Taberî — Câmiü'l-Beyân
[النمل: 35_36_37] القول في تأويل قوله تعالى: {وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال، فما آتاني الله خير مما آتاكم، بل أنتم بهديتكم تفرحون ارجع إليهم، فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها، ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون} [النمل: 35_36_37] ذكر أنها قالت: إني مرسلة إلى سليمان، لتختبره بذلك وتعرفه به، أملك هو، أم نبي؟ وقالت: إن يكن نبيا لم يقبل الهدية، ولم يرضه منا إلا أن نتبعه على دينه، وإن يكن ملكا قبل الهدية وانصرف. ذكر الرواية عمن قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قالت: " {وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون} [النمل: 35] قال: وبعثت إليه بوصائف ووصفاء، وألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ذكر من أنثى، فقالت: إن زيل بينهم حتى يعرف الذكر من الأنثى، ثم رد الهدية فإنه نبي، وينبغي لنا أن نترك ملكنا، ونتبع دينه، ونلحق به " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {وإني مرسلة إليهم بهدية} [النمل: 35] قال: بجوار لباسهم لباس الغلمان، وغلمان لباسهم لباس الجواري " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قولها: " {وإني مرسلة إليهم بهدية} [النمل: 35] قال: مائتي غلام ومائتي جارية " قال ابن جريج، قال مجاهد: قوله: " {بهدية} [النمل: 35] قال: جوار ألبستهن لباس الغلمان، وغلمان ألبستهم لباس الجواري " قال ابن جريج: قال مجاهد: قالت: «فإن خلص الجواري من الغلمان، ورد الهدية فإنه نبي، وينبغي لنا أن نتبعه» . 18P054 قال ابن جريج، قال مجاهد: «فخلص سليمان بعضهم من بعض، ولم يقبل هديتها» قال: ثنا الحسين، قال: ثنا سفيان، عن معمر، عن ثابت البناني، قال: «أهدت له صفائح الذهب في أوعية الديباج؛ فلما بلغ ذلك سليمان أمر الجن فموهوا له الآجر بالذهب، ثم أمر به فألقي في الطرق؛ فلما جاءوا فرأوه ملقى ما يلتفت إليه، صغر في أعينهم ما جاءوا به» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها} [النمل: 34] . . الآية، وقالت: إن هذا الرجل إن كان إنما همته الدنيا فسنرضيه، وإن كان إنما يريد الدين فلن يقبل غيره {وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون} [النمل: 35] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، قال: " كانت بلقيس امرأة لبيبة أديبة في بيت ملك، لم تملك إلا لبقايا من مضى من أهلها، إنه قد سيست وساست حتى أحكمها ذلك، وكان دينها ودين قومها فيما ذكر الزنديقية؛ فلما قرأت الكتاب سمعت كتابا ليس من كتب الملوك التي كانت قبلها، فبعثت إلى المقاولة من أهل اليمن، فقالت لهم: {يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم. إنه من سليمان، وإنه بسم الله الرحمن الرحيم. ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين} [النمل: 30] إلى قوله {بم يرجع المرسلون} [النمل: 35] ثم قالت: إنه قد جاءني كتاب لم يأتني مثله من ملك من 18P055 الملوك قبله، فإن يكن الرجل نبيا مرسلا فلا طاقة لنا به ولا قوة، وإن يكن الرجل ملكا يكاثر، فليس بأعز منا ولا أعد.
فهيأت هدايا مما يهدى للملوك، مما يفتنون به، فقالت: إن يكن ملكا فسيقبل الهدية ويرغب في المال، وإن يكن نبيا فليس له في الدنيا حاجة، وليس إياها يريد، إنما يريد أن ندخل معه في دينه، ونتبعه على أمره، أو كما قالت " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {وإني مرسلة إليهم بهدية} [النمل: 35] بعثت بوصائف ووصفاء، لباسهم لباس واحد، فقالت: إن زيل بينهم حتى يعرف الذكر من الأنثى، ثم رد الهدية فهو نبي، وينبغي لنا أن نتبعه، وندخل في دينه؛ فزيل سليمان بين الغلمان والجواري، ورد الهدية، فقال {أتمدونن بمال، فما آتاني الله خير مما آتاكم} [النمل: 36] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " كان في الهدايا التي بعثت بها وصائف ووصفاء يختلفون في ثيابهم لتمييز الغلمان من الجواري، قال: فدعا بماء، فجعل الجواري يتوضأن من المرفق إلى أسفل، وجعل الغلمان يتوضئون من المرفق إلى فوق ". قال: وكان أبي يحدثنا هذا الحديث حدثنا عبد الأعلى، قال: ثنا مروان بن معاوية، قال: ثنا إسماعيل، عن أبي صالح: " {وإني مرسلة إليهم بهدية} [النمل: 35] قال: أرسلت بلبنة من ذهب، وقالت: إن 18P056 كان يريد الدنيا علمته، وإن كان يريد الآخرة علمته " وقوله: {فناظرة بم يرجع المرسلون} [النمل: 35] تقول: فأنظر بأي شيء من خبره وفعله في هديتي التي أرسلها إليه ترجع رسلي، أبقبول وانصراف عنا، أم برد الهدية والثبات على مطالبتنا باتباعه على دينه؟ وأسقطت الألف من «ما» في قوله {بم} [النمل: 35] وأصله: بما، لأن العرب إذا كانت «ما» بمعنى أي، ثم وصلوها بحرف خافض أسقطوا ألفها تفريقا بين الاستفهام وغيره، كما قال جل ثناؤه {عم يتساءلون} [النبأ : 1]، و {قالوا فيم كنتم} [النساء: 97] ، وربما أثبتوا فيها الألف، كما قال الشاعر: [+البحر الوافر] علاما قام يشتمني لئيم كخنزير تمرغ في تراب وقالت: {وإني مرسلة إليهم} [النمل: 35] وإنما أرسلت إلى سليمان وحده على النحو الذي بينا في قوله: {على خوف من فرعون وملئهم} [يونس: 83] وقوله: {فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال} [النمل: 36] إن قال قائل: وكيف قيل: {فلما جاء سليمان} [النمل: 36] فجعل الخبر في مجيء سليمان عن واحد، وقد قال قبل ذلك {فناظرة بم يرجع المرسلون} [النمل: 35] فإن كان الرسول كان واحدا، فكيف قيل {بم يرجع المرسلون} [النمل: 35] وإن كانوا جماعة فكيف قيل: {فلما جاء سليمان} [النمل: 36] ؟ قيل: هذا نظير ما قد بينا قبل من إظهار العرب الخبر في أمر كان من واحد على وجه الخبر عن جماعة إذا لم يقصد قصد الخبر عن شخص واحد بعينه، يشار إليه بعينه، فسمي في الخبر. وقد قيل: إن الرسول الذي وجهته ملكة سبأ إلى سليمان كان امرءا واحدا، فلذلك قال: {فلما جاء سليمان} [النمل: 36] يراد به: فلما جاء الرسول سليمان؛ واستدل قائلو ذلك على صحة ما قالوا من ذلك بقول سليمان للرسول: {ارجع إليهم} [النمل: 37] وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله (فلما جاءوا سليمان) على الجمع، وذلك للفظ قوله: {بم يرجع المرسلون} [النمل: 35] فصلح الجمع للفظ والتوحيد للمعنى. وقوله: {قال أتمدونن بمال} [النمل: 36] يقول: قال سليمان لما جاء الرسول من قبل المرأة بهداياها: أتمدونن بمال. واختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قراء أهل المدينة: (أتمدونني) ، بنونين وإثبات الياء. وقرأه بعض الكوفيين مثل ذلك، غير أنه حذف الياء من آخر ذلك وكسر النون الأخيرة. وقرأه بعض قراء البصرة بنونين، وإثبات الياء في الوصل وحذفها في الوقف. وقرأه بعض قراء الكوفة بتشديد النون وإثبات الياء. 18P058 وكل هذه القراءات متقاربات وجميعها صواب، لأنها معروفة في لغات العرب، مشهورة في منطقها. وقوله: {فما آتاني الله خير مما آتاكم} [النمل: 36] يقول: فما آتاني الله من المال والدنيا أكثر مما أعطاكم منها وأفضل.
{بل أنتم بهديتكم تفرحون} [النمل: 36] يقول: ما أفرح بهديتكم التي أهديتم إلي، بل أنتم تفرحون بالهدية التي تهدى إليكم، لأنكم أهل مفاخرة بالدنيا، ومكاثرة بها، وليست الدنيا وأموالها من حاجتي، لأن الله تعالى ذكره قد مكنني منها وملكني فيها ما لم يملك أحدا. {ارجع إليهم} [النمل: 37] وهذا قول سليمان لرسول المرأة {ارجع إليهم، فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها} [النمل: 37] لا طاقة لهم بها، ولا قدرة لهم على دفعهم عما أرادوا منهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، قال: " لما أتت الهدايا سليمان فيها الوصائف والوصفاء، والخيل العراب، وأصناف من أصناف الدنيا، قال للرسل الذين جاءوا به: {أتمدونن بمال، فما آتاني الله خير مما آتاكم، بل أنتم بهديتكم تفرحون} [النمل: 36] لأنه لا حاجة لي بهديتكم، وليس رأيي فيه كرأيكم، فارجعوا إليها بما جئتم به من عندها، {فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها} [النمل: 37] " حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله: " {فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها} [النمل: 37] قال: لا طاقة لهم بها " وقوله: {ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون} [النمل: 37] يقول: ولنخرجن من أرسلكم من أرضهم أذلة وهم صاغرون إن لم يأتوني مسلمين. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه: " {ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون} [النمل: 37] ، أو لتأتيني مسلمة هي وقومها " 18P059
[النمل: 38_39_40] القول في تأويل قوله تعالى: {قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم} [النمل: 38_39_40] اختلف أهل العلم في الحين الذي قال فيه سليمان {يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها} [النمل: 38] فقال بعضهم: قال ذلك حين أتاه الهدهد بنبأ صاحبة سبأ، وقال له: {جئتك من سبأ بنبأ يقين} وأخبره أن لها عرشا عظيما، فقال له سليمان صلى الله عليه وسلم: {سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين} [النمل: 27] فكان اختباره صدقه من كذبه بأن قال لهؤلاء: أيكم يأتيني بعرش هذه المرأة قبل أن يأتوني مسلمين. وقالوا إنما كتب سليمان الكتاب مع الهدهد إلى المرأة بعد ما صح عنده صدق الهدهد بمجيء العالم بعرشها إليه على ما وصفه به الهدهد، قالوا: ولولا ذلك كان محالا أن يكتب معه كتابا إلى من لا يدري، هل هو في الدنيا أم لا؟ قالوا: وأخرى أنه لو كان كتب مع الهدهد كتابا إلى المرأة قبل مجيء عرشها إليه، وقبل علمه صدق الهدهد بذلك، لم يكن لقوله له {سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين} [النمل: 27] معنى، لأنه لا يلم بخبره الثاني من إبلاغه إياها الكتاب، أو ترك إبلاغه إياها ذلك، إلا نحو الذي علم بخبره الأول حين قال له: {جئتك من سبإ بنبإ يقين} [النمل: 22] قالوا: وإن لم يكن في الكتاب معهم امتحان صدقه من كذبه، وكان محالا أن يقول نبي الله قولا لا معنى له، وقد قال: {سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين} [النمل: 27] علم أن الذي امتحن به صدق الهدهد من كذبه هو مصير عرش المرأة إليه، على ما أخبره به الهدهد الشاهد على صدقه، ثم كان الكتاب معه بعد ذلك إليها. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن 18P061 أبيه، عن ابن عباس، قال: إن سليمان أوتي ملكا، وكان لا يعلم أن أحدا أوتي ملكا غيره؛ فلما فقد الهدهد سأله: من أين جئت؟ ووعده وعيدا شديدا بالقتل والعذاب، قال: {جئتك من سبأ بنبأ يقين} قال له سليمان: ما هذا النبأ؟ قال الهدهد: {إني وجدت امرأة} [النمل: 23] بسبأ {تملكهم، وأوتيت من كل شيء، ولها عرش عظيم} [النمل: 23] فلما أخبر الهدهد سليمان أنه وجد سلطانا، أنكر أن يكون لأحد في الأرض سلطان غيره، فقال لمن عنده من الجن والإنس: {يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين. قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك، وإني عليه لقوي أمين} [النمل: 39] قال سليمان: أريد أعجل من ذلك {قال الذي عنده علم من الكتاب} [النمل: 40] وهو رجل من الإنس عنده علم من الكتاب فيه اسم الله الأكبر، الذي إذا دعي به أجاب: {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} [النمل: 40] فدعا بالاسم وهو عنده قائم، فاحتمل العرش احتمالا حتى وضع بين يدي سليمان، والله صنع ذلك؛ فلما أتى سليمان بالعرش وهم مشركون، يسجدون للشمس والقمر، أخبره الهدهد بذلك، فكتب معه كتابا ثم بعثه إليهم، حتى إذا جاء الهدهد الملكة ألقى إليها الكتاب {قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم} [النمل: 29] . .
إلى {وأتوني مسلمين} [النمل: 31] فقالت لقومها ما قالت {وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون} [النمل: 35] قال: وبعثت إليه بوصائف ووصفاء، وألبستهم لباسا واحدا، حتى لا يعرف ذكر من أنثى، فقالت: إن زيل بينهم حتى يعرف الذكر من الأنثى ثم رد الهدية فإنه نبي، وينبغي لنا أن نترك ملكنا ونتبع دينه ونلحق به، فرد سليمان الهدية وزيل بينهم، فقال: هؤلاء غلمان، وهؤلاء جوار، وقال: {أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون} [النمل: 36] . . 18P062 إلى آخر الآية " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {إني وجدت امرأة تملكهم} [النمل: 23] . . الآية؛ قال: وأنكر سليمان أن يكون لأحد على الأرض سلطان غيره، قال لمن حوله من الجن والإنس: {أيكم يأتيني بعرشها} [النمل: 38] . . الآية ". وقال آخرون: بل إنما اختبر صدق الهدهد سليمان بالكتاب، وإنما سأل من عنده إحضاره عرش المرأة بعد ما خرجت رسلها من عنده، وبعد أن أقبلت المرأة إليه. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، قال: " لما رجعت إليها الرسل بما قال سليمان: قالت: والله عرفت ما هذا بملك، وما لنا به طاقة، وما نصنع بمكاثرته شيئا، وبعثت: إني قادمة عليك بملوك قومي، حتى أنظر ما أمرك، وما تدعو إليه من دينك. ثم أمرت بسرير ملكها الذي كانت تجلس عليه، وكان من ذهب مفصص بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ، فجعل في سبعة أبيات بعضها في بعض، ثم أقفلت عليه الأبواب. وكانت إنما يخدمها النساء، معها ست مائة امرأة يخدمنها؛ ثم قالت لمن خلفت على سلطانها، احتفظ بما قبلك، وبسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد من عباد الله، ولا يرينه أحد حتى آتيك؛ ثم شخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف قيل معها من ملوك اليمن، تحت يد كل قيل منهم ألوف كثيرة، فجعل سليمان يبعث الجن،. فيأتونه بمسيرها ومنتهاها كل يوم وليلة، حتى إذا دنت جمع من عنده من الجن والإنس ممن تحت يده، فقال: {يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين} [النمل: 38] ". وتأويل الكلام: قال سليمان لأشراف من حضره من جنده من الجن والإنس: {يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها} [النمل: 38] يعني سريرها. كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {أيكم يأتيني بعرشها} [النمل: 38] قال: سرير في أريكة " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: «عرشها سرير في أريكة» قال ابن جريج: «سرير من ذهب، قوائمه من جوهر ولؤلؤ» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه: " {أيكم يأتيني بعرشها} [النمل: 38] بسريرها " وقال ابن زيد في ذلك ما : حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {أيكم يأتيني بعرشها} [النمل: 38] قال: مجلسها ". واختلف أهل العلم في السبب الذي من أجله خص سليمان مسألة الملأ من جنده إحضار عرش هذه المرأة من بين أملاكها قبل إسلامها، فقال بعضهم: إنما فعل ذلك لأنه أعجبه حين وصف له الهدهد صفته، وخشي أن تسلم فيحرم عليه مالها، 18P064 فأراد أن يأخذ سريرها ذلك قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، قال: " أخبر سليمان الهدهد أنها قد خرجت لتأتيه، وأخبر بعرشها فأعجبه. كان من ذهب وقوائمه من جوهر مكلل باللؤلؤ، فعرف أنهم إن جاءوه مسلمين لم تحل لهم أموالهم، فقال للجن: {أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين} [النمل: 38] ".
وقال آخرون: بل فعل ذلك سليمان ليعاتبها به، ويختبر به عقلها، هل تثبته إذا رأته، أم تنكره؟ ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " أعلم الله سليمان أنها ستأتيه، فقال: {أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين} [النمل: 38] حتى يعاتبها، وكانت الملوك يتعاتبون بالعلم ". واختلف أهل التأويل في تأويل قوله {قبل أن يأتوني مسلمين} [النمل: 38] فقال بعضهم: معناه: قبل أن يأتوني مستسلمين طوعا. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {قبل أن يأتوني، مسلمين} [النمل: 38] يقول: طائعين ". وقال آخرون: بل معنى ذلك: قبل أن يأتوني مسلمين الإسلام الذي هو دين الله. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: " {أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين} [النمل: 38] بحرمة الإسلام فيمنعهم وأموالهم، يعني: الإسلام يمنعهم ". قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في السبب الذي من أجله خص سليمان بسؤاله الملأ من جنده بإحضاره عرش هذه المرأة دون سائر ملكها عندنا، ليجعل ذلك حجة عليها في نبوته، ويعرفها بذلك قدرة الله وعظيم شأنه، أنها خلفته في بيت في جوف أبيات بعضها في جوف بعض، مغلق مقفل عليها، فأخرجه الله من ذلك كله، بغير فتح إغلاق وأقفال، حتى أوصله إلى وليه من خلقه، وسلمه إليه، فكان لها في ذلك أعظم حجة على حقيقة ما دعاها إليه سليمان، وعلى صدق سليمان فيما أعلمها من نبوته. فأما الذي هو أولى التأويلين في قوله {قبل أن يأتوني مسلمين} [النمل: 38] بتأويله، فقول ابن عباس الذي ذكرناه قبل، من أن معناه طائعين، لأن المرأة لم تأت سليمان إذ أتته مسلمة، وإنما أسلمت بعد مقدمها عليه وبعد محاورة جرت بينهما ومساءلة. وقوله: {قال عفريت من الجن} [النمل: 39] يقول تعالى ذكره: قال رئيس من الجن مارد قوي. وللعرب فيه لغتان: عفريت، وعفرية؛ فمن قال: عفرية، جمعه: عفاري؛ ومن قال: عفريت، جمعه: عفاريت. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مجاهد: " {قال عفريت من الجن} [النمل: 39] قال: مارد من الجن {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} [النمل: 39] ". حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، وغيره، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن بعض، أصحابه: " {قال عفريت} [النمل: 39] قال: داهية " قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني وهب بن سليمان، عن 18P067 شعيب الجبائي، قال: " العفريت الذي ذكره الله اسمه: كوزن " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم: " {قال عفريت} [النمل: 39] اسمه: كوزن " وقوله: {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} [النمل: 39] يقول: أنا آتيك بعرشها قبل أن تقوم من مقعدك هذا. وكان فيما ذكر قاعدا للقضاء بين الناس، فقال: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مجلسك هذا الذي جلست فيه للحكم بين الناس. وذكر أنه كان يقعد إلى انتصاف النهار. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، وغيره، مثله، قال: " وكان يقضي، قال: قبل أن تقوم من مجلسك الذي تقضي فيه " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه: " {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} [النمل: 39] يعني مجلسه " وقوله {وإني عليه لقوي أمين} [النمل: 39] على ما فيه من الجواهر، ولا أخون فيه. وقد قيل: أمين على فرج المرأة. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: " {وإني عليه لقوي أمين} [النمل: 39] يقول: قوي على حمله، أمين على فرج هذه " قوله: {قال الذي عنده علم من الكتاب} [النمل: 40] يقول جل ثناؤه: قال الذي عنده علم من كتاب الله، وكان رجلا فيما ذكر من بني آدم، فقال بعضهم: اسمه بليخا. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عثمة، قال: ثنا شعبة، عن بشر، عن 18P069 قتادة، في قوله: " {قال الذي عنده علم من الكتاب} [النمل: 40] قال: كان اسمه بليخا " حدثنا يحيى بن داود الواسطي، قال: ثنا أبو أسامة، عن إسماعيل، عن أبي صالح، في قوله: " {الذي عنده علم من الكتاب} [النمل: 40] رجل من الإنس " حدثنا ابن عرفة، قال: ثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد، في قول الله: " {قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به} [النمل: 40] قال: أنا أنظر في كتاب ربي، ثم آتيك به {قبل أن يرتد إليك طرفك} [النمل: 40] قال: فتكلم ذلك العالم بكلام دخل العرش تحت الأرض حتى خرج إليهم " حدثنا ابن عرفة، قال: ثني حماد بن محمد، عن عثمان بن مطر، عن الزهري، قال: " دعا الذي عنده علم من الكتاب: يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا، لا إله إلا أنت، ائتني بعرشها، قال: فمثل بين يديه " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة: " {قال الذي عنده علم من الكتاب} [النمل: 40] قال: رجل من بني آدم، أحسبه قال: من بني 18P070 إسرائيل، كان يعلم اسم الله الذي إذا دعي به أجاب " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {الذي عنده علم من الكتاب} [النمل: 40] قال: الاسم الذي إذا دعي به أجاب، وهو: يا ذا الجلال والإكرام " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول: " قال سليمان لمن حوله: {أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين} [النمل: 38] فقال عفريت {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} [النمل: 39] قال سليمان: أريد أعجل من ذلك، فقال رجل من الإنس عنده علم من الكتاب، يعني اسم الله الذي إذا دعي به أجاب " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " {قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك، وإني عليه لقوي أمين} [النمل: 39] لا آتيك بغيره، أقول غيره أمثله لك. قال: وخرج يومئذ رجل عابد في جزيرة من البحر، فلما سمع العفريت قال: {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} [النمل: 40] قال: ثم دعا باسم من أسماء الله، فإذا هو يحمل بين عينيه، وقرأ: {فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من 18P071 فضل ربي} [النمل: 40] . .
حتى بلغ {إن ربي غني كريم} " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: «قال رجل من الإنس» قال: وقال مجاهد: " الذي عنده علم من الكتاب: علم اسم الله ". وقال آخرون: الذي عنده علم من الكتاب، كان آصف ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " {قال عفريت } [النمل: 39] لسليمان {أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك، وإني عليه لقوي أمين} [النمل: 39] فزعموا أن سليمان بن داود قال: أبتغي أعجل من هذا، فقال آصف بن برخيا، وكان صديقا يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب، وإذا سئل به أعطى: أنا يا نبي الله آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك " وقوله: {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} [النمل: 40] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: أنا آتيك به قبل أن يصل إليك من كان منك على مد البصر. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني إبراهيم، قال: ثنا إسماعيل بن أبي 18P072 خالد، عن سعيد بن جبير: " {قبل أن يرتد إليك طرفك} [النمل: 40] قال: من قبل أن يرجع إليك أقصى من ترى، فذلك قوله {قبل أن يرتد إليك طرفك} [النمل: 40] " قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، قال: قال غير قتادة: " {قبل أن يرتد إليك طرفك} [النمل: 40] قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر ". وقال آخرون: بل معنى ذلك: من قبل أن يبلغ طرفك مداه وغايته. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه: " {قبل أن يرتد إليك طرفك} [النمل: 40] تمد عينيك فلا ينتهي طرفك إلى مداه حتى أمثله بين يديك. قال: ذلك أريد " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثام، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير، قال: أخبرت أنه، قال: «ارفع طرفك من حيث يجيء، فلم يرجع إليه طرفه حتى وضع العرش بين يديه» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن عطاء، عن مجاهد، في قوله: " {قبل أن يرتد إليك طرفك} [النمل: 40] قال: مد بصره " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {قبل أن يرتد إليك طرفك} [النمل: 40] قال : إذا مد البصر حتى يرد الطرف خاسئا " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {قبل أن يرتد إليك طرفك} [النمل: 40] قال: إذا مد البصر حتى يحسر الطرف ". قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: قبل أن يرجع إليك طرفك من أقصى أثره، وذلك أن معنى قوله {يرتد إليك} [النمل: 40] يرجع إليك البصر، إذا فتحت العين غير راجع، بل إنما يمتد ماضيا إلى أن يتناهى ما امتد نوره. فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله إنما أخبرنا عن قائل ذلك {أنا آتيك به قبل أن يرتد} [النمل: 40] لم يكن لنا أن نقول: أنا آتيك به قبل أن يرتد راجعا {إليك طرفك} [النمل: 40] من عند منتهاه. وقوله: {فلما رآه مستقرا عنده} [النمل: 40] يقول: فلما رأى سليمان عرش ملكة سبأ مستقرا عنده. وفي الكلام متروك استغنى بدلالة ما ظهر عما ترك، وهو: فدعا الله، فأتى به؛ فلما رآه سليمان مستقرا عنده. وذكر أن العالم دعا الله، فغار العرش في المكان الذي كان به، ثم نبع من تحت الأرض بين يدي سليمان.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، قال: ذكروا أن آصف بن برخيا توضأ، ثم ركع ركعتين، ثم قال: يا نبي الله، امدد عينك حتى ينتهي طرفك، فمد سليمان عينه ينظر إليه نحو اليمن، ودعا آصف فانخرق بالعرش مكانه الذي هو فيه، ثم نبع بين يدي سليمان {فلما رآه} [النمل: 40] سليمان {مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني} [النمل: 40] . . الآية " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «نبع عرشها من تحت الأرض» وقوله: {قال هذا من فضل ربي ليبلوني} [النمل: 40] يقول: هذا البصر والتمكن والملك والسلطان الذي أنا فيه حتى حمل إلي عرش هذه في قدر ارتداد الطرف من مأرب إلى الشام، من فضل ربي الذي أفضله علي وعطائه الذي جاد به علي {ليبلوني} [النمل: 40] يقول: ليختبرني ويمتحنني، أأشكر ذلك من فعله علي، أم أكفر نعمته علي بترك الشكر له؟ وقد قيل: إن معناه: أأشكر على عرش هذه المرأة إذ أتيت به، أم أكفر إذ رأيت من هو دوني في الدنيا أعلم مني؟ ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء 18P075 الخراساني، عن ابن عباس، في قوله: " {فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر} [النمل: 40] على السرير إذ أتيت به {أم أكفر} [النمل: 40] إذ رأيت من هو دوني في الدنيا أعلم مني؟ " وقوله: {ومن شكر فإنما يشكر لنفسه} [النمل: 40] يقول: ومن شكر نعمة الله عليه، وفضله عليه، فإنما يشكر طلب نفع نفسه، لأنه ليس ينفع بذلك غير نفسه، لأنه لا حاجة لله إلى أحد من خلقه، وإنما دعاهم إلى شكره تعريضا منه لهم للنفع، لا لاجتلاب منه بشكرهم إياه نفعا إلى نفسه، ولا دفع ضر عنها. {ومن كفر فإن ربي غني كريم} [النمل: 40] يقول: ومن كفر نعمه وإحسانه إليه، وفضله عليه لنفسه ظلم، وحظها بخس، والله غني عن شكره، لا حاجة به إليه، لا يضره كفر من كفر به من خلقه، كريم، ومن كرمه إفضاله على من يكفر نعمه، ويجعلها وصلة يتوصل بها إلى معاصيه. 18P075
[النمل: 41] القول في تأويل قوله تعالى: {قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون} [النمل: 41] يقول تعالى ذكره: قال سليمان لما أتى عرش بلقيس صاحبة سبأ وقدمت هي عليه لجنده: غيروا لهذه المرأة سريرها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، 18P076 قوله: " {نكروا لها عرشها} [النمل: 41] قال: غيروا " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " فلما أتته {قال نكروا لها عرشها} [النمل: 41] قال: وتنكير العرش أنه زيد فيه ونقص " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {نكروا لها عرشها} [النمل: 41] قال: غيروه ". حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {نكروا لها عرشها} [النمل: 41] قال: مجلسها الذي تجلس فيه " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول، أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول، في قوله: " {نكروا لها عرشها} [النمل: 41] أمرهم أن يزيدوا فيه، وينقصوا منه " وقوله: {ننظر أتهتدي} [النمل: 41] يقول: ننظر أتعقل فتثبت عرشها أنه هو الذي لها {أم تكون من الذين لا يهتدون} [النمل: 41] يقول: من الذين لا يعقلون فلا تثبت عرشها. وقيل: إن سليمان إنما نكر لها عرشها، وأمر بالصرح يعمل لها، من أجل أن 18P077 الشياطين كانوا أخبروه أنه لا عقل لها، وأن رجلها كحافر حمار، فأراد أن يعرف صحة ما قيل له من ذلك. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله {أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون} [النمل: 41] قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون} [النمل: 41] قال: زيد في عرشها ونقص منه، لينظر إلى عقلها، فوجدت ثابتة العقل " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {ننظر أتهتدي} [النمل: 41] أتعرفه " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثني ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {ننظر أتهتدي} [النمل: 41] قال: تعرفه " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه: " {أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون} [النمل: 41] أي أتعقل، أم تكون من الذين لا يعقلون؟ ففعل ذلك لينظر أتعرفه، أم لا تعرفه؟ " 18P077
[النمل: 42] القول في تأويل قوله تعالى: {فلما جاءت قيل أهكذا عرشك، قالت كأنه هو، وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين} [النمل: 42] يقول تعالى ذكره: لما جاءت صاحبة سبأ سليمان، أخرج لها عرشها، فقال لها: {أهكذا عرشك} [النمل: 42] ؟ قالت وشبهته به: {كأنه هو} [النمل: 42] . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، قال: " لما انتهت إلى سليمان وكلمته أخرج لها عرشها، ثم قال: {أهكذا عرشك قالت كأنه هو} [النمل: 42] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة: " {فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو} [النمل: 42] قال: شبهته، وكانت قد تركته خلفها " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: كان أبي يحدثنا هذا الحديث كله، يعني حديث سليمان وهذه المرأة، " {فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو} [النمل: 42] شكت " وقوله: {وأوتينا العلم من قبلها} [النمل: 42] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل سليمان، 18P079 وقال سليمان: {وأوتينا العلم من قبلها} [النمل: 42] أي هذه المرأة بالله وبقدرته على ما يشاء، {وكنا مسلمين} [النمل: 42] لله من قبلها. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {وأوتينا العلم من قبلها} [النمل: 42] قال: سليمان يقوله ". حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله 18P079 [النمل: 43] القول في تأويل قوله تعالى: {وصدها ما كانت تعبد من دون الله، إنها كانت من قوم كافرين} [النمل: 43] يقول تعالى ذكره: ومنع هذه المرأة صاحبة سبأ {ما كانت تعبد من دون الله} [النمل: 43] ، وذلك عبادتها الشمس أن تعبد الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " { 18P080 وصدها ما كانت تعبد من دون الله} [النمل: 43] قال: كفرها بقضاء الله غير الوثن أن تهتدي للحق " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {وصدها ما كانت تعبد من دون الله} [النمل: 43] قال: كفرها بقضاء الله، صدها أن تهتدي للحق ". ولو قيل: معنى ذلك: وصدها سليمان ما كانت تعبد من دون الله، بمعنى: منعها وحال بينها وبينه، كان وجها حسنا. ولو قيل أيضا: وصدها الله ذلك بتوفيقها للإسلام، كان أيضا وجها صحيحا. وقوله: {إنها كانت من قوم كافرين} [النمل: 43] يقول: إن هذه المرأة كانت كافرة من قوم كافرين. وكسرت الألف من قوله «إنها» على الابتداء. ومن تأول قوله: {وصدها ما كانت تعبد من دون الله} [النمل: 43] التأويل الذي تأولنا، كانت «ما» من قوله {ما كانت تعبد} [النمل: 43] في موضع رفع بالصد، لأن المعنى فيه لم يصدها عن عبادة الله جهلها، وأنها لا تعقل، إنما صدها عن عبادة الله عبادتها الشمس والقمر، وكان ذلك من دين قومها وآبائها، فاتبعت فيه آثارهم. ومن تأوله على الوجهين الآخرين كانت «ما» في موضع نصب. 18P080
[النمل: 44] القول في تأويل قوله تعالى: {قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير، قالت رب إني ظلمت نفسي، وأسلمت مع 18P081 سليمان لله رب العالمين} [النمل: 44] ذكر أن سليمان لما أقبلت صاحبة سبأ تريده، أمر الشياطين فبنوا له صرحا، وهو كهيئة السطح من قوارير، وأجرى من تحته الماء ليختبر عقلها بذلك، وفهمها على نحو الذي كانت تفعل هي من توجيهها إليه الوصائف والوصفاء ليميز بين الذكور منهم والإناث معاتبة بذلك كذلك. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، قال: " أمر سليمان بالصرح، وقد عملته له الشياطين من زجاج كأنه الماء بياضا، ثم أرسل الماء تحته، ثم وضع له فيه سريره، فجلس عليه، وعكفت عليه الطير والجن والإنس، ثم قال: {ادخلي الصرح} [النمل: 44] ليريها ملكا هو أعز من ملكها، وسلطانا هو أعظم من سلطانها {فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها} [النمل: 44] لا تشك أنه ماء تخوضه، قيل لها: ادخلي، إنه صرح ممرد من قوارير؛ فلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة الله وعاتبها في عبادتها الشمس دون الله، فقالت بقول الزنادقة، فوقع سليمان ساجدا إعظاما لما قالت، وسجد معه الناس؛ وسقط في يديها حين رأت سليمان صنع ما صنع؛ فلما رفع سليمان رأسه قال: ويحك ماذا قلت؟ قال: وأنسيت ما قالت، فقالت: {رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} [النمل: 44] وأسلمت، فحسن إسلامها ". وقيل: إن سليمان إنما أمر ببناء الصرح على ما وصفه الله، لأن الجن خافت من سليمان أن يتزوجها، فأرادوا أن يزهدوه فيها، فقالوا: إن رجلها رجل حمار، وإن أمها كانت من الجن، فأراد سليمان أن يعلم حقيقة ما أخبرته الجن من ذلك. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي، قال: " قالت الجن لسليمان تزهده في بلقيس: إن رجلها رجل حمار، وإن أمها كانت من الجن؛ فأمر سليمان بالصرح، فعمل، فسجن فيه دواب البحر: الحيتان، والضفادع؛ فلما بصرت بالصرح قالت: ما وجد ابن داود عذابا يقتلني به إلا الغرق ف {حسبته لجة وكشفت عن ساقيها} [النمل: 44] قال: فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما. قال: فضن سليمان بساقها عن الموسى، قال: فاتخذت النورة بذلك السبب ". وجائز عندي أن يكون سليمان أمر باتخاذ الصرح للأمرين الذي قاله وهب، والذي قاله محمد بن كعب القرظي، ليختبر عقلها، وينظر إلى ساقها وقدمها، ليعرف صحة ما قيل له فيها. وكان مجاهد يقول فيما ذكر عنه في معنى الصرح ما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {الصرح} [النمل: 44] قال: بركة من ماء ضرب عليها سليمان قوارير ألبسها. قال: وكانت بلقيس هلباء شعراء، قدمها كحافر الحمار، وكانت أمها جنية " حدثني أحمد بن الوليد الرملي، قال: ثنا هشام بن عمار، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان أحد أبوي صاحبة سبأ جنيا» . قال: ثنا صفوان بن صالح، قال: ثني الوليد، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر النضر بن أنس وقوله: {فلما رأته حسبته لجة} [النمل: 44] يقول: فلما رأت المرأة الصرح حسبته لبياضه واضطراب دواب الماء تحته لجة بحر كشفت عن ساقيها لتخوضه إلى سليمان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة: " {قيل لها ادخلي الصرح، فلما رأته حسبته لجة} [النمل: 44] قال: وكان من قوارير، وكان الماء من خلفه فحسبته لجة " قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " {حسبته لجة} [النمل: 44] قال: بحرا " حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا ابن سوار، قال: ثنا روح بن القاسم، عن عطاء بن السائب، عن مجاهد، في قوله: " {وكشفت عن ساقيها} [النمل: 44] فإذا هما شعراوان، فقال: ألا شيء يذهب هذا؟ قالوا: الموسى، قال: لا، الموسى له أثر، فأمر بالنورة فصنعت " حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفص، عن عمران بن سليمان، عن عكرمة، وأبي صالح قالا: " لما تزوج سليمان بلقيس قالت له: لم تمسني حديدة قط قال سليمان للشياطين: انظروا ما يذهب الشعر؟ قالوا: النورة، فكان أول من صنع النورة " وقوله: {إنه صرح ممرد من قوارير} [النمل: 44] يقول جل ثناؤه: قال سليمان لها: إن هذا ليس ببحر، إنه صرح ممرد من قوارير ، يقول: إنما هو بناء مبني مشيد من قوارير. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: " {ممرد} [النمل: 44] قال: مشيد " وقوله: {قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان} [النمل: 44] . . الآية يقول تعالى ذكره: قالت المرأة صاحبة سبأ: رب إني ظلمت نفسي في عبادتي الشمس، وسجودي لما دونك {وأسلمت مع سليمان لله} [النمل: 44] تقول: وانقدت مع سليمان مذعنة لله بالتوحيد، مفردة له بالألوهة والربوبية دون كل من سواه. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في: " {حسبته لجة} [النمل: 44] قال: {إنه صرح ممرد من قوارير} [النمل: 44] فعرفت أنها قد غلبت {قالت رب إني ظلمت نفسي، وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} [النمل: 44] " 18P085
[النمل: 45_46] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله، فإذا هم فريقان يختصمون قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة، لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون} [النمل: 45_46] يقول تعالى ذكره: {ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله} [النمل: 45] وحده لا شريك له، ولا تجعلوا معه إلها غيره. {فإذا هم فريقان يختصمون} [النمل: 45] يقول: فلما أتاهم صالح داعيا لهم إلى الله صار قومه من ثمود فيما دعاهم إليه فريقين يختصمون، ففريق مصدق صالحا مؤمن به، وفريق مكذب به كافر بما جاء به. 18P086 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: " {فريقان يختصمون} [النمل: 45] قال: مؤمن وكافر، قولهم صالح مرسل، وقولهم صالح ليس بمرسل، ويعني بقوله {يختصمون} [النمل: 45] يختلفون " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {فإذا هم فريقان يختصمون} [النمل: 45] قال: مؤمن، وكافر " وقوله: {قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة} [النمل: 46] يقول تعالى ذكره: قال صالح لقومه: يا قوم لأي شيء تستعجلون بعذاب الله قبل الرحمة. كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة} [النمل: 46] قال: السيئة: العذاب، قبل الحسنة: قبل الرحمة " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن 18P087 مجاهد: " {قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة} [النمل: 46] قال بالعذاب قبل الحسنة، قال: العافية " وقوله: {لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون} [النمل: 46] يقول: هلا تتوبون إلى الله من كفركم، فيغفر لكم ربكم عظيم جرمكم، يصفح لكم عن عقوبته إياكم على ما قد أتيتم من عظيم الخطيئة. وقوله: {لعلكم ترحمون} [آل عمران: 132] يقول: ليرحمكم ربكم باستغفاركم إياه من كفركم. 18P087 [النمل: 47] القول في تأويل قوله تعالى: {قالوا اطيرنا بك وبمن معك، قال طائركم عند الله، بل أنتم قوم تفتنون} [النمل: 47] يقول تعالى ذكره: قالت ثمود لرسولها صالح {اطيرنا بك وبمن معك} [النمل: 47] أي تشاءمنا بك وبمن معك من أتباعنا، وزجرنا الطير بأنا سيصيبنا بك وبهم المكاره والمصائب. فأجابهم صالح فقال لهم {طائركم عند الله} [النمل: 47] أي ما زجرتم من الطير لما يصيبكم من المكاره عند الله علمه، لا يدري أي ذلك كائن، أما تظنون من المصائب أو المكاره، أم ما لا ترجونه من العافية والرجاء والمحاب؟ . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {قال طائركم عند الله} [النمل: 47] يقول: مصائبكم " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، قوله: " {طائركم عند الله} [النمل: 47] علمكم عند الله " وقوله: {بل أنتم قوم تفتنون} [النمل: 47] يقول: بل أنتم قوم تختبرون، يختبركم ربكم إذ أرسلني إليكم، أتطيعونه فتعملون بما أمركم به، فيجزيكم الجزيل من ثوابه، أم تعصونه فتعملون بخلافه، فيحل بكم عقابه. 18P088
[النمل: 48_49] القول في تأويل قوله تعالى: {وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله، ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله، وإنا لصادقون} [النمل: 48_49] يقول تعالى ذكره: وكان في مدينة صالح، وهي حجر ثمود تسعة أنفس يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وكان إفسادهم في الأرض كفرهم بالله ومعصيتهم إياه، وإنما خص الله جل ثناؤه هؤلاء التسعة الرهط بالخبر عنهم أنهم كانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وإن كان أهل الكفر كلهم في الأرض مفسدين، لأن هؤلاء التسعة هم الذين سعوا فيما بلغنا في عقر الناقة، وتعاونوا عليه، وتحالفوا على قتل صالح من بين قوم ثمود. وقد ذكرنا قصصهم وأخبارهم فيما مضى من كتابنا هذا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {تسعة رهط} [النمل: 48] قال: من قوم صالح ". حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون} [النمل: 48] هم الذين عقروا الناقة، وقالوا حين عقروها: نبيت صالحا وأهله فنقتلهم، ثم نقول لأولياء صالح: ما شهدنا من هذا شيئا، وما لنا به 18P090 علم، فدمرهم الله أجمعين " وقوله: {قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله} [النمل: 49] يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء التسعة الرهط الذين يفسدون في أرض حجر ثمود، ولا يصلحون، تقاسموا بالله: تحالفوا بالله أيها القوم، ليحلف بعضكم لبعض: لنبيتن صالحا وأهله، فلنقتلنه، ثم لنقولن لوليه: ما شهدنا مهلك أهله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {تقاسموا بالله} [النمل: 49] قال: تحالفوا على إهلاكه، فلم يصلوا إليه حتى هلكوا وقومهم أجمعون ". حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه. ويتوجه قوله {تقاسموا بالله} [النمل: 49] إلى وجهين: أحدهما النصب على وجه الخبر، كأنه قيل: قالوا متقاسمين. وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: «ولا 18P091 يصلحون تقاسموا بالله» وليس فيها «قالوا» ، فذلك من قراءته يدل على وجه النصب في «تقاسموا» على ما وصفت. والوجه الآخر: الجزم، كأنهم قال بعضهم لبعض: اقسموا بالله، فعلى هذا الوجه الثاني تصلح قراءة {لنبيتنه} [النمل: 49] بالياء والنون، لأن القائل لهم تقاسموا وإن كان هو الآمر فهو فيمن أقسم، كما يقال في الكلام: انهضوا بنا نمض إلى فلان، وانهضوا نمضي إليه. وعلى الوجه الأول الذي هو وجه النصب القراءة فيه بالنون أفصح، لأن معناه: قالوا متقاسمين لنبيتنه، وقد تجوز الياء على هذا الوجه كما يقال في الكلام: قالوا لنكرمن أباك، وليكرمن أباك، وبالنون قرأ ذلك قراء المدينة، وعامة قراء البصرة وبعض الكوفيين. وأما الأغلب على قراء أهل الكوفة، فقراءته بالياء، وضم التاء جميعا. وأما بعض المكيين، فقرأه بالياء. وأعجب القراءات في ذلك إلي النون، لأن ذلك أفصح الكلام على الوجهين اللذين بينت من النصب والجزم، وإن كان كل ذلك صحيحا غير فاسد لما وصفت، وأكرهها إلي القراءة بها الياء، لقلة قارئ ذلك كذلك. 18P092 وقوله: {لنبيتنه} [النمل: 49] قال: ليبيتن صالحا ثم يفتكوا به. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " قال التسعة الذين عقروا الناقة: هلم فلنقتل صالحا، فإن كان صادقا، يعني فيما وعدهم من العذاب بعد الثلاث، عجلناه قبله، وإن كان كاذبا نكون قد ألحقناه بناقته.
فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله، فدمغتهم الملائكة بالحجارة؛ فلما أبطئوا على أصحابهم أتوا منزل صالح، فوجدوهم مشدوخين قد رضخوا بالحجارة " وقوله: {وإنا لصادقون} [الأنعام: 146] نقول لوليه: وإنا لصادقون، أنا ما شهدنا مهلك أهله. 18P092
[النمل: 50_51] القول في تأويل قوله تعالى: {ومكروا مكرا، ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين} [النمل: 50_51] يقول تعالى ذكره: وغدر هؤلاء التسعة الرهط الذين يفسدون في الأرض بصالح بمسيرهم إليه ليلا ليقتلوه وأهله، وصالح لا يشعر بذلك {ومكرنا 18P093 مكرا} [النمل: 50] يقول: فأخذناهم بعقوبتنا إياهم، وتعجيلنا العذاب لهم {وهم لا يشعرون} [الأعراف: 95] بمكرنا. وقد بينا فيما مضى معنى: مكر الله بمن مكر به، وما وجه ذلك، وأنه أخذه من أخذه منهم على غرة، أو استدراجه منهم من استدرج على كفره به ومعصيته إياه، ثم إحلاله العقوبة به على غرة وغفلة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن رجل، عن علي، قال: «المكر غدر، والغدر كفر» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {ومكروا مكرا ومكرنا مكرا} [النمل: 50] قال: احتالوا لأمرهم، واحتال الله لهم، مكروا بصالح مكرا، ومكرنا بهم مكرا {وهم لا يشعرون} [النمل: 50] بمكرنا، وشعرنا بمكرهم، قالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث فنحن نفرغ منه وأهله قبل ذلك، وكان له مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه، فخرجوا إلى كهف وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه، ثم رجعنا إذا فرغنا منه إلى أهله، ففرغنا منهم، وقرأ قول الله تبارك وتعالى: {قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله، ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله، وإنا لصادقون} [النمل: 49] فبعث الله صخرة من الهضب حيالهم، فخشوا أن تشدخهم، فبادروا الغار، فطبقت الصخرة عليهم فم ذلك الغار، فلا يدري قومهم أين هم؟ 18P094 ولا يدرون ما فعل بقومهم؟ فعذب الله تبارك وتعالى هؤلاء ها هنا، وهؤلاء هنا، وأنجى الله صالحا ومن معه " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة: " {ومكروا مكرا ومكرنا مكرا} [النمل: 50] قال: فسلط الله عليهم صخرة فقتلتهم " وقوله: {فانظر كيف كان عاقبة مكرهم} [النمل: 51] يقول تعالى ذكره: فانظر يا محمد بعين قلبك إلى عاقبة غدر ثمود بنبيهم صالح، كيف كانت؟ وما الذي أورثها اعتداؤهم وطغيانهم وتكذيبهم؟ فإن ذلك سنتنا فيمن كذب رسلنا، وطغى علينا من سائر الخلق، فحذر قومك من قريش أن ينالهم بتكذيبهم إياك ما نال ثمود بتكذيبهم صالحا من المثلات. وقوله: {أنا دمرناهم وقومهم أجمعين} [النمل: 51] يقول: إنا دمرنا التسعة الرهط الذين يفسدون في الأرض من قوم صالح وقومهم من ثمود أجمعين، فلم نبق منهم أحدا. واختلفت القراء في قراءة قوله (إنا) ، فقرأ بكسرها عامة قراء الحجاز والبصرة على الابتداء، وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: {أنا دمرناهم} [النمل: 51] ، بفتح الألف. وإذا فتحت كان في {أنا} [البقرة: 258] وجهان من الإعراب: أحدهما الرفع على ردها على العاقبة على الإتباع لها، والآخر النصب على الرد على موضع كيف، لأنها في موضع نصب إن شئت، وإن شئت على تكرير كان عليها على وجه، فانظر كيف كان عاقبة مكرهم؟ كان عاقبة مكرهم تدميرنا إياهم قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. 18P095
[النمل: 52_53] القول في تأويل قوله تعالى: {فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا، إن في ذلك لآية لقوم يعلمون وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون} [النمل: 52_53] يعني تعالى ذكره بقوله: {فتلك بيوتهم خاوية} [النمل: 52] فتلك مساكنهم خاوية خالية منهم، ليس فيها منهم أحد، قد أهلكهم الله فأبادهم. {بما ظلموا} [النمل: 52] يقول تعالى ذكره: بظلمهم أنفسهم بشركهم بالله، وتكذيبهم رسولهم. {إن في ذلك لآية لقوم يعلمون} [النمل: 52] يقول تعالى ذكره: إن في فعلنا بثمود ما قصصنا عليك يا محمد من القصة لعظة لمن يعلم فعلنا بهم ما فعلنا من قومك الذين يكذبونك فيما جئتهم به من عند ربك وعبرة. {وأنجينا الذين آمنوا} [النمل: 53] يقول: وأنجينا من نقمتنا وعذابنا الذي أحللناه بثمود رسولنا صالحا والمؤمنين به. {وكانوا يتقون} [يونس: 63] يقول: وكانوا يتقون بإيمانهم، وبتصديقهم صالحا الذي حل بقومهم من ثمود ما حل بهم من عذاب الله، فكذلك ننجيك يا محمد وأتباعك، عند إحلالنا عقوبتنا بمشركي قومك من بين أظهرهم. وذكر أن صالحا لما أحل الله بقومه ما أحل، خرج هو والمؤمنون به إلى الشام، فنزل رملة فلسطين. 18P096 [النمل: 54_55] القول في تأويل قوله تعالى: {ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء، بل أنتم قوم تجهلون} [النمل: 54_55] يقول تعالى ذكره: وأرسلنا لوطا إلى قومه، إذ قال لهم: يا قوم {أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون} [النمل: 54] أنها فاحشة، لعلمكم بأنه لم يسبقكم إلى ما تفعلون من ذلك أحد. وقوله: {أئنكم لتأتون الرجال شهوة} [النمل: 55] منكم بذلك من دون فروج النساء التي أباحها الله لكم بالنكاح. وقوله: {بل أنتم قوم تجهلون} [النمل: 55] يقول: ما ذلك منكم إلا أنكم قوم سفهاء جهلة بعظيم حق الله عليكم، فخالفتم لذلك أمره، وعصيتم رسوله. 18P096 [النمل: 56] القول في تأويل قوله تعالى: {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم، إنهم أناس يتطهرون} [النمل: 56] يقول تعالى ذكره: فلم يكن لقوم لوط جواب له إذ نهاهم عما أمره الله بنهيهم عنه من إتيان الرجال، إلا قيل بعضهم لبعض: {أخرجوا آل لوط من قريتكم، إنهم أناس يتطهرون} [النمل: 56] عما نفعله نحن من إتيان الذكران في أدبارهم. كما: حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: سمعت الحسن بن عمارة، يذكر عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله: " {أناس يتطهرون} [النمل: 56] قال: من إتيان الرجال والنساء في أدبارهن " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " {إنهم أناس يتطهرون} [النمل: 56] قال: من أدبار الرجال وأدبار النساء، استهزاء بهم " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: " {يتطهرون} [النمل: 56] من أدبار الرجال والنساء، استهزاء بهم يقولون ذلك " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، أنه تلا: " {إنهم أناس يتطهرون } [النمل: 56] قال: عابوهم بغير عيب: أي إنهم يتطهرون من أعمال السوء " 18P097 [النمل: 57_58] القول في تأويل قوله تعالى: {فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين وأمطرنا عليهم مطرا، فساء مطر المنذرين} [النمل: 57_58] يقول تعالى ذكره: فأنجينا لوطا وأهله سوى امرأته من عذابنا حين أحللناه بهم، ثم {قدرناها} [النمل: 57] يقول: فإن امرأته قدرناها: جعلناها بتقديرنا {من الغابرين} [الأعراف: 83] من الباقين. {وأمطرنا عليهم مطرا} [الأعراف: 84] وهو إمطار الله عليهم من 18P098 السماء حجارة من سجيل. {فساء مطر المنذرين} [الشعراء: 173] يقول: فساء ذلك المطر مطر القوم الذين أنذرهم الله عقابه على معصيتهم إياه، وخوفهم بأسه بإرسال الرسول إليهم بذلك. 18P097
[النمل: 59] القول في تأويل قوله تعالى: {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، آلله خير أما يشركون} [النمل: 59] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {قل} [البقرة: 80] يا محمد {الحمد لله} [الفاتحة: 2] على نعمه علينا، وتوفيقه إيانا لما وفقنا من الهداية. {وسلام} [مريم: 15] يقول: وأمنة منه من عقابه الذي عاقب به قوم لوط وقوم صالح، على الذين اصطفاهم، يقول: الذين اجتباهم لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فجعلهم أصحابه ووزراءه على الدين الذي بعثه بالدعاء إليه دون المشركين به، الجاحدين نبوة نبيه. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا طلق يعني ابن غنام، عن ابن ظهير، عن السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس: " {وسلام على عباده الذين اصطفى} [النمل: 59] قال: أصحاب محمد اصطفاهم الله لنبيه " حدثنا علي بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: قلت لعبد الله بن المبارك: أرأيت قول الله {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى} [النمل: 59] من هؤلاء؟ فحدثني عن سفيان الثوري، قال: «هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم» وقوله: {آلله خير أما يشركون} [النمل: 59] يقول تعالى ذكره؛ قل يا محمد لهؤلاء الذين زينا لهم أعمالهم من قومك فهم يعمهون: الله الذي أنعم على أوليائه هذه النعم التي قصها عليكم في هذه السورة، وأهلك أعداءه بالذي أهلكهم به من صنوف العذاب التي ذكرها لكم فيها، خير أما تشركون من أوثانكم التي لا تنفعكم ولا تضركم، ولا تدفع عن أنفسها ولا عن أوليائها سوءا، ولا تجلب إليها ولا إليهم نفعا؟ يقول: إن هذا الأمر لا يشكل على من له عقل، فكيف تستجيزون أن تشركوا عبادة من لا نفع عنده لكم، ولا دفع ضر عنكم في عبادة من بيده النفع والضر، وله كل شيء. ثم ابتدأ تعالى ذكره تعديد نعمه عليهم، وأياديه عندهم، وتعريفهم بقلة شكرهم إياه على ما أولاهم من ذلك، فقال: {أمن خلق السموات والأرض} . 18P099 [النمل: 60] القول في تأويل قوله تعالى: {أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون} [النمل: 60] 18P100 يقول تعالى ذكره للمشركين به من قريش: أعبادة ما تعبدون من أوثانكم التي لا تضر ولا تنفع خير، أم عبادة من خلق السماوات والأرض؟ {وأنزل لكم من السماء ماء} [النمل: 60] يعني مطرا، وقد يجوز أن يكون مريدا به العيون التي فجرها في الأرض، لأن كل ذلك من خلقه {فأنبتنا به} [النمل: 60] يعني بالماء الذي أنزل من السماء. {حدائق} [النمل: 60] وهي جمع حديقة، والحديقة: البستان عليه حائط محوط، وإن لم يكن عليه حائط لم يكن حديقة. وقوله: {ذات بهجة} [النمل: 60] يقول: ذات منظر حسن. وقيل ذات بالتوحيد. وقد قيل حدائق، كما قال: {ولله الأسماء الحسنى} [الأعراف: 180] ، وقد بينت ذلك فيما مضى. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " {حدائق ذات بهجة} [النمل: 60] قال: البهجة: الفقاح مما يأكل الناس والأنعام " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: " {حدائق ذات بهجة} [النمل: 60] قال: من كل شيء تأكله الناس [ص : 101] والأنعام " وقوله: {ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} [النمل: 60] يقول تعالى ذكره: أنبتنا بالماء الذي أنزلناه من السماء لكم هذه الحدائق إذ لم يكن لكم لولا أنه أنزل عليكم الماء من السماء طاقة أن تنبتوا شجر هذه الحدائق، ولم تكونوا قادرين على ذهاب ذلك، لأنه لا يصلح ذلك إلا بالماء. وقوله: {أإله مع الله} [النمل: 60] يقول تعالى ذكره: أمعبود مع الله أيها الجهلة خلق ذلك، وأنزل من السماء الماء، فأنبت به لكم الحدائق؟ فقوله: أإله مردود على تأويل: أمع الله إله. {بل هم قوم يعدلون} [النمل: 60] يقول جل ثناؤه: بل هؤلاء المشركون قوم ضلال، يعدلون عن الحق، ويجورون عليه، على عمد منهم لذلك، مع علمهم بأنهم على خطأ وضلال، ولم يعدلوا عن جهل منهم بأن من لا يقدر على نفع ولا ضر خير ممن خلق السماوات والأرض، وفعل هذه الأفعال، ولكنهم عدلوا على علم منهم ومعرفة، اقتفاء منهم سنة من مضى قبلهم من آبائهم. 18P101
[النمل: 61] القول في تأويل قوله تعالى: {أمن جعل الأرض قرارا، وجعل خلالها أنهارا، وجعل لها رواسي، وجعل بين البحرين حاجزا، أإله مع الله، بل أكثرهم لا يعلمون} [النمل: 61] يقول تعالى ذكره: أعبادة ما تشركون أيها الناس بربكم خير وهو لا يضر ولا ينفع، أم الذي جعل الأرض لكم قرارا تستقرون عليها لا تميد بكم 18P102 . {وجعل} [المائدة: 60] لكم {خلالها أنهارا} [النمل: 61] يقول: بينها أنهارا. {وجعل لها رواسي} [النمل: 61] وهي ثوابت الجبال، {وجعل بين البحرين حاجزا} [النمل: 61] بين العذب والملح، أن يفسد أحدهما صاحبه. {أإله مع الله} [النمل: 60] سواه فعل هذه الأشياء فأشركتموه في عبادتكم إياه؟ وقوله: {بل أكثرهم لا يعلمون} [النحل: 75] يقول تعالى ذكره: بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون قدر عظمة الله، وما عليهم من الضر في إشراكهم في عبادة الله غيره، وما لهم من النفع في إفرادهم الله بالألوهة، وإخلاصهم له العبادة، وبراءتهم من كل معبود سواه. 18P102 [النمل: 62] القول في تأويل قوله تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، ويجعلكم خلفاء الأرض، أإله مع الله ، قليلا ما تذكرون} [النمل: 62] يقول تعالى ذكره: أم ما تشركون بالله خير، أم الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء النازل به عنه؟ كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " {ويكشف السوء} [النمل: 62] قال: الضر " وقوله: {ويجعلكم خلفاء الأرض} [النمل: 62] يقول: ويستخلف بعد أمرائكم في الأرض منكم خلفاء أحياء يخلفونهم. وقوله: {أإله مع الله} [النمل: 60] يقول: أإله مع الله سواه يفعل هذه الأشياء بكم، 18P103 وينعم عليكم هذه النعم؟ وقوله: {قليلا ما تذكرون} [الأعراف: 3] يقول: تذكرا قليلا من عظمة الله وأياديه عندكم تذكرون وتعتبرون حجج الله عليكم يسيرا، فلذلك أشركتم بالله غيره في عبادته. 18P103 [النمل: 63] القول في تأويل قوله تعالى: {أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر، ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته، أإله مع الله، تعالى الله عما يشركون} [النمل: 63] يقول تعالى ذكره: أم ما تشركون بالله خير، أم الذي يهديكم في ظلمات البر والبحر إذا ضللتم فيهما الطريق، فأظلمت عليكم السبل فيهما؟ كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " {أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر} [النمل: 63] والظلمات في البر ضلالة الطريق، والبحر ضلالة طريقه، وموجه، وما يكون فيه " وقوله: (ومن يرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته) يقول: والذي يرسل الرياح نشرا لموتان الأرض بين يدي رحمته، يعني: قدام الغيث الذي يحيي موات الأرض. وقوله: {أءله مع الله تعالى الله عما يشركون} يقول تعالى ذكره: أإله مع الله سوى الله يفعل بكم شيئا من ذلك فتعبدوه من دونه، أو تشركوه في عبادتكم إياه. {تعالى الله} [النمل: 63] يقول: لله العلو والرفعة عن شرككم الذي تشركون به، وعبادتكم معه ما تعبدون. 18P104 [النمل: 64] القول في تأويل قوله تعالى: {أمن يبدأ الخلق ثم يعيده، ومن يرزقكم من السماء والأرض، أإله مع الله، قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} [النمل: 64] يقول تعالى ذكره: أم ما تشركون أيها القوم خير، أم الذي يبدأ الخلق ثم يعيده فينشئه من غير أصل، ويبتدعه ثم يفنيه إذا شاء، ثم يعيده إذا أراد كهيئته قبل أن يفنيه، والذي يرزقكم من السماء والأرض فينزل من هذه الغيث، وينبت من هذه النبات لأقواتكم، وأقوات أنعامكم. {أإله مع الله} [النمل: 60] سوى الله يفعل ذلك؟ وإن زعموا أن إلها غير الله يفعل ذلك أو شيئا منه، ف {قل} [البقرة: 80] لهم يا محمد {هاتوا برهانكم} [البقرة: 111] أي حجتكم على أن شيئا سوى الله يفعل ذلك. {إن كنتم صادقين} [البقرة: 23] في دعواكم. و «من» التي في «أمن» و «ما» مبتدأ في قوله: أما يشركون، والآيات بعدها إلى قوله: {ومن يرزقكم من السماء والأرض} [النمل: 64] بمعنى «الذي» ، لا بمعنى الاستفهام، وذلك أن الاستفهام لا يدخل على الاستفهام. 18P104
Preguntas
- ¿Qué enseña el islam sobre la vida después de la muerte?
- ¿Qué creen los musulmanes acerca de los profetas?
- ¿Cómo se realizan las cinco oraciones diarias (salat)?
- ¿Cuáles son las reglas del ayuno en Ramadán?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?