Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Sección V17/P584–V17/P588

[الشعراء: 64_65_66_67_68] القول في تأويل قوله تعالى: {وأزلفنا ثم الآخرين وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين إن في ذلك لآية، وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم} [الشعراء: 64_65_66_67_68] يعني بقول تعالى ذكره: {وأزلفنا ثم الآخرين} [الشعراء: 64] وقربنا هنالك آل فرعون من البحر، وقدمناهم إليه، ومنه قوله: {وأزلفت الجنة للمتقين} [الشعراء: 90] بمعنى: قربت وأدنيت؛ ومنه قول العجاج: [+البحر الرجز] طي الليالي زلفا فزلفا سماوة الهلال حتى احقوقفا 17P586 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: " {وأزلفنا ثم الآخرين} [الشعراء: 64] قال: قربنا " حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {وأزلفنا ثم الآخرين} [الشعراء: 64] قال: هم قوم فرعون، قربهم الله حتى أغرقهم في البحر " حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " دنا فرعون وأصحابه بعد ما قطع موسى ببني إسرائيل البحر من البحر؛ فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقا، قال: ألا ترون البحر فرق مني، قد تفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم، فذلك قول الله {وأزلفنا ثم الآخرين} [الشعراء: 64] يقول: قربنا ثم الآخرين، هم آل فرعون؛ فلما قام فرعون على الطرق، وأبت خيله أن تقتحم، فنزل جبرائيل صلى الله عليه وسلم على ماذيانة، فتشامت الحصن ريح الماذيانة فاقتحمت في أثرها حتى إذا هم أولهم أن يخرج ودخل آخرهم أمر البحر أن يأخذهم، فالتطم عليهم، وتفرد ج‍برائيل بمقلة من مقل البحر، فجعل يدسها في فيه " حدثنا القاسم، قال : ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، قال: " أقبل فرعون فلما أشرف على الماء، قال أصحاب موسى: يا مكلم الله، إن القوم يتبعوننا في الطريق، فاضرب بعصاك البحر فاخلطه، فأراد موسى أن يفعل، فأوحى الله إليه: أن {اترك البحر رهوا} [الدخان: 24] يقول: أمره على سكناته {إنهم جند مغرقون} [الدخان: 24] إنما أمكر بهم، فإذا سلكوا طريقكم غرقتهم؛ فلما نظر فرعون إلى البحر قال: ألا ترون البحر فرق مني حتى تفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم؛ فلما وقف على أفواه الطرق وهو على حصان، فرأى الحصان البحر فيه أمثال الجبال هاب وخاف، وقال فرعون: أنا راجع، فمكر به جبرائيل عليه السلام، فأقبل على فرس أنثى، فأدناها من حصان فرعون، فطفق فرسه لا يقر، وجعل جبرائيل يقول: تقدم، ويقول: ليس أحد أحق بالطريق منك، فتشامت الحصن الماذيانة، فما ملك فرعون فرسه أن ولج على أثره؛ فلما انتهى فرعون إلى وسط البحر أوحى الله إلى البحر: خذ عبدي الظالم وعبادي الظلمة، سلطاني فيك، فإني قد سلطتك عليهم، قال: فتغطغطت تلك الفرق من الأمواج كأنها الجبال، وضرب بعضها بعضا؛ فلما أدركه الغرق {قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} [يونس: 90]، وكان جبرائيل صلى الله عليه وسلم شديد الأسف عليه لما رد من آيات الله، ولطول علاج موسى إياه، فدخل في أسفل البحر فأخرج طينا فحشاه في فم فرعون لكي لا يقولها الثانية، فتدركه الرحمة، قال: فبعث الله إليه ميكائيل يعيره: {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} [يونس: 91] وقال جبرائيل: يا محمد، ما أبغضت أحدا من خلق الله ما أبغضت اثنين، أحدهما من الجن وهو إبليس، والآخر فرعون {قال أنا ربكم الأعلى} ولقد رأيتني يا محمد وأنا أحشو في فيه مخافة أن يقول كلمة يرحمه الله بها " وقد زعم بعضهم أن معنى قوله: {وأزلفنا ثم الآخرين} [الشعراء: 64] وجمعنا، قال: ومنه ليلة المزدلفة، قال: ومعنى ذلك: أنها ليلة جمع.

Sección V17/P588

وقال بعضهم: وأزلفنا ثم: وأهلكنا وقوله : {وأنجينا موسى ومن معه أجمعين} [الشعراء: 65] يقول تعالى ذكره: وأنجينا موسى مما أتبعنا به فرعون وقومه من الغرق في البحر ومن مع موسى من بني إسرائيل أجمعين وقوله: {ثم أغرقنا الآخرين} [الشعراء: 66] يقول: ثم أغرقنا فرعون وقومه من القبط في البحر بعد أن أنجينا موسى منه ومن معه وقوله: {إن في ذلك لآية} [البقرة: 248] يقول تعالى ذكره: إن فيما فعلت بفرعون ومن معه تغريقي إياهم في البحر إذ كذبوا رسولي موسى، وخالفوا أمري بعد الإعذار إليهم، والإنذار لدلالة بينة يا محمد لقومك من قريش على أن ذلك سنتي فيمن سلك سبيلهم من تكذيب رسلي، وعظة لهم وعبرة أن ادكروا واعتبروا، أن يفعلوا مثل فعلهم من تكذيبك مع البرهان والآيات التي قد آتيتهم، فيحل بهم من العقوبة نظير ما حل بهم، ولك آية في فعلي بموسى، وتنجيتي إياه بعد طول علاجه فرعون وقومه منه، وإظهاري إياه وتوريثه وقومه دورهم وأرضهم وأموالهم، على أني سالك فيك سبيله، إن أنت صبرت صبره، وقمت من تبليغ الرسالة إلى من أرسلتك إليه قيامه، ومظهرك على مكذبيك، ومعليك عليهم. {وما كان أكثرهم مؤمنين} [الشعراء: 8] يقول: وما كان أكثر قومك يا محمد مؤمنين بما آتاك الله من الحق المبين، فسابق في علمي أنهم لا يؤمنون. {وإن ربك لهو 17P589 العزيز} [الشعراء: 9] في انتقامه ممن كفر به وكذب رسله من أعدائه، {الرحيم} [الفاتحة: 1] بمن أنجي من رسله وأتباعهم من الغرق والعذاب الذي عذب به الكفرة 17P588

Sección V17/P588–V17/P591

[الشعراء: 69_70_71] القول في تأويل قوله تعالى: {واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين} [الشعراء: 69_70_71] يقول تعالى ذكره: واقصص على قومك من المشركين يا محمد خبر إبراهيم حين قال لأبيه وقومه: أي شيء تعبدون؟ {قالوا} [البقرة: 11] له: {نعبد أصناما فنظل لها عاكفين} [الشعراء: 71] يقول: فنظل لها خدما مقيمين على عبادتها وخدمتها. وقد بينا معنى العكوف بشواهده فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع وكان ابن عباس فيما روي عنه يقول في معنى ذلك ما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، قوله: " {قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين} [الشعراء: 71] قال: الصلاة لأصنامهم " 17P589 [الشعراء: 72_73_74] القول في تأويل قوله تعالى: {قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} [الشعراء: 72_73_74] يقول تعالى ذكره: قال إبراهيم لهم: هل تسمع دعاءكم هؤلاء الآلهة إذ تدعونهم؟ واختلف أهل العربية في معنى ذلك: فقال بعض نحويي البصرة معناه: هل يسمعون منكم أو هل يسمعون دعاءكم، فحذف الدعاء، كما قال زهير: [+البحر البسيط] القائد الخيل منكوبا دوابرها قد أحكمت حكمات القد والأبقا وقال: يريد أحكمت حكمات الأبق، فألقى الحكمات وأقام الأبق مقامها. وقال بعض من أنكر ذلك من قوله من أهل العربية: الفصيح من الكلام في ذلك هو ما جاء في القرآن، لأن العرب تقول: سمعت زيدا متكلما، يريدون: سمعت كلام زيد، ثم تعلم أن السمع لا يقع على الأناسي. إنما يقع على كلامهم ثم يقولون: سمعت زيدا: أي سمعت كلامه. قال: ولو لم يقدم في بيت زهير حكمات القد لم يجز أن يسبق بالأبق عليها، لأنه لا يقال: رأيت الأبق، وهو يريد الحكمة. وقوله: {أو ينفعونكم أو يضرون} [الشعراء: 73] يقول: أو تنفعكم هذه الأصنام، فيرزقونكم شيئا على عبادتكموها، أو يضرونكم فيعاقبونكم على ترككم عبادتها بأن يسلبوكم أموالكم، أو يهلكوكم إذا هلكتم وأولادكم {قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} [الشعراء: 74] . وفي الكلام متروك استغنى بدلالة ما ذكر عما ترك، وذلك جوابهم إبراهيم عن مسألته إياهم: {هل يسمعونكم إذ تدعون، أو ينفعونكم أو يضرون} [الشعراء: 73] فكان جوابهم إياه: لا، ما يسمعوننا إذا دعوناهم، ولا ينفعوننا ولا يضرون، يدل على أنهم بذلك أجابوه. قولهم: {بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} [الشعراء: 74] وذلك رجوع عن مجحود، كقول القائل: ما كان كذا بل كذا وكذا، ومعنى قولهم: {وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} [الشعراء: 74] وجدنا من قبلنا ، ولا يضرون، يدل على أنهم بذلك أجابوه قولهم من آبائنا يعبدونها ويعكفون عليها لخدمتها وعبادتها، فنحن نفعل ذلك اقتداء بهم، واتباعا لمنهاجهم 17P591 [الشعراء: 75_76_77] القول في تأويل قوله تعالى: {قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} [الشعراء: 75_76_77] يقول تعالى ذكره: قال إبراهيم لقومه: أفرأيتم أيها القوم ما كنتم تعبدون من هذه الأصنام أنتم وآباؤكم الأقدمون، يعني بالأقدمين: الأقدمين من الذين كان إبراهيم يخاطبهم، وهم الأولون قبلهم ممن كان على مثل ما كان عليه الذين كلمهم إبراهيم من عبادة الأصنام. فإنهم عدو لي إلا رب العالمين. يقول قائل: وكيف يوصف الخشب والحديد والنحاس بعداوة ابن آدم؟ فإن معنى ذلك: فإنهم عدو لي لو عبدتهم يوم القيامة، كما قال جل ثناؤه {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا. كلا، سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} [مريم: 81] وقوله: {إلا رب العالمين} [الشعراء: 77] نصبا على الاستثناء، والعدو بمعنى الجمع، ووحد لأنه أخرج مخرج المصدر، مثل القعود والجلوس. ومعنى الكلام: أفرأيتم كل معبود لكم ولآبائكم، فإني منه بريء لا أعبده، إلا رب العالمين. 17P591

Sección V17/P591–V17/P593

[الشعراء: 78_79_80] القول في تأويل قوله تعالى: {الذي خلقني فهو يهدين والذي هو 17P592 يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين} [الشعراء: 78_79_80] يقول: فإنهم عدو لي إلا رب العالمين {الذي خلقني فهو يهدين} [الشعراء: 78] للصواب من القول والعمل، ويسددني للرشاد. {والذي هو يطعمني ويسقين} [الشعراء: 79] يقول: والذي يغذوني بالطعام والشراب ويرزقني الأرزاق. {وإذا مرضت فهو يشفين} [الشعراء: 80] يقول: وإذا سقم جسمي واعتل، فهو يبرئه ويعافيه. 17P591 [الشعراء: 81_82] القول في تأويل قوله تعالى: {والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} [الشعراء: 81_82] يقول: والذي يميتني إذا شاء ثم يحييني إذا أراد بعد مماتي. {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} [الشعراء: 82] فربي هذا الذي بيده نفعي وضري، وله القدرة والسلطان، وله الدنيا والآخرة، لا الذي لا يسمع إذا دعي، ولا ينفع ولا يضر. وإنما كان هذا الكلام من إبراهيم احتجاجا على قومه، في أنه لا تصلح الألوهة، ولا ينبغي أن تكون العبودة إلا لمن يفعل هذه الأفعال، لا لمن لا يطيق نفعا ولا ضرا. وقيل : إن إبراهيم صلوات الله عليه، عني بقوله: {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} [الشعراء: 82] والذي أرجو أن يغفر لي قولي: {إني سقيم} [الصافات: 89] وقوله: {بل فعله كبيرهم هذا} [الأنبياء: 63] وقولي لسارة إنها أختي. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، 17P593 في قول الله: " {أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} [الشعراء: 82] قال: قوله: {إني سقيم} [الصافات: 89] وقوله {فعله كبيرهم هذا} [الأنبياء: 63] وقوله لسارة: إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: " {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} [الشعراء: 82] قال: قوله {إني سقيم} [الصافات: 89] وقوله {بل فعله كبيرهم هذا} [الأنبياء: 63] وقوله لسارة: إنها أختي ". قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرمة ومجاهد، نحوه. ويعني بقوله {يوم الدين} [الشعراء: 82] يوم الحساب يوم المجازاة. وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى. 17P593 [الشعراء: 83_84] القول في تأويل قوله تعالى: {رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين واجعل لي لسان صدق في الآخرين} [الشعراء: 83_84] يقول تعالى ذكره مخبرا عن مسألة خليله إبراهيم إياه {رب هب لي حكما} [الشعراء: 83] يقول: رب هب لي نبوة. {وألحقني بالصالحين} [يوسف: 101] يقول: واجعلني رسولا إلى خلقك، حتى تلحقني بذلك بعداد من أرسلته من رسلك إلى خلقك، وائتمنته على وحيك، واصطفيته لنفسك. وقوله: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} [الشعراء: 84] يقول: واجعل لي في الناس 17P594 ذكرا جميلا، وثناء حسنا باقيا فيمن يجيء من القرون بعدي. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي بكر، عن عكرمة، قوله: " {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} [الشعراء: 84] ، قوله {وآتيناه أجره في الدنيا} [العنكبوت: 27] . قال: إن الله فضله بالخلة حين اتخذه خليلا، فسأل الله فقال : {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} [الشعراء: 84] حتى لا تكذبني الأمم، فأعطاه الله ذلك، فإن اليهود آمنت بموسى وكفرت بعيسى، وإن النصارى آمنت بعيسى وكفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكلهم يتولى إبراهيم؛ قالت اليهود: هو خليل الله وهو منا، فقطع الله ولايتهم منه بعد ما أقروا له بالنبوة وآمنوا به، فقال: {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا، ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين} [آل عمران: 67] ثم ألحق ولايته بكم فقال: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه، وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين} [آل عمران: 68] فهذا أجره الذي عجل له، وهي الحسنة، إذ يقول: {وآتيناه في الدنيا حسنة} [النحل: 122] وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} [الشعراء: 84] قال: " اللسان الصدق: الذكر الصدق، والثناء الصالح، والذكر الصالح في الآخرين من الناس من الأمم " 17P594

Sección V17/P593–V17/P595

[الشعراء: 85_86_87_88_89] القول في تأويل قوله تعالى: {واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لأبي إنه 17P595 كان من الضالين ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء: 85_86_87_88_89] يعني إبراهيم صلوات الله عليه بقوله: {واجعلني من ورثة جنة النعيم} [الشعراء: 85] أورثني يا رب من منازل من هلك من أعدائك المشركين بك من الجنة، وأسكني ذلك. {واغفر لأبي} [الشعراء: 86] يقول: واصفح لأبي عن شركه بك، ولا تعاقبه عليه {إنه كان من الضالين} [الشعراء: 86] يقول: إنه كان ممن ضل عن سبيل الهدى، فكفر بك. وقد بينا المعنى الذي من أجله استغفر إبراهيم لأبيه صلوات الله عليه، واختلاف أهل العلم في ذلك، والصواب عندنا من القول فيه فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقوله: {ولا تخزني يوم يبعثون} [الشعراء: 87] يقول: ولا تذلني بعقابك إياي يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة. {يوم لا ينفع مال ولا بنون} [الشعراء: 88] يقول: لا تخزني يوم لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا مال كان له في الدنيا، ولا بنوه الذين كانوا له فيها، فيدفع ذلك عنه عقاب الله إذا عاقبه، ولا ينجيه منه. وقوله: {إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء: 89] يقول: ولا تخزني يوم يبعثون، يوم لا ينفع إلا القلب السليم. والذي عني به من سلامة القلب في هذا الموضع: هو سلامة القلب من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن عون، قال: قلت لمحمد: " ما القلب السليم؟ قال: أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة قائمة، وأن الله يبعث من في القبور " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد: " {إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء: 89] قال: لا شك فيه " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: " {إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء: 89] قال: ليس فيه شك في الحق " حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {بقلب سليم} [الشعراء: 89] قال: «سليم من الشرك» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء: 89] قال: «سليم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد» حدثني عمرو بن عبد الحميد الآملي، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن جوبير، عن الضحاك، في قول الله: " {إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء: 89] قال: هو الخالص " 17P596

Sección V17/P595–V17/P599

[الشعراء: 90_91_92_93_94_95] القول في تأويل قوله تعالى: {وأزلفت الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله، هل ينصرونكم أو ينتصرون فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون} [الشعراء: 90_91_92_93_94_95] يعني جل ثناؤه بقوله: {وأزلفت الجنة للمتقين} [الشعراء: 90] وأدنيت الجنة وقربت للمتقين، الذين اتقوا عقاب الله في الآخرة بطاعتهم إياه في الدنيا، {وبرزت الجحيم للغاوين} [الشعراء: 91] يقول: وأظهرت النار للذين غووا فضلوا عن سواء السبيل. {وقيل} [آل عمران: 167] للغاوين {أين ما كنتم تعبدون، من دون الله} [الشعراء: 92] من الأنداد {هل ينصرونكم} [الشعراء: 93] اليوم من الله، فينقذونكم من عذابه {أو ينتصرون} [الشعراء: 93] لأنفسهم، فينجونها مما يراد بها؟ وقوله: {فكبكبوا فيها هم والغاوون} [الشعراء: 94] يقول: فرمي ببعضهم في الجحيم على بعض، وطرح بعضهم على بعض منكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، ولكن الكاف كررت كما قيل: {بريح صرصر} [الحاقة: 6] يعني به صر، ونهنهني ينهنهني، يعني به: نههني. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: " {فكبكبوا} [الشعراء: 94] قال: فدهوروا " حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، 17P598 قوله: " {فكبكبوا فيها} [الشعراء: 94] يقول: فجمعوا فيها " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {فكبكبوا فيها} [الشعراء: 94] قال: طرحوا فيها ". فتأويل الكلام: فكبكب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوون. وذكر عن قتادة كان يقول: الغاوون في هذا الموضع: الشياطين ذكر الرواية عمن قال ذلك: حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {فكبكبوا فيها هم والغاوون} [الشعراء: 94] قال: " الغاوون: الشياطين ". فتأويل الكلام على هذا القول الذي ذكرنا عن قتادة: فكبكب فيها الكفار الذين كانوا يعبدون من دون الله الأصنام والشياطين وقوله: {وجنود إبليس أجمعون} [الشعراء: 95] يقول: وكبكب فيها مع الأنداد والغاوين جنود إبليس أجمعون. وجنوده: كل من كان من أتباعه، من ذريته كان أو من ذرية آدم. 17P598 [الشعراء: 96_97_98] القول في تأويل قوله تعالى: {قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين} [الشعراء: 96_97_98] 17P599 يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء الغاوون والأنداد التي كانوا يعبدونها من دون الله، وجنود إبليس، وهم في الجحيم يختصمون. {تالله إن كنا لفي ضلال مبين} [الشعراء: 97] يقول: تالله لقد كنا في ذهاب عن الحق، إن كنا لفي ضلال مبين، يبين ذهابنا ذلك عنه عن نفسه، لمن تأمله وتدبره، أنه ضلال وباطل. وقوله: {إذ نسويكم برب العالمين} [الشعراء: 98] يقول الغاوون للذين يعبدونهم من دون الله: تالله إن كنا لفي ذهاب عن الحق حين نعدلكم برب العالمين فنعبدكم من دونه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {إذ نسويكم برب العالمين} [الشعراء: 98] قال: لتلك الآلهة " 17P599

Sección V17/P599–V17/P600

[الشعراء: 99_100_101_102] القول في تأويل قوله تعالى: {وما أضلنا إلا المجرمون فما لنا من شافعين ولا صديق حميم فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين} [الشعراء: 99_100_101_102] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هؤلاء الغاوين في الجحيم: {وما أضلنا إلا المجرمون} [الشعراء: 99] يعني بالمجرمين إبليس، وابن آدم الذي سن القتل. كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله: " {وما أضلنا إلا المجرمون} [الشعراء: 99] قال: إبليس وابن آدم القاتل " وقوله {فما لنا من شافعين} [الشعراء: 100] يقول: فليس لنا شافع فيشفع لنا عند الله من الأباعد، فيعفو عنا، وينجينا من عقابه. {ولا صديق حميم} [الشعراء: 101] من الأقارب. واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بالشافعين، وبالصديق الحميم، فقال بعضهم: عني بالشافعين: الملائكة، وبالصديق الحميم: النسيب. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: " {فما لنا من شافعين} [الشعراء: 100] قال: من الملائكة {ولا صديق حميم} [الشعراء: 101] قال: من الناس " قال مجاهد: " {صديق حميم} [الشعراء: 101] ، قال: شقيق ". وقال آخرون: كل هؤلاء من بني آدم ذكر من قال ذلك: حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا إسحاق بن سعيد البصري المسمعي، عن أخيه يحيى بن سعيد المسمعي، قال: كان قتادة إذا قرأ: {فما لنا من شافعين ولا صديق حميم} [الشعراء: 101] ، قال: «يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحا نفع، وأن الحميم إذا كان صالحا شفع» وقوله {فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين} [الشعراء: 102] يقول: فلو أن لنا رجعة إلى 17P601 الدنيا فنؤمن بالله فنكون بإيماننا به من المؤمنين. 17P600 [الشعراء: 103_104] القول في تأويل قوله تعالى: {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم} [الشعراء: 103_104] يقول تعالى ذكره: إن فيما احتج به إبراهيم على قومه من الحجج التي ذكرنا له لدلالة بينة واضحة لمن اعتبر، على أن سنة الله في خلقه الذين يستنون بسنة قوم إبراهيم من عبادة الأصنام والآلهة، ويقتدون بهم في ذلك ما سن فيهم في الدار الآخرة، من كبكبتهم وما عبدوا من دونه مع جنود إبليس في الجحيم، وما كان أكثرهم في سابق علمه مؤمنين. وإن ربك يا محمد لهو الشديد الانتقام ممن عبد دونه، ثم لم يتب من كفره حتى هلك، الرحيم بمن تاب منهم أن يعاقبه على ما كان سلف منه قبل توبته من إثم وجرم. 17P601 [الشعراء: 105_106_107] القول في تأويل قوله تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون إني لكم رسول أمين} [الشعراء: 105_106_107] يقول تعالى ذكره: {كذبت قوم نوح} [الشعراء: 105] رسل الله الذين أرسلهم إليهم لما {قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون} [الشعراء: 106] فتحذروا عقابه على كفركم به، وتكذيبكم رسله. {إني لكم رسول} [الشعراء: 107] من الله {أمين} [الأعراف: 68] على وحيه إلي، برسالته إياي إليكم. 17P601 [الشعراء: 108_109_110] القول في تأويل قوله تعالى: {فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر، إن أجري إلا على رب العالمين فاتقوا الله وأطيعون} [الشعراء: 108_109_110] 17P602 يقول تعالى ذكره: فاتقوا عقاب الله أيها القوم على كفركم به، وأطيعوني في نصيحتي لكم، وأمري إياكم باتقائه. {وما أسألكم عليه من أجر} [الشعراء: 109] يقول: وما أطلب منكم على نصيحتي لكم وأمري إياكم باتقاء عقاب الله بطاعته فيما أمركم ونهاكم من ثواب ولا جزاء {إن أجري إلا على رب العالمين} [الشعراء: 109] دونكم ودون جميع خلق الله، فاتقوا عقاب الله على كفركم به، وخافوا حلول سخطه بكم على تكذيبكم رسله، {وأطيعون} [آل عمران: 50] : يقول: وأطيعوني في نصيحتي لكم، وأمري إياكم بإخلاص العبادة لخالقكم 17P601

Sección V17/P600–V17/P605

[الشعراء: 111_112_113] القول في تأويل قوله تعالى: {قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون قال وما علمي بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون} [الشعراء: 111_112_113] يقول تعالى ذكره: قال قوم نوح له مجيبيه عن قيله لهم: {إني لكم رسول أمين، فاتقوا الله وأطيعون} [الشعراء: 107] قالوا: أنؤمن لك يا نوح، ونقر بتصديقك فيما تدعونا إليه، وإنما أتبعك منا الأرذلون دون ذوي الشرف وأهل البيوتات. {قال وما علمي بما كانوا يعملون} [الشعراء: 112] . قال نوح لقومه: وما علمي بما كان أتباعي يعملون، إنما لي منهم ظاهر أمرهم دون باطنه، ولم أكلف علم باطنهم، وإنما كلفت الظاهر، فمن أظهر حسنا ظننت به حسنا، ومن أظهر سيئا ظننت به سيئا. {إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون} [الشعراء: 113] يقول: إن حساب باطن أمرهم الذي خفي عني إلا على ربي لو تشعرون، فإنه يعلم سر أمرهم وعلانيته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " {إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون} [الشعراء: 113] قال: هو أعلم بما في نفوسهم " 17P603 [الشعراء: 114_115_116] القول في تأويل قوله تعالى: {وما أنا بطارد المؤمنين إن أنا إلا نذير مبين قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين} [الشعراء: 114_115_116] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل نوح لقومه: وما أنا بطارد من آمن بالله واتبعني على التصديق بما جئت به من عند الله. {إن أنا إلا نذير مبين} [الشعراء: 115] يقول: ما أنا إلا نذير لكم من عند ربكم أنذركم بأسه وسطوته على كفركم به، {مبين} [البقرة: 168] : يقول: نذير قد أبان لكم إنذاره، ولم يكتمكم نصيحته. {قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين} [الشعراء: 116] يقول: قال لنوح قومه: لئن لم تنته يا نوح عما تقول وتدعو إليه وتعيب به آلهتنا، لتكونن من المشتومين، يقول: لنشتمك. 17P603 [الشعراء: 117_118_119_120] القول في تأويل قوله تعالى: {قال رب إن قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحا، ونجني ومن معي من المؤمنين فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين} [الشعراء: 117_118_119_120] يقول تعالى ذكره: قال نوح: {رب إن قومي كذبون} [الشعراء : 117] فيما أتيتهم به من الحق من عندك، وردوا علي نصيحتي لهم. {فافتح بيني وبينهم فتحا} [الشعراء: 118] يقول: فاحكم بيني وبينهم حكما من عندك تهلك به المبطل، وتنتقم به ممن كفر بك وجحد توحيدك، وكذب رسولك. كما: حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {فافتح بيني وبينهم فتحا} [الشعراء: 118] قال: «فاقض بيني وبينهم قضاء» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فافتح بيني وبينهم فتحا} [الشعراء: 118] قال: يقول: " اقض بيني وبينهم، {ونجني} [الشعراء: 118] يقول: ونجني من ذلك العذاب الذي تأتي به حكما بيني وبينهم، {ومن معي من المؤمنين} [الشعراء: 118] يقول: والذين معي من أهل الإيمان بك والتصديق لي " وقوله {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون} [الشعراء: 119] يقول: فأنجينا نوحا ومن معه من المؤمنين حين فتحنا بينهم وبين قومهم، وأنزلنا بأسنا بالقوم الكافرين في الفلك المشحون، يعني في السفينة الموقرة المملوءة. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله {الفلك المشحون} [الشعراء: 119] قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {في الفلك المشحون} [الشعراء: 119] قال: يعني الموقر " حدثنا محمد بن سنان القزاز، قال: ثنا الحسين بن الحسن الأشقر، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " {المشحون} [الشعراء: 119] : 17P605 الموقر " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: " {الفلك المشحون} [الشعراء: 119] قال: المفروغ منه المملوء " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: " {المشحون} [الشعراء: 119] المفروغ منه تحميلا " حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قول الله: " {الفلك المشحون} [الشعراء: 119] قال: هو المحمل " وقوله: {ثم أغرقنا بعد الباقين} [الشعراء: 120] من قومه الذين كذبوه، وردوا عليه النصيحة. 17P605

Sección V17/P605

[الشعراء: 121_122] القول في تأويل قوله تعالى: {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم} [الشعراء: 121_122] يقول تعالى ذكره: إن فيما فعلنا يا محمد بنوح ومن معه من المؤمنين في الفلك المشحون، حين أنزلنا بأسنا وسطوتنا بقومه الذين كذبوه، لآية لك ولقومك المصدقيك منهم والمكذبيك، في أن سنتنا تنجية رسلنا وأتباعهم إذا نزلت نقمتنا 17P606 بالمكذبين بهم من قومهم، وإهلاك المكذبين بالله، وكذلك سنتي فيك وفي قومك. {وما كان أكثرهم مؤمنين} [الشعراء: 8] يقول: ولم يكن أكثر قومك بالذين يصدقونك مما سبق في قضاء الله أنهم لن يؤمنوا. {وإن ربك لهو العزيز} [الشعراء: 9] في انتقامه ممن كفر به، وخالف أمره {الرحيم} [الفاتحة: 1] بالتائب منهم، أن يعاقبه بعد توبته. 17P605 [الشعراء: 123_124_125_126_127] القول في تأويل قوله تعالى: {كذبت عاد المرسلين إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين} [الشعراء: 123_124_125_126_127] يقول تعالى ذكره: {كذبت عاد} [الشعراء: 123] رسل الله إليهم. {إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون} [الشعراء: 124] عقاب الله على كفركم به. {إني لكم رسول} [الشعراء: 107] من ربي يأمركم بطاعته، ويحذركم على كفركم بأسه، {أمين} [الأعراف: 68] على وحيه ورسالته. {فاتقوا الله} [آل عمران: 50] بطاعته والانتهاء إلى ما يأمركم وينهاكم {وأطيعون} [آل عمران: 50] فيما آمركم به من اتقاء الله وتحذيركم سطوته. {وما أسألكم عليه من أجر} [الشعراء: 109] يقول: وما أطلب منكم على أمري إياكم باتقاء الله جزاء ولا ثوابا. {إن أجري إلا على رب العالمين} [الشعراء: 109] يقول: ما جزائي وثوابي على نصيحتي إياكم إلا على رب العالمين. 17P606

Sección V17/P605–V17/P610

[الشعراء: 128_129_130] القول في تأويل قوله تعالى: {أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين} [الشعراء: 128_129_130] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هود لقومه: {أتبنون بكل ريع آية تعبثون} [الشعراء: 128] والريع: 17P607 كل مكان مشرف من الأرض مرتفع، أو طريق أو واد؛ ومنه قول ذي الرمة: [+البحر الطويل] طراق الخوافي مشرف فوق ريعة ندى ليله في ريشه يترقرق وقول الأعشى: [+البحر المتقارب] ويهماء قفر تجاوزتها إذا خب في ريعها آلها وفيه لغتان: ريع وريع بكسر الراء وفتحها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {أتبنون بكل ريع آية تعبثون} [الشعراء: 128] يقول: بكل شرف " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {بكل ريع} [الشعراء: 128] قال: فج " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: " {أتبنون بكل ريع آية} [الشعراء: 128] قال: بكل طريق " حدثني سليمان بن عبيد الله الغيلاني، قال: ثنا أبو قتيبة، قال: ثنا مسلم بن خالد، قال: ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " {أتبنون بكل ريع} [الشعراء: 128] قال: " الريع: الثنية الصغيرة ". حدثني يونس، قال: أخبرنا يحيى بن حسان، عن مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عكرمة: " {بكل ريع} [الشعراء: 128] قال: فج وواد " قال: وقال مجاهد: " {بكل ريع} [الشعراء: 128] بين جبلين " قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: " {أتبنون بكل ريع} [الشعراء: 128] قال: شرف ومنظر " حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {بكل ريع} [الشعراء: 128] قال: بكل طريق " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {بكل ريع} [الشعراء: 128] بكل طريق ". ويعني بقوله {آية} [الشعراء: 128] بنيانا علما. وقد بينا في غير موضع من كتابنا هذا أن الآية هي الدلالة والعلامة بالشواهد المغنية عن إعادتها في هذا الموضع. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في ألفاظهم في تأويله. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {بكل ريع آية} [الشعراء: 128] قال: " الآية: علم " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {بكل ريع آية} [الشعراء: 128] قال: آية: بنيان " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {آية} [الشعراء: 128] بنيان " حدثني علي بن سهل، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله: " {بكل ريع آية} [الشعراء: 128] قال: بنيان الحمام " وقوله: {تعبثون} [الشعراء: 128] قال: تلعبون.

Sección V17/P610–V17/P612

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {تعبثون} [الشعراء: 128] قال: تلعبون " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {تعبثون} [الشعراء: 128] قال: تلعبون " وقوله: {وتتخذون مصانع} [الشعراء: 129] اختلف أهل التأويل في معنى المصانع، فقال بعضهم: هي قصور مشيدة ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وتتخذون مصانع} [الشعراء: 129] قال: قصور مشيدة، وبنيان مخلد " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {مصانع} [الشعراء: 129] قصور مشيدة وبنيان " حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن مجاهد، قال: " {مصانع} [الشعراء: 129] يقول: حصون وقصور " حدثني يونس، قال: أخبرنا يحيى بن حسان، عن مسلم، عن رجل، عن مجاهد، قوله: " {مصانع لعلكم تخلدون} [الشعراء: 129] قال: أبرجة الحمام ". وقال آخرون: بل هي مآخذ للماء ذكر من قال ذلك: حدثني الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {مصانع} [الشعراء: 129] قال: مآخذ للماء ". 17P612 قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن المصانع جمع مصنعة، والعرب تسمي كل بناء مصنعة، وجائز أن يكون ذلك البناء كان قصورا وحصونا مشيدة، وجائز أن يكون كان مآخذ للماء، ولا خبر يقطع العذر بأي ذلك كان، ولا هو مما يدرك من جهة العقل. فالصواب أن يقال فيه ما قال الله: إنهم كانوا يتخذون مصانع. وقوله: {لعلكم تخلدون} [الشعراء: 129] يقول: كأنكم تخلدون، فتبقون في الأرض. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {لعلكم تخلدون} [الشعراء: 129] يقول: كأنكم تخلدون " حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: قال " في بعض الحروف {وتتخذون مصانع} [الشعراء: 129] كأنكم تخلدون ". وكان ابن زيد يقول: {لعلكم} [الشعراء: 129] في هذا الموضع استفهام ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " { 17P613 وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون} [الشعراء: 129] قال: هذا استفهام، يقول: لعلكم تخلدون حين تبنون هذه الأشياء؟ وكان بعض أهل العربية يزعم أن لعلكم في هذا الموضع بمعنى كيما " وقوله: {وإذا بطشتم بطشتم جبارين} [الشعراء: 130] يقول: وإذا سطوتم سطوتم قتلا بالسيوف، وضربا بالسياط كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: " {وإذا بطشتم بطشتم جبارين} [الشعراء: 130] قال: القتل بالسيف والسياط " 17P613

Sección V17/P612

[الشعراء: 131_132_133_134_135] القول في تأويل قوله تعالى: {فاتقوا الله وأطيعون واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} [الشعراء: 131_132_133_134_135] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هود لقومه من عاد: اتقوا عقاب الله أيها القوم بطاعتكم إياه فيما أمركم ونهاكم، وانتهوا عن اللهو واللعب وظلم الناس وقهرهم بالغلبة والفساد في الأرض ، واحذروا سخط الذي أعطاكم من عنده ما تعلمون، وأعانكم به من بين المواشي والبنين والبساتين والأنهار. {إني أخاف عليكم عذاب يوم} [الأعراف: 59] من الله {عظيم} [البقرة: 7] . 17P613

Sección V17/P612–V17/P616

[الشعراء: 136_137_138] القول في تأويل قوله تعالى: {قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين إن هذا إلا خلق الأولين وما نحن بمعذبين} [الشعراء: 136_137_138] يقول تعالى ذكره: قالت عاد لنبيهم هود صلى الله عليه وسلم: معتدل عندنا وعظك إيانا وتركك الوعظ، فلن نؤمن لك ولن نصدقك على ما جئتنا به. وقوله: {إن هذا إلا خلق الأولين} [الشعراء: 137] اختلفت القراء في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قراء المدينة سوى أبي جعفر، وعامة قراء الكوفة المتأخرين منهم: {إن هذا إلا خلق الأولين} [الشعراء: 137] من قبلنا، وقرأ ذلك أبو جعفر، وأبوعمرو بن العلاء: (إن هذا إلا خلق الأولين) ، بفتح الخاء وتسكين اللام، بمعنى: ما هذا الذي جئتنا به إلا كذب الأولين وأحاديثهم. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، نحو اختلاف القراء في قراءته، فقال بعضهم: معناه: ما هذا إلا دين الأولين وعادتهم وأخلاقهم. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {إن هذا إلا خلق الأولين} [الشعراء: 137] يقول: دين الأولين " حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: " {إن هذا إلا خلق الأولين} [الشعراء: 137] يقول: هكذا خلقة الأولين، وهكذا كانوا يحيون ويموتون ". وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما هذا إلا كذب الأولين وأساطيرهم. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {إن هذا إلا خلق الأولين} [الشعراء: 137] قال: أساطير الأولين " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {إلا خلق الأولين} [الشعراء: 137] قال: كذبهم ". حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {إن هذا إلا خلق الأولين} [الشعراء: 137] قال: إن هذا إلا أمر الأولين وأساطير الأولين اكتتبها فهي تملى 17P616 عليه بكرة وأصيلا " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر، عن علقمة، عن ابن مسعود: " {إن هذا إلا خلق الأولين} [الشعراء: 137] يقول: إن هذا إلا اختلاق الأولين " قال ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا داود، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله، أنه كان يقرأ " {إن هذا إلا خلق الأولين} [الشعراء: 137] ويقول شيء اختلقوه " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي، قال: قال علقمة: " {إن هذا إلا خلق الأولين} [الشعراء: 137] قال: اختلاق الأولين ". وأولى القراءتين في ذلك بالصواب: قراءة من قرأ {إن هذا إلا خلق الأولين} [الشعراء: 137] بضم الخاء واللام، بمعنى: إن هذا إلا عادة الأولين ودينهم، كما قال ابن عباس، لأنهم إنما عوتبوا على البنيان الذي كانوا يتخذونه، وبطشهم بالناس بطش الجبابرة، وقلة شكرهم ربهم فيما أنعم عليهم، فأجابوا نبيهم بأنهم يفعلون ما يفعلون من ذلك احتذاء منهم سنة من قبلهم من الأمم، واقتفاء منهم آثارهم، فقالوا: ما هذا الذي نفعله إلا خلق الأولين، يعنون بالخلق: عادة الأولين.

Sección V17/P616

ويزيد ذلك بيانا وتصحيحا لما اخترنا من القراءة والتأويل، قولهم: {وما نحن بمعذبين} [الشعراء: 138] لأنهم 17P617 لو كانوا لا يقرون بأن لهم ربا يقدر على تعذيبهم ما قالوا: {وما نحن بمعذبين} [الشعراء: 138] بل كانوا يقولون: إن هذا الذي جئتنا به يا هود إلا خلق الأولين، وما لنا من معذب يعذبنا، ولكنهم كانوا مقرين بالصانع، ويعبدون الآلهة، على نحو ما كان مشركو العرب يعبدونها، ويقولون: إنها تقربنا إلى الله زلفى، فلذلك قالوا لهود وهم منكرون نبوته: {سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين} [الشعراء: 136] ثم قالوا له: ما هذا الذي نفعله إلا عادة من قبلنا وأخلاقهم، وما الله معذبنا عليه، كما أخبرنا تعالى ذكره عن الأمم الخالية قبلنا أنهم كانوا يقولون لرسلهم: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} [الزخرف: 23] 17P616

Sección V17/P616–V17/P617

[الشعراء: 139_140] القول في تأويل قوله تعالى: {فكذبوه فأهلكناهم، إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم} [الشعراء: 139_140] يقول تعالى ذكره: فكذبت عاد رسول ربهم هودا، والهاء في قوله {فكذبوه} [الأعراف: 64] من ذكر هود. {فأهلكناهم} [الأنعام : 6] يقول: فأهلكنا عادا بتكذيبهم رسولنا. {إن في ذلك لآية} [البقرة: 248] يقول تعالى ذكره: إن في إهلاكنا عادا بتكذيبها رسولها لعبرة وموعظة لقومك يا محمد المكذبيك فيما أتيتهم به من عند ربك. {وما كان أكثرهم مؤمنين} [الشعراء: 8] يقول: وما كان أكثر من أهلكنا بالذين يؤمنون في سابق علم الله. {وإن ربك لهو العزيز} [الشعراء: 9] في انتقامه من أعدائه، {الرحيم} [الفاتحة: 1] بالمؤمنين به 17P617 [الشعراء: 141_142_143_144_145] القول في تأويل قوله تعالى: {كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر، إن أجري إلا على رب العالمين} [الشعراء: 141_142_143_144_145] يقول تعالى ذكره: كذبت ثمود رسل الله، إذ دعاهم صالح أخوهم إلى الله، فقال لهم: ألا تتقون عقاب الله يا قوم على معصيتكم إياه، وخلافكم أمره، بطاعتكم أمر المفسدين في أرض الله. {إني لكم رسول} [الشعراء: 107] من الله أرسلني إليكم بتحذيركم عقوبته على خلافكم أمره {أمين} [الأعراف: 68] على رسالته التي أرسلها معي إليكم. {فاتقوا الله} [آل عمران: 50] أيها القوم، واحذروا عقابه {وأطيعون} [آل عمران: 50] في تحذيري إياكم، وأمر ربكم باتباع طاعته. {وما أسألكم عليه من أجر} [الشعراء: 109] يقول: وما أسألكم على نصحي إياكم وإنذاركم من جزاء ولا ثواب. {إن أجري إلا على رب العالمين} [الشعراء: 109] يقول: إن جزائي وثوابي إلا على رب جميع ما في السموات، وما في الأرض، وما بينهما من خلق. 17P618

Sección V17/P617–V17/P622

[الشعراء: 146_147_148_149_150] القول في تأويل قوله تعالى: {أتتركون في ما هاهنا آمنين في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين فاتقوا الله وأطيعون} [الشعراء: 146_147_148_149_150] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل صالح لقومه من ثمود: أيترككم يا قوم ربكم في هذه الدنيا آمنين، لا تخافون شيئا. {في جنات وعيون} [الحجر: 45] يقول: في بساتين وعيون ماء. {وزروع ونخل طلعها هضيم} [الشعراء: 148] يعني بالطلع: الكفرى. 17P619 واختلف أهل التأويل في معنى قوله {هضيم} [الشعراء: 148] فقال بعضهم: معناه اليانع النضيج ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي ، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {ونخل طلعها هضيم} [الشعراء: 148] يقول: أينع وبلغ فهو هضيم ". وقال آخرون: بل هو المتهشم المتفتت ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " {ونخل طلعها هضيم} [الشعراء: 148] قال محمد بن عمرو في حديثه: تهشم هشيما. وقال الحارث: تهشم تهشما " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: سمعت عبد الكريم، يقول: سمعت مجاهدا، يقول في قوله: " {ونخل طلعها هضيم} [الشعراء: 148] قال: حين تطلع يقبض عليه فيهضمه " قال ابن جريج: قال مجاهد: " 17P620 إذا مس تهشم وتفتت، قال: هو من الرطب هضيم تقبض عليه فتهضمه ". وقال آخرون: هو الرطب اللين ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، قوله: {ونخل طلعها هضيم} [الشعراء: 148] قال: " الهضيم: الرطب اللين ". وقال آخرون: هو الراكب بعضه بعضا. ذكر من قال ذلك: حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {طلعها هضيم} [الشعراء: 148] «إذا كثر حمل النخلة فركب بعضها بعضا، حتى نقص بعضها بعضا، فهو حينئذ هضيم» . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: الهضيم: هو المتكسر من لينه ورطوبته، وذلك من قولهم: هضم فلان حقه: إذا انتقصه وتحيفه، فكذلك الهضم في الطلع، إنما هو التنقص منه من رطوبته ولينه إما بمس الأيدي، وإما بركوب بعضه بعضا، وأصله مفعول صرف إلى فعيل. وقوله: {وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين} [الشعراء: 149] يقول تعالى ذكره: وتتخذون من الجبال بيوتا. فاختلفت القراء في قراءة قوله {فارهين} [الشعراء: 149] فقرأته عامة قراء أهل الكوفة: {فارهين} [الشعراء: 149] بمعنى: حاذقين بنحتها. وقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة: (فرهين) ، بغير ألف، بمعنى: أشرين بطرين. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك على نحو اختلاف القراء في قراءته، فقال بعضهم: معنى {فارهين} [الشعراء: 149] : حاذقين ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثام، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، وعبد الله بن شداد: " {وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين} [الشعراء: 149] قال أحدهما: حاذقين، وقال الآخر: يتجبرون " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا مروان، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح: " {وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين} [الشعراء: 149] قال: حاذقين بنحتها " حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {فارهين} [الشعراء: 149] يقول: حاذقين ". 17P622 وقال آخرون: معنى فارهين مستفرهين متجبرين. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن السدي، عن عبد الله بن شداد، في قوله: (فرهين) ، قال: يتجبرون ". قال أبو جعفر: والصواب: {فارهين} [الشعراء: 149] .

Sección V17/P622–V17/P624

وقال آخرون ممن قرأه {فارهين} [الشعراء: 149] : معنى ذلك: كيسين ذكر من قال ذلك: حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {فارهين} [الشعراء: 149] قال: كيسين " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد، عن الضحاك أنه قرأ " {فارهين} [الشعراء: 149] قال: كيسين ". وقال آخرون: فرهين: أشرين ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: " {وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين} [الشعراء: 149] يقول: أشرين، ويقال: كيسين " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (بيوتا فرهين) ، قال: شرهين ". حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بمثله. وقال آخرون: معنى ذلك: أقوياء. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " (وتنحتون من الجبال بيوتا فرهين) ، قال: الفره: القوي " وقال آخرون في ذلك بما: حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " (فرهين) ، قال: معجبين بصنيعكم ". والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن قراءة من قرأها {فارهين} [الشعراء: 149] ، وقراءة من قرأ (فرهين) ، قراءتان معروفتان مستفيضة القراءة بكل واحدة منهما في علماء القراء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. ومعنى قراءة من قرأ {فارهين} [الشعراء: 149] حاذقين بنحتها، متخبرين لمواضع نحتها، كيسين، من الفراهة. ومعنى قراءة من قرأ (فرهين) : مرحين أشرين. وقد يجوز أن يكون معنى فاره وفره واحدا، فيكون فاره مبنيا على بنائه، وأصله من فعل يفعل، ويكون فره صفة، كما يقال: فلان حاذق بهذا الأمر وحذق. ومن الفاره بمعنى المرح قول الشاعر عدي بن وادع العوفي من الأزد: [+البحر البسيط] لا أستكين إذا ما أزمة أزمت ولن تراني بخير فاره الطلب أي مرح الطلب وقوله: {فاتقوا الله وأطيعون} [آل عمران: 50] يقول تعالى ذكره: فاتقوا عقاب الله أيها القوم على معصيتكم ربكم وخلافكم أمره، وأطيعون في نصيحتي لكم، وإنذاري إياكم عقاب الله ترشدوا. 17P624

Sección V17/P624–V17/P626

[الشعراء: 151_152_153] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون قالوا إنما أنت من المسحرين} [الشعراء: 151_152_153] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل صالح لقومه من ثمود: لا تطيعوا أيها القوم 17P625 أمر المسرفين على أنفسهم في تماديهم في معصية الله، واجترائهم على سخطه. وهم الرهط التسعة الذين كانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون من ثمود الذين وصفهم الله جل ثناؤه بقوله: {وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون} [النمل: 48] يقول: الذين يسعون في أرض الله بمعاصيه، ولا يصلحون، يقول: ولا يصلحون أنفسهم بالعمل بطاعة الله. وقوله: {إنما أنت من المسحرين} [الشعراء: 153] اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه إنما أنت من المسحورين. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {إنما أنت من المسحرين} [الشعراء: 153] قال: من المسحورين ". حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {إنما أنت من المسحرين} [الشعراء: 153] قال: إنما أنت من المسحورين ". وقال آخرون: معناه: من المخلوقين ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عبيد، قال: ثنا موسى بن عمرو، عن أبي صالح، عن ابن عباس، في قوله: " {إنما أنت من المسحرين} [الشعراء: 153] قال: من المخلوقين ". واختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى ذلك، فكان بعض أهل البصرة يقول: كل من أكل من إنس أو دابة فهو مسحر، وذلك لأن له سحرا يقري ما أكل فيه، واستشهد على ذلك بقول لبيد: [+البحر الطويل] فإن تسألينا فيم نحن فإننا عصافير من هذا الأنام المسحر وقال بعض نحويي الكوفيين نحو هذا، غير أنه قال: أخذ من قولك: انتفخ سحرك: أي أنك تأكل الطعام والشراب، فتسحر به وتعلل. وقال: معنى قول لبيد: من هذا الأنام المسحر: من هذا الأنام المعلل المخدوع. قال: ويروى أن السحر من ذلك، لأنه كالخديعة. والصواب من القول في ذلك عندي: القول الذي ذكرته عن ابن عباس، أن معناه: إنما أنت من المخلوقين الذين يعللون بالطعام والشراب مثلنا، ولست ربا ولا ملكا فنطيعك ونعلم أنك صادق فيما تقول. والمسحر: المفعل من السحرة، وهو الذي له سحرة. 17P627

Sección V17/P626–V17/P628

[الشعراء: 154_155_156] القول في تأويل قوله تعالى: {ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم} [الشعراء: 154_155_156] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل ثمود لنبيها صالح: {ما أنت} [طه: 72] يا صالح {إلا بشر مثلنا} [إبراهيم: 10] من بني آدم، تأكل ما نأكل، وتشرب ما نشرب، ولست برب ولا ملك، فعلام نتبعك؟ فإن كنت صادقا في قيلك وأن الله أرسلك إلينا {فأت بآية} [الشعراء: 154] يعني: بدلالة وحجة على أنك محق فيما تقول، إن كنت ممن صدقنا في دعواه أن الله أرسله إلينا. وقد: حدثني أحمد بن عمرو البصري، قال: ثنا عمرو بن عاصم الكلابي، قال: ثنا داود بن أبي الفرات، قال: ثنا علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس: " أن صالحا النبي، صلى الله عليه وسلم بعثه الله إلى قومه، فآمنوا به واتبعوه، فمات صالح، فرجعوا عن الإسلام، فأتاهم صالح فقال لهم: أنا صالح، قالوا: إن كنت صادقا فأتنا بآية، فأتاهم بالناقة، فكذبوه وعقروها، فعذبهم الله " وقوله: {قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم} [الشعراء: 155] يقول تعالى ذكره: قال صالح لثمود لما سألوه آية يعلمون بها صدقه، فأتاهم بناقة أخرجها من صخرة أو هضبة: هذه ناقة يا قوم، لها شرب ولكم مثله شرب يوم آخر معلوم، 17P628 ما لكم من الشرب، ليس لكم في يوم وردها أن تشربوا من شربها شيئا، ولا لها أن تشرب في يومكم مما لكم شيئا. ويعني بالشرب: الحظ والنصيب من الماء، يقول: لها حظ من الماء، ولكم مثله، والشرب والشرب والشرب مصادر كلها بالضم والفتح والكسر. وقد حكي عن العرب سماعا: آخرها أقلها شربا وشربا. وقوله: {ولا تمسوها بسوء} [الأعراف: 73] يقول: لا تمسوها بما يؤذيها من عقر وقتل ونحو ذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله: " {ولا تمسوها بسوء} [الأعراف: 73] لا تعقروها " وقوله: {فيأخذكم عذاب يوم عظيم} [الشعراء: 156] يقول: فيحل بكم من الله عذاب يوم عظيم عذابه. 17P628 [الشعراء: 157_158_159] القول في تأويل قوله تعالى: {فعقروها فأصبحوا نادمين فأخذهم العذاب، إن في ذلك لآية، وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم} [الشعراء: 157_158_159] يقول تعالى ذكره، فخالفت ثمود أمر نبيها صالح صلى الله عليه وسلم، فعقروا الناقة التي قال لهم صالح: لا تمسوها بسوء، فأصبحوا نادمين على عقرها، فلم ينفعهم ندمهم، وأخذهم عذاب الله الذي كان صالح توعدهم به فأهلكهم. {إن في ذلك لآية} [البقرة: 248] يقول: إن في إهلاك ثمود بما فعلت من عقرها ناقة الله وخلافها أمر نبي الله صالح لعبرة لمن اعتبر به يا محمد من قومك. {وما كان أكثرهم مؤمنين} [الشعراء : 8] يقول: ولن يؤمن أكثرهم في سابق علم الله. {وإن ربك} [الرعد: 6] يا محمد {لهو العزيز} [آل عمران: 62] في انتقامه من أعدائه {الرحيم} [الفاتحة: 1] بمن آمن به من خلقه. 17P629

Sección V17/P628–V17/P630

[الشعراء: 160_161_162_163_164] القول في تأويل قوله تعالى: {كذبت قوم لوط المرسلين إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر، إن أجري إلا على رب العالمين} [الشعراء: 160_161_162_163_164] يقول تعالى ذكره: {كذبت قوم لوط} [الشعراء: 160] من أرسله الله إليهم من الرسل حين {قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون} [الشعراء: 161] الله أيها القوم. {إني لكم رسول} [الشعراء: 107] من ربكم {أمين} [الأعراف: 68] على وحيه، وتبليغ رسالته. {فاتقوا الله} [آل عمران: 50] في أنفسكم، أن يحل بكم عقابه على تكذيبكم رسوله {وأطيعون} [آل عمران: 50] فيما دعوتكم إليه أهدكم سبيل الرشاد. {وما أسألكم عليه من أجر} [الشعراء: 109] يقول: وما أسألكم على نصيحتي لكم ودعايتكم إلى ربي جزاء ولا ثوابا. {إن أجري إلا على رب العالمين} [الشعراء: 109] يقول: ما جزائي على دعايتكم إلى الله، وعلى نصحي لكم وتبليغ رسالات الله إليكم، إلا على رب العالمين. 17P629 [الشعراء: 165_166] القول في تأويل قوله تعالى: {أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم، بل أنتم قوم عادون} [الشعراء: 165_166] يعني بقوله: {أتأتون الذكران من العالمين} [الشعراء: 165] أتنكحون الذكران من بني آدم 17P630 في أدبارهم. وقوله: {وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم} [الشعراء: 166] يقول: وتدعون الذي خلق لكم ربكم من أزواجكم من فروجهن، فأحله لكم. وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: «وتذرون ما أصلح لكم ربكم من أزواجكم» ، وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " {وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم} [الشعراء: 166] قال: تركتم أقبال النساء إلى أدبار الرجال وأدبار النساء ". حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج ، عن ابن جريج، عن مجاهد بنحوه وقوله: {بل أنتم قوم عادون} [الشعراء: 166] يقول: بل أنتم قوم تتجاوزون ما أباح لكم ربكم، وأحله لكم من الفروج إلى ما حرم عليكم منها. كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: " {بل أنتم قوم عادون} [الشعراء: 166] قال: قوم معتدون " 17P630 [الشعراء: 167_168] القول في تأويل قوله تعالى: {قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين قال إني لعملكم من القالين} [الشعراء: 167_168] يقول تعالى ذكره: قال قوم لوط: {لئن لم تنته يا لوط} [الشعراء: 167] عن نهينا عن إتيان الذكران {لتكونن من المخرجين} [الشعراء: 167] من بين أظهرنا وبلدنا. {قال إني لعملكم من القالين} [الشعراء: 168] يقول لهم لوط: إني لعملكم الذي تعملونه من إتيان الذكران في أدبارهم من القالين، يعني من المبغضين المنكرين فعله. 17P631 [الشعراء: 169_170_171] القول في تأويل قوله تعالى: {رب نجني وأهلي مما يعملون فنجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزا في الغابرين} [الشعراء: 169_170_171] يقول تعالى ذكره: فاستغاث لوط حين توعده قومه بالإخراج من بلدهم إن هو لم ينته عن نهيهم عن ركوب الفاحشة، فقال {رب نجني وأهلي} [الشعراء: 169] من عقوبتك إياهم على ما يعملون من إتيان الذكران، {فنجيناه وأهله} [الأنبياء: 76] من عقوبتنا التي عاقبنا بها قوم لوط {أجمعين، إلا عجوزا في الغابرين} [الشعراء: 170] يعني في الباقين، لطول مرور السنين عليها، فصارت هرمة، فإنها أهلكت من بين أهل لوط، لأنها كانت تدل قومها على الأضياف. وقد قيل: إنما قيل من الغابرين لأنها لم تهلك مع قومها في قريتهم، وأنها إنما أصابها الحجر بعد ما خرجت عن قريتهم مع لوط وابنتيه، فكانت من الغابرين بعد قومها، ثم أهلكها الله بما أمطر على بقايا قوم لوط من الحجارة، وقد بينا ذلك فيما مضى بشواهده المغنية عن إعادتها 17P631

Preguntas