Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Sección V03/P283

حتى بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل زمن الحديبية بالعمرة، فدخل حجرة، فدخل رجل على أثره من الأنصار من بني سلمة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إني أحمس» قال الزهري: وكانت الحمس لا يبالون ذلك. فقال الأنصاري: وأنا أحمس، يقول: وأنا على دينك. فأنزل الله تعالى ذكره: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} [البقرة: 189] " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وليس البر بأن تأتوا البيوت} [البقرة: 189] الآية كلها. قال قتادة «كان هذا الحي من الأنصار في الجاهلية إذا أهل أحدهم بحج، أو عمرة لا يدخل دارا من بابها إلا أن يتسور حائطا تسورا، وأسلموا وهم كذلك. فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك ما تسمعون، ونهاهم عن صنيعهم ذلك، وأخبرهم أنه ليس من البر صنيعهم ذلك، وأمرهم أن يأتوا البيوت من أبوابها» حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن 03P287 السدي، قوله " {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} [البقرة: 189] فإن ناسا من العرب كانوا إذا حجوا لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها كانوا ينقبون في أدبارها، فلما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع أقبل يمشي ومعه رجل من أولئك وهو مسلم. فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم باب البيت احتبس الرجل خلفه وأبى أن يدخل قال: يا رسول الله إني أحمس يقول: إني محرم وكان أولئك الذين يفعلون ذلك يسمون الحمس. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأنا أيضا أحمس فادخل» فدخل الرجل، فأنزل الله تعالى ذكره: {وأتوا البيوت من أبوابها} [البقرة: 189] " حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها} [البقرة: 189] " وإن رجالا من أهل المدينة كانوا إذا خاف أحدهم من عدوه شيئا أحرم فأمن، فإذا أحرم لم يلج من باب بيته واتخذ نقبا من ظهر بيته. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كان بها رجل محرم كذلك، وأن أهل المدينة كانوا يسمون البستان: الحش. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل بستانا، فدخله من بابه، ودخل معه ذلك المحرم، فناداه رجل من ورائه: يا فلان إنك محرم وقد دخلت فقال: «أنا أحمس» ، فقال: يا رسول الله إن كنت محرما فأنا محرم، وإن كنت أحمس فأنا أحمس. فأنزل الله تعالى ذكره: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} [البقرة: 189] إلى آخر الآية. فأحل الله للمؤمنين أن يدخلوا البيوت من أبوابها " حدثت عن عمار بن الحسن، قال ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها} [البقرة: 189] قال " كان أهل المدينة وغيرهم إذا أحرموا لم يدخلوا البيوت إلا من ظهورها، وذلك أن يتسوروها، فكان إذا أحرم أحدهم لا يدخل البيت إلا أن يتسوره من قبل ظهره. وإن النبي صلى الله عليه وسلم دخل ذات يوم بيتا لبعض الأنصار، فدخل رجل على أثره ممن قد أحرم، فأنكروا ذلك عليه، وقالوا: هذا رجل فاجر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لم دخلت من الباب وقد أحرمت؟ » فقال: رأيتك يا رسول الله دخلت فدخلت على أثرك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني أحمس» وقريش يومئذ تدعى الحمس؛ فلما أن قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال الأنصاري: إن ديني دينك. فأنزل الله تعالى ذكره: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} [البقرة: 189] . .

Sección V03/P283–V03/P288

الآية " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قلت لعطاء، قوله: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} [البقرة: 189] قال «كان أهل الجاهلية يأتون البيوت من ظهورها ويرونه برا، فقال» البر، ثم نعت البر، وأمر بأن يأتوا البيوت من أبوابها " قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن كثير، أنه سمع مجاهدا يقول «كانت هذه الآية في الأنصار يأتون البيوت من ظهورها يتبررون بذلك» فتأويل الآية إذا: وليس البر أيها الناس بأن تأتوا البيوت في حال إحرامكم من ظهورها، ولكن البر من اتقى الله فخافه، وتجنب محارمه، وأطاعه بأداء فرائضه التي أمره بها، فأما إتيان البيوت من ظهورها فلا بر لله فيه، فأتوها من حيث 03P289 شئتم من أبوابها وغير أبوابها، ما لم تعتقدوا تحريم إتيانها من أبوابها في حال من الأحوال، فإن ذلك غير جائز لكم اعتقاده، لأنه مما لم أحرمه عليكم 03P288

Sección V03/P288

[البقرة: 189] القول في تأويل قوله تعالى: {واتقوا الله لعلكم تفلحون} [البقرة: 189] يعني تعالى ذكره بذلك: واتقوا الله أيها الناس فاحذروه، وارهبوه بطاعته فيما أمركم من فرائضه، واجتناب ما نهاكم عنه لتفلحوا فتنجحوا في طلباتكم لديه وتدركوا به البقاء في جناته، والخلود في نعيمه. وقد بينا معنى الفلاح فيما مضى قبل بما يدل عليه 03P289

Sección V03/P288–V03/P290

[البقرة: 190] القول في تأويل قوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [البقرة: 190] اختلف أهل التأويل في تأويل هذه الآية، فقال بعضهم: هذه الآية هي أول آية نزلت في أمر المسلمين بقتال أهل الشرك. وقالوا: أمر فيها المسلمون بقتال من قاتلهم من المشركين، والكف عمن كف عنهم، ثم نسخت ببراءة ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعد، وابن أبي جعفر، عن أبي جعفر، عن الربيع، في قوله: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [البقرة: 190] قال «هذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من يقاتله ويكف 03P290 عمن كف عنه حتى نزلت براءة» ولم يذكر عبد الرحمن «المدينة» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله " {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} [البقرة: 190] إلى آخر الآية. قال: قد نسخ هذا، وقرأ قول الله: {قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} [التوبة: 36] وهذه الناسخة، وقرأ: {براءة من الله ورسوله} [التوبة: 1] حتى بلغ: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] إلى: {إن الله غفور رحيم} [البقرة: 173] وقال آخرون: بل ذلك أمر من الله تعالى ذكره للمسلمين بقتال الكفار لم ينسخ، وإنما الاعتداء الذي نهاهم الله عنه هو نهيه عن قتل النساء، والذراري. قالوا: والنهي عن قتلهم ثابت حكمه اليوم. قالوا: فلا شيء نسخ من حكم هذه الآية ذكر من قال ذلك حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا أبي، عن صدقة الدمشقي، عن يحيى بن يحيى الغساني، قال " كتبت إلى عمر بن عبد العزيز، أسأله عن قوله: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [البقرة: 190] قال: فكتب إلي أن ذلك في النساء، والذرية ومن لم ينصب لك الحرب منهم " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ذكره " {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} [البقرة: 190] لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أمروا بقتال الكفار " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني علي بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [البقرة: 190] يقول «لا تقتلوا النساء، ولا الصبيان، ولا الشيخ الكبير، ولا من ألقى إليكم السلم وكف يده، فإن فعلتم هذا فقد اعتديتم» حدثني ابن البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن عبد العزيز، قال: كتب عمر بن عبد العزيز، إلى عدي بن أرطأة " إني وجدت آية في كتاب الله: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [البقرة: 190] أي لا تقاتل من لا يقاتلك، يعني النساء، والصبيان، والرهبان " وأولى هذين القولين بالصواب، القول الذي قاله عمر بن عبد العزيز؛ لأن دعوى المدعي نسخ آية يحتمل أن تكون غير منسوخة بغير دلالة على صحة دعواه تحكم، والتحكم لا يعجز عنه أحد. 03P292 وقد دللنا على معنى النسخ، والمعنى الذي من قبله يثبت صحة النسخ بما قد أغنى عن إعادته في هذه الموضع. فتأويل الآية إذا كان الأمر على ما وصفنا: وقاتلوا أيها المؤمنون في سبيل الله وسبيله: طريقه الذي أوضحه ودينه الذي شرعه لعباده. يقول لهم تعالى ذكره: قاتلوا في طاعتي، وعلى ما شرعت لكم من ديني، وادعوا إليه من ولى عنه، واستكبر بالأيدي، والألسن، حتى ينيبوا إلى طاعتي، أو يعطوكم الجزية صغارا إن كانوا أهل كتاب.

Sección V03/P290

وأمرهم تعالى ذكره بقتال من كان منه قتال من مقاتلة أهل الكفر دون من لم يكن منه قتال من نسائهم، وذراريهم، فإنهم أموال وخول لهم إذا غلب المقاتلون منهم فقهروا، فذلك معنى قوله: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} [البقرة: 190] لأنه أباح الكف عمن كف، فلم يقاتل من مشركي أهل الأوثان، والكافين عن قتال المسلمين من كفار أهل الكتاب على إعطاء الجزية صغارا. فمعنى قوله: {ولا تعتدوا} [البقرة: 190] لا تقتلوا وليدا ولا امرأة ولا من أعطاكم الجزية من أهل الكتابين " والمجوس {إن الله لا يحب المعتدين} [البقرة: 190] الذين يجاوزون حدوده، فيستحلون ما حرمه الله عليهم من قتل هؤلاء الذين حرم قتلهم من نساء المشركين وذراريهم 03P291

Sección V03/P290–V03/P293

[البقرة: 191] القول في تأويل قوله تعالى: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين} [البقرة: 191] 03P293 يعني تعالى ذكره: واقتلوا أيها المؤمنون الذين يقاتلونكم من المشركين حيث أصبتم مقاتلهم وأمكنكم قتلهم، وذلك هو معنى قوله: {حيث ثقفتموهم} [البقرة: 191] ومعنى الثقفة بالأمر: الحذق به والبصر، يقال: إنه لثقف لقف إذا كان جيد الحذر في القتال بصيرا بمواقع القتل. وأما التثقيف فمعنى غير هذا وهو التقويم؛ فمعنى: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} [البقرة: 191] اقتلوهم في أي مكان تمكنتم من قتلهم وأبصرتم مقاتلهم وأما قوله: {وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} [البقرة: 191] فإنه يعني بذلك المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ومنازلهم بمكة، فقال لهم تعالى ذكره: أخرجوا هؤلاء الذين يقاتلونكم وقد أخرجوكم من دياركم من مساكنكم وديارهم كما أخرجوكم منها 03P293 [البقرة: 191] القول في تأويل قوله تعالى: {والفتنة أشد من القتل} [البقرة: 191] يعني تعالى ذكره بقوله: {والفتنة أشد من القتل} [البقرة: 191] والشرك بالله أشد من القتل. وقد بينت فيما مضى أن أصل الفتنة الابتلاء، والاختبار فتأويل الكلام: وابتلاء المؤمن في دينه حتى يرجع عنه فيصير مشركا بالله من 03P294 بعد إسلامه أشد عليه وأضر من أن يقتل مقيما على دينه متمسكا عليه محقا فيه كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {والفتنة أشد من القتل} [البقرة: 191] قال «ارتداد المؤمن إلى الوثن أشد عليه من القتل » حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {والفتنة أشد من القتل} [البقرة: 191] يقول «الشرك أشد من القتل» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {والفتنة أشد من القتل} [البقرة: 191] يقول «الشرك أشد من القتل» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، {والفتنة أشد من القتل} [البقرة: 191] قال: الشرك " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج، أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد، في قوله: {والفتنة أشد من القتل} [البقرة: 191] قال " الفتنة: الشرك " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت الفضل بن خالد، قال: ثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك: {والفتنة أشد من القتل} [البقرة: 191] قال «الشرك أشد من القتل» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله جل ذكره " {والفتنة أشد من القتل} [البقرة: 191] قال: فتنة الكفر " 03P295

Sección V03/P293–V03/P297

[البقرة: 191] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين} [البقرة: 191] والقراء مختلفة في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة ومكة: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم} [البقرة: 191] بمعنى: ولا تبتدئوا أيها المؤمنون المشركين بالقتال عند المسجد الحرام حتى يبدءوكم به، فإن بدءوكم به هنالك عند المسجد الحرام في الحرم فاقتلوهم، فإن الله جعل ثواب الكافرين على كفرهم، وأعمالهم السيئة القتل في الدنيا، والخزي الطويل في الآخرة كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} [البقرة: 191] كانوا لا يقاتلون فيه حتى يبدءوا بالقتال. ثم نسخ بعد ذلك فقال: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [البقرة: 193] حتى لا يكون 03P296 شرك {ويكون الدين لله} [البقرة: 193] أن يقال: لا إله إلا الله، عليها قاتل نبي الله وإليها دعا " حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا همام، عن قتادة: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم} [البقرة: 191] فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن لا يقاتلهم عند المسجد الحرام إلا أن يبدءوا فيه بقتال، ثم نسخ الله ذلك بقوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] فأمر الله نبيه إذا انقضى الأجل أن يقاتلهم في الحل، والحرم وعند البيت، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله " حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} [البقرة: 191] فكانوا لا يقاتلونهم فيه، ثم نسخ ذلك بعد، فقال: {قاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [البقرة: 193] " وقال بعضهم: هذه آية محكمة غير منسوخة ذكر من قال ذلك حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن 03P297 مجاهد، {فإن قاتلوكم} [البقرة: 191] في الحرم {فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين} [البقرة: 191] لا تقاتل أحدا فيه أبدا، فمن عدا عليك فقاتلك فقاتله كما يقاتلك " وقرأ ذلك عظم قراء الكوفيين: (ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم) بمعنى: ولا تبدءوهم بقتل حتى يبدءوكم به ذكر من قال ذلك حدثنا المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، عن أبي حماد، عن حمزة الزيات، قال: قلت للأعمش: أرأيت قراءتك: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم} [البقرة: 192] إذا قتلوهم كيف يقتلونهم؟ قال " إن العرب إذا قتل منهم رجل، قالوا: قتلنا، وإذا ضرب منهم رجل قالوا: ضربنا " وأولى هاتين القراءتين بالصواب قراءة من قرأ: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم} [البقرة: 191] لأن الله تعالى ذكره لم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه في حال إذا قاتلهم المشركون بالاستسلام لهم حتى يقتلوا منهم قتيلا بعد ما أذن له ولهم بقتالهم، فتكون القراءة بالإذن بقتلهم بعد أن يقتلوا منهم أولى من القراءة بما اخترنا. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أنه قد كان تعالى ذكره أذن لهم بقتالهم إذا كان ابتداء القتال من المشركين قبل أن يقتلوا منهم قتيلا، وبعد أن يقتلوا منهم قتيلا. وقد نسخ الله تعالى ذكره هذه الآية بقوله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [البقرة: 193] وقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] ونحو ذلك من الآيات.

Sección V03/P297

وقد ذكرنا بعض قول من قال هي منسوخة، وسنذكر قول من حضرنا ذكره ممن لم يذكر حدثنا الحسن بن يحيى، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} [البقرة: 191] قال: نسخها قوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} [البقرة: 191] قال «حتى يبدءوكم كان هذا قد حرم، فأحل الله ذلك له، فلم يزل ثابتا حتى أمره الله بقتالهم بعد» 03P298

Sección V03/P297–V03/P300

[البقرة: 192] القول في تأويل قوله تعالى: {فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم} [البقرة: 192] يعني تعالى ذكره بذلك: فإن انتهى الكافرون الذين يقاتلونكم عن قتالكم وكفرهم بالله، فتركوا ذلك وتابوا، فإن الله غفور لذنوب من آمن منهم وتاب من شركه، وأناب إلى الله من معاصيه التي سلفت منه وأيامه التي 03P299 مضت، رحيم به في آخرته بفضله عليه، وإعطائه ما يعطي أهل طاعته من الثواب بإنابته إلى محبته من معصيته كما حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، فإن انتهوا فإن تابوا فإن الله غفور رحيم " 03P299 [البقرة: 193] القول في تأويل قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} [البقرة: 193] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وقاتلوا المشركين الذين يقاتلونكم {حتى لا تكون فتنة} [البقرة: 193] يعني: حتى لا يكون شرك بالله، وحتى لا يعبد دونه أحد، وتضمحل عبادة الأوثان، والآلهة، والأنداد، وتكون العبادة، والطاعة لله وحده دون غيره من الأصنام، والأوثان؛ كما قال قتادة فيما حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [البقرة: 193] قال «حتى لا يكون شرك» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [البقرة: 193] قال «حتى لا يكون شرك» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [البقرة: 193] قال: الشرك {ويكون الدين لله 03P300 } [البقرة: 193] " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني موسى بن هارون، قال ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [البقرة: 193] قال " أما الفتنة: فالشرك " حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [البقرة: 193] يقول «قاتلوا حتى لا يكون شرك» حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، " {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [البقرة: 193] أي شرك " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله " {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [البقرة: 193] قال " حتى لا يكون كفر، وقرأ: {تقاتلونهم أو يسلمون} [الفتح: 16] " حدثني علي بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [البقرة: 193] يقول: شرك " وأما الدين الذي ذكره الله في هذا الموضع فهو العبادة والطاعة لله في 03P301 أمره ونهيه، من ذلك قول الأعشى: [+البحر الخفيف] هو دان الرباب إذ كرهوا الدي ن دراكا بغزوة، وصيال يعني بقوله: إذ كرهوا الدين: إذ كرهوا الطاعة وأبوها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع {ويكون الدين لله} [البقرة: 193] يقول: حتى لا يعبد إلا الله، وذلك لا إله إلا الله؛ عليه قاتل النبي صلى الله عليه وسلم وإليه دعا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ويكون الدين لله} [البقرة: 193] أن يقال: لا إله إلا الله. ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إن الله أمرني أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» . ثم ذكر مثل حديث الربيع 03P301

Sección V03/P300–V03/P303

[البقرة: 193] القول في تأويل قوله تعالى: {فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} [البقرة: 193] يعني تعالى ذكره بقوله: {فإن انتهوا} [البقرة: 192] فإن انتهى الذين يقاتلونكم من الكفار عن قتالكم، ودخلوا في ملتكم، وأقروا بما ألزمكم الله من فرائضه، وتركوا ما هم عليه من عبادة الأوثان، فدعوا الاعتداء عليهم، وقتالهم، وجهادهم، فإنه لا ينبغي أن يعتدى إلا على الظالمين وهم المشركون بالله، والذين تركوا عبادته وعبدوا غير خالقهم. فإن قال قائل: وهل يجوز الاعتداء على الظالم فيقال: {فلا عدوان إلا على الظالمين} [البقرة: 193] قيل: إن المعنى في ذلك غير الوجه الذي ذهبت، وإنما ذلك على وجه المجازاة لما كان من المشركين من الاعتداء، يقول: افعلوا بهم مثل الذي فعلوا بكم، كما يقال: إن تعاطيت مني ظلما تعاطيته منك، والثاني ليس بظلم، كما قال عمرو بن شأس الأسدي. [+البحر الطويل] جزينا ذوي العدوان بالأمس قرضهم قصاصا سواء حذوك النعل بالنعل وإنما كان ذلك نظير قوله: {الله يستهزئ بهم} [البقرة: 15] و {فيسخرون منهم سخر الله منهم} [التوبة: 79] وقد بينا وجه ذلك ونظائره فيما مضى قبل. وبالذي قلنا في ذلك من التأويل قال جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن 03P303 قتادة، قوله " {فلا عدوان إلا على الظالمين} [البقرة: 193] والظالم الذي أبى أن يقول لا إله إلا الله " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، " {فلا عدوان إلا على الظالمين} [البقرة: 193] قال: هم المشركون " حدثني المثنى، قال. ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عثمان بن غياث، قال: سمعت عكرمة، في هذه الآية: {فلا عدوان إلا على الظالمين} [البقرة: 193] قال «هم من أبى أن يقول لا إله إلا الله» وقال آخرون: معنى قوله. {فلا عدوان إلا على الظالمين} [البقرة: 193] فلا تقاتل إلا من قاتل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} [البقرة: 193] يقول «لا تقاتلوا إلا من قاتلكم» حدثني المثنى، قال. ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال {فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} [البقرة: 193] فإن الله لا يحب العدوان على الظالمين ولا على غيرهم، ولكن يقول: اعتدوا عليهم بمثل ما اعتدوا عليكم " فكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول في قوله {فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} [البقرة: 193] لا يجوز أن يقول فإن انتهوا، إلا وقد علم أنهم لا ينتهون إلا بعضهم، فكأنه قال: فإن انتهى بعضهم فلا عدوان إلا على الظالمين منهم، فأضمر كما قال: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196] يريد فعليه ما استيسر من الهدي، وكما تقول: إلى من تقصد أقصد، يعني إليه. وكان بعضهم ينكر الإضمار في ذلك ويتأوله، فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم لمن انتهى، ولا عدوان إلا على الظالمين الذين لا ينتهون 03P304

Sección V03/P303–V03/P305

[البقرة: 194] القول في تأويل قوله تعالى: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين} [البقرة: 194] يعني بقوله جل ثناؤه {الشهر الحرام بالشهر الحرام} [البقرة: 194] ذا القعدة، وهو الشهر الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر فيه عمرة الحديبية، فصده مشركو أهل مكة عن البيت ودخول مكة، وكل ذلك سنة ست من هجرته، وصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين في تلك السنة، على أن يعود من العام المقبل، فيدخل مكة ويقيم ثلاثا، فلما كان العام المقبل، وذلك سنة سبع من هجرته خرج معتمرا وأصحابه في ذي القعدة، وهو الشهر الذي كان المشركون صدوه عن البيت فيه في سنة ست، وأخلى له أهل مكة البلد، حتى دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى حاجته منها، وأتم عمرته، وأقام بها ثلاثا، ثم خرج منها منصرفا إلى المدينة، فقال الله جل ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمسلمين معه: {الشهر الحرام} [البقرة: 194] يعني ذا القعدة الذي أوصلكم الله فيه إلى حرمه بيته على كراهة مشركي قريش ذلك حتى قضيتم منه وطركم {بالشهر الحرام} [البقرة: 194] الذي صدكم مشركو قريش العام الماضي قبله فيه، حتى انصرفتم عن كره منكم عن الحرام، فلم تدخلوه ولم تصلوا إلى بيت الله، فأقصدكم الله أيها المؤمنون من المشركين بإدخالكم الحرم في الشهر الحرام على كره منهم لذلك، بما كان منهم إليكم في الشهر الحرام من الصد والمنع من الوصول إلى البيت كما حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا يوسف يعني ابن خالد السمتي، قال: ثنا نافع بن مالك، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: {والحرمات قصاص} [البقرة: 194] قال «هم المشركون حبسوا محمدا صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة، فرجعه الله في ذي القعدة، فأدخله البيت الحرام، فاقتص له منهم» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله جل ثناؤه: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص} [البقرة: 194] قال «فخرت قريش بردها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية محرما في ذي القعدة عن البلد الحرام، فأدخله الله مكة في العام المقبل من ذي القعدة فقضى عمرته، وأقصه بما حيل بينه وبينها يوم الحديبية» 03P306 حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص} [البقرة: 194] " أقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فاعتمروا في ذي القعدة ومعهم الهدي، حتى إذا كانوا بالحديبية صدهم المشركون، فصالحهم نبي الله صلى الله عليه وسلم على أن يرجع من عامه ذلك، حتى يرجع من العام المقبل، فيكون بمكة ثلاثة أيام، ولا يدخلها إلا بسلاح راكب ويخرج، ولا يخرج بأحد من أهل مكة، فنحروا الهدي بالحديبية، وحلقوا، وقصروا.

Sección V03/P305–V03/P307

حتى إذا كان من العام المقبل أقبل نبي الله وأصحابه حتى دخلوا مكة، فاعتمروا في ذي القعدة، فأقاموا بها ثلاث ليال، فكان المشركون قد فخروا عليه حين ردوه يوم الحديبية، فأقصه الله منهم، فأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كانوا ردوه فيه في ذي القعدة، فقال الله: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص} [البقرة: 194] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، وعن عثمان، عن مقسم، في قوله: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص} [البقرة: 194] قالا «كان هذا في سفر الحديبية، صد المشركون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت في الشهر الحرام، فقاضوا المشركين يومئذ قضية» إن لكم أن «تعتمروا في العام المقبل» في هذا الشهر الذي صدوهم فيه، فجعل الله تعالى ذكره لهم شهرا حراما يعتمرون فيه مكان شهرهم الذي صدوا، فلذلك قال: {والحرمات قصاص} [البقرة: 194] " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص} [البقرة: 194] قال «لما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست من مهاجره صده المشركون، وأبوا أن يتركوه، ثم إنهم صالحوه في صلحهم على أن يخلوا له مكة من عام قابل ثلاثة أيام يخرجون، ويتركونه فيها، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر من السنة السابعة، فخلوا له مكة ثلاثة أيام، فنكح في عمرته تلك ميمونة بنت الحارث الهلالية» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص} [البقرة: 194] " أحصروا النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة عن البيت الحرام، فأدخله الله البيت الحرام العام المقبل، واقتص له منهم، فقال: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص} [البقرة: 194] " حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال " أقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأحرموا بالعمرة في ذي القعدة ومعهم الهدي، حتى إذا كانوا بالحديبية صدهم المشركون، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجع ذلك العام حتى يرجع العام المقبل، فيقيم بمكة ثلاثة أيام، ولا يخرج معه بأحد من أهل مكة. فنحروا الهدي بالحديبية، وحلقوا، وقصروا. حتى إذا كانوا من العام المقبل، أقبل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى دخلوا مكة، فاعتمروا في ذي القعدة وأقاموا بها ثلاثة أيام، وكان المشركون قد فخروا عليه حين ردوه يوم الحديبية، فقاص الله له منهم، وأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كانوا ردوه فيه في ذي القعدة. قال الله جل ثناؤه: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص} [البقرة: 194] " حدثني محمد بن سعد، قال: ثنا أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله " {والحرمات قصاص} [البقرة: 194] فهم المشركون كانوا حبسوا محمدا صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة عن البيت، ففخروا عليه بذلك، فرجعه الله في ذي القعدة، فأدخله الله البيت الحرام واقتص له منهم " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله " {الشهر الحرام بالشهر الحرام} [البقرة: 194] حتى فرغ من الآية.

Sección V03/P307

قال: هذا كله قد نسخ، أمره أن يجاهد المشركين وقرأ: {قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} [التوبة: 36] وقرأ: {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} [التوبة: 123] العرب، فلما فرغ منهم، قال الله جل ثناؤه: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله} [التوبة: 29] حتى بلغ قوله: {وهم صاغرون} [التوبة: 29] قال: وهم الروم قال: فوجه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب الثقفي، قال: ثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، في هذه الآية: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص} [البقرة: 194] قال «أمركم الله بالقصاص، ويأخذ منكم العدوان» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء، وسألته عن قوله: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص} [البقرة: 194] قال: " نزلت في الحديبية، منعوا في الشهر الحرام، فنزلت: {الشهر الحرام بالشهر الحرام} [البقرة: 194] عمرة في شهر حرام بعمرة في شهر حرام " وإنما سمى الله جل ثناؤه ذا القعدة الشهر الحرام؛ لأن العرب في الجاهلية كانت تحرم فيه القتال والقتل وتضع فيه السلاح، ولا يقتل فيه أحد أحدا ولو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه. وإنما كانوا سموه ذا القعدة لقعودهم فيه عن المغازي، والحروب، فسماه الله بالاسم الذي كانت العرب تسميه به. وأما الحرمات فإنها جمع حرمة كالظلمات جمع ظلمة، والحجرات جمع حجرة. وإنما قال جل ثناؤه: {والحرمات قصاص} [البقرة: 194] فجمع، لأنه أراد الشهر الحرام والبلد الحرام وحرمة الإحرام، فقال جل ثناؤه لنبيه محمد والمؤمنين معه: دخولكم الحرم بإحرامكم هذا في شهركم هذا الحرام قصاص مما منعتم من مثله عامكم الماضي، وذلك هو الحرمات التي جعلها الله قصاصا. وقد بينا أن القصاص هو المجازاة من جهة الفعل أو القول أو البدن، وهو في هذا الموضع من جهة الفعل 03P309

Sección V03/P307–V03/P311

[البقرة: 194] القول في تأويل قوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] اختلف أهل التأويل فيما نزل فيه قوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا 03P310 عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] فقال بعضهم بما حدثني به المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] فهذا ونحوه نزل بمكة والمسلمون يومئذ قليل، وليس لهم سلطان يقهر المشركين، وكان المشركون يتعاطونهم بالشتم، والأذى، فأمر الله المسلمين من يجازي منهم أن يجازي بمثل ما أوتي إليه أو يصبر أو يعفو فهو أمثل فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأعز الله سلطانه أمر المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سلطانهم، وأن لا يعدو بعضهم على بعض كأهل الجاهلية " وقال آخرون: بل معنى ذلك: فمن قاتلكم أيها المؤمنون من المشركين، فقاتلوهم كما قاتلوكم. وقالوا: نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وبعد عمرة القضية ذكر من قال ذلك حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد، " {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] فقاتلوهم فيه كما قاتلوكم " وأشبه التأويلين بما دل عليه ظاهر الآية الذي حكي عن مجاهد، لأن الآيات قبلها إنما هي أمر من الله للمؤمنين بجهاد عدوهم على صفة، وذلك قوله : {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} [البقرة: 190] والآيات بعدها، وقوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} [البقرة: 194] إنما هو في سياق الآيات التي فيها الأمر بالقتال، والجهاد، والله جل ثناؤه إنما فرض القتال على المؤمنين بعد الهجرة فمعلوم بذلك أن قوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] مدني لا مكي، إذ كان فرض قتال المشركين لم يكن وجب على المؤمنين بمكة، وأن قوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] نظير قوله: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} [البقرة: 190] وأن معناه : فمن اعتدى عليكم في الحرم فقاتلكم فاعتدوا عليه بالقتال نحو اعتدائه عليكم بقتاله إياكم، لأني قد جعلت الحرمات قصاصا، فمن استحل منكم أيها المؤمنون من المشركين حرمة في حرمي، فاستحلوا منه مثله فيه. وهذه الآية منسوخة بإذن الله لنبيه بقتال أهل الحرم ابتداء في الحرم وقوله: {وقاتلوا المشركين كافة} [التوبة: 36] على نحو ما ذكرنا من أنه بمعنى المجازاة وإتباع لفظ لفظا وإن اختلف معناهما، كما قال: {ومكروا ومكر الله} [آل عمران: 54] وقد قال: {فيسخرون منهم سخر الله منهم} [التوبة: 79] وما أشبه ذلك مما أتبع لفظ لفظا واختلف المعنيان. والآخر أن يكون بمعنى العدو الذي هو شد ووثوب من قول القائل: عدا الأسد على فريسته. فيكون معنى الكلام: فمن عدا عليكم: أي فمن شد عليكم ووثب بظلم، فاعدوا عليه أي فشدوا عليه وثبوا نحوه قصاصا لما فعل بكم لا ظلما ثم تدخل التاء في «عدا» ، فيقال افتعل مكان فعل، كما يقال: اقترب هذا الأمر بمعنى قرب، واجتلب كذا بمعنى جلب، وما أشبه ذلك 03P312 [البقرة: 194] القول في تأويل قوله تعالى: {واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين} [البقرة: 194] يعني جل ثناؤه بذلك: واتقوا الله أيها المؤمنون في حرماته، وحدوده أن تعتدوا فيها فتتجاوزوا فيها ما بينه وحده لكم، واعلموا أن الله يحب المتقين الذين يتقونه بأداء فرائضه وتجنب محارمه 03P312

Sección V03/P311–V03/P312

[البقرة: 195] القول في تأويل قوله تعالى: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} [البقرة: 195] اختلف أهل التأويل في تأويل هذه الآية، ومن عنى بقوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] فقال بعضهم: عنى بذلك: {وأنفقوا في سبيل الله} [البقرة: 195] وسبيل الله: طريقه الذي أمر أن يسلك فيه إلى عدوه من المشركين لجهادهم، وحربهم {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] يقول: ولا تتركوا النفقة في سبيل الله، فإن الله يعوضكم 0 منها أجرا ويرزقكم عاجلا ذكر من قال ذلك حدثني أبو السائب، سلم بن جنادة، والحسن بن عرفة قالا: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سفيان، عن حذيفة، " {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] قال: يعني في ترك 03P313 النفقة " حدثني محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، وحدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، وحدثني محمد بن خلف العسقلاني قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن الأعمش، وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا سفيان، عن عاصم جميعا، عن شقيق، عن حذيفة، قال: هو ترك النفقة في سبيل الله حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن أبي صالح، عن عبد الله بن عباس، أنه قال في هذه الآية: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] قال «تنفق في سبيل الله وإن لم يكن لك إلا مشقص، أو سهم، شعبة الذي يشك في ذلك» حدثنا ابن المثنى، قال ثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن منصور، عن أبي صالح الذي كان يحدث عنه الكلبي، عن ابن عباس، قال: إن لم يكن لك إلا سهم، 03P314 أو مشقص أنفقته حدثني ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن أبي صالح، عن ابن عباس، " {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] قال: في النفقة " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو بن أبي قيس، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] قال «ليس التهلكة أن يقتل الرجل في سبيل الله، ولكن الإمساك عن النفقة في سبيل الله» حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عكرمة، قال " نزلت في النفقات في سبيل الله، يعني قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] " حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي، أنه كان يقول في هذه الآية: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] قال " كان القوم في سبيل الله، فيتزود الرجل، فكان أفضل زادا من الآخر أنفق البائس من زاده حتى لا يبقى من زاده شيء أحب أن يواسي صاحبه، فأنزل الله: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] " حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثنا آدم، قال: ثنا شيبان، عن 03P315 منصور بن المعتمر، عن أبي صالح مولى أم هانئ، عن ابن عباس، في قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] قال «لا يقولن أحدكم إني لا أجد شيئا إن لم يجد إلا مشقصا فليتجهز به في سبيل الله» حدثنا ابن عبد الأعلى الصنعاني، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت داود يعني ابن أبي هند، عن عامر، " أن الأنصار، كان احتبس عليهم بعض الرزق، وكانوا قد أنفقوا نفقات، قال: فساء ظنهم وأمسكوا.

Sección V03/P312–V03/P317

قال: فأنزل الله: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] قال: وكانت التهلكة سوء ظنهم وإمساكهم " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] قال «تمنعكم نفقة في حق خيفة العيلة» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] قال: وكان قتادة يحدث أن 03P316 الحسن حدثه " أنهم كانوا يسافرون ويغزون ولا ينفقون من أموالهم، أو قال: لا ينفقون في ذلك، فأمرهم الله أن ينفقوا في مغازيهم في سبيل الله " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] يقول «لا تمسكوا بأيديكم عن النفقة في سبيل الله» حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وأنفقوا في سبيل الله} [البقرة: 195] يقول " أنفق في سبيل الله ولو عقالا {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] تقول: ليس عندي شيء " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا زهير ، قال: ثنا خصيف، عن عكرمة، في قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] قال " لما أمر الله بالنفقة فكانوا أو بعضهم يقولون: ننفق فيذهب مالنا ولا يبقى لنا شيء، قال: فقال أنفقوا ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، قال: أنفقوا وأنا أرزقكم " حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن، قال «نزلت في النفقة» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: أخبرنا ابن همام الأهوازي، قال: 03P317 أخبرنا يونس، عن الحسن، في التهلكة. قال «أمرهم الله بالنفقة في سبيل الله. وأخبرهم أن ترك النفقة في سبيل الله التهلكة» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: سألت عطاء، عن قوله: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] قال: يقول «أنفقوا في سبيل الله ما قل وكثر» قال: وقال لي عبد الله بن كثير «نزلت في النفقة في سبيل الله» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور. عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال " لا يقولن الرجل: لا أجد شيئا قد هلكت. فليتجهز ولو بمشقص " حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي. قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله. {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] يقول «أنفقوا ما كان من قليل أو كثير. ولا تستسلموا، ولا تنفقوا شيئا فتهلكوا» حدثني المثنى، قال ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قال " التهلكة: أن يمسك الرجل نفسه، وماله عن النفقة في الجهاد في سبيل الله " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، عن يونس، عن الحسن، في قوله " {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] فتدعوا النفقة في سبيل الله " 03P318 وقال آخرون ممن وجهوا تأويل ذلك إلى أنه معنية به النفقة: معنى ذلك: وأنفقوا في سبيل الله، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة. فتخرجوا في سبيل الله بغير نفقة، ولا قوة ذكر من قال ذلك حدثني يونس ، قال.

Sección V03/P317–V03/P318

أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] قال «إذا لم يكن عندك ما تنفق فلا تخرج بنفسك بغير 03P319 نفقة، ولا قوة فتلقي بيديك إلى التهلكة» وقال آخرون: بل معناه أنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم فيما أصبتم من الآثام إلى التهلكة، فتيأسوا من رحمة الله، ولكن ارجوا رحمته واعملوا الخيرات ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، في قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] قال " هو الرجل يصيب الذنوب فيلقي بيده إلى التهلكة، يقول: لا توبة لي " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: ثنا أبو إسحاق، عن البراء، قال: سأله رجل أحمل على المشركين وحدي فيقتلوني أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة؟ فقال " لا، إنما التهلكة في النفقة بعث الله رسوله، فقال: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} [النساء: 84] " حدثنا الحسن بن عرفة، وابن وكيع، قالا: ثنا وكيع بن الجراح، عن سفيان 03P320 الثوري، عن أبي إسحاق السبيعي، عن البراء بن عازب، في قول الله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] قال " هو الرجل يذنب الذنب فيقول: لا يغفر الله له " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء، وسأله رجل فقال " يا أبا عمارة أرأيت قول الله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] أهو الرجل يتقدم فيقاتل حتى يقتل؟ قال «لا، ولكنه الرجل يعمل بالمعاصي، ثم يلقي بيده ولا يتوب» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء، وسأله رجل فقال " الرجل يحمل على كتيبة وحده فيقاتل، أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ فقال: لا، ولكن التهلكة " أن يذنب الذنب فيلقي بيده، فيقول: لا تقبل لي توبة " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن الجراح، عن أبي إسحاق، قال: قلت للبراء بن عازب، يا أبا عمارة، الرجل يلقى ألفا من العدو فيحمل عليهم وإنما هو وحده، أيكون ممن قال: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] فقال " لا، ليقاتل حتى يقتل، قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} [النساء: 84] " حدثنا مجاهد بن موسى، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا هشام، وحدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن هشام، عن محمد، قال: وسألت عبيدة، عن قول 03P321 الله: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] الآية. فقال عبيدة " كان الرجل يذنب الذنب قال: حسبته قال: العظيم فيلقي بيده فيستهلك " زاد يعقوب في حديثه: فنهوا عن ذلك، فقيل: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا هشام، عن ابن سيرين، قال: سألت عبيدة السلماني، عن ذلك، فقال " هو الرجل يذنب الذنب فيستسلم ويلقي بيده إلى التهلكة، ويقول: لا توبة له.

Sección V03/P318–V03/P321

يعني قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، عن محمد، عن عبيدة في قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] قال «كان الرجل يصيب الذنب فيلقي بيده» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبيدة، " {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] قال: القنوط " حدثنا المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن يونس، وهشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني، قال " هو الرجل يذنب الذنب فيستسلم، يقول: لا توبة لي، فيلقي بيده " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: 03P322 حدثني أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة، أنه قال «هي في الرجل يصيب الذنب العظيم، فيلقي بيده ويرى أنه قد هلك» وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأنفقوا في سبيل الله ولا تتركوا الجهاد في سبيله ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني حيوة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران، قال: غزونا من المدينة نريد القسطنطينية وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد. قال: فصففنا صفين، لم أر صفين قط أعرض ولا أطول منهما، والروم ملصقون ظهورهم بحائط المدينة، قال: فحمل رجل منا على العدو، فقال الناس: مه لا إله إلا الله، يلقي بيده إلى التهلكة قال أبو أيوب الأنصاري، إنما تتأولون هذه الآية هكذا إن حمل رجل يقاتل يلتمس الشهادة أو يبلي من نفسه إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار. إنا لما نصر الله نبيه، وأظهر الإسلام، قلنا: بيننا معشر الأنصار خفيا من رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا قد كنا تركنا أهلنا، وأموالنا أن نقيم فيها ونصلحها حتى نصر الله نبيه، هلم نقيم في أموالنا، ونصلحها فأنزل الله الخبر من السماء: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] الآية، فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها، وندع الجهاد. قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية " حدثني محمد بن عمارة الأسدي، وعبد الله بن أبي زياد، قالا: ثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد، قال: أخبرني حيوة، وابن لهيعة، قالا: ثنا يزيد بن أبي حبيب، قال: حدثني أسلم أبو عمران مولى تجيب، قال: كنا بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر الجهني، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج من المدينة صف عظيم من الروم، قال: وصففنا صفا عظيما من المسلمين، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، ثم خرج إلينا مقبلا، فصاح الناس، وقالوا: سبحان الله، ألقى بيده إلى التهلكة فقام أبو أيوب الأنصاري، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية على هذا التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار: إنا لما أعز الله دينه، وكثر ناصريه، قلنا: فيما بيننا بعضنا لبعض سرا من رسول الله إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنا أقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله في كتابه يرد علينا ما هممنا به، فقال: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] بالإقامة التي أردنا أن نقيم في الأموال ونصلحها، فأمرنا بالغزو، فما زال أبو أيوب غازيا في سبيل الله حتى قبضه الله " 03P324 والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله جل ثناؤه أمر بالإنفاق في سبيله بقوله: {وأنفقوا في سبيل الله} [البقرة: 195] وسبيله: طريقه الذي شرعه لعباده وأوضحه لهم.

Sección V03/P321–V03/P323

ومعنى ذلك: وأنفقوا في إعزاز ديني الذي شرعته لكم بجهاد عدوكم الناصبين لكم الحرب على الكفر بي ونهاهم أن يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، فقال: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] وذلك مثل، والعرب تقول للمستسلم للأمر: أعطى فلان بيديه، وكذلك يقال للممكن من نفسه مما أريد به أعطى بيديه. فمعنى قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] ولا تستسلموا للهلكة فتعطوها أزمتكم فتهلكوا والتارك النفقة في سبيل الله عند وجوب ذلك عليه مستسلم للهلكة بتركه أداء فرض الله عليه في ماله. وذلك أن الله جل ثناؤه جعل أحد سهام الصدقات المفروضات الثمانية في سبيله، فقال: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة: 60] إلى قوله: {وفي سبيل الله وابن السبيل} [التوبة: 60] فمن ترك إنفاق ما لزمه من ذلك في سبيل الله على ما لزمه كان للهلكة مستسلما وبيديه للتهلكة ملقيا. وكذلك الآيس من رحمة الله لذنب سلف منه ملق بيديه إلى التهلكة؛ لأن الله قد نهى عن ذلك فقال: {ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} [يوسف: 87] وكذلك التارك غزو المشركين وجهادهم في حال وجوب ذلك عليه في حال حاجة المسلمين إليه، مضيع فرضا، 03P325 ملق بيده إلى التهلكة. فإذا كانت هذه المعاني كلها يحتملها قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] ولم يكن الله عز وجل خص منها شيئا دون شيء، فالصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله نهى عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا، والاستسلام للهلكة، وهي العذاب، بترك ما لزمنا من فرائضه، فغير جائز لأحد منا الدخول في شيء يكره الله منا مما نستوجب بدخولنا فيه عذابه. غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن الأغلب من تأويل الآية: وأنفقوا أيها المؤمنون في سبيل الله، ولا تتركوا النفقة فيها فتهلكوا باستحقاقكم بترككم ذلك عذابي كما حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] قال " التهلكة: عذاب الله " قال أبو جعفر: فيكون ذلك إعلاما منه لهم بعد أمره إياهم بالنفقة ما لمن ترك النفقة المفروضة عليه في سبيله من العقوبة في المعاد. فإن قال قائل: فما وجه إدخال الباء في قوله. {ولا تلقوا بأيديكم} [البقرة: 195] وقد علمت أن المعروف من كلام العرب ألقيت إلى فلان درهما، دون ألقيت إلى فلان بدرهم؟ قيل: قد قيل إنها زيدت نحو زيادة القائل في الباء في قوله: جذبت بالثوب، وجذبت الثوب، وتعلقت به، وتعلقته، و {تنبت بالدهن} [المؤمنون: 20] وإنما 03P326 هو تنبت الدهن. وقال آخرون: الباء في قوله: {ولا تلقوا بأيديكم} [البقرة: 195] أصل للكلمة، لأن كل فعل واقع كني عنه فهو مضطر إليها، نحو قولك في رجل: «كلمته» ، فأردت الكناية عن فعله، فإذا أردت ذلك قلت: «فعلت به» قالوا: فلما كان الباء هي الأصل جاز إدخال الباء وإخراجها في كل فعل سبيله سبيل كلمته. وأما التهلكة، فإنها التفعلة من الهلاك 03P325

Sección V03/P323–V03/P327

[البقرة: 195] القول في تأويل قوله تعالى: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} [البقرة: 195] يعني جل ثناؤه بقوله: {وأحسنوا} [البقرة: 195] أحسنوا أيها المؤمنون في أداء ما ألزمتكم من فرائضي، وتجنب ما أمرتكم بتجنبه من معاصي، ومن الإنفاق في سبيلي. وعود القوي منكم على الضعيف ذي الخلة، فإني أحب المحسنين في ذلك كما حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا زيد بن الحباب، قال: أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن رجل من الصحابة، في قوله " {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} [البقرة: 195] قال: أداء الفرائض " 03P327 وقال بعضهم: معناه: أحسنوا الظن بالله ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} [البقرة: 195] قال «أحسنوا الظن بالله يبركم» وقال آخرون: أحسنوا بالعود على المحتاج ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله " {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} [البقرة: 195] عودوا على من ليس في يده شيء " 03P327

Preguntas