Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Sección V02/P165

قيل له: إن الكتاب من بني آدم وإن كان منهم باليد، فإنه قد يضاف الكتاب إلى غير كاتبه وغير المتولي رسم خطه، فيقال: كتب فلان إلى فلان بكذا، وإن كان المتولي كتابته بيده غير المضاف إليه الكتاب، إذا كان الكاتب كتبه بأمر المضاف إليه الكتاب. فأعلم ربنا بقوله: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم} [البقرة: 79] عباده المؤمنين أن أحبار اليهود تلي كتابة الكذب والفرية على الله بأيديهم على علم منهم وعمد للكذب على الله ثم تنحله إلى أنه من عند الله وفي كتاب الله 02P169 تكذبا على الله وافتراء عليه. فنفى جل ثناؤه بقوله: {يكتبون الكتاب بأيديهم} [البقرة: 79] أن يكون ولي كتابة ذلك بعض جهالهم بأمر علمائهم وأحبارهم. وذلك نظير قول القائل: باعني فلان عينه كذا وكذا، فاشترى فلان نفسه كذا، يراد بإدخال النفس والعين في ذلك نفي اللبس عن سامعه أن يكون المتولي بيع ذلك وشراءه غير الموصوف به بأمره، ويوجب حقيقة الفعل للمخبر عنه؛ فكذلك قوله: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم} [البقرة: 79] 02P168

Sección V02/P165–V02/P169

[البقرة: 79] القول في تأويل قوله تعالى: {فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} [البقرة: 79] يعني جل ثناؤه بقوله: {فويل لهم مما كتبت أيديهم} [البقرة: 79] أي فالعذاب في الوادي السائل من صديد أهل النار في أسفل جهنم لهم، يعني للذين يكتبون الكتاب الذي وصفنا أمره من يهود بني إسرائيل محرفا، ثم قالوا: هذا من عند الله؛ ابتغاء عرض من الدنيا به قليل ممن يبتاعه منهم. وقوله: {مما كتبت أيديهم} [البقرة: 79] يقول: من الذي كتبت أيديهم من ذلك {وويل لهم} [البقرة: 79] أيضا {مما يكسبون} [البقرة: 79] يعني مما يعملون من الخطايا، ويجترحون من الآثام، ويكسبون من الحرام بكتابهم الذي يكتبونه بأيديهم، بخلاف ما أنزل الله، ثم يأكلون ثمنه وقد باعوه ممن باعوه منهم على أنه من كتاب الله كما حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي 02P170 العالية: " {وويل لهم مما يكسبون} [البقرة: 79] يعني من الخطيئة " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {فويل لهم} [البقرة: 79] يقول: فالعذاب عليهم قال: يقول من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب {وويل لهم ما يكسبون} يقول: مما يأكلون به من السفلة وغيرهم " قال أبوجعفر: وأصل الكسب: العمل، فكل عامل عملا بمباشرة منه لما عمل ومعاناة باحتراف، فهو كاسب لما عمل كما قال لبيد بن ربيعة: [+البحر الكامل] لمعفر قهد تنازع شلوه غبس كواسب لا يمن طعامها 02P170

Sección V02/P169

[البقرة: 80] القول في تأويل قوله تعالى: {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون} [البقرة: 80] يعني بقوله: {وقالوا} [البقرة: 80] اليهود، يقول: وقالت اليهود: {لن تمسنا النار} [البقرة: 80] يعني لن تلاقي أجسامنا النار، ولن ندخلها إلا أياما معدودة. 02P171 وإنما قيل معدودة وإن لم يكن مبينا عددها في التنزيل؛ لأن الله جل ثناؤه أخبر عنهم بذلك وهم عارفون عدد الأيام التي يوقتونها لمكثهم في النار، فلذلك ترك ذكر تسمية عدد تلك الأيام وسماها معدودة لما وصفنا. ثم اختلف أهل التأويل في مبلغ الأيام المعدودة التي عينها اليهود القائلون ما أخبر الله عنهم من ذلك فقال بعضهم بما حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} [البقرة: 80] قال ذلك أعداء الله اليهود، قالوا: لن يدخلنا الله النار إلا تحلة القسم الأيام التي أصبنا فيها العجل أربعين يوما، فإذا انقضت عنا تلك الأيام، انقطع عنا العذاب والقسم " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " في قوله: {لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} [البقرة: 80] قالوا: أياما معدودة بما أصبنا في العجل " حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن 02P172 السدي: " {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} [البقرة: 80] قال: قالت اليهود: إن الله يدخلنا النار فنمكث فيها أربعين ليلة، حتى إذا أكلت النار خطايانا واستنقتنا، نادى مناد: أخرجوا كل مختون من ولد بني إسرائيل، فلذلك أمرنا أن نختتن. قالوا: فلا يدعون منا في النار أحدا إلا أخرجوه " حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: " قالت اليهود: إن ربنا عتب علينا في أمرنا، فأقسم ليعذبنا أربعين ليلة، ثم يخرجنا. فأكذبهم الله " حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن قتادة، قال: " قالت اليهود: لن ندخل النار إلا تحلة القسم، عدد الأيام التي عبدنا فيها العجل " حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} [البقرة: 80] الآية. قال ابن عباس: ذكر أن اليهود وجدوا في التوراة مكتوبا: إن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم نابتة في أصل الجحيم. وكان ابن عباس يقول: إن الجحيم سقر، وفيه شجرة الزقوم، فزعم أعداء الله أنه إذا خلا العدد الذي وجدوا في كتابهم أياما معدودة. وإنما يعني بذلك المسير الذي 02P173 ينتهي إلى أصل الجحيم، فقالوا: إذا خلا العدد انتهى الأجل فلا عذاب وتذهب جهنم وتهلك؛ فذلك قوله: {لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} [البقرة: 80] يعنون بذلك الأجل. فقال ابن عباس: لما اقتحموا من باب جهنم ساروا في العذاب، حتى انتهوا إلى شجرة الزقوم آخر يوم من الأيام المعدودة، قال لهم خزان سقر: زعمتم أنكم لن تمسكم النار إلا أياما معدودة، فقد خلا العدد وأنتم في الأبد. فأخذ بهم في الصعود في جهنم يرهقون " حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} [البقرة: 80] إلا أربعين ليلة " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، قال: خاصمت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لن ندخل النار إلا أربعين ليلة، وسيخلفنا فيها قوم آخرون. يعنون محمدا وأصحابه.

Sección V02/P169–V02/P174

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على رءوسهم: «بل أنتم فيها خالدون لا يخلفكم فيها أحد» فأنزل الله جل ثناؤه: {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} [البقرة: 80] حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة، قال: اجتمعت يهود يوما تخاصم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: {لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} [البقرة: 80] وسموا أربعين يوما، ثم يخلفنا أو يلحقنا فيها أناس؛ فأشاروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كذبتم، بل أنتم فيها خالدون مخلدون لا نلحقكم ولا نخلفكم فيها إن شاء الله أبدا» حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا علي بن معبد، عن أبي معاوية، عن جويبر، عن الضحاك: " في قوله: {لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} [البقرة: 80] قال: قالت اليهود: لا نعذب في النار يوم القيامة إلا أربعين يوما مقدار ما عبدنا العجل " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: حدثني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: «أنشدكم بالله وبالتوراة التي أنزلها الله على موسى يوم طور سيناء، من أهل النار الذين أنزلهم الله في التوراة؟ » قالوا: إن ربهم غضب عليهم غضبة، فنمكث في النار أربعين ليلة، ثم نخرج فتخلفوننا فيها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كذبتم والله، لا نخلفكم فيها أبدا» فنزل القرآن تصديقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم، وتكذيبا لهم: {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا} [البقرة: 80] إلى قوله: {هم فيها خالدون} [البقرة: 81] " وقال آخرون في ذلك بما حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: " كانت يهود يقولون: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الله الناس يوم القيامة بكل ألف سنة من أيام الدنيا يوما واحدا من أيام الآخرة، وإنها سبعة أيام. فأنزل الله في ذلك من قولهم: {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} [البقرة: 80] الآية " حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: " قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ويهود تقول: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الناس في النار بكل ألف سنة من أيام الدنيا يوما واحدا في النار من أيام الآخرة، فإنما هي سبعة أيام ثم ينقطع العذاب. فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم {لن تمسنا النار} [البقرة: 80] الآية " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " في قول الله: {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} [البقرة: 80] قال: كانت تقول: إنما الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوما " 02P176 حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال: كانت اليهود تقول: إنما الدنيا، وسائر الحديث مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مجاهد: " {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} [البقرة: 80] من الدهر، وسموا عدة سبعة آلاف سنة، من كل ألف سنة يوما؛ يهود تقول " 02P176

Sección V02/P174–V02/P177

[البقرة: 80] القول في تأويل قوله تعالى: {قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون} [البقرة: 80] قال أبو جعفر: لما قالت اليهود ما قالت من قولها: {لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} [البقرة: 80] على ما قد بينا من تأويل ذلك، قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لمعشر اليهود {أتخذتم عند الله عهدا} [البقرة: 80] أخذتم بما تقولون من ذلك من الله ميثاقا فالله لا ينقض ميثاقه ولا يبدل وعده وعقده، أم تقولون على الله الباطل جهلا وجراءة عليه؟ كما حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {قل أتخذتم عند الله عهدا} [البقرة: 80] أي موثقا من الله بذلك أنه كما تقولون " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن قتادة، قال: " قالت 02P177 اليهود: لن ندخل النار إلا تحلة القسم عدة الأيام التي عبدنا فيها العجل. فقال الله: {أتخذتم عند الله عهدا} [البقرة: 80] بهذا الذي تقولونه، ألكم بهذا حجة وبرهان {فلن يخلف الله عهده} [البقرة: 80] فهاتوا حجتكم وبرهانكم {أم تقولون على الله ما لا تعلمون} [البقرة: 80] " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: " لما قالت اليهود ما قالت، قال الله جل ثناؤه لمحمد: {قل أتخذتم عند الله عهدا} [البقرة: 80] يقول: أدخرتم عند الله عهدا؟ يقول: أقلتم لا إله إلا الله لم تشركوا، ولم تكفروا به؟ فإن كنتم قلتموها فارجوا بها، وإن كنتم لم تقولوها فلم تقولون على الله ما لا تعلمون؟ يقول: لو كنتم قلتم لا إله إلا الله، ولم تشركوا به شيئا، ثم متم على ذلك لكان لكم ذخرا عندي، ولم أخلف وعدي لكم أني أجازيكم بها " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " لما قالت اليهود ما قالت، قال الله عز وجل: {قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده} [البقرة: 80] وقال في مكان آخر: {وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون} [آل عمران: 24] ثم أخبر الخبر، فقال: {بلى من كسب سيئة} [البقرة: 81] " وهذه الأقوال التي رويناها عن ابن عباس ومجاهد وقتادة بنحو ما قلنا في تأويل قوله: {قل أتخذتم عند الله عهدا} [البقرة: 80] لأن مما أعطاه الله عباده من ميثاقه أن من آمن به وأطاع أمره نجاه من ناره يوم القيامة. ومن الإيمان به الإقرار بأن لا إله إلا الله، وكذلك من ميثاقه الذي واثقهم به أن من أتى الله يوم القيامة بحجة تكون له نجاة من النار فينجيه منها. وكل ذلك وإن اختلفت ألفاظ قائليه، فمتفق المعاني على ما قلنا فيه، والله تعالى أعلم 02P178

Sección V02/P177–V02/P180

[البقرة: 81] القول في تأويل قوله تعالى: {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 81] وقوله: {بلى من كسب سيئة} [البقرة: 81] تكذيب من الله القائلين من اليهود: {لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} [البقرة: 80] وإخبار منه لهم أنه يعذب من أشرك وكفر به وبرسله وأحاطت به ذنوبه فمخلده في النار؛ فإن الجنة لا يسكنها إلا أهل الإيمان به وبرسوله، وأهل الطاعة له، والقائمون بحدوده كما حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: " {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته} [البقرة: 81] أي من عمل مثل أعمالكم وكفر بمثل ما كفرتم به حتى يحيط كفره بما له من حسنة {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 81] " 02P179 قال: وأما {بلى} [البقرة: 81] فإنها إقرار في كل كلام في أوله جحد، كما نعم إقرار في الاستفهام الذي لا جحد فيه، وأصلها بل التي هي رجوع عن الجحد المحض في قولك: ما قام عمرو بل زيد؛ فزيد فيها الياء ليصلح عليها الوقوف، إذ كانت بل لا يصلح عليها الوقوف، إذ كانت عطفا ورجوعا عن الجحد، ولتكون، أعني بلى، رجوعا عن الجحد فقط، وإقرارا بالفعل الذي بعد الجحد؛ فدلت الياء منها على معنى الإقرار والإنعام، ودل لفظ بلى على الرجوع عن الجحد. قال: وأما السيئة التي ذكر الله في هذا المكان فإنها الشرك بالله كما حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني عاصم، عن أبي وائل: " {بلى من كسب سيئة} [البقرة: 81] قال: الشرك بالله " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {بلى من كسب سيئة} [البقرة: 81] شركا " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " قوله: {بلى من كسب سيئة} [البقرة: 81] قال: أما السيئة فالشرك " 02P180 حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {بلى من كسب سيئة} [البقرة: 81] أما السيئة فهي الذنوب التي وعد عليها النار " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: {بلى من كسب سيئة} [البقرة: 81] قال: «الشرك» قال ابن جريج، قال: قال مجاهد: " {سيئة} [البقرة: 81] شركا " حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " قوله: {بلى من كسب سيئة} [البقرة: 81] يعني الشرك " وإنما قلنا: إن السيئة التي ذكر الله جل ثناؤه أن من كسبها وأحاطت به خطيئته فهو من أهل النار المخلدين فيها في هذا الموضع، إنما عنى الله بها بعض السيئات دون بعض، وإن كان ظاهرها في التلاوة عاما، لأن الله قضى على أهلها بالخلود في النار، والخلود في النار لأهل الكفر بالله دون أهل الإيمان به لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أهل الإيمان لا يخلدون فيها، وأن الخلود في النار لأهل الكفر بالله دون أهل الإيمان به؛ فإن الله جل ثناؤه قد قرن بقوله: {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 81] قوله: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} [البقرة: 82] فكان معلوما بذلك أن الذين لهم الخلود في النار من أهل السيئات، غير الذي لهم الخلود في الجنة من أهل الإيمان.

Sección V02/P180–V02/P181

فإن ظن ظان أن الذين لهم الخلود في الجنة من الذين آمنوا هم الذين عملوا الصالحات دون الذين عملوا السيئات، فإن في إخبار الله أنه مكفر باجتنابنا كبائر ما ننهى عنه سيئاتنا، ومدخلنا المدخل الكريم، ما ينبئ عن صحة ما قلنا في تأويل قوله: {بلى من كسب سيئة} [البقرة: 81] بأن ذلك على خاص من السيئات دون عامها. فإن قال لنا قائل: فإن الله جل ثناؤه إنما ضمن لنا تكفير سيئاتنا باجتنابنا كبائر ما ننهى عنه، فما الدلالة على أن الكبائر غير داخلة في قوله: {بلى من كسب سيئة} [البقرة: 81] ؟ قيل: لما صح من أن الصغائر غير داخلة فيه، وأن المعنى بالآية خاص دون عام، ثبت وصح أن القضاء والحكم بها غير جائز لأحد على أحد إلا على من وقفه الله عليه بدلالة من خبر قاطع عذر من بلغه. وقد ثبت وصح أن الله تعالى ذكره قد عنى بذلك أهل الشرك والكفر به، بشهادة جميع الأمة، فوجب بذلك القضاء على أن أهل الشرك والكفر ممن عناه الله بالآية. فأما أهل الكبائر فإن الأخبار القاطعة عذر من بلغته قد تظاهرت عندنا بأنهم غير معنيين بها، فمن أنكر ذلك ممن دافع حجة الأخبار المستفيضة والأنباء المتظاهرة فاللازم له ترك قطع الشهادة على أهل الكبائر بالخلود في النار بهذه الآية ونظائرها التي جاءت بعمومهم في الوعيد، إذ كان تأويل القرآن غير مدرك إلا ببيان من جعل الله إليه بيان القرآن، وكانت الآية تأتي عاما في صنف ظاهرها، وهي خاص في ذلك الصنف باطنها. ويسأل مدافعو الخبر بأن أهل الكبائر من أهل الاستثناء سؤالنا منكر رجم الزاني المحصن، وزوال فرض الصلاة عن الحائض في حال الحيض، فإن السؤال عليهم نظير السؤال على هؤلاء سواء 02P182

Sección V02/P181–V02/P182

[البقرة: 81] القول في تأويل قوله تعالى: {وأحاطت به خطيئته} [البقرة: 81] يعني بقوله جل ثناؤه: {وأحاطت به خطيئته} [البقرة: 81] اجتمعت عليه فمات عليها قبل الإنابة والتوبة منها. وأصل الإحاطة بالشيء: الإحداق به بمنزلة الحائط الذي تحاط به الدار فتحدق به، ومنه قول الله جل ثناؤه: {نارا أحاط بهم سرادقها} [الكهف: 29] . فتأويل الآية إذا: من أشرك بالله واقترف ذنوبا جمة فمات عليها قبل الإنابة والتوبة، فأولئك أصحاب النار هم فيها مخلدون أبدا. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك، قال المتأولون ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي روق، عن الضحاك: " {وأحاطت به خطيئته} [البقرة: 81] قال: مات بذنبه " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جرير بن نوح، قال: ثنا الأعمش، عن أبي رزين، عن الربيع بن خثيم: " {وأحاطت به خطيئته} [البقرة: 81] قال: مات عليها " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: أخبرني ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: " {وأحاطت به خطيئته} [البقرة: 81] قال: يحيط كفره بما له من حسنة " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: حدثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وأحاطت به خطيئته} [البقرة: 81] قال: ما أوجب الله فيه النار " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {وأحاطت به خطيئته} [البقرة: 81] قال: أما الخطيئة فالكبيرة الموجبة " حدثنا الحسن، قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن قتادة: " {وأحاطت به خطيئته} [البقرة: 81] قال: الخطيئة: الكبائر " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا وكيع، ويحيى بن آدم، عن سلام بن مسكين، قال: سأل رجل الحسن عن قوله {وأحاطت به خطيئته} [البقرة: 81] فقال: «ما ندري ما الخطيئة يا بني. اتل القرآن، فكل آية وعد الله عليها النار فهي الخطيئة» حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد: " في قوله: {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته} [البقرة: 81] قال: كل ذنب محيط فهو ما وعد الله عليه النار " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي رزين: " {وأحاطت به خطيئته} [البقرة: 81] قال: مات بخطيئته " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا الأعمش، قال: ثنا مسعود أبو رزين، عن الربيع بن خثيم: " في قوله: {وأحاطت به خطيئته} [البقرة: 81] قال: هو الذي 02P185 يموت على خطيئته، قبل أن يتوب " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: قال وكيع: سمعت الأعمش، يقول في قوله: " {وأحاطت به خطيئته} [البقرة: 81] مات بذنوبه " حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {وأحاطت به خطيئته} [البقرة: 81] الكبيرة الموجبة " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {وأحاطت به خطيئته} [البقرة: 81] فمات ولم يتب " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حسان، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: {وأحاطت به خطيئته} [البقرة: 81] قال: " الشرك، ثم تلا: {ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار} [النمل: 90] " 02P185

Sección V02/P182–V02/P187

[البقرة: 81] القول في تأويل قوله تعالى: {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة: 81] يعني بقوله جل ثناؤه: {فأولئك} [البقرة: 81] الذين كسبوا السيئات وأحاطت بهم خطيئاتهم أصحاب النار 02P186 هم فيها خالدون. ويعني بقوله جل ثناؤه: {أصحاب النار} [البقرة: 39] أهل النار؛ وإنما جعلهم لها أصحابا لإيثارهم في حياتهم الدنيا ما يوردهموها، ويوردهم سعيرها على الأعمال التي توردهم الجنة، فجعلهم جل ذكره بإيثارهم أسبابها على أسباب الجنه لها أصحابا، كصاحب الرجل الذي يصاحبه مؤثرا صحبته على صحبة غيره حتى يعرف به. {هم فيها} [البقرة: 39] يعني في النار خالدون، ويعني بقوله {خالدون} [البقرة: 25] مقيمون كما حدثني محمد بن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس: " {هم فيها خالدون} [البقرة: 81] أي خالدون أبدا " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {هم فيها خالدون} [البقرة: 81] لا يخرجون منها أبدا " 02P186 [البقرة: 82] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} [البقرة: 82] ويعني بقوله: {والذين آمنوا} [البقرة: 9] أي صدقوا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ويعني بقوله: {وعملوا الصالحات} [البقرة: 25] أطاعوا الله فأقاموا حدوده، 02P187 وأدوا فرائضه، واجتنبوا محارمه ويعني بقوله: {أولئك} [البقرة: 5] الذين هم كذلك {أصحاب الجنة هم فيها خالدون} [البقرة: 82] يعني أهلها الذين هم أهلها {هم فيها خالدون} [البقرة: 39] مقيمون أبدا. وإنما هذه الآية والتي قبلها إخبار من الله عباده عن بقاء النار وبقاء أهلها فيها، ودوام ما أعد في كل واحدة منهما لأهلها، تكذيبا من الله جل ثناؤه القائلين من يهود بني إسرائيل إن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة، وأنهم صائرون بعد ذلك إلى الجنة؛ فأخبرهم بخلود كفارهم في النار وخلود مؤمنيهم في الجنة كما حدثني ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: " {والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} [البقرة: 82] أي من آمن بما كفرتم به وعمل بما تركتم من دينه، فلهم الجنة خالدين فيها؛ يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له أبدا " حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} [البقرة: 82] محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه أولئك أصحاب الجنة {هم فيها خالدون} [البقرة: 82] " 02P187

Sección V02/P187–V02/P188

[البقرة: 83] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون} [البقرة: 83] 02P188 قد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا على أن الميثاق مفعال، من التوثق باليمين ونحوها من الأمور التي تؤكد القول. فمعنى الكلام إذا: واذكروا أيضا يا معشر بني إسرائيل إذ أخذنا ميثاقكم لا تعبدون إلا الله كما حدثني به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: " {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل} [البقرة: 83] أي ميثاقكم {لا تعبدون إلا الله} [البقرة: 83] " قال أبو جعفر: والقراءة مختلفة في قراءة قوله: {لا تعبدون} [البقرة: 83] فبعضهم يقرؤها بالتاء، وبعضهم يقرؤها بالياء، والمعنى في ذلك واحد. وإنما جازت القراءة بالياء والتاء وأن يقال: {لا تعبدون} [البقرة: 83] و (لا يعبدون) وهم غيب؛ لأن أخذ الميثاق بمعنى الاستحلاف، فكما تقول: استحلفت أخاك ليقومن، فتخبر عنه خبرك عن الغائب لغيبته عنك، وتقول: استحلفته لتقومن، فتخبر عنه خبرك عن المخاطب؛ لأنك قد كنت خاطبته بذلك، فيكون ذلك صحيحا جائزا، فكذلك قوله: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله} [البقرة: 83] و (لا يعبدون) من قرأ ذلك بالتاء فمعنى الخطاب إذ كان الخطاب قد كان بذلك، ومن قرأ بالياء فلأنهم ما كانوا مخاطبين بذلك في وقت الخبر عنهم. 02P189 وأما رفع لا تعبدون فبالتاء التي في تعبدون، ولا ينصب بأن التي كانت تصلح أن تدخل مع: {لا تعبدون إلا الله} [البقرة: 83] لأنها إذا صلح دخولها على فعل فحذفت ولم تدخل كان وجه الكلام فيه الرفع كما قال جل ثناؤه: {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} [الزمر: 64] فرفع أعبد إذ لم تدخل فيها أن بالألف الدالة على معنى الاستقبال. وكما قال الشاعر: [+البحر الطويل] ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي فرفع أحضر وإن كان يصلح دخول أن فيها، إذ حذفت بالألف التي تأتي بمعنى الاستقبال. وإنما صلح حذف أن من قوله: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون} [البقرة: 83] لدلالة ما ظهر من الكلام عليها، فاكتفى بدلالة الظاهر عليها منها. وقد كان بعض نحويي البصرة يقول: معنى قوله: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله} [البقرة: 83] حكاية، كأنك قلت: استحلفناهم لا تعبدون، أي قلنا لهم: والله لا تعبدون، وقالوا: والله لا يعبدون. والذي قال من ذلك قريب معناه من معنى القول الذي قلنا في ذلك. 02P190 وبنحو الذي قلنا في قوله: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله} [البقرة: 83] تأوله أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: «أخذ مواثيقهم أن يخلصوا، له، وأن لا يعبدوا غيره» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: أخبرنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " في قوله: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله} [البقرة: 83] ، قال: أخذنا ميثاقهم أن يخلصوا لله ولا يعبدوا غيره " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج: " {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله} [البقرة: 83] ، قال: الميثاق الذي أخذ عليهم في المائدة " 02P190

Sección V02/P188–V02/P192

[البقرة: 83] القول في تأويل قوله تعالى: {وبالوالدين إحسانا} [البقرة: 83] وقوله جل ثناؤه: {وبالوالدين إحسانا} [البقرة: 83] عطف على موضع أن المحذوفة في {لا تعبدون إلا الله} [البقرة: 83] ، فكان معنى الكلام: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بأن لا تعبدوا إلا الله وبالوالدين إحسانا، فرفع {لا تعبدون} [البقرة: 83] لما حذف أن، ثم عطف بالوالدين على موضعها، كما قال الشاعر: [+البحر الوافر] معاوي إننا بشر فأسجح فلسنا بالجبال ولا الحديدا فنصب الحديد على العطف به على موضع الجبال؛ لأنها لو لم تكن فيها باء خافضة كانت نصبا، فعطف بالحديد على معنى الجبال لا على لفظها، فكذلك ما وصفت من قوله: {وبالوالدين إحسانا} [البقرة: 83] ، وأما الإحسان فمنصوب بفعل مضمر يؤدي معناه قوله: {وبالوالدين} [البقرة: 83] ؛ إذ كان مفهوما معناه، فكان معنى الكلام لو أظهر المحذوف: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بأن لا تعبدوا إلا الله، وبأن تحسنوا إلى الوالدين إحسانا. فاكتفى بقوله: {وبالوالدين} [البقرة: 83] من أن يقال: وبأن تحسنوا إلى الوالدين إحسانا، إذ كان مفهوما أن ذلك معناه بما ظهر من الكلام. وقد زعم بعض أهل العربية في ذلك أن معناه: وبالوالدين فأحسنوا إحسانا؛ فجعل الباء التي في الوالدين من صلة الإحسان مقدمة عليه. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن لا تعبدوا إلا الله، وأحسنوا بالوالدين إحسانا. فزعموا أن الباء التي في الوالدين من صلة المحذوف، أعني أحسنوا، فجعلوا ذلك من كلامين. وإنما يصرف الكلام إلى ما ادعوا من ذلك إذا لم يوجد لاتساق الكلام على كلام واحد وجه، فأما وللكلام وجه مفهوم على اتساقه على كلام واحد فلا وجه لصرفه إلى كلامين. وأخرى: أن القول في ذلك لو كان على ما قالوا لقيل: وإلى الوالدين إحسانا؛ لأنه إنما يقال: أحسن فلان إلى والديه، ولا يقال: أحسن بوالديه، إلا على استكراه للكلام. ولكن القول فيه ما قلنا، وهو: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بكذا وبالوالدين إحسانا، على ما بينا قبل. فيكون الإحسان حينئذ مصدرا من الكلام لا من لفظه كما بينا فيما مضى من نظائره. فإن قال قائل: وما ذلك الإحسان الذي أخذ عليهم وبالوالدين الميثاق؟ قيل: نظير ما فرض الله على أمتنا لهما من فعل المعروف لهما والقول الجميل، وخفض جناح الذل رحمة بهما والتحنن عليهما، والرأفة بهما والدعاء بالخير لهما، وما أشبه ذلك من الأفعال التي ندب الله عباده أن يفعلوا بهما 02P192 [البقرة: 83] القول في تأويل قوله تعالى: {وذي القربى واليتامى والمساكين} [البقرة: 83] يعني بقوله: {وذي القربى} [البقرة: 83] وبذي القربى أن يصلوا قرابته منهم ورحمه والقربى مصدر على تقدير فعلى من قولك: قربت مني رحم فلان قرابة وقربى وقربا بمعنى واحد وأما اليتامى فهم جمع يتيم، مثل أسير وأسارى؛ ويدخل في اليتامى الذكور منهم والإناث ومعنى ذلك: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وحده دون من سواه من الأنداد وبالوالدين إحسانا وبذي القربى، أن تصلوا رحمه، وتعرفوا حقه، وباليتامى: أن تتعطفوا عليهم بالرحمة والرأفة، وبالمساكين: أن تؤتوهم حقوقهم التي ألزمها الله أموالكم. والمسكين: هو المتخشع المتذلل من الفاقة والحاجة، وهو مفعيل من المسكنة، والمسكنة هي ذل الحاجة والفاقة 02P193

Sección V02/P192–V02/P195

[البقرة: 83] القول في تأويل قوله تعالى: {وقولوا للناس حسنا} [البقرة: 83] إن قال قائل: كيف قيل: {وقولوا للناس حسنا} [البقرة: 83] فأخرج الكلام أمرا ولما يتقدمه أمر، بل الكلام جار من أول الآية مجرى الخبر؟ قيل: إن الكلام وإن كان قد جرى في أول الآية مجرى الخبر فإنه مما يحسن في موضعه الخطاب بالأمر والنهي، فلو كان مكان: {لا تعبدون إلا الله} [البقرة: 83] لا تعبدوا إلا الله، على وجه النهي من الله لهم عن عبادة غيره كان حسنا صوابا؛ وقد ذكر أن ذلك كذلك في قراءة أبي بن كعب. وإنما حسن ذلك وجاز لو كان مقروءا به لأن أخذ الميثاق قول، فكان معنى الكلام لو كان مقروءا كذلك: وإذ قلنا لبني إسرائيل لا تعبدوا إلا الله، كما قال جل ثناؤه في موضع آخر: {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة} [البقرة: 63] فلما كان حسنا وضع الأمر والنهي في موضع: {لا تعبدون إلا الله} [البقرة: 83] عطف بقوله: {وقولوا للناس حسنا} [البقرة: 83] على موضع {لا تعبدون} [البقرة: 83] وإن كان مخالفا كل واحد منهما معناه معنى ما فيه، لما وصفنا من جواز وضع الخطاب بالأمر والنهي موضع لا تعبدون؛ فكأنه قيل: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدوا إلا الله، وقولوا للناس حسنا. وهو نظير ما قدمنا البيان عنه من أن العرب تبتدئ الكلام أحيانا على وجه الخبر عن الغائب في موضع الحكايات لما أخبرت عنه، ثم تعود إلى الخبر على وجه الخطاب، وتبتدئ أحيانا على وجه الخطاب ثم تعود إلى الإخبار على وجه الخبر عن الغائب لما في الحكاية من المعنيين؛ كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلت يعني تقليت، وأما الحسن فإن القرأة اختلفت في قراءته، فقرأته عامة قراء الكوفة غير عاصم: (وقولوا للناس حسنا) بفتح الحاء والسين. وقرأته عامة قراء المدينة: {حسنا} [البقرة: 83] بضم الحاء وتسكين السين. وقد روي عن بعض القراء أنه كان يقرأ: (وقولوا للناس حسنى) على مثال فعلى. واختلف أهل العربية في فرق ما بين معنى قوله: حسنا، وحسنا. فقال بعض البصريين: هو على أحد وجهين: إما أن يكون يراد بالحسن الحسن، وكلاهما لغة، كما يقال: البخل والبخل. وإما أن يكون جعل الحسن هو الحسن في التشبيه، وذلك أن الحسن مصدر، والحسن هو الشيء الحسن، ويكون ذلك حينئذ كقولك: إنما أنت أكل وشرب، وكما قال الشاعر: [+البحر الوافر] وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع فجعل التحية ضربا. وقال آخر: بل الحسن هو الاسم العام الجامع جميع معاني الحسن، والحسن هو البعض من معاني الحسن، قال: ولذلك قال جل ثناؤه إذ أوصى بالوالدين: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } [العنكبوت: 8] يعني بذلك أنه وصاه فيهما بجميع معاني الحسن، وأمر في سائر الناس ببعض الذي أمره به في والديه فقال: {وقولوا للناس حسنا} [البقرة: 83] يعني بذلك بعض معاني الحسن. والذي قاله هذا القائل في معنى الحسن بضم الحاء وسكون السين غير بعيد من الصواب، وأنه اسم لنوعه الذي سمي به. وأما الحسن فإنه صفة وقعت لما وصف به، وذلك يقع بخاص. وإذا كان الأمر كذلك، فالصواب من القراءة في قوله: {وقولوا للناس حسنا} [البقرة: 83] لأن القوم إنما أمروا في هذا العهد الذي قيل لهم: وقولوا للناس باستعمال الحسن من القول دون سائر معاني الحسن، الذي يكون بغير القول، وذلك نعت لخاص من معاني الحسن وهو القول. فلذلك اخترت قراءته بفتح الحاء والسين، على قراءته بضم الحاء وسكون السين. وأما الذي قرأ ذلك: (وقولوا للناس حسنى) فإنه خالف بقراءته إياه كذلك قراءة أهل الإسلام، وكفى شاهدا على خطأ القراءة بها كذلك خروجها من قراءة أهل الإسلام لو لم يكن على خطئها شاهد غيره، فكيف وهي مع ذلك خارجة من المعروف من كلام العرب؟

Sección V02/P195–V02/P196

وذلك أن العرب لا تكاد أن تتكلم بفعلى وأفعل إلا بالألف واللام أو بالإضافة، لا يقال: جاءني أحسن حتى يقولوا الأحسن، ولا يقال أجمل حتى يقولوا الأجمل، وذلك أن الأفعل والفعلى لا يكادان يوجدان صفة إلا لمعهود معروف، كما تقول: بل أخوك الأحسن، وبل أختك الحسنى، وغير جائز أن يقال: امرأة حسنى، ورجل أحسن. وأما تأويل القول الحسن الذي أمر الله به الذين وصف أمرهم من بني إسرائيل في هذه الآية أن يقولوه للناس فهو ما حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " في قوله: {وقولوا للناس حسنا} [البقرة: 83] أمرهم أيضا بعد هذا الخلق أن يقولوا للناس حسنا: أن يأمروا بلا إله إلا الله من لم يقلها ورغب عنها حتى يقولوها كما قالوها، فإن ذلك قربة من الله جل ثناؤه " وقال الحسن أيضا: لين القول من الأدب الحسن الجميل، والخلق الكريم، وهو مما ارتضاه الله وأحبه حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " {وقولوا للناس حسنا} [البقرة: 83] قال: قولوا للناس معروفا " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج: " {وقولوا للناس حسنا} [البقرة: 83] قال: صدقا في شأن محمد صلى الله عليه وسلم " وحدثت عن يزيد بن هارون، قال: سمعت سفيان الثوري، يقول: " في قوله: {وقولوا للناس حسنا} [البقرة: 83] قال: مروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر " حدثني هارون بن إدريس الأصم، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، قال: ثنا عبد الملك بن أبي سليمان، قال: سألت عطاء بن أبي رباح، عن قول الله، جل ثناؤه: " {وقولوا للناس حسنا} [البقرة: 83] قال: من لقيت من الناس فقل له حسنا من القول. قال: وسألت أبا جعفر، فقال مثل ذلك " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا القاسم، قال: أخبرنا عبد الملك، عن أبي جعفر، وعطاء بن أبي رباح: " في قوله: {وقولوا للناس حسنا} [البقرة: 83] قال: للناس كلهم " حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الملك، عن عطاء مثله 02P197

Sección V02/P196–V02/P199

[البقرة: 83] القول في تأويل قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} [البقرة: 83] يعني بقوله: {وأقيموا الصلاة} [البقرة: 83] أدوها بحقوقها الواجبة عليكم فيها كما حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن مسعود، قال: " {وأقيموا الصلاة} [البقرة: 83] هذه، وإقامة الصلاة تمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال عليها فيها " 02P198 [البقرة: 83] القول في تأويل قوله تعالى: {وآتوا الزكاة} [البقرة: 83] قد بينا فيما مضى قبل معنى الزكاة وما أصلها. وأما الزكاة التي كان الله أمر بها بني إسرائيل الذين ذكر أمرهم في هذه الآية فهي ما حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {وآتوا الزكاة} [البقرة: 83] قال: إيتاء الزكاة ما كان الله فرض عليهم في أموالهم من الزكاة، وهي سنة كانت لهم غير سنة محمد صلى الله عليه وسلم؛ كانت زكاة أموالهم قربانا تهبط إليه نار فتحملها، فكان ذلك تقبله، ومن لم تفعل النار به ذلك كان غير متقبل. وكان الذي قرب من مكسب لا يحل من ظلم أو غشم، أو أخذ بغير ما أمر الله به وبينه له " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " {وآتوا الزكاة} [البقرة: 83] يعني بالزكاة: طاعة الله والإخلاص " 02P199 [البقرة: 83] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون} [البقرة: 83] وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن يهود بني إسرائيل أنهم نكثوا عهده ونقضوا ميثاقه، بعدما أخذ الله ميثاقهم على الوفاء له بأن لا يعبدوا غيره، وأن يحسنوا إلى الآباء والأمهات، ويصلوا الأرحام، ويتعطفوا على الأيتام، ويؤدوا حقوق أهل المسكنة إليهم، ويأمروا عباد الله بما أمرهم الله به ويحثوهم على طاعته، ويقيموا الصلاة بحدودها وفرائضها، ويؤتوا زكاة أموالهم. فخالفوا أمره في ذلك كله، وتولوا عنه معرضين، إلا من عصمه الله منهم فوفى لله بعهده وميثاقه كما حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: " لما فرض الله جل وعز عليهم، يعني على هؤلاء الذين وصف الله أمرهم في كتابه من بني إسرائيل، هذا الذي ذكر أنه أخذ ميثاقهم به، أعرضوا عنه استثقالا وكراهية، وطلبوا ما خف عليهم إلا قليلا منهم، وهم الذين استثنى الله فقال: {ثم توليتم} [البقرة: 64] يقول: أعرضتم عن طاعتي {إلا قليلا منكم} [البقرة: 83] قال: القليل الذين اخترتهم لطاعتي، وسيحل عقابي بمن تولى وأعرض عنها؛ يقول: تركها استخفافا بها " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عن عكرمة، عن ابن عباس: " {ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون} [البقرة: 83] أي تركتم ذلك كله " وقال بعضهم: عنى الله جل ثناؤه بقوله: {وأنتم معرضون} [البقرة: 83] اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنى بسائر الآية أسلافهم؛ كأنه ذهب إلى أن معنى الكلام: {ثم توليتم إلا قليلا منكم} [البقرة: 83] ثم تولى سلفكم إلا قليلا منهم، ولكنه جعل خطابا لبقايا نسلهم على ما ذكرناه فيما مضى قبل. ثم قال: وأنتم يا معشر بقاياهم معرضون أيضا عن الميثاق الذي أخذ عليكم بذلك وتاركوه ترك أوائلكم. وقال آخرون: بل قوله: {ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون} [البقرة: 83] خطاب لمن كان بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل، وذم لهم بنقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم في التوراة وتبديلهم أمر الله وركوبهم معاصيه 02P200

Sección V02/P199–V02/P202

[البقرة: 84] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون} [البقرة: 84] قال أبو جعفر: قوله: {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم} [البقرة: 84] في المعنى والإعراب نظير قوله: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله } [البقرة: 83] وأما سفك الدم، فإنه صبه وإراقته. فإن قال قائل: وما معنى قوله: {لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} [البقرة: 84] وقال: أوكان القوم يقتلون أنفسهم، ويخرجونها من ديارها، فنهوا عن ذلك؟ قيل: ليس الأمر في ذلك على ما ظننت، ولكنهم نهوا عن أن يقتل بعضهم بعضا، فكان في قتل الرجل منهم الرجل قتل نفسه، إذ كانت ملتهما بمنزلة رجل واحد، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إنما المؤمنون في تراحمهم وتعاطفهم بينهم بمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى بعضه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» وقد يجوز أن يكون معنى قوله: {لا تسفكون دماءكم} [البقرة: 84] أي لا يقتل الرجل منكم الرجل منكم، فيقاد به قصاصا، فيكون بذلك قاتلا نفسه؛ لأنه كان الذي سبب لنفسه ما استحقت به القتل، فأضيف بذلك إليه قتل ولي المقتول إياه قصاصا بوليه، كما يقال للرجل يركب فعلا من الأفعال يستحق به العقوبة فيعاقب العقوبة: أنت جنيت هذا على نفسك. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " قوله {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم} [البقرة: 84] أي لا يقتل بعضكم بعضا {ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} [البقرة: 84] ونفسك يا ابن آدم أهل ملتك " حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " في قوله: {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم} [البقرة: 84] يقول: لا يقتل بعضكم بعضا {ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} [البقرة: 84] يقول: لا يخرج بعضكم بعضا من الديار " حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن قتادة: " في قوله: {لا تسفكون دماءكم} [البقرة: 84] يقول: لا يقتل بعضكم بعضا بغير حق {ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} [البقرة: 84] فتسفك يا ابن آدم دماء أهل ملتك ودعوتك " 02P202 [البقرة: 84] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم أقررتم} [البقرة: 84] يعني بقوله: {ثم أقررتم} [البقرة: 84] بالميثاق الذي أخذنا 02P203 عليكم {لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} [البقرة: 84] كما حدثنا المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " {ثم أقررتم} [البقرة: 84] يقول: أقررتم بهذا الميثاق " وحدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله 02P203

Sección V02/P202–V02/P204

[البقرة: 84] القول في تأويل قوله تعالى: {وأنتم تشهدون} [البقرة: 84] اختلف أهل التأويل فيمن خوطب بقوله {وأنتم تشهدون} [البقرة: 84] فقال بعضهم: ذلك خطاب من الله تعالى ذكره لليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام هجرته إليه مؤنبا لهم على تضييع أحكام ما في أيديهم من التوراة التي كانوا يقرون بحكمها، فقال الله تعالى لهم: {ثم أقررتم} [البقرة: 84] يعني بذلك إقرار أوائلكم وسلفكم {وأنتم تشهدون} [البقرة: 84] على إقراركم بأخذ الميثاق عليهم، بأن لا يسفكوا دماءهم، ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم، ويصدقون بأن ذلك حق من ميثاقي عليهم. وممن حكي معنى هذا القول عنه ابن عباس حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: " {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم 02P204 وأنتم تشهدون} [البقرة: 84] أن هذا حق من ميثاقي عليكم " وقال آخرون: بل ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن أوائلهم، ولكنه تعالى ذكره أخرج الخبر بذلك عنهم مخرج المخاطبة على النحو الذي وصفنا في سائر الآيات التي هي نظائرها التي قد بينا تأويلها فيما مضى وتأولوا قوله {وأنتم تشهدون} [البقرة: 84] على معنى: وأنتم شهود ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " قوله: {وأنتم تشهدون} [البقرة: 84] يقول وأنتم شهود " قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب عندي أن يكون قوله: {وأنتم تشهدون} [البقرة: 84] خبرا عن أسلافهم، وداخلا فيه المخاطبون منهم الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما كان قوله: {وإذ أخذنا ميثاقكم} [البقرة: 84] خبرا عن أسلافهم وإن كان خطابا للذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى أخذ ميثاق الذين كانوا على عهد رسول الله موسى صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل على سبيل ما قد بينه لنا في كتابه، فألزم جميع من بعدهم من ذريتهم من حكم التوراة مثل الذي ألزم منه من كان على عهد موسى منهم. ثم أنب الذين خاطبهم بهذه الآيات على نقضهم ونقض سلفهم ذلك الميثاق، وتكذيبهم ما وكدوا على أنفسهم له بالوفاء من العهود بقوله : {ثم أقررتم وأنتم تشهدون} [البقرة: 84] فإذ كان خارجا على وجه الخطاب للذين كانوا على عهد نبينا صلى الله عليه وسلم منهم، فإنه معني به كل من واثق بالميثاق منهم على عهد موسى ومن بعده، وكل من شهد منهم بتصديق ما في التوراة؛ لأن الله جل ثناؤه لم يخصص بقوله: {ثم أقررتم وأنتم تشهدون} [البقرة: 84] وما أشبه ذلك من الآي بعضهم دون بعض؛ والآية محتملة أن يكون أريد بها جميعهم. فإذ كان ذلك كذلك فليس لأحد أن يدعي أنه أريد بها بعض منهم دون بعض. وكذلك حكم الآية التي بعدها، أعني قوله: {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} [البقرة: 85] الآية؛ لأنه قد ذكر لها أن أوائلهم قد كانوا يفعلون من ذلك ما كان يفعله أواخرهم الذين أدركوا عصر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم 02P205

Sección V02/P204–V02/P206

[البقرة: 85] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون} [البقرة: 85] قال أبو جعفر: ويتجه في قوله: {ثم أنتم هؤلاء} [البقرة: 85] وجهان: أحدهما أن يكون أريد به: ثم أنتم يا هؤلاء، فترك يا استغناء بدلالة الكلام عليه، كما قال: {يوسف أعرض عن هذا} [يوسف: 29] وتأويله: يا يوسف أعرض عن هذا، فيكون معنى الكلام حينئذ: ثم أنتم يا معشر يهود بني إسرائيل، بعد إقراركم بالميثاق الذي أخذته عليكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم، ثم أقررتم بعد شهادتكم على أنفسكم بأن ذلك حق لي عليكم لازم لكم الوفاء لي به {تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم} [البقرة: 85] متعاونين عليهم في إخراجكم إياهم بالإثم والعدوان. والتعاون: هو التظاهر؛ وإنما قيل: للتعاون التظاهر، لتقوية بعضهم ظهر بعض، فهو تفاعل من الظهر، وهو مساندة بعضهم ظهره إلى ظهر بعض. والوجه الآخر أن يكون معناه: ثم أنتم قوم تقتلون أنفسكم؛ فيرجع إلى الخبر عن أنتم، وقد اعترض بينهم وبين الخبر عنهم بهؤلاء، كما تقول العرب: أنا ذا أقوم، وأنا هذا أجلس، وإذ قيل: أنا هذا أجلس كان صحيحا جائزا، كذلك أنت ذاك تقوم. وقد زعم بعض البصريين أن قوله هؤلاء في قوله: {ثم أنتم هؤلاء} [البقرة: 85] تنبيه وتوكيد لأنتم، وزعم أن أنتم وإن كانت كناية أسماء جماع المخاطبين، فإنما جاز أن يؤكدوا بهؤلاء وأولاء، لأنها كناية عن المخاطبين، كما قال خفاف بن ندبة: [+البحر الطويل] أقول له والرمح يأطر متنه تبين خفافا إنني أنا ذلكا يريد: أنا هذا. وكما قال جل ثناؤه: {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} [يونس: 22] . ثم اختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية نحو اختلافهم فيمن عني بقوله : {وأنتم تشهدون} [البقرة: 84] ذكر اختلاف المختلفين في ذلك حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان} [البقرة: 85] إلى أهل الشرك حتى تسفكوا دماءهم معهم، وتخرجوهم من ديارهم معهم. فقال: أنبهم الله على ذلك من فعلهم، وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فداء أسراهم؛ فكانوا فريقين طائفة منهم من بني قينقاع حلفاء الخزرج والنضير وقريظة حلفاء الأوس، فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يظاهر كل من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى يتسافكوا دماءهم بينهم وبأيديهم التوراة يعرفون منها ما عليهم وما لهم، والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان لا يعرفون جنة ولا نارا، ولا بعثا، ولا قيامة، ولا كتابا، ولا حراما، ولا حلالا؛ فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم، تصديقا لما في التوراة وأخذا به بعضهم من بعض: يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، وتفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، ويطلون ما أصابوا من الدماء وقتلوا من قتلوا منهم فيما بينهم مظاهرة لأهل الشرك عليهم. يقول الله تعالى ذكره حين أنبهم بذلك: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون 02P208 ببعض} [البقرة: 85] أي تفادونه بحكم التوراة وتقتلونه؛ وفي حكم التوراة أن لا يقتل ولا يخرج من ذلك، ولا يظاهر عليه من يشرك بالله ويعبد الأوثان من دونه ابتغاء عرض من عرض الدنيا.

Sección V02/P206–V02/P209

ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج فيما بلغني نزلت هذه القصة " وحدثني موسى بن هارون، قال : حدثني عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون} [البقرة: 84] قال: إن الله أخذ على بني إسرائيل في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضا، وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام ثمنه فأعتقوه. فكانت قريظة حلفاء الأوس، والنضير حلفاء الخزرج، فكانوا يقتتلون في حرب سمير، فتقاتل بنو قريظة مع حلفائها النضير وحلفاءها. وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها فيغلبونهم، فيخربون بيوتهم ويخرجونهم منها، فإذا أسر الرجل من الفريقين كليهما جمعوا له حتى يفدوه، فتعيرهم العرب بذلك، ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم، قالوا: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحيي أن تستذل حلفاؤنا. فذلك حين عيرهم جل وعز فقال: {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان} [البقرة: 85] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " كانت قريظة والنضير أخوين، وكانوا بهذه المثابة، وكان الكتاب بأيديهم. وكانت الأوس والخزرج أخوين فافترقا، وافترقت قريظة والنضير، فكانت النضير مع الخزرج، وكانت قريظة مع الأوس. فاقتتلوا، وكان بعضهم يقتل بعضا، فقال الله جل ثناؤه: {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم} [البقرة: 85] الآية " وقال آخرون بما حدثني به المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: «كان في بني إسرائيل إذا استضعفوا قوما أخرجوهم من ديارهم، وقد أخذ عليهم الميثاق أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم» وأما العدوان فهو الفعلان من التعدي، يقال منه: عدا فلان في كذا عدوا وعدوانا، واعتدى يعتدي اعتداء، وذلك إذا جاوز حده ظلما وبغيا وقد اختلف القراء في قراءة: {تظاهرون} [البقرة: 85] فقرأها بعضهم: {تظاهرون} [البقرة: 85] ، على مثال تفاعلون فحذف التاء الزائدة وهي التاء الآخرة. وقرأها آخرون: (تظاهرون) فشدد بتأويل {تظاهرون} [البقرة: 85] غير أنهم أدغموا التاء الثانية في الظاء لتقارب مخرجيهما فصيروهما ظاء مشددة. وهاتان القراءتان وإن اختلفت ألفاظهما فإنهما متفقتا المعنى، فسواء بأي ذلك قرأ القارئ لأنهما جميعا لغتان معروفتان وقراءتان مستفيضتان في أمصار الإسلام بمعنى واحد ليس في إحداهما معنى تستحق به اختيارها على الأخرى إلا 02P210 أن يختار مختار تظاهرون المشددة طلبا منه تتمة الكلمة 02P209

Sección V02/P209–V02/P212

[البقرة: 85] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} [البقرة: 85] يعني بقوله جل ثناؤه: {وإن يأتوكم أسارى تفادوهم} [البقرة: 85] اليهود يوبخهم بذلك، ويعرفهم به قبيح أفعالهم التي كانوا يفعلونها. فقال لهم: ثم أنتم بعد إقراركم بالميثاق الذي أخذته عليكم أن لا تسفكوا دماءكم ولا تخرجوا أنفسكم من دياركم {تقتلون أنفسكم} [البقرة: 85] يعني به يقتل بعضكم بعضا، وأنتم مع قتلكم من تقتلون منكم إذا وجدتم الأسير منكم في أيدي غيركم من أعدائكم تفدونه ويخرج بعضكم بعضا من دياره. وقتلكم إياهم وإخراجكم لهم من ديارهم حرام عليكم وتركهم أسرى في أيدي عدوكم، فكيف تستجيزون قتلهم ولا تستجيزون ترك فدائهم من عدوهم؟ أم كيف لا تستجيزون ترك فدائهم وتستجيزون قتلهم؟ وهم جميعا في اللازم لكم من الحكم فيهم سواء؛ لأن الذي حرمت عليكم من قتلهم وإخراجهم من دورهم نظير الذي حرمت عليكم من تركهم أسرى في أيدي عدوهم {أفتؤمنون ببعض الكتاب} [البقرة: 85] الذي فرضت عليكم فيه فرائضي وبينت لكم فيه حدودي وأخذت عليه بالعمل بما فيه ميثاقي فتصدقون به، فتفادون أسراكم من أيدي عدوكم؛ وتكفرون ببعضه فتجحدونه فتقتلون من حرمت عليكم قتله من أهل دينكم ومن قومكم، وتخرجونهم من ديارهم؟ وقد علمتم أن الكفر منكم ببعضه نقض منكم عهدي وميثاقي كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} [البقرة: 85] فادين، والله إن فداءهم لإيمان وإن إخراجهم لكفر، فكانوا يخرجونهم من ديارهم، وإذا رأوهم أسارى في أيدي عدوهم افتكوهم " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عن عكرمة، عن ابن عباس: " (وإن يأتوكم أسارى تفدوهم) قد علمتم أن ذلكم عليكم في دينكم {وهو محرم عليكم} [البقرة: 85] في كتابكم {إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} [البقرة: 85] أتفادونهم مؤمنين بذلك، وتخرجونهم كفرا بذلك " حدثني محمد بن عمرو، قال ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " (وإن يأتوكم أسارى تفدوهم) يقول: إن وجدته في يد غيرك فديته وأنت تقتله بيدك " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، قال: قال أبو جعفر: كان قتادة يقول في قوله: " {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} [البقرة: 85] فكان إخراجهم كفرا وفداؤهم إيمانا " حدثنا المثنى، قال: حدثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " 02P212 في قوله: {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} [البقرة: 85] الآية، قال: كان في بني إسرائيل إذا استضعفوا قوما أخرجوهم من ديارهم، وقد أخذ عليهم الميثاق أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم، وأخذ عليهم الميثاق إن أسر بعضهم أن يفادوهم. فأخرجوهم من ديارهم ثم فادوهم. فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض؛ آمنوا بالفداء ففدوا، وكفروا بالإخراج من الديار فأخرجوا " حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، قال: ثنا الربيع بن أنس، قال: أخبرني أبو العالية: " أن عبد الله بن سلام، مر على رأس الجالوت بالكوفة وهو يفادى من النساء من لم يقع عليه العرب ولا يفادى من وقع عليه العرب، فقال له عبد الله بن سلام: أما إنه مكتوب عندك في كتابك أن فادوهن كلهن " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج: " {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} [البقرة: 85] قال: كفرهم القتل والإخراج، وإيمانهم الفداء " قال ابن جريج: يقول: " إذا كانوا عندكم تقتلونهم وتخرجونهم من ديارهم. وأما إذا أسروا تفدونهم؟

Sección V02/P212–V02/P214

وبلغني أن عمر بن الخطاب قال في قصة بني إسرائيل: إن بني إسرائيل قد مضوا وإنكم أنتم تعنون بهذا الحديث " واختلف القراء في قراءة قوله: (وإن يأتوكم أسارى تفدوهم) فقرأه بعضهم: أسرى تفدوهم وبعضهم: {أسارى تفادوهم} [البقرة: 85] ، وبعضهم : (أسارى تفدوهم) وبعضهم: (أسرى تفادوهم) قال أبو جعفر: فمن قرأ ذلك: (وإن يأتوكم أسرى) فإنه أراد جمع الأسير، إذ كان على فعيل على مثال جمع أسماء ذوي العاهات التي يأتي واحدها على تقدير فعيل، إذ كان الأسر شبيه المعنى في الأذى والمكروه الداخل على الأسير ببعض معاني العاهات؛ وألحق جمع المستلحق به بجمع ما وصفنا، فقيل أسير وأسرى، كما قيل مريض ومرضى وكسير وكسرى، وجريح وجرحى. قال أبوجعفر: وأما الذين قرءوا ذلك: {أسارى} [البقرة: 85] ، فإنهم أخرجوه على مخرج جمع فعلان، إذ كان جمع فعلان الذي له فعلى قد يشارك جمع فعيل، كما قالوا سكارى وسكرى وكسالى وكسلى، فشبهوا أسيرا وجمعوه مرة أسارى وأخرى أسرى بذلك. وكان بعضهم يزعم أن معنى الأسرى مخالف معنى الأسارى، ويزعم أن معنى الأسرى استئسار القوم بغير أسر من المستأسر لهم، وأن معنى الأسارى معنى مصير القوم المأسورين في أيدي الآسرين بأسرهم وأخذهم قهرا وغلبة. قال أبو جعفر: وذلك ما لا وجه له يفهم في لغة أحد من العرب، ولكن ذلك على ما وصفت من جمع الأسير مرة على فعلى لما بينت من العلة، ومرة على فعالى لما ذكرت من تشبيههم جمعه بجمع سكران وكسلان وما أشبه ذلك. وأولى بالصواب في ذلك قراءة من قرأ: (وإن يأتوكم أسرى) لأن فعالى في جمع فعيل غير مستفيض في كلام العرب. فإذا كان ذلك غير مستفيض في كلامهم، وكان مستفيضا فاشيا فيهم جمع ما كان من الصفات التي بمعنى الآلام والزمانة واحدة على تقدير فعيل على فعلى كالذي وصفنا قبل، وكان أحد ذلك الأسير؛ كان الواجب أن يلحق بنظائره وأشكاله فيجمع جمعها دون غيرها ممن خالفها. وأما من قرأ: {تفادوهم} [البقرة: 85] فإنه أراد أنكم تفدونهم من أسرهم، ويفدى منكم، الذين أسروهم ففادوكم بهم، أسراكم منهم. وأما من قرأ ذلك: (تفدوهم) فإنه أراد أنكم يا معشر اليهود إن أتاكم الذين أخرجتموهم منكم من ديارهم أسرى فديتموهم فاستنقذتموهم. وهذه القراءة أعجب إلي من الأولى، أعني: (أسرى تفدوهم) لأن الذي على اليهود في دينهم فداء أسراهم بكل حال فدى الآسرون أسراهم منهم أم لم يفدوهم وأما قوله: {وهو محرم عليكم إخراجهم} [البقرة: 85] فإن في قوله: {وهو} [البقرة: 29] وجهين من التأويل؛ أحدهما: أن يكون كناية عن الإخراج الذي تقدم ذكره، كأنه قال: وتخرجون فريقا منكم من ديارهم، وإخراجهم محرم عليكم. ثم كرر الإخراج الذي بعد وهو محرم عليكم تكريرا على هو، لما حال بين الإخراج وهو كلام. والتأويل الثاني: أن يكون عمادا لما كانت الواو التي مع هو تقتضي اسما يليها دون الفعل، فلما قدم الفعل قبل الاسم الذي تقتضيه الواو أن يليها أوليت هو لأنه اسم، كما تقول: أتيتك وهو قائم أبوك، بمعنى: وأبوك قائم، إذ كانت الواو تقتضي اسما فعمدت بهو، إذ سبق الفعل الاسم ليصلح الكلام؛ كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] فأبلغ أبا يحيى إذا ما لقيته على العيس في آباطها عرق يبس بأن السلامي الذي بضرية أمير الحمى قد باع حقي بني عبس بثوب ودينار وشاة ودرهم فهل هو مرفوع بما ههنا رأس فأوليت هل لطلبها الاسم العماد 02P215

Preguntas