Taberî — Câmiü'l-Beyân
[الحج: 19_20_21_22] القول في تأويل قوله تعالى: {هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق} [الحج: 19_20_21_22] اختلف أهل التأويل في المعني بهذين الخصمين اللذين ذكرهما الله، فقال بعضهم: أحد الفريقين: أهل الإيمان، والفريق الآخر: عبدة الأوثان من مشركي قريش، الذين تبارزوا يوم بدر ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عبادة، قال: سمعت أبا ذر، يقسم قسما " أن هذه الآية: {هذان خصمان اختصموا} [الحج: 19] في ربهم نزلت في الذين بارزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة. 16P490 قال: وقال علي: إني لأول أو من أول من يجثو للخصومة يوم القيامة بين يدي الله تبارك وتعالى " حدثنا علي بن سهل قال: ثنا مؤمل قال: ثنا سفيان عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر " يقسم بالله قسما لنزلت هذه الآية في ستة من قريش: حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة {هذان خصمان اختصموا في ربهم} [الحج: 19] . إلى آخر الآية: {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [الحج: 23] . إلى آخر الآية حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر يقسم، ثم ذكر نحوه حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن محبب، قال: ثنا سفيان، عن منصور بن المعتمر، عن هلال بن يساف، قال: " نزلت هذه الآية في الذين تبارزوا يوم بدر: {هذان خصمان اختصموا في ربهم} [الحج: 19] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن بعض، أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: " نزلت هؤلاء الآيات: {هذان خصمان 16P491 اختصموا في ربهم} [الحج: 19] في الذين تبارزوا يوم بدر: حمزة، وعلي ، وعبيدة بن الحارث، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة. إلى قوله: {وهدوا إلى صراط الحميد} [الحج: 24] " قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، قال: والله، " لأنزلت هذه الآية: {هذان خصمان اختصموا في ربهم} [الحج: 19] في الذين خرج بعضهم إلى بعض يوم بدر حمزة، وعلي، وعبيدة رحمة الله عليهم، وشيبة، وعتبة، والوليد بن عتبة " وقال آخرون ممن قال: أحد الفريقين فريق الإيمان: بل الفريق الآخر أهل الكتاب ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {هذان خصمان اختصموا في ربهم} [الحج: 19] قال: " هم أهل الكتاب، قالوا للمؤمنين: نحن أولى بالله، وأقدم منكم كتابا، ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله، آمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وآمنا بنبيكم، وبما أنزل الله من كتاب، فأنتم تعرفون كتابنا ونبينا، ثم تركتموه وكفرتم به حسدا.
وكان ذلك خصومتهم في ربهم " 16P492 وقال آخرون منهم: بل الفريق الآخر الكفار كلهم من أي ملة كانوا ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن مجاهد، وعطاء بن أبي رياح، وأبي قزعة، عن الحسين، قال: «هم الكافرون والمؤمنون اختصموا في ربهم» قال ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: «مثل الكافر والمؤمن - قال ابن جريج - خصومتهم التي اختصموا في ربهم، خصومتهم في الدنيا من أهل كل دين، يرون أنهم أولى بالله من غيرهم» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: كان عاصم والكلبي يقولان جميعا في: {هذان خصمان اختصموا في ربهم} [الحج: 19] قال: " أهل الشرك والإسلام حين اختصموا أيهم أفضل، قال: جعل الشرك ملة " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {هذان خصمان اختصموا في ربهم} [الحج: 19] قال: «مثل المؤمن والكافر اختصامهما في البعث» وقال آخرون: الخصمان اللذان ذكرهما الله في هذه الآية: الجنة والنار ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرمة: {هذان خصمان اختصموا في ربهم} [الحج: 19] قال: " هما الجنة والنار اختصمتا، فقالت النار: خلقني الله لعقوبته وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته فقد قص الله عليك من خبرهما ما تسمع " وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، وأشبهها بتأويل الآية قول من قال: عني بالخصمين جميع الكفار من أي أصناف الكفر كانوا، وجميع المؤمنين. وإنما قلت ذلك أولى بالصواب، لأنه تعالى ذكره ذكر قبل ذلك صنفين من خلقه: أحدهما أهل طاعة له بالسجود له، والآخر: أهل معصية له قد حق عليه العذاب، فقال: {ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر} ثم قال: {وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب} [الحج: 18] ثم أتبع ذلك صفة الصنفين كليهما وما هو فاعل بهما، فقال: {فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار} [الحج: 19] وقال الله: {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار} [الحج: 14] فكان بينا بذلك أن ما بين ذلك خبر عنهما فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما روي عن أبي ذر في قوله: إن ذلك نزل في الذين بارزوا يوم بدر؟ قيل: ذلك إن شاء الله كما روي عنه، ولكن الآية قد تنزل بسبب من الأسباب، ثم تكون عامة في كل ما كان نظير ذلك السبب . وهذه من تلك، وذلك أن الذين تبارزوا إنما كان أحد الفريقين أهل شرك وكفر بالله، والآخر أهل إيمان بالله وطاعة له، فكل كافر في حكم فريق الشرك منهما في أنه لأهل الإيمان خصم، وكذلك كل مؤمن في حكم فريق الإيمان منهما في أنه لأهل الشرك خصم.
فتأويل الكلام: هذان خصمان اختصموا في دين ربهم، واختصامهم في ذلك معاداة كل فريق منهما الفريق الآخر، ومحاربته إياه على دينه وقوله: {فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار} [الحج: 19] يقول تعالى ذكره: فأما الكافر بالله منهما فإنه يقطع له قميص من نحاس من نار كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار} [الحج: 19] قال: «الكافر قطعت له ثياب من نار، والمؤمن يدخله الله جنات تجري من تحتها الأنهار» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، في قوله: {فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار} [الحج: 19] قال: «ثياب من نحاس، وليس شيء من الآنية أحمي وأشد حرا منه» حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: «الكفار قطعت لهم ثياب من نار، والمؤمن يدخل جنات تجري من تحتها الأنهار» وقوله: {يصب من فوق رءوسهم الحميم} يقول: يصب على رءوسهم ماء مغلى: احدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، قال: ثنا ابن المبارك، عن سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الحميم ليصب على رءوسهم، فينفذ الجمجمة، حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يبلغ قدميه، وهي الصهر، ثم يعاد كما كان» حدثني محمد بن المثنى قال: ثنا يعمر بن بشر قال: ثنا ابن المبارك قال: أخبرنا سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله، إلا أنه قال: «فينفذ الجمجمة ، حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه» وكان بعضهم يزعم أن قوله: {ولهم مقامع من حديد} [الحج: 21] من المؤخر الذي معناه التقديم، ويقول: وجه الكلام: فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار. ولهم مقامع من حديد، يصب من فوق رءوسهم الحميم، ويقول: إنما وجب أن يكون ذلك كذلك، لأن الملك يضربه بالمقمع من الحديد حتى يثقب رأسه، ثم يصب فيه الحميم الذي انتهى حره فيقطع بطنه. والخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرنا، يدل على خلاف ما قال هذا القائل، 16P496 وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أن الحميم إذا صب على رءوسهم نفذ الجمجمة حتى يخلص إلى أجوافهم، وبذلك جاء تأويل أهل التأويل، ولو كانت المقامع قد تثقب رءوسهم قبل صب الحميم عليها، لم يكن لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الحميم ينفذ الجمجمة» معنى، ولكن الأمر في ذلك بخلاف ما قال هذا القائل وقوله: {يصهر به ما في بطونهم والجلود} [الحج: 20] يقول: يذاب بالحميم الذي يصب من فوق رءوسهم ما في بطونهم من الشحوم، وتشوى جلودهم منه فتتساقط.
والصهر: هو الإذابة، يقال منه: صهرت الألية بالنار: إذا أذبتها، أصهرها صهرا، ومنه قول الشاعر: [+البحر الرجز] تروي لقي ألقي في صفصف تصهره الشمس ولا ينصهر ومنه قول الراجز: [+البحر الرجز] شك السفافيد الشواء المصطهر وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {يصهر به} [الحج: 20] قال: «يذاب إذابة» 16P497 حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله قال ابن جريج {يصهر به} [الحج: 20] قال: ما قطع لهم من العذاب حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: {يصهر به ما في بطونهم} [الحج : 20] قال: «يذاب به ما في بطونهم» حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار} [الحج: 19] . إلى قوله: {يصهر به ما في بطونهم والجلود} [الحج: 20] يقول: «يسقون ما إذا دخل بطونهم أذابها والجلود مع البطون» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، وهارون بن عنترة، عن سعيد بن جبير، قال: قال هارون: «إذا عام أهل النار»، وقال جعفر: " إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم، فيأكلون منها، فاختلست جلود وجوههم، فلو أن مارا مر بهم يعرفهم، يعرف جلود وجوههم فيها، ثم يصب عليهم العطش، فيستغيثوا، فيغاثوا بماء كالمهل، وهو الذي قد انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم انشوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود، و {يصهر به ما في 16P498 بطونهم} [الحج: 20] يعني أمعاءهم، وتساقط جلودهم، ثم يضربون بمقامع من حديد، فيسقط كل عضو على حاله، يدعون بالويل والثبور " وقوله: {ولهم مقامع من حديد} [الحج: 21] تضرب رءوسهم بها الخزنة إذا أرادوا الخروج من النار حتى ترجعهم إليها. وقوله: {كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها} [الحج: 22] يقول: كلما أراد هؤلاء الكفار الذين وصف الله صفتهم الخروج من النار مما نالهم من الغم والكرب، ردوا إليها كما حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا جعفر بن عون، قال: أخبرنا الأعمش، عن أبي ظبيان، قال: " النار سوداء مظلمة، لا يضيء لهبها ولا جمرها، ثم قرأ: {كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها} [الحج: 22] وقد ذكر أنهم يحاولون الخروج من النار حين تجيش جهنم فتلقي من فيها إلى أعلى أبوابها، فيريدون الخروج، فتعيدهم الخزان فيها بالمقامع، ويقولون لهم إذا ضربوهم بالمقامع: {ذوقوا عذاب الحريق} [الحج: 22] " وعني بقوله: {وذوقوا عذاب الحريق} [الحج: 22] ويقال لهم: ذوقوا عذاب النار، وقيل: عذاب الحريق ، والمعنى: المحرق، كما قيل: العذاب الأليم، بمعنى: المؤلم 16P498
[الحج: 23_24] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد} [الحج: 23_24] يقول تعالى ذكره: وأما الذين آمنوا بالله ورسوله فأطاعوهما بما أمرهم الله به من صالح الأعمال، فإن الله يدخلهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، فيحليهم فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا. واختلفت القراء في قراءة قوله: {ولؤلؤا} [الحج: 23] فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض أهل الكوفة نصبا مع التي في الملائكة، بمعنى: يحلون فيها أساور من ذهب ولؤلؤا، عطفا باللؤلؤ على موضع الأساور، لأن الأساور وإن كانت مخفوضة من أجل دخول (من) فيها، فإنها بمعنى النصب، قالوا: وهي تعد في خط المصحف بالألف، فذلك دليل على صحة القراءة بالنصب فيه. وقرأت ذلك عامة قراء العراق والمصرين: (ولؤلؤ) خفضا، عطفا على إعراب الأساور الظاهر واختلف الذين قرءوا ذلك كذلك في وجه إثبات الألف فيه، فكان أبو عمرو بن العلاء فيما ذكر لي عنه يقول: أثبتت فيه كما أثبتت في (قالوا)، و (كالوا) . وكان الكسائي يقول: أثبتوها فيه للهمزة، لأن الهمزة حرف من الحروف. والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء، متفقتا المعنى، صحيحتا المخرج في العربية، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب وقوله: {ولباسهم فيها حرير} [الحج: 23] يقول: ولبوسهم التي تلي أبشارهم فيها ثياب حرير قوله: {وهدوا إلى الطيب من القول} [الحج: 24] يقول تعالى ذكره: وهداهم ربهم في الدنيا إلى شهادة أن لا إله إلا الله كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب،، قال ابن زيد في قوله: {وهدوا إلى الطيب من القول} [الحج: 24] قال: " هدوا إلى الكلام الطيب: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، قال الله: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10] " حدثنا علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: {وهدوا إلى الطيب من القول} [الحج : 24] قال: «ألهموا» وقوله: {وهدوا إلى صراط الحميد} [الحج: 24] يقول جل ثناؤه: وهداهم ربهم في الدنيا إلى طريق الرب الحميد، وطريقه: دينه دين الإسلام الذي شرعه لخلقه، وأمرهم أن يسلكوه. والحميد: فعيل، صرف من مفعول إليه، ومعناه: أنه محمود عند أوليائه من خلقه، ثم صرف من محمود إلى حميد 16P500
[الحج: 25] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} [الحج: 25] يقول تعالى ذكره: إن الذين جحدوا توحيد الله، وكذبوا رسله، وأنكروا ما جاءهم به من عند ربهم {ويصدون عن سبيل الله} [الأنفال: 47] يقول: ويمنعون الناس عن دين الله أن يدخلوا فيه، وعن المسجد الحرام الذي جعله الله للناس الذين آمنوا به كافة، لم يخصص منها بعضا دون بعض {سواء العاكف فيه والباد} [الحج: 25] يقول: معتدل في الواجب عليه من تعظيم حرمة المسجد الحرام، وقضاء نسكه به، والنزول فيه حيث شاء العاكف فيه، وهو المقيم به، والباد: وهو المنتاب إليه من غيره. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: سواء العاكف فيه وهو المقيم فيه والباد، في أنه ليس أحدهما بأحق بالمنزل فيه من الآخر ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن يزيد بن أبي زياد، عن ابن سابط، قال: " كان الحجاج إذا قدموا مكة لم يكن أحد من أهل مكة بأحق بمنزله منهم، وكان الرجل إذا وجد سعة نزل. ففشا فيهم السرقة، وكل إنسان يسرق من ناحيته، فاصطنع رجل بابا، فأرسل إليه عمر: أتخذت بابا من حجاج بيت الله؟ فقال: لا، إنما جعلته ليحرز متاعهم. وهو قوله: {سواء العاكف فيه والباد} [الحج: 25] قال: الباد فيه كالمقيم، ليس أحد أحق بمنزله من أحد ، إلا أن يكون أحد سبق إلى منزل حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، قال: " قلت لسعيد بن جبير: أعتكف بمكة؟ قال: أنت عاكف . وقرأ: {سواء العاكف فيه والباد} [الحج: 25] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عمن ذكره، عن أبي صالح: {سواء العاكف فيه والباد} [الحج: 25] " العاكف: أهله، والباد: المنتاب في المنزل سواء " حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {سواء العاكف فيه والباد} [الحج: 25] يقول: «ينزل أهل مكة وغيرهم في المسجد الحرام» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {سواء العاكف فيه والباد} [الحج: 25] قال: " العاكف فيه: المقيم بمكة، والباد: الذي يأتيه، هم فيه سواء في البيوت " حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: {سواء العاكف فيه والباد} [الحج: 25] «سواء فيه أهله، وغير أهله» حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله حدثنا ابن حميد، قال ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: {سواء 16P503 العاكف فيه والباد} [الحج: 25] قال: «أهل مكة وغيرهم في المنازل سواء» وقال آخرون في ذلك نحو الذي قلنا فيه ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {سواء العاكف فيه} [الحج: 25] قال: " الساكن، {والباد} [الحج: 25] الجانب، سواء حق الله عليهما فيه " حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج عن مجاهد في قوله: {سواء العاكف فيه} [الحج: 25] قال: " الساكن {والباد} [الحج: 25] الجانب " قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن مجاهد، وعطاء: {سواء العاكف فيه} [الحج: 25] قالا: " من أهله، {والباد} [الحج: 25] الذي يأتونه من غير أهله، هما في حرمته سواء " وإنما اخترنا القول الذي اخترنا في ذلك، لأن الله تعالى ذكره ذكر في أول الآية صد من كفر به من أراد من المؤمنين قضاء نسكه في الحرم عن المسجد الحرام، فقال: {إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام} [الحج: 25] ثم ذكر جل ثناؤه صفة المسجد الحرام، فقال: {الذي جعلناه للناس} [الحج: 25] فأخبر جل ثناؤه أنه جعله للناس كلهم، فالكافرون به يمنعون من أراده من المؤمنين به عنه.
ثم قال : {سواء العاكف فيه والباد} [الحج: 25] فكان معلوما أن خبره عن استواء العاكف فيه والباد، إنما هو في المعنى الذي ابتدأ الله الخبر عن الكفار أنهم صدوا عنه المؤمنين به، وذلك لا شك طوافهم وقضاء مناسكهم به ، والمقام، لا الخبر عن ملكهم إياه، وغير ملكهم. وقيل: {إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله} [الحج: 25] فعطف ب (يصدون)، وهو مستقبل، على (كفروا) وهو ماض، لأن الصد بمعنى الصفة لهم والدوام. وإذا كان ذلك معنى الكلام، لم يكن إلا بلفظ الاسم أو الاستقبال، ولا يكون بلفظ الماضي. وإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام: إن الذين كفروا من صفتهم الصد عن سبيل الله، وذلك نظير قول الله: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله} [الرعد: 28] . وأما قوله: {سواء العاكف فيه} [الحج: 25] فإن قراء الأمصار على رفع (سواء) ب (العاكف) ، و (العاكف) به، وإعمال (جعلناه) في الهاء المتصلة به، واللام التي في قوله (للناس) ، ثم استأنف الكلام ب (سواء) وكذلك تفعل العرب ب (سواء) إذا جاءت بعد حرف قد تم الكلام به، فتقول: مررت برجل سواء عنده الخير والشر، وقد يجوز في ذلك الخفض. وإنما يختار الرفع في ذلك، لأن (سواء) في مذهب واحد عندهم، فكأنهم قالوا: مررت برجل واحد عنده الخير والشر. وأما من خفضه فإنه يوجهه إلى: معتدل عنده الخير والشر، ومن قال ذلك في سواء، فاستأنف به، ورفع لم يقله في (معتدل) ، لأن (معتدل) فعل مصرح، و (سواء) مصدر، فإخراجهم إياه إلى الفعل كإخراجهم (حسب) في قولهم: مررت برجل حسبك من رجل، إلى الفعل. وقد ذكر عن بعض القراء أنه قرأه: {سواء} [البقرة: 6] نصبا على إعمال (جعلناه) فيه، وذلك وإن كان له وجه في العربية فقراءة لا أستجيز القراءة بها، لإجماع الحجة من القراء على خلافه وقوله: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} [الحج: 25] يقول تعالى ذكره: ومن يرد فيه إلحادا بظلم نذقه من عذاب أليم، وهو أن يميل في البيت الحرام بظلم. وأدخلت الباء في قوله {بإلحاد} [الحج: 25] والمعنى فيه ما قلت، كما أدخلت في قوله: {تنبت بالدهن} [المؤمنون: 20]، والمعنى: تنبت الدهن، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] بواد يمان ينبت الشث صدره وأسفله بالمرخ والشبهان والمعنى: وأسفله ينبت المرخ والشبهان، وكما قال أعشى بني ثعلبة: [+البحر الكامل] ضمنت برزق عيالنا أرماحنا بين المراجل والصريج الأجرد بمعنى: ضمنت رزق عيالنا أرماحنا في قول بعض نحويي البصريين. وأما بعض نحويي الكوفيين فإنه كان يقول: أدخلت الباء فيه، لأن تأويله: ومن يرد بأن يلحد فيه بظلم. وكان يقول: دخول الباء في (أن) أسهل منه في (إلحاد) وما أشبهه، لأن (أن) تضمر الخوافض معها كثيرا، وتكون كالشرط، فاحتملت دخول الخافض وخروجه، لأن الإعراب لا يتبين فيها، وقال في المصادر: يتبين الرفع والخفض فيها، قال: وأنشدني أبو الجراح: [+البحر الطويل] فلما رجت بالشرب هز لها العصا شحيح له عند الأداء نهيم وقال امرؤ القيس: [+البحر الطويل] ألا هل أتاها والحوادث جمة بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا ؟ قال: فأدخل الباء على (أن) وهي في موضع رفع كما أدخلها على (إلحاد) وهو في موضع نصب. قال: وقد أدخلوا الباء على (ما) إذا أرادوا بها المصدر، كما قال الشاعر: [+البحر الوافر] ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبون بني زياد وقال: وهو في (ما) أقل منه في (أن) ، لأن (أن) أقل شبها بالأسماء من (ما) . قال: وسمعت أعرابيا من ربيعة، وسألته عن شيء، فقال: أرجو بذاك، يريد: أرجو ذاك.
واختلف أهل التأويل في معنى الظلم الذي من أراد الإلحاد به في المسجد الحرام أذاقه الله من العذاب الأليم، فقال بعضهم: ذلك هو الشرك بالله، وعبادة غيره به، أي بالبيت ذكر من قال ذلك حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، 16P507 قوله: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم} [الحج: 25] يقول: «بشرك » حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، في قوله: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم} [الحج: 25] " هو أن يعبد فيه غير الله حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم} [الحج: 25] قال: " هو الشرك، من أشرك في بيت الله عذبه الله حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله. وقال آخرون: هو استحلال الحرام فيه أو ركوبه ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} [الحج: 25] يعني «أن تستحل من الحرام ما حرم الله عليك من لسان أو قتل، فتظلم من لا يظلمك، وتقتل من لا يقتلك، فإذا فعل ذلك فقد وجب له عذاب أليم» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني 16P508 الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم} [الحج: 25] قال: «يعمل فيه عملا سيئا» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله حدثنا أبو كريب، ونصر بن عبد الرحمن الأودي، قالا: ثنا المحاربي، عن سفيان، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله، قال: «ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، ولو أن رجلا بعد أن أبين هم أن يقتل رجلا بهذا البيت، لأذاقه الله من العذاب الأليم» حدثنا مجاهد بن موسى قال: ثنا يزيد قال: ثنا شعبة، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله، قال مجاهد: قال يزيد: قال لنا شعبة رفعه، وأنا لا أرفعه لك في قول الله: {ومن يرد فيه بإلحاد} [الحج: 25] بظلم نذقه من عذاب أليم قال: «لو أن رجلا هم فيه بسيئة وهو بعدن أبين، لأذاقه الله عذابا أليما» حدثنا الفضل بن الصباح، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن أبيه، عن الضحاك بن مزاحم، في قوله: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم} [الحج: 25] قال: «إن الرجل ليهم 16P509 بالخطيئة بمكة وهو في بلد آخر ولم يعملها، فتكتب عليه» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} [الحج: 25] قال: " الإلحاد: الظلم في الحرم " وقال آخرون: بل معنى ذلك الظلم: استحلال الحرم متعمدا ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: {بإلحاد بظلم} [الحج: 25] قال: " الذي يريد استحلاله متعمدا، ويقال: الشرك " وقال آخرون: بل ذلك احتكار الطعام بمكة ذكر من قال ذلك حدثني هارون بن إدريس الأصم، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن أشعث، عن حبيب بن أبي ثابت، في قوله: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} [الحج: 25] قال: «هم المحتكرون الطعام بمكة» وقال آخرون: بل ذلك كل ما كان منهيا عنه من الفعل، حتى قول القائل: لا والله، وبلى والله ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال: " كان له فسطاطان: أحدهما في الحل، والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل، فسئل عن ذلك، فقال: كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل: كلا والله، وبلى والله " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن أبي ربعي، عن الأعمش، قال: كان عبد الله بن عمرو يقول: " لا والله، وبلى والله من الإلحاد فيه قال أبو جعفر: وأولى الأقوال التي ذكرناها في تأويل ذلك بالصواب القول الذي ذكرناه عن ابن مسعود، وابن عباس، من أنه معني بالظلم في هذا الموضع كل معصية لله، وذلك أن الله عم بقوله: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم} [الحج: 25] ولم يخصص به ظلم دون ظلم في خبر ولا عقل، فهو على عمومه.
فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: ومن يرد في المسجد الحرام بأن يميل بظلم، فيعصي الله فيه، نذقه يوم القيامة من عذاب موجع له. وقد ذكر عن بعض القراء أنه كان يقرأ ذلك: «ومن يرد فيه» بفتح الياء بمعنى: ومن يرده بإلحاد، من: وردت المكان أرده. وذلك قراءة لا تجوز القراءة عندي بها لخلافها ما عليه الحجة من القراء مجمعة، مع بعدها من فصيح كلام العرب. وذلك أن (يرد) فعل واقع، يقال منه: هو يرد مكان كذا، أو بلدة كذا غدا، ولا يقال: يرد في مكان كذا. وقد زعم بعض أهل المعرفة بكلام العرب أن طيئا تقول: رغبت فيك، تريد: رغبت بك، وذكر أن بعضهم أنشده بيتا: [+البحر الطويل] وأرغب فيها عن لقيط ورهطه ولكنني عن سنبس لست أرغب بمعنى: وأرغب بها. فإن كان ذلك صحيحا كما ذكرنا، فإنه يجوز في الكلام، فأما القراءة به فغير جائزة لما وصفت 16P511
[الحج: 26] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود} [الحج: 26] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، معلمه عظيم ما ركب من قومه قريش خاصة دون غيرهم من سائر خلقه بعبادتهم في حرمه، والبيت الذي أمر إبراهيم خليله صلى الله عليه وسلم ببنائه وتطهيره من الآفات والريب والشرك: واذكر يا محمد، كيف ابتدأنا هذا البيت الذي يعبد قومك فيه غيري، إذ بوأنا لخليلنا إبراهيم، يعني بقوله: {بوأنا} [يونس: 93] : وطأنا له مكان البيت كما حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله: {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت} [الحج: 26] قال: وضع الله البيت مع آدم صلى الله عليه وسلم حين أهبط آدم إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند، وكان رأسه في 16P512 السماء، ورجلاه في الأرض، فكانت الملائكة تهابه، فنقص إلى ستين ذراعا. وإن آدم لما فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم، شكا ذلك إلى الله، فقال الله: يا آدم ، إني قد أهبطت لك بيتا يطاف به كما يطاف حول عرشي، ويصلى عنده كما يصلى حول عرشي، فانطلق إليه فخرج إليه، ومد له في خطوه، فكان بين كل خطوتين مفازة، فلم تزل تلك المفاوز على ذلك حتى أتى آدم البيت، فطاف به، ومن بعده من الأنبياء حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: لما عهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين، انطلق إبراهيم حتى أتى مكة، فقام هو وإسماعيل، وأخذا المعاول، لا يدريان أين البيت، فبعث الله ريحا يقال لها ريح الخجوج، لها جناحان، ورأس في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران، حتى وضعا الأساس ، فذلك حين يقول: {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت} [الحج: 26] ويعني بالبيت: الكعبة، {أن لا تشرك بي شيئا} [الحج: 26] في عبادتك إياي. {وطهر بيتي} [الحج: 26] الذي بنيته من عبادة الأوثان كما حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: {وطهر بيتي} [الحج: 26] قال: «من الشرك» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، قال: «من الآفات والريب» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: {طهرا بيتي} [البقرة: 125] قال: «من الشرك وعبادة الأوثان» وقوله: {للطائفين} [البقرة: 125] يعني للطائفين به. {والقائمين} [الحج: 26] بمعنى المصلين الذين هم قيام في صلاتهم كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عطاء، في قوله: {وطهر بيتي للطائفين والقائمين} [الحج: 26] قال: «القائمون في الصلاة» حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {والقائمين} [الحج: 26] قال: «القائمون المصلون» حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {والقائمين والركع السجود} [الحج: 26] قال: «القائم والراكع والساجد هو المصلي، والطائف هو الذي يطوف به» وقوله : {والركع السجود} [البقرة: 125] يقول: والركع السجود في صلاتهم حول البيت 16P513
[الحج: 27_28_29] القول في تأويل قوله تعالى: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 27_28_29] يقول تعالى ذكره: عهدنا إليه أيضا أن أذن في الناس بالحج، يعني بقوله: {وأذن} [الحج: 27] أعلم وناد في الناس أن حجوا أيها الناس بيت الله الحرام {يأتوك رجالا} [الحج: 27] يقول فإن الناس يأتون البيت الذي تأمرهم بحجه مشاة على أرجلهم {وعلى كل ضامر} [الحج: 27] يقول وركبانا على كل ضامر وهي الإبل المهازيل {يأتين من كل فج عميق} [الحج: 27] يقول تأتي هذه الضوامر من كل فج عميق يقول: من كل طريق ومكان ومسلك بعيد وقيل يأتين فجمع لأنه أريد بكل ضامر النوق ومعنى الكل الجمع فلذلك قيل يأتين وقد زعم الفراء أنه قليل في كلام العرب مررت على كل رجل قائمين قال: وهو صواب وقول الله: {وعلى كل ضامر يأتين} [الحج: 27] ينبئ عن صحة جوازه. وذكر أن إبراهيم صلوات الله عليه لما أمره الله بالتأذين بالحج، قام على مقامه فنادى: يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج، فحجوا بيته العتيق. وقد اختلف في صفة تأذين إبراهيم بذلك فقال بعضهم: نادى بذلك كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: " لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له: {أذن في الناس بالحج} [الحج: 27] قال: رب وما يبلغ 16P515 صوتي؟ قال: أذن، وعلي البلاغ، فنادى إبراهيم: أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فحجوا قال: فسمعه ما بين السماء والأرض، أفلا ترى الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون؟ " حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا محمد بن فضيل بن غزوان الضبي، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " لما بنى إبراهيم البيت أوحى الله إليه، أن أذن في الناس بالحج قال: فقال إبراهيم: ألا إن ربكم قد اتخذ بيتا، وأمركم أن تحجوه، فاستجاب له ما سمعه من شيء من حجر، وشجر، وأكمة ، أو تراب، أو شيء: لبيك اللهم لبيك " حدثنا ابن حميد قال: ثنا يحيى بن واضح قال: ثنا ابن واقد، عن أبي الزبير، عن مجاهد، عن ابن عباس: قوله: {وأذن في الناس بالحج} [الحج: 27] قال: " قام إبراهيم خليل الله على الحجر، فنادى: يا أيها الناس ،.
كتب عليكم الحج، فأسمع من في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، فأجابه من آمن ممن سبق في علم الله أن يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك " حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا} [الحج: 27] قال: «وقرت في قلب كل ذكر وأنثى» حدثني ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، قال: " لما فرغ إبراهيم من بناء البيت، أوحى الله إليه: أن أذن في الناس بالحج قال: فخرج فنادى في الناس: يا أيها الناس، إن ربكم قد اتخذ بيتا فحجوه فلم يسمعه يومئذ من إنس، ولا جن، ولا شجر، ولا أكمة، ولا تراب، ولا جبل، ولا ماء، ولا شيء إلا قال: لبيك اللهم لبيك " قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: «قام إبراهيم على المقام حين أمر أن يؤذن في الناس بالحج» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله: {وأذن في الناس بالحج} [الحج: 27] قال: " قام إبراهيم على مقامه، فقال: يا أيها الناس أجيبوا ربكم فقالوا: لبيك اللهم لبيك فمن حج اليوم فهو ممن أجاب إبراهيم يومئذ " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة بن خالد المخزومي، قال: " لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت، قام على المقام، فنادى نداء سمعه أهل الأرض: إن ربكم قد بنى لكم بيتا فحجوه قال داود: فأرجو من حج اليوم من إجابة إبراهيم عليه السلام " حدثني محمد بن سنان القزاز، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن أبي عاصم الغنوي، عن أبي الطفيل، قال: قال ابن عباس: " هل تدري كيف 16P517 كانت التلبية؟ قلت: وكيف كانت التلبية؟ قال: إن إبراهيم لما أمر أن يؤذن في الناس بالحج، خفضت له الجبال رءوسها، ورفعت القرى، فأذن في الناس " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، " قوله: {وأذن في الناس بالحج} [الحج: 27] قال إبراهيم: كيف أقول يا رب؟ قال: قل: يا أيها الناس استجيبوا لربكم قال: وقرت في قلب كل مؤمن " وقال آخرون في ذلك ما حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن سلمة، عن مجاهد، قال: " قيل لإبراهيم: أذن في الناس بالحج قال: يا رب كيف أقول؟
قال: قل: لبيك اللهم لبيك قال: فكانت أول التلبية " وكان ابن عباس يقول: عني بالناس في هذا الموضع: أهل القبلة ذكر الرواية بذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وأذن في الناس بالحج} [الحج: 27] " يعني بالناس: أهل القبلة، ألم تسمع أنه قال: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا} [آل عمران: 96] إلى قوله: {ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: 97] : يقول: ومن دخله من الناس الذين أمر أن يؤذن فيهم، وكتب عليهم الحج، فإنه آمن، فعظموا حرمات الله تعالى، 16P518 فإنها من تقوى القلوب " يقول: فإن الناس يأتون البيت الذي تأمرهم بحجه مشاة على أرجلهم وأما قوله: {يأتوك رجالا وعلى كل ضامر} [الحج: 27] فإن أهل التأويل قالوا فيه نحو قولنا ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: {يأتوك رجالا} [الحج: 27] قال: «مشاة» قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو معاوية، عن الحجاج بن أرطأة، قال: قال ابن عباس: " ما آسى على شيء فاتني إلا أن لا أكون حججت ماشيا، سمعت الله يقول: {يأتوك رجالا} [الحج: 27] " قال: ثنا الحسين، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: «حج إبراهيم وإسماعيل ماشيين» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن ابن عباس: {يأتوك رجالا} [الحج: 27] قال: «على أرجلهم» يقول: «وركبانا على كل ضامر، وهي الإبل المهازيل» حدثني محمد بن سعد، قال ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن 16P519 أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وعلى كل ضامر} [الحج: 27] قال: «الإبل» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس {وعلى كل ضامر} [الحج: 27] قال: «الإبل» حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال: ثنا المحاربي، عن عمر بن ذر، قال: قال مجاهد: " كانوا لا يركبون، فأنزل الله: {يأتوك رجالا وعلى كل ضامر} [الحج: 27] قال: فأمرهم بالزاد، ورخص لهم في الركوب والمتجر " وقوله: {من كل فج عميق} [الحج: 27] حدثني محمد بن سعد، قال ثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {من كل فج عميق} [الحج: 27] يعني: «من مكان بعيد» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: {من كل فج عميق} [الحج: 27] قال: «بعيد» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: {فج عميق} [الحج: 27] قال: «مكان بعيد» حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة مثله وقوله: {ليشهدوا منافع لهم} [الحج: 28] اختلف أهل التأويل في معنى المنافع التي ذكرها الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: هي التجارة ومنافع الدنيا ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عمرو، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس: {ليشهدوا منافع لهم} [الحج: 28] قال: «هي الأسواق» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر بن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: «تجارة» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي رزين، في قوله: {ليشهدوا منافع لهم} [الحج: 28] قال: «أسواقهم» قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن واقد، عن سعيد بن جبير: {ليشهدوا منافع لهم} [الحج: 28] قال: «التجارة» حدثنا عبد الحميد بن بيان قال: أخبرنا إسحاق، عن سفيان، عن واقد، عن سعيد بن جبير، مثله حدثنا أبو كريب قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن واقد، عن سعيد مثله حدثني الحارث قال: ثنا الحسين قال: ثنا سنان، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي رزين: {ليشهدوا منافع لهم} [الحج: 28] قال: «الأسواق» وقال آخرون: هي الأجر في الآخرة، والتجارة في الدنيا ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، وسوار بن عبد الله، قالا: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ليشهدوا منافع لهم} [الحج: 28] قال: «التجارة، وما يرضي الله من أمر الدنيا والآخرة» حدثنا عبد الحميد بن بيان قال: ثنا إسحاق، عن سفيان عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا أبو كريب قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا عبد الحميد بن بيان قال: ثنا سفيان قال: أخبرنا إسحاق، عن أبي بشر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {ليشهدوا منافع لهم} [الحج: 28] قال: «الأجر في الآخرة، والتجارة في الدنيا» حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله وقال آخرون: بل هي العفو والمغفرة ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن جابر، عن أبي جعفر 16P522 : {ليشهدوا منافع لهم} [الحج: 28] قال: " العفو حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، قال: قال محمد بن علي: «مغفرة» وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: عنى بذلك : ليشهدوا منافع لهم من العمل الذي يرضي الله والتجارة؛ وذلك أن الله عم لهم منافع جميع ما يشهد له الموسم، ويأتي له مكة أيام الموسم من منافع الدنيا والآخرة، ولم يخصص من ذلك شيئا من منافعهم بخبر ولا عقل، فذلك على العموم في المنافع التي وصفت وقوله: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} [الحج: 28] يقول تعالى ذكره: وكي يذكروا اسم الله على ما رزقهم من الهدايا والبدن التي أهدوها من الإبل والبقر والغنم، {في أيام معلومات} [الحج: 28] وهن أيام التشريق في قول بعض أهل التأويل.
وفي قول بعضهم: أيام العشر. وفي قول بعضهم: يوم النحر، وأيام التشريق. وقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في ذلك بالروايات، وبينا الأولى بالصواب منها في سورة البقرة، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع، غير أني أذكر بعض ذلك أيضا في هذا الموضع حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات} [الحج: 28] «يعني 16P523 أيام التشريق» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، في قوله: {أيام معلومات} [الحج: 28] «يعني أيام التشريق» ، {على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} [الحج: 28] «يعني البدن» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: {في أيام معلومات} [الحج: 28] قال: " أيام العشر، والمعدودات: أيام التشريق " وقوله: {فكلوا منها} [البقرة: 58] يقول: كلوا من بهائم الأنعام التي ذكرتم اسم الله عليها أيها الناس هنالك. وهذا الأمر من الله جل ثناؤه أمر إباحة، لا أمر إيجاب، وذلك أنه لا خلاف بين جميع الحجة أن ذابح هديه، أو بدنته هنالك، إن لم يأكل من هديه، أو بدنته، أنه لم يضيع له فرضا كان واجبا عليه، فكان معلوما بذلك أنه غير واجب ذكر الرواية عن بعض من قال ذلك من أهل العلم: حدثنا سوار بن عبد الله، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء، قوله: {فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير} [الحج: 28] قال: «كان لا يرى الأكل منها واجبا» حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن مجاهد، أنه قال: " هي رخصة: إن شاء أكل، وإن شاء لم يأكل، وهي كقوله: {وإذا حللتم 16P524 فاصطادوا} [المائدة: 2]، {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} [الجمعة: 10]، يعني قوله: {فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر} [الحج: 36] " قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: {فكلوا منها} [الحج: 28] قال: «هي رخصة، فإن شاء أكل، وإن شاء لم يأكل» قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن عطاء، في قوله: {فكلوا منها} [الحج: 28] قال: «هي رخصة، فإن شاء أكلها، وإن شاء لم يأكل» حدثني علي بن سهل، قال: ثنا زيد، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن مجاهد، في قوله: {فكلوا منها} [الحج: 28] قال: «إنما هي رخصة» وقوله: {وأطعموا البائس الفقير} [الحج: 28] يقول: وأطعموا مما تذبحون أو تنحرون هنالك من بهيمة الأنعام من هديكم، وبدنكم البائس، وهو الذي به ضر الجوع والزمانة والحاجة، والفقير: الذي لا شيء له وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فكلوا منها وأطعموا البائس 16P525 الفقير} [الحج: 28] يعني: «الزمن الفقير» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن رجل، عن مجاهد: {البائس الفقير} [الحج: 28] «الذي يمد إليك يديه» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {البائس الفقير} [الحج: 28] قال: «هو القانع» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمر بن عطاء، عن عكرمة، قال: " {البائس} [الحج: 28] : المضطر الذي عليه البؤس، و {الفقير} [الحج: 28] : المتعفف " قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {البائس} [الحج: 28] «الذي يبسط يديه» وقوله: {ثم ليقضوا تفثهم} [الحج: 29] يقول: تعالى ذكره: ثم ليقضوا ما عليهم من مناسك حجهم: من حلق شعر، وأخذ شارب، ورمي جمرة، وطواف بالبيت وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثني يزيد قال: أخبرنا الأشعث بن سوار، عن 16P526 نافع، عن ابن عمر، أنه قال: {ثم ليقضوا تفثهم} [الحج: 29] قال: «ما هم عليه في الحج» حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد، قال: ثني الأشعث، عن نافع، عن ابن عمر، قال: " التفث: المناسك كلها " قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عباس، أنه قال، في قوله: {ثم ليقضوا تفثهم} [الحج: 29] قال: " التفث: حلق الرأس، وأخذ من الشاربين، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقص الأظفار، والأخذ من العارضين، ورمي الجمار، والموقف بعرفة، والمزدلفة " حدثنا حميد، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا خالد، عن عكرمة، قال: " التفث: الشعر والظفر " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن خالد، عن عكرمة، مثله حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي، أنه كان يقول في هذه الآية: {ثم ليقضوا تفثهم} [الحج: 29] «رمي الجمار، وذبح الذبيحة، وأخذ من الشاربين، واللحية والأظفار، والطواف بالبيت، وبالصفا والمروة» حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، أنه قال في هذه الآية: {ثم ليقضوا تفثهم} [الحج: 29] قال: " هو حلق الرأس.
وذكر أشياء من الحج، قال شعبة: لا أحفظها " قال: ثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، مثله حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ثم ليقضوا تفثهم} [الحج: 29] قال: «حلق الرأس، وحلق العانة، وقص الأظفار، وقص الشارب، ورمي الجمار، وقص اللحية» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. إلا أنه لم يقل في حديثه: وقص اللحية حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال: ثنا المحاربي، قال: سمعت رجلا، يسأل ابن جريج، عن قوله: {ثم ليقضوا تفثهم} [الحج: 29] قال: «الأخذ من اللحية، ومن الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، ورمي الجمار» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا منصور، عن الحسن، وأخبرنا جويبر، عن الضحاك، أنهما قالا: «حلق الرأس» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {ثم ليقضوا تفثهم} [الحج: 29] يعني: «حلق الرأس» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: " التفث: حلق الرأس، وتقليم الظفر " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ثم ليقضوا تفثهم} [الحج: 29] يقول: «نسكهم» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ثم ليقضوا تفثهم} [الحج: 29] قال: " التفث: حرمهم " حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {ثم ليقضوا تفثهم} [الحج: 29] قال: " يعني بالتفث: وضع إحرامهم، من حلق الرأس، ولبس الثياب، وقص الأظفار، ونحو ذلك " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء بن السائب، قال: " التفث: حلق الشعر، وقص الأظفار، والأخذ من الشارب، وحلق العانة، وأمر الحج كله " وقوله: {وليوفوا نذورهم} [الحج: 29] يقول: وليوفوا الله بما نذروا من هدي، وبدنة، وغير ذلك وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {وليوفوا نذورهم} [الحج: 29] «نحر ما نذروا من البدن» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وليوفوا نذورهم} [الحج: 29] «نذر الحج والهدي، وما نذر الإنسان من شيء يكون في الحج» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {وليوفوا نذورهم} [الحج: 29] قال: «نذر الحج والهدي، وما نذر الإنسان على نفسه من شيء يكون في الحج» وقوله: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] يقول: وليطوفوا ببيت الله الحرام واختلف أهل التأويل في معنى قوله: {العتيق} [الحج: 29] في هذا الموضع، فقال بعضهم: قيل ذلك لبيت الله الحرام، لأن الله أعتقه من الجبابرة أن يصلوا إلى تخريبه وهدمه ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، أن ابن الزبير، قال: «إنما سمي البيت العتيق، لأن الله أعتقه من الجبابرة» حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن الزبير، مثله حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: «إنما سمي العتيق، لأنه أعتق من الجبابرة» قال: ثنا سفيان، قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] قال: «أعتق من الجبابرة» حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {البيت العتيق} [الحج: 29] قال: «أعتقه الله من الجبابرة، يعني الكعبة» وقال آخرون: قيل له عتيق، لأنه لم يملكه أحد من الناس ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عبيد، عن مجاهد، قال: «إنما سمي البيت العتيق لأنه ليس لأحد فيه شيء» وقال آخرون: سمي بذلك لقدمه ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {البيت 16P531 العتيق} [الحج: 29] قال: " العتيق: القديم، لأنه قديم، كما يقال: السيف العتيق، لأنه أول بيت وضع للناس بناه آدم، وهو أول من بناه، ثم بوأ الله موضعه لإبراهيم بعد الغرق، فبناه إبراهيم وإسماعيل " قال أبو جعفر: ولكل هذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه في قوله: {البيت العتيق} [الحج: 29] وجه صحيح، غير أن الذي قاله ابن زيد أغلب معانيه عليه في الظاهر.
غير أن الذي روي عن ابن الزبير أولى بالصحة، إن كان ما حدثني به، محمد بن سهل البخاري قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: أخبرني الليث، عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن الزهري، عن محمد بن عروة، عن عبد الله بن الزبير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما سمي البيت العتيق لأن الله أعتقه من الجبابرة، فلم يظهر عليه قط صحيحا» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال الزهري: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما سمي البيت العتيق لأن الله أعتقه» . ثم ذكر مثله " وعني بالطواف الذي أمر جل ثناؤه حاج بيته العتيق به في هذه الآية طواف الإفاضة الذي يطاف به بعد التعريف، إما يوم النحر، وإما بعده، لا خلاف بين أهل التأويل في ذلك ذكر الرواية عن بعض من قال ذلك حدثنا عمرو بن سعيد القرشي، قال: ثنا الأنصاري، عن أشعث، عن الحسن: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] قال: «طواف الزيارة» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا خالد، قال: ثنا الأشعث، أن الحسن، قال في قوله: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] قال: «الطواف الواجب» حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية عن علي، عن ابن عباس، قوله: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] يعني: «زيارة البيت» حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن حجاج، وعبد الملك، عن عطاء، في قوله: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] قال: «طواف يوم النحر» حدثني أبو عبد الرحمن البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سألت زهيرا عن قول الله: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] قال: «طواف الوداع» واختلف القراء في قراءة هذه الحروف، فقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: (ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا) بتسكين اللام في كل ذلك طلب التخفيف، كما فعلوا في (هو) إذا كانت قبله واو، فقالوا (وهو عليم بذات الصدور) فسكنوا الهاء، وكذلك يفعلون في لام الأمر إذا كان قبلها حرف من حروف النسق، كالواو، والفاء ، وثم. وكذلك قرأت عامة قراء أهل البصرة، غير أن أبا عمرو بن العلاء كان يكسر اللام من قوله: «ثم ليقضوا» خاصة، من أجل أن الوقوف على (ثم) دون (ليقضوا) حسن، وغير جائز الوقوف على الواو والفاء وهذا الذي اعتل به أبو عمرو لقراءته علة حسنة من جهة القياس، غير أن أكثر القراء على تسكينها. وأولى الأقوال بالصواب في ذلك عندي، أن التسكين في لام (ليقضوا) والكسر قراءتان مشهورتان، ولغتان سائرتان، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب. غير أن الكسر فيها خاصة أقيس، لما ذكرنا لأبي عمرو من العلة، لأن من قرأ: {وهو عليم بذات الصدور} [الحديد: 6]، فهو بتسكين الهاء مع الواو والفاء، ويحركها في قوله: {ثم هو يوم القيامة من المحضرين} [القصص: 61] فذلك الواجب عليه أن يفعل في قوله: (ثم ليقضوا تفثهم) فيحرك اللام إلى الكسر مع (ثم) وإن سكنها في قوله: {وليوفوا نذورهم} [الحج: 29] . وقد ذكر عن أبي عبد الرحمن السلمي، والحسن البصري تحريكها مع (ثم) والواو، وهي لغة مشهورة، غير أن أكثر القراء مع الواو والفاء على تسكينها، وهي أشهر اللغتين في العرب وأفصحها، فالقراءة بها أعجب إلي من كسرها 16P533
[الحج: 30] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور} [الحج: 30] يعني تعالى ذكره بقوله {ذلك} [البقرة: 2] هذا الذي أمر به من قضاء التفث، والوفاء بالنذور، والطواف بالبيت العتيق، هو الفرض الواجب عليكم يا أيها الناس في حجكم {ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه} [الحج: 30] يقول: 16P534 ومن يجتنب ما أمره الله باجتنابه في حال إحرامه تعظيما منه لحدود الله أن يواقعها، وحرمه أن يستحلها، فهو خير له عند ربه في الآخرة كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد، في قوله: {ذلك ومن يعظم حرمات الله} [الحج: 30] قال: " الحرمة: مكة والحج والعمرة، وما نهى الله عنه من معاصيه كلها " حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ومن يعظم حرمات الله} [الحج: 30] قال: " الحرمات: المشعر الحرام، والبيت الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، هؤلاء الحرمات وقوله: {وأحلت لكم الأنعام} [الحج: 30] يقول جل ثناؤه: وأحل الله لكم أيها الناس الأنعام أن تأكلوها إذا ذكيتموها، فلم يحرم عليكم منها بحيرة، ولا سائبة، ولا وصيلة، ولا حاما، ولا ما جعلتموه منها لآلهتكم. {إلا ما يتلى عليكم} [المائدة: 1] يقول: إلا ما يتلى عليكم في كتاب الله، وذلك: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، وما ذبح على النصب، فإن ذلك كله رجس كما حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: {إلا ما يتلى عليكم} [المائدة: 1] قال: «إلا الميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه» حدثنا الحسن قال: ثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله وقوله: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} [الحج: 30] يقول: فاتقوا عبادة الأوثان، وطاعة الشيطان في عبادتها، فإنها رجس وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} [الحج: 30] يقول تعالى ذكره: «فاجتنبوا طاعة الشيطان في عبادة الأوثان» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله: {الرجس من الأوثان} [الحج: 30] قال: «عبادة الأوثان» وقوله: {واجتنبوا قول الزور} [الحج: 30] يقول تعالى ذكره: واتقوا قول الكذب، والفرية على الله بقولكم في الآلهة: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر: 3] وقولكم للملائكة: هي بنات الله، ونحو ذلك من القول، فإن ذلك كذب، وزور، وشرك بالله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {قول الزور} [الحج: 30] قال: «الكذب» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به} [الحج: 31] يعني: «الافتراء على الله، والتكذيب» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن وائل بن ربيعة، عن عبد الله، قال: «تعدل شهادة الزور بالشرك» وقرأ: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور} [الحج: 30] حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، عن عاصم، عن وائل بن ربيعة، قال: " عدلت شهادة الزور الشرك ثم قرأ هذه الآية: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور} [الحج: 30] حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنا سفيان العصفري، عن أبيه، عن خريم بن فاتك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عدلت شهادة الزور بالشرك بالله»، ثم قرأ: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور} [الحج: 30] حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن سفيان العصفري، عن فاتك بن فضالة، عن أيمن بن خريم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قام خطيبا فقال: «أيها الناس عدلت شهادة الزور بالشرك بالله» مرتين ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: " {فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور} [الحج: 30] " ويجوز أن يكون مرادا به: اجتنبوا أن ترجسوا أنتم أيها الناس من الأوثان بعبادتكم إياها. فإن قال قائل: وهل من الأوثان ما ليس برجس حتى قيل: فاجتنبوا الرجس منها؟ قيل: كلها رجس. وليس المعنى ما ذهبت إليه في ذلك، وإنما معنى الكلام: فاجتنبوا الرجس الذي يكون من الأوثان، أي: عبادتها، فالذي أمر جل ثناؤه بقوله: {فاجتنبوا الرجس} [الحج: 30] منها اتقاء عبادتها، وتلك العبادة هي الرجس ، على ما قاله ابن عباس، ومن ذكرنا قوله قبل 16P537
[الحج: 31] القول في تأويل قوله تعالى: {حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} [الحج: 31] يقول تعالى ذكره: اجتنبوا أيها الناس عبادة الأوثان، وقول الشرك، مستقيمين لله على إخلاص التوحيد له، وإفراد الطاعة والعبادة له، خالصا دون الأوثان والأصنام، غير مشركين به شيئا من دونه، فإنه من يشرك بالله شيئا من دونه ، فمثله في بعده من الهدى، وإصابة الحق، وهلاكه، وذهابه عن ربه، مثل من خر من السماء، فتخطفه الطير فهلك، أو هوت به الريح في مكان سحيق، يعني من بعيد، من قولهم: أبعده الله وأسحقه، وفيه لغتان: أسحقته الريح، وسحقته، ومنه قيل للنخلة الطويلة: نخلة سحوق، ومنه قول الشاعر: [+البحر المنسرح] كانت لنا جارة فأزعجها قاذورة تسحق النوى قدما ويروى: تسحق. يقول: فهكذا مثل المشرك بالله في بعده من ربه، ومن إصابة الحق، كبعد هذا الواقع من السماء إلى الأرض، أو كهلاك من اختطفته الطير منهم في الهواء. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {فكأنما خر من السماء} [الحج: 31] قال: " هذا مثل ضربه الله لمن أشرك بالله في بعده من الهدى وهلاكه {فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} [الحج: 31] " 16P539 حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {في مكان سحيق} [الحج: 31] قال: «بعيد» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله وقيل: {فتخطفه الطير} [الحج: 31] وقد قيل قبله: {فكأنما خر من السماء} [الحج: 31] وخر فعل ماض، وتخطفه مستقبل، فعطف بالمستقبل على الماضي، كما فعل ذلك في قوله: {إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله} [الحج: 25] وقد بينت ذلك هناك 16P539 [الحج: 32] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} [الحج: 32] يقول تعالى ذكره: هذا الذي ذكرت لكم أيها الناس وأمرتكم به من اجتناب الرجس من الأوثان، واجتناب قول الزور، حنفاء لله، وتعظيم شعائر الله، وهو استحسان البدن، واستسمانها، وأداء مناسك الحج على ما أمر الله جل ثناؤه، من تقوى قلوبكم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: ثنا محمد بن زياد، عن محمد بن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، في قوله: {ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} [الحج: 32] قال: «استعظامها، واستحسانها، واستسمانها» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، في قوله: {ومن يعظم شعائر الله} [الحج: 32] قال: «الاستسمان والاستعظام» وبه، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال: والاستحسان " حدثنا عبد الحميد بن بيان الواسطي، قال: أخبرنا إسحاق، عن أبي بشر، وحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {ومن يعظم شعائر الله} [الحج: 32] قال: «استعظام البدن، واستسمانها، واستحسانها» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن محمد بن أبي موسى، قال: " الوقوف بعرفة من شعائر الله، وبجمع من شعائر الله، ورمي الجمار من شعائر الله، والبدن من شعائر الله، ومن يعظمها فإنها من شعائر الله في قوله: {ومن يعظم شعائر الله} [الحج: 32] فمن يعظمها فإنها من تقوى القلوب حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ومن يعظم شعائر الله } [الحج: 32] قال: " الشعائر: الجمار، والصفا والمروة من شعائر الله، والمشعر الحرام والمزدلفة، قال: والشعائر تدخل في الحرم، هي شعائر، وهي حرم وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن تعظيم شعائره، وهي ما جعله أعلاما لخلقه فيما تعبدهم به من مناسك حجهم، من الأماكن التي أمرهم بأداء ما افترض عليهم منها عندها، والأعمال التي ألزمهم عملها في حجهم: من تقوى قلوبهم، لم يخصص من ذلك شيئا، فتعظيم كل ذلك من تقوى القلوب، كما قال جل ثناؤه، وحق على عباده المؤمنين به تعظيم جميع ذلك. وقال: {إنها من تقوى القلوب} وأنث ولم يقل: (فإنه) ، لأنه أريد بذلك: فإن تلك التعظيمة مع اجتناب الرجس من الأوثان من تقوى القلوب، كما قال جل ثناؤه: {إن ربك من بعدها لغفور رحيم} [الأعراف: 153] . وعني بقوله: {فإنها من تقوى القلوب} [الحج: 32] فإنها من وجل القلوب من خشية الله، وحقيقة معرفتها بعظمته، وإخلاص توحيده 16P542
[الحج: 33] القول في تأويل قوله تعالى: {لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق} [الحج: 33] اختلف أهل التأويل في معنى المنافع التي ذكر الله في هذه الآية، وأخبر عباده أنها إلى أجل مسمى، على نحو اختلافهم في معنى الشعائر التي ذكرها جل ثناؤه في قوله: {ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} [الحج: 32] فقال الذين قالوا عنى بالشعائر البدن: معنى ذلك: لكم أيها الناس في البدن منافع. ثم اختلف أيضا الذين قالوا هذه المقالة في الحال التي لهم فيها منافع، وفي الأجل الذي قال عز ذكره: {إلى أجل مسمى} [البقرة: 282] فقال بعضهم: الحال التي أخبر الله جل ثناؤه أن لهم فيها منافع، هي الحال التي لم يوجبها صاحبها، ولم يسمها بدنة ، ولم يقلدها. قالوا: ومنافعها في هذه الحال: شرب ألبانها، وركوب ظهورها، وما يرزقهم الله من نتاجها وأولادها. قالوا: والأجل المسمى الذي أخبر جل ثناؤه أن ذلك لعباده المؤمنين منها إليها، هو إلى إيجابهم إياها، فإذا أوجبوها بطل ذلك، ولم يكن لهم من ذلك شيء ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، في: {لكم فيها منافع إلى أجل مسمى} [الحج: 33] قال: «ما لم يسم بدنا» حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {لكم فيها منافع إلى أجل مسمى} [الحج: 33] قال: «الركوب واللبن والولد، فإذا سميت بدنة، أو هديا ذهب كله» حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، في هذه الآية: {لكم فيها منافع إلى أجل مسمى} [الحج: 33] قال: «لكم في ظهورها وألبانها وأوبارها، حتى تصير بدنا» قال: ثنا ابن عدي قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، بمثله حدثنا ابن حميد قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، وليث، عن مجاهد: {لكم فيها منافع إلى أجل مسمى} [الحج: 33] قال: «في أشعارها ، وأوبارها، وألبانها قبل أن تسميها بدنة» قال: ثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {لكم فيها منافع إلى أجل} [الحج: 33] مسمى قال: " في البدن: لحومها وألبانها، وأشعارها، وأوبارها، وأصوافها قبل أن تسمى هديا " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، 16P544 مثله، وزاد فيه: وهي الأجل المسمى حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن عطاء، أنه قال في قوله: {لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق} [الحج: 33] قال: " منافع في ألبانها، وظهورها، وأوبارها {إلى أجل مسمى} [البقرة: 282] إلى أن تقلد " حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، مثل ذلك حدثني يعقوب، قال: قال ابن علية: سمعت ابن أبي نجيح، يقول في قوله: {لكم فيها منافع إلى أجل مسمى} [الحج: 33] قال: «إلى أن توجبها بدنة» قال: ثنا ابن علية، عن ابن أبي نجيح، عن قتادة: {لكم فيها منافع إلى أجل مسمى} [الحج: 33] يقول: «في ظهورها وألبانها، فإذا قلدت فمحلها إلى البيت العتيق» وقال آخرون ممن قال: الشعائر البدن في قوله: {ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} [الحج: 32] والهاء في قوله: {لكم فيها} [الحج: 33] من ذكر الشعائر، ومعنى قوله: {لكم فيها منافع} [الحج: 33] لكم في الشعائر التي تعظمونها لله منافع بعد اتخاذكموها لله بدنا أو هدايا، بأن تركبوا ظهورها إذا احتجتم إلى ذلك، وتشربوا ألبانها إن اضطررتم إليها.
Preguntas
- ¿Qué enseña el islam sobre la vida después de la muerte?
- ¿Qué creen los musulmanes acerca de los profetas?
- ¿Cómo se realizan las cinco oraciones diarias (salat)?
- ¿Cuáles son las reglas del ayuno en Ramadán?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?