Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Sección V13/P120–V13/P124

[يوسف: 31] القول في تأويل قوله تعالى: {فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم} [يوسف: 31] يقول تعالى ذكره: فلما سمعت امرأة العزيز بمكر النسوة اللاتي قلن في المدينة ما ذكره الله عز وجل عنهن. وكان مكرهن ما: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن محمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، " {فلما سمعت بمكرهن} [يوسف: 31] يقول: بقولهن " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " لما أظهر النساء ذلك من قولهن: تراود عبدها مكرا بها لتريهن يوسف، وكان يوصف لهن بحسنه وجماله؛ {فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئا} " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {فلما سمعت بمكرهن} [يوسف: 31] : أي بحديثهن، {أرسلت إليهن} [يوسف: 31] يقول: أرسلت إلى النسوة اللاتي تحدثن بشأنها وشأن يوسف " {وأعتدت} [يوسف: 31] أفعلت من العتاد، وهو العدة، ومعناه: أعدت لهن متكأ يعني مجلسا للطعام، وما يتكئن عليه من النمارق والوسائد، 13P123 وهو مفتعل من قول القائل: اتكأت، يقال: ألق له متكأ، يعني: ما يتكئ عليه وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن اليمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد، " {وأعتدت لهن متكأ} [يوسف: 31] قال: طعاما وشرابا ومتكأ " قال: ثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي، " {وأعتدت لهن متكأ} [يوسف: 31] قال: يتكئن عليه " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية عن علي، عن ابن عباس، " {وأعتدت لهن متكأ} [يوسف: 31] قال: مجلسا " قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن أبي الأشهب، عن الحسن، " أنه كان يقرأ: {متكأ} [يوسف: 31] ويقول: هو المجلس والطعام " قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن يزيد، " من قرأ: «متكئا» خفيفة، يعني طعاما، ومن قرأ {متكئا} يعني المتكأ " 13P124 فهذا الذي ذكرنا عمن ذكرنا عنه من تأويل هذه الكلمة، هو معنى الكلمة وتأويل المتكأ، وأنها أعدت للنسوة مجلسا فيه متكئا وطعام وشراب وأترج. ثم فسر بعضهم المتكأ بأنه الطعام على وجه الخبر عن الذي أعد من أجله المتكأ، وبعضهم عن الخبر عن الأترج، إذ كان في الكلام: وآتت كل واحدة منهن سكينا، لأن السكين إنما تعد للأترج، وما أشبهه مما يقطع به. وبعضهم على البزماورد حدثني هارون بن حاتم المقرئ، قال: ثنا هشيم بن الزبرقان، عن أبي روق، عن الضحاك، في قوله: " {وأعتدت لهن متكأ} [يوسف: 31] قال: البزماورد " وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: المتكأ: هو النمرق يتكأ عليه وقال: زعم قوم أنه الأترج، قال: وهذا أبطل باطل في الأرض، ولكن عسى أن يكون مع المتكإ أترج 13P125 يأكلونه. وحكى أبو عبيد القاسم بن سلام قول أبي عبيدة، ثم قال: والفقهاء أعلم بالتأويل منه. ثم قال: ولعله بعض ما ذهب من كلام العرب، فإن الكسائي كان يقول: قد ذهب من كلام العرب شيء كثير انقرض أهله. والقول في أن الفقهاء أعلم بالتأويل من أبي عبيدة كما قال أبو عبيد لا شك فيه، غير أن أبا عبيدة لم يبعد من الصواب في هذا القول، بل القول كما قال من أن من قال للمتكأ هو الأترج، إنما بين المعد في المجلس الذي فيه المتكأ، والذي من أجله أعطين السكاكين، لأن السكاكين معلوم أنها لا تعد للمتكأ إلا لتخريقه، ولم يعطين السكاكين لذلك.

Sección V13/P124–V13/P129

ومما يبين صحة ذلك القول الذي ذكرناه عن ابن عباس، من أن المتكأ هو المجلس ثم روي عن مجاهد عنه، ما: حدثني به ، سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس، " {وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا} [يوسف: 31] قال: أعطتهن أترجا، وأعطت كل واحدة منهن سكينا " فبين ابن عباس في رواية مجاهد هذه ما أعطت النسوة، وأعرض عن ذكر 13P126 بيان معنى المتكأ، إذ كان معلوما معناه ذكر من قال في تأويل المتكأ ما ذكرنا: حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس، " {وأعتدت لهن متكئا} قال: الترنج " حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن عوف، قال: حدثت عن ابن عباس، " أنه كان يقرؤها: «متكا» مخففة، ويقول: هو الأترج " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية، « {وأعتدت لهن متكئا} قال الطعام» حدثني يعقوب، والحسن بن محمد، قالا: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: " {وأعتدت لهن متكأ} [يوسف: 31] قال: طعاما " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، مثله حدثنا ابن بشار، وابن وكيع، قالا: ثنا غندر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، في قوله: " {وأعتدت لهن متكأ} [يوسف: 31] قال: طعاما " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير نحوه حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: " من قرأ {متكأ} [يوسف: 31] فهو الطعام، ومن قرأها «متكا» فخففها، فهو الأترج " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " {متكأ} [يوسف: 31] قال: طعاما " حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا أبو خالد القرشي، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: " من قرأ: «متكا» خفيفة، فهو الأترج " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، بنحوه حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن ليث، قال سمعت بعضهم، يقول: «الأترج» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {وأعتدت لهن متكأ} [سورة: يوسف، آية رقم: 31] : أي طعاما " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله قال: ثنا يزيد، عن أبي رجاء، عن عكرمة، في قوله: " {متكأ} [سورة: يوسف، آية رقم: 31] قال: طعاما " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {وأعتدت لهن متكأ} [يوسف: 31] يعني الأترج " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، " {وأعتدت لهن متكأ} [يوسف: 31] والمتكأ: الطعام " قال: ثنا جرير عن ليث، عن مجاهد: " {وأعتدت لهن متكأ} [يوسف: 31] قال: الطعام " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وأعتدت لهن متكأ} [يوسف: 31] قال: طعاما " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {متكأ} [يوسف: 31] فهو كل شيء يجز بالسكين " قال الله تعالى ذكره مخبرا عن امرأة العزيز والنسوة اللاتي تحدثن بشأنها في 13P129 المدينة: {وآتت كل واحدة منهن سكينا} [يوسف: 31] يعني بذلك جل ثناؤه: وأعطت كل واحدة من النسوة اللاتي حضرنها سكينا لتقطع به من الطعام ما تقطع به، وذلك ما ذكرت أنها آتتهن، إما من الأترج، وإما من البزماورد، أو غير ذلك مما يقطع بالسكين كما: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي، " {وآتت كل واحدة منهن سكينا} [يوسف: 31] وأترجا يأكلنه " حدثنا سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن حصين ، عن مجاهد، عن ابن عباس، " {وآتت كل واحدة منهن سكينا} [يوسف: 31] قال: أعطتهن أترجا، وأعطت كل واحدة منهن سكينا " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، " {وآتت كل واحدة منهن سكينا} [يوسف: 31] ليحتززن به من طعامهن " حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وآتت كل واحدة منهن سكينا} [يوسف: 31] وأعطتهن ترنجا وعسلا، فكن يحززن الترنج بالسكين، ويأكلن بالعسل " وفي هذه الكلمة بيان صحة ما قلنا واخترنا في قوله: {وأعتدت لهن 13P130 متكأ} [يوسف: 31] وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن إيتاء امرأة العزيز النسوة السكاكين، وترك ماله آتتهن السكاكين، إذ كان معلوما أن السكاكين لا تدفع إلى من دعي إلى مجلس إلا لقطع ما يؤكل إذا قطع بها، فاستغنى بفهم السامع بذكر إيتائها صواحباتها السكاكين عن ذكر ماله آتتهن ذلك، فكذلك استغنى بذكر اعتدادها لهن المتكأ عن ذكر ما يعتد له المتكأ مما يحضر المجالس من الأطعمة والأشربة والفواكه وصنوف الالتهاء؛ لفهم السامعين بالمراد من ذلك، ودلالة قوله: {وأعتدت لهن متكأ} [يوسف: 31] عليه.

Sección V13/P129–V13/P132

فأما نفس المتكأ فهو ما وصفنا خاصة دون غيره وقوله: {وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه} [يوسف: 31] يقول تعالى ذكره: وقالت امرأة العزيز ليوسف: {اخرج عليهن} [يوسف: 31] فخرج عليهن يوسف، {فلما رأينه أكبرنه} [يوسف: 31] يقول جل ثناؤه: فلما رأين يوسف أعظمنه وأجللنه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {أكبرنه} [يوسف: 31] أعظمنه " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله 13P131 حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {فلما رأينه أكبرنه} [يوسف: 31] : أي أعظمنه " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي، " {وقالت اخرج عليهن} [يوسف: 31] ليوسف، {فلما رأينه أكبرنه} [يوسف: 31] : عظمنه " حدثنا إسماعيل بن سيف العجلي، قال: ثنا علي بن عابس، قال: سمعت السدي يقول في قوله: " {فلما رأينه أكبرنه} [يوسف: 31] قال: أعظمنه " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {اخرج عليهن} [يوسف: 31] فخرج {فلما رأينه} [يوسف: 31] أعظمنه وبهتن " حدثنا إسماعيل بن سيف، قال: ثنا عبد الصمد بن علي الهاشمي، عن أبيه، عن جده، في قوله: " {فلما رأينه أكبرنه} [يوسف: 31] قال: حضن " حدثنا علي بن داود، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: " {فلما رأينه أكبرنه} [يوسف: 31] يقول: أعظمنه " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا يحيى بن أبي زائدة، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله وهذا القول، أعني القول الذي روي عن عبد الصمد، عن أبيه، عن جده، في معنى {أكبرنه} [يوسف: 31] أنه حضن، إن لم يكن عنى به أنهن حضن من إجلالهن يوسف، وإعظامهن لما كان الله قسم له من البهاء والجمال، ولما يجد من مثل ذلك النساء عند معاينتهن إياه، فقول لا معنى له؛ لأن تأويل ذلك: فلما رأين يوسف أكبرنه، فالهاء التي في أكبرنه من ذكر يوسف، ولا شك أن من المحال أن يحضن يوسف، ولكن الخبر إن كان صحيحا عن ابن عباس على ما روي، فخليق أن يكون كان معناه في ذلك أنهن حضن لما أكبرن من حسن يوسف وجماله في أنفسهن ووجدن ما يجد النساء من مثل ذلك.

Sección V13/P132–V13/P135

وقد زعم بعض الرواة أن بعض الناس أنشده في أكبرن بمعنى حضن، بيتا لا أحسب أن له أصلا، لأنه ليس بالمعروف عند الرواة، وذلك: [+البحر البسيط] نأتي النساء على أطهارهن ولا نأتي النساء إذا أكبرن إكبارا وزعم أن معناه: إذا حضن 13P133 وقوله: {وقطعن أيديهن} [يوسف: 31] اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: أنهن حززن بالسكين في أيديهن، وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترج ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {وقطعن أيديهن} [يوسف: 31] حزا حزا بالسكين " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وقطعن أيديهن} [يوسف: 31] قال: حزا حزا بالسكاكين حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد؛ قال: وثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وقطعن أيديهن} [يوسف: 31] قال: حزا حزا بالسكين " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن محمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، " {وقطعن أيديهن} [يوسف: 31] قال: جعل النسوة يحززن أيديهن، يحسبن أنهن يقطعن الأترج " حدثنا إسماعيل بن سيف، قال: ثنا علي بن عابس، قال: سمعت السدي، 13P134 يقول: " كانت في أيديهن سكاكين مع الأترج، فقطعن أيديهن، وسالت الدماء، فقلن: نحن نلومك على حب هذا الرجل، ونحن قد قطعنا أيدينا وسالت الدماء " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: «جعلن يحززن أيديهن بالسكين، ولا يحسبن إلا أنهن يحززن الترنج، قد ذهبت عقولهن مما رأين» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {وقطعن أيديهن} [يوسف: 31] وحززن أيديهن " حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا ابن كدينة، عن حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: «جعلن يقطعن أيديهن، وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترج» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، " {وقطعن أيديهن} [يوسف: 31] قال: جعلن يحززن أيديهن، ولا يشعرن بذلك " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " قالت ليوسف: اخرج عليهن فخرج عليهن، فلما رأينه أكبرنه، وغلبت عقولهن عجبا حين رأينه، فجعلن يقطعن أيديهن بالسكاكين التي معهن ما يعقلن شيئا 13P135 مما يصنعن، {وقلن حاش لله ما هذا بشرا} [يوسف: 31] " وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهن قطعن أيديهن حتى أبنها ، وهن لا يشعرن ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: «قطعن أيديهن حتى ألقينها» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {وقطعن أيديهن} [يوسف: 31] قال: قطعن أيديهن حتى ألقينها " والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عنهن أنهن قطعن أيديهن، وهن لا يشعرن لإعظام يوسف، وجائز أن يكون ذلك كان قطعا بإبانة، وجائز أن يكون كان قطع حز وخدش، ولا قول في ذلك أصوب من التسليم لظاهر التنزيل حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: «أعطي يوسف وأمه ثلث الحسن» حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي 13P136 إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، مثله وبه عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: «قسم ليوسف وأمه ثلث الحسن» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع؛ وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: «أعطي يوسف وأمه ثلث حسن الخلق» حدثني أحمد بن ثابت، وعبد الله بن محمد الرازيان، قالا: ثنا عفان، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا ثابت، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أعطي يوسف وأمه شطر الحسن» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن أبي معاذ، عن يونس، عن الحسن، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعطي يوسف وأمه ثلث حسن أهل الدنيا، وأعطي الناس الثلثين» أو قال: «أعطي يوسف وأمه الثلثين، وأعطي الناس الثلث» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن ربيعة الجرشي، قال: «قسم الحسن نصفين، 13P137 فأعطي يوسف وأمه سارة نصف الحسن، والنصف الآخر بين سائر الخلق» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن ربيعة الجرشي، قال: " قسم الحسن نصفين: فقسم ليوسف وأمه النصف، والنصف لسائر الناس " حدثنا ابن وكيع، وابن حميد، قالا: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن ربيعة الجرشي، قال: «قسم الحسن نصفين، فجعل ليوسف وسارة النصف، وجعل لسائر الخلق نصف» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عيسى بن يزيد، عن الحسن، «أعطي يوسف وأمه ثلث حسن الدنيا، وأعطي الناس الثلثين» وقوله: {وقلن حاش لله} [يوسف: 31] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الكوفيين: {حاش لله} [يوسف: 31] بفتح الشين وحذف الياء.

Sección V13/P135–V13/P141

وقرأه بعض البصريين بإثبات الياء «حاشى لله» . وفيه لغات لم يقرأ بها: «حاشى الله» كما قال الشاعر: [+البحر الكامل] 13P138 حاشى أبي ثوبان إن به ضنا عن الملحاة والشتم وذكر عن ابن مسعود أنه كان يقرأ بهذه اللغة: «حاش الله» بتسكين الشين والألف يجمع بين الساكنين. وأما القراءة، فإنما هي بإحدى اللغتين الأوليين، فمن قرأ: {حاش لله} [يوسف: 31] بفتح الشين وإسقاط الياء، فإنه أراد لغة من قال: «حاشى لله» ، بإثبات الياء، ولكنه حذف الياء لكثرتها على ألسن العرب، كما حذفت العرب الألف من قولهم: لا أب لغيرك، ولا أب لشانيك، وهم يعنون: لا أبا لغيرك، ولا أبا لشانيك. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يزعم أن لقولهم: «حاشى لله» ، موضعين في الكلام: أحدهما: التنزيه، والآخر: الاستثناء، وهو في هذا الموضع عندنا بمعنى التنزيه لله، كأنه قيل: معاذ الله 13P139 وأما القول في قراءة ذلك، فإنه يقال للقارئ، في قراءته بأي القراءتين شاء، إن شاء بقراءة الكوفيين، وإن شاء بقراءة البصريين، وهو: {حاش لله} [يوسف: 31] و «حاشى لله» لأنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان بمعنى واحد، وما عدا ذلك فلغات لا تجوز القراءة بها، لأنا لا نعلم قارئا قرأ بها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {وقلن حاش لله} [يوسف: 31] قال: معاذ الله " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " {حاش لله} [يوسف: 31] : معاذ الله " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وقلن حاش لله} [يوسف: 31] : معاذ الله " حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {حاش لله} [يوسف: 31] : معاذ الله " قال: ثنا عبد الوهاب، عن عمرو، عن الحسن، " {حاش لله} [يوسف: 31] : معاذ الله " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا يحيى، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله وقوله: {ما هذا بشرا} [يوسف: 31] يقول: قلن ما هذا بشرا، لأنهن لم يرين في حسن صورته من البشر أحدا، فقلن: لو كان من البشر لكان كبعض ما رأينا من صورة البشر، ولكنه من الملائكة لا من البشر كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وقلن حاش لله ما هذا بشرا} [يوسف: 31] : ما هكذا تكون البشر " وبهذه القراءة قرأ عامة قراء الأمصار وقد: حدثت عن يحيى بن زياد الفراء، قال: ثني دعامة بن رجاء التيمي، وكان غرا، عن أبي الحويرث الحنفي، " أنه قرأ: «ما هذا بشرى» : أي ما هذا بمشتري، يريد بذلك أنهن أنكرن أن يكون مثله مستعبدا يشترى ويباع " وهذه القراءة لا أستجيز القراءة بها لإجماع قراء الأمصار على خلافها وقد بينا أن ما أجمعت عليه، فغير جائز خلافها فيه. وأما نصب البشر، فمن لغة أهل الحجاز إذا أسقطوا الباء من الخبر نصبوه، فقالوا: ما عمرو قائما. وأما أهل نجد، فإن من لغتهم رفعه، يقولون: ما عمرو قائم؛ ومنه قول بعضهم حيث يقول: [+البحر الطويل] لشتان ما أنوي وينوي بنو أبي جميعا، فما هذان مستويان تمنوا لي الموت الذي يشعب الفتى وكل فتى والموت يلتقيان وأما القرآن، فجاء بالنصب في كل ذلك، لأنه نزل بلغة أهل الحجاز وقوله: {إن هذا إلا ملك كريم} [يوسف: 31] يقول: قلن ما هذا إلا ملك من الملائكة كما: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، " {إن هذا إلا ملك كريم} [يوسف: 31] قال: قلن: ملك من الملائكة " 13P141

Sección V13/P141–V13/P145

[يوسف: 32] القول في تأويل قوله تعالى: {قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين} [يوسف: 32] يقول تعالى ذكره: قالت امرأة العزيز للنسوة اللاتي قطعن أيديهن، فهذا الذي أصابكن في رؤيتكن إياه، وفي نظرة منكن نظرتن إليه ما أصابكن من ذهاب العقل وغروب الفهم، ولها إليه حتى قطعتن أيديكن، هو الذي لمتنني في حبي إياه، وشغف فؤادي به، فقلتن: قد شغف امرأة العزيز فتاها حبا إنا لنراها في ضلال مبين. ثم أقرت لهن بأنها قد راودته عن نفسه، وأن الذي تحدثن به عنها في أمره حق، فقالت: {ولقد راودته عن نفسه فاستعصم} [يوسف: 32] مما راودته عليه من ذلك كما: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي، " {قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم} [يوسف: 32] : تقول: بعد ما حل السراويل استعصى، لا أدري ما بدا له " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {فاستعصم} [يوسف: 32] : أي فاستعصى " حدثني علي بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {فاستعصم} [يوسف: 32] يقول: فامتنع " وقوله: {لئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين} [يوسف: 32] تقول: ولئن لم يطاوعني على ما أدعوه إليه من حاجتي إليه {ليسجنن} [يوسف: 32] ، تقول: ليحبسن في السجن، وليكونا من أهل الصغار والذلة بالحبس والسجن، ولأهيننه. والوقف على قوله: {ليسجنن} [يوسف: 32] بالنون لأنها مشددة، كما قيل: {ليبطئن} [النساء: 72] وأما قوله: {وليكونا} [يوسف: 32] فإن الوقف عليه بالألف؛ لأنها النون الخفيفة، وهي شبيهة نون الإعراب في الأسماء في قول القائل: رأيت رجلا عندك، فإذا وقف على الرجل قيل: رأيت رجلا، فصارت النون ألفا، فكذلك ذلك في : {وليكونا} [يوسف: 32] ، ومثله قوله: {لنسفعا بالناصية ناصية} [العلق: 16] الوقف عليه بالألف لما ذكرت؛ ومنه قول الأعشى: [+البحر الطويل] وصل على حين العشيات والضحى ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا وإنما هو: «فاعبدن» ، ولكن إذا وقف عليه كان الوقف بالألف 13P143 [يوسف: 33] القول في تأويل قوله تعالى: {قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} [يوسف: 33] وهذا الخبر من الله يدل على أن امرأة العزيز قد عاودت يوسف في المراودة عن نفسه، وتوعدته بالسجن والحبس إن لم يفعل ما دعته إليه، فاختار السجن على ما دعته إليه من ذلك؛ لأنها لو لم تكن عاودته وتوعدته بذلك، كان محالا أن يقول: {رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} [يوسف: 33] وهو لا يدعى إلى شيء ولا يخوف بحبس. والسجن هو الحبس نفسه، وهو بيت الحبس. وبكسر السين قرأه قراء الأمصار كلها، والعرب تضع الأماكن المشتقة من الأفعال مواضع الأفعال فتقول: طلعت الشمس مطلعا، وغربت مغربا، فيجعلونها وهي أسماء خلفا من المصادر، فكذلك السجن، فإذا فتحت السين من السجن كان مصدرا صحيحا. وقد ذكر عن بعض المتقدمين أنه يقرؤه: «السجن أحب إلي» بفتح السين. ولا أستجيز القراءة بذلك لإجماع الحجة من القراء على خلافها. وتأويل الكلام: قال يوسف: يا رب الحبس في السجن أحب إلي مما يدعونني إليه من معصيتك ويراودنني عليه من الفاحشة كما: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، " {قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} [يوسف: 33] : من الزنا " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " قال يوسف، وأضاف إلى ربه واستعانه على ما نزل به: {رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} [يوسف: 33] : أي السجن أحب إلي من أن آتي ما تكره " وقوله: {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن} [يوسف: 33] يقول: وإن لم تدفع عني يا رب فعلهن الذي يفعلن بي في مراودتهن إياي على أنفسهن {أصب إليهن} [يوسف: 33] ، يقول: أميل إليهن، وأتابعهن على ما يردن مني، ويهوين من قول القائل: صبا فلان 13P145 إلى كذا، ومنه قول الشاعر: إلى هند صبا قلبي وهند مثلها يصبي وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {أصب إليهن} [يوسف: 33] يقول: أتابعهن " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، " {وإلا تصرف عني كيدهن} [يوسف: 33] : أي ما أتخوف منهن {أصب إليهن} [يوسف: 33] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} [يوسف: 33] قال: إلا يكن منك أنت العون والمنعة، لا يكن مني ولا عندي " وقوله: {وأكن من الجاهلين} [يوسف: 33] يقول: وأكن بصبوتي إليهن من الذين جهلوا حقك وخالفوا أمرك ونهيك كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، " {وأكن من 13P146 الجاهلين} [يوسف: 33] : أي جاهلا إذا ركبت معصيتك " 13P145

Sección V13/P145–V13/P146

[يوسف: 34] القول في تأويل قوله تعالى: {فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم} [يوسف: 34] إن قال قائل: وما وجه قوله: {فاستجاب له ربه} [يوسف: 34] ولا مسألة تقدمت من يوسف لربه، ولا دعا بصرف كيدهن عنه، وإنما أخبر ربه أن السجن أحب إليه من معصيته؟ قيل: إن في إخباره بذلك شكاية منه إلى ربه مما لقي منهن، وفي قوله: {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن} [يوسف: 33] معنى دعاء ومسألة منه ربه صرف كيدهن، ولذلك قال الله تعالى ذكره: {فاستجاب له ربه} [يوسف: 34] وذلك كقول القائل لآخر: إن لا تزرني أهنك، فيجيبه الآخر: إذن أزورك، لأن في قوله: إن لا تزرني أهنك، معنى الأمر بالزيارة. وتأويل الكلام: فاستجاب الله ليوسف دعاءه، فصرف عنه ما أرادت منه امرأة العزيز وصواحباتها من معصية الله كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، " {فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم} [يوسف: 34] : أي نجاه من أن يركب المعصية فيهن، وقد نزل به بعض ما حذر منهن " وقوله: {إنه هو السميع} [الأنفال : 61] دعاء يوسف حين دعاه بصرف كيد النسوة عنه، ودعاء كل داع من خلقه. {العليم} [البقرة: 32] بمطلبه وحاجته، وما يصلحه، وبحاجة جميع خلقه، وما يصلحهم 13P147

Sección V13/P146–V13/P149

[يوسف: 35] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين} [يوسف: 35] يقول تعالى ذكره: ثم بدا للعزيز زوج المرأة التي راودت يوسف عن نفسه. وقيل: «بدا لهم» ، وهو واحد، لأنه لم يذكر باسمه، ويقصد بعينه، وذلك نظير قوله: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم} [آل عمران: 173] وقيل: إن قائل ذلك كان واحدا. وقيل: معنى قوله: {ثم بدا لهم} [يوسف: 35] في الرأي الذي كانوا رأوه من ترك يوسف مطلقا، ورأوا أن يسجنوه {من بعد ما رأوا الآيات} [يوسف: 35] ببراءته مما قذفته به امرأة العزيز. وتلك الآيات كانت: قد القميص من دبر، وخمشا في الوجه، وقطع أيديهن كما: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن نضر بن عربي، عن عكرمة، عن ابن عباس، " {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات} [يوسف: 35] قال: كان من الآيات قد في 13P148 القميص وخمش في الوجه " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، وابن نمير، عن نضر، عن عكرمة، مثله حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات} [يوسف: 35] قال: قد القميص من دبر " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {من بعد ما رأوا الآيات} [يوسف: 35] قال: قد القميص من دبر " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد؛ قال: وثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، " {من بعد ما رأوا الآيات} [يوسف: 35] قال: الآيات: حزهن أيديهن، وقد القميص " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين ، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: «قد القميص من دبر» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، " {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه} [يوسف: 35] ببراءته مما اتهم به من شق قميصه من دبر، {ليسجننه حتى حين} [يوسف: 35] " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي، " {من بعد ما رأوا الآيات} [يوسف: 35] قال: الآيات: القميص، وقطع الأيدي " وقوله: {ليسجننه حتى حين} [يوسف: 35] يقول: ليسجننه إلى الوقت الذي يرون فيه رأيهم.

Sección V13/P149

وجعل الله ذلك الحبس ليوسف فيما ذكر عقوبة له من همه بالمرأة وكفارة لخطيئته حدثت عن يحيى بن أبي زائدة، عن إسرائيل، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، " {ليسجننه حتى حين} [يوسف: 35] عثر يوسف عليه السلام ثلاث عثرات: حين هم بها فسجن، وحين قال: {اذكرني عند ربك} [يوسف: 42] فلبث في السجن بضع سنين وأنساه الشيطان ذكر ربه، وقال لهم: {إنكم لسارقون} [يوسف: 70] ف {قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} [يوسف: 77] " وذكر أن سبب حبسه في السجن: كان شكوى امرأة العزيز إلى زوجها 13P150 أمره وأمرها كما: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي، " {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين} [يوسف: 35] قال: قالت المرأة لزوجها: إن هذا العبد العبراني قد فضحني في الناس يعتذر إليهم ويخبرهم أني راودته عن نفسه، ولست أطيق أن أعتذر بعذري، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستني، فذلك قول الله تعالى: {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين} [يوسف: 35] " وقد اختلف أهل العربية في وجه دخول هذه اللام في: {ليسجننه} [يوسف: 35] فقال بعض البصريين: دخلت هاهنا؛ لأنه موضع يقع فيه «أي» ، فلما كان حرف الاستفهام يدخل فيه دخلته النون، لأن النون تكون في الاستفهام، تقول: بدا لهم أيهم يأخذن: أي استبان لهم. وأنكر ذلك بعض أهل العربية، فقال: هذا يمين، وليس قوله: هل تقومن بيمين ، ولتقومن، لا يكون إلا يمينا. وقال بعض نحويي الكوفة: بدا لهم، بمعنى: القول، والقول يأتي بكل: الكلام بالقسم وبالاستفهام، فلذلك جاز: بدا لهم قام زيد، وبدا لهم ليقومن. وقيل: إن الحين في هذا الموضع معني به سبع سنين 13P151 ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن داود، عن عكرمة، " {ليسجننه حتى حين} [يوسف: 35] قال: سبع سنين " 13P151

Sección V13/P149–V13/P153

[يوسف: 36] القول في تأويل قوله تعالى: {ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين} [يوسف: 36] يقول تعالى ذكره: ودخل مع يوسف السجن فتيان، فدل بذلك على متروك قد ترك من الكلام وهو: {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين} [يوسف: 35] فسجنوه وأدخلوه السجن، ودخل معه فتيان، فاستغنى بدليل قوله: {ودخل معه السجن فتيان} [يوسف: 36] على إدخالهم يوسف السجن من ذكره. وكان الفتيان فيما ذكر: غلامين من غلمان ملك مصر الأكبر: أحدهما صاحب شرابه، والآخر صاحب طعامه كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " فطرح في السجن، يعني يوسف، ودخل معه السجن فتيان، غلامان كانا للملك الأكبر: الريان بن الوليد، كان أحدهما على شرابه، والآخر على بعض أمره، في 13P152 سخطة سخطها عليهما، اسم أحدهما مجلث، والآخر نبو، ونبو الذي كان على الشراب " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {ودخل معه السجن فتيان} [يوسف: 36] قال: كان أحدهما خبازا للملك على طعامه، وكان الآخر ساقيه على شرابه " وكان سبب حبس الملك الفتيين فيما ذكر ما: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي، قال: " إن الملك غضب على خبازه، بلغه أنه يريد أن يسمه، فحبسه وحبس صاحب شرابه، ظن أنه مالأه على ذلك فحبسهما جميعا؛ فذلك قول الله تعالى {ودخل معه السجن فتيان} [يوسف: 36] " وقوله: {قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا} [يوسف: 36] ذكر أن يوسف صلوات الله وسلامه عليه لما أدخل السجن، قال لمن فيه من المحبسين، وسألوه عن عمله: 13P153 إني أعبر الرؤيا، فقال أحد الفتيين اللذين أدخلا معه السجن لصاحبه: تعال فلنجربه كما: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي، قال: " لما دخل يوسف السجن قال: أنا أعبر الأحلام. فقال أحد الفتيين لصاحبه: هلم نجرب هذا العبد العبراني نتراءى له فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئا. فقال الخباز: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه، وقال الآخر: إني أراني أعصر خمرا " حدثنا ابن وكيع، وابن حميد، قالا: ثنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن إبراهيم، عن عبد الله، قال: «ما رأى صاحبا يوسف شيئا، وإنما كانا تحالما ليجربا علمه» وقال قوم: إنما سأله الفتيان عن رؤيا كانا رأياها على صحة وحقيقة، وعلى تصديق منهما ليوسف لعلمه بتعبيرها ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " لما رأى الفتيان يوسف، قالا: والله يا فتى لقد أحببناك حين رأيناك " قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد " أن يوسف، قال لهم حين قالا له ذلك: أنشدكما الله أن لا تحباني فوالله ما أحبني أحد قط إلا دخل علي من حبه بلاء، لقد أحبتني عمتي، فدخل علي من حبها بلاء، ثم لقد أحبني أبي، فدخل علي بحبه بلاء، ثم لقد أحبتني زوجة صاحبي هذا، فدخل علي بحبها إياي بلاء، فلا تحباني بارك الله فيكما قال: فأبيا إلا حبه، وإلفه حيث كان، وجعلا يعجبهما ما يريان من فهمه وعقله، وقد كانا رأيا حين أدخلا السجن رؤيا، فرأى مجلث أنه يحمل فوق رأسه، خبزا تأكل الطير منه، ورأى نبو أنه يعصر خمرا، فاستفتياه فيها وقالا له: {نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين} [يوسف: 36] إن فعلت " وعنى بقوله: {أعصر خمرا} [يوسف: 36] أي إني أرى في نومي أني أعصر عنبا.

Sección V13/P153–V13/P156

وكذلك ذلك في قراءة ابن مسعود فيما ذكر عنه حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي ، عن أبي سلمة الصائغ، عن إبراهيم بن بشير الأنصاري، عن محمد ابن الحنفية، قال " في قراءة ابن مسعود: «إني أراني أعصر عنبا» 13P155 وذكر أن ذلك من لغة أهل عمان، وأنهم يسمون العنب خمرا ذكر من قال ذلك: حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {إني أراني أعصر خمرا} [يوسف: 36] يقول: أعصر عنبا، وهو بلغة أهل عمان، يسمون العنب خمرا " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، وثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك: " {إني أراني أعصر خمرا} [يوسف: 36] قال: عنبا، أرض كذا وكذا يدعون العنب خمرا " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: " {إني أراني أعصر خمرا} [يوسف: 36] قال: عنبا " حدثت عن المسيب بن شريك، عن أبي حمزة، عن عكرمة، قال: " أتاه فقال: رأيت فيما يرى النائم أني غرست حبلة من عنب، فنبتت، فخرج فيه عناقيد فعصرتهن، ثم سقيتهن الملك، فقال: تمكث في السجن ثلاثة أيام، ثم تخرج فتسقيه خمرا " وقوله: {وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله} [يوسف: 36] يقول تعالى ذكره: وقال الآخر من الفتيين: إني أراني في منامي أحمل فوق رأسي خبزا؛ يقول: أحمل على رأسي، فوضعت «فوق» مكان «على» {تأكل الطير منه} [يوسف: 36] يعني من الخبز وقوله: {نبئنا بتأويله} [يوسف: 36] يقول: أخبرنا بما يئول إليه ما أخبرناك أنا رأيناه في منامنا ويرجع إليه كما: حدثني الحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا يزيد، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {نبئنا بتأويله} [يوسف: 36] قال: به " قال الحارث، قال أبو عبيد: يعني مجاهد: أن تأويل الشيء: هو الشيء. قال: ومنه تأويل الرؤيا، إنما هو الشيء الذي تئول إليه " وقوله: {إنا نراك من المحسنين} [يوسف: 36] اختلف أهل التأويل في معنى الإحسان الذي وصف به الفتيان يوسف، فقال بعضهم: هو أنه كان يعود مريضهم، ويعزي حزينهم، وإذا احتاج منهم إنسان جمع له ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا خلف بن خليفة، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم، قال: كنت جالسا معه ببلخ، فسئل عن قوله: " {نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين} [يوسف: 36] قال: قيل 13P157 له: ما كان إحسان يوسف؟ قال: كان إذا مرض إنسان قام عليه، وإذا احتاج جمع له، وإذا ضاق أوسع له " حدثنا إسحاق، عن أبي إسرائيل، قال: ثنا خلف بن خليفة، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك، قال: سأل رجل الضحاك عن قوله: " {إنا نراك من المحسنين} [يوسف: 36] ما كان إحسانه؟ قال: كان إذا مرض إنسان في السجن قام عليه، وإذا احتاج جمع له، وإذا ضاق عليه المكان أوسع " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، عن قتادة، قوله: " {إنا نراك من المحسنين} [يوسف: 36] قال: بلغنا أن إحسانه أنه كان يداوي مريضهم، ويعزي حزينهم، ويجتهد لربه. وقال: لما انتهى يوسف إلى السجن وجد فيه قوما قد انقطع رجاؤهم واشتد بلاؤهم، فطال حزنهم، فجعل يقول: أبشروا واصبروا تؤجروا، إن لهذا أجرا، إن لهذا ثوابا فقالوا: يا فتى بارك الله فيك ما أحسن وجهك، وأحسن خلقك، لقد 13P158 بورك لنا في جوارك، ما نحب أنا كنا في غير هذا منذ حبسنا لما تخبرنا من الأجر والكفارة والطهارة، فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف ابن صفي الله يعقوب ابن ذبيح الله إسحاق بن إبراهيم خليل الله.

Sección V13/P156

وكانت عليه محبة، وقال له عامل السجن: يا فتى والله لو استطعت لخليت سبيلك، ولكن سأحسن جوارك وأحسن إسارك، فكن في أي بيوت السجن شئت " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن خلف الأشجعي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك في: " {إنا نراك من المحسنين} [يوسف: 36] قال: كان يوسع للرجل في مجلسه، ويتعاهد المرضى " وقال آخرون: معناه: {إنا نراك من المحسنين} [يوسف: 36] إذ نبأتنا بتأويل رؤيانا هذه ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " استفتياه في رؤياهما، وقالا له: {نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين} [يوسف: 36] إن فعلت " وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب القول الذي ذكرناه عن الضحاك وقتادة فإن قال قائل: وما وجه الكلام إن كان الأمر إذن كما قلت، وقد علمت أن مسألتهما يوسف أن ينبئهما بتأويل رؤياهما ليست من الخبر عن صفته بأنه يعود 13P159 المريض ويقوم عليه ويحسن إلى من احتاج في شيء، وإنما يقال للرجل: نبئنا بتأويل هذا فإنك عالم، وهذا من المواضع التي تحسن بالوصف بالعلم لا بغيره؟ قيل: إن وجه ذلك أنهما قالا له: نبئنا بتأويل رؤيانا محسنا إلينا في إخبارك إيانا بذلك، كما نراك تحسن في سائر أفعالك، إنا نراك من المحسنين 13P158

Sección V13/P156–V13/P161

[يوسف: 37] القول في تأويل قوله تعالى: {قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون} [يوسف: 37] يقول تعالى ذكره: {قال} [البقرة: 30] يوسف للفتيين اللذين استعبراه الرؤيا: {لا يأتيكما} [يوسف: 37] أيها الفتيان في منامكما {طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله} [يوسف: 37] في يقظتكما {قبل أن يأتيكما} [يوسف: 37] . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي، قال: " قال يوسف لهما: {لا يأتيكما طعام ترزقانه} [يوسف: 37] في النوم {إلا نبأتكما بتأويله} [يوسف: 37] في اليقظة " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " قال يوسف لهما: {لا يأتيكما طعام ترزقانه} [يوسف: 37] يقول: في نومكما {إلا نبأتكما بتأويله} [يوسف: 37] " 13P160 ويعني بقوله {بتأويله} [يوسف: 36] : ما يئول إليه ويصير ما رأيا في منامهما من الطعام الذي رأيا أنه أتاهما فيه وقوله: {ذلكما مما علمني ربي} [يوسف: 37] يقول: هذا الذي أذكر أني أعلمه من تعبير الرؤيا مما علمني ربي فعلمته. {إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله} [يوسف: 37] وجاء الخبر مبتدأ: أي تركت ملة قوم، والمعنى: ما ملت وإنما ابتدأ بذلك، لأن في الابتداء الدليل على معناه وقوله: {إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله} [يوسف: 37] يقول: إني برئت من ملة من لا يصدق بالله، ويقر بوحدانيته. {وهم بالآخرة هم كافرون} [هود: 19] يقول: وهم مع تركهم الإيمان بوحدانية الله لا يقرون بالمعاد والبعث ولا بثواب ولا عقاب. وكررت «هم» مرتين، فقيل: {وهم بالآخرة هم كافرون} [هود: 19] لما دخل بينهما قوله: {بالآخرة} [البقرة: 86] فصارت «هم» الأولى كالملغاة، وصار الاعتماد على الثانية، كما قيل: {وهم بالآخرة هم يوقنون} [النمل: 3] وكما قيل: {أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون} [المؤمنون: 35] فإن قال قائل: ما وجه هذا الخبر ومعناه من يوسف، وأين جوابه الفتيين عما سألاه من تعبير رؤياهما من هذا الكلام؟ قيل له: إن يوسف كره أن يجيبهما عن تأويل رؤياهما لما علم من مكروه ذلك على أحدهما، فأعرض عن ذكره وأخذ في غيره ليعرضا عن مسألته الجواب بما سألاه من ذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله: " {إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله} [يوسف: 36] قال: فكره العبارة لهما، وأخبرهما بشيء لم يسألاه عنه ليريهما أن عنده علما. وكان الملك إذا أراد قتل إنسان، صنع له طعاما معلوما، فأرسل به إليه، ف {قال} [يوسف: 37] يوسف: {لا يأتيكما طعام ترزقانه} [يوسف: 37] . . إلى قوله: {يشكرون} [يوسف: 38] فلم يدعاه، فعدل بهما، وكره العبارة لهما، فلم يدعاه حتى يعبر لهما، فعدل بهما وقال: {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} [يوسف: 39] . إلى قوله: {يعلمون} [يوسف: 40] فلم يدعاه حتى عبر لهما، فقال: {يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه} [يوسف: 41] قالا: ما رأينا شيئا، إنما كنا نلعب قال: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} [يوسف: 41] " وعلى هذا التأويل الذي تأوله ابن جريج فقوله: {لا يأتيكما طعام ترزقانه} [يوسف: 37] في اليقظة لا في النوم. وإنما أعلمهما على هذا القول أن عنده علم ما يئول إليه أمر الطعام الذي يأتيهما من عند الملك ومن عند غيره، لأنه قد علم النوع الذي إذا أتاهما كان علامة لقتل من أتاه ذلك منهما، والنوع الذي إذا أتاه كان علامة لغير ذلك، فأخبرهما أنه عنده علم ذلك 13P162

Sección V13/P161–V13/P163

[يوسف: 38] القول في تأويل قوله تعالى: {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} [يوسف: 38] يعني بقوله: {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} واتبعت دينهم لا دين أهل الشرك. {ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء} [يوسف: 38] يقول: ما جاز لنا أن نجعل لله شريكا في عبادته وطاعته، بل الذي علينا إفراده بالألوهة والعبادة. {ذلك من فضل الله علينا} [يوسف: 38] يقول: اتباعي ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب على الإسلام، وتركي {ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون} [يوسف: 37] ، من فضل الله الذي تفضل به علينا، فأنعم إذ أكرمنا به {وعلى الناس} [يوسف: 38] يقول: وذلك أيضا من فضل الله على الناس، إذ أرسلنا إليهم دعاة إلى توحيده وطاعته. {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} [البقرة: 243] يقول: ولكن من يكفر بالله لا يشكر ذلك من فضله عليه، لأنه لا يعلم من أنعم به عليه ولا يعرف المتفضل به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {ذلك من فضل الله علينا} [يوسف: 38] أن جعلنا أنبياء. {وعلى الناس} [يوسف: 38] يقول: أن بعثنا إليهم رسلا " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس} [يوسف: 38] ذكر لنا أن أبا الدرداء يقول: «يا رب شاكر نعمة غير منعم عليه لا يدري، ورب حامل فقه غير فقيه» 13P163 [يوسف: 39] القول في تأويل قوله تعالى: {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} [يوسف: 39] ذكر أن يوسف صلوات الله وسلامه عليه قال هذا القول للفتيين اللذين دخلا معه السجن، لأن أحدهما كان مشركا، فدعاه بهذا القول إلى الإسلام، وترك عبادة الآلهة والأوثان، فقال: {يا صاحبي السجن} [يوسف: 39] يعني: يا من هو في السجن. وجعلهما صاحبيه لكونهما فيه، كما قال الله تعالى لسكان الجنة {أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} [البقرة: 82] وكذلك قال لأهل النار، وسماهم أصحابها لكونهم فيها وقوله: {أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} [يوسف: 39] يقول: أعبادة أرباب شتى متفرقين، وآلهة لا تنفع ولا تضر خير، أم عبادة المعبود الواحد الذي لا ثاني له في قدرته وسلطانه، الذي قهر كل شيء فذلله وسخره فأطاعه طوعا وكرها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون} [يوسف: 39] . إلى قوله: {لا يعلمون} [يوسف: 40] لما عرف نبي الله يوسف أن أحدهما مقتول دعاهما إلى حظهما من ربهما وإلى نصيبهما من آخرتهما " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {يا صاحبي السجن} [يوسف: 41] يوسف يقوله " قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " ثم دعاهما إلى 13P165 الله وإلى الإسلام، فقال: {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} [يوسف: 39] : أي خير أن تعبدوا إلها واحدا، أو آلهة متفرقة لا تغني عنكم شيئا؟ " 13P164

Sección V13/P163–V13/P165

[يوسف: 40] القول في تأويل قوله تعالى: {ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [يوسف: 40] يعني بقوله: {ما تعبدون من دونه} [يوسف: 40] : ما تعبدون من دون الله. وقال: {ما تعبدون} [البقرة: 133] وقد ابتدأ الخطاب بخطاب اثنين ، فقال: {يا صاحبي السجن} [يوسف: 39] لأنه قصد المخاطب به ومن هو على الشرك بالله مقيم من أهل مصر، فقال للمخاطب بذلك: ما تعبد أنت ومن هو على مثل ما أنت عليه من عبدة الأوثان {إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم} [يوسف: 40] ، وذلك تسميتهم أوثانهم آلهة أربابا، شركا منهم وتشبيها لها في أسمائها التي سموها بها بالله، تعالى عن أن يكون له مثل أو شبيه. {ما أنزل الله بها من سلطان} [يوسف: 40] يقول: سموها بأسماء لم يأذن لهم بتسميتها، ولا وضع لهم على أن تلك الأسماء أسماؤها دلالة ولا حجة، ولكنها اختلاق منهم لها وافتراء وقوله: {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه} [يوسف: 40] يقول: وهو الذي أمر ألا تعبدوا أنتم وجميع خلقه إلا الله الذي له الألوهة والعبادة خالصة دون كل ما سواه من الأشياء حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: " {إن الحكم إلا لله أمر ألا 13P166 تعبدوا إلا إياه} [يوسف: 40] قال: أسس الدين على الإخلاص لله وحده لا شريك له " وقوله: {ذلك الدين القيم} [التوبة: 36] يقول: هذا الذي دعوتكما إليه من البراءة من عبادة ما سوى الله من الأوثان، وأن تخلصا العبادة لله الواحد القهار، هو الدين القويم الذي لا اعوجاج فيه، والحق الذي لا شك فيه. {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الأعراف: 187] يقول: ولكن أهل الشرك بالله يجهلون ذلك، فلا يعلمون حقيقته 13P166 [يوسف: 41] القول في تأويل قوله تعالى: {يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} [يوسف: 41] يقول جل ثناؤه مخبرا عن قيل يوسف للذين دخلا معه السجن: {يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا} [يوسف: 41] هو الذي رأى أنه يعصر خمرا، فيسقي ربه: يعني سيده وهو ملكهم، خمرا: يقول: يكون صاحب شرابه حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {فيسقي ربه خمرا} [يوسف: 41] قال: سيده " وأما الآخر، وهو الذي رأى أن على رأسه خبزا تأكل الطير منه 13P167 فيصلب فتأكل الطير من رأسه؛ فذكر أنه لما عبر ما أخبراه به أنهما رأياه في منامهما، قالا له: ما رأينا شيئا، فقال لهما: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} [يوسف: 41] يقول: فرغ من الأمر الذي فيه استفتيتما، ووجب حكم الله عليكما بالذي أخبرتكما به وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عمارة، عن إبراهيم، عن عبد الله، قال: " قال اللذان دخلا السجن على يوسف: ما رأينا شيئا فقال: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} [يوسف: 41] " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع؛ وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن عمارة بن القعقاع، عن إبراهيم، عن عبد الله: " {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} [يوسف: 41] قال: لما قالا ما قالا، أخبرهما، فقالا: ما رأينا شيئا فقال: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} [يوسف: 41] " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن عمارة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله " في الفتيين اللذين أتيا يوسف والرؤيا: إنما كانا تحالما ليجرباه. 13P168 فلما أول رؤياهما قالا: إنما كنا نلعب قال: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} [يوسف: 41] " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن عمارة، عن إبراهيم، عن عبد الله، قال: " ما رأى صاحبا يوسف شيئا، إنما كانا تحالما ليجربا علمه؛ فقال أحدهما: إني أراني أعصر عنبا، وقال الآخر: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه، نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين قال: يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا، وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه. فلما عبر، قالا: ما رأينا شيئا، قال: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} [يوسف: 41] على ما عبر يوسف " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " قال لمجلث: أما أنت فتصلب فتأكل الطير من رأسك، وقال لنبو: أما أنت فترد على عملك، فيرضى عنك صاحبك. {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} [يوسف: 41] أو كما قال " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: " {فيه تستفتيان} [يوسف: 41] " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي 13P169 نجيح، عن مجاهد، قال: " {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} [يوسف: 41] عند قولهما: ما رأينا رؤيا إنما كنا نلعب قال: قد وقعت الرؤيا على ما أولت " حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: {الذي فيه تستفتيان} [يوسف: 41] فذكر مثله 13P168

Sección V13/P165–V13/P172

[يوسف: 42] القول في تأويل قوله تعالى: {وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين} [يوسف: 42] يقول تعالى ذكره: قال يوسف للذي علم أنه ناج من صاحبيه اللذين استعبراه الرؤيا {اذكرني عند ربك} [يوسف: 42] يقول: اذكرني عند سيدك، وأخبره بمظلمتي وأني محبوس بغير جرم كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " قال، يعني لنبو: {اذكرني عند ربك} [يوسف: 42] : أي اذكر للملك الأعظم مظلمتي، وحبسي في غير شيء. قال: أفعل " حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: " {اذكرني عند ربك} [يوسف: 42] قال للذي نجا من صاحبي السجن، يوسف يقول: اذكرني عند الملك " 13P170 حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن جابر، عن أسباط، " {وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك} [يوسف: 42] قال: عند ملك الأرض " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {اذكرني عند ربك} [يوسف: 42] يعني بذلك الملك " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك} [يوسف: 42] الذي نجا من صاحبي السجن للملك، يقول يوسف: اذكرني " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي، " أنه لما انتهى به إلى باب السجن قال له صاحب له. حاجتك أوصني بحاجتك قال: حاجتي أن تذكرني عند ربك. ينوي 13P171 الرب الذي ملك يوسف " وكان قتادة يوجه معنى الظن في هذا الموضع إلى الظن الذي هو خلاف اليقين حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك} [يوسف: 42] وإنما عبارة الرؤيا بالظن، فيحق الله ما يشاء ويبطل ما يشاء " وهذا الذي قاله قتادة من أن عبارة الرؤيا ظن، فإن ذلك كذلك من غير الأنبياء. فأما الأنبياء فغير جائز منها أن تخبر بخبر عن أمر أنه كائن ثم لا يكون، أو أنه غير كائن ثم يكون مع شهادتها على حقيقة ما أخبرت عنه أنه كائن أو غير كائن؛ لأن ذلك لو جاز عليها في إخبارها لم يؤمن مثل ذلك في كل أخبارها، وإذا لم يؤمن ذلك في أخبارها سقطت حجتها على من أرسلت إليه. فإذا كان ذلك كذلك كان غير جائز عليها أن تخبر بخبر إلا وهو حق وصدق. فمعلوم إذ كان الأمر على ما وصفت أن يوسف لم يقطع الشهادة على ما أخبر الفتيين اللذين استعبراه أنه كائن، فيقول لأحدهما: {أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه} [يوسف: 41] ثم يؤكد ذلك بقوله: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} [يوسف: 41] عند قولهما: لم تر شيئا، إلا وهو على يقين أن ما أخبرهما 13P172 بحدوثه، وكونه أنه كائن لا محالة لا شك فيه، وليقينه بكون ذلك قال للناجي منهما: {اذكرني عند ربك} [يوسف: 42] فبين إذن بذلك فساد القول الذي قاله قتادة في معنى قوله: {وقال للذي ظن أنه ناج منهما} [يوسف: 42] وقوله: {فأنساه الشيطان ذكر ربه} [يوسف: 42] وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن غفلة عرضت ليوسف من قبل الشيطان نسي لها ذكر ربه الذي لو به استغاث لأسرع بما هو فيه خلاصه، ولكنه زل بها، فأطال من أجلها في السجن حبسه، وأوجع لها عقوبته كما: حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن بسطام بن مسلم، عن مالك بن دينار، قال: " لما قال يوسف للساقي: {اذكرني عند ربك} [يوسف: 42] قال: قيل: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلا؟

Sección V13/P172

لأطيلن حبسك فبكى يوسف وقال: يا رب أنسى قلبي كثرة البلوى، فقلت كلمة، فويل لإخوتي " حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا أنه» يعني يوسف «قال الكلمة التي قال ما لبث في السجن طول ما لبث» حدثني يعقوب بن إبراهيم، وابن وكيع، قالا: ثنا ابن علية، قال: ثنا يونس، عن الحسن، قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله يوسف لولا كلمته ما لبث في السجن طول ما لبث» ، يعني قوله: {اذكرني عند ربك} [يوسف: 42] قال: ثم يبكي الحسن فيقول: نحن إذا نزل بنا أمر فزعنا إلى الناس " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: {وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك} [يوسف: 42] قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «لولا كلمة يوسف ما لبث في السجن طول ما لبث» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن محمد، عن إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو لم يقل يوسف» يعني الكلمة التي قال «ما لبث في السجن طول ما لبث» يعني حيث يبتغي الفرج من عند غير الله " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو لم يستعن يوسف على ربه ما لبث في السجن طول ما لبث» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال : ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لولا أن يوسف استشفع على ربه ما لبث في السجن طول ما لبث، ولكن إنما عوقب باستشفاعه على ربه» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: " قال له: {اذكرني عند ربك} [يوسف: 42] قال: فلم يذكره حتى رأى الملك الرؤيا؛ وذلك أن يوسف أنساه الشيطان ذكر ربه، وأمره بذكر الملك، وابتغاء الفرج من عنده. فلبث في السجن بضع سنين بقوله: {اذكرني عند ربك} [يوسف: 42] " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه، غير أنه قال: {فلبث في السجن بضع سنين} [يوسف: 42] عقوبة لقوله: {اذكرني عند ربك} [يوسف: 42] قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثل حديث محمد بن عمرو سواء حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثل حديث المثنى، عن أبي حذيفة وكان محمد بن إسحاق يقول: إنما أنسى الشيطان الساقي ذكر أمر يوسف لملكهم حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " لما خرج، يعني الذي ظن أنه ناج منهما، رد على ما كان عليه، ورضي عنه صاحبه. فأنساه الشيطان ذكر ذلك للملك الذي أمره يوسف أن يذكره، فلبث يوسف بعد ذلك في السجن بضع سنين.

Sección V13/P172

يقول جل ثناؤه: فلبث يوسف في السجن لقيله للناجي من صاحبي السجن من القيل: اذكرني عند سيدك، بضع سنين عقوبة له من الله بذلك " واختلف أهل التأويل في قدر البضع الذي لبث يوسف في السجن، فقال بعضهم: هو سبع سنين ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد أبو عثمان، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: «لبث يوسف في السجن سبع سنين» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {فلبث في السجن بضع سنين} [يوسف: 42] قال : سبع سنين " حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عمران أبو الهذيل الصنعاني، قال: سمعت وهبا، يقول: «أصاب أيوب البلاء سبع سنين، وترك في السجن يوسف سبع سنين، وعذب بختنصر يجول في السباع سبع 13P176 سنين» حدثني المثنى، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: " زعموا أنها، يعني البضع: سبع سنين، كما لبث يوسف " وقال آخرون: البضع: ما بين الثلاث إلى التسع ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، قال: سمعت قتادة، يقول: " البضع: ما بين الثلاث إلى التسع حدثنا وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن منصور، عن مجاهد، " {بضع سنين} [يوسف: 42] قال: ما بين الثلاث إلى التسع " وقال آخرون: بل هو ما دون العشر ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عباس: " {بضع سنين} [يوسف: 42] دون العشرة " 13P177 وزعم الفراء أن البضع لا يذكر إلا مع العشر، ومع العشرين إلى التسعين، وهو نيف ما بين الثلاثة إلى التسعة. وقال: كذلك رأيت العرب تفعل، ولا يقولون: بضع ومئة، ولا بضع وألف، وإذا كانت للذكران قيل: بضع. والصواب في البضع من الثلاث إلى التسع إلى العشر، ولا يكون دون الثلاث، وكذلك ما زاد على العقد إلى المئة، وما زاد على المئة، فلا يكون فيه بضع 13P176

Sección V13/P172–V13/P180

[يوسف: 43] القول في تأويل قوله تعالى: {وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون} [يوسف: 43] يعني جل ذكره بقوله: وقال ملك مصر {إني أرى} [الأنفال: 48] في المنام {سبع بقرات سمان يأكلهن سبع} [يوسف: 43] من البقر {عجاف} [يوسف: 43] وقال: {إني أرى} [الأنفال: 48] ، ولم يذكر أنه رأى في منامه ولا في غيره، لتعارف العرب بينها في كلامها إذا قال القائل منهم: أرى أني أفعل كذا وكذا أنه خبر عن رؤيته ذلك في منامه، وإن لم يذكر النوم . وأخرج الخبر جل ثناؤه على ما قد جرى به استعمال العرب ذلك بينهم. {وسبع سنبلات خضر} [يوسف: 43] يقول: وأرى سبع سنبلات خضر في منامي. {وأخر} [آل عمران: 7] يقول: وسبعا أخر من السنبل {يابسات يا أيها الملأ} [يوسف: 43] يقول: يا أيها الأشراف من رجالي وأصحابي {أفتوني في رؤياي} [يوسف: 43] فاعبروها {إن كنتم للرؤيا} [يوسف: 43] عبرة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي، قال: " إن الله أرى الملك في منامه رؤيا هالته، فرأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات. فجمع السحرة والكهنة والحزاة والقافة، فقصها عليهم. {قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين} [يوسف: 44] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " ثم إن الملك الريان بن الوليد رأى رؤياه التي رأى، فهالته، وعرف أنها رؤيا واقعة، ولم يدر ما تأويلها؛ فقال للملإ حوله من أهل مملكته: {إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف} [يوسف: 43] . إلى قوله: {بعالمين} [يوسف: 44] " 13P178 [يوسف: 44] القول في تأويل قوله تعالى: {قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين} [يوسف: 44] يقول تعالى ذكره: قال الملأ الذين سألهم ملك مصر عن تعبير رؤياه: رؤياك 13P179 هذه أضغاث أحلام؛ يعنون أنها أخلاط رؤيا كاذبة لا حقيقة لها. وهي جمع ضغث، والضغث: أصله الحزمة من الحشيش، يشبه بها الأحلام المختلطة التي لا تأويل لها. والأحلام جمع حلم، وهو ما لم يصدق من الرؤيا، ومن الأضغاث قول ابن مقبل: [+البحر الكامل] خود كأن فراشها وضعت به أضغاث ريحان غداة شمال ومنه قول الآخر: [+البحر البسيط] يحمي ذمار جنين قل مانعه طاو كضغث الخلا في البطن مكتمن وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {أضغاث أحلام} [يوسف: 44] يقول: مشتبهة " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {أضغاث أحلام} [يوسف: 44] كاذبة " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: " لما قص الملك رؤياه التي رأى على أصحابه، قالوا: أضغاث أحلام: أي فعل الأحلام " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، " {أضغاث أحلام} [يوسف: 44] قال: أخلاط أحلام، {وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين} [يوسف: 44] " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن محمد، عن أبي مرزوق، عن جويبر، عن الضحاك، قال: " أضغاث أحلام: كاذبة " قال: ثني المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، قالوا: " أضغاث، قال: كذب " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: " {أضغاث أحلام} [يوسف: 44] : هي الأحلام الكاذبة " وقوله: {وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين} [يوسف: 44] يقول: وما نحن بما تئول إليه 13P181 الأحلام الكاذبة بعالمين. والباء الأولى التي في التأويل من صلة «العالمين» ، والتي في «العالمين» الباء التي تدخل في الخبر مع «ما» التي بمعنى الجحد. ورفع «أضغاث أحلام» ، لأن معنى الكلام: ليس هذه الرؤيا بشيء إنما هي أضغاث أحلام 13P180

Sección V13/P180–V13/P182

[يوسف: 45_46] القول في تأويل قوله تعالى: {وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون} [يوسف: 45_46] يقول تعالى ذكره: وقال الذي نجا من القتل من صاحبي السجن اللذين استعبرا يوسف الرؤيا {وادكر} [يوسف: 45] يقول: وتذكر ما كان نسي من أمر يوسف، وذكر حاجته للملك التي كان سأله عند تعبيره رؤياه أن يذكرها له بقوله: {اذكرني عند ربك} [يوسف: 42] ، {بعد أمة} [يوسف: 45] يعني بعد حين كالذي: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس، " {وادكر بعد أمة} [يوسف: 45] قال: بعد حين " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع؛ وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن 13P182 سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس، مثله. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس، مثله حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، " {وادكر بعد أمة} [يوسف: 45] : بعد حين " حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عمرو بن محمد، قال: أخبرنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، قال: " {وادكر بعد أمة} [يوسف: 45] قال: بعد حين " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس مثله قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {وادكر بعد أمة} [يوسف: 45] يقول: بعد حين " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {وادكر بعد أمة} [يوسف: 45] قال: ذكر بعد حين حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، " {وادكر بعد أمة} [يوسف: 45] بعد حين " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن، مثله حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عفان، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {وادكر بعد أمة} [يوسف: 45] : بعد حين " حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن كثير: " {بعد أمة} [يوسف: 45] : بعد حين " قال ابن جريج، وقال ابن عباس: " {بعد أمة} [يوسف: 45] قال: بعد سنين " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السدي، " {وادكر بعد أمة} [يوسف: 45] قال: بعد حين " حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن سماك، عن عكرمة، " {وادكر بعد أمة} [يوسف: 45] أي بعد حقبة من الدهر " وهذا التأويل على قراءة من قرأ: {بعد أمة} [يوسف: 45] بضم الألف وتشديد الميم ، وهي قراءة القراء في أمصار الإسلام وقد روي عن جماعة من المتقدمين أنهم قرءوا ذلك: «بعد أمة» بفتح الألف، وتخفيف الميم، وفتحها بمعنى بعد نسيان. وذكر بعضهم أن العرب تقول من ذلك: أمه الرجل يأمه أمها: إذا نسي. وكذلك تأوله من قرأ ذلك كذلك.

Preguntas