Taberî — Câmiü'l-Beyân
فقال: «نعم إنه 21P045 ليس أحد، من الخلق إلا له باب في السماء يصعد فيه عمله، وينزل منه رزقه، فإذا مات بكى عليه مكانه من الأرض الذي كان يذكر الله فيه ويصلي فيه، وبكى عليه بابه الذي كان يصعد فيه عمله، وينزل منه رزقه وأما قوم فرعون، فلم يكن لهم آثار صالحة، ولم يصعد إلى السماء منهم خير، فلم تبك عليهم السماء والأرض» وقوله: {وما كانوا منظرين} [الدخان: 29] يقول: وما كانوا مؤخرين بالعقوبة التي حلت بهم، ولكنهم عوجلوا بها إذ أسخطوا ربهم عز وجل عليهم {ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين} [الدخان: 30] يقول تعالى ذكره: ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب الذي كان فرعون وقومه يعذبونهم به، المهين يعني المذل لهم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين} [الدخان: 30] «بقتل أبنائهم، واستحياء نسائهم» وقوله: {من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين} [الدخان: 31] يقول تعالى ذكره: ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب من فرعون، فقوله: {من فرعون} [يونس: 83] مكررة على قوله: {من العذاب المهين} [الدخان: 30] مبدلة من الأولى ويعني بقوله: {إنه كان عاليا من المسرفين} [الدخان: 31] إنه كان جبارا مستعليا 21P046 مستكبرا على ربه، {من المسرفين} [الدخان: 31] يعني : من المتجاوزين ما ليس لهم تجاوزه وإنما يعني جل ثناؤه أنه كان ذا اعتداء في كفره، واستكبار على ربه جل ثناؤه 21P045
[الدخان: 32_33] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد اخترناهم على علم على العالمين وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين} [الدخان: 32_33] يقول تعالى ذكره: ولقد اخترنا بني إسرائيل على علم منا بهم على عالمي أهل زمانهم يومئذ، وذلك زمان موسى صلوات الله وسلامه عليه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {ولقد اخترناهم على علم على العالمين} [الدخان: 32] «أي اختيروا على أهل زمانهم ذلك، ولكل زمان عالم» حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {ولقد اخترناهم على علم على العالمين} [الدخان: 32] قال: «عالم ذلك الزمان» حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، 21P047 في قوله: {ولقد اخترناهم على علم على العالمين} [الدخان: 32] قال: «على من هم بين ظهرانيه» قوله: {وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين} [الدخان: 33] يقول تعالى ذكره: وأعطيناهم من العبر والعظات ما فيه اختبار يبين لمن تأمله أنه اختبار اختبرهم الله به واختلف أهل التأويل في ذلك البلاء، فقال بعضهم: ابتلاهم بنعمه عندهم ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين} [الدخان: 33] «أنجاهم الله من عدوهم، ثم أقطعهم البحر، وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى» وقال آخرون: بل ابتلاهم بالرخاء والشدة ذكر من قال ذلك: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: {وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين} [الدخان: 33] ، وقرأ {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} [الأنبياء: 35] وقال: «بلاء مبين لمن آمن بها وكفر بها، بلوى نبتليهم بها، نمحصهم، بلوى اختبار، نختبرهم بالخير والشر، نختبرهم لننظر 21P048 فيما أتاهم من الآيات من يؤمن بها، وينتفع بها ويضيعها» وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه آتى بني إسرائيل من الآيات ما فيه ابتلاؤهم واختبارهم، وقد يكون الابتلاء والاختبار بالرخاء، ويكون بالشدة، ولم يضع لنا دليلا من خبر ولا عقل، أنه عنى بعض ذلك دون بعض، وقد كان الله اختبرهم بالمعنيين كليهما جميعا وجائز أن يكون عنى اختباره إياهم بهما، فإذا كان الأمر على ما وصفنا، فالصواب من القول فيه أن نقول كما قال جل ثناؤه إنه اختبرهم 21P047 [الدخان: 34_35_36] القول في تأويل قوله تعالى: {إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين} [الدخان: 34_35_36] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل مشركي قريش لنبي الله صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء المشركين من قومك يا محمد {ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى} [الدخان: 34] التي نموتها، وهي الموتة الأولى {وما نحن بمنشرين} [الدخان: 35] بعد مماتنا، ولا بمبعوثين تكذيبا منهم بالبعث والثواب والعقاب وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين} [الدخان: 35] قال: " قد قال 21P049 مشركو العرب {وما نحن بمنشرين} [الدخان: 35] أي: بمبعوثين " وقوله: {فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين} [الدخان: 36] يقول تعالى ذكره: قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: فأتوا بآبائنا الذين قد ماتوا إن كنتم صادقين، أن الله باعثنا من بعد بلانا في قبورنا، ومحيينا من بعد مماتنا، وخوطب صلى الله عليه وسلم هو وحده خطاب الجميع، كما قيل: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} [الطلاق: 1] وكما قال {رب ارجعون} [المؤمنون: 99] وقد بينت ذلك في غير موضع من كتابنا 21P049
[الدخان: 37] القول في تأويل قوله تعالى: {أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين} [الدخان: 37] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أهؤلاء المشركون يا محمد من قومك خير، أم قوم تبع، يعني تبعا الحميري كما: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز وجل: {أهم خير أم قوم تبع} [الدخان: 37] قال: الحميري " حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {أهم خير أم قوم تبع} [الدخان: 37] «ذكر لنا أن تبعا كان رجلا من حمير، سار بالجيوش حتى حير الحيرة، ثم أتى سمرقند فهدمها وذكر لنا أنه كان إذا كتب كتب باسم الذي تسمى وملك 21P050 برا وبحرا وصحا وريحا» وذكر لنا أن كعبا كان يقول: نعت نعت الرجل الصالح ذم الله قومه ولم يذمه وكانت عائشة تقول: لا تسبوا تبعا، فإنه كان رجلا صالحا حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: قالت عائشة: «كان تبع رجلا صالحا» وقال كعب: ذم قومه ولم يذمه حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن تميم بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، «أن تبعا، كسا البيت» ونهى سعيد عن سبه وقوله {والذين من قبلهم} [آل عمران: 11] يقول تعالى ذكره: أهؤلاء المشركون من قريش خير أم قوم تبع والذين من قبلهم من الأمم الكافرة بربها، يقول: فليس هؤلاء بخير من أولئك، فنصفح عنهم، ولا نهلكهم، وهم بالله كافرون، كما كان الذين أهلكناهم من الأمم من قبلهم كفارا وقوله: {إنهم كانوا مجرمين} [الدخان: 37] يقول: إن قوم تبع والذين من قبلهم من الأمم الذين أهلكناهم إنما أهلكناهم لإجرامهم، وكفرهم بربهم وقيل: إنهم كانوا مجرمين، فكسرت ألف «إن» على وجه الابتداء، وفيها 21P051 معنى الشرط استغناء بدلالة الكلام على معناها 21P050 [الدخان: 38_39] القول في تأويل قوله تعالى: {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون} [الدخان: 38_39] يقول تعالى ذكره: {وما خلقنا السموات} السبع والأرضين وما بينهما من الخلق لعبا وقوله: {ما خلقناهما إلا بالحق} [الدخان: 39] يقول: ما خلقنا السماوات والأرض إلا بالحق الذي لا يصلح التدبير إلا به وإنما يعني بذلك تعالى ذكره التنبيه على صحة البعث والمجازاة، يقول تعالى ذكره: لم نخلق الخلق عبثا بأن نحدثهم فنحييهم ما أردنا، ثم نفنيهم من غير الامتحان بالطاعة والأمر والنهي، وغير مجازاة المطيع على طاعته، والعاصي على المعصية، ولكن خلقنا ذلك لنبتلي من أردنا امتحانه من خلقنا بما شئنا من امتحانه من الأمر والنهي {لنجزي الذين أساءوا بما عملوا ونجزي الذين أحسنوا بالحسنى} {ولكن أكثرهم لا يعلمون} [الأنعام: 37] يقول تعالى ذكره: ولكن أكثر هؤلاء المشركين بالله لا يعلمون أن الله خلق ذلك لهم، فهم لا يخافون على ما يأتون من سخط الله عقوبة، ولا يرجون على خير إن فعلوه ثوابا لتكذيبهم بالمعاد 21P051
[الدخان: 40_41_42] القول في تأويل قوله تعالى: {إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم} [الدخان: 40_41_42] 21P052 يقول تعالى ذكره: إن يوم فصل الله القضاء بين خلقه بما أسلفوا في دنياهم من خير أو شر يجزى به المحسن بالإحسان، والمسيء بالإساءة {ميقاتهم أجمعين} [الدخان: 40] يقول: ميقات اجتماعهم أجمعين كما: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين} [الدخان: 40] «يوم يفصل فيه بين الناس بأعمالهم» وقوله: {يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا} [الدخان: 41] يقول: لا يدفع ابن عم عن ابن عم، ولا صاحب عن صاحبه شيئا من عقوبة الله التي حلت بهم من الله {ولا هم ينصرون} [البقرة: 48] يقول: ولا ينصر بعضهم بعضا، فيستعيذوا ممن نالهم بعقوبة كما كانوا يفعلونه في الدنيا كما: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا} [الدخان: 41] الآية، «انقطعت الأسباب يومئذ يا ابن آدم، وصار الناس إلى أعمالهم، فمن أصاب يومئذ خيرا سعد به آخر ما عليه، ومن أصاب يومئذ شرا شقي به آخر ما عليه» وقوله {إلا من رحم الله} [الدخان: 42] اختلف أهل العربية في موضع «من» في قوله: {إلا من رحم الله} [الدخان: 42] فقال بعض نحويي البصرة: إلا من رحم الله، فجعله بدلا من الاسم المضمر في ينصرون، وإن شئت جعلته مبتدأ وأضمرت خبره، يريد به: إلا من رحم الله فيغني عنه وقال بعض نحويي الكوفة قوله: {إلا من رحم الله} [الدخان: 42] قال: المؤمنون يشفع بعضهم في بعض، فإن شئت فاجعل «من» في موضع رفع، كأنك قلت: لا يقوم أحد إلا فلان، وإن شئت جعلته نصبا على الاستثناء والانقطاع عن أول الكلام، يريد: اللهم إلا من رحم الله وقال آخرون منهم: معناه لا يغني مولى عن مولى شيئا، إلا من أذن الله له أن يشفع؛ قال: لا يكون بدلا مما في ينصرون، لأن إلا محقق، والأول منفي، والبدل لا يكون إلا بمعنى الأول قال: وكذلك لا يجوز أن يكون مستأنفا، لأنه لا يستأنف بالاستثناء وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يكون في موضع رفع بمعنى: يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا إلا من رحم الله منهم، فإنه يغني عنه بأن يشفع له عند ربه وقوله: {إنه هو العزيز الرحيم} [الدخان: 42] يقول جل ثناؤه واصفا نفسه: إن الله هو العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بأوليائه، وأهل طاعته 21P053
[الدخان: 43_44_45_46] القول في تأويل قوله تعالى: {إن شجرت الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم} [الدخان: 43_44_45_46] يقول تعالى ذكره: {إن شجرة الزقوم} [الدخان: 43] التي أخبر أنها تنبت في أصل الجحيم، التي جعلها طعاما لأهل الجحيم، ثمرها في الجحيم طعام الآثم في الدنيا بربه، والأثيم: ذو الإثم، والإثم من أثم يأثم فهو أثيم وعنى به في هذا الموضع: الذي إثمه الكفر بربه دون غيره من الآثام وقد: حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان، عن 21P054 الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، أن أبا الدرداء، كان يقرئ رجلا {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم} [الدخان: 44] فقال: طعام اليتيم، فقال أبو الدرداء: «قل إن شجرة الزقوم طعام الفاجر» حدثنا أبو كريب قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: «لو أن قطرة، من زقوم جهنم أنزلت إلى الدنيا لأفسدت على الناس معايشهم» حدثني أبو السائب قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام قال: كان أبوالدرداء يقرئ رجلا {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم} [الدخان: 44] قال: فجعل الرجل يقول: إن شجرة الزقوم طعام اليتيم؛ قال: فلما أكثر عليه أبو الدرداء، فرآه لا يفهم قال: «إن شجرة الزقوم طعام الفاجر» حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم} [الدخان: 44] قال: «أبو جهل» وقوله: {كالمهل يغلي في البطون} [الدخان: 45] يقول تعالى ذكره: إن شجرة الزقوم التي جعل ثمرتها طعام الكافر في جهنم، كالرصاص أو الفضة، أو ما يذاب في النار إذا أذيب بها، فتناهت حرارته، وشدت حميته في شدة السواد 21P055 وقد بينا معنى المهل فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع من الشواهد، وذكر اختلاف أهل التأويل فيه، غير أنا نذكر من أقوال أهل العلم في هذا الموضع ما لم نذكره هناك حدثنا سليمان بن عبد الجبار قال: ثنا محمد بن الصلت قال: ثنا أبو كدينة، عن قابوس، عن أبيه قال: سألت ابن عباس، عن قول الله، جل ثناؤه: {كالمهل} [الدخان: 45] قال: «كدردي الزيت» حدثني علي بن سهل قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {كالمهل يغلي في البطون} [الدخان: 45] يقول: «أسود كمهل الزيت» حدثنا أبو كريب، وأبو السائب، ويعقوب بن إبراهيم، قالوا: ثنا ابن إدريس قال: سمعت مطرفا، عن عطية بن سعد، عن ابن عباس، في قوله: {كالمهل} [الدخان: 45] «ماء غليظ كدردي الزيت» حدثني يحيى بن طلحة قال: ثنا شريك، عن مطرف، عن رجل، عن ابن عباس في قوله: {كالمهل} [الدخان: 45] قال: «كدردي الزيت» حدثنا ابن المثنى قال: ثنا عبد الصمد قال: ثنا شعبة قال: ثنا خليد، عن الحسن، عن ابن عباس، أنه رأى فضة قد أذيبت، فقال: «هذا المهل» حدثنا أبو كريب قال: ثنا أبو معاوية قال: ثنا عمرو بن ميمون، عن أبيه، عن عبد الله، في قوله: {كالمهل يشوي الوجوه} [الكهف: 29] قال: دخل عبد الله بيت المال، فأخرج بقايا كانت فيه، فأوقد عليها النار حتى تلألأت قال: «أين السائل عن المهل؟
هذا المهل» حدثنا ابن بشار قال: ثنا ابن أبي عدي، وحدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا خالد بن الحارث، عن عوف، عن الحسن قال: بلغني أن ابن مسعود، سئل عن المهل الذي، يقولون يوم القيامة شراب أهل النار، وهو على بيت المال قال: فدعا بذهب وفضة فأذابهما، فقال: «هذا أشبه شيء في الدنيا بالمهل الذي هو لون السماء يوم القيامة، وشراب أهل النار، غير أن ذلك هو أشد حرا من هذا» لفظ الحديث لابن بشار وحديث ابن المثنى نحوه حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا: ثنا ابن إدريس قال: أخبرنا أشعث، عن الحسن قال: كان من كلامه أن عبد الله بن مسعود رجل أكرمه الله بصحبة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن عمر رضي الله عنه استعمله على بيت المال قال: فعمد إلى فضة كثيرة مكسرة، فخد لها أخدودا، ثم أمر بحطب جزل فأوقد عليها، حتى إذا اماعت وتزبدت وعادت ألوانا قال: " انظروا من بالباب، فأدخل القوم فقال لهم: هذا أشبه ما رأينا في الدنيا بالمهل " حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم} [الدخان: 44] الآية، ذكر لنا أن ابن مسعود أهديت له سقاية من ذهب وفضة، فأمر بأخدود فخدت في الأرض، ثم قذف فيها من جزل الحطب، ثم قذفت فيها تلك السقاية، حتى إذا أزبدت وانماعت قال لغلامه: ادع من بحضرتنا 21P057 من أهل الكوفة، فدعا رهطا، فلما دخلوا قال: «أترون هذا» قالوا: نعم قال: «ما رأينا في الدنيا شبيها للمهل أدنى من الذهب والفضة حين أزبد وانماع» حدثنا أبو هشام الرفاعي قال: ثنا ابن يمان قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن سفيان الأسدي قال: أذاب عبد الله بن مسعود فضة، ثم قال: «من أراد أن ينظر إلى المهل فلينظر إلى هذا» حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: {يوم تكون السماء كالمهل} [المعارج: 8] قال: «كدردي الزيت» حدثني يحيى بن طلحة قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد: {كالمهل} [الدخان: 45] قال: «كدردي الزيت» حدثنا ابن المثنى قال: ثنا يعمر بن بشر قال: ثنا ابن المبارك قال: ثنا أبو الصباح قال: سمعت يزيد بن أبي سمية يقول: سمعت ابن عمر يقول: «هل تدرون ما المهل؟ المهل مهل الزيت، يعني آخره» قال: ثنا إبراهيم أبو إسحاق الطالقاني قال: ثنا ابن المبارك قال: أخبرنا أبو الصباح الأيلي، عن يزيد بن أبي سمية، عن ابن عمر بمثله حدثنا أبو كريب قال: ثنا رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن دراج أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {بماء كالمهل} [الكهف: 29] «كعكر الزيت، فإذا قربه إلى وجهه، سقطت فروة وجهه 21P058 فيه» قال: ثنا محمد بن المثنى قال: ثنا يعمر بن بشر قال: أخبرنا ابن المبارك قال: أخبرنا رشدين بن سعد قال: ثني عمرو بن الحارث، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثله وقوله: {في البطون} [الدخان: 45] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة والكوفة (تغلي) بالتاء، بمعنى أن شجرة الزقوم تغلي في بطونهم، فأنثوا تغلي لتأنيث الشجرة وقرأ ذلك بعض قراء أهل الكوفة {يغلي} [الدخان: 45] بمعنى: طعام الأثيم يغلي، أو المهل يغلي، فذكره بعضهم لتذكير الطعام، ووجه معناه إلى أن الطعام هو الذي يغلي في بطونهم وبعضهم لتذكير المهل، ووجهه إلى أنه صفة للمهل الذي يغلي والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب {كغلي الحميم} [الدخان: 46] يقول: يغلي ذلك في بطون هؤلاء الأشقياء كغلي الماء المحموم، وهو المسخن الذي قد أوقد عليه حتى تناهت شدة حره، وقيل: حميم وهو محموم، لأنه مصروف من مفعول إلى فعيل، كما يقال: قتيل من مقتول 21P059
[الدخان: 47_48] القول في تأويل قوله تعالى: {خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم} [الدخان: 47_48] يقول تعالى ذكره: {خذوه} [الدخان: 47] يعني هذا الأثيم بربه، الذي أخبر جل ثناؤه أن له شجرة الزقوم طعام {فاعتلوه} [الدخان: 47] يقول تعالى ذكره: فادفعوه وسوقوه، يقال منه: عتله يعتله عتلا: إذا ساقه بالدفع والجذب؛ ومنه قول الفرزدق: ليس الكرام بناحليك أباهم حتى ترد إلى عطية تعتل أي تساق دفعا وسحبا وقوله: {إلى سواء الجحيم} [الدخان: 47] إلى وسط الجحيم ومعنى الكلام: يقال يوم القيامة: خذوا هذا الأثيم فسوقوه دفعا في ظهره، وسحبا إلى وسط النار وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: {فاعتلوه} [الدخان: 47] قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم} [الدخان: 47] قال: «خذوه فادفعوه» وفي قوله: {فاعتلوه} [الدخان: 47] لغتان: كسر التاء، وهي قراءة بعض قراء أهل المدينة وبعض أهل مكة والصواب من القراءة في ذلك عندنا أنهما لغتان معروفتان في العرب، يقال منه: عتل يعتل ويعتل، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {إلى سواء الجحيم} [الدخان: 47] «إلى وسط النار» وقوله: {ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم} [الدخان: 48] يقول تعالى ذكره: ثم صبوا على رأس هذا الأثيم من عذاب الحميم، يعني: من الماء المسخن الذي وصفنا صفته، وهو الماء الذي قال الله {يصهر به ما في بطونهم والجلود} [الحج: 20] وقد بينت صفته هنالك 21P060 [الدخان: 49_50] القول في تأويل قوله تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم إن هذا ما كنتم به تمترون} [الدخان: 49_50] يقول تعالى ذكره: يقال لهذا الأثيم الشقي: ذق هذا العذاب الذي تعذب به اليوم {إنك أنت العزيز} [البقرة: 129] في قومك {الكريم} [المؤمنون: 116] عليهم وذكر أن هذه الآيات نزلت في أبي جهل بن هشام ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم} [الدخان: 48] " نزلت في عدو الله أبي جهل لقي النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذه فهزه، ثم قال: أولى لك يا أبا جهل فأولى، ثم أولى لك فأولى، ذق إنك أنت العزيز الكريم، وذلك أنه قال: أيوعدني محمد، والله لأنا أعز من مشى بين جبليها " وفيه نزلت {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} [الإنسان: 24] وفيه نزلت {كلا لا تطعه واسجد واقترب} [العلق: 19] وقال قتادة: نزلت في أبي جهل وأصحابه الذين قتل الله تبارك وتعالى يوم بدر {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار} [إبراهيم: 28] حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: " نزلت في أبي جهل {خذوه فاعتلوه} [الدخان: 47] قال قتادة: قال أبو جهل: ما بين جبليها رجل أعز ولا أكرم مني، فقال الله عز وجل: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} [الدخان: 49] " حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: {خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم} [الدخان: 47] قال: «هذا لأبي جهل» فإن قال قائل: وكيف قيل وهو يهان بالعذاب الذي ذكره الله، ويذل بالعتل إلى سواء الجحيم: إنك أنت العزيز الكريم؟ قيل: إن قوله: {إنك أنت العزيز الكريم} [الدخان: 49] غير وصف من قائل ذلك له بالعزة والكرم، ولكنه تقريع 21P062 منه له بما كان يصف به نفسه في الدنيا، وتوبيخ له بذلك على وجه الحكاية، لأنه كان في الدنيا يقول: إنك أنت العزيز الكريم، فقيل له في الآخرة، إذ عذب بما عذب به في النار: ذق هذا الهوان اليوم، فإنك كنت تزعم أنك أنت العزيز الكريم، وإنك أنت الذليل المهين، فأين الذي كنت تقول وتدعي من العز والكرم، هلا تمتنع من العذاب بعزتك حدثنا ابن بشار قال: ثنا صفوان بن عيسى قال ثنا ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال كعب: " لله ثلاثة أثواب: اتزر بالعز، وتسربل الرحمة، وارتدى الكبرياء تعالى ذكره، فمن تعزز بغير ما أعزه الله فذاك الذي يقال: ذق إنك أنت العزيز الكريم، ومن رحم الناس فذاك الذي سربل الله سرباله الذي ينبغي له، ومن تكبر فذاك الذي نازع الله رداءه إن الله تعالى ذكره يقول: لا ينبغي لمن نازعني ردائي أن أدخله الجنة جل وعز " وأجمعت قراء الأمصار جميعا على كسر الألف من قوله: {ذق إنك} [الدخان: 49] على وجه الابتداء وحكاية قول هذا القائل: إني أنا العزيز الكريم وقرأ ذلك بعض المتأخرين (ذق أنك) بفتح الألف على أعمال قوله: { (ذق) } في قوله: «أنك» كأن معنى الكلام عنده: ذق هذا القول الذي قلته في الدنيا والصواب من القراءة في ذلك عندنا كسر الألف من {إنك} [الدخان: 49] على المعنى الذي ذكرت لقارئه، لإجماع الحجة من القراء عليه، وشذوذ ما خالفه، وكفى دليلا على خطأ قراءة، خلافها ما مضت عليه الأئمة من المتقدمين والمتأخرين، مع بعدها من الصحة في المعنى وفراقها تأويل أهل التأويل وقوله: {إن هذا ما كنتم به تمترون} [الدخان: 50] يقول تعالى ذكره: يقال له: إن هذا العذاب الذي تعذب به اليوم، هو العذاب الذي كنتم في الدنيا تشكون، فتختصمون فيه، ولا توقنون به فقد لقيتموه، فذوقوه 21P063
[الدخان: 51_52_53] القول في تأويل قوله تعالى: {إن المتقين في مقام أمين في جنات وعيون يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين} [الدخان: 51_52_53] يقول تعالى ذكره: إن الذين اتقوا الله بأداء طاعته، واجتناب معاصيه في موضع إقامة، آمنين في ذلك الموضع مما كان يخاف منه في مقامات الدنيا من الأوصاب والعلل والأنصاب والأحزان واختلفت القراء في قراءة قوله: {في مقام أمين} [الدخان: 51] فقرأته عامة قراء المدينة (في مقام أمين) بضم الميم، بمعنى: في إقامة أمين من الظعن وقرأته عامة قراء المصرين الكوفة والبصرة {في مقام} [الدخان: 51] بفتح الميم على المعنى الذي وصفنا، وتوجيها إلى أنهم في مكان وموضع أمين والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إن المتقين في مقام أمين} [الدخان: 51] «إي والله، أمين من الشيطان والأنصاب والأحزان» وقوله: {في جنات وعيون} [الحجر: 45] الجنات والعيون ترجمة عن المقام الأمين، والمقام الأمين: هو الجنات والعيون، والجنات: البساتين، والعيون: عيون الماء المطرد في أصول أشجار الجنات وقوله: {يلبسون من سندس} [الدخان: 53] يقول: يلبس هؤلاء المتقون في هذه الجنات من سندس، وهو ما رق من الديباج وإستبرق: وهو ما غلظ من الديباج كما: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن عكرمة، في قوله: {من سندس وإستبرق} [الكهف: 31] قال: " الإستبرق: الديباج الغليظ " وقيل: {يلبسون من سندس وإستبرق} [الدخان: 53] ولم يقل لباسا، استغناء بدلالة الكلام على معناه وقوله: {متقابلين} [الحجر: 47] يعني أنهم في الجنة يقابل بعضهم بعضا بالوجوه، ولا ينظر بعضهم في قفا بعض وقد ذكرنا الرواية بذلك فيما مضى، فأغنى ذلك عن إعادته 21P064
[الدخان: 54_55_56_57] القول في تأويل قوله تعالى: {كذلك وزوجناهم بحور عين يدعون فيها بكل فاكهة آمنين لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم} [الدخان: 54_55_56_57] يقول تعالى ذكره: كما أعطينا هؤلاء المتقين في الآخرة من الكرامة بإدخالناهم الجنات، وإلباسناهم فيها السندس والإستبرق، كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم أيضا فيها حورا من النساء، ومن النقيات البياض، واحدتهن: حوراء وكان مجاهد يقول في معنى الحور، ما: حدثني به محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {وزوجناهم بحور عين} [الدخان: 54] قال: " أنكحناهم حورا قال: والحور: اللاتي يحار فيهن الطرف باد مخ سوقهن من وراء ثيابهن، ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد، وصفاء اللون " وهذا الذي قاله مجاهد من أن الحور إنما معناها: أنه يحار فيها الطرف، قول لا معنى له في كلام العرب، لأن الحور إنما هو جمع حوراء، كالحمر جمع حمراء، والسود: جمع سوداء، والحوراء إنما هي فعلاء من الحور وهو نقاء البياض، كما قيل للنقي البياض من الطعام الحواري وقد بينا معنى ذلك بشواهده فيما مضى قبل 21P066 وبنحو الذي قلنا في معنى ذلك قال سائر أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {كذلك وزوجناهم بحور عين} [الدخان: 54] قال: بيضاء عيناء " قال: وفي قراءة ابن مسعود «بعيس عين» حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {بحور عين} [الدخان: 54] قال: «بيض عين» قال: «وفي حرف ابن مسعود» بعيس عين " وقرأ ابن مسعود هذه، يعني أن معنى الحور غير الذي ذهب إليه مجاهد، لأن العيس عند العرب جمع عيساء، وهي البيضاء من الإبل، كما قال الأعشى: ومهمه نازح تعوي الذئاب به كلفت أعيس تحت الرحل نعابا يعني بالأعيس: جملا أبيض فأما العين فإنها جمع عيناء، وهي العظيمة العينين من النساء وقوله: {يدعون فيها} [ص: 51] الآية، يقول: يدعو هؤلاء المتقون في الجنة بكل 21P067 نوع من فواكه الجنة اشتهوه، آمنين فيها من انقطاع ذلك عنهم ونفاده وفنائه، ومن غائلة أذاه ومكروهه، يقول: ليست تلك الفاكهة هنالك كفاكهة الدنيا التي نأكلها، وهم يخافون مكروه عاقبتها، وغب أذاها مع نفادها من عندهم، وعدمها في بعض الأزمنة والأوقات وكان قتادة يوجه تأويل قوله: {آمنين} [يوسف: 99] إلى ما: حدثنا به بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {يدعون فيها بكل فاكهة آمنين} [الدخان: 55] «آمنوا من الموت والأوصاب والشيطان» وقوله: {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} [الدخان: 56] يقول تعالى ذكره: لا يذوق هؤلاء المتقون في الجنة الموت بعد الموتة الأولى التي ذاقوها في الدنيا وكان بعض أهل العربية يوجه «إلا» في هذا الموضع إلى أنها في معنى سوى، ويقول: معنى الكلام: لا يذوقون فيها الموت سوى الموتة الأولى، ويمثله بقوله تعالى ذكره: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف} [النساء: 22] بمعنى: سوى ما قد فعل آباؤكم، وليس للذي قال من ذلك عندي وجه مفهوم، لأن الأغلب من قول القائل: لا أذوق اليوم الطعام إلا الطعام الذي ذقته قبل اليوم أنه يريد الخبر عن قائله أن عنده طعاما في ذلك اليوم ذائقه وطاعمه دون سائر الأطعمة غيره وإذا كان ذلك الأغلب من معناه وجب أن يكون قد أثبت بقوله: {إلا الموتة الأولى} [الدخان: 56] موتة من نوع الأولى هم ذائقوها، ومعلوم أن ذلك ليس كذلك، لأن الله عز وجل قد أمن أهل الجنة في الجنة إذا هم دخلوها من الموت، ولكن ذلك كما وصفت من معناه وإنما جاز أن توضع «إلا» في موضع «بعد» لتقارب معنييهما في هذا الموضع وذلك أن القائل إذا قال: لا أكلم اليوم رجلا إلا رجلا عند عمرو قد أوجب على نفسه أن لا يكلم ذلك اليوم رجلا بعد كلام الرجل الذي عند عمرو وكذلك إذا قال: لا أكلم اليوم رجلا بعد رجل عند عمرو، قد أوجب على نفسه أن لا يكلم ذلك اليوم رجلا إلا رجلا عند عمرو، فبعد، وإلا: متقاربتا المعنى في هذا الموضع ومن شأن العرب أن تضع الكلمة مكان غيرها إذا تقارب معنياهما، وذلك كوضعهم الرجاء مكان الخوف لما في معنى الرجاء من الخوف، لأن الرجاء ليس بيقين، وإنما هو طمع، وقد يصدق ويكذب كما الخوف يصدق أحيانا ويكذب، فقال في ذلك أبو ذؤيب: إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عوامل فقال: لم يرج لسعها، ومعناه في ذلك: لم يخف لسعها، وكوضعهم الظن موضع العلم الذي لم يدرك من قبل العيان، وإنما أدرك استدلالا أو خبرا، كما قال الشاعر: فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم في الفارسي المسرد بمعنى: أيقنوا بألفي مدجج واعلموا، فوضع الظن موضع اليقين، إذ لم يكن المقول لهم ذلك قد عاينوا ألفي مدجج، ولا رأوهم، وإن ما أخبرهم به هذا المخبر، فقال لهم ظنوا العلم بما لم يعاين من فعل القلب، فوضع أحدهما موضع الآخر لتقارب معنييهما في نظائر لما ذكرت يكثر إحصاؤها، كما يتقارب معنى الكلمتين في بعض المعاني، وهما مختلفتا المعنى في أشياء أخر، فتضع العرب إحداهما مكان صاحبتها في الموضع الذي يتقارب معنياهما فيه، فكذلك قوله: {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} [الدخان: 56] وضعت «إلا» في موضع «بعد» لما نصف من تقارب معنى «إلا» ، و «بعد» في هذا الموضع، وكذلك {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف} [النساء: 22] إنما معناه: بعد الذي سلف منكم في الجاهلية، فأما إذا وجهت «إلا» في هذا الموضع إلى معنى سوى، فإنما هو ترجمة عن المكان، وبيان عنها بما هو أشد التباسا على من أراد علم معناها منها وقوله: {ووقاهم عذاب الجحيم فضلا من ربك} [الدخان: 57] يقول تعالى ذكره: ووقى هؤلاء المتقين ربهم يومئذ عذاب النار تفضلا يا محمد من ربك عليهم، وإحسانا منه إليهم بذلك، ولم يعاقبهم بجرم سلف منهم في الدنيا، ولولا تفضله عليهم بصفحه لهم عن العقوبة لهم على ما سلف منهم من ذلك، لم يقهم عذاب الجحيم، ولكن كان ينالهم ويصيبهم ألمه ومكروهه وقوله: {ذلك هو الفوز العظيم} [التوبة: 72] يقول تعالى ذكره: هذا الذي أعطينا هؤلاء المتقين في الآخرة من الكرامة التي وصفت في هذه الآيات، هو الفوز 21P070 العظيم: يقول: هو الظفر العظيم بما كانوا يطلبون من إدراكه في الدنيا بأعمالهم وطاعتهم لربهم، واتقائهم إياه، فيما امتحنهم به من الطاعات والفرائض، واجتناب المحارم 21P069
[الدخان: 58_59] القول في تأويل قوله تعالى: {فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون فارتقب إنهم مرتقبون} [الدخان: 58_59] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فإنما سهلنا قراءة هذا القرآن الذي أنزلناه إليك يا محمد بلسانك، ليتذكر هؤلاء المشركون الذين أرسلناك إليهم بعبره وحججه، ويتعظوا بعظاته، ويتفكروا في آياته إذا أنت تتلوه عليهم، فينيبوا إلى طاعة ربهم، ويذعنوا للحق عند تبينهموه كما: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد ، عن قتادة، قوله: {فإنما يسرناه بلسانك} [الدخان: 58] " أي هذا القرآن {لعلهم يتذكرون} [الدخان: 58] " حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: {فإنما يسرناه بلسانك} [الدخان: 58] قال: " القرآن، ويسرناه: أطلق به لسانه " وقوله: {فارتقب إنهم مرتقبون} [الدخان: 59] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فانتظر أنت يا محمد الفتح من ربك، والنصر على هؤلاء المشركين بالله من قومك من قريش، إنهم منتظرون عند أنفسهم قهرك وغلبتك بصدهم عما أتيتهم به من الحق من أراد قبوله واتباعك عليه وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: {فارتقب إنهم مرتقبون} [الدخان: 59] قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {فارتقب إنهم مرتقبون "} [الدخان: 59] أي فانتظر إنهم منتظرون " [045] سورة الجاثية مكية وآياتها سبع وثلاثون بسم الله الرحمن الرحيم 21P072 [الجاثية: 1_2_3] القول في تأويل قوله تعالى: {حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين} [الجاثية: 1_2_3] قد تقدم بياننا في معنى قوله {حم} [غافر: 1] وأما قوله: {تنزيل الكتاب من الله} [الزمر: 1] فإن معناه: هذا تنزيل القرآن من عند الله {العزيز} [البقرة: 129] في انتقامه من أعدائه {الحكيم} [البقرة: 32] في تدبيره أمر خلقه وقوله: {إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين} يقول تعالى ذكره: إن في السماوات السبع اللاتي منهن نزول الغيث، والأرض التي منها خروج الخلق أيها الناس {لآيات للمؤمنين} [الجاثية: 3] يقول: لأدلة وحججا للمصدقين بالحجج إذا تبينوها ورأوها 21P072 [الجاثية: 4] القول في تأويل قوله تعالى: {وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون} [الجاثية: 4] يقول تعالى ذكره: وفي خلق الله إياكم أيها الناس، وخلقه ما تفرق في الأرض من دابة تدب عليها من غير جنسكم {آيات لقوم يوقنون} [الجاثية: 4] يعني: حججا وأدلة لقوم يوقنون بحقائق الأشياء، فيقرون بها، ويعلمون صحتها. واختلفت القراء في قراءة قوله: {آيات لقوم يوقنون} [الجاثية: 4] وفي التي بعد ذلك فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة وبعض قراء الكوفة {آيات} [البقرة: 99] رفعا على الابتداء، وترك ردها على قوله: {لآيات للمؤمنين } [الجاثية: 3] ، وقرأته عامة قراء الكوفة (آيات) خفضا بتأويل النصب ردا على قوله: {لآيات للمؤمنين} [الجاثية: 3] وزعم قارئو ذلك كذلك من المتأخرين أنهم اختاروا قراءته كذلك، لأنه في قراءة أبي في الآيات الثلاثة «لآيات» باللام فجعلوا دخول اللام في ذلك في قراءته دليلا لهم على صحة قراءة جميعه بالخفض، وليس الذي اعتمدوا عليه من الحجة في ذلك بحجة، لأن لا رواية بذلك عن أبي صحيحة، وأبي لو صحت به عنه رواية، ثم لم يعلم كيف كانت قراءته بالخفض أو بالرفع لم يكن الحكم عليه بأنه كان يقرأه خفضا، بأولى من الحكم عليه بأنه كان يقرأه رفعا، إذ كانت العرب قد تدخل اللام في خبر المعطوف على جملة كلام تام قد عملت في ابتدائها «إن» ، مع ابتدائهم إياه، كما قال حميد بن ثور الهلالي: إن الخلافة بعدهم لذميمة وخلائف طرف لمما أحقر فأدخل اللام في خبر مبتدأ بعد جملة خبر قد عملت فيه «إن» إذ كان الكلام، وإن ابتدئ منويا فيه إن. والصواب من القول في ذلك إن كان الأمر على ما وصفنا أن يقال: إن الخفض في هذه الأحرف والرفع قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار قد قرأ بهما علماء من القراء صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب 21P073
[الجاثية: 5] القول في تأويل قوله تعالى: {واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون} [الجاثية: 5] 21P074 يقول تبارك وتعالى: وفي اختلاف الليل والنهار أيها الناس، تعاقبهما عليكم، هذا بظلمته وسواده وهذا بنوره وضيائه {وما أنزل الله من السماء من رزق} [الجاثية: 5] وهو الغيث الذي به تخرج الأرض أرزاق العباد وأقواتهم، وإحيائه الأرض بعد موتها: يقول: فأنبت ما أنزل من السماء من الغيث ميت الأرض، حتى اهتزت بالنبات والزرع من بعد موتها، يعني من بعد جدوبها وقحوطها ومصيرها دائرة لا نبت فيها ولا زرع وقوله: {وتصريف الرياح} [البقرة: 164] يقول: وفي تصريفه الرياح لكم شمالا مرة، وجنوبا أخرى، وصبا أحيانا، ودبورا أخرى لمنافعكم وقد قيل : عنى بتصريفها بالرحمة مرة، وبالعذاب أخرى ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وتصريف الرياح} [الجاثية: 5] قال: تصريفها إن شاء جعلها رحمة، وإن شاء جعلها عذابا " وقوله: {آيات لقوم يعقلون} [الجاثية: 5] يقول تعالى ذكره: في ذلك أدلة وحجج لله على خلقه، لقوم يعقلون عن الله حججه، ويفهمون عنه ما وعظهم به من الآيات والعبر 21P074 [الجاثية: 6] القول في تأويل قوله تعالى: {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون} [الجاثية: 6] يقول تعالى ذكره: هذه الآيات والحجج يا محمد من ربك على خلقه نتلوها عليك بالحق: يقول: نخبرك عنها بالحق لا بالباطل، كما يخبر مشركو قومك عن آلهتهم بالباطل، أنها تقربهم إلى الله زلفى، فبأي حديث بعد الله وآياته تؤمنون: يقول تعالى ذكره للمشركين به: فبأي حديث أيها القوم بعد حديث الله هذا الذي يتلوه عليكم، وبعد حججه عليكم وأدلته التي دلكم بها على وحدانيته من أنه لا رب لكم سواه، تصدقون، إن أنتم كذبتم لحديثه وآياته وهذا التأويل على مذهب قراءة من قرأ (تؤمنون) على وجه الخطاب من الله بهذا الكلام للمشركين، وذلك قراءة عامة قراء الكوفيين وأما على قراءة من قرأه {يؤمنون} [البقرة: 3] بالياء، فإن معناه: فبأي حديث يا محمد بعد حديث الله الذي يتلوه عليك وآياته هذه التي نبه هؤلاء المشركين عليها، وذكرهم بها، يؤمن هؤلاء المشركون، وهي قراءة عامة قراء أهل المدينة والبصرة، ولكلتا القراءتين وجه صحيح، وتأويل مفهوم، فبأية القراءتين قرأ ذلك القارئ فمصيب عندنا، وإن كنت أميل إلى قراءته بالياء إذ كانت في سياق آيات قد مضين قبلها على وجه الخبر، وذلك قوله: {لقوم يوقنون} [البقرة: 118] و {لقوم يعقلون} [البقرة: 164] 21P075 [الجاثية: 7_8] القول في تأويل قوله تعالى: {ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم} [الجاثية: 7_8] 21P076 يقول تعالى ذكره: الوادي السائل من صديد أهل جهنم، لكل كذاب ذي إثم بربه، مفتر عليه {يسمع آيات الله تتلى عليه} [الجاثية: 8] يقول: يسمع آيات كتاب الله تقرأ عليه {ثم يصر} [الجاثية: 8] على كفره وإثمه فيقيم عليه غير تائب منه، ولا راجع عنه {مستكبرا} [لقمان: 7] على ربه أن يذعن لأمره ونهيه {كأن لم يسمعها} [لقمان: 7] يقول: كأن لم يسمع ما تلي عليه من آيات الله بإصراره على كفره {فبشره بعذاب أليم} [لقمان: 7] يقول: فبشر يا محمد هذا الأفاك الأثيم الذي هذه صفته بعذاب من الله له {أليم} [البقرة: 10] يعني موجع في نار جهنم يوم القيامة 21P075
[الجاثية: 9] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين} [الجاثية: 9] يقول تعالى ذكره: {وإذا علم} [الجاثية: 9] هذا الأفاك الأثيم {من} [البقرة: 4] آيات الله {شيئا اتخذها هزوا} [الجاثية: 9] يقول: اتخذ تلك الآيات التي علمها هزوا، يسخر منها، وذلك كفعل أبي جهل حين نزلت {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم} [الدخان: 44] إذ دعا بتمر وزبد فقال: تزقموا من هذا، ما يعدكم محمد إلا شهدا، وما أشبه ذلك من أفعالهم وقوله: {أولئك لهم عذاب مهين} [لقمان: 6] يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين يفعلون هذا الفعل، وهم الذين يسمعون آيات الله تتلى عليهم ثم يصرون على كفرهم استكبارا، ويتخذون آيات الله التي علموها هزوا، لهم يوم القيامة من الله عذاب 21P077 مهين يهينهم ويذلهم في نار جهنم، بما كانوا في الدنيا يستكبرون عن طاعة الله واتباع آياته، وإنما قال تعالى ذكره: {أولئك} [البقرة: 5] فجمع وقد جرى الكلام قبل ذلك ردا للكلام إلى معنى الكل في قوله: {ويل لكل أفاك أثيم} [الجاثية: 7] 21P076 [الجاثية: 10] القول في تأويل قوله تعالى: {من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم} [الجاثية: 10] يقول تعالى ذكره: ومن وراء هؤلاء المستهزئين بآيات الله، يعني من بين أيديهم وقد بينا العلة التي من أجلها قيل لما أمامك، هو وراءك، فيما مضى بما أغنى عن إعادته؛ يقول: من بين أيديهم نار جهنم هم واردوها، ولا يغنيهم ما كسبوا شيئا: يقول: ولا يغني عنهم من عذاب جهنم إذا هم عذبوا به ما كسبوا في الدنيا من مال وولد شيئا وقوله: {ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء} [الجاثية: 10] يقول: ولا آلهتهم التي عبدوها من دون الله، ورؤساؤهم، وهم الذين أطاعوهم في الكفر بالله، واتخذوهم نصراء في الدنيا، تغني عنهم يومئذ من عذاب جهنم شيئا {ولهم عذاب عظيم} [البقرة: 7] يقول: ولهم من الله يومئذ عذاب في جهنم عظيم 21P077 [الجاثية: 11] القول في تأويل قوله تعالى: {هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم} [الجاثية: 11] 21P078 يقول تعالى ذكره: هذا القرآن الذي أنزلناه على محمد هدى: يقول: بيان ودليل على الحق، يهدي إلى صراط مستقيم، من اتبعه وعمل بما فيه {والذين كفروا بآيات ربهم} [الجاثية: 11] يقول: والذين جحدوا ما في القرآن من الآيات الدالات على الحق، ولم يصدقوا بها، ويعملوا بها، لهم عذاب أليم يوم القيامة موجع 21P077 [الجاثية: 12] القول في تأويل قوله تعالى: {الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} [الجاثية: 12] يقول تعالى ذكره: الله أيها القوم، الذي لا تنبغي الألوهة إلا له، الذي أنعم عليكم هذه النعم، التي بينها لكم في هذه الآيات، وهو أنه {سخر لكم البحر لتجري} [الجاثية: 12] السفن {فيه بأمره} [الجاثية: 12] لمعايشكم وتصرفكم في البلاد لطلب فضله فيها، ولتشكروا ربكم على تسخيره ذلك لكم فتعبدوه وتطيعوه فيما يأمركم به، وينهاكم عنه 21P078
[الجاثية: 13] القول في تأويل قوله تعالى: {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} [الجاثية: 13] يقول تعالى ذكره: {وسخر لكم ما في السموات} من شمس وقمر ونجوم {وما في الأرض} [البقرة: 255] من دابة وشجر وجبل وجماد وسفن لمنافعكم ومصالحكم {جميعا منه} [الجاثية: 13] يقول تعالى ذكره: جميع ما ذكرت لكم أيها الناس من هذه النعم، نعم 21P079 عليكم من الله أنعم بها عليكم، وفضل منه تفضل به عليكم، فإياه فاحمدوا لا غيره، لأنه لم يشركه في إنعام هذه النعم عليكم شريك، بل تفرد بإنعامها عليكم وجميعها منه ، ومن نعمه فلا تجعلوا له في شكركم له شريكا بل أفردوه بالشكر والعبادة، وأخلصوا له الألوهة، فإنه لا إله لكم سواه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه} يقول: «كل شيء هو من الله، وذلك الاسم فيه اسم من أسمائه، فذلك جميعا منه، ولا ينازعه فيه المنازعون، واستيقن أنه كذلك» وقوله: {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} [الرعد: 3] يقول تعالى ذكره: إن في تسخير الله لكم ما أنبأكم أيها الناس أنه سخره لكم في هاتين الآيتين {لآيات} [البقرة: 164] يقول: لعلامات ودلالات على أنه لا إله لكم غيره، الذي أنعم عليكم هذه النعم، وسخر لكم هذه الأشياء التي لا يقدر على تسخيرها غيره لقوم يتفكرون في آيات الله وحججه وأدلته، فيعتبرون بها ويتعظون إذا تدبروها، وفكروا فيها 21P079
[الجاثية: 14] القول في تأويل قوله تعالى: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون} [الجاثية: 14] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للذين صدقوا الله واتبعوك، يغفروا للذين لا يخافون بأس الله ووقائعه ونقمه إذا هم نالوهم بالأذى والمكروه {ليجزي قوما بما كانوا يكسبون} [الجاثية: 14] يقول: ليجزي الله هؤلاء الذين يؤذونهم من المشركين في الآخرة، فيصيبهم عذابه بما كانوا في الدنيا يكسبون من الإثم، ثم بأذاهم أهل الإيمان بالله وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون} [الجاثية: 14] قال: «كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يعرض عن المشركين إذا آذوه، وكانوا يستهزئون به، ويكذبونه، فأمره الله عز وجل أن يقاتل المشركين كافة ، فكان هذا من المنسوخ» حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {للذين لا يرجون أيام الله} [الجاثية: 14] قال: «لا يبالون 21P081 نعم الله، أو نقم الله» حدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {لا يرجون أيام الله} [الجاثية: 14] قال: «لا يبالون نعم الله» وهذه الآية منسوخة بأمر الله بقتال المشركين وإنما قلنا: هي منسوخة لإجماع أهل التأويل على أن ذلك كذلك ذكر من قال ذلك: وقد ذكرنا الرواية في ذلك عن ابن عباس حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} [الجاثية: 14] قال: «نسختها ما في الأنفال» {فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون} [الأنفال: 57] «وفي براءة» {قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} [التوبة: 36] أمر بقتالهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} [الجاثية: 14] قال: " نسختها {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] " حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} [الجاثية: 14] قال: «هذا منسوخ، أمر الله بقتالهم في سورة براءة» حدثنا ابن حميد قال: ثنا حكام قال: ثنا عنبسة، عمن ذكره عن أبي صالح، {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} [الجاثية: 14] قال: " نسختها التي في الحج {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} [الحج: 39] " حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} [الجاثية: 14] قال: " هؤلاء المشركون قال: وقد نسخ هذا وفرض جهادهم والغلظة عليهم " وجزم قوله: {يغفروا} [الجاثية: 14] تشبيها له بالجزاء والشرط وليس به، ولكن لظهوره في الكلام على مثاله، فعرب تعريبه، وقد مضى البيان عنه قبل واختلف القراء في قراءة قوله: {ليجزي قوما} [الجاثية: 14] فقرأه بعض قراء المدينة والبصرة والكوفة: {ليجزي} [الجاثية: 14] بالياء على وجه الخبر عن الله أنه يجزيهم ويثيبهم وقرأ ذلك بعض عامة قراء الكوفيين (لنجزي) بالنون على وجه الخبر من الله عن نفسه وذكر عن أبي جعفر القارئ أنه كان يقرأه «ليجزى قوما» على مذهب ما لم يسم فاعله، وهو على مذهب كلام العرب لحن إلا أن يكون أراد: ليجزى الجزاء قوما، بإضمار الجزاء، وجعله مرفوعا «ليجزى» فيكون وجها من القراءة، وإن كان بعيدا والصواب من القول في ذلك عندنا أن قراءته بالياء والنون على ما ذكرت من قراءة الأمصار جائزة بأي تينك القراءتين قرأ القارئ فأما قراءته على ما ذكرت عن أبي جعفر، فغير جائزة عندي لمعنيين: أحدهما: أنه خلاف لما عليه الحجة من القراء، وغير جائز عندي خلاف ما جاءت به مستفيضا فيهم والثاني بعدها من الصحة في العربية إلا على استكراه الكلام على غير المعروف من وجهه 21P083
[الجاثية: 15] القول في تأويل قوله تعالى: {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون} [الجاثية: 15] يقول تعالى ذكره: من عمل من عباد الله بطاعته فانتهى إلى أمره، وانزجر لنهيه، فلنفسه عمل ذلك الصالح من العمل، وطلب خلاصها من عذاب الله، أطاع ربه لا لغير ذلك، لأنه لا ينفع ذلك غيره، والله عن عمل كل عامل غني {ومن أساء فعليها} [فصلت: 46] يقول: ومن أساء عمله في الدنيا بمعصيته فيها ربه، وخلافه فيها أمره ونهيه، فعلى نفسه جنى، لأنه أوبقها بذلك، وأكسبها به سخطه، ولم يضر أحدا سوى نفسه {ثم إلى ربكم ترجعون} [السجدة: 11] يقول: ثم أنتم أيها الناس أجمعون إلى ربكم تصيرون من بعد مماتكم، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، فمن ورد عليه منكم بعمل صالح جوزي من الثواب صالحا، ومن ورد عليه منكم بعمل سيئ جوزي من الثواب سيئا [الجاثية: 16] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين} [الجاثية: 16] يقول تعالى ذكره: {ولقد آتينا} [البقرة: 87] يا محمد {بني إسرائيل الكتاب} [غافر: 53] يعني التوراة والإنجيل {والحكم} [آل عمران: 79] يعني الفهم بالكتاب، والعلم بالسنن التي لم تنزل في الكتاب {والنبوة} [آل عمران: 79] يقول: وجعلنا منهم أنبياء ورسلا إلى الخلق {ورزقناهم من الطيبات} [يونس: 93] يقول: وأطعمناهم من طيبات أرزاقنا، وذلك ما أطعمهم من المن والسلوى {وفضلناهم على العالمين} [الجاثية: 16] يقول: وفضلناهم على عالمي أهل زمانهم في أيام فرعون وعهده في ناحيتهم بمصر والشام 21P084 [الجاثية: 17] القول في تأويل قوله تعالى: {وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} [الجاثية: 17] يقول تعالى ذكره: وأعطينا بني إسرائيل واضحات من أمرنا بتنزيلنا إليهم التوراة فيها تفصيل كل شيء {فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} [الجاثية: 17] طلبا للرياسات، وتركا منهم لبيان الله تبارك وتعالى في تنزيله وقوله: {إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} [يونس: 93] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم إن ربك يا محمد يقضي بين المختلفين من بني إسرائيل بغيا بينهم يوم القيامة، فيما كانوا فيه في الدنيا يختلفون بعد العلم الذي آتاهم والبيان الذي جاءهم منه، فيفلج المحق حينئذ على المبطل بفصل الحكم بينهم 21P084
[الجاثية: 18_19] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين} [الجاثية: 18_19] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ثم جعلناك يا محمد من بعد الذي آتينا بني إسرائيل، الذين وصفت لك صفتهم {على شريعة من الأمر} [الجاثية: 18] يقول: على طريقة وسنة ومنهاج من أمرنا الذي أمرنا به من قبلك من رسلنا {فاتبعها} [الجاثية: 18] يقول: فاتبع تلك الشريعة التي جعلناها لك {ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} [الجاثية: 18] يقول: ولا تتبع ما دعاك إليه الجاهلون بالله، الذين لا يعرفون الحق من الباطل، فتعمل به، فتهلك إن عملت به وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها} [الجاثية: 18] قال: «يقول على هدى من الأمر وبينة» حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها} [الجاثية: 18] " والشريعة: الفرائض والحدود والأمر والنهي " {فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} [الجاثية: 18] حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: {ثم 21P086 جعلناك على شريعة من الأمر} [الجاثية: 18] قال: " الشريعة: الدين " وقرأ {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك} [الشورى: 13] قال: فنوح أولهم وأنت آخرهم " وقوله: {إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا} [الجاثية: 19] يقول تعالى ذكره: إن هؤلاء الجاهلين بربهم، الذين يدعونك يا محمد إلى اتباع أهوائهم، لن يغنوا عنك إن أنت اتبعت أهواءهم، وخالفت شريعة ربك التي شرعها لك من عقاب الله شيئا، فيدفعوه عنك إن هو عاقبك، وينقذوك منه وقوله: {وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض} [الجاثية: 19] يقول: وإن الظالمين بعضهم أنصار بعض، وأعوانهم على الإيمان بالله وأهل طاعته {والله ولي المتقين} [الجاثية: 19] يقول تعالى ذكره: والله يلي من اتقاه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه بكفايته، ودفاع من أراده بسوء، يقول جل ثناؤه لنبيه عليه الصلاة والسلام فكن من المتقين، يكفك الله ما بغاك وكادك به هؤلاء المشركون، فإنه ولي من اتقاه، ولا يعظم عليك خلاف من خالف أمره وإن كثر عددهم، لأنهم لن يضروك ما كان الله وليك وناصرك 21P086
[الجاثية: 20_21] القول في تأويل قوله تعالى: {هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} [الجاثية: 20_21] يقول تعالى ذكره {هذا} [البقرة: 25] الكتاب الذي أنزلناه إليك يا محمد {بصائر [ص : 87] للناس} [القصص: 43] يبصرون به الحق من الباطل، ويعرفون به سبيل الرشاد، والبصائر: جمع بصيرة وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن زيد يقول ذكر من قال ذلك: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: {هذا بصائر للناس وهدى ورحمة} [الجاثية: 20] قال: «القرآن» قال: «هذا كله إنما هو في القلب» قال: «والسمع والبصر في القلب» وقرأ {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج: 46] «وليس ببصر الدنيا ولا بسمعها» وقوله: {وهدى} [البقرة: 97] يقول: ورشاد {ورحمة لقوم يوقنون} [الجاثية: 20] بحقيقة صحة هذا القرآن، وأنه تنزيل من الله العزيز الحكيم وخص جل ثناؤه الموقنين بأنه لهم بصائر وهدى ورحمة، لأنهم الذين انتفعوا به دون من كذب به من أهل الكفر، فكان عليه عمى وله حزنا وقوله: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات} [الجاثية: 21] يقول تعالى ذكره: أم ظن الذين اجترحوا السيئات من الأعمال في الدنيا، وكذبوا رسل الله، وخالفوا أمر ربهم، وعبدوا غيره، أن نجعلهم في الآخرة، كالذين آمنوا بالله وصدقوا رسله وعملوا الصالحات، فأطاعوا الله، وأخلصوا له العبادة دون ما سواه من الأنداد والآلهة، 21P088 كلا ما كان الله ليفعل ذلك، لقد ميز بين الفريقين، فجعل حزب الإيمان في الجنة، وحزب الكفر في السعير كما: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {أم حسب الذين اجترحوا السيئات} [الجاثية: 21] الآية، «لعمري لقد تفرق القوم في الدنيا، وتفرقوا عند الموت، فتباينوا في المصير» وقوله: {سواء محياهم ومماتهم} [الجاثية: 21] اختلفت القراء في قراءة قوله: {سواء} [البقرة: 6] فقرأت ذلك عامة قراء المدينة والبصرة وبعض قراء الكوفة (سواء) بالرفع، على أن الخبر متناه عندهم عند قوله: {كالذين آمنوا} [الجاثية: 21] وجعلوا خبر قوله: {أن نجعلهم} [الجاثية: 21] قوله: {كالذين آمنوا وعملوا الصالحات} [الجاثية: 21] ، ثم ابتدأوا الخبر عن استواء حال محيا المؤمن ومماته، ومحيا الكافر ومماته، فرفعوا قوله: «سواء» على وجه الابتداء بهذا المعنى، وإلى هذا المعنى وجه تأويل ذلك جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: { «سواء محياهم ومماتهم» } [الجاثية: 21] قال: المؤمن في الدنيا والآخرة مؤمن، والكافر في الدنيا والآخرة كافر " حدثنا أبو كريب قال: ثنا حسين، عن شيبان، عن ليث، في قوله: { «سواء محياهم ومماتهم» } [الجاثية: 21] قال: «بعث المؤمن مؤمنا حيا وميتا، والكافر كافرا حيا وميتا» وقد يحتمل الكلام إذا قرئ سواء رفعا وجها آخر غير هذا المعنى الذي ذكرناه عن مجاهد وليث، وهو أن يوجه إلى: أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم والمؤمنين سواء في الحياة والموت، بمعنى: أنهم لا يستوون، ثم يرفع سواء على هذا المعنى، إذ كان لا ينصرف، كما يقال: مررت برجل خير منك أبوه، وحسبك أخوه، فرفع حسبك، وخير إذ كانا في مذهب الأسماء، ولو وقع موقعهما فعل في لفظ اسم لم يكن إلا نصبا، فكذلك قوله: «سواء» وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة {سواء} [البقرة: 6] نصبا، بمعنى: أحسبوا أن نجعلهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار قد قرأ بكل واحدة منهما أهل العلم بالقرآن صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب واختلف أهل العربية في وجه نصب قوله: {سواء} [البقرة: 6] ورفعه، فقال بعض نحويي البصرة «سواء محياهم ومماتهم» رفع وقال بعضهم: إن المحيا والممات للكفار كله قال: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات} [الجاثية: 21] ثم قال: سواء محيا الكفار ومماتهم: أي محياهم محيا سواء، ومماتهم ممات سواء، فرفع السواء على الابتداء قال: ومن فسر المحيا والممات للكفار والمؤمنين، فقد يجوز في هذا المعنى نصب السواء ورفعه، لأن من جعل السواء مستويا، فينبغي له في القياس أن يجريه على ما قبله، لأنه صفة، ومن جعله الاستواء، فينبغي له أن يرفعه لأنه اسم، إلا أن ينصب المحيا والممات على البدل، وينصب السواء على الاستواء، وإن شاء رفع السواء إذا كان في معنى مستو، كما تقول: مررت برجل خير منك أبوه، لأنه صفة لا يصرف والرفع أجود وقال بعض نحويي الكوفة قوله: {سواء محياهم} [الجاثية: 21] بنصب سواء وبرفعه، والمحيا والممات في موضع رفع بمنزلة، قوله: رأيت القوم سواء صغارهم وكبارهم بنصب سواء لأنه يجعله فعلا لما عاد على الناس من ذكرهم قال: وربما جعلت العرب سواء في مذهب اسم بمنزلة حسبك، فيقولون: رأيت قومك سواء صغارهم وكبارهم فيكون كقولك: مررت برجل حسبك أبوه قال: ولو جعلت مكان سواء مستو لم يرفع، ولكن نجعله متبعا لما قبله، مخالفا لسواء، لأن مستو من صفة القوم، ولأن سواء كالمصدر، والمصدر اسم قال: ولو نصبت المحيا والممات كان وجها، يريد أن نجعلهم سواء في محياهم ومماتهم وقال آخرون منهم: المعنى: أنه لا يساوي من اجترح السيئات المؤمن في الحياة، ولا الممات، على أنه وقع موقع الخبر، فكان خبرا لجعلنا قال: والنصب للأخبار كما تقول: جعلت إخوتك سواء، صغيرهم وكبيرهم، ويجوز أن يرفع، لأن سواء لا ينصرف وقال: من قال: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات} [الجاثية: 21] فجعل كالذين الخبر استأنف بسواء ورفع ما بعدها، وإن نصب المحيا والممات نصب سواء لا غير، وقد تقدم بياننا الصواب من القول في ذلك وقوله: {ساء ما يحكمون} [الأنعام: 136] يقول تعالى ذكره: بئس الحكم الذي حسبوا أنا نجعل الذين اجترحوا السيئات والذين آمنوا وعملوا الصالحات، سواء محياهم ومماتهم 21P091
[الجاثية: 22] القول في تأويل قوله تعالى: {وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون} [الجاثية: 22] يقول تعالى ذكره: {وخلق الله السموات والأرض بالحق} للعدل والحق، لا لما حسب هؤلاء الجاهلون بالله، من أنه يجعل من اجترح السيئات، فعصاه وخالف أمره، كالذين آمنوا وعملوا الصالحات في المحيا والممات، إذ كان ذلك من فعل غير أهل العدل والإنصاف، يقول جل ثناؤه: فلم يخلق الله السماوات والأرض للظلم والجور، ولكنا خلقناهما للحق والعدل ومن الحق أن نخالف بين حكم المسيء والمحسن في العاجل والآجل وقوله: {ولتجزى كل نفس بما كسبت} [الجاثية: 22] يقول تعالى ذكره: 21P092 وليثيب الله كل عامل بما عمل من عمل خلق السماوات والأرض، المحسن بالإحسان، والمسيء بما هو أهله، لا لنبخس المحسن ثواب إحسانه، ونحمل عليه جرم غيره، فنعاقبه، أو نجعل للمسيء ثواب إحسان غيره فنكرمه، ولكن لنجزي كلا بما كسبت يداه، وهم لا يظلمون جزاء أعمالهم 21P091 [الجاثية: 23] القول في تأويل قوله تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون} [الجاثية: 23] اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} [الجاثية: 23] فقال بعضهم: معنى ذلك: أفرأيت من اتخذ دينه بهواه، فلا يهوى شيئا إلا ركبه، لأنه لا يؤمن بالله، ولا يحرم ما حرم، ولا يحلل ما حلل، إنما دينه ما هويته نفسه يعمل به ذكر من قال ذلك: حدثني علي قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} [الجاثية: 23] قال: «ذلك الكافر اتخذ دينه بغير هدى من الله ولا برهان» حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} [الجاثية: 23] قال: «لا يهوى شيئا إلا ركبه لا يخاف الله» وقال آخرون: بل معنى ذلك: أفرأيت من اتخذ معبوده ما هويت عبادته نفسه من شيء ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد قال: " كانت قريش تعبد العزى، وهو حجر أبيض، حينا من الدهر، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه طرحوا الأول وعبدوا الآخر، فأنزل الله {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} [الجاثية: 23] " وأولى التأويلين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: أفرأيت يا محمد من اتخذ معبوده هواه، فيعبد ما هوي من شيء دون إله الحق الذي له الألوهة من كل شيء، لأن ذلك هو الظاهر من معناه دون غيره وقوله: {وأضله الله على علم} [الجاثية: 23] يقول تعالى ذكره : وخذله عن محجة الطريق، وسبيل الرشاد في سابق علمه على علم منه بأنه لا يهتدي، ولو جاءته كل آية وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن 21P094 عباس، {وأضله الله على علم} [الجاثية: 23] يقول: «أضله الله في سابق علمه» وقوله: {وختم على سمعه وقلبه} [الجاثية: 23] يقول تعالى ذكره: وطبع على سمعه أن يسمع مواعظ الله وآي كتابه، فيعتبر بها ويتدبرها، ويتفكر فيها، فيعقل ما فيها من النور والبيان والهدى وقوله: {وقلبه} [الأنفال: 24] يقول: وطبع أيضا على قلبه، فلا يعقل به شيئا، ولا يعي به حقا وقوله: {وجعل على بصره غشاوة} [الجاثية: 23] يقول: وجعل على بصره غشاوة أن يبصر به حجج الله، فيستدل بها على وحدانيته، ويعلم بها أن لا إله غيره واختلفت القراء في قراءة قوله: {وجعل على بصره غشاوة} [الجاثية: 23] فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض قراء الكوفة {غشاوة} [البقرة: 7] بكسر الغين وإثبات الألف فيها على أنها اسم، وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة (غشوة) بمعنى: أنه غشاه شيئا في دفعة واحدة، ومرة واحدة، بفتح الغين بغير ألف، وهما عندي قراءتان صحيحتان فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب وقوله: {فمن يهديه من بعد الله} [الجاثية: 23] يقول تعالى ذكره: فمن يوفقه لإصابة الحق، وإبصار محجة الرشد بعد إضلال الله إياه {أفلا تذكرون} [يونس: 3] أيها الناس، فتعلموا أن من فعل الله به ما وصفنا، فلن يهتدي أبدا، ولن يجد لنفسه وليا مرشدا 21P094
[الجاثية: 24] القول في تأويل قوله تعالى: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون} [الجاثية: 24] يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون الذين تقدم خبره عنهم: ما حياة إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها لا حياة سواها تكذيبا منهم بالبعث بعد الممات كما: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا} [الجاثية: 24] «أي لعمري هذا قول مشركي العرب» وقوله: {نموت ونحيا} [المؤمنون: 37] نموت نحن وتحيا أبناؤنا بعدنا، فجعلوا حياة أبنائهم بعدهم حياة لهم، لأنهم منهم وبعضهم، فكأنهم بحياتهم أحياء، وذلك نظير قول الناس: ما مات من خلف ابنا مثل فلان، لأنه بحياة ذكره به، كأنه حي غير ميت، وقد يحتمل وجها آخر، وهو أن يكون معناه: نحيا ونموت على وجه تقديم الحياة قبل الممات، كما يقال: قمت وقعدت، بمعنى: قعدت وقمت؛ والعرب تفعل ذلك في الواو خاصة إذا أرادوا الخبر عن شيئين أنهما كانا أو يكونان، ولم تقصد الخبر عن كون أحدهما قبل الآخر، تقدم المتأخر حدوثا على المتقدم حدوثه منهما أحيانا، فهذا من ذلك، لأنه لم يقصد فيه إلى الخبر عن كون الحياة قبل الممات، فقدم ذكر الممات قبل ذكر الحياة، إذ كان القصد إلى الخبر عن أنهم يكونون مرة أحياء وأخرى أمواتا وقوله: {وما يهلكنا إلا الدهر} [الجاثية: 24] يقول تعالى ذكره مخبرا عن هؤلاء المشركين أنهم قالوا: وما يهلكنا فيفنينا إلا مر الليالي والأيام وطول العمر، إنكارا منهم أن يكون لهم رب يفنيهم ويهلكهم وقد ذكر أنها في قراءة عبد الله «وما يهلكنا إلا دهر يمر» وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {وما يهلكنا إلا الدهر} [الجاثية: 24] قال: الزمان " حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وما يهلكنا إلا الدهر} [الجاثية: 24] قال ذلك مشركو قريش {ما يهلكنا إلا الدهر} [الجاثية: 24] إلا العمر " وذكر أن هذه الآية نزلت من أجل أن أهل الشرك كانوا يقولون: الذي يهلكنا ويفنينا الدهر والزمان، ثم يسبون ما يفنيهم ويهلكهم، وهم يرون أنهم يسبون بذلك الدهر والزمان، فقال الله عز وجل لهم: أنا الذي أفنيكم وأهلككم، لا الدهر والزمان، ولا علم لكم بذلك ذكر الرواية بذلك عمن قاله: حدثنا أبو كريب قال: ثنا ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا، فقال الله في كتابه: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وما يهلكنا إلا الدهر} [الجاثية: 24] قال: «فيسبون الدهر» ، فقال الله تبارك وتعالى: «يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار» حدثنا عمران بن بكار الكلاعي قال: ثنا أبو روح قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال: ثني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: قال أبو هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " قال الله تعالى: «يسب ابن آدم الدهر، وأنا الدهر، بيدي الليل والنهار» حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن العلاء بن 21P098 عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يقول الله استقرضت عبدي فلم يعطني، وسبني عبدي يقول: وادهراه، وأنا الدهر " حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن الزهري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قال: " لا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أقلب ليله ونهاره، وإذا شئت قبضتهما " حدثني يعقوب قال: ثنا ابن علية، عن هشام، عن أبي هريرة قال: «لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر» {وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون} [الجاثية: 24] يقول تعالى ذكره: وما لهؤلاء المشركين القائلين: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وما يهلكنا إلا الدهر، بما يقولون من ذلك من علم: يعني من يقين علم، لأنهم يقولون ذلك تخرصا بغير خبر أتاهم من الله، ولا برهان عندهم بحقيقته {إن هم إلا يظنون} [الجاثية: 24] يقول جل ثناؤه: ما هم إلا في ظن من ذلك، وشك، يخبر عنهم أنهم في حيرة من اعتقادهم حقيقة ما ينطقون من ذلك بألسنتهم 21P098
[الجاثية: 25] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين} [الجاثية: 25] 21P099 يقول تعالى ذكره: وإذا تتلى على هؤلاء المشركين المكذبين بالبعث آياتنا، بأن الله باعث خلقه من بعد مماتهم، فجامعهم يوم القيامة عنده للثواب والعقاب {بينات} [البقرة: 99] يعني: واضحات جليات، تنفي الشك عن قلب أهل التصديق بالله في ذلك يقول جل ثناؤه: لم يكن لهم حجة على رسولنا الذي يتلو ذلك عليهم إلا قولهم له: ائتنا بآبائنا الذين قد هلكوا أحياء، وانشرهم لنا إن كنت صادقا فيما تتلو علينا وتخبرنا، حتى نصدق بحقيقة ما تقول بأن الله باعثنا من بعد مماتنا، ومحيينا من بعد فنائنا 21P098 [الجاثية: 26] القول في تأويل قوله تعالى: {قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الجاثية: 26] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بالبعث، القائلين لك ائتنا بآبائنا إن كنت صادقا: الله أيها المشركون يحييكم ما شاء أن يحييكم في الدنيا، ثم يميتكم فيها إذا شاء، ثم يجمعكم إلى يوم القيامة، يعني أنه يجمعكم جميعا أولكم وآخركم، وصغيركم وكبيركم {إلى يوم القيامة} [آل عمران: 55] يقول: ليوم القيامة، يعني أنه يجمعكم جميعا أحياء ليوم القيامة {لا ريب فيه} [البقرة: 2] يقول: لا شك فيه، يقول: فلا تشكوا في ذلك، فإن الأمر كما وصفت لكم {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الأعراف: 187] يقول: ولكن أكثر الناس الذين هم أهل تكذيب بالبعث، لا يعلمون حقيقة ذلك، وأن الله محييهم من بعد مماتكم 21P100 [الجاثية: 27] القول في تأويل قوله تعالى: {ولله ملك السموات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون} [الجاثية: 27] يقول تعالى ذكره: ولله سلطان السماوات السبع والأرض، دون ما تدعونه له شريكا، وتعبدونه من دونه، والذي تدعونه من دونه من الآلهة والأنداد في ملكه وسلطانه، جار عليه حكمه، فكيف يكون ما كان كذلك له شريكا، أم كيف تعبدونه، وتتركون عبادة مالككم، ومالك ما تعبدونه من دونه {ويوم تقوم الساعة} [الروم: 12] يقول تعالى ذكره: ويوم تجيء الساعة التي ينشر الله فيها الموتى من قبورهم، ويجمعهم لموقف العرض {يخسر المبطلون} [الجاثية: 27] يقول: يغبن فيها الذين أبطلوا في الدنيا في أقوالهم ودعواهم لله شريكا، وعبادتهم آلهة دونه بأن يفوز بمنازله من الجنة المحقون، ويبدلوا بها منازل من النار كانت للمحقين، فجعلت لهم بمنازلهم من الجنة، ذلك هو الخسران المبين 21P100
Preguntas
- ¿Qué enseña el islam sobre la vida después de la muerte?
- ¿Qué creen los musulmanes acerca de los profetas?
- ¿Cómo se realizan las cinco oraciones diarias (salat)?
- ¿Cuáles son las reglas del ayuno en Ramadán?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?