Taberî — Câmiü'l-Beyân
[سبأ: 18] القول في تأويل قوله تعالى: {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة، وقدرنا فيها السير، سيروا فيها ليالي وأياما آمنين} [سبأ: 18] يقول تعالى ذكره مخبرا عن نعمته التي كان أنعمها على هؤلاء القوم الذين ظلموا أنفسهم وجعلنا بين بلدهم وبين القرى التي باركنا فيها وهي الشام، قرى ظاهرة وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني 19P261 الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، قوله: {القرى التي باركنا فيها} [سبأ: 18] قال: «الشام» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها} [سبأ: 18] «يعني الشام» حدثني علي بن سهل، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد {القرى التي باركنا فيها} [سبأ: 18] قال: «الشام» وقيل: عني بالقرى التي بورك فيها بيت المقدس ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة} [سبأ: 18] قال: الأرض التي باركنا فيها: هي الأرض المقدسة " وقوله: {قرى ظاهرة} [سبأ: 18] يعني: قرى متصلة، وهي قرى عربية وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: سمعت الحسن، في 19P262 قوله: {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة} [سبأ: 18] قال: " قرى متواصلة، قال: كان أحدهم يغدو فيقيل في قرية ويروح، فيأوي إلى قرية أخرى قال: وكانت المرأة تضع زنبيلها على رأسها، ثم تمتهن بمغزلها، فلا تأتي بيتها حتى يمتلئ من كل الثمار " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {قرى ظاهرة} [سبأ: 18] «أي متواصلة» حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي ، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {قرى ظاهرة} [سبأ: 18] " يعني: قرى عربية، بين المدينة والشام " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنى أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {قرى ظاهرة} [سبأ: 18] قال: «السروات» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {قرى ظاهرة} [سبأ: 18] " يعني: قرى عربية، وهي بين المدينة والشام " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة} [سبأ: 18] قال: " كان بين قريتهم وبين الشام قرى ظاهرة، قال: إن كانت المرأة لتخرج معها مغزلها ومكتلها على رأسها، تروح من قرية وتغدوها، وتبيت في قرية لا تحمل زادا ولا ماء لما بينها وبين الشام " وقوله: {وقدرنا فيها السير} [سبأ: 18] يقول تعالى ذكره: وجعلنا بين قراهم والقرى التي باركنا فيها سيرا مقدرا من منزل إلى منزل، وقرية إلى قرية، لا ينزلون إلا في قرية، ولا يغدون إلا من قرية وقوله: {سيروا فيها ليالي وأياما آمنين} [سبأ: 18] يقول: وقلنا لهم سيروا في هذه القرى ما بين قراكم والقرى التي باركنا فيها ليالي وأياما، آمنين لا تخافون جوعا ولا عطشا، ولا من أحد ظلما وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {سيروا فيها ليالي وأياما آمنين} [سبأ: 18] «لا يخافون ظلما ولا جوعا، وإنما يغدون فيقيلون، ويروحون فيبيتون في قرية أهل جنة ونهر، حتى لقد ذكر لنا أن المرأة كانت تضع مكتلها على رأسها، وتمتهن بيدها، فيمتلئ مكتلها من الثمر قبل أن ترجع إلى 19P264 أهلها من غير أن تخترف شيئا، وكان الرجل يسافر لا يحمل معه زادا ولا سقاء مما بسط للقوم» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وأياما آمنين} [سبأ: 18] قال: «ليس فيها خوف» 19P264
[سبأ: 19] القول في تأويل قوله تعالى: {فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} [سبأ: 19] اختلف القراء في قراءة قوله: {ربنا باعد بين أسفارنا} [سبأ: 19] فقرأته عامة قراء المدينة والكوفة: {ربنا باعد بين أسفارنا} [سبأ: 19] على وجه الدعاء والمسألة بالألف؛ وقرأ ذلك بعض أهل مكة والبصرة: (بعد) بتشديد العين على الدعاء أيضا وذكر عن المتقدمين أنه كان يقرؤه: ربنا باعد بين أسفارنا على وجه الخبر من الله أن الله فعل ذلك بهم. وحكي عن آخر أنه قرأه: ربنا بعد على وجه الخبر أيضا غير أن الرب منادى والصواب من القراءة في ذلك عندنا: {ربنا باعد} [سبأ: 19] وبعد لأنهما القراءتان المعروفتان في قراء الأمصار وما عداهما فغير معروف فيهم؛ على أن التأويل من أهل التأويل أيضا يحقق قراءة من قرأه على وجه الدعاء والمسألة، وذلك أيضا مما يزيد القراءة الأخرى بعدا من الصواب فإذا كان هو الصواب من القراءة، فتأويل الكلام: فقالوا: يا ربنا باعد بين أسفارنا، فاجعل بيننا وبين الشام فلوات ومفاوز، لنركب فيها الرواحل، ونتزود معنا فيها الأزواد؛ وهذا من الدلالة على بطر القوم نعمة الله عليهم وإحسانه إليهم، وجهلهم بمقدار العافية؛ ولقد عجل لهم ربهم الإجابة، كما عجل للقائلين: {إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال: 32] أعطاهم ما رغبوا إليه فيه وطلبوا من المسألة وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن أبي مالك، في هذه الآية: {فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا} [سبأ: 19] قال: " كانت لهم قرى متصلة باليمن، كان بعضها ينظر إلى بعض، فبطروا ذلك، وقالوا: ربنا باعد بين أسفارنا، قال: فأرسل الله عليهم سيل العرم، وجعل طعامهم أثلا وخمطا وشيئا من سدر قليل " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن [ص : 266] أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم} [سبأ: 19] قال: " فإنهم بطروا عيشهم، وقالوا: لو كان جنى جناتنا أبعد مما هي كان أجدر أن نشتهيه، فمزقوا بين الشام وسبأ، وبدلوا بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل، وشيء من سدر قليل " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا} [سبأ: 19] " بطر القوم نعمة الله، وغمطوا كرامة الله، قال الله {وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث} [سبأ: 19] حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا} [سبأ: 19] " حتى نبيت في الفلوات والصحاري {وظلموا أنفسهم} [سبأ: 19] وقوله {وظلموا أنفسهم} [سبأ: 19] وكان ظلمهم إياها عملهم بما يسخط الله عليهم من معاصيه، مما يوجب لهم عقاب الله {فجعلناهم أحاديث} [سبأ: 19] يقول: صيرناهم أحاديث للناس يضربون بهم المثل في السب، فيقال: تفرق القوم أيادي سبا، وأيدي سبا، إذا تفرقوا وتقطعوا وقوله {ومزقناهم كل ممزق} [سبأ: 19] يقول: وقطعناهم في البلاد كل مقطع كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وظلموا 19P267 أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق} [سبأ: 19] قال قتادة: قال عامر الشعبي: «أما غسان فقد لحقوا بالشام، وأما الأنصار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة، وأما الأزد فلحقوا بعمان» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " يزعمون أن عمران بن عامر، وهو عم القوم كان كاهنا فرأى في كهانته أن قومه سيمزقون ويتباعدون، فقال لهم: إني قد علمت أنكم ستمزقون، فمن كان منكم ذا هم بعيد، وجمل شديد، ومزاد جديد، فليلحق بكأس أو كرود، قال: فكانت وادعة بن عمرو؛ ومن كان منكم ذا هم مدن، وأمرد عن، فليلحق بأرض شن، فكانت عوف بن عمرو، وهم الذين يقال لهم بارق؛ ومن كان منكم يريد عيشا آينا، وحرما آمنا، فليلحق بالأرزين، فكانت خزاعة؛ ومن كان يريد الراسيات في الوحل، المطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل، فكانت الأوس والخزرج فهما هذان الحيان من الأنصار ؛ ومن كان يريد خمرا وخميرا، وذهبا وحريرا، وملكا وتأميرا فليلحق بكوثى وبصرى، فكانت غسان بنو جفنة ملوك الشام ومن كان منهم بالعراق " قال ابن إسحاق: قد سمعت بعض أهل العلم يقول: إنما قالت هذه المقالة طريفة امرأة عمران بن عامر، وكانت كاهنة، فرأت في كهانتها ذلك، والله أعلم أي ذلك كان؛ قال: فلما تفرقوا، نزلوا على كهانة عمران بن عامر وقوله: {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} [إبراهيم: 5] يقول تعالى ذكره: إن في تمزيقناهم كل ممزق {لآيات} [البقرة: 164] يقول: لعظة وعبرة ودلالة على واجب حق الله على عبده من الشكر على نعمه إذا أنعم عليه، وحقه من الصبر على محنته إذا امتحنه ببلاء لكل صبار شكور على نعمه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} [إبراهيم: 5] كان مطرف يقول: «نعم العبد الصبار الشكور، الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر» 19P268
[سبأ: 20] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين} [سبأ: 20] اختلفت القراء في قراءة قوله: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه} [سبأ: 20] فقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين: {ولقد صدق} [سبأ: 20] بتشديد الدال من صدق، بمعنى أنه قال ظنا منه: {ولا تجد أكثرهم شاكرين} [الأعراف: 17] ، وقال: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين} [ص: 83] ، ثم صدق ظنه ذلك فيهم، فحقق ذلك بهم، وباتباعهم إياه وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والشام والبصرة (ولقد صدق) بتخفيف الدال، بمعنى: ولقد صدق عليهم ظنه والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى؛ وذلك أن إبليس قد صدق على كفره بني آدم في ظنه، وصدق عليهم ظنه الذي ظن حين قال: {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين} [الأعراف: 17] ، وحين قال: {ولأضلنهم ولأمنينهم} [النساء: 119] الآية، قال ذلك عدو الله، ظنا منه أنه يفعل ذلك لا علما، فصار ذلك حقا باتباعهم إياه، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام على قراءة من قرأ بتشديد الدال: ولقد ظن إبليس بهؤلاء الذين بدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط، عقوبة منا لهم، ظنا غير يقين، علم أنهم يتبعونه ويطيعونه في معصية الله، فصدق ظنه عليهم، بإغوائه إياهم، حتى أطاعوه، وعصوا ربهم، إلا فريقا من المؤمنين بالله، فإنهم ثبتوا على طاعة الله ومعصية إبليس وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، قال: أخبرني عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، أنه قرأ: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه} [سبأ: 20] مشددة، وقال: «ظن ظنا، فصدق ظنه» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه} [سبأ: 20] قال: «ظن ظنا فاتبعوا ظنه» قال: ثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه} [سبأ: 20] " قال الله: ما كان إلا ظنا ظنه، والله لا يصدق كاذبا، ولا يكذب صادقا " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه} [سبأ: 20] قال: " أرأيت هؤلاء الذين كرمتهم علي، وفضلتهم وشرفتهم، لا تجد أكثرهم شاكرين، وكان ذلك ظنا منه بغير علم، فقال الله: {فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين} [سبأ: 20] 19P270
[سبأ: 21] القول في تأويل قوله تعالى: {وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ} [سبأ: 21] يقول تعالى ذكره: وما كان لإبليس على هؤلاء القوم 19P271 الذين وصف صفتهم من حجة يضلهم بها، إلا بتسليطناه عليهم، ليعلم حزبنا وأولياؤنا {من يؤمن بالآخرة} [سبأ: 21] يقول: من يصدق بالبعث والثواب والعقاب {ممن هو منها في شك} [سبأ: 21] فلا يوقن بالميعاد، ولا يصدق بثواب ولا عقاب وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وما كان له عليهم من سلطان} [سبأ: 21] قال: قال الحسن: «والله ما ضربهم بعصا ولا سيف ولا سوط، إلا أماني وغرورا دعاهم إليها» قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك} [سبأ: 21] قال: «وإنما كان بلاء ليعلم الله الكافر من المؤمن» وقيل: عني بقوله: {إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة} [سبأ: 21] إلا لنعلم ذلك موجودا ظاهرا ليستحق به الثواب أو العقاب وقوله: {وربك على كل شيء حفيظ} [سبأ: 21] يقول تعالى ذكره: وربك يا محمد على أعمال هؤلاء الكفرة به، وغير ذلك من الأشياء كلها {حفيظ} [هود: 57] لا يعزب عنه علم شيء منه، وهو مجاز جميعهم يوم القيامة، بما كسبوا في الدنيا من خير وشر 19P272 [سبأ: 22] القول في تأويل قوله تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} [سبأ: 22] يقول تعالى ذكره: فهذا فعلنا بولينا ومن أطاعنا، داود وسليمان الذي فعلنا بهما من إنعامنا عليهما النعم التي لا كفاء لها إذ شكرانا، وذاك فعلنا بسبإ الذين فعلنا بهم، إذ بطروا نعمتنا، وكذبوا رسلنا، وكفروا أيادينا، فقل يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم من قومك، الجاحدين نعمنا عندهم: ادعوا أيها القوم الذين زعمتم أنهم لله شريك من دونه، فسلوهم أن يفعلوا بكم بعض أفعالنا، بالذين وصفنا أمرهم من إنعام أو إياس، فإن لم يقدروا على ذلك فاعلموا أنكم مبطلون، لأن الشركة في الربوبية لا تصلح ولا تجوز، ثم وصف الذين يدعون من دون الله، فقال: إنهم لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض من خير ولا شر ولا ضر ولا نفع، فكيف يكون إلها من كان كذلك وقوله: {وما لهم فيهما من شرك} [سبأ: 22] يقول تعالى ذكره: ولا هم إذ لم يكونوا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، منفردين بملكه من 19P273 دون الله ، يملكونه على وجه الشركة، لأن الأملاك في المملوكات، لا تكون لمالكها إلا على أحد وجهين: إما مقسوما، وإما مشاعا؛ يقول: وآلهتهم التي يدعون من دون الله، لا يملكون وزن ذرة في السموات ولا في الأرض، لا مشاعا ولا مقسوما، فكيف يكون من كان هكذا شريكا لمن له ملك جميع ذلك وقوله: {وما له منهم من ظهير} [سبأ: 22] يقول: وما لله من الآلهة التي يدعون من دونه معين على خلق شيء من ذلك، ولا على حفظه، إذ لم يكن لها ملك شيء منه مشاعا ولا مقسوما، فيقال: هو لك شريك من أجل أنه أعان وإن لم يكن له ملك شيء منه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك} يقول: «ما لله من شريك في السماء ولا في الأرض» {وما له منهم} [سبأ: 22] من الذين يدعون من دون الله {من ظهير} [سبأ: 22] «من عون بشيء» 19P273
[سبأ: 23] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} [سبأ: 23] يقول تعالى ذكره: ولا تنفع شفاعة شافع كائنا من كان الشافع لمن شفع له، إلا أن يشفع لمن أذن الله في الشفاعة يقول تعالى: فإذا كانت الشفاعات لا تنفع عند الله أحدا إلا لمن أذن الله في الشفاعة له، والله لا يأذن لأحد من أوليائه في الشفاعة لأحد من الكفرة به، وأنتم أهل كفر به أيها المشركون، فكيف تعبدون من تعبدونه من دون الله زعما منكم أنكم تعبدونه، ليقربكم إلى الله زلفى، وليشفع لكم عند ربكم؛ فمن إذ كان هذا معنى الكلام التي في قوله {إلا لمن أذن له} [سبأ: 23] المشفوع له واختلفت القراء في قراءة قوله: {أذن له} [طه: 109] فقرأ ذلك عامة القراء بضم الألف من (أذن له) على وجه ما لم يسم فاعله، وقرأه بعض الكوفيين: {أذن له} [طه: 109] على اختلاف أيضا عنه فيه، بمعنى أذن الله له وقوله: {حتى إذا فزع عن قلوبهم} [سبأ: 23] يقول: حتى إذا جلي عن قلوبهم، وكشف عنها الفزع وذهب 19P275 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {حتى إذا فزع عن قلوبهم} [سبأ: 23] " يعني: جلي " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {حتى إذا فزع عن قلوبهم،} [سبأ: 23] قال: «كشف عنها الغطاء يوم القيامة» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: «إذا جلي عن قلوبهم» واختلف أهل التأويل في الموصوفين بهذه الصفة من هم؟ وما السبب الذي من أجله فزع عن قلوبهم؟ فقال بعضهم: الذي فزع عن قلوبهم الملائكة، قالوا: وإنما يفزع عن قلوبهم من غشية تصيبهم عند سماعهم الله بالوحي ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي، قال: قال ابن مسعود في هذه الآية: {حتى إذا فزع عن قلوبهم} [سبأ: 23] قال: " إذا حدث أمر عند ذي العرش سمع من دونه من الملائكة صوتا كجر السلسلة على الصفا، فيغشى عليهم، فإذا ذهب الفزع عن قلوبهم تنادوا: {ماذا قال ربكم} [سبأ: 23] قال: فيقول من شاء، قال: الحق، وهو العلي الكبير " حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت داود، عن عامر، عن مسروق، قال: " إذا حدث عند ذي العرش أمر سمعت الملائكة صوتا كجر السلسلة على الصفا، قال: فيغشى عليهم، فإذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قال: فيقول من شاء الله: الحق، وهو العلي الكبير " حدثنا ابن المثنى، قال: ثني عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر، عن ابن مسعود، أنه قال : إذا حدث أمر عند ذي العرش، ثم ذكر نحو معناه إلا أنه قال: فيغشى عليهم من الفزع، حتى إذا ذهب ذلك عنهم تنادوا: ماذا قال ربكم حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الله بن مسعود، في قوله: {حتى إذا فزع عن قلوبهم} [سبأ: 23] قال: " إن الوحي إذا ألقي سمع أهل السموات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان، قال: فيتنادون في السموات ماذا قال ربكم؟ قال: فيتنادون: الحق، وهو العلي الكبير " وبه عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، مثله حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: " ينزل الأمر من عند رب العزة إلى السماء الدنيا، فيفزع أهل السماء الدنيا، حتى يستبين لهم الأمر الذي نزل فيه، فيقول بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم؟
فيقولون: قال الحق، وهو العلي الكبير، فذلك قوله: {حتى إذا فزع عن قلوبهم} [سبأ: 23] الآية " حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، قال: ثنا أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله إذا قضى أمرا في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها جميعا، ولقوله: صوت كصوت السلسلة على الصفا الصفوان، فذلك قوله: {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} [سبأ: 23] حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا أيوب، عن هشام بن عروة، قال: قال الحارث بن هشام لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يأتيك الوحي؟ قال: « 19P278 يأتيني في صلصلة كصلصلة الجرس فيفصم عني حين يفصم وقد وعيته، ويأتي أحيانا في مثل صورة الرجل، فيلكمني به كلاما، وهو أهون علي» حدثني زكريا بن أبان المصري، قال: ثنا نعيم، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن ابن أبي زكريا، عن رجاء بن حيوة، عن النواس بن سمعان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي، أخذت السموات منه رجفة أو قال رعدة شديدة خوف أمر الله، فإذا سمع بذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبرائيل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبرائيل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبرائيل؟ فيقول جبرائيل قال الحق وهو العلي الكبير، قال: فيقولون كلهم مثل ما قال جبرائيل، فينتهي جبرائيل بالوحي حيث أمره الله " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {حتى إذا فزع عن قلوبهم} [سبأ: 23] الآية، قال: كان ابن عباس يقول: " إن الله لما أراد أن يوحي إلى محمد، دعا جبريل، فلما تكلم ربنا بالوحي، كان صوته كصوت الحديد على الصفا؛ فلما سمع أهل السموات صوت الحديد خروا سجدا؛ فلما أتى عليهم جبرائيل بالرسالة رفعوا رءوسهم، فقالوا: {ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} [سبأ: 23] وهذا قول الملائكة " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {حتى إذا فزع عن قلوبهم} [سبأ: 23] إلى {وهو العلي الكبير} [سبأ: 23] قال: " لما أوحى الله تعالى ذكره إلى محمد صلى الله عليه وسلم دعا الرسول من الملائكة، فبعث بالوحي، سمعت الملائكة صوت الجبار يتكلم بالوحي؛ فلما كشف عن قلوبهم سألوا عما قال الله، فقالوا: الحق، وعلموا أن الله لا يقول إلا حقا، وأنه منجز ما وعد قال ابن عباس: وصوت الوحي كصوت الحديد على الصفا؛ فلما سمعوه خروا سجدا؛ فلما رفعوا رءوسهم {قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} [سبأ: 23] ثم أمر الله نبيه أن يسأل الناس {قل من يرزقكم من السموات} إلى قوله: {في ضلال مبين} [الأنعام: 74] حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرة، عن عبد الله بن القاسم، في قوله: {حتى إذا فزع عن قلوبهم} [سبأ: 23] الآية، قال: " الوحي ينزل من السماء، فإذا 19P280 قضاه {قالوا ماذا قال ربكم، قالوا الحق وهو العلي الكبير} [سبأ: 23] حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله، في قوله: {حتى إذا فزع عن قلوبهم} [سبأ: 23] قال: " إن الوحي إذا قضى في زوايا السماء، قال: مثل وقع الفولاذ على الصخرة، قال: فيشفقون، لا يدرون ما حدث، فيفزعون، فإذا مرت بهم الرسل {قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} [سبأ: 23] وقال آخرون ممن قال: الموصوفون بذلك الملائكة: إنما يفزع عن قلوبهم فزعهم من قضاء الله الذي يقضيه حذرا أن يكون ذلك قيام الساعة ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {حتى إذا فزع عن قلوبهم، قالوا ماذا قال ربكم} [سبأ: 23] الآية، قال: " يوحي الله إلى جبرائيل، فتفرق الملائكة، أو تفزع مخافة أن يكون شيء من أمر الساعة، فإذا جلي عن قلوبهم، وعلموا أنه ليس ذلك من أمر الساعة {قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} [سبأ: 23] وقال آخرون: بل ذلك من فعل ملائكة السموات إذا مرت بها المعقبات فزعا أن يكون حدث أمر الساعة " ذكر من قال ذلك: حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {حتى إذا فزع عن قلوبهم} [سبأ: 23] الآية، زعم ابن مسعود «أن الملائكة المعقبات الذين يختلفون إلى الأرض يكتبون أعمالهم، إذا أرسلهم الرب فانحدروا سمع لهم صوت شديد، فيحسب الذين هم أسفل منهم من الملائكة أنه من أمر الساعة، فخروا سجدا، وهكذا كلما مروا عليهم يفعلون ذلك من خوف ربهم» وقال آخرون: بل الموصوفون بذلك المشركون، قالوا: وإنما يفزع الشيطان عن قلوبهم؛ قال: وإنما يقولون: ماذا قال ربكم عند نزول المنية بهم ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {حتى إذا فزع عن قلوبهم} [سبأ: 23] قال: " فزع الشيطان عن قلوبهم وفارقهم وأمانيهم، وما كان يضلهم {قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} [سبأ: 23] قال: وهذا في بني آدم، وهذا عند الموت أقروا به حين لم ينفعهم الإقرار " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، القول الذي ذكره الشعبي، عن ابن مسعود لصحة الخبر الذي ذكرناه عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتأييده وإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام: لا تنفع الشفاعة عنده، إلا لمن أذن له أن يشفع عنده، فإذا أذن الله لمن أذن له أن يشفع فزع لسماعه إذنه، حتى إذا فزع عن قلوبهم، فجلي عنها، وكشف الفزع عنهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟
قالت الملائكة: الحق، {وهو العلي} [سبأ: 23] على كل شيء {الكبير} [سبأ: 23] الذي لا شيء دونه. والعرب تستعمل فزع في معنيين، فتقول للشجاع الذي به تنزل الأمور التي يفزع منها: وهو مفزع؛ وتقول للجبان الذي يفزع من كل شيء: إنه لمفزع، وكذلك تقول للرجل الذي يقضي له الناس في الأمور بالغلبة على من نازله فيها: هو مغلب؛ وإذا أريد به هذا المعنى كان غالبا؛ وتقول للرجل أيضا الذي هو مغلوب أبدا: مغلب. وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الأمصار أجمعون: {فزع} [النمل: 89] بالزاي والعين على التأويل الذي ذكرناه عن ابن مسعود ومن قال بقوله في ذلك وروي عن الحسن أنه قرأ ذلك: (حتى إذا فرغ عن قلوبهم) بالراء والغين على التأويل الذي ذكرناه عن ابن زيد وقد يحتمل توجيه معنى قراءة الحسن ذلك كذلك، إلى حتى إذا فرغ عن قلوبهم فصارت فارغة من الفزع الذي كان حل بها ذكر عن مجاهد أنه قرأ ذلك: فزع بمعنى: كشف الله الفزع عنها والصواب من القراءة في ذلك القراءة بالزاي والعين لإجماع الحجة من القراء وأهل التأويل عليها، ولصحة الخبر الذي ذكرناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتأييدها، والدلالة على صحتها 19P283
[سبأ: 24] القول في تأويل قوله تعالى: {قل من يرزقكم من السموات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} [سبأ: 24] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم الأوثان والأصنام: من يرزقكم من السموات والأرض بإنزاله الغيث عليكم منها حياة لحروثكم، وصلاحا لمعايشكم، وتسخيره الشمس والقمر والنجوم لمنافعكم، ومنافع أقواتكم، والأرض بإخراجه منها أقواتكم وأقوات أنعامكم؟ وترك الخبر عن جواب القوم استغناء بدلالة الكلام عليه، ثم ذكره، وهو: فإن قالوا: لا ندري، فقل: الذي يرزقكم ذلك الله، {وإنا أو إياكم} [سبأ: 24] أيها القوم {لعلى هدى أو في ضلال مبين} [سبأ: 24] يقول: قل لهم: إنا لعلى هدى أو في ضلال، أو انكم على ضلال أو هدى وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {قل من 19P284 يرزقكم من السموات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} قال: «قد قال ذلك أصحاب محمد للمشركين، والله ما أنا وأنتم على أمر واحد، إن أحد الفريقين لمهتد» وقد قال قوم: معنى ذلك: وإنا لعلى هدى، وإنكم لفي ضلال مبين " ذكر من قال ذلك: حدثني إسحاق بن إبراهيم الشهيدي، قال: ثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن عكرمة، وزياد، في قوله: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} [سبأ: 24] قال: «إنا لعلى هدى؛ وإنكم لفي ضلال مبين» واختلف أهل العربية في وجه دخول أو في هذا الموضع، فقال بعض نحويي البصرة: ليس ذلك لأنه شك، ولكن هذا في كلام العرب على أنه هو المهتدي، قال: وقد يقول الرجل لعبده: أحدنا ضارب صاحبه، ولا يكون فيه إشكال على السامع أن المولى هو الضارب وقال آخر منهم: معنى ذلك: إنا لعلى هدى، وإنكم إياكم في ضلال مبين، لأن العرب تضع أو في موضع واو الموالاة، قال جرير: [+البحر الوافر] أثعلبة الفوارس أو رياحا عدلت بهم طهية والخشابا قال: يعني ثعلبة ورياحا، قال: وقد تكلم بهذا من لا يشك في دينه، وقد علموا أنهم على هدى، وأولئك في ضلال، فيقال: هذا وإن كان كلاما واحدا على جهة الاستهزاء، فقال: هذا لهم، وقال: [+البحر الوافر] فإن يكن حبهم رشدا أصبه ولست بمخطئ إن كان غيا وقال بعض نحويي الكوفة: معنى أو معنى الواو في هذا الموضع في المعنى غير أن القرينة على غير ذلك لا تكون أو بمنزلة الواو، ولكنها تكون في الأمر المفوض، كما تقول: إن شئت فخذ درهما أو اثنين، فله أن يأخذ اثنين أو واحدا، وليس له أن يأخذ ثلاثة. قال: وهو في قول من لا يبصر العربية، ويجعل أو بمنزلة الواو، ويجوز له أن يأخذ ثلاثة، لأنه في قولهم بمنزلة قولك: خذ درهما أو اثنين؛ قال: والمعنى في {إنا أو إياكم} [سبأ: 24] إنا لضالون أو مهتدون، وإنكم أيضا لضالون، وهو يعلم أن رسوله المهتدي، وأن غيره الضال. قال: وأنت تقول في الكلام للرجل يكذبك والله إن أحدنا لكاذب، وأنت تعنيه، وكذبته تكذيبا غير مكشوف، وهو في القرآن وكلام العرب كثير، أن يوجه الكلام إلى أحسن مذاهبه، إذا عرف، كقول القائل لمن قال: والله لقد قدم فلان، وهو كاذب، فيقول: قل: إن شاء الله، أو قل: فيما أظن، فيكذبه بأحسن تصريح التكذيب. قال: ومن كلام العرب أن يقولوا: قاتله الله، ثم يستقبح فيقولون: قاتله الله، وكاتعه الله قال: ومن ذلك: ويحك، وويسك، إنما هي في معنى: ويلك، إلا أنها دونها والصواب من القول في ذلك عندي أن ذلك أمر من الله لنبيه بتكذيب من أمره بخطابه بهذا القول بأجمل التكذيب، كما يقول الرجل لصاحب له يخاطبه، وهو يريد تكذيبه في خبر له: أحدنا كاذب، وقائل ذلك يعني صاحبه، لا نفسه؛ فلهذا المعنى صير الكلام بأو 19P286
[سبأ: 25_26] القول في تأويل قوله تعالى: {قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم} [سبأ: 25_26] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين: أحد فريقينا على هدى والآخر على ضلال، لا تسألون أنتم عما أجرمنا نحن من جرم، وركبنا من إثم، ولا نسأل نحن عما تعملون أنتم من عمل، قل لهم: يجمع بيننا ربنا يوم القيامة عنده، ثم يفتح بيننا بالحق. يقول: ثم يقضي بيننا بالعدل، فيتبين عند ذلك المهتدي منا من الضال {وهو الفتاح العليم} [سبأ: 26] يقول: والله القاضي العليم بالقضاء بين خلقه، لأنه لا تخفى عنه خافية، ولا يحتاج إلى شهود تعرفه المحق من المبطل وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قل يجمع بيننا ربنا} [سبأ: 26] «يوم القيامة» {ثم يفتح بيننا} [سبأ: 26] «أي يقضي بيننا» حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {وهو الفتاح العليم} [سبأ: 26] يقول: «القاضي» 19P287 [سبأ: 27] القول في تأويل قوله تعالى: {قل أروني الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم} [سبأ: 27] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله الآلهة والأصنام: أروني أيها القوم الذين 19P288 ألحقتموهم بالله فصيرتموهم له شركاء في عبادتكم إياهم: ماذا خلقوا من الأرض، أم لهم شرك في السموات {كلا} [النساء: 130] يقول تعالى ذكره: كذبوا، ليس الأمر كما وصفوا، ولا كما جعلوا وقالوا من أن لله شريكا، بل هو المعبود الذي لا شريك له، ولا يصلح أن يكون له شريك في ملكه، العزيز في انتقامه ممن أشرك به من خلقه، الحكيم في تدبيره خلقه 19P287 [سبأ: 28] القول في تأويل قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [سبأ: 28] يقول تعالى ذكره: وما أرسلناك يا محمد إلى هؤلاء المشركين بالله من قومك خاصة، ولكنا أرسلناك كافة للناس أجمعين، العرب منهم والعجم، والأحمر والأسود، بشيرا من أطاعك، ونذيرا من كذبك، {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الأعراف: 187] أن الله أرسلك كذلك إلى جميع البشر وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وما أرسلناك إلا كافة للناس} [سبأ: 28] قال: «أرسل الله محمدا إلى العرب والعجم، فأكرمهم على الله أطوعهم له» ذكر لنا نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا سابق العرب، وصهيب سابق الروم، وبلال سابق الحبشة، وسلمان سابق فارس» 19P288 [سبأ: 29_30] القول في تأويل قوله تعالى: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون} [سبأ: 29_30] يقول تعالى ذكره: ويقول هؤلاء المشركون بالله إذا سمعوا وعيد الله الكفار وما هو فاعل بهم في معادهم مما أنزل الله في كتابه: {متى هذا الوعد} [يونس: 48] جائيا، وفي أي وقت هو كائن {إن كنتم} [البقرة: 23] فيما تعدوننا من ذلك {صادقين} [البقرة: 23] أنه كائن قال الله لنبيه: {قل} [البقرة: 80] لهم يا محمد: {لكم} [البقرة: 22] أيها القوم {ميعاد يوم} [سبأ: 30] هو آتيكم {لا تستأخرون عنه} [سبأ: 30] إذا جاءكم {ساعة} [الأعراف: 34] فتنظروا للتوبة والإنابة {ولا تستقدمون} [سبأ: 30] قبله بالعذاب، لأن الله جعل لكم ذلك أجلا 19P289
[سبأ: 31] القول في تأويل قوله تعالى: {وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين} [سبأ: 31] يقول تعالى ذكره: {وقال الذين كفروا} [إبراهيم: 13] من مشركي العرب: {لن نؤمن بهذا القرآن} [سبأ: 31] الذي جاءنا به محمد صلى الله عليه وسلم ولا بالكتاب الذي جاء به غيره من بين يديه كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لن 19P290 نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه} [سبأ: 31] قال: " قال المشركون: لن نؤمن بهذا القرآن، ولا بالذي بين يديه من الكتب والأنبياء " وقوله: {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم} [سبأ: 31] يتلاومون، يحاور بعضهم بعضا، يقول المستضعفون كانوا في الدنيا للذين كانوا عليهم فيها يستكبرون: لولا أنتم أيها الرؤساء والكبراء في الدنيا لكنا مؤمنين بالله وآياته 19P290 [سبأ: 32] القول في تأويل قوله تعالى: {قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين} [سبأ: 32] يقول تعالى ذكره: {قال الذين استكبروا} [الأعراف: 76] في الدنيا، فرأسوا في الضلالة والكفر بالله {للذين استضعفوا} [الأعراف: 75] فيها فكانوا أتباعا لأهل الضلالة منهم إذ قالوا لهم: {لولا أنتم لكنا مؤمنين} [سبأ: 31] ، {أنحن صددناكم عن الهدى} [سبأ: 32] ومنعناكم من اتباع الحق {بعد إذ جاءكم} [سبأ: 32] من عند الله، يبين لكم {بل كنتم مجرمين} [سبأ: 32] فمنعكم إيثاركم الكفر بالله على الإيمان من اتباع الهدى والإيمان بالله ورسوله 19P290 [سبأ: 33] القول في تأويل قوله تعالى: {وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} [سبأ: 33] يقول تعالى ذكره: {وقال الذين استضعفوا} [سبأ: 33] من الكفرة بالله في الدنيا، فكانوا أتباعا لرؤسائهم في الضلالة {للذين استكبروا} [إبراهيم: 21] فيها، فكانوا لهم رؤساء {بل مكر} [سبأ: 33] كم لنا ب {الليل والنهار} [البقرة: 164] صدنا عن الهدى {إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له} [سبأ: 33] أمثالا وأشباها في العبادة والألوهة؛ فأضيف المكر إلى الليل والنهار والمعنى ما ذكرنا من مكر المستكبرين بالمستضعفين في الليل والنهار، على اتساع العرب في الذي قد عرف معناها فيه من منطقها، من نقل صفة الشيء إلى غيره، فتقول للرجل: يا فلان نهارك صائم وليلك قائم، وكما قال الشاعر: ونمت وما ليل المطي بنائم وما أشبه ذلك مما قد مضى بيانا له في غير هذا الموضع من كتابنا هذا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا} [سبأ: 33] يقول: «بل مكركم بنا في الليل والنهار أيها العظماء الرؤساء حتى أزلتمونا عن عبادة الله» وقد ذكر في تأويله عن سعيد بن جبير ما حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير {بل مكر الليل والنهار} [سبأ: 33] قال: «مر الليل والنهار» وقوله: {إذ تأمروننا أن نكفر بالله } [سبأ: 33] يقول: حين تأمروننا أن نكفر بالله وقوله: {ونجعل له أندادا} [سبأ: 33] يقول: شركاء كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ونجعل له أندادا} [سبأ: 33] شركاء " قوله: {وأسروا الندامة لما رأوا العذاب} [يونس: 54] يقول: وندموا على ما فرطوا من طاعة الله في الدنيا حين عاينوا عذاب الله الذي أعده لهم كما: حدثنا بشر، قال: ثنا سعيد، عن 19P293 قتادة {وأسروا الندامة} [سبأ: 33] بينهم {لما رأوا العذاب} [سبأ: 33] قوله: {وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا} [سبأ: 33] وغلت أيدي الكافرين بالله في جهنم إلى أعناقهم في جوامع من نار جهنم، جزاء بما كانوا بالله في الدنيا يكفرون، يقول جل ثناؤه: ما يفعل الله ذلك بهم إلا ثوابا لأعمالهم الخبيثة التي كانوا في الدنيا يعملونها، ومكافأة لهم عليها 19P293
[سبأ: 34] القول في تأويل قوله تعالى: {وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون} [سبأ: 34] يقول تعالى ذكره: وما بعثنا إلى أهل قرية نذيرا ينذرهم بأسنا أن ينزل بهم على معصيتهم إيانا، إلا قال كبراؤها ورؤساؤها في الضلالة كما قال قوم فرعون من المشركين له: إنا بما أرسلتم به من النذارة، وبعثتم به من توحيد الله، والبراءة من الآلهة والأنداد كافرون وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون} [سبأ: 34] قال: «هم رءوسهم وقادتهم في الشر» 19P293 [سبأ: 35_36] القول في تأويل قوله تعالى: {وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [سبأ: 35_36] يقول تعالى ذكره: وقال أهل الاستكبار على الله من كل قرية أرسلنا فيها نذيرا لأنبيائنا ورسلنا: {نحن أكثر أموالا وأولادا} [سبأ: 35] وما نحن في الآخرة {بمعذبين} [الشعراء: 138] لأن الله لو لم يكن راضيا ما نحن عليه من الملة والعمل لم يخولنا الأموال والأولاد ، ولم يبسط لنا في الرزق، وإنما أعطانا ما أعطانا من ذلك لرضاه أعمالنا، وآثرنا بما آثرنا على غيرنا لفضلنا، وزلفة لنا عنده، يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم يا محمد: {إن ربي يبسط الرزق} [سبأ: 36] من المعاش والرياش في الدنيا {لمن يشاء} [البقرة: 261] من خلقه {ويقدر} [الرعد: 26] فيضيق على من يشاء لا لمحبة فيمن يبسط له ذلك ولا خير فيه ولا زلفة له، استحق بها منه، ولا لبغض منه لمن قدر عليه ذلك، ولا مقت، ولكنه يفعل ذلك محنة لعباده وابتلاء، وأكثر الناس لا يعلمون أن الله يفعل ذلك اختبارا لعباده، ولكنهم يظنون أن ذلك منه محبة لمن بسط له ومقت لمن قدر عليه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى} [سبأ: 37] الآية، قال: " قالوا: نحن أكثر أموالا وأولادا، فأخبرهم الله أنه ليست أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى، {إلا من آمن وعمل صالحا} [سبأ: 37] ، قال: وهذا قول المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قالوا: لو لم يكن الله عنا راضيا لم يعطنا هذا، كما قال قارون: لولا أن الله رضي بي وبحالي ما أعطاني هذا، قال: {أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون} [القصص: 78] إلى آخر الآية " 19P295
[سبأ: 37] القول في تأويل قوله تعالى: {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون} [سبأ: 37] يقول جل ثناؤه: وما أموالكم التي تفتخرون بها أيها القوم على الناس، ولا أولادكم الذين تتكبرون بهم بالتي تقربكم منا قربة وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني 19P296 الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، قوله: {عندنا زلفى} [سبأ: 37] قال: «قربى» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى} [سبأ: 37] «لا يعتبر الناس بكثرة المال والولد، وإن الكافر قد يعطى المال، وربما حبس عن المؤمن» وقال جل ثناؤه: {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى} [سبأ: 37] ولم يقل باللتين، وقد ذكر الأموال والأولاد، وهما نوعان مختلفان لأنه ذكر من كل نوع منهما جمعا يصلح فيه التي؛ ولو قال قائل: أراد بذلك أحد النوعين لم يبعد قوله، وكان ذلك كقول الشاعر: [+البحر المنسرح] نحن بما عندنا، وأنت بما عن دك راض والرأي مختلف ولم يقل: راضيان وقوله: {إلا من آمن وعمل صالحا} [سبأ: 37] اختلف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضهم: معنى ذلك: وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى، إلا من آمن وعمل صالحا، فإنه تقربهم أموالهم وأولادهم 19P297 بطاعتهم الله في ذلك وأدائهم فيه حقه إلى الله زلفى دون أهل الكفر بالله ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: {إلا من آمن وعمل صالحا} [سبأ: 37] قال: " لم تضرهم أموالهم ولا أولادهم في الدنيا للمؤمنين، وقرأ: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] فالحسنى: الجنة، والزيادة: ما أعطاهم الله في الدنيا لم يحاسبهم به، كما حاسب الآخرين، فمن حملها على هذا التأويل نصب بوقوع تقرب عليه، وقد يحتمل أن يكون من في موضع رفع، فيكون كأنه قيل: وما هو إلا من آمن وعمل صالحا وقوله: {فأولئك لهم جزاء الضعف} [سبأ: 37] يقول: فهؤلاء لهم من الله على أعمالهم الصالحة الضعف من الثواب، بالواحدة عشر وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا} [سبأ: 37] قال: «بأعمالهم الواحد عشر، وفي 19P298 سبيل الله بالواحد سبع مائة» وقوله: {في الغرفات آمنون} [سبأ: 37] يقول: وهم في غرفات الجنات آمنون من عذاب الله 19P298
[سبأ: 38_39] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين} [سبأ: 38_39] يقول تعالى ذكره: والذين يعملون في آياتنا، يعني: في حججنا وآي كتابنا، يبتغون إبطاله، ويريدون إطفاء نوره معاونين، يحسبون أنهم يفوتوننا بأنفسهم، ويعجزوننا {أولئك في العذاب محضرون} [سبأ: 38] يعني في عذاب جهنم محضرون يوم القيامة {قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده} [سبأ: 39] يقول تعالى ذكره: قل يا محمد إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من خلقه، فيوسعه عليه تكرمة له وغير تكرمة، ويقدر على من يشاء منهم فيضيقه ويقتره إهانة له وغير إهانة، بل محنة واختبارا {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} [سبأ: 39] يقول: وما أنفقتم أيها الناس من نفقة في طاعة الله، فإن الله يخلفها عليكم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، 19P299 عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} [سبأ: 39] قال: «ما كان في غير إسراف ولا تقتير» وقوله: {وهو خير الرازقين} [المؤمنون: 72] يقول: وهو خير من قيل إنه يرزق ووصف به، وذلك أنه قد يوصف بذلك من دونه، فيقال: فلان يرزق أهله وعياله 19P299 [سبأ: 40_41] القول في تأويل قوله تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} [سبأ: 40_41] يقول تعالى ذكره: ويوم نحشر هؤلاء الكفار بالله جميعا، ثم نقول للملائكة: أهؤلاء كانوا يعبدونكم من دوننا؟ فتتبرأ منهم الملائكة، {قالوا: سبحانك} [البقرة: 32] ربنا، تنزيها لك وتبرئة مما أضاف إليك هؤلاء من الشركاء والأنداد {أنت ولينا من دونهم} [سبأ: 41] لا نتخذ وليا دونك {بل كانوا يعبدون الجن} [سبأ: 41] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} [سبأ: 40] «استفهام، كقوله لعيسى 19P300 » : {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} [المائدة: 116] وقوله: {أكثرهم بهم مؤمنون} [سبأ: 41] يقول: أكثرهم بالجن مصدقون، يزعمون أنهم بنات الله، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا 19P300 [سبأ: 42] القول في تأويل قوله تعالى: {فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون} [سبأ: 42] يقول تعالى ذكره: فاليوم لا يملك بعضكم أيها الملائكة للذين كانوا في الدنيا يعبدونكم نفعا ينفعونكم به ولا ضرا ينالونكم به، أو تنالونهم به {ونقول للذين ظلموا} [سبأ: 42] يقول: ونقول للذين عبدوا غير الله فوضعوا العبادة في غير موضعها، وجعلوها لغير من تنبغي أن تكون له: {ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها} [سبأ: 42] في الدنيا {تكذبون} [المؤمنون: 105] فقد وردتموها 19P300
[سبأ: 43] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين} [سبأ: 43] يقول تعالى ذكره: وإذا تتلى على هؤلاء المشركين آيات كتابنا {بينات} [البقرة: 99] يقول: واضحات أنهن حق من عندنا {قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم} [سبأ: 43] يقول: قالوا عند ذلك: لا تتبعوا محمدا، فما هو إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم من الأوثان، ويغير دينكم ودين آبائكم {وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى} [سبأ: 43] يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون: ما هذا الذي تتلو علينا يا محمد، يعنون القرآن، إلا أفك، يقول: إلا كذب مفترى؛ يقول: مختلق. متخرص {وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين} [سبأ: 43] يقول جل ثناؤه: وقال الكفار للحق، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم لما جاءهم، يعني: لما بعثه الله نبيا: هذا سحر مبين ؛ يقول: ما هذا إلا سحر مبين، يبين لمن رآه وتأمله أنه سحر 19P301 [سبأ: 45] القول في تأويل قوله تعالى: {وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير} [سبأ: 45] يقول تعالى ذكره: وما أنزلنا على المشركين القائلين لمحمد صلى الله عليه وسلم لما جاءهم بآياتنا: هذا سحر مبين بما يقولون من ذلك كتبا يدرسونها: يقول: يقرؤونها كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وما آتيناهم من كتب يدرسونها} [سبأ: 44] «أي يقرؤونها» {وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير} [سبأ: 44] يقول: وما أرسلنا إلى هؤلاء المشركين من قومك يا محمد فيما يقولون ويعملون قبلك من نبي ينذرهم بأسنا عليه 19P302 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير} [سبأ: 44] «ما أنزل الله على العرب كتابا قبل القرآن، ولا بعث إليهم نبيا قبل محمد صلى الله عليه وسلم» وقوله: {وكذب الذين من قبلهم} [سبأ: 45] يقول: وكذب الذين من قبلهم من الأمم رسلنا وتنزيلنا {وما بلغوا معشار ما آتيناهم} [سبأ: 45] يقول: ولم يبلغ قومك يا محمد عشر ما أعطينا الذين من قبلهم من الأمم من القوة والأيدي والبطش، وغير ذلك من النعم، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {وما بلغوا معشار ما آتيناهم} [سبأ: 45] «من القوة في الدنيا» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {وما بلغوا معشار ما آتيناهم} [سبأ: 45] يقول: «ما جاوزوا 19P303 معشار ما أنعمنا عليهم» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم} [سبأ: 45] «يخبركم أنه أعطى القوم ما لم يعطكم من القوة وغير ذلك» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وما بلغوا معشار ما آتيناهم} [سبأ: 45] قال: «ما بلغ هؤلاء أمة محمد صلى الله عليه وسلم معشار ما آتينا الذين من قبلهم، وما أعطيناهم من الدنيا، وبسطنا عليهم» {فكذبوا رسلي فكيف كان نكير} [سبأ: 45] يقول: فكذبوا رسلي فيما أتوهم به من رسالتي، فعاقبناهم بتغييرنا بهم ما كنا آتيناهم من النعم، فانظر يا محمد كيف كان نكير. يقول: كيف كان تغييري بهم وعقوبتي 19P303
[سبأ: 46] القول في تأويل قوله تعالى: {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد} [سبأ: 46] يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك: إنما أعظكم أيها القوم بواحدة، وهي طاعة الله كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {إنما أعظكم بواحدة} [سبأ: 46] قال: «بطاعة الله» وقوله: {أن تقوموا لله مثنى وفرادى} [سبأ: 46] يقول: وتلك الواحدة التي أعظكم بها هي أن تقوموا لله اثنين اثنين، {وفرادى} [سبأ: 46] فرادى، فأن في موضع خفض ترجمة عن الواحدة وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثني أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {أن تقوموا، لله مثنى وفرادى} [سبأ: 46] قال: «واحدا واثنين» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى} [سبأ: 46] «رجلا ورجلين» 19P305 وقيل: إنما قيل: إنما أعظكم بواحدة، وتلك الواحدة أن تقوموا لله بالنصيحة وترك الهوى {مثنى} [سبأ: 46] يقول: يقوم الرجل منكم مع آخر فيتصادقان على المناظرة، هل علمتم ب محمد صلى الله عليه وسلم جنونا قط؟ ثم ينفرد كل واحد منكم، فيتفكر ويعتبر فردا هل كان ذلك به؟ فتعلموا حينئذ أنه نذير لكم " وقوله: {ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة} [سبأ: 46] يقول: لأنه ليس بمجنون وقوله {إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد} [سبأ: 46] يقول: ما محمد إلا نذير لكم ينذركم على كفركم بالله عقابه أمام عذاب جهنم قبل أن تصلوها وقوله: «هو» كناية اسم محمد صلى الله عليه وسلم 19P305 [سبأ: 47] القول في تأويل قوله تعالى: {قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد} [سبأ: 47] 19P306 يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لقومك المكذبيك، الرادين عليك ما أتيتهم به من عند ربك: ما أسألكم من جعل على إنذاريكم عذاب الله، وتخويفكم به بأسه، ونصيحتي لكم في أمري إياكم بالإيمان بالله، والعمل بطاعته، فهو لكم لا حاجة لي به. وإنما معنى الكلام: قل لهم: إني لم أسألكم على ذلك جعلا فتتهموني، وتظنوا أني إنما دعوتكم إلى اتباعي لمال آخذه منكم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قل ما سألتكم من أجر} [سبأ: 47] " أي جعل {فهو لكم} [سبأ: 47] يقول: لم أسألكم على الإسلام جعلا " وقوله: {إن أجري إلا على الله} [يونس: 72] يقول: ما ثوابي على دعائكم إلى الإيمان بالله، والعمل بطاعته، وتبليغكم رسالته، إلا على الله {وهو على كل شيء شهيد} [سبأ: 47] يقول: والله على حقيقة ما أقول لكم شهيد يشهد لي به، وعلى غير ذلك من الأشياء كلها 19P306
[سبأ: 48_49] القول في تأويل قوله تعالى: {قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد} [سبأ: 48_49] يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قل} [البقرة: 80] يا محمد لمشركي قومك {إن ربي يقذف بالحق} [سبأ: 48] وهو الوحي، يقول: ينزله من السماء، فيقذفه إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم {علام الغيوب} [المائدة: 109] يقول: علام ما يغيب عن الأبصار، ولا مظهر لها، وما لم يكن مما هو كائن، وذلك من صفة الرب؛ غير أنه رفع لمجيئه بعد الخبر، وكذلك تفعل العرب إذا وقع النعت بعد الخبر، في أن اتبعوا النعت أعراب ما في الخبر، فقالوا: إن أباك يقوم الكريم، فرفع الكريم على ما وصفت، والنصب فيه جائز، لأنه نعت للأب، فيتبع إعرابه {قل جاء الحق} [سبأ: 49] يقول: قل لهم يا محمد: جاء القرآن ووحي الله {وما يبدئ الباطل} [سبأ: 49] يقول: وما ينشئ الباطل خلقا؛ والباطل هو فيما فسره أهل التأويل: إبليس {وما يعيد} [سبأ: 49] يقول: ولا يعيده حيا بعد فنائه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قل إن ربي يقذف بالحق} [سبأ: 48] «أي بالوحي» {علام الغيوب قل جاء الحق} [سبأ: 49] «أي القرآن» {وما يبدئ الباطل وما يعيد} [سبأ: 49] " والباطل: إبليس: أي ما يخلق إبليس أحدا، ولا يبعثه " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب} [سبأ: 48] " فقرأ: {بل نقذف بالحق على الباطل} [الأنبياء: 18] إلى قوله {ولكم الويل مما تصفون} [الأنبياء: 18] قال: " يزهق الله الباطل، ويثبت الله 19P308 الحق الذي دمغ به الباطل، يدمغ بالحق على الباطل، فيهلك الباطل ويثبت الحق، فذلك قوله {قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب} [سبأ: 48] 19P307 [سبأ: 50] القول في تأويل قوله تعالى: {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب} [سبأ: 50] يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لقومك: إن ضللت عن الهدى، فسلكت غير طريق الحق، فإنما ضلالي عن الصواب على نفسي، يقول: فإن ضلالي عن الهدى على نفسي ضره {وإن اهتديت} [سبأ: 50] يقول: وإن استقمت على الحق {فبما يوحي إلي ربي} [سبأ: 50] يقول: فبوحي الله الذي يوحي إلي، وتوفيقه للاستقامة على محجة الحق وطريق الهدى وقوله: {إنه سميع قريب} [سبأ: 50] يقول: إن ربي سميع لما أقول لكم، حافظ له، وهو المجازي لي على صدقي في ذلك، وذلك مني غير بعيد، فيتعذر عليه سماع ما أقول لكم، وما تقولون، وما يقوله غيرنا، ولكنه قريب من كل متكلم يسمع كل ما ينطق به، أقرب إليه من حبل الوريد 19P308
[سبأ: 51] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب} [سبأ: 51] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولو ترى يا محمد 19P309 إذ فزعوا واختلف أهل التأويل في المعنيين بهذه الآية، فقال بعضهم: عني بها هؤلاء المشركون الذين وصفهم تعالى ذكره بقوله: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم} [سبأ: 43] قال: وعني بقوله: {إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب} [سبأ: 51] عند نزول نقمة الله بهم في الدنيا ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت} [سبأ: 51] إلى آخر الآية، قال: «هذا من عذاب الدنيا» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {وأخذوا من مكان قريب} [سبأ: 51] قال: «هذا عذاب الدنيا» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت} [سبأ: 51] إلى آخر السورة، قال: " هؤلاء قتلى المشركين من أهل بدر، نزلت فيهم هذه الآية، قال: وهم الذين بدلوا نعمة الله كفرا، وأحلوا قومهم دار البوار جهنم، أهل بدر من المشركين " 19P310 وقال آخرون: عني بذلك جيش يخسف بهم ببيداء من الأرض ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، في قوله: {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت} [سبأ: 51] قال: «هم الجيش الذي يخسف بهم بالبيداء، يبقى منهم رجل يخبر الناس بما لقي أصحابه» حدثنا عصام بن رواد بن الجراح، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيان بن سعيد، قال: ثني منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش، قال: سمعت حذيفة بن اليمان، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر فتنة تكون بين أهل المشرق والمغرب قال: " فبينما هم كذلك، إذ خرج عليهم السفياني من الوادي اليابس في فورة ذلك، حتى ينزل دمشق، فيبعث جيشين: جيشا إلى المشرق، وجيشا إلى المدينة، حتى ينزلوا بأرض بابل في المدينة الملعونة، والبقعة الخبيثة، فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف، ويبقرون بها أكثر من مائة امرأة، ويقتلون بها ثلاث مائة كبش من بني العباس، ثم ينحدرون إلى الكوفة فيخرجون ما حولها، ثم يخرجون متوجهين إلى الشام، فتخرج راية هذا من الكوفة، فتلحق ذلك الجيش منها على الفئتين فيقتلونهم، لا يفلت 19P311 منهم مخبر، ويستنقذون ما في أيديهم من السبي والغنائم، ويخلي جيشه التالي بالمدينة، فينهبونها ثلاثة أيام ولياليها، ثم يخرجون متوجهين إلى مكة، حتى إذا طافوا بالبيداء، بعث الله جبريل، فيقول: يا جبرائيل اذهب فأبدهم، فيضربها برجله ضربة يخسف الله بهم، فذلك قوله في سورة سبأ {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت} [سبأ: 51] الآية، ولا ينفلت منهم إلا رجلان: أحدهما بشير، والآخر نذير، وهما من جهينة، فلذلك جاء القول: وعند جهينة الخبر اليقين " حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، قال: سألت رواد بن الجراح، عن الحديث الذي، حدث به، عنه، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن قصة، ذكرها في الفتن، قال: فقلت له: أخبرني عن هذا الحديث سمعته من سفيان الثوري؟ قال: لا، قلت: فقرأته عليه، قال: لا، قلت: فقرئ عليه 19P312 وأنت حاضر؟ قال: لا، قلت: فما قصته، فما خبره؟
قال: جاءني قوم فقالوا: معنا حديث عجيب، أو كلام هذا معناه، نقرؤه وتسمعه، قلت لهم: هاتوه، فقرءوه علي، ثم ذهبوا فحدثوا به عني، أو كلام هذا معناه قال أبو جعفر وقد: حدثني ببعض هذا الحديث محمد بن خلف، قال: ثنا عبد العزيز بن أبان، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث طويل، قال: رأيته في كتاب الحسين بن علي الصدائي، عن شيخ، عن رواد، عن سفيان بطوله وقال آخرون: بل عني بذلك المشركون إذا فزعوا عند خروجهم من قبورهم ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، قوله: {ولو ترى إذ فزعوا} [سبأ: 51] قال: «فزعوا يوم القيامة حين خرجوا من قبورهم» وقال قتادة: {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب} [سبأ: 51] حين 19P313 عاينوا عذاب الله حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن ابن معقل، {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت} [سبأ: 51] قال: «أفزعهم يوم القيامة فلم يفوتوا» والذي هو أولى بالصواب في تأويل ذلك، وأشبه بما دل عليه ظاهر التنزيل قول من قال: وعيد الله المشركين الذين كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه لأن الآيات قبل هذه الآية جاءت بالإخبار عنهم وعن أسبابهم، وبوعيد الله إياهم مغبته، وهذه الآية في سياق تلك الآيات، فلأن يكون ذلك خبرا عن حالهم أشبه منه بأن يكون خبرا لما لم يجر له ذكره وإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: ولو ترى يا محمد هؤلاء المشركين من قومك، فتعاينهم حين فزعوا من معاينتهم عذاب الله {فلا فوت} [سبأ: 51] يقول فلا سبيل حينئذ أن يفوتوا بأنفسهم، أو يعجزونا هربا، وينجوا من عذابنا كما: حدثنا علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت} [سبأ: 51] يقول: «فلا نجاة» حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا مروان، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت} [سبأ: 51] قال: «لا هرب» وقوله: {وأخذوا من مكان قريب} [سبأ: 51] يقول: وأخذهم الله بعذابه من موضع قريب، لأنهم حيث كانوا من الله قريب لا يبعدون عنه 19P314
[سبأ: 52] القول في تأويل قوله تعالى: {وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد} [سبأ: 52] يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون حين عاينوا عذاب الله آمنا به، يعني: آمنا بالله وبكتابه ورسوله وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {وقالوا آمنا به} [سبأ: 52] قالوا: «آمنا بالله» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {قالوا آمنا به} [سبأ: 52] عند ذلك، " يعني: حين عاينوا عذاب الله " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في 19P315 قوله: {وقالوا آمنا به} [سبأ: 52] " بعد القتل وقوله {وأنى لهم التناوش} [سبأ: 52] يقول: ومن أي وجه لهم التناوش " واختلفت قراء الأمصار في ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة {التناوش} [سبأ: 52] بغير همز، بمعنى: التناول؛ وقرأته عامة قراء الكوفة والبصرة: (التناؤش) بالهمز، بمعنى: التنؤش، وهو الإبطاء، يقال منه: تناءشت الشيء: أخذته من بعيد، ونشته: أخذته من قريب؛ ومن التنؤش قول الشاعر: [+البحر الطويل] تمنى نئيشا أن يكون أطاعني وقد حدثت بعد الأمور أمور ومن النوش قول الراجز: [+البحر الرجز] فهي تنوش الحوض نوشا من علا 19P316 نوشا به تقطع أجواز الفلا ويقال للقوم في الحرب، إذا دنا بعضهم إلى بعض بالرماح ولم يتلاقوا: قد تناوش القوم والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان في قراء الأمصار، متقاربتا المعنى، وذلك أن معنى ذلك: وقالوا آمنا بالله، في حين لا ينفعهم قيل ذلك، فقال الله {وأنى لهم التناوش} [سبأ: 52] أي وأين لهم التوبة والرجعة: أي قد بعدت عنهم، فصاروا منها كموضع بعيد أن يتناولوها؛ وإنما وصفت ذلك الموضع بالبعيد، لأنهم قالوا ذلك في القيامة، فقال الله: أني لهم بالتوبة المقبولة، والتوبة المقبولة إنما كانت في الدنيا، وقد ذهبت الدنيا فصارت بعيدا من الآخرة، فبأية القراءتين اللتين ذكرت قرأ القارئ فمصيب الصواب في ذلك وقد يجوز أن يكون الذين قرؤوا ذلك بالهمز همزوا، وهم يريدون معنى من لم يهمز، ولكنهم همزوه لانضمام الواو فقلبوها، كما قيل: {وإذا الرسل 19P317 أقتت} [المرسلات: 11] فجعلت الواو من وقتت، إذا كانت مضمومة همزوه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، قال: قلت لابن عباس: أرأيت قول الله: {وأنى لهم التناوش} [سبأ: 52] قال: «يسألون الرد، وليس بحين رد» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس نحوه حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله {وأنى لهم التناوش} [سبأ: 52] يقول: «فكيف لهم بالرد» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {وأنى لهم التناوش} [سبأ: 52] قال: «الرد» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد {وأنى لهم 19P318 التناوش} [سبأ: 52] قال: " التناول {من مكان بعيد} [الفرقان: 12] حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد} [سبأ: 52] قال: " هؤلاء قتلى أهل بدر من قتل منهم، وقرأ: {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب وقالوا آمنا به} [سبأ: 52] الآية، قال: التناوش: التناول، وأنى لهم تناول التوبة من مكان بعيد، وقد تركوها في الدنيا، قال: وهذا بعد الموت في الآخرة " قال: وقال ابن زيد في قوله {وقالوا آمنا به} [سبأ: 52] بعد القتل {وأنى لهم التناوش من مكان بعيد} [سبأ: 52] وقرأ: {ولا الذين يموتون وهم كفار} [النساء: 18] قال: ليس لهم توبة، وقال: عرض الله عليهم أن يتوبوا مرة واحدة، فيقبلها الله منهم، فأبوا، أو يعرضون التوبة بعد الموت، قال: فهم يعرضونها في الآخرة خمس عرضات، فيأبى الله أن يقبلها منهم؛ قال: والتائب عند الموت ليست له توبة {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا} [الأنعام: 27] الآية، وقرأ: {ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون} [السجدة: 12] حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا مروان، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {وأنى لهم التناوش} [سبأ: 52] قال: «وأنى لهم الرجعة» وقوله: {من مكان بعيد} [الفرقان: 12] يقول: من آخرتهم إلى الدنيا كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {من مكان بعيد} [الفرقان: 12] «من الآخرة إلى الدنيا» 19P319
[سبأ: 53] القول في تأويل قوله تعالى: {وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد} [سبأ: 53] يقول تعالى ذكره: {وقد كفروا به} [سبأ: 53] يقول: وقد كفروا بما يسألونه ربهم عند نزول العذاب بهم، ومعاينتهم إياه من الإقالة له، وذلك الإيمان بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاءهم به من عند الله وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وقد كفروا به من قبل} [سبأ: 53] «أي بالإيمان في الدنيا» وقوله: {ويقذفون بالغيب من مكان بعيد} [سبأ: 53] يقول: وهم اليوم يقذفون بالغيب محمدا من مكان بعيد، يعني أنهم يرجمونه، وما أتاهم من كتاب الله بالظنون والأوهام، فيقول بعضهم: هو ساحر، وبعضهم شاعر، وغير ذلك وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {ويقذفون بالغيب من مكان بعيد} [سبأ: 53] قال: «قولهم ساحر، بل هو كاهن، بل هو شاعر» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ويقذفون بالغيب من مكان بعيد} [سبأ: 53] " أي يرجمون بالظن، يقولون: لا بعث، ولا جنة، ولا نار " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال زيد، في قوله: {يقذفون بالغيب من مكان بعيد} [سبأ : 53] قال: «بالقرآن» 19P320
Preguntas
- ¿Qué enseña el islam sobre la vida después de la muerte?
- ¿Qué creen los musulmanes acerca de los profetas?
- ¿Cómo se realizan las cinco oraciones diarias (salat)?
- ¿Cuáles son las reglas del ayuno en Ramadán?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?