء» قال: أخبرنا ابن المبارك، عن حيوة بن شريح، قال: ثني الوليد بن أبي الوليد أبوعثمان، أن عقبة بن مسلم حدثه، أن شفي بن ماتع الأصبحي حدثه: أنه، دخل 12P351 المدينة، فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس، فقال من هذا؟ فقالوا أبو هريرة. فدنوت منه حتى قعدت بين يديه وهو يحدث الناس، فلما سكت وخلا قلت: أنشدك بحق وبحق لما حدثتني حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم عقلته وعلمته قال: فقال أبو هريرة: أفعل، لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نشغ نشغة، ثم أفاق، فقال: لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا البيت ما فيه أحد غيري وغيره ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة، ثم قال خارا على وجهه، واشتد به طويلا، ثم أفاق، فقال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة نزل إلى أهل القيامة ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية، فأول من يدعى به رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم آناء الليل وآناء النهار. فيقول الله له: كذبت وتقول له الملائكة: كذبت ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان قارئ فقد قيل ذلك. ويؤتى بصاحب المال، فيقول الله له: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا رب قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدق. فيقول الله له: كذبت وتقول الملائكة: كذبت ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان جواد، فقد قيل ذلك. ويؤتى 12P352 بالذي قتل في سبيل الله، فيقال له: في ماذا قتلت؟
فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك ، فقاتلت حتى قتلت. فيقول الله له: كذبت وتقول له الملائكة: كذبت ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان جريء، وقد قيل ذلك ". ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي، فقال: «يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة» قال الوليد أبو عثمان: فأخبرني عقبة أن شفيا هو الذي دخل على معاوية، فأخبره بهذا. قال أبو عثمان: وحدثني العلاء بن أبي حكيم أنه كان سيافا لمعاوية، قال: فدخل عليه رجل فحدثه بهذا عن أبي هريرة، فقال أبو هريرة وقد فعل بهؤلاء هذا، فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بكى معاوية بكاء شديدا حتى ظننا أنه هلك، وقلنا: قد جاءنا هذا الرجل بشر. ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه، فقال: صدق الله ورسوله {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها} [هود: 15] وقرأ إلى: {وباطل ما كانوا يعملون} [الأعراف: 139] حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن عيسى بن ميمون، عن مجاهد: " {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها} [هود: 15] الآية، قال: ممن لا يتقبل 12P353 منه، يصوم ويصلي يريد به الدنيا، ويدفع عنه وهم الآخرة. {وهم فيها لا يبخسون} [هود: 15] لا ينقصون " 12P352
[هود: 16] القول في تأويل قوله تعالى: {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون} [هود: 16] يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين ذكرت أنا نوفيهم أجور أعمالهم في الدنيا {ليس لهم في الآخرة إلا النار} [هود: 16] يصلونها، {وحبط ما صنعوا فيها} [هود: 16] يقول: وذهب ما عملوا في الدنيا، {وباطل ما كانوا يعملون} [الأعراف: 139] لأنهم كانوا يعملون لغير الله، فأبطله الله وأحبط عامله أجره 12P353
Preguntas
- ¿Qué enseña el islam sobre la vida después de la muerte?
- ¿Qué creen los musulmanes acerca de los profetas?
- ¿Cómo se realizan las cinco oraciones diarias (salat)?
- ¿Cuáles son las reglas del ayuno en Ramadán?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?