Taberî — Câmiü'l-Beyân
[الزمر: 19_20] القول في تأويل قوله تعالى: {أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد} [الزمر: 19_20] يعني تعالى ذكره بقوله: {أفمن حق عليه كلمة العذاب} [الزمر: 19]: أفمن وجبت عليه كلمة العذاب في سابق علم ربك يا محمد بكفره به كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أفمن حق عليه كلمة العذاب} [الزمر: 19] «بكفره» وقوله: {أفأنت تنقذ من في النار} [الزمر: 19] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أفأنت تنقذ يا محمد من هو في النار من حق عليه كلمة العذاب، فأنت تنقذه؛ فاستغنى بقوله: {تنقذ من في النار} [الزمر: 19] عن هذا وكان بعض نحويي الكوفة يقول: هذا مما يراد به استفهام واحد، فيسبق الاستفهام إلى غير موضعه، فيرد الاستفهام إلى موضعه الذي هو له وإنما المعنى والله أعلم: أفأنت تنقذ من في النار من حقت عليه كلمة العذاب، قال: ومثله من غير الاستفهام: {أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون} [المؤمنون: 35] فردد أنكم مرتين والمعنى والله أعلم: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم؛ ومثله قوله: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب} [آل عمران: 188] وكان بعضهم يستخطئ القول الذي حكيناه عن البصريين، ويقول: لا تكون في قوله: {أفأنت تنقذ من في النار} [الزمر: 19] كناية عمن تقدم، لا يقال: القوم ضربت من قام، يقول: المعنى: ألتجرئة أفأنت تنقذ من في النار منهم وإنما معنى الكلمة: أفأنت تهدي يا محمد من قد سبق له في علم الله أنه من أهل النار إلى الإيمان، فتنقذه من النار بالإيمان؟ لست على ذلك بقادر وقوله: {لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية} [الزمر: 20] يقول تعالى ذكره: لكن الذين اتقوا ربهم بأداء فرائضه واجتناب محارمه، لهم في الجنة غرف من فوقها غرف مبنية علالي بعضها فوق بعض {تجري من تحتها الأنهار} [البقرة: 25] يقول تعالى ذكره: تجري من تحت أشجار جناتها الأنهار وقوله: {وعد الله} [النساء: 95] يقول جل ثناؤه: وعدنا هذه الغرف التي من فوقها غرف مبنية في الجنة، هؤلاء المتقين {لا يخلف الله الميعاد} [الزمر: 20] يقول جل ثناؤه: والله لا يخلفهم وعده، ولكنه يوفي بوعده 20P187
[الزمر: 21] القول في تأويل قوله تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب} [الزمر: 21] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {ألم تر} [البقرة: 243] يا محمد {أن الله أنزل من السماء ماء} [الحج: 63] وهو المطر {فسلكه ينابيع في الأرض} [الزمر: 21] يقول: فأجراه عيونا في الأرض؛ واحدها ينبوع، وهو ما جاش من الأرض وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن جابر، عن الشعبي، في قوله: {فسلكه ينابيع في الأرض} [الزمر: 21] قال: «كل ندى وماء في الأرض من السماء نزل» قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن جابر، عن الحسن بن مسلم بن بيان، قال: " ثم أنبت بذلك الماء الذي أنزله من السماء فجعله في الأرض عيونا زرعا {مختلفا ألوانه} [النحل: 13] يعني: «أنواعا مختلفة من بين حنطة وشعير وسمسم وأرز، ونحو ذلك من الأنواع المختلفة» {ثم يهيج فتراه مصفرا} [الزمر: 21] يقول: " ثم ييبس ذلك الزرع من بعد خضرته، يقال للأرض إذا يبس ما فيها من الخضر وذوي: هاجت الأرض، وهاج الزرع " وقوله: {فتراه مصفرا} [الزمر: 21] يقول: فتراه من بعد خضرته ورطوبته قد يبس فصار أصفر، وكذلك الزرع إذا يبس اصفر {ثم يجعله حطاما} [الزمر: 21] والحطام: فتات التبن والحشيش، يقول: ثم يجعل ذلك الزرع بعدما صار يابسا فتاتا متكسرا وقوله: {إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب} [الزمر: 21] يقول تعالى ذكره: إن في فعل الله ذلك كالذي وصف لذكرى وموعظة لأهل العقول والحجا يتذكرون به، فيعلمون أن من فعل ذلك فلن يتعذر عليه إحداث ما شاء من الأشياء، وإنشاء ما أراد من الأجسام والأعراض، وإحياء من هلك من خلقه من بعد مماته وإعادته من بعد فنائه، كهيئته قبل فنائه، كالذي فعل بالأرض التي أنزل عليها من بعد موتها الماء، فأنبت بها الزرع المختلف الألوان بقدرته 20P189 [الزمر: 22] القول في تأويل قوله تعالى: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين} [الزمر: 22] يقول تعالى ذكره: أفمن فسح الله قلبه لمعرفته، والإقرار بوحدانيته، والإذعان لربوبيته، والخضوع لطاعته {فهو على نور من ربه} [الزمر: 22] يقول: فهو على بصيرة مما هو عليه ويقين، بتنوير الحق في قلبه، فهو لذلك لأمر الله متبع، وعما نهاه عنه منته فيما يرضيه، كمن أقسى الله قلبه، وأخلاه من ذكره، وضيقه عن استماع الحق، واتباع الهدى، والعمل بالصواب؟ وترك ذكر الذي أقسى الله قلبه، وجواب الاستفهام اجتزاء بمعرفة السامعين المراد من الكلام، إذ ذكر أحد الصنفين، وجعل مكان ذكر الصنف الآخر الخبر عنه بقوله: {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله} [الزمر: 22] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} [الزمر: 22] " يعني: كتاب الله، هو المؤمن به يأخذ، 20P190 وإليه ينتهي " حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {أفمن شرح الله صدره للإسلام} [الزمر: 22] قال: " وسع صدره للإسلام، والنور: «الهدى» حدثت عن ابن أبي زائدة، عن ابن جريج، عن مجاهد، {أفمن شرح الله صدره للإسلام} [الزمر: 22] قال: «ليس المنشرح صدره مثل القاسي قلبه» قوله: {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله} [الزمر: 22] يقول تعالى ذكره: فويل للذين جفت قلوبهم ونأت عن ذكر الله وأعرضت، يعني: عن القرآن الذي أنزله تعالى ذكره، مذكرا به عباده، فلم يؤمن به، ولم يصدق بما فيه وقيل: {من ذكر الله} [الزمر: 22] والمعنى: عن ذكر الله، فوضعت من مكان عن، كما يقال في الكلام: أتخمت من طعام أكلته، وعن طعام أكلته بمعنى واحد وقوله: {أولئك في ضلال مبين} [الزمر: 22] يقول تعالى ذكره: هؤلاء القاسية قلوبهم من ذكر الله في ضلال مبين، لمن تأمله وتدبره بفهم أنه في ضلال عن الحق جائر 20P190
[الزمر: 23] القول في تأويل قوله تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد} [الزمر: 23] يقول تعالى ذكره: {الله نزل أحسن الحديث كتابا} [الزمر: 23] يعني به القرآن {متشابها} [البقرة: 25] يقول: يشبه بعضه بعضا، لا اختلاف فيه، ولا تضاد كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها} [الزمر: 23] «الآية تشبه الآية، والحرف يشبه الحرف» حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {كتابا متشابها} [الزمر: 23] قال: " المتشابه: يشبه بعضه بعضا " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، في قوله: {كتابا متشابها} [الزمر: 23] قال: «يشبه بعضه بعضا، ويصدق بعضه بعضا، ويدل بعضه على بعض» وقوله: {مثاني} [الزمر: 23] يقول: تثنى فيه الأنباء والأخبار والقضاء والأحكام والحجج وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني} [الزمر: 23] قال: «ثنى الله فيه القضاء، تكون السورة فيها الآية في سورة أخرى آية تشبهها، وسئل عنها عكرمة» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {كتابا متشابها مثاني} [الزمر: 23] قال: «في القرآن كله» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {مثاني} [الزمر: 23] قال: «ثنى الله فيه الفرائض، والقضاء، والحدود» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {مثاني} [الزمر: 23] قال: «كتاب الله مثاني، ثنى فيه الأمر مرارا » حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {مثاني} [الزمر: 23] قال: «كتاب الله مثاني، ثنى فيه الأمر مرارا» حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {مثاني} [الزمر: 23] «ثنى في غير مكان» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {مثاني} [الزمر: 23] «مردد، ردد موسى في القرآن وصالح وهود والأنبياء في أمكنة كثيرة» وقوله: {تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم} [الزمر: 23] يقول تعالى ذكره: تقشعر من سماعه إذا تلي عليهم جلود الذين يخافون ربهم {ثم تلين جلودهم 20P193 وقلوبهم إلى ذكر الله} [الزمر: 23] يعني إلى العمل بما في كتاب الله، والتصديق به وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أن أصحابه سألوه الحديث ذكر الرواية بذلك: حدثنا نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال: ثنا حكام بن سلم، عن أيوب بن موسى، عن عمرو الملئي، عن ابن عباس، قالوا: يا رسول الله لو حدثتنا؟
قال: " فنزلت: {الله نزل أحسن الحديث} [الزمر: 23] حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن أيوب بن سيار أبي عبد الرحمن، عن عمرو بن قيس، قال: قالوا: يا نبي الله، فذكر مثله {ذلك هدى الله يهدي به من يشاء} [الأنعام: 88] يقول تعالى ذكره: هذا الذي يصيب هؤلاء القوم الذين وصفت صفتهم عند سماعهم القرآن من اقشعرار جلودهم، ثم لينها ولين قلوبهم إلى ذكر الله من بعد ذلك، {هدى الله} [البقرة: 120] يعني: توفيق الله إياهم وفقهم له {يهدي به من يشاء} [الأنعام: 88] يقول: يهدي تبارك وتعالى بالقرآن من يشاء من عباده وقد يتوجه معنى قوله: {ذلك هدى} [الزمر: 23] إلى أن يكون ذلك من ذكر القرآن، فيكون معنى الكلام: هذا القرآن بيان الله يهدي به من يشاء، يوفق للإيمان به من يشاء وقوله: {ومن يضلل الله فما له من هاد} [الرعد: 33] يقول تعالى ذكره: ومن يخذله 20P194 الله عن الإيمان بهذا القرآن والتصديق بما فيه، فيضله عنه، فما له من هاد ؛ يقول: فما له من موفق له، ومسدد يسدده في اتباعه 20P193
[الزمر: 24_25] القول في تأويل قوله تعالى: {أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون} [الزمر: 24_25] اختلف أهل التأويل في صفة اتقاء هذا الضال بوجهه سوء العذاب، فقال بعضهم: هو أن يرمى به في جهنم مكبوبا على وجهه، فذلك اتقاؤه إياه ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب} [الزمر: 24] قال: «يخر على وجهه في النار» يقول: هو مثل {أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة} [فصلت: 40] وقال آخرون: هو أن ينطلق به إلى النار مكتوفا، ثم يرمى به فيها، فأول ما تمس النار وجهه؛ وهذا قول يذكر عن ابن عباس من وجه كرهت أن أذكره لضعف سنده؛ وهذا أيضا مما ترك جوابه استغناء بدلالة ما ذكر من الكلام عليه عنه ومعنى الكلام: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة خير، أم من ينعم في الجنان؟ وقوله: {وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون} [الزمر: 24] يقول: ويقال 20P195 يومئذ للظالمين أنفسهم بإكسابهم إياها سخط الله ذوقوا اليوم أيها القوم وبال ما كنتم في الدنيا تكسبون من معاصي الله وقوله: {كذب الذين من قبلهم} [الأنعام: 148] يقول تعالى ذكره: كذب الذين من قبل هؤلاء المشركين من قريش من الأمم الذين مضوا في الدهور الخالية رسلهم {فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون} [الزمر: 25] يقول: فجاءهم عذاب الله من الموضع الذي لا يشعرون: أي لا يعلمون بمجيئه منه 20P195 [الزمر: 26] القول في تأويل قوله تعالى: {فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} [الزمر: 26] يقول تعالى ذكره: فعجل الله لهؤلاء الأمم الذين كذبوا رسلهم الهوان في الدنيا، والعذاب قبل الآخرة، ولم ينظرهم إذ عتوا عن أمر ربهم {ولعذاب الآخرة أكبر} [الزمر: 26] يقول: ولعذاب الله إياهم في الآخرة إذا أدخلهم النار، فعذبهم بها، أكبر من العذاب الذي عذبهم به في الدنيا، لو كانوا يعلمون؛ يقول: لو علم هؤلاء المشركون من قريش ذلك 20P195 [الزمر: 27_28] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون} [الزمر: 27_28] يقول تعالى ذكره: ولقد مثلنا لهؤلاء المشركين بالله من كل مثل من أمثال القرون للأمم الخالية، تخويفا منا لهم وتحذيرا {لعلهم يتذكرون} [البقرة: 221] يقول: ليتذكروا فينزجروا عما هم عليه مقيمون من الكفر بالله وقوله: {قرآنا عربيا} [يوسف: 2] يقول تعالى ذكره: لقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل قرآنا عربيا {غير ذي عوج} [الزمر: 28] يعني: ذي لبس كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {قرآنا عربيا غير ذي عوج} [الزمر: 28] : «غير ذي لبس» ونصب قوله: {قرآنا عربيا} [يوسف: 2] على الحال من قوله: هذا القرآن، لأن القرآن معرفة، وقوله {قرآنا عربيا} [يوسف: 2] نكرة وقوله: {لعلهم يتقون} [البقرة: 187] يقول: جعلنا قرآنا عربيا إذ كانوا عربا، ليفهموا ما فيه من المواعظ، حتى يتقوا ما حذرهم الله فيه من بأسه وسطوته، فينيبوا إلى عبادته وإفراد الألوهة له، ويتبرؤوا من الأنداد والآلهة 20P196
[الزمر: 29] القول في تأويل قوله تعالى: {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} [الزمر: 29] يقول تعالى ذكره: مثل الله مثلا للكافر بالله الذي يعبد آلهة شتى، ويطيع جماعة من الشياطين، والمؤمن الذي لا يعبد إلا الله الواحد، يقول تعالى ذكره: ضرب الله مثلا لهذا الكافر رجلا فيه شركاء يقول: هو بين جماعة مالكين متشاكسين، يعني مختلفين متنازعين، سيئة أخلاقهم، من قولهم: رجل شكس: إذا كان سيئ الخلق، وكل واحد منهم يستخدمه بقدر نصيبه وملكه فيه، ورجلا سلما لرجل، يقول: ورجلا خلوصا لرجل يعني المؤمن الموحد الذي أخلص عبادته لله، لا يعبد غيره ولا يدين لشيء سواه بالربوبية واختلفت القراء في قراءة قوله: {ورجلا سلما} [الزمر: 29] فقرأ ذلك بعض قراء أهل مكة والبصرة: (ورجلا سالما) وتأولوه بمعنى: رجلا خالصا لرجل، وقد روي ذلك أيضا عن ابن عباس حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، عن جرير بن حازم، عن حميد، عن مجاهد، عن ابن عباس، " أنه قرأها: «سالما لرجل» يعني بالألف، وقال: «ليس فيه لأحد شيء» وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والكوفة: {ورجلا سلما لرجل} [الزمر: 29] بمعنى: صلحا والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب؛ وذلك أن السلم مصدر من قول القائل: سلم فلان لله سلما بمعنى: خلص له خلوصا، تقول العرب: ربح فلان في تجارته ربحا وربحا، وسلم سلما وسلما وسلامة، وأن السالم من صفة الرجل، وسلم مصدر من ذلك وأما الذي توهمه من رغب من قراءة ذلك سلما من أن معناه صلحا، فلا وجه للصلح في هذا الموضع، لأن الذي تقدم من صفة الآخر، إنما تقدم بالخبر عن اشتراك جماعة فيه دون الخبر عن حربه بشيء من الأشياء، فالواجب أن يكون الخبر عن مخالفة بخلوصه لواحد لا شريك له، ولا موضع للخبر عن الحرب والصلح في هذا الموضع وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سالما لرجل) قال: «هذا مثل إله الباطل وإله الحق» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون} [الزمر: 29] قال: " هذا المشرك تتنازعه الشياطين، لا يقر به بعضهم لبعض ورجلا سالما لرجل قال: هو المؤمن أخلص الدعوة والعبادة " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون} [الزمر: 29] إلى قوله: {بل أكثرهم لا يعلمون} [الزمر: 29] قال: " الشركاء المتشاكسون: الرجل الذي يعبد آلهة شتى كل قوم يعبدون إلها يرضونه ويكفرون بما سواه من الآلهة، فضرب الله هذا المثل لهم، وضرب لنفسه مثلا، يقول: رجلا سلما لرجل يقول: يعبدون إلها واحدا لا يختلفون فيه " حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون} [الزمر: 29] قال: «مثل لأوثانهم التي كانوا يعبدون» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل} [الزمر: 29] قال: " أرأيت الرجل الذي فيه شركاء متشاكسون كلهم سيئ الخلق، ليس منهم واحد إلا تلقاه آخذا بطرف من مال لاستخدامه أسواؤهم، والذي لا يملكه إلا واحد، فإنما هذا مثل ضربه الله لهؤلاء الذين يعبدون الآلهة، وجعلوا لها في أعناقهم حقوقا، فضربه الله مثلا لهم، وللذي يعبده وحده {هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} [الزمر: 29] وفي قوله: «ورجلا سالما لرجل» يقول: ليس معه شرك " وقوله: {هل يستويان مثلا} [هود: 24] يقول تعالى ذكره: هل يستوي مثل هذا الذي يخدم جماعة شركاء سيئة أخلاقهم مختلفة فيه لخدمته مع منازعته شركاءه فيه والذي يخدم واحدا لا ينازعه فيه منازع إذا أطاعه عرف له موضع طاعته وأكرمه، وإذا أخطأ صفح له عن خطئه، يقول: فأي هذين أحسن حالا وأروح جسما وأقل تعبا ونصبا؟
كما: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، {هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} [الزمر: 29] يقول: «من اختلف فيه خير، أم من لم يختلف فيه؟ » وقوله: {الحمد لله} [الفاتحة: 2] يقول: الشكر الكامل والحمد التام لله وحده دون كل معبود سواه. وقوله: {بل أكثرهم لا يعلمون} [النحل : 75] يقول جل ثناؤه: وما يستوي هذا المشترك فيه، والذي هو منفرد ملكه لواحد، بل أكثر هؤلاء المشركين بالله لا يعلمون أنهما لا يستويان، فهم بجهلهم بذلك يعبدون آلهة شتى من دون الله وقيل: {هل يستويان مثلا} [هود: 24] ولم يقل: مثلين لأنهما كلاهما ضربا مثلا واحدا، فجرى المثل بالتوحيد، كما قال جل ثناؤه: {وجعلنا ابن مريم وأمه آية} [المؤمنون: 50] إذ كان معناهما واحدا في الآية والله أعلم 20P200
[الزمر: 30_31_32] القول في تأويل قوله تعالى: {إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين} [الزمر: 30_31_32] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إنك يا محمد ميت عن قليل، وإن هؤلاء المكذبيك من قومك والمؤمنين منهم ميتون {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} [الزمر: 31] يقول: ثم إن جميعكم المؤمنين والكافرين يوم القيامة عند ربكم تختصمون فيأخذ للمظلوم منكم من الظالم، ويفصل بين جميعكم بالحق واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: عنى به اختصام المؤمنين والكافرين، واختصام المظلوم والظالم ذكر من قال ذلك: حدثنا علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} [الزمر: 31] يقول: «يخاصم الصادق الكاذب، والمظلوم الظالم، والمهتدي الضال، والضعيف المستكبر» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} [الزمر: 31] قال: «أهل الإسلام وأهل الكفر» حدثني ابن البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا ابن الدراوردي، قال: ثني محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب بن الزبير، قال: لما نزلت هذه الآية: {إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} [الزمر: 31] قال الزبير: يا رسول الله، أينكر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم حتى يؤدي إلى كل ذي حق حقه » وقال آخرون: بل عني بذلك اختصام أهل الإسلام ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، عن ابن عمر، قال: " نزلت علينا هذه الآية وما ندري ما تفسيرها حتى وقعت الفتنة، فقلنا: هذا الذي وعدنا ربنا أن نختصم في " {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} [الزمر: 31] حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا ابن عون، عن إبراهيم، قال: " لما نزلت: {إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم} [الزمر: 31] الآية، قالوا: ما خصومتنا بيننا ونحن إخوان، قال: فلما قتل عثمان بن عفان، قالوا: هذه خصومتنا بيننا " حدثت عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} [الزمر: 31] قال: «هم أهل القبلة» وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: عني بذلك: إنك يا محمد ستموت، وإنكم أيها الناس ستموتون، ثم إن جميعكم أيها الناس تختصمون عند ربكم، مؤمنكم وكافركم، ومحقوكم ومبطلوكم، وظالموكم ومظلوموكم، 20P203 حتى يؤخذ لكل منكم ممن لصاحبه قبله حق حقه وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب لأن الله عم بقوله: {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} [الزمر: 31] خطاب جميع عباده، فلم يخصص بذلك منهم بعضا دون بعض، فذلك على عمومه على ما عمه الله به؛ وقد تنزل الآية في معنى، ثم يكون داخلا في حكمها كل ما كان في معنى ما نزلت به وقوله: {فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه} [الزمر: 32] يقول تعالى ذكره: فمن من خلق الله أعظم فرية ممن كذب على الله، فادعى أن له ولدا وصاحبة، أو أنه حرم ما لم يحرمه من المطاعم {وكذب بالصدق إذ جاءه} [الزمر: 32] يقول: وكذب بكتاب الله إذ أنزله على محمد، وابتعثه الله به رسولا، وأنكر قول لا إله إلا الله وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وكذب بالصدق إذ جاءه} [الزمر: 32] : «أي بالقرآن» وقوله: {أليس في جهنم مثوى للكافرين} [العنكبوت: 68] يقول تبارك وتعالى: أليس في النار مأوى ومسكن لمن كفر بالله، وامتنع من تصديق محمد صلى الله عليه وسلم، واتباعه على 20P204 ما يدعوه إليه مما أتاه به من عند الله من التوحيد، وحكم القرآن؟
20P203
[الزمر: 33_34] القول في تأويل قوله تعالى: {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين} [الزمر: 33_34] اختلف أهل التأويل في الذي جاء بالصدق وصدق به، وما ذلك، فقال بعضهم: الذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: والصدق الذي جاء به: لا إله إلا الله، والذي صدق به أيضا، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {والذي جاء بالصدق} [الزمر: 33] يقول: «من جاء بلا إله إلا الله» {وصدق به} [الزمر: 33] يعني: «رسوله» وقال آخرون: الذي جاء بالصدق: رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي صدق به: أبو بكر رضي الله عنه ذكر من قال ذلك: حدثني أحمد بن منصور، قال: ثنا أحمد بن مصعد المروزي، قال: ثنا عمر بن إبراهيم بن خالد، عن عبد الملك بن عمير، عن أسيد بن صفوان، عن علي، رضي الله عنه، في قوله: {والذي جاء بالصدق} [الزمر: 33] قال: " محمد صلى الله عليه وسلم، 20P205 وصدق به، قال: أبو بكر رضي الله عنه " وقال آخرون: الذي جاء بالصدق: رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصدق: القرآن، والمصدقون به: المؤمنون ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {والذي جاء بالصدق} [الزمر: 33] قال: «هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالقرآن، وصدق به المؤمنون» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {والذي جاء بالصدق} [الزمر: 33] «رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصدق به المسلمون» وقال آخرون: الذي جاء بالصدق جبريل، والصدق : القرآن الذي جاء به من عند الله، وصدق به رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {والذي جاء بالصدق وصدق به} [الزمر: 33] «محمد صلى الله عليه وسلم» وقال آخرون: الذي جاء بالصدق: المؤمنون، والصدق: القرآن، وهم المصدقون به ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، قوله: {والذي جاء بالصدق وصدق به} [الزمر: 33] قال: " الذين يجيئون بالقرآن يوم القيامة، فيقولون: هذا الذي أعطيتمونا فاتبعنا ما فيه " قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد {والذي جاء بالصدق وصدق به} [الزمر: 33] قال: " هم أهل القرآن يجيئون به يوم القيامة يقولون: هذا الذي أعطيتمونا، فاتبعنا ما فيه " والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره عنى بقوله: {والذي جاء بالصدق وصدق به} [الزمر: 33] كل من دعا إلى توحيد الله، وتصديق رسله، والعمل بما ابتعث به رسوله صلى الله عليه وسلم من بين رسل الله وأتباعه والمؤمنين به، وأن يقال: الصدق هو القرآن، وشهادة أن لا إله إلا الله، والمصدق به: المؤمنون بالقرآن، من جميع خلق الله كائنا من كان من نبي الله وأتباعه وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن قوله تعالى ذكره: {والذي جاء بالصدق وصدق به} [الزمر: 33] عقيب قوله: {فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه} [الزمر: 32] وذلك ذم من الله للمفترين عليه، المكذبين بتنزيله ووحيه، الجاحدين وحدانيته، فالواجب أن يكون عقيب ذلك مدح من كان بخلاف صفة هؤلاء 20P207 المذمومين، وهم الذين دعوهم إلى توحيد الله، ووصفه بالصفة التي هو بها، وتصديقهم بتنزيل الله ووحيه، والذي كانوا يوم نزلت هذه الآية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن بعدهم، القائمون في كل عصر وزمان بالدعاء إلى توحيد الله، وحكم كتابه، لأن الله تعالى ذكره لم يخص وصفه بهذه لصفة التي في هذه الآية على أشخاص بأعيانهم، ولا على أهل زمان دون غيرهم، وإنما وصفهم بصفة، ثم مدحهم بها، وهي المجيء بالصدق والتصديق به، فكل من كان كذلك وصفه فهو داخل في جملة هذه الآية إذا كان من بني آدم ومن الدليل على صحة ما قلنا أن ذلك كذلك في قراءة ابن مسعود: «والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به» فقد بين ذلك من قراءته أن الذي من قوله {والذي جاء بالصدق} [الزمر: 33] لم يعن بها واحد بعينه، وأنه مراد بها جماع ذلك صفتهم، ولكنها أخرجت بلفظ الواحد، إذ لم تكن مؤقتة وقد زعم بعض أهل العربية من البصريين، أن الذي في هذا الموضع جعل في معنى جماعة بمنزلة من ومما يؤيد ما قلنا أيضا قوله: {أولئك هم المتقون} [الزمر: 33] فجعل الخبر عن الذي جماعا، لأنها في معنى جماع وأما الذين قالوا: عني بقوله: {وصدق به} [الزمر: 33] : غير الذي جاء بالصدق فقول بعيد من المفهوم، لأن ذلك لو كان كما قالوا لكان التنزيل: والذي جاء بالصدق، والذي صدق به أولئك هم المتقون؛ فكانت تكون الذي مكررة مع التصديق، ليكون المصدق غير 20P208 المصدق؛ فأما إذا لم يكرر، فإن المفهوم من الكلام، أن التصديق من صفة الذي جاء بالصدق؛ لا وجه للكلام غير ذلك وإذا كان ذلك كذلك، وكانت الذي في معنى الجماع بما قد بينا، كان الصواب من القول في تأويله ما بينا وقوله: {أولئك هم المتقون} [الزمر: 33] يقول جل ثناؤه: هؤلاء الذين هذه صفتهم هم الذين اتقوا الله بتوحيده والبراءة من الأوثان والأنداد، وأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، فخافوا عقابه كما: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، {أولئك هم المتقون} [الزمر: 33] يقول: «اتقوا الشرك» وقوله: {لهم ما يشاءون عند ربهم} [الزمر: 34] يقول تعالى ذكره: لهم عند ربهم يوم القيامة، ما تشتهيه أنفسهم، وتلذه أعينهم {ذلك جزاء المحسنين} [الزمر: 34] يقول تعالى ذكره: هذا الذي لهم عند ربهم جزاء من أحسن في الدنيا فأطاع الله فيها، وائتمر لأمره، وانتهى عما نهاه فيها عنه 20P208
[الزمر: 35] القول في تأويل قوله تعالى : {ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون} [الزمر: 35] يقول تعالى ذكره: وجزى هؤلاء المحسنين ربهم بإحسانهم، كي يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا في الدنيا من الأعمال، فيما بينهم وبين ربهم، بما كان منهم فيها من توبة وإنابة مما اجترحوا من السيئات فيها {ويجزيهم أجرهم} [الزمر: 35] يقول: 20P209 ويثيبهم ثوابهم {بأحسن الذي كانوا} [الزمر: 35] في الدنيا {يعملون} [البقرة: 96] مما يرضى الله عنهم دون أسوئها كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون} [الزمر: 33] : «أي ولهم ذنوب، أي رب نعم» {لهم} [الزمر: 34] «فيها» {ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون} [الزمر: 35] ، وقرأ: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} [الأنفال: 2] . . . إلى أن بلغ {ومغفرة} [الأنفال: 4] لئلا ييأس من لهم الذنوب أن لا يكونوا منهم {ورزق كريم} [الأنفال: 4] ، وقرأ: {إن المسلمين والمسلمات} [الأحزاب: 35] . . . إلى آخر الآية 20P209 [الزمر: 36_37] القول في تأويل قوله تعالى: {أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام} [الزمر: 36_37] اختلفت القراء في قراءة: {أليس الله بكاف عبده} [الزمر: 36] فقرأ ذلك بعض قراء المدينة وعامة قراء أهل الكوفة: (أليس الله بكاف عباده) على الجماع، بمعنى: أليس الله بكاف محمدا وأنبياءه من قبله ما خوفتهم أممهم من أن تنالهم آلهتهم بسوء؛ وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة، وبعض قراء الكوفة: {بكاف عبده} [الزمر: 36] على التوحيد، بمعنى: أليس الله بكاف عبده محمدا والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان في قراء الأمصار فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب لصحة معنييهما واستفاضة القراءة بهما في قراءة الأمصار وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {أليس الله بكاف عبده} [الزمر: 36] يقول: محمد صلى الله عليه وسلم " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {أليس الله بكاف عبده} [الزمر: 36] قال: «بلى، والله ليكفينه الله ويعزه وينصره كما وعده» وقوله: {ويخوفونك بالذين من دونه} [الزمر: 36] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ويخوفك هؤلاء المشركون يا محمد بالذين من دون الله من الأوثان والآلهة أن تصيبك بسوء، ببراءتك منها، وعيبك لها، والله كافيك ذلك وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {ويخوفونك بالذين من دونه} [الزمر: 36] الآلهة، قال: " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى شعب بسقام ليكسر العزى، فقال سادنها، وهو قيمها: يا خالد أنا أحذركها، إن لها 20P211 شدة لا يقوم إليها شيء، فمشى إليها خالد بالفأس فهشم أنفها " حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {ويخوفونك بالذين من دونه} [الزمر: 36] يقول: «بآلهتهم التي كانوا يعبدون» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ويخوفونك بالذين من دونه} [الزمر: 36] قال: «يخوفونك بآلهتهم التي من دونه» وقوله: {ومن يضلل الله فما له من هاد} [الرعد: 33] يقول تعالى ذكره: ومن يخذله الله فيضله عن طريق الحق وسبيل الرشد، فما له سواه من مرشد ومسدد إلى طريق الحق، وموفق للإيمان بالله، وتصديق رسوله، والعمل بطاعته {ومن يهد الله فما له من مضل} [الزمر: 37] يقول: ومن يوفقه الله للإيمان به، والعمل بكتابه، فما له من مضل، يقول: فما له من مزيغ يزيغه عن الحق الذي هو عليه إلى الارتداد إلى الكفر {أليس الله بعزيز ذي انتقام} [الزمر: 37] يقول جل ثناؤه: أليس الله يا محمد بعزيز في انتقامه من كفرة خلقه، ذي انتقام من أعدائه الجاحدين وحدانيته 20P211
[الزمر: 38] القول في تأويل قوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} [الزمر: 38] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين العادلين بالله الأوثان والأصنام: من خلق السموات والأرض؟ ليقولن: الذي خلقهن الله؛ فإذا قالوا ذلك، فقل: أفرأيتم أيها القوم هذا الذي تعبدون من دون الله من الأصنام والآلهة {إن أرادني الله بضر} [الزمر: 38] يقول: بشدة في معيشتي، هل هن كاشفات عني ما يصيبني به ربي من الضر؟ {أو أرادني برحمة} [الزمر: 38] يقول: إن أرادني ربي أن يصيبني سعة في معيشتي، وكثرة مالي، ورخاء وعافية في بدني، هل هن ممسكات عني ما أراد أن يصيبني به من تلك الرحمة؟ وترك الجواب لاستغناء السامع بمعرفة ذلك، ودلالة ما ظهر من الكلام عليه. والمعنى: فإنهم سيقولون لا، فقل: حسبي الله مما سواه من الأشياء كلها، إياه أعبد، وإليه أفزع في أموري دون كل شيء سواه، فإنه الكافي، وبيده الضر والنفع، لا إلى الأصنام والأوثان التي لا تضر ولا تنفع، {عليه يتوكل المتوكلون} [الزمر: 38] يقول: على الله يتوكل من هو متوكل، وبه فليثق لا بغيره وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله} حتى بلغ {كاشفات ضره} [الزمر: 38] " يعني: الأصنام {أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته} [الزمر: 38] واختلفت القراء في قراءة {كاشفات ضره} [الزمر: 38] و {ممسكات رحمته} [الزمر: 38] ، فقرأه بعضهم بالإضافة وخفض الضر والرحمة، وقرأه بعض قراء المدينة 20P213 وعامة قراء البصرة بالتنوين، ونصب الضر والرحمة والصواب من القول في ذلك عندنا، أنهما قراءتان مشهورتان، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وهو نظير قوله: {كيد الكافرين} [الأنفال: 18] في حال الإضافة والتنوين 20P212 [الزمر: 39_40] القول في تأويل قوله تعالى. {قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم} [الزمر: 39_40] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لمشركي قومك، الذين اتخذوا الأوثان والأصنام آلهة يعبدونها من دون الله اعملوا أيها القوم على تمكنكم من العمل الذي تعملون ومنازلكم كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {على مكانتكم} [الزمر: 39] قال: " على ناحيتكم {إني عامل} [الزمر: 39] كذلك على تؤدة على عمل من سلف من أنبياء الله قبلي {فسوف تعلمون} [الزمر: 39] إذا جاءكم بأس الله، من المحق منا من المبطل، والرشيد من الغوي " وقوله: {من يأتيه عذاب} [هود: 39] يقول تعالى ذكره: من يأتيه عذاب يخزيه، ما أتاه من ذلك العذاب، يعني: يذله ويهينه {ويحل عليه عذاب 20P214 مقيم} [هود: 39] يقول: وينزل عليه عذاب دائم لا يفارقه 20P213
[الزمر: 41] القول في تأويل قوله تعالى: {إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل} [الزمر: 41] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إنا أنزلنا عليك يا محمد الكتاب تبيانا للناس بالحق {فمن اهتدى فلنفسه} [الزمر: 41] يقول: فمن عمل بما في الكتاب الذي أنزلناه إليه واتبعه فلنفسه، يقول: فإنما عمل بذلك لنفسه، وإياها بغى الخير لا غيرها، لأنه أكسبها رضا الله والفوز بالجنة، والنجاة من النار {ومن ضل} [يونس: 108] يقول: ومن جار عن الكتاب الذي أنزلناه إليك، والبيان الذي بيناه لك، فضل عن قصد المحجة، وزال عن سواء السبيل، فإنما يجور على نفسه، وإليها يسوق العطب والهلاك، لأنه يكسبها سخط الله، وأليم عقابه، والخزي الدائم {وما أنت عليهم بوكيل} [الأنعام: 107] يقول تعالى ذكره: وما أنت يا محمد على من أرسلتك إليه من الناس برقيب ترقب أعمالهم، وتحفظ عليهم أفعالهم، إنما أنت رسول، وإنما عليك البلاغ، وعلينا الحساب كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وما أنت عليهم بوكيل} [الأنعام: 107] أي «بحفيظ» حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله : {وما أنت عليهم بوكيل} [الأنعام: 107] قال: «بحفيظ» 20P214 [الزمر: 42] القول في تأويل قوله تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} [الزمر: 42] يقول تعالى ذكره: ومن الدلالة على أن الألوهة لله الواحد القهار خالصة دون كل ما سواه، أنه يميت ويحيي، ويفعل ما يشاء، ولا يقدر على ذلك شيء سواه؛ فجعل ذلك خبرا نبههم به على عظيم قدرته، فقال: {الله يتوفى الأنفس حين موتها} [الزمر: 42] فيقبضها عند فناء أجلها، وانقضاء مدة حياتها، ويتوفى أيضا التي لم تمت في منامها، كما التي ماتت عند مماتها {فيمسك التي قضى عليها الموت} [الزمر: 42] ذكر أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام، فيتعارف ما شاء الله منها، فإذا أراد جميعها الرجوع إلى أجسادها أمسك الله أرواح الأموات عنده وحبسها، وأرسل أرواح الأحياء حتى ترجع إلى أجسادها إلى أجل مسمى وذلك إلى انقضاء مدة حياتها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، في قوله: {الله يتوفى الأنفس حين موتها} [الزمر: 42] الآية، قال: «يجمع بين أرواح الأحياء، وأرواح الأموات، فيتعارف منها ما شاء الله أن يتعارف، فيمسك التي قضى عليها الموت، ويرسل الأخرى إلى أجسادها» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {الله يتوفى الأنفس حين موتها} [الزمر: 42] قال: " تقبض الأرواح عند نيام النائم، فتقبض روحه في منامه، فتلقى الأرواح بعضها بعضا أرواح الموتى وأرواح النيام، فتلتقي فتساءل، قال: فيخلى عن أرواح الأحياء، فترجع إلى أجسادها، وتريد الأخرى أن ترجع، فيحبس التي قضى عليها الموت، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى، قال: إلى بقية آجالها " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها} [الزمر: 42] قال: «فالنوم وفاة» {فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى} [الزمر: 42] «التي لم يقبضها» {إلى أجل مسمى} [البقرة: 282] وقوله: {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} [الرعد: 3] يقول تعالى ذكره: إن في قبض الله نفس النائم والميت وإرساله بعد نفس هذا ترجع إلى جسمها، وحبسه لغيرها عن جسمها لعبرة وعظة لمن تفكر وتدبر، وبيانا له أن الله يحيي من يشاء من خلقه إذا شاء، ويميت من شاء إذا شاء 20P216
[الزمر: 43_44] القول في تأويل قوله تعالى: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون} [الزمر: 43_44] يقول تعالى ذكره: أم اتخذ هؤلاء المشركون بالله من دونه آلهتهم التي يعبدونها 20P217 شفعاء تشفع لهم عند الله في حاجاتهم وقوله: {قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون} [الزمر: 43] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهم: أتتخذون هذه الآلهة شفعاء كما تزعمون ولو كانوا لا يملكون لكم نفعا ولا ضرا، ولا يعقلون شيئا، قل لهم: إن تكونوا تعبدونها لذلك، وتشفع لكم عند الله، فأخلصوا عبادتكم لله، وأفردوه بالألوهة، فإن الشفاعة جميعا له، لا يشفع عنده إلا من أذن له، ورضي له قولا، وأنتم متى أخلصتم له العبادة، فدعوتموه، وشفعكم {له ملك السموات والأرض} ، يقول: له سلطان السموات والأرض وملكها، وما تعبدون أيها المشركون من دونه له؛ يقول: فاعبدوا الملك لا المملوك الذي لا يملك شيئا {ثم إليه ترجعون} [البقرة: 28] يقول: ثم إلى الله مصيركم، وهو معاقبكم على إشراككم به، إن متم على شرككم ومعنى الكلام: لله الشفاعة جميعا، له ملك السموات والأرض، فاعبدوا المالك الذي له ملك السموات والأرض، الذي يقدر على نفعكم في الدنيا، وعلى ضركم فيها، وعند مرجعكم إليه بعد مماتكم، فإنكم إليه ترجعون وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {أم اتخذوا من دون الله شفعاء} [الزمر: 43] «الآلهة» {قل أولو كانوا لا يملكون شيئا} [الزمر: 43] «الشفاعة» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني 20P218 الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {قل لله الشفاعة جميعا} [الزمر: 44] قال: «لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه» . 20P217 [الزمر: 45] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون} [الزمر: 45] يقول تعالى ذكره: وإذا أفرد الله جل ثناؤه بالذكر، فدعي وحده، وقيل لا إله إلا الله، اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالمعاد والبعث بعد الممات وعني بقوله: {اشمأزت} [الزمر: 45] : نفرت من توحيد الله {وإذا ذكر الذين من دونه} [الزمر: 45] يقول: وإذا ذكر الآلهة التي يدعونها من دون الله مع الله، فقيل: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتها لترتجى، إذ الذين لا يؤمنون بالآخرة يستبشرون بذلك ويفرحون كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة} [الزمر: 45] : «أي نفرت قلوبهم واستكبرت» {وإذا ذكر الذين من دونه} [الزمر: 45] «الآلهة» {إذا هم يستبشرون} [الزمر: 45] حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، 20P219 قوله: {اشمأزت} [الزمر: 45] قال: " انقبضت، قال: وذلك يوم قرأ عليهم النجم عند باب الكعبة " حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {اشمأزت} [الزمر: 45] قال: «نفرت» {وإذا ذكر الذين من دونه} [الزمر: 45] «أوثانهم» 20P219
[الزمر: 46] القول في تأويل قوله تعالى: {قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون} [الزمر: 46] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد، الله خالق السموات والأرض {عالم الغيب والشهادة} [الأنعام: 73] الذي لا تراه الأبصار، ولا تحسه العيون، والشهادة الذي تشهده أبصار خلقه، وتراه أعينهم {أنت تحكم بين عبادك} [الزمر: 46] فتفصل بينهم بالحق يوم تجمعهم لفصل القضاء بينهم {فيما كانوا فيه} [البقرة: 113] في الدنيا {يختلفون} [البقرة: 113] من القول فيك، وفي عظمتك وسلطانك، وغير ذلك من اختلافهم بينهم، فتقضي يومئذ بيننا وبين هؤلاء المشركين الذين إذا ذكرت وحدك اشمأزت قلوبهم، إذا ذكر من دونك استبشروا بالحق وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {فاطر السموات والأرض} " فاطر: «قال خالق» وفي قوله {عالم الغيب} [الأنعام: 73] قال: «ما غاب عن 20P220 العباد فهو يعلمه» {والشهادة} [الزمر: 46] : «ما عرف العباد وشهدوا، فهو يعلمه» [الزمر: 47] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} [الزمر: 47] يقول تعالى ذكره: ولو أن لهؤلاء المشركين بالله يوم القيامة، وهم الذين ظلموا أنفسهم {ما في الأرض جميعا} [البقرة: 29] في الدنيا من أموالها وزينتها {ومثله معه} [المائدة: 36] مضاعفا، فقبل ذلك منهم عوضا من أنفسهم، لفدوا بذلك كله أنفسهم عوضا منها، لينجو من سوء عذاب الله، الذي هو معذبهم به يومئذ {وبدا لهم من الله} [الزمر: 47] يقول: وظهر لهم يومئذ من أمر الله وعذابه، الذي كان أعده لهم، ما لم يكونوا قبل ذلك يحتسبون أنه أعده لهم 20P220 [الزمر: 48] القول في تأويل قوله تعالى: {وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [الزمر: 48] يقول تعالى ذكره: وظهر لهؤلاء المشركين يوم القيامة {سيئات ما كسبوا} [الزمر: 48] من الأعمال في الدنيا، إذ أعطوا كتبهم بشمائلهم {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [الزمر: 48] ووجب عليهم حينئذ، فلزمهم عذاب الله الذي كان نبي الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا يعدهم على كفرهم بربهم، فكانوا به يسخرون، إنكارا أن يصيبهم ذلك، أو ينالهم تكذيبا منهم به، وأحاط ذلك بهم 20P220
[الزمر: 49] القول في تأويل قوله تعالى: {فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون} [الزمر: 49] يقول تعالى ذكره: فإذا أصاب الإنسان بؤس وشدة دعانا مستغيثا بنا من جهة 20P221 ما أصابه من الضر، {ثم إذا خولناه نعمة منا} [الزمر: 49] يقول: ثم إذا أعطيناه فرجا مما كان فيه من الضر، بأن أبدلناه بالضر رخاء وسعة، وبالسقم صحة وعافية، فقال: إنما أعطيت الذي أعطيت من الرخاء والسعة في المعيشة، والصحة في البدن والعافية، على علم عندي، يعني على علم من الله بأني له أهل لشرفي ورضاه بعملي عندي يعني: فيما عندي، كما يقال: أنت محسن في هذا الأمر عندي: أي فيما أظن وأحسب وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال دلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ثم إذا خولناه نعمة منا} [الزمر: 49] حتى بلغ {على علم} [الزمر: 49] عندي: «أي على خير عندي» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {إذا خولناه نعمة منا} [الزمر: 49] قال: «أعطيناه» وقوله: {أوتيته على علم} [القصص: 78] أي على شرف أعطانيه وقوله: {بل هي فتنة} [الزمر: 49] يقول تعالى ذكره: بل عطيتنا إياهم تلك النعمة 20P222 من بعد الضر الذي كانوا فيه فتنة لهم؛ يعني بلاء ابتليناهم به، واختبارا اختبرناهم به {ولكن أكثرهم} [الأنعام: 37] لجهلهم، وسوء رأيهم {لا يعلمون} [البقرة: 13] لأي سبب أعطوا ذلك وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {بل هي فتنة} [الزمر: 49] : «أي بلاء» 20P222 [الزمر: 50_51] القول في تأويل قوله تعالى: {قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين} [الزمر: 50_51] يقول تعالى ذكره: قد قال هذه المقالة يعني قولهم لنعمة الله التي خولهم وهم مشركون: أوتيناه على علم عندنا {الذين من قبلهم} [البقرة: 118] يعني: الذين من قبل مشركي قريش من الأمم الخالية لرسلها، تكذيبا منهم لهم، واستهزاء بهم وقوله. {فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون} [الحجر: 84] يقول: فلم يغن عنهم حين أتاهم بأس الله على تكذيبهم رسل الله واستهزائهم بهم ما كانوا يكسبون من الأعمال، وذلك عبادتهم الأوثان يقول: لم تنفعهم خدمتهم إياها، ولم تشفع آلهتهم لهم عند الله حينئذ، ولكنها أسلمتهم وتبرأت منهم وقوله: {فأصابهم سيئات ما كسبوا} [الزمر: 51] يقول: فأصاب الذين قالوا هذه المقالة من الأمم الخالية، وبال سيئات ما كسبوا من الأعمال، فعوجلوا بالخزي في دار الدنيا، وذلك كقارون الذي قال حين وعظ {إنما أوتيته على علم عندي} [القصص: 78] فخسف الله به وبداره الأرض {فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين} [القصص: 81] يقول الله عز وجل ثناؤه: {والذين ظلموا من هؤلاء} [الزمر: 51] يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: والذين كفروا بالله يا محمد من قومك، وظلموا أنفسهم وقالوا هذه المقالة سيصيبهم أيضا وبال {سيئات ما كسبوا} [الزمر: 48] كما أصاب الذين من قبلهم بقولهم إياها {وما هم بمعجزين} [الزمر: 51] يقول: وما يفوقون ربهم ولا يسبقونه هربا في الأرض من عذابه إذا نزل بهم، ولكنه يصيبهم {سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} [الأحزاب: 62] ففعل ذلك بهم، فأحل بهم خزيه في عاجل الدنيا فقتلهم بالسيف يوم بدر وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قالا ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {قد قالها الذين من قبلهم} [الزمر: 50] «الأمم الماضية» {والذين ظلموا} [الزمر: 51] " من هؤلاء، قال: من أمة محمد صلى الله عليه وسلم " 20P223
[الزمر: 52] القول في تأويل قوله تعالى: {أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} [الزمر: 52] يقول تعالى ذكره: أولم يعلم يا محمد هؤلاء الذين كشفنا عنهم ضرهم، فقالوا: إنما أوتيناه على علم منا، أن الشدة والرخاء والسعة والضيق والبلاء بيد الله، دون كل من سواه، يبسط الرزق لمن يشاء، فيوسعه عليه، ويقدر ذلك على من يشاء من عباده، فيضيقه، وأن ذلك من حجج الله على عباده، ليعتبروا به ويتذكروا، ويعلموا أن الرغبة إليه والرهبة دون الآلهة والأنداد {إن في ذلك لآيات} [يونس: 67] يقول: إن في بسط الله الرزق لمن يشاء، وتقتيره على من أراد لآيات، يعني: دلالات وعلامات {لقوم يؤمنون} [الأنعام: 99] يعني: يصدقون بالحق، فيقرون به إذا تبينوه وعلموا حقيقته أن الذي يفعل ذلك هو الله دون كل ما سواه 20P224
[الزمر: 53] القول في تأويل قوله تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم} [الزمر: 53] اختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية، فقال بعضهم: عني بها قوم من أهل الشرك، قالوا لما دعوا إلى الإيمان بالله: كيف نؤمن وقد أشركنا وزنينا، وقتلنا النفس التي حرم الله، والله يعد فاعل ذلك النار، فما ينفعنا مع ما قد سلف منا الإيمان، فنزلت هذه الآية ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} [الزمر: 53] " وذلك أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أنه من عبد الأوثان، ودعا مع الله إلها آخر، وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم، وقد عبدنا الآلهة، وقتلنا النفس التي حرم الله ونحن أهل الشرك؟ فأنزل الله: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} [الزمر: 53] يقول: لا تيأسوا من رحمتي، 20P225 إن الله يغفر الذنوب جميعا وقال: {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له} [الزمر: 54] وإنما يعاتب الله أولي الألباب وإنما الحلال والحرام لأهل الإيمان، فإياهم عاتب، وإياهم أمر إن أسرف أحدهم على نفسه، أن لا يقنط من رحمة الله، وأن ينيب ولا يبطئ بالتوبة من ذلك الإسراف، والذنب الذي عمل؛ وقد ذكر الله في سورة آل عمران المؤمنين حين سألوا الله المغفرة، فقالوا: {ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا} [آل عمران: 147] فينبغي أن يعلم أنهم قد كانوا يصيبون الإسراف، فأمرهم بالتوبة من إسرافهم " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {الذين أسرفوا على أنفسهم} [الزمر: 53] قال: «قتل النفس في الجاهلية» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: " نزلت هذه الآيات الثلاث بالمدينة في وحشي وأصحابه {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} [الزمر: 53] إلى قوله: {من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون} [الزمر: 55] حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر، قال: قال زيد بن أسلم، في قوله: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} [الزمر: 53] قال: «إنما هي للمشركين» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا عبادي الذين 20P226 أسرفوا على أنفسهم} [الزمر: 53] حتى بلغ {الذنوب جميعا} [الزمر: 53] قال: «ذكر لنا أن أناسا أصابوا ذنوبا عظاما في الجاهلية، فلما جاء الإسلام أشفقوا أن لا يتاب عليهم، فدعاهم الله بهذه الآية» : {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} [الزمر: 53] حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} [الزمر: 53] قال: " هؤلاء المشركون من أهل مكة، قالوا: كيف نجيبك وأنت تزعم أنه من زنى، أو قتل، أو أشرك بالرحمن كان هالكا من أهل النار؟ فكل هذه الأعمال قد عملناها؛ فأنزلت فيهم هذه الآية: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} [الزمر: 53] حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} [الزمر: 53] الآية، قال: " كان قوم مسخوطين في أهل الجاهلية، فلما بعث الله نبيه قالوا: لو أتينا محمدا صلى الله عليه وسلم فآمنا به واتبعناه؛ فقال بعضهم لبعض: كيف يقبلكم الله ورسوله في دينه؟ فقالوا: ألا نبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا؟
فلما بعثوا، نزل القرآن: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} [الزمر: 53] فقرأ حتى بلغ: {فأكون من المحسنين} [الزمر: 58] حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن الشعبي، قال: تجالس شتير بن شكل ومسروق فقال شتير: إما أن تحدث ما سمعت من ابن مسعود فأصدقك، وإما أن أحدث فتصدقني فقال مسروق: لا بل حدث فأصدقك، 20P227 فقال: سمعت ابن مسعود يقول: " إن أكبر آية فرجا في القرآن {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا} [الزمر: 53] من رحمة الله فقال مسروق: صدقت " وقال آخرون: بل عني بذلك أهل الإسلام، وقالوا: تأويل الكلام: إن الله يغفر الذنوب جميعا لمن يشاء، قالوا: وهي كذلك في مصحف عبد الله، وقالوا: إنما نزلت هذه الآية في قوم صدهم المشركون عن الهجرة وفتنوهم، فأشفقوا أن لا يكون لهم توبة ذكر من قال ذلك: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: ثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال يعني عمر: " كنا نقول: ما لمن افتتن من توبة؛ وكانوا يقولون: ما الله بقابل منا شيئا، تركنا الإسلام ببلاء أصابنا بعد معرفته، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أنزل الله فيهم: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} [الزمر: 53] الآية، قال عمر: فكتبتها بيدي، ثم بعثت بها إلى هشام بن العاص، قال هشام: فلما جاءتني جعلت أقرؤها ولا أفهمها، فوقع في نفسي أنها أنزلت فينا لما كنا نقول، فجلست على بعيري، ثم لحقت بالمدينة " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: " إنما أنزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، ونفر من المسلمين، كانوا أسلموا ثم فتنوا وعذبوا، فافتتنوا؛ كنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفا ولا عدلا أبدا؛ قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب 20P228 عذبوه، فنزلت هؤلاء الآيات، وكان عمر بن الخطاب كاتبا؛ قال: فكتبها بيده ثم بعث بها إلى عياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، إلى أولئك النفر، فأسلموا وهاجروا " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا يونس، عن ابن سيرين، قال: قال علي رضي الله عنه: أي آية في القرآن أوسع؟ فجعلوا يذكرون آيات من القرآن: {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما} [النساء: 110] ونحوها، فقال علي: " ما في القرآن آية أوسع من: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} [الزمر: 53] إلى آخر الآية " حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سعيد الأزدي، عن أبي الكنود، قال: دخل عبد الله المسجد، فإذا قاص يذكر النار والأغلال، قال: فجاء حتى قام على رأسه، فقال " ما يذكر أتقنط الناس؟ {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} [الزمر: 53] الآية " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر، عن القرظي، أنه قال في هذه الآية: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} [الزمر: 53] قال: «هي للناس أجمعين» حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا ابن لهيعة، 20P229 عن أبي قبيل، قال: سمعت أبا عبد الرحمن المزني، يقول: ثني أبو عبد الرحمن الجلائي، أنه سمع ثوبان، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} [الزمر: 53] ". . . الآية، فقال رجل: يا رسول الله، ومن أشرك؟
فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «ألا ومن أشرك، ألا ومن أشرك» ثلاث مرات " وقال آخرون: نزل ذلك في قوم كانوا يرون أهل الكبائر من أهل النار، فأعلمهم الله بذلك أنه يغفر الذنوب جميعا لمن يشاء ذكر من قال ذلك: حدثني ابن البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: ثنا أبو معاذ الخراساني، عن مقاتل بن حيان، عن نافع، عن ابن عمر، قال: " كنا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نرى أو نقول: إنه ليس شيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة، حتى نزلت هذه الآية {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33] فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش، قال: فكنا إذا 20P230 رأينا من أصاب شيئا منها قلنا: قد هلك، حتى نزلت هذه الآية {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] فلما نزلت هذه الآية كففنا عن القول، في ذلك، فكنا إذا رأينا أحدا أصاب منها شيئا خفنا عليه، إن لم يصب منها شيئا رجونا له " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عنى تعالى ذكره بذلك جميع من أسرف على نفسه من أهل الإيمان والشرك، لأن الله عم بقوله {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} [الزمر: 53] جميع المسرفين، فلم يخصص به مسرفا دون مسرف فإن قال قائل: فيغفر الله الشرك؟ قيل: نعم إذا تاب منه المشرك وإنما عنى بقوله {إن الله يغفر الذنوب جميعا} [الزمر: 53] لمن يشاء، كما قد ذكرنا قبل أن ابن مسعود كان يقرؤه: وأن الله قد استثنى منه الشرك إذا لم يتب منه صاحبه، فقال: إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فأخبر أنه لا يغفر الشرك إلا بعد توبة بقوله: {إلا من تاب وآمن وعمل صالحا} [مريم: 60] فأما ما عداه فإن صاحبه في مشيئة ربه، إن شاء تفضل عليه، فعفا له عنه، وإن شاء عدل عليه فجازاه به وأما قوله: {لا تقنطوا من رحمة الله} [الزمر: 53] فإنه يعني: «لا تيأسوا من رحمة الله» كذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس 20P231 وقد ذكرنا ما في ذلك من الروايات قبل فيما مضى وبينا معناه وقوله: {إن الله يغفر الذنوب جميعا} [الزمر: 53] يقول: إن الله يستر على الذنوب كلها بعفوه عن أهلها وتركه عقوبتهم عليها إذا تابوا منها {إنه هو الغفور الرحيم} [يوسف: 98] بهم، أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها
Preguntas
- ¿Qué enseña el islam sobre la vida después de la muerte?
- ¿Qué creen los musulmanes acerca de los profetas?
- ¿Cómo se realizan las cinco oraciones diarias (salat)?
- ¿Cuáles son las reglas del ayuno en Ramadán?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?