Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Sección V22/P410–V22/P412

[الحديد: 17_18] القول في تأويل قوله تعالى: {اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم} [الحديد: 17_18] يقول تعالى ذكره: {اعلموا} [المائدة: 98] أيها الناس {أن الله يحيي الأرض} [الحديد: 17] الميتة التي لا تنبت شيئا {بعد موتها} [البقرة: 164] يعني: بعد دثورها ودروسها، يقول: وكما نحيي هذه الأرض الميتة بعد دروسها، كذلك نهدي الإنسان الضال عن الحق إلى الحق، فنوفقه ونسدده للإيمان حتى يصير مؤمنا من بعد كفره، ومهتديا من بعد ضلالة وقوله: {قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون} [الحديد: 17] يقول: قد بينا لكم الأدلة والحجج لتعقلوا وقوله: {إن المصدقين والمصدقات} [الحديد: 18] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الأمصار، خلا ابن كثير وعاصم بتشديد الصاد والدال، بمعنى أن المتصدقين والمتصدقات، ثم تدغم التاء في الصاد، فتجعلها صادا مشددة، كما قيل: {يا أيها المزمل} [المزمل: 1] يعني المتزمل وقرأ ابن كثير وعاصم (إن المصدقين والمصدقات) بتخفيف الصاد وتشديد الدال، بمعنى: إن الذين صدقوا الله ورسوله وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان صحيح معنى كل واحدة منهما فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب فتأويل الكلام إذن على قراءة من قرأ ذلك بالتشديد في الحرفين: أعني في الصاد والدال، أن المتصدقين من أموالهم والمتصدقات {وأقرضوا الله قرضا حسنا} [الحديد: 18] يعني بالنفقة في سبيله، وفيما أمر بالنفقة فيه، أو فيما ندب إليه {يضاعف لهم ولهم أجر كريم} [الحديد: 18] يقول: يضاعف الله لهم قروضهم التي أقرضوها إياه، فيوفيهم ثوابها يوم القيامة، {ولهم أجر كريم} [الحديد: 18] يقول: ولهم ثواب من الله على صدقهم، وقروضهم إياه كريم، وذلك الجنة 22P412

Sección V22/P412–V22/P415

[الحديد: 19] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم} [الحديد: 19] يقول تعالى ذكره: والذين أقروا بوحدانية الله وإرساله رسله، فصدقوا الرسل وآمنوا بما جاءوهم به من عند ربهم، أولئك هم الصديقون وقوله: {والشهداء عند ربهم} [الحديد: 19] اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: والشهداء عند ربهم منفصل من الذي قبله، والخبر عن الذين 22P413 آمنوا بالله ورسله، متناه عند قوله: {الصديقون} [الحديد: 19] والصديقون مرفوعون بقوله: هم، ثم ابتدئ الخبر عن الشهداء فقيل: والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم، والشهداء في قولهم مرفوعون بقوله: {لهم أجرهم ونورهم} [الحديد: 19] ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون} [الحديد: 19] قال: «هذه مفصولة» {والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم} [الحديد: 19] حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، {أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم} [الحديد: 19] قال: «هي للشهداء خاصة» حدثنا ابن حميد قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: «هي خاصة للشهداء» قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي الضحى، {أولئك هم الصديقون} [الحديد: 19] ثم استأنف الكلام فقال: «والشهداء عند ربهم» حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد قال: سمعت الضحاك، يقول، في قوله: {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون} [الحديد: 19] «هذه 22P414 مفصولة، سماهم الله صديقين بأنهم آمنوا بالله وصدقوا رسله» ، ثم قال: {والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم} [الحديد: 19] «هذه مفصولة» وقال آخرون: بل قوله: {والشهداء} [النساء: 69] من صفة الذين آمنوا بالله ورسله؛ قالوا: إنما تناهى الخبر عن الذين آمنوا عند قوله: {والشهداء عند ربهم} [الحديد: 19] ثم ابتدئ الخبر عما لهم، فقيل: لهم أجرهم ونورهم ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة قال: أخبرنا أبو قيس، أنه سمع هذيلا، يحدث قال: ذكروا الشهداء، فقال عبد الله: «الرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، والرجل يقاتل للدنيا، والرجل يقاتل للسمعة، والرجل يقاتل للمغنم» ؛ قال شعبة شيئا هذا معناه: والرجل يقاتل يريد وجه الله، والرجل يموت على فراشه وهو شهيد، وقرأ عبد الله هذه الآية {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم} [الحديد: 19] حدثنا ابن حميد قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، وليث، عن مجاهد، {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم} [الحديد: 19] قال: «كل مؤمن شهيد» ، ثم قرأها حدثني صالح بن حرب أبو معمر قال: ثنا إسماعيل بن يحيى قال: ثنا ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم 22P415 يقول: «مؤمنو أمتي شهداء» قال: ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم} [الحديد: 19] حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {الصديقون والشهداء عند ربهم} [الحديد: 19] قال: «بالإيمان على أنفسهم بالله» وقال آخرون: الشهداء عند ربهم في هذا الموضع: النبيون الذين يشهدون على أممهم من قول الله عز وجل {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} [النساء: 41] والذي هو أولى الأقوال عندي في ذلك بالصواب قول من قال: الكلام والخبر عن الذين آمنوا، متناه عند قوله: {أولئك هم الصديقون} [الحديد: 19] وإن قوله: {والشهداء عند ربهم} [الحديد: 19] خبر مبتدأ عن الشهداء وإنما قلنا: إن ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن ذلك هو الأغلب من معانيه في الظاهر، وإن الإيمان غير موجب في المتعارف للمؤمن اسم شهيد لا بمعنى غيره، إلا أن يراد به شهيد على ما آمن به وصدقه، فيكون ذلك وجها، وإن كان فيه بعض البعد، لأن ذلك ليس بالمعروف من معانيه، إذا أطلق بغير وصل، فتأويل قوله: {والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم} [الحديد: 19] إذن والشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، أو هلكوا في سبيله عند ربهم، لهم ثواب الله إياهم في 22P416 الآخرة ونورهم وقوله: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم} [المائدة: 10] يقول تعالى ذكره: والذين كفروا بالله وكذبوا بأدلته وحججه، أولئك أصحاب الجحيم 22P416

Sección V22/P415–V22/P417

[الحديد: 20] القول في تأويل قوله تعالى: {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} [الحديد: 20] يقول تعالى ذكره: اعلموا أيها الناس أن متاع الحياة الدنيا المعجلة لكم، ما هي إلا لعب ولهو تتفكهون به، وزينة تتزينون بها، وتفاخر بينكم، يفخر بعضكم على بعض بما أولى فيها من رياشها {وتكاثر في الأموال والأولاد} [الحديد: 20] يقول تعالى ذكره: ويباهي بعضكم بعضا بكثرة الأموال والأولاد {كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج} [الحديد: 20] يقول تعالى ذكره: ثم ييبس ذلك النبات {فتراه مصفرا} [الزمر: 21] بعد أن كان أخضر نضرا وقوله: {ثم يكون حطاما} [الحديد: 20] يقول تعالى ذكره: ثم يكون ذلك النبات حطاما، يعني به أنه يكون نبتا يابسا متهشما {وفي الآخرة عذاب شديد} [الحديد: 20] يقول تعالى ذكره: وفي الآخرة عذاب شديد للكفار {ومغفرة من الله ورضوان} [الحديد: 20] لأهل الإيمان بالله ورسوله كما: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو} [الحديد: 20] الآية، يقول: «صار الناس إلى هذين الحرفين في 22P417 الآخرة» وكان بعض أهل العربية يقول في قوله: {وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان} [الحديد: 20] ذكر ما في الدنيا، وأنه على ما وصف، وأما الآخرة فإنها إما عذاب، وإما جنة قال: والواو فيه وأو بمنزلة واحدة وقوله: {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} [آل عمران: 185] يقول تعالى ذكره: وما زينة الحياة الدنيا المعجلة لكم أيها الناس، إلا متاع الغرور حدثنا علي بن حرب الموصلي قال: ثنا المحاربي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها» 22P417 [الحديد: 21] القول في تأويل قوله تعالى: {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [الحديد: 21] يقول تعالى ذكره: {سابقوا} [الحديد: 21] أيها الناس {إلى} [البقرة: 14] عمل يوجب لكم {مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت} [الحديد: 21] هذه الجنة {للذين آمنوا بالله ورسله} [الحديد: 21] يعني الذين وحدوا الله، وصدقوا رسله وقوله: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} [المائدة: 54] يقول جل ثناؤه: هذه الجنة التي 22P418 عرضها كعرض السماء والأرض التي أعدها الله للذين آمنوا بالله ورسله، فضل الله تفضل به على المؤمنين، والله يؤتي فضله من يشاء من خلقه، وهو ذو الفضل العظيم عليهم، بما بسط لهم من الرزق في الدنيا، ووهب لهم من النعم، وعرفهم موضع الشكر، ثم جزاهم في الآخرة على الطاعة ما وصف أنه أعده لهم

Sección V22/P417–V22/P420

[الحديد: 22] القول في تأويل قوله تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير} [الحديد: 22] يقول تعالى ذكره: ما أصابكم أيها الناس من مصيبة في الأرض بجدوبها وقحوطها وذهاب زرعها وفسادها {ولا في أنفسكم} [الحديد: 22] بالأوصاب والأوجاع والأسقام {إلا في كتاب} [الأنعام: 59] يعني إلا في أم الكتاب {من قبل أن نبرأها} [الحديد: 22] يقول: من قبل أن نبرأ الأنفس، يعني من قبل أن نخلقها يقال: قد برأ الله هذا الشيء، بمعنى: خلقه فهو بارئه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} [الحديد: 22] قال: «هو شيء قد فرغ منه من قبل أن نبرأ النفس» حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثني سعيد، عن قتادة، في قوله: {ما أصاب من مصيبة في الأرض} [الحديد: 22] " أما مصيبة الأرض: فالسنون وأما في أنفسكم: فهذه الأمراض 22P419 والأوصاب " {من قبل أن نبرأها} [الحديد: 22] «من قبل أن نخلقها» حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {ما أصاب من مصيبة في الأرض} [الحديد: 22] قال: «هي السنون » {ولا في أنفسكم} [الحديد: 22] قال: " الأوجاع والأمراض قال: وبلغنا أنه ليس أحد يصيبه خدش عود، ولا نكبة قدم، ولا خلجان عرق إلا بذنب، وما يعفو عنه أكثر " حدثني يعقوب قال: ثنا ابن علية، عن منصور بن عبد الرحمن قال: كنت جالسا مع الحسن، فقال رجل: سله عن قوله: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} [الحديد: 22] فسألته عنها، فقال: «سبحان الله، ومن يشك في هذا؟ كل مصيبة بين السماء والأرض ففي كتاب الله من قبل أن تبرأ النسمة» حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} [الحديد: 22] يقول: " هو شيء قد فرغ منه من قبل أن نبرأها: من قبل أن نبرأ الأنفس " حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله جل ثناؤه: {في كتاب من قبل أن نبرأها} [الحديد: 22] قال: «من قبل أن نخلقها» قال: «المصائب والرزق والأشياء كلها مما تحب وتكره فرغ الله من ذلك كله قبل أن يبرأ 22P420 النفوس ويخلقها» وقال آخرون: عني بذلك: ما أصاب من مصيبة في دين ولا دنيا ذكر من قال ذلك: حدثني علي قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} [الحديد: 22] يقول: «في الدين والدنيا إلا في كتاب من قبل أن نخلقها» واختلف أهل العربية في معنى {في} [الحديد: 22] التي بعد قوله: {إلا} [الحديد: 22] فقال بعض نحويي البصرة: يريد والله أعلم بذلك: إلا هي في كتاب، فجاز فيه الإضمار قال: ويقول: عندي هذا ليس إلا يريد إلا هو وقال غيره منهم، قوله: {في كتاب} [الحديد: 22] من صلة ما أصاب، وليس إضمار هو بشيء، وقال: ليس قوله عندي هذا ليس إلا مثله ، لأن إلا تكفي من الفعل، كأنه قال: ليس غيره وقوله: {إن ذلك على الله يسير} [الحج: 70] يقول تعالى ذكره: إن خلق النفوس، وإحصاء ما هي لاقية من المصائب على الله سهل يسير 22P420

Sección V22/P420–V22/P422

[الحديد: 23] القول في تأويل قوله تعالى: {لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور} [الحديد: 23] يعني تعالى ذكره: ما أصابكم أيها الناس من مصيبة في أموالكم ولا في أنفسكم، إلا في كتاب قد كتب ذلك فيه من قبل أن نخلق نفوسكم {لكيلا 22P421 تأسوا} [الحديد: 23] يقول: لكيلا تحزنوا {على ما فاتكم} [آل عمران: 153] من الدنيا، فلم تدركوه منها {ولا تفرحوا بما آتاكم} [الحديد: 23] منها ومعنى قوله: {بما آتاكم} [الحديد: 23] إذا مدت الألف منها: بالذي أعطاكم منها ربكم وملككم وخولكم؛ وإذا قصرت الألف، فمعناها: بالذي جاءكم منها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، {لكيلا تأسوا على ما فاتكم} [الحديد: 23] «من الدنيا» {ولا تفرحوا بما آتاكم} [الحديد: 23] «منها» حدثت عن الحسين بن يزيد الطحان قال: ثنا إسحاق بن منصور، عن قيس، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، {لكيلا تأسوا على ما فاتكم} [الحديد: 23] قال: «الصبر عند المصيبة، والشكر عند النعمة» حدثنا ابن حميد قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن سماك البكري، عن عكرمة، عن ابن عباس {لكيلا تأسوا على ما فاتكم} [الحديد: 23] قال: «ليس أحد إلا يحزن ويفرح، ولكن من أصابته مصيبة فجعلها صبرا، ومن أصابه خير فجعله شكرا» حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قول الله عز وجل: {لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم} [الحديد: 23] قال: «لا تأسوا على ما فاتكم من الدنيا، ولا تفرحوا بما آتاكم منها» واختلفت القراء في قراءة قوله: {بما آتاكم} [الحديد: 23] فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والكوفة {بما آتاكم} [الحديد: 23] بمد الألف وقرأه بعض قراء البصرة (بما أتاكم) بقصر الألف؛ وكأن من قرأ ذلك بقصر الألف اختار قراءته كذلك، إذ كان الذي قبله على ما فاتكم، ولم يكن على ما أفاتكم، فيرد الفعل إلى الله، فألحق قوله: (بما أتاكم) به، ولم يرده إلى أنه خبر عن الله. والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان صحيح معناهما، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وإن كنت أختار مد الألف لكثرة قارئي ذلك كذلك، وليس للذي اعتل به منه معتلو قارئيه بقصر الألف كبير معنى، لأن ما جعل من ذلك خبرا عن الله، وما صرف منه إلى الخبر عن غيره، فغير خارج جميعه عند سامعيه من أهل العلم أنه من فعل الله تعالى، فالفائت من الدنيا من فاته منها شيء، والمدرك منها ما أدرك عن تقدم الله عز وجل وقضائه، وقد بين ذلك جل ثناؤه لمن عقل عنه بقوله: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} [الحديد: 22] فأخبر أن الفائت منها بإفاتته إياهم فاتهم، والمدرك منها بإعطائه إياهم أدركوا، وأن ذلك محفوظ لهم في كتاب من قبل أن يخلقهم وقوله: {والله لا يحب كل مختال فخور} [الحديد: 23] يقول: والله لا يحب كل متكبر بما أوتي من الدنيا، فخور به على الناس 22P422

Sección V22/P422–V22/P426

[الحديد: 24] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد} [الحديد: 24] يقول تعالى ذكره: والله لا يحب كل مختال فخور، الباخلين بما أوتوا في الدنيا على اختيالهم به وفخرهم بذلك على الناس، فهم يبخلون بإخراج حق الله الذي أوجبه عليهم فيه، ويشحون به، وهم مع بخلهم به أيضا يأمرون الناس بالبخل وقوله: {ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد} [الحديد: 24] يقول تعالى ذكره: ومن يدبر معرضا عن عظة الله {فإن الله هو الغني الحميد} [الحديد: 24] يقول تعالى ذكره: ومن يدبر معرضا عن عظة الله، تاركا العمل بما دعاه إليه من الإنفاق في سبيله، فرحا بما أوتي من الدنيا مختالا به فخورا بخيلا، فإن الله هو الغني عن ماله ونفقته، وعن غيره من سائر خلقه، الحميد إلى خلقه بما أنعم به عليهم من نعمه. واختلف أهل العربية في موضع جواب قوله: {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} [النساء: 37] فقال بعضهم: استغنى بالأخبار التي لأشباههم، ولهم في القرآن، كما قال: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى} [الرعد: 31] ولم يكن في ذا الموضع خبر والله أعلم بما ينزل، هو كما أنزل، أو كما أراد أن يكون وقال غيره من أهل العربية: الخبر قد جاء في الآية التي قبل هذه {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد} [الحديد: 24] عطف بجزاءين على جزاء، وجعل جوابهما واحدا، كما تقول: إن تقم وإن تحسن آتك، لا أنه حذف الخبر. واختلفت القراء في قراءة قوله: {فإن الله هو الغني الحميد} [الحديد: 24] فقرأ ذلك عامة قراء المدينة (فإن الله الغني) بحذف {هو} [البقرة: 29] من الكلام، وكذلك ذلك في مصاحفهم بغير {هو} [البقرة: 29] وقرأته عامة قراء الكوفة {فإن الله هو الغني الحميد} [الحديد: 24] بإثبات هو في القراءة، وكذلك {هو} [البقرة: 29] في مصاحفهم والصواب من القول أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب 22P424 [الحديد: 25] القول في تأويل قوله تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز} [الحديد: 25] يقول تعالى ذكره: لقد أرسلنا رسلنا بالمفصلات من البيان والدلائل، وأنزلنا معهم الكتاب بالأحكام والشرائع، والميزان بالعدل كما: حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، {الكتاب والميزان} [الحديد: 25] قال: " الميزان: العدل " حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: {وأنزلنا معهم الكتاب والميزان} [الحديد: 25] «بالحق» ؛ قال: " الميزان: ما يعمل الناس، ويتعاطون عليه في الدنيا من معايشهم التي يأخذون ويعطون، يأخذون بميزان، ويعطون بميزان، يعرف ما يأخذ وما يعطي " قال: «والكتاب فيه دين الناس الذي يعملون ويتركون، فالكتاب للآخرة، والميزان للدنيا » وقوله: {ليقوم الناس بالقسط} [الحديد: 25] يقول تعالى ذكره: ليعمل الناس بينهم بالعدل وقوله: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} [الحديد: 25] يقول تعالى ذكره: وأنزلنا لهم الحديد فيه بأس شديد: يقول: فيه قوة شديدة، ومنافع للناس، وذلك ما ينتفعون به منه عند لقائهم العدو، وغير ذلك من منافعه وقد: حدثنا ابن حميد قال: ثنا يحيى بن واضح قال: ثنا الحسين، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: " ثلاثة أشياء نزلت مع آدم صلوات الله عليه: السندان والكلبتان، والميقعة، والمطرقة " حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} [الحديد: 25] قال: " البأس الشديد: السيوف والسلاح الذي يقاتل الناس بها " {ومنافع للناس} [الحديد: 25] «بعد، يحفرون بها الأرض 22P426 والجبال وغير ذلك» حدثنا محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس} [الحديد: 25] «وجنة وسلاح، وأنزله ليعلم الله من ينصره» وقوله: {وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب} [الحديد: 25] يقول تعالى ذكره: أرسلنا رسلنا إلى خلقنا وأنزلنا معهم هذه الأشياء ليعدلوا بينهم، وليعلم حزب الله من ينصر دين الله ورسله بالغيب منه عنهم وقوله: {إن الله قوي عزيز} [الحديد: 25] يقول تعالى ذكره: إن الله قوي على الانتصار ممن بارزه بالمعاداة، وخالف أمره ونهيه، عزيز في انتقامه منهم، لا يقدر أحد على الانتصار منه مما أحل به من العقوبة 22P426

Sección V22/P426

[الحديد: 26] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون} [الحديد: 26] يقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا أيها الناس نوحا إلى خلقنا، وإبراهيم خليله إليهم رسلا {وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب} [الحديد: 26] وكذلك كانت النبوة في ذريتهما، وعليهم أنزلت الكتب: التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان، وسائر الكتب المعروفة {فمنهم مهتد} [الحديد: 26] يقول: 22P427 فمن ذريتهما مهتد إلى الحق مستبصر {وكثير منهم} [المائدة: 66] يعني من ذريتهما {فاسقون } [المائدة: 59] يعني ضلال، خارجون عن طاعة الله إلى معصيته 22P426

Sección V22/P426–V22/P428

[الحديد: 27] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون} [الحديد: 27] يقول تعالى ذكره: ثم أتبعنا على آثارهم برسلنا الذين أرسلناهم بالبينات على آثار نوح وإبراهيم برسلنا، وأتبعنا بعيسى ابن مريم {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه} [الحديد: 27] يعني: الذين اتبعوا عيسى على منهاجه وشريعته {رأفة} [النور: 2] وهو أشد الرحمة {ورحمة ورهبانية ابتدعوها} [الحديد: 27] يقول: أحدثوها {ما كتبناها عليهم} [الحديد: 27] يقول: ما افترضنا تلك الرهبانية عليهم {إلا ابتغاء رضوان الله} [الحديد: 27] يقول: لكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله {فما رعوها حق رعايتها} [الحديد: 27] واختلف أهل التأويل في الذين لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها، فقال بعضهم: هم الذين ابتدعوها، لم يقوموا بها، ولكنهم بدلوا وخالفوا دين الله الذي بعث به عيسى، فتنصروا وتهودوا وقال آخرون: بل هم قوم جاءوا من بعد الذين ابتدعوها فلم يرعوها حق رعايتها، لأنهم كانوا كفارا ولكنهم قالوا: نفعل كالذي كانوا يفعلون من ذلك أوليا، فهم الذين وصف الله بأنهم لم يرعوها حق رعايتها وبنحو الذي قلنا في تأويل هذه الأحرف إلى الموضع الذي ذكرنا أن أهل التأويل فيه مختلفون في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة} [الحديد: 27] «فهاتان من الله، والرهبانية ابتدعها قوم من أنفسهم، ولم تكتب عليهم، ولكن ابتغوا بذلك وأرادوا رضوان الله، فما رعوها حق رعايتها، ذكر لنا أنهم رفضوا النساء، واتخذوا الصوامع» حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {ورهبانية ابتدعوها} [الحديد: 27] قال: «لم تكتب عليهم، ابتدعوها ابتغاء رضوان الله» حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: {ما كتبناها عليهم} [الحديد: 27] قال: «فلم ؟ » قال: «ابتدعوها ابتغاء رضوان الله تطوعا، فما رعوها حق رعايتها» ذكر من قال: الذين لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها كانوا غير الذين ابتدعوها ولكنهم كانوا المريدي الاقتداء بهم حدثنا الحسين بن الحريث أبو عمار المروزي قال: ثنا الفضل بن موسى، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: " كانت ملوك بعد عيسى بدلوا التوراة والإنجيل، وكان فيهم مؤمنون يقرأون التوراة والإنجيل، فقيل لملكهم: ما نجد شيئا أشد علينا من شتم يشتمناه هؤلاء أنهم يقرأون {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] هؤلاء الآيات مع ما يعيبوننا به في قراءتهم، فادعهم فليقرأوا كما نقرأ، وليؤمنوا كما آمنا به.

Sección V22/P428–V22/P433

" قال: " فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل، أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل، إلا ما بدلوا منها، فقالوا: ما تريدون إلى ذلك فدعونا "؛ قال: " فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا أسطوانة، ثم ارفعونا إليها، ثم أعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا، فلا نرد عليكم، وقالت طائفة منهم: دعونا نسيح في الأرض، ونهيم ونشرب كما تشرب الوحوش، فإن قدرتم علينا بأرضكم فاقتلونا، وقالت طائفة: ابنوا لنا دورا في الفيافي، ونحتفر الآبار، ونحترث البقول، فلا نرد عليكم، ولا نمر بكم، وليس أحد من أولئك إلا وله حميم فيهم "؛ قال: " ففعلوا ذلك، فأنزل الله جل ثناؤه {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها} [الحديد: 27] الآخرون قالوا: نتعبد كما تعبد فلان، ونسيح كما ساح فلان ونتخذ دورا كما 22P430 اتخذ فلان، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم؛ " قال: " فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق منهم إلا قليل، انحط رجل من صومعته، وجاء سائح من سياحته، وجاء صاحب الدار من داره، وآمنوا به وصدقوه، فقال الله جل ثناؤه {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته} [الحديد: 28] قال: أجرين لإيمانهم بعيسى، وتصديقهم بالتوراة والإنجيل، وإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديقهم به قال {ويجعل لكم نورا تمشون به} [الحديد: 28] القرآن، واتباعهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ " وقال: " {لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [الحديد: 29] " حدثنا يحيى بن أبي طالب قال: ثنا داود بن المحبر قال: ثنا الصعق بن حزن قال: ثنا عقيل الجعدي، عن أبي إسحاق الهمداني، عن سويد بن غفلة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اختلف من كان قبلنا على إحدى وسبعين فرقة، نجا منهم ثلاث وهلك سائرهم: فرقة من الثلاث وازت الملوك وقاتلتهم على دين الله ودين عيسى ابن مريم صلوات الله عليهم، فقتلتهم الملوك؛ وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك، فأقاموا بين ظهراني قومهم يدعونهم إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم صلوات الله عليه، فقتلهم الملوك، ونشرتهم بالمناشير؛ وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك، ولا بالمقام بين ظهراني قومهم يدعونهم إلى دين الله ودين 22P431 عيسى صلوات الله عليه، فلحقوا بالبراري والجبال، فترهبوا فيها، فهو قول الله عز وجل " {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم} [الحديد: 27] قال: «ما فعلوها إلا ابتغاء رضوان الله» {فما رعوها حق رعايتها} [الحديد: 27] قال: «ما رعاها الذين من بعدهم حق رعايتها» {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} [الحديد: 27] قال: «وهم الذين آمنوا بي وصدقوني» قال {وكثير منهم فاسقون} [الحديد: 16] قال: «فهم الذين جحدوني وكذبوني» حدثنا ابن حميد قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها} [الحديد: 27] " قال الآخرون ممن تعبد من أهل الشرك، وفني من فني منهم، يقولون: نتعبد كما تعبد فلان، ونسيح كما ساح فلان، وهم في شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم " ذكر من قال: الذين لم يرعوها حق رعايتها: الذين ابتدعوها حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة} [الحديد: 27] إلى قوله: {حق رعايتها} [الحديد: 27] يقول: «ما أطاعوني فيها، وتكلموا فيها بمعصية الله، وذلك أن الله عز وجل كتب عليهم القتال قبل أن يبعث محمدا صلى الله عليه وسلم، فلما استخرج أهل الإيمان، ولم يبق منهم إلا قليل، وكثر أهل الشرك وذهب الرسل وقهروا، اعتزلوا في الغيران، فلم يزل بهم ذلك حتى كفرت طائفة منهم، وتركوا أمر الله عز وجل ودينه، وأخذوا بالبدعة وبالنصرانية وباليهودية، فلم يرعوها حق رعايتها وثبتت طائفة على دين عيسى ابن مريم صلوات الله عليه، حين جاءهم بالبينات وبعث الله عز وجل محمدا رسولا صلى الله عليه وسلم وهم كذلك فذلك قوله» : {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته} [الحديد: 28] إلى {والله غفور رحيم} [البقرة: 218] حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم} [الحديد: 27] " كان الله عز وجل كتب عليهم القتال قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم؛ فلما استخرج أهل الإيمان، ولم يبق منهم إلا القليل، وكثر أهل الشرك، وانقطعت الرسل، اعتزلوا الناس، فصاروا في الغيران، فلم يزالوا كذلك حتى غيرت طائفة منهم، فتركوا دين الله وأمره وعهده الذي عهده إليهم، وأخذوا بالبدع، فابتدعوا النصرانية 22P433 واليهودية، فقال الله عز وجل لهم: {فما رعوها حق رعايتها} [الحديد: 27] وثبتت طائفة منهم على دين عيسى صلوات الله عليه، حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، فآمنوا به " حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا زكريا بن أبي مريم قال: سمعت أبا أمامة الباهلي، يقول: " إن الله كتب عليكم صيام رمضان، ولم يكتب عليكم قيامه، وإنما القيام شيء ابتدعتموه، وإن قوما ابتدعوا بدعة لم يكتبها الله عليهم، ابتغوا بها رضوان الله، فلم يرعوها حق رعايتها، فعابهم الله بتركها، فقال: {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها} [الحديد: 27] " وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: إن الذين وصفهم الله بأنهم لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها بعض الطوائف التي ابتدعتها، وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر أنه آتى الذين آمنوا منهم أجرهم؛ قال: فدل بذلك على أن منهم من قد رعاها حق رعايتها، فلو لم يكن منهم من كان كذلك لم يكن مستحق الأجر الذي قال جل ثناؤه: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} [الحديد: 27] إلا أن الذين لم يرعوها حق رعايتها ممكن أن يكون كانوا على عهد الذين ابتدعوها، وممكن أن يكونوا كانوا بعدهم، لأن الذين هم من أبنائهم إذا لم يكونوا رعوها، فجائز في كلام العرب أن يقال: لم يرعها القوم على العموم والمراد منهم البعض الحاضر، وقد مضى نظير ذلك في مواضع كثيرة من هذا الكتاب وقوله: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} [الحديد: 27] يقول تعالى ذكره: فأعطينا 22P434 الذين آمنوا بالله ورسله من هؤلاء الذين ابتدعوا الرهبانية ثوابهم على ابتغائهم رضوان الله، وإيمانهم به وبرسوله في الآخرة، وكثير منهم أهل معاص، وخروج عن طاعته، والإيمان به.

Sección V22/P433–V22/P434

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} [الحديد: 27] قال: «الذين رعوا ذلك الحق» 22P434

Sección V22/P434–V22/P438

[الحديد: 28] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم} [الحديد: 28] يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله من أهل الكتابين التوراة والإنجيل، خافوا الله بأداء طاعته، واجتناب معاصيه، وآمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم كما: حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي، ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله} [الحديد: 28] «يعني الذين آمنوا من أهل الكتاب» حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله} [الحديد: 28] " يعني: الذين آمنوا من أهل الكتاب " وقوله: يؤتكم كفلين من رحمته يعطكم ضعفين من الأجر لإيمانكم بعيسى صلى الله عليه وسلم، والأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم حين بعث نبيا وأصل الكفل: الحظ، وأصله: ما يكتفل به الراكب، فيحبسه ويحفظه عن السقوط؛ يقول: يحصنكم هذا الكفل من العذاب، كما يحصن الكفل الراكب من السقوط وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو عمار المروزي قال: ثنا الفضل بن موسى، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، {يؤتكم كفلين من رحمته} [الحديد: 28] قال: «أجرين، لإيمانهم بعيسى صلى الله عليه وسلم، وتصديقهم بالتوراة والإنجيل، وإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وتصديقهم به» قال: ثنا ابن حميد قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس {يؤتكم كفلين من رحمته} [الحديد: 28] قال: " أجرين: إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وإيمانهم بعيسى صلى الله عليه وسلم، والتوراة والإنجيل " وبه عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ وهارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس {يؤتكم كفلين من رحمته} [الحديد: 28] قال: «أجرين» حدثنا علي قال: ثنا أبو صالح قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {يؤتكم كفلين من رحمته} [الحديد: 28] يقول: «ضعفين» قال: ثنا مهران قال: ثنا يعقوب، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير قال: " بعث النبي صلى الله عليه وسلم جعفرا في سبعين راكبا إلى النجاشي يدعوه، فقدم عليه، فدعاه فاستجاب له وآمن به؛ فلما كان انصرافه قال ناس ممن قد آمن به من أهل مملكته، وهم أربعون رجلا: ائذن لنا، فنأتي هذا النبي، فنسلم به، ونساعد هؤلاء في البحر، فإنا أعلم بالبحر منهم، فقدموا مع جعفر على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تهيأ النبي صلى الله عليه وسلم لوقعة أحد؛ فلما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة وشدة الحال، استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا نبي الله إن لنا أموالا، ونحن نرى ما بالمسلمين من الخصاصة، فإن أذنت لنا انصرفنا، فجئنا بأموالنا، وواسينا المسلمين بها فأذن لهم، فانصرفوا، فأتوا بأموالهم، فواسوا بها المسلمين، فأنزل الله فيهم " {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون} [القصص: 52] إلى قوله: {ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3] " فكانت النفقة التي واسوا بها المسلمين؛ فلما سمع أهل الكتاب ممن لم يؤمن بقوله: " {يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا} [القصص: 54] " فخروا على المسلمين، فقالوا: يا معشر المسلمين، أما من آمن منا بكتابكم وكتابنا فله أجره مرتين، ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم، فما فضلكم علينا، فأنزل الله " {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين 22P437 من رحمته} [الحديد: 28] " فجعل لهم أجرهم، وزادهم النور والمغفرة، ثم قال: " لكيلا يعلم أهل الكتاب وهكذا قرأها سعيد بن جبير: لكيلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {يؤتكم كفلين من رحمته} [الحديد: 28] قال: «ضعفين» حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {يؤتكم كفلين من رحمته} [الحديد: 28] قال: «والكفلان أجران بإيمانهم الأول، وبالكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم» حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله} [الحديد: 28] «يعني الذين آمنوا من أهل الكتاب» {يؤتكم كفلين من رحمته} [الحديد: 28] يقول: «أجرين بإيمانكم بالكتاب الأول، والذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم» حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: {يؤتكم كفلين من رحمته} [الحديد: 28] قال: " أجرين: أجر الدنيا، وأجر الآخرة " حدثنا ابن حميد قال: ثنا حكام، عن سفيان قال: ثنا عنبسة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن أبي موسى، {يؤتكم كفلين من رحمته} [الحديد: 28] قال: " الكفلان: ضعفان من الأجر بلسان الحبشة " حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الشعبي قال: " إن الناس يوم القيامة على أربع منازل: رجل كان مؤمنا بعيسى، فآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، فله أجران ورجل كان كافرا بعيسى، فآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، فله أجر ورجل كان كافرا بعيسى، فكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، فباء بغضب على غضب ورجل كان كافرا بعيسى من مشركي العرب، فمات بكفره قبل محمد فباء بغضب " حدثني العباس بن الوليد قال: أخبرني أبي قال: سألت سعيد بن عبد العزيز، عن الكفل، كم هو؟

Sección V22/P438

قال: " ثلاث مئة وخمسون حسنة، الكفلان: سبع مائة حسنة " قال سعيد: سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حبرا من أحبار اليهود: " كم أفضل ما ضعفت لكم الحسنة؟ قال: كفل ثلاث مئة وخمسون حسنة؛ قال: فحمد الله عمر على أنه أعطانا كفلين " ثم ذكر سعيد قول الله عز وجل في سورة الحديد {يؤتكم كفلين من رحمته} [الحديد: 28] فقلت له: الكفلان في الجمعة مثل 22P439 هذا؟ قال: نعم وبنحو الذي قلنا في ذلك صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب قال: ثنا ابن علية قال: ثنا معمر بن راشد، عن فراس، عن الشعبي، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل آمن بالكتاب الأول والكتاب الآخر، ورجل كانت له أمة فأدبها وأحسن تأديبها، ثم أعتقها فتزوجها، وعبد مملوك أحسن عبادة ربه، ونصح لسيده " حدثني يعقوب قال: ثنا ابن أبي زائدة قال: ثني صالح بن صالح الهمداني، عن عامر، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه حدثنا محمد بن المثنى قال: ثني عبد الصمد قال: ثنا شعبة، عن صالح بن صالح، سمع الشعبي يحدث، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه حدثني محمد بن عبد الحكم قال: أخبرنا إسحاق بن الفرات، عن يحيى بن أيوب قال: قال يحيى بن سعيد: أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنما آجالكم في آجال من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استأجر عمالا، فقال: من يعمل من بكرة إلى نصف النهار على قيراط قيراط، ألا فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، ألا فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل من صلاة العصر إلى مغارب الشمس على قيراطين قيراطين، ألا فعملتم " حدثني علي بن سهل قال: ثنا مؤمل قال: ثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، أنه سمع ابن عمر، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مثل هذه الأمة أو قال: أمتي ومثل اليهود والنصارى، كمثل رجل قال: من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط قالت اليهود: نحن، فعملوا؛ قال: فمن يعمل من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط؟ قالت النصارى: نحن، فعملوا، وأنتم المسلمون تعملون من صلاة العصر إلى الليل على قيراطين، فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: نحن أكثر عملا، وأقل أجرا قال: هل ظلمتكم من أجوركم 22P441 شيئا؟

Sección V22/P438–V22/P442

قالوا: لا قال: فذاك فضلي أوتيه من أشاء " حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني الليث، وابن لهيعة، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة الباهلي، أنه قال: شهدت خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حجة الوداع، فقال قولا كثيرا حسنا جميلا، وكان فيها: «من أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين، وله مثل الذي لنا، وعليه مثل الذي علينا ومن أسلم من المشركين فله أجره، وله مثل الذي لنا، وعليه مثل الذي علينا» وقوله: {ويجعل لكم نورا تمشون به} [الحديد: 28] اختلف أهل التأويل في الذي عنى به النور في هذا الموضع، فقال بعضهم: عنى به القرآن ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو عمار المروزي قال: ثنا الفضل بن موسى، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، {ويجعل لكم نورا تمشون به} [الحديد: 28] قال: «الفرقان واتباعهم النبي صلى الله عليه وسلم» حدثنا ابن حميد قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس {ويجعل لكم نورا تمشون به} [الحديد: 28] قال: « 22P442 الفرقان، واتباعهم النبي صلى الله عليه وسلم» حدثنا أبو كريب، وأبو هشام قالا: ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس {ويجعل لكم نورا تمشون به} [الحديد: 28] قال: «القرآن» حدثنا ابن حميد قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عطاء، عن سعيد، مثله وقال آخرون: عني بالنور في هذا الموضع: الهدى ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {تمشون به} [الحديد: 28] قال: «هدى» وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره وعد هؤلاء القوم أن يجعل لهم نورا يمشون به، والقرآن مع اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم نور لمن آمن بهما وصدقهما وهدى، لأن من آمن بذلك، فقد اهتدى وقوله: {ويغفر لكم} [آل عمران: 31] يقول: ويصفح لكم عن ذنوبكم فيسترها عليكم {والله غفور رحيم} [البقرة: 218] يقول تعالى ذكره: والله ذو مغفرة ورحمة 22P442

Sección V22/P442–V22/P445

[الحديد: 29] القول في تأويل قوله تعالى: {لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [الحديد: 29] يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب، يفعل بكم ربكم هذا لكي يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله الذي آتاكم وخصكم به ، لأنهم كانوا يرون أن الله قد فضلهم على جميع الخلق، فأعلمهم الله جل ثناؤه أنه قد آتى أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الفضل والكرامة، ما لم يؤتهم، وأن أهل الكتاب حسدوا المؤمنين لما نزل قوله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم} [الحديد: 28] فقال الله عز وجل: فعلت ذلك ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله} [الحديد: 28] الآية قال: «لما نزلت هذه الآية، حسد أهل الكتاب المسلمين عليها، فأنزل الله عز وجل» {لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون} [الحديد: 29] الآية قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " إنما مثلنا ومثل أهل الكتابين قبلنا، كمثل رجل استأجر أجراء يعملون إلى الليل على قيراط، فلما انتصف النهار سئموا عمله وملوا، فحاسبهم، فأعطاهم على قدر ذلك، ثم استأجر أجراء إلى الليل على قيراطين، يعملون له بقية عمله، فقيل له: ما شأن هؤلاء أقلهم عملا، وأكثرهم أجرا؟ قال: 22P444 مالي أعطي من شئت، فأرجو أن نكون نحن أصحاب القيراطين " حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {كفلين من رحمته} [الحديد: 28] قال: «بلغنا أنها حين نزلت حسد أهل الكتاب المسلمين، فأنزل الله» {لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله} [الحديد: 29] حدثنا أبو عمار قال: ثنا الفضل بن موسى، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، {لئلا يعلم أهل الكتاب} [الحديد: 29] «الذين يتسمعون» {ألا يقدرون على شيء من فضل الله} [الحديد: 29] حدثنا ابن حميد قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله وقيل: {لئلا يعلم } [الحديد: 29] إنما هو ليعلم وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله «لكي يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون» لأن العرب تجعل «لا» صلة في كل كلام دخل في أوله أو آخره جحد غير مصرح، كقوله في الجحد السابق، الذي لم يصرح به {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} [الأعراف: 12] ، وقوله: {وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون} [الأنعام: 109] ، وقوله: {وحرام على قرية أهلكناها} [الأنبياء: 95] الآية، ومعنى ذلك: أهلكناها أنهم يرجعون وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا ابن علية قال: أخبرنا أبو هارون الغنوي قال: قال خطاب بن عبد الله {لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله} [الحديد: 29] قال: ثنا ابن علية، عن أبي المعلى قال: كان سعيد بن جبير يقول «لكيلا يعلم أهل الكتاب» وقوله: {وأن الفضل بيد الله} [الحديد: 29] يقول تعالى ذكره: وليعلموا أن الفضل بيد الله دونهم، ودون غيرهم من الخلق {يؤتيه من يشاء} [آل عمران: 73] يقول: يعطي فضله ذلك من يشاء من خلقه، ليس ذلك إلى أحد سواه {والله ذو الفضل العظيم} [البقرة: 105] يقول تعالى ذكره: والله ذو الفضل على خلقه، العظيم فضله [058] سورة المجادلة مدنية وآياتها اثنتان وعشرون بسم الله الرحمن الرحيم 22P446

Sección V22/P445–V22/P446

[المجادلة: 1] القول في تأويل قوله تعالى: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير} [المجادلة: 1] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قد سمع الله} [المجادلة: 1] يا محمد {قول التي تجادلك في زوجها} [المجادلة: 1] والتي كانت تجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم في زوجها امرأة من الأنصار. واختلف أهل العلم في نسبها واسمها، فقال بعضهم: خولة بنت ثعلبة، وقال بعضهم: اسمها خويلة بنت ثعلبة. وقال آخرون: هي خويلة بنت خويلد. وقال آخرون: هي خويلة بنت الصامت. وقال آخرون: هي خويلة ابنة الدليج. وكانت مجادلتها رسول الله صلى الله عليه وسلم في زوجها، وزوجها أوس بن الصامت، مراجعتها إياه في أمره، وما كان من قوله لها: أنت علي كظهر أمي. ومحاورتها إياه في ذلك. وبذلك قال أهل التأويل، وتظاهرت به الرواية. ذكر من قال ذلك والآثار الواردة به: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا أبو داود، قال: سمعت أبا العالية يقول: إن خويلة ابنة الدليج أتت النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة تغسل شق رأسه، فقالت: يا رسول الله، طالت صحبتي مع زوجي، ونفضت له بطني، وظاهر مني. فقال 22P447 رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حرمت عليه» . فقالت: أشكو إلى الله فاقتي. ثم قالت: يا رسول الله طالت صحبتي، ونفضت له بطني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حرمت عليه» . فجعل إذا قال لها: «حرمت عليه» . هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتي. قال: فنزل الوحي، وقد قامت عائشة تغسل شق رأسه الآخر، فأومأت إليها عائشة أن: اسكتي. قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي أخذه مثل السبات، فلما قضي الوحي، قال: «ادعي زوجك» . فتلاها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما} [المجادلة: 1] إلى قوله: {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا} [المجادلة: 3] أي يرجع فيه {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 3] : «أتستطيع رقبة؟ » قال: لا. قال: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} [النساء: 92] قال: يا رسول الله، إني إذا لم آكل في اليوم ثلاث مرات خشيت أن يعشو بصري. قال: {فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4] قال: «أتستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ » قال: لا يا رسول الله، إلا أن تعينني. فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطعم حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن خويلة ابنة ثعلبة وكان زوجها أوس بن الصامت قد ظاهر منها، فجاءت تشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ظاهر مني زوجي حين كبر سني، ورق عظمي . فأنزل الله فيها ما تسمعون: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله} [المجادلة: 1] فقرأ حتى بلغ {لعفو غفور والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما 22P448 قالوا} [المجادلة: 3] يريد أن يغشى بعد قوله ذلك، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: «أتستطيع أن تحرر محررا؟ » قال: ما لي بذلك يدان. أو قال: لا أجد. قال: «أتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ » قال: لا والله؛ إنه إذا أخطأه المأكل كل يوم مرارا يكل بصره. قال: «أتستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ » قال: لا والله، إلا أن تعينني منك بعون وصلاة. قال بشر، قال يزيد: يعني دعاء؛ فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعا، فجمع الله له، والله غفور رحيم حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما} [المجادلة: 1] قال: ذاك أوس بن الصامت، ظاهر من امرأته خويلة ابنة ثعلبة قالت: يا رسول الله كبر سني، ورق عظمي، وظاهر مني زوجي.

Sección V22/P446

قال: فأنزل الله: {الذين يظاهرون منكم من نسائهم} [المجادلة: 2] إلى قوله: {ثم يعودون لما قالوا} [المجادلة: 3] يريد أن يغشى بعد قوله: {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 3] فدعاه إليه نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هل تستطيع أن تعتق رقبة؟ » قال: لا. قال: «أفتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ » قال: إنه إذا أخطأه أن يأكل كل يوم ثلاث مرات يكل بصره. قال: «أتستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ » قال: لا، إلا أن يعينني فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعون وصلاة. فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعا، وجمع الله له أمره، والله غفور رحيم حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي حمزة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان الرجل إذا قال لامرأته في الجاهلية: أنت علي كظهر 22P449 أمي، حرمت في الإسلام، فكان أول من ظاهر في الإسلام أوس بن الصامت، وكانت تحته ابنة عم له يقال لها خويلة بنت خويلد وظاهر منها، فأسقط في يديه، وقال: ما أراك إلا قد حرمت علي. وقالت له مثل ذلك، قال: فانطلقي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدت عنده ماشطة تمشط رأسه، فأخبرته، فقال: «يا خويلة ما أمرنا في أمرك بشيء» . فأنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا خويلة أبشري» . قالت: خيرا. قال: فقرأ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله} [المجادلة: 1] إلى قوله: {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 3] قالت: وأي رقبة لنا، والله ما يجد رقبة غيري. قال: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} [النساء: 92] قالت: والله لولا أنه يشرب في اليوم ثلاث مرات لذهب بصره. قال: {فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4] قالت: من أين؟ ما هي إلا أكلة إلى مثلها، قال: فرعاه بشطر وسق ثلاثين صاعا والوسق ستون صاعا فقال: «ليطعم ستين مسكينا وليراجعك» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله} [المجادلة: 1] إلى قوله: {فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4] وذلك أن خولة بنت الصامت امرأة 22P450 من الأنصار ظاهر منها زوجها، فقال: أنت علي مثل ظهر أمي. فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زوجي كان تزوجني، وأنا أحب، حتى إذا كبرت ودخلت في السن قال: أنت علي مثل ظهر أمي، فتركني إلى غير أحد، فإن كنت تجد لي رخصة يا رسول الله تنعشني وإياه بها فحدثني بها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أمرت في شأنك بشيء حتى الآن، ولكن ارجعي إلى بيتك، فإن أومر بشيء لا أغممه عليك إن شاء الله» . فرجعت إلى بيتها، وأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم في الكتاب رخصتها ورخصة زوجها: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} [المجادلة: 1] إلى قوله: {وللكافرين عذاب أليم} [البقرة: 104] فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زوجها؛ فلما أتاه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أردت إلى يمينك التي أقسمت عليها؟ » فقال: وهل لها كفارة؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تستطيع أن تعتق رقبة؟ » قال: إذا يذهب مالي كله، الرقبة غالية وأنا قليل المال. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ » قال: لا والله لولا أني آكل في اليوم ثلاث مرات لكل بصري، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ » قال: لا والله إلا أن تعينني على ذلك بعون وصلاة.

Sección V22/P446–V22/P451

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني معينك بخمسة عشر صاعا، وأنا داع لك بالبركة» فأصلح ذلك بينهما. قال: وجعل فيه تحرير رقبة لمن كان موسرا لا يكفر عنه إلا تحرير رقبة إذا كان موسرا من قبل أن يتماسا، فإن لم يكن موسرا فصيام شهرين متتابعين، لا يصلح له إلا الصوم إذا كان معسرا، إلا أن لا يستطيع، 22P451 فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، وذلك كله قبل الجماع حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي معشر المدني، عن محمد بن كعب القرظي، قال: كانت خولة ابنة ثعلبة تحت أوس بن الصامت، وكان رجلا به لمم، فقال في بعض هجراته: أنت علي كظهر أمي، ثم ندم على ما قال، فقال لها: ما أظنك إلا قد حرمت علي. قالت: لا تقل ذلك، فوالله ما أحب الله طلاقا. قالت: ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسله. فقال: إني أجدني أستحي منه أن أسأله عن هذا، فقالت: فدعني أن أسأله، فقال لها: سليه؛ فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا نبي الله إن أوس بن الصامت أبو ولدي، وأحب الناس إلي، قد قال كلمة، والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا، قال: أنت علي كظهر أمي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أراك إلا قد حرمت عليه» . قالت: لا تقل ذلك يا نبي الله، والله ما ذكر طلاقا؛ فرادت النبي صلى الله عليه وسلم مرارا، ثم قالت: اللهم إني أشكو اليوم شدة حالي ووحدتي، وما يشق علي من فراقه، اللهم فأنزل على لسان نبيك. فلم ترم مكانها حتى أنزل الله {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله} [المجادلة: 1] إلى أن ذكر الكفارات، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أعتق رقبة» . لا أجد، فقال: «صم شهرين متتابعين» قال: لا أستطيع، إني لأصوم اليوم الواحد فيشق علي. قال: «أطعم ستين مسكينا؟ » قال: أما هذا فنعم حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن أبي إسحاق، {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} [المجادلة: 1] قال: نزلت في امرأة اسمها خولة، وقال عكرمة: اسمها خويلة ابنة ثعلبة وزوجها أوس بن الصامت، جاءت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن زوجها جعلها عليه كظهر أمه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أراك إلا قد حرمت عليه» . وهو حينئذ يغسل رأسه، فقالت: انظر جعلت فداك يا نبي الله. فقال: «ما أراك إلا قد حرمت عليه» . فقالت: انظر في شأني يا رسول الله. فجعلت تجادله، ثم حول رأسه ليغسله، فتحولت من الجانب الآخر، فقالت: انظر جعلني الله فداك يا نبي الله، فقالت الغاسلة: أقصري حديثك ومخاطبتك يا خويلة، أما ترين وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم متربدا ليوحى إليه. فأنزل الله: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} [المجادلة: 1] حتى بلغ {ثم يعودون لما قالوا} [المجادلة: 3] قال قتادة: فحرمها، ثم يريد أن يعود لها فيطأها، {فتحرير رقبة} [المجادلة: 3] حتى بلغ {بما تعملون خبير} [المجادلة: 3] قال أيوب: أحسبه ذكره عن عكرمة، أن الرجل قال: يا نبي الله ما أجد رقبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أنا بزائدك» فأنزل الله عليه: {فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 4] فقال: والله يا نبي الله ما أطيق الصوم، إني إذا لم آكل في اليوم كذا وكذا أكلة لقيت ولقيت، فجعل يشكو إليه، فقال: «ما أنا بزائدك» فنزلت: {فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4] حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، قال: ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز وجل: {التي تجادلك في زوجها} [المجادلة: 1] قال: تجادل محمدا صلى الله عليه وسلم، فهي تشتكي إلى الله عند كبره وكبرها حتى انتفض وانتفض رحمها.

Sección V22/P451

حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن 22P453 مجاهد، في قول الله {التي تجادلك في زوجها} [المجادلة: 1] قال: محمدا في زوجها قد ظاهر منها، وهي تشتكي إلى الله، ثم ذكر سائر الحديث نحوه حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أبان العطار، قال: ثنا هشام بن عروة، عن عروة، أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان: كتبت إلي تسألني عن خويلة ابنة أوس بن الصامت، وإنها ليست بابنة أوس بن الصامت، ولكنها امرأة أوس، وكان أوس امرأ به لمم، وكان إذا اشتد به لممه تظاهر منها، وإذا ذهب عنه لممه لم يقل من ذلك شيئا، فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستفتيه وتشتكي إلى الله، فأنزل الله ما سمعت، وذلك شأنهما حدثنا ابن بشار، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق، يحدث عن معمر بن عبد الله، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، قال: حدثتني خويلة، امرأة أوس بن الصامت، قالت: كان بيني وبينه شيء، تعني زوجها، فقال: أنت علي كظهر أمي، ثم خرج إلى نادي قومه، ثم رجع فراودني عن نفسي، فقالت: كلا والذي نفسي بيده حتى ينتهي أمري وأمرك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقضي في وفيك أمره، وكان شيخا كبيرا رقيقا، فغلبته بما تغلب به المرأة القوية الرجل الضعيف، ثم خرجت إلى جارة لها، فاستعارت ثيابها، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلست بين يديه، فذكرت له أمره، فما برحت حتى أنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قالت: لا يقدر على ذلك، قال: «إنا سنعينه على ذلك بفرق من تمر» . قلت: وأنا أعينه بفرق آخر، فأطعم ستين مسكينا حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن تميم، عن عروة، عن عائشة، قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا في ناحية البيت تشكو زوجها ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله} [المجادلة: 1] إلى آخر الآية حدثني عيسى بن عثمان الرملي، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة، قالت: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها، إن المرأة لتناجي النبي صلى الله عليه وسلم أسمع بعض كلامها، ويخفى علي بعض كلامها، إذ أنزل الله {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} [المجادلة: 1] حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة بن الزبير، قال: قالت عائشة: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة ابنة ثعلبة، ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول: يا رسول الله، أكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني، وانقطع ولدي، ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك.

Sección V22/P451–V22/P456

قال: فما برحت حتى نزل جبريل عليه السلام بهؤلاء الآيات {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} [المجادلة: 1] قال: زوجها أوس بن الصامت حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة، قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، إن خولة تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيخفى علي أحيانا بعض ما تقول، قالت: فأنزل الله عز وجل {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله} [المجادلة: 1] حدثنا الربيع بن سليمان، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن جميلة كانت امرأة أوس بن الصامت، وكان امرأ به لمم، وكان إذا اشتد به لممه ظاهر من امرأته، فأنزل الله عز وجل آية الظهار حدثني يحيى بن بشر القرقساني، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الرحمن الأموي، قال: ثنا خصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كان ظهار الجاهلية طلاقا، فأول من ظاهر في الإسلام أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت من امرأته الخزرجية، وهي خولة بنت ثعلبة بن مالك؛ فلما ظاهر منها حسبت أن يكون ذلك طلاقا، فأتت به نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن أوسا ظاهر مني، وإنا إن افترقنا هلكنا، وقد نثرت بطني منه، وقدمت صحبته؛ فهي تشكو ذلك وتبكي، ولم يكن جاء في ذلك شيء، فأنزل الله عز وجل: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} [المجادلة: 1] إلى قوله: {وللكافرين عذاب أليم} [البقرة: 104] فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أتقدر على رقبة تعتقها؟ » فقال: لا والله يا رسول الله، ما أقدر عليها. فجمع له رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أعتق عنه، ثم راجع أهله. 22P456 وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله بن مسعود: «قد سمع الله قول التي تحاورك في زوجها» وقوله: {وتشتكي إلى الله} [المجادلة: 1] يقول: وتشتكي المجادلة ما لديها من الهم بظهار زوجها منها إلى الله وتسأله الفرج {والله يسمع تحاوركما} [المجادلة: 1] يعني تحاور رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمجادلة خولة ابنة ثعلبة. {إن الله سميع بصير} [الحج: 75] يقول تعالى ذكره: {إن الله سميع} [البقرة: 181] لما يتجاوبانه ويتحاورانه، وغير ذلك من كلام خلقه، {بصير} [البقرة: 96] بما يعلمون، ويعمل جميع عباده 22P456

Sección V22/P456–V22/P458

[المجادلة: 2] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور} [المجادلة: 2] يقول تعالى ذكره: الذين يحرمون نساءهم على أنفسهم تحريم الله عليهم ظهور أمهاتهم، فيقولون لهن: أنتن علينا كظهور أمهاتنا، وذلك كان طلاق الرجل امرأته في الجاهلية. كذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا أيوب، عن أبي قلابة، قال: كان الظهار طلاقا في الجاهلية، الذي إذا تكلم به أحدهم لم يرجع في امرأته أبدا، فأنزل الله عز وجل فيه ما أنزل. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة سوى نافع، وعامة قراء الكوفة خلا عاصم: (يظاهرون) بفتح الياء وتشديد الظاء وإثبات الألف، وكذلك قرءوا الأخرى بمعنى: يتظاهرون، ثم أدغمت التاء في الظاء فصارتا ظاء مشددة. وذكر أنها في قراءة أبي: «يتظاهرون» وذلك تصحيح لهذه القراءة وتقوية لها؛ وقرأ ذلك نافع وأبو عمرو وكذلك بفتح الياء وتشديد الظاء، غير أنهما قرآه بغير ألف: (يظهرون) . وقرأ ذلك عاصم: {يظاهرون} [المجادلة: 3] بتخفيف الظاء وضم الياء وإثبات الألف. والصواب من القول في ذلك عندي أن كل هذه القراءات متقاربات المعاني. وأما (يظاهرون) فهو من تظاهر، فهو يتظاهر. وأما (يظهرون) فهو من تظهر فهو يتظهر، ثم أدغمت التاء في الظاء فقيل: يظهر. وأما {يظاهرون} [المجادلة: 2] فهو من ظاهر يظاهر، فبأية هذه القراءات الثلاث قرأ ذلك القارئ فمصيب وقوله: {ما هن أمهاتهم} [المجادلة: 2] يقول تعالى ذكره: ما نساؤهم اللائي يظاهرن منهن بأمهاتهم، فيقولوا لهن: أنتن علينا كظهر أمهاتنا، بل هن لهم حلال. وقوله: {إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم} [المجادلة: 2] لا اللائي قالوا لهن ذلك. وقوله: {وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا} [المجادلة: 2] يقول جل ثناؤه: وإن 22P458 الرجال ليقولون منكرا من القول الذي لا تعرف صحته؛ وزورا: يعني كذبا. كما: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، {منكرا من القول وزورا} [المجادلة: 2] قال: الزور: الكذب {وإن الله لعفو غفور} [المجادلة: 2] يقول جل ثناؤه: إن الله لذو عفو وصفح عن ذنوب عباده إذا تابوا منها وأنابوا، غفور لهم أن يعاقبهم عليها بعد التوبة 22P458

Preguntas