Taberî — Câmiü'l-Beyân
والصواب في ذلك من القول والتأويل عندنا، أن معنى الاستهزاء في كلام العرب: إظهار المستهزئ للمستهزإ به من القول والفعل ما يرضيه ويوافقه ظاهرا، وهو بذلك من قيله وفعله به مورثه مساءة باطنا، وكذلك معنى الخداع والسخرية والمكر. وإذ كان ذلك كذلك، وكان الله جل ثناؤه قد جعل لأهل النفاق في الدنيا من الأحكام بما أظهروا بألسنتهم من الإقرار بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله المدخل لهم في عداد من يشمله اسم الإسلام وإن كانوا لغير ذلك مستبطنين من أحكام المسلمين المصدقين إقرارهم بألسنتهم بذلك بضمائر قلوبهم وصحائح عزائمهم وحميد أفعالهم المحققة لهم صحة إيمانهم، مع علم الله عز وجل بكذبهم، واطلاعه على خبث اعتقادهم وشكهم فيما ادعوا بألسنتهم أنهم مصدقون حتى ظنوا في الآخرة إذ حشروا في عداد من كانوا في عدادهم في الدنيا أنهم واردون موردهم وداخلون مدخلهم، والله جل جلاله مع إظهاره ما قد أظهر لهم من الأحكام الملحقتهم في عاجل الدنيا وآجل الآخرة إلى حال تمييزه بينهم وبين أوليائه وتفريقه بينهم وبينهم؛ معد لهم من أليم عقابه ونكال عذابه ما أعد منه لأعدى أعدائه وأشر عباده، حتى ميز بينهم وبين أوليائه فألحقهم من طبقات جحيمه بالدرك الأسفل. كان معلوما أنه جل ثناؤه بذلك من فعله بهم، وإن كان جزاء لهم على أفعالهم وعدلا ما فعل من ذلك بهم لاستحقاقهم إياه منه بعصيانهم له كان بهم بما أظهر لهم من الأمور التي أظهرها لهم من إلحاقه أحكامهم في الدنيا بأحكام أوليائه وهم له أعداء، وحشره إياهم في الآخرة مع المؤمنين وهم به من المكذبين إلى أن ميز بينهم وبينهم، مستهزئا وساخرا ولهم خادعا وبهم ماكرا. إذ كان معنى الاستهزاء والسخرية والمكر والخديعة ما وصفنا قبل، دون أن يكون ذلك معناه في حال فيها المستهزئ بصاحبه له ظالم أو عليه فيها غير عادل، بل ذلك معناه في كل أحواله إذا وجدت الصفات التي قدمنا ذكرها في معنى الاستهزاء وما أشبهه من نظائره. وبنحو ما قلنا فيه روي الخبر عن ابن عباس. حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمار، 01P317 عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله: " {الله يستهزئ بهم} [البقرة: 15] قال: يسخر بهم للنقمة منهم " وأما الذين زعموا أن قول الله تعالى ذكره: {الله يستهزئ بهم} [البقرة: 15] إنما هو على وجه الجواب، وأنه لم يكن من الله استهزاء ولا مكر ولا خديعة؛ فنافون على الله عز وجل ما قد أثبته الله عز وجل لنفسه وأوجبه لها. وسواء قال قائل: لم يكن من الله جل ذكره استهزاء ولا مكر ولا خديعة ولا سخرية بمن أخبر أنه يستهزئ ويسخر ويمكر به، أو قال: لم يخسف الله بمن أخبر أنه خسف به من الأمم، ولم يغرق من أخبر أنه أغرقه منهم. ويقال لقائل ذلك: إن الله جل ثناؤه أخبرنا أنه مكر بقوم مضوا قبلنا لم نرهم، وأخبر عن آخرين أنه خسف بهم، وعن آخرين أنه أغرقهم، فصدقنا الله تعالى ذكره فيما أخبرنا به من ذلك، ولم نفرق بين شيء منه، فما برهانك على تفريقك ما فرقت بينه بزعمك أنه قد أغرق وخسف بمن أخبر أنه أغرق وخسف به، ولم يمكر به أخبر أنه قد مكر به؟ ثم نعكس القول عليه في ذلك فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله. فإن لجأ إلى أن يقول إن الاستهزاء عبث ولعب، وذلك عن الله عز وجل منفي. قيل له: إن كان الأمر عندك على ما وصفت من معنى الاستهزاء، أفلست تقول: {الله يستهزئ بهم} [البقرة: 15] وسخر الله منهم ومكر الله بهم، وإن لم 01P318 يكن من الله عندك هزء ولا سخرية؟ فإن قال: لا، كذب بالقرآن وخرج عن ملة الإسلام، وإن قال: بلى، قيل له: أفتقول من الوجه الذي قلت: {الله يستهزئ بهم} [البقرة: 15] وسخر الله منهم؛ يلعب الله بهم ويعبث، ولا لعب من الله ولا عبث؟
فإن قال: نعم، وصف الله بما قد أجمع المسلمون على نفيه عنه وعلى تخطئة واصفه به، وأضاف إليه ما قد قامت الحجة من العقول على ضلال مضيفه إليه. وإن قال: لا أقول يلعب الله به ولا يعبث، وقد أقول يستهزئ بهم ويسخر منهم؛ قيل: فقد فرقت بين معنى اللعب، والعبث، والهزء، والسخرية، والمكر، والخديعة. ومن الوجه الذي جاز قيل هذا ولم يجز قيل هذا افترق معنياهما، فعلم أن لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر. وللكلام في هذا النوع موضع غير هذا كرهنا إطالة الكتاب باستقصائه، وفيما ذكرنا كفاية لمن وفق لفهمه 01P316
[البقرة: 15] القول في تأويل قوله تعالى: {ويمدهم} [البقرة: 15] قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله {ويمدهم} [البقرة: 15] فقال بعضهم بما حدثني به، موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {ويمدهم} [البقرة: 15] يملي لهم " وقال آخرون بما حدثني به المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن ابن جريج، قراءة عن مجاهد: " {يمدهم} [البقرة: 15] قال: يزيدهم " وكان بعض نحويي البصرة يتأول ذلك أنه بمعنى: يمد لهم، ويزعم أن ذلك نظير قول العرب: الغلام يلعب الكعاب، يراد به يلعب بالكعاب. قال: وذلك أنهم قد يقولون قد مددت له وأمددت له في غير هذا المعنى، وهو قول الله: {وأمددناهم} [الطور: 22] وهذا من أمددناهم، قال: ويقال قد مد البحر فهو ماد، وأمد الجرح فهو ممد. وحكي عن يونس الجرمي أنه كان يقول: ما كان من الشر فهو مددت، وما كان من الخير فهو أمددت. ثم قال: وهو كما فسرت لك إذا أردت أنك تركته فهو مددت له، وإذا أردت أنك أعطيته قلت: أمددت. وأما بعض نحويي الكوفة فإنه كان يقول: كل زيادة حدثت في الشيء من نفسه فهو مددت بغير ألف، كما تقول: مد النهر، ومده نهر آخر غيره: إذا اتصل به فصار منه. وكل زيادة أحدثت في الشيء من غيره فهو بألف، كقولك: أمد الجرح، لأن المدة من غير الجرح، وأمددت الجيش بمدد. وأولى هذه الأقوال بالصواب في قوله: {ويمدهم} [البقرة: 15] أن يكون بمعنى 01P319 يزيدهم، على وجه الإملاء والترك لهم في عتوهم وتمردهم، كما وصف ربنا أنه فعل بنظرائهم في قوله: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأنعام: 110] يعني نذرهم ونتركهم فيه ونملي لهم ليزدادوا إثما إلى إثمهم. ولا وجه لقول من قال ذلك بمعنى يمد لهم لأنه لا تدافع بين العرب وأهل المعرفة بلغتها أن يستجيزوا قول القائل: مد النهر نهر آخر، بمعنى: اتصل به فصار زائدا ماء المتصل به بماء المتصل من غير تأول منهم، ذلك أن معناه مد النهر نهر آخر، فكذلك ذلك في قول الله: {ويمدهم في طغيانهم يعمهون} [البقرة: 15] [البقرة: 15] القول في تأويل قوله تعالى: {في طغيانهم} [البقرة: 15] قال أبو جعفر: والطغيان الفعلان، من قولك: طغى فلان يطغى طغيانا إذا تجاوز في الأمر حده فبغى ومنه قول الله: {كلا إن الإنسان ليطغى أن 01P320 رآه استغنى} [العلق: 7] أي يتجاوز حده. ومنه قول أمية بن أبي الصلت: [+البحر الخفيف] ودعا الله دعوة لات هنا بعد طغيانه فظل مشيرا وإنما عنى الله جل ثناؤه بقوله: {ويمدهم في طغيانهم} [البقرة: 15] أنه يملي لهم ويذرهم يبغون في ضلالهم وكفرهم حيارى يترددون كما حدثت عن المنجاب، قال: حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله: " {في طغيانهم يعمهون} [البقرة: 15] قال: في كفرهم يترددون " وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {في طغيانهم} [البقرة: 15] في كفرهم " وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة: " {في طغيانهم يعمهون} [البقرة: 15] أي في ضلالتهم يعمهون " وحدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن 01P321 الربيع: " {في طغيانهم} [البقرة: 15] في ضلالتهم " وحدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد " في قوله: {في طغيانهم} [البقرة: 15] قال: طغيانهم، كفرهم وضلالتهم " 01P322
[البقرة: 15] القول في تأويل قوله تعالى: {يعمهون} [البقرة: 15] قال أبو جعفر: والعمه نفسه: الضلال، يقال منه: عمه فلان يعمه عمهانا وعموها: إذا ضل ومنه قول رؤبة بن العجاج يصف مضلة من المهامه: [+البحر الرجز] ومخفق من لهله ولهله من مهمه يجتبنه في مهمه أعمى الهدى بالجاهلين العمه والعمه: جمع عامه، وهم الذين يضلون فيه فيتحيرون. فمعنى قوله جل ثناؤه: {ويمدهم في طغيانهم يعمهون} [البقرة: 15] في ضلالهم وكفرهم 01P323 الذي قد غمرهم دنسه وعلاهم رجسه، يترددون حيارى ضلالا لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا؛ لأن الله قد طبع على قلوبهم وختم عليها، فأعمى أبصارهم عن الهدى وأغشاها، فلا يبصرون رشدا ولا يهتدون سبيلا. وبنحو ما قلنا في العمه جاء تأويل المتأولين حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {يعمهون} [البقرة: 15] يتمادون في كفرهم " وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " {يعمهون} [البقرة: 15] قال: يتمادون " وحدثت عن المنجاب، قال: حدثنا بشر ، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " في قوله {يعمهون} [البقرة: 15] قال: يترددون " وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: " {يعمهون} [البقرة: 15] المتلدد " وحدثنا محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون قال: حدثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: " {في طغيانهم يعمهون} [البقرة: 15] قال: يترددون " وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله وحدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد مثله وحدثني المثنى، قال: حدثنا سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن ابن جريج قراءة عن مجاهد مثله وحدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {يعمهون} [البقرة: 15] قال: يترددون " 01P324
[البقرة: 16] القول في تأويل قوله تعالى: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} [البقرة: 16] قال أبو جعفر: إن قال قائل: وكيف اشترى هؤلاء القوم الضلالة بالهدى، وإنما كانوا منافقين لم يتقدم نفاقهم إيمان فيقال فيهم باعوا هداهم الذي كانوا عليه بضلالتهم حتى استبدلوها منه؟ وقد علمت أن معنى الشراء المفهوم 01P325 اعتياض شيء ببذل شيء مكانه عوضا منه، والمنافقون الذين وصفهم الله بهذه الصفة لم يكونوا قط على هدى فيتركوه ويعتاضوا منه كفرا ونفاقا؟ قيل: قد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فنذكر ما قالوا فيه، ثم نبين الصحيح من التأويل في ذلك إن شاء الله حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} [البقرة: 16] أي الكفر بالإيمان " وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} [البقرة: 16] يقول أخذوا الضلالة وتركوا الهدى " وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة: " {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} [البقرة: 16] استحبوا الضلالة على الهدى " وحدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " في قوله: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} [البقرة: 16] آمنوا ثم كفروا " وحدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله قال أبو جعفر: فكأن الذين قالوا في تأويل ذلك: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى، وجهوا معنى الشراء إلى أنه أخذ المشتري مكان الثمن المشترى به، فقالوا: كذلك المنافق والكافر قد أخذا مكان الإيمان الكفر، فكان ذلك منهما شراء للكفر والضلالة اللذين أخذاهما بتركهما ما تركا من الهدى، وكان الهدى الذي تركاه هو الثمن الذي جعلاه عوضا من الضلالة التي أخذاها. وأما الذين تأولوا أن معنى قوله: {اشتروا} [البقرة: 16] : استحبوا، فإنهم لما وجدوا الله جل ثناؤه قد وصف الكفار في موضع آخر فنسبهم إلى استحبابهم الكفر على الهدى، فقال: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} [فصلت: 17] صرفوا قوله: {اشتروا الضلالة بالهدى} [البقرة: 16] إلى ذلك وقالوا: 01P327 قد تدخل الباء مكان على، وعلى مكان الباء، كما يقال: مررت بفلان ومررت على فلان بمعنى واحد، وكقول الله جل ثناؤه: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك} [آل عمران: 75] أي: على قنطار. فكان تأويل الآية على معنى هؤلاء: أولئك الذين اختاروا الضلالة على الهدى. وأراهم وجهوا معنى قول الله جل ثناؤه: {اشتروا} [البقرة: 16] إلى معنى اختاروا، لأن العرب تقول: اشتريت كذا على كذا، واشتريته يعنون اخترته عليه. ومن الاشتراء قول أعشى بني ثعلبة: [+البحر المتقارب] فقد أخرج الكاعب المشتراة من خدرها وأشيع القمارا يعني بالمشتراة: المختارة. وقال ذو الرمة في الاشتراء بمعنى الاختيار: [+البحر الطويل] يذب القصايا عن شراة كأنها جماهير تحت المدجنات الهواضب يعني بالشراة: المختارة. 01P328 وقال آخر في مثل ذلك: [+البحر السريع] إن الشراة روقة الأموال وحزرة القلب خيار المال قال أبو جعفر: وهذا وإن كان وجها من التأويل فلست له بمختار لأن الله جل ثناؤه قال {فما ربحت تجارتهم} [البقرة: 16] فدل بذلك على أن معنى قوله {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} [البقرة: 16] معنى الشراء الذي يتعارفه الناس من استبدال شيء مكان شيء وأخذ عوض على عوض. وأما الذين قالوا: إن القوم كانوا مؤمنين وكفروا، فإنه لا مؤنة عليهم لو كان الأمر على ما وصفوا به القوم، لأن الأمر إذا كان كذلك فقد تركوا الإيمان، واستبدلوا به الكفر عوضا من الهدى.
وذلك هو المعنى المفهوم من معاني الشراء والبيع، ولكن دلائل أول الآيات في نعوتهم إلى آخرها دالة على أن القوم لم يكونوا قط استضاءوا بنور الإيمان ولا دخلوا في ملة الإسلام، أوما تسمع الله جل ثناؤه من لدن ابتدأ في نعتهم إلى أن أتى على صفتهم إنما وصفهم بإظهار الكذب بألسنتهم بدعواهم التصديق بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، خداعا لله ولرسوله وللمؤمنين عند أنفسهم واستهزاء في نفوسهم بالمؤمنين، وهم لغير ما كانوا يظهرون مستبطنون، لقول الله جل جلاله: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم 01P329 الآخر وما هم بمؤمنين} [البقرة: 8] ثم اقتص قصصهم إلى قوله: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} [البقرة: 16] فأين الدلالة على أنهم كانوا مؤمنين فكفروا؟ . فإن كان قائل هذه المقالة ظن أن قوله: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} [البقرة: 16] هو الدليل على أن القوم قد كانوا على الإيمان فانتقلوا عنه إلى الكفر، فلذلك قيل لهم: اشتروا؛ فإن ذلك تأويل غير مسلم له، إذ كان الاشتراء عند مخالفيه قد يكون أخذ شيء بترك آخر غيره، وقد يكون بمعنى الاختيار وبغير ذلك من المعاني. والكلمة إذا احتملت وجوها لم يكن لأحد صرف معناها إلى بعض وجوهها دون بعض إلا بحجة يجب التسليم لها. قال أبو جعفر: والذي هو أولى عندي بتأويل الآية ما روينا عن ابن عباس وابن مسعود من تأويلهما قوله: {اشتروا الضلالة بالهدى} [البقرة: 16] أخذوا الضلالة وتركوا الهدى. وذلك أن كل كافر بالله فإنه مستبدل بالإيمان كفرا باكتسابه الكفر الذي وجد منه بدلا من الإيمان الذي أمر به. أوما تسمع الله جل ثناؤه يقول فيمن اكتسب كفرا به مكان الإيمان به وبرسوله: {ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل} [البقرة: 108] وذلك هو معنى الشراء، لأن كل مشتر شيئا فإنما يستبدل مكان الذي يؤخذ منه من البدل آخر بدلا منه، فكذلك المنافق والكافر استبدلا بالهدى الضلالة والنفاق، فأضلهما الله وسلبهما نور 01P330 الهدى فترك جميعهم في ظلمات لا يبصرون 01P326
[البقرة: 16] القول في تأويل قوله تعالى: {فما ربحت تجارتهم} [البقرة: 16] قال أبو جعفر: وتأويل ذلك أن المنافقين بشرائهم الضلالة بالهدى خسروا ولم يربحوا، لأن الرابح من التجار المستبدل من سلعته المملوكة عليه بدلا هو أنفس من سلعته أو أفضل من ثمنها الذي يبتاعها به. فأما المستبدل من سلعته بدلا دونها ودون الثمن الذي يبتاعها به فهو الخاسر في تجارته لا شك. فكذلك الكافر والمنافق لأنهما اختارا الحيرة والعمى على الرشاد والهدى والخوف والرعب على الحفظ والأمن، فاستبدلا في العاجل بالرشاد الحيرة، وبالهدى الضلالة، وبالحفظ الخوف، وبالأمن الرعب؛ مع ما قد أعد لهما في الآجل من أليم العقاب وشديد العذاب، فخابا وخسرا، ذلك هو الخسران المبين وبنحو الذي قلنا في ذلك كان قتادة يقول حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة: {فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} [البقرة: 16] قد والله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة " قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فما وجه قوله: {فما ربحت تجارتهم} [البقرة: 16] وهل 01P331 التجارة مما تربح أو تنقص فيقال ربحت أو وضعت؟ قيل: إن وجه ذلك على غير ما ظننت؛ وإنما معنى ذلك: فما ربحوا في تجارتهم لا فيما اشتروا ولا فيما شروا. ولكن الله جل ثناؤه خاطب بكتابه عربا فسلك في خطابه إياهم وبيانه لهم مسلك خطاب بعضهم بعضا وبيانهم المستعمل بينهم. فلما كان فصيحا لديهم قول القائل لآخر: خاب سعيك ونام ليلك، وخسر بيعك، ونحو ذلك من الكلام الذي لا يخفى على سامعه ما يريد قائله؛ خاطبهم بالذي هو في منطقهم من الكلام فقال: {فما ربحت تجارتهم} [البقرة: 16] إذ كان معقولا عندهم أن الربح إنما هو في التجارة كما النوم في الليل، فاكتفى بفهم المخاطبين بمعنى ذلك عن أن يقال: فما ربحوا في تجارتهم، وإن كان ذلك معناه، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] وشر المنايا ميت وسط أهله كهلك الفتاة أسلم الحي حاضره يعني بذلك: وشر المنايا منية ميت وسط أهله؛ فاكتفى بفهم سامع قيله مراده من ذلك عن إظهار ما ترك إظهاره وكما قال رؤبة بن العجاج: [+البحر الرجز] حارث قد فرجت عني همي 01P332 فنام ليلي وتجلى غمي فوصف بالنوم الليل، ومعناه أنه هو الذي نام. وكما قال جرير بن الخطفي: [+البحر الطويل] وأعور من نبهان أما نهاره فأعمى وأما ليله فبصير فأضاف العمى والإبصار إلى الليل والنهار، ومراده وصف النبهاني بذلك 01P330 [البقرة: 16] القول في تأويل قوله تعالى: {وما كانوا مهتدين} [البقرة: 16] يعني بقوله جل ثناؤه: {وما كانوا مهتدين} [البقرة: 16] ما كانوا رشداء في اختيارهم الضلالة على الهدى، واستبدالهم الكفر بالإيمان، واشترائهم النفاق بالتصديق والإقرار 01P332
[البقرة: 17] القول في تأويل قوله تعالى: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون} [البقرة: 17] قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وكيف قيل: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} [البقرة: 17] وقد علمت أن الهاء والميم من قوله: {مثلهم} [البقرة: 17] كناية جماعة من الرجال أو الرجال والنساء. والذي دلالة على واحد من الذكور؟ فكيف جعل الخبر عن واحد مثلا لجماعة؟ وهلا قيل: مثلهم كمثل الذين استوقدوا نارا، وإن جاز عندك أن تمثل الجماعة بالواحد فتجيز لقائل رأي جماعة من الرجال فأعجبته صورهم وتمام خلقهم وأجسامهم أن يقول: كأن هؤلاء، أو كأن أجسام هؤلاء، نخلة. قيل: أما في الموضع الذي مثل ربنا جل ثناؤه جماعة من المنافقين بالواحد الذي جعله لأفعالهم مثلا فجائز حسن، وفي نظائره كما قال جل ثناؤه في نظير ذلك: {تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت} [الأحزاب: 19] يعني كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت، وكقوله: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} [لقمان: 28] بمعنى إلا كبعث نفس واحدة. وأما في تمثيل أجسام الجماعة من الرجال في طول وتمام الخلق بالواحدة من النخيل، فغير جائز ولا في نظائره لفرق بينهما. فأما تمثيل الجماعة من المنافقين بالمستوقد الواحد، فإنما جاز لأن المراد من الخبر عن مثل المنافقين الخبر عن مثل استضاءتهم بما أظهروا بألسنتهم من الإقرار وهم لغيره مستبطنون من اعتقاداتهم الرديئة، وخلطهم نفاقهم الباطن بالإقرار بالإيمان الظاهر. والاستضاءة وإن اختلفت أشخاص أهلها معنى واحد لا معان مختلفة. فالمثل لها في معنى المثل للشخص الواحد من الأشياء المختلفة الأشخاص. وتأويل ذلك: مثل استضاءة المنافقين بما أظهروه من الإقرار بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به قولا وهم به مكذبون اعتقادا، كمثل استضاءة الموقد نارا. ثم أسقط ذكر الاستضاءة وأضيف المثل إليهم، كما قال نابغة بني جعدة: [+البحر المتقارب] وكيف تواصل من أصبحت خلالته كأبي مرحب يريد كخلالة أبي مرحب، فأسقط خلالة، إذ كان فيما أظهر من الكلام دلالة لسامعيه على ما حذف منه. فكذلك القول في قوله: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} [البقرة: 17] لما كان معلوما عند سامعيه بما أظهر من الكلام أن المثل إنما ضرب لاستضاءة القوم بالإقراردون أعيان أجسامهم حسن حذف ذكر الاستضاءة وإضافة المثل إلى أهله. والمقصود بالمثل ما ذكرنا، فلما وصفنا جاز وحسن قوله: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} [البقرة: 17] ويشبه مثل الجماعة في اللفظ بالواحد، إذ كان المراد بالمثل الواحد في المعنى. وأما إذا أريد تشبيه الجماعة من أعيان بني آدم أو أعيان ذوي الصور والأجسام بشيء، فالصواب من الكلام تشبيه الجماعة بالجماعة والواحد بالواحد، لأن عين كل واحد منهم غير أعيان الآخرين. ولذلك من المعنى افترق القول في تشبيه الأفعال والأسماء ، فجاز تشبيه أفعال الجماعة من الناس وغيرهم إذا كانت بمعنى واحد بفعل الواحد، ثم حذف أسماء الأفعال، وإضافة المثل والتشبيه إلى الذين لهم الفعل، فيقال: ما أفعالكم إلا كفعل الكلب، ثم يحذف فيقال: ما أفعالكم إلا كالكلب أو كالكلاب، وأنت تعني: إلا كفعل الكلب، وإلا كفعل الكلاب. ولم يجز أن تقول: ما هم إلا نخلة، وأنت تريد تشبيه أجسامهم بالنخل في الطول والتمام. وأما قوله: {استوقد نارا} [البقرة: 17] فإنه في تأويل أوقد كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] وداع دعا يا من يجيب إلى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيب يريد: فلم يجبه. فكان معنى الكلام إذا مثل استضاءة هؤلاء المنافقين، في إظهارهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بألسنتهم من قولهم: {آمنا بالله وباليوم الآخر} [البقرة: 8] وصدقنا بمحمد، وبما جاء به، وهم للكفر مستبطنون، فيما الله فاعل بهم، مثل استضاءة موقد نار بناره حتى أضاءت له النار ما حوله، يعني ما حول المستوقد.
وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة أن الذي في قوله: {كمثل الذي استوقد نارا} [البقرة: 17] بمعنى الذين كما قال جل ثناؤه: {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون} [الزمر: 33] وكما قال الشاعر [+البحر الطويل] فإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد قال أبو جعفر: والقول الأول هو القول لما وصفنا من العلة، وقد أغفل قائل ذلك فرق ما بين الذي في الآيتين وفي البيت، لأن الذي في قوله: {والذي جاء بالصدق} [الزمر: 33] قد جاءت الدلالة على أن معناها الجمع، وهو قوله: {أولئك هم المتقون} [الزمر: 33] وكذلك الذي في البيت، وهو قوله: دماؤهم. وليست هذه الدلالة في قوله: {كمثل الذي استوقد نارا} [البقرة: 17] فذلك فرق ما بين الذي في قوله: {كمثل الذي استوقد نارا} [البقرة: 17] وسائر شواهده التي استشهد بها على أن معنى الذي في قوله: {كمثل الذي استوقد نارا} [البقرة: 17] بمعنى الجماعة، وغير جائز لأحد نقل الكلمة التي هي الأغلب في استعمال العرب على معنى إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها. ثم اختلفت أهل التأويل في تأويل ذلك، فروي عن ابن عباس فيه أقوال أحدها ما حدثنا به، محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " ضرب الله للمنافقين مثلا فقال: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون} [البقرة: 17] أي يبصرون الحق ويقولون به، حتى إذا خرجوا به من ظلمة الكفر أطفئوه بكفرهم ونفاقهم فيه فتركهم في ظلمات الكفر فهم لا يبصرون هدى 01P337 ولا يستقيمون على حق " والآخر ما حدثنا به المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} [البقرة: 17] إلى آخر الآية هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزون بالإسلام فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العز كما سلب صاحب النار ضوءه وتركهم في ظلمات، يقوم في عذاب " والثالث ما حدثني به، موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون} [البقرة: 17] زعم أن أناسا دخلوا في الإسلام مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، ثم إنهم نافقوا فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة فأوقد نارا فأضاءت له ما حوله من قذى أو أذى، فأبصره حتى عرف ما يتقي، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فكذلك المنافق كان في ظلمة الشرك فأسلم فعرف الحلال من الحرام، والخير من الشر. فبينا هو كذلك إذ كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر. وأما النور فالإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وكانت الظلمة نفاقهم " والآخر ما حدثني به، محمد بن سعيد قال: حدثني أبي سعيد بن محمد، قال: حدثني عمي، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس، قوله: " {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} [البقرة: 17] إلى: {فهم لا يرجعون} [البقرة: 18] ضربه الله مثلا للمنافق، وقوله: {ذهب الله بنورهم} [البقرة: 17] قال: أما النور فهو إيمانهم الذي يتكلمون به.
وأما الظلمة: فهي ضلالتهم وكفرهم، يتكلمون به وهم قوم كانوا على هدى ثم نزع منهم فعتوا بعد ذلك " وقال آخرون بما حدثني به، بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن 01P339 قتادة، قوله: " {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون} [البقرة: 17] وإن المنافق تكلم بلا إله إلا الله فأضاءت له في الدنيا فناكح بها المسلمين وغازى بها المسلمين ووارث بها المسلمين وحقن بها دمه وماله. فلما كان عند الموت سلبها المنافق لأنه لم يكن لها أصل في قلبه ولا حقيقة في علمه " وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله} [البقرة: 17] هي لا إله إلا الله أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا وأمنوا في الدنيا ونكحوا النساء وحقنوا بها دماءهم حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون " وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك بن مزاحم، قوله: " {كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله} [البقرة: 17] قال: أما النور فهو إيمانهم الذي يتكلمون به؛ وأما الظلمات، فهي ضلالتهم وكفرهم " وقال آخرون بما حدثني به، محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، قال: حدثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: " {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله} [البقرة: 17] قال: أما إضاءة النار: فإقبالهم إلى المؤمنين والهدى؛ وذهاب نورهم: إقبالهم إلى الكافرين والضلالة " وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو حذيفة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله} [البقرة: 17] أما إضاءة النار: فإقبالهم إلى المؤمنين والهدى؛ وذهاب نورهم: إقبالهم إلى الكافرين والضلالة " حدثني القاسم، قال: حدثني الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله وحدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: " ضرب مثل أهل النفاق فقال: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} [البقرة: 17] قال: إنما ضوء النار ونورها ما أوقدتها، فإذا خمدت ذهب نورها، كذلك المنافق كلما تكلم بكلمة الإخلاص أضاء له، فإذا شك وقع في الظلمة " وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني عبد الرحمن بن زيد، " في قوله: {كمثل الذي استوقد نارا} [البقرة: 17] إلى آخر الآية. قال: هذه صفة المنافقين، كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإيمان في قلوبهم كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا ثم كفروا، فذهب الله بنورهم، فانتزعه كما ذهب بضوء هذه النار فتركهم في ظلمات لا يبصرون " وأولى التأويلات بالآية ما قاله قتادة والضحاك، وما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وذلك أن الله جل ثناؤه إنما ضرب هذا المثل للمنافقين الذين وصف صفتهم وقص قصصهم من لدن ابتدأ بذكرهم بقوله: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} [البقرة: 8] لا المعلنين بالكفر المجاهدين بالشرك. ولو كان المثل لمن آمن إيمانا صحيحا ثم أعلن بالكفر إعلانا صحيحا على ما ظن المتأول قول الله جل ثناؤه {كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون} [البقرة: 17] أن ضوء النار مثل لإيمانهم الذي كان منهم عنده على صحة، وأن ذهاب نوره مثل لارتدادهم وإعلانهم الكفر على صحة؛ لم يكن هنالك من القوم خداع ولا استهزاء عند أنفسهم ولا نفاق، وأنى يكون خداع ونفاق ممن لم يبد لك قولا ولا فعلا إلا ما أوجب لك العلم بحاله التي هو لك عليها، وبعزيمة نفسه التي هو مقيم عليها؟
إن هذا بغير شك من النفاق بعيد ومن الخداع بريء، فإن كان القوم لم تكن لهم إلا حالتان: حال إيمان ظاهر وحال كفر ظاهر، فقد سقط عن القوم اسم النفاق؛ لأنهم في حال إيمانهم الصحيح كانوا مؤمنين، وفي حال كفرهم الصحيح كانوا كافرين، ولا حالة هناك ثالثة كانوا بها منافقين، وفي وصف الله جل ثناؤه إياهم بصفة النفاق ما ينبئ عن أن القول غير القول الذي زعمه من زعم أن القوم كانوا مؤمنين ثم ارتدوا إلى الكفر فأقاموا عليه، إلا أن يكون قائل ذلك أراد أنهم انتقلوا من إيمانهم الذي كانوا عليه إلى الكفر الذي هو نفاق، وذلك قول إن قاله لم تدرك صحته إلا بخبر مستفيض أو ببعض المعاني الموجبة صحته. فأما في ظاهر الكتاب، فلا دلالة على صحته لاحتماله من التأويل ما هو أولى به منه. فإذا كان الأمر على ما وصفنا في ذلك، فأولى تأويلات الآية بالآية مثل استضاءة المنافقين بما أظهروا بألسنتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الإقرار به، وقولهم له وللمؤمنين: آمنا بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، حتى حكم لهم بذلك في عاجل الدنيا بحكم المسلمين في حقن الدماء والأموال والأمن على الذرية من السباء، وفي المناكحة والموارثة؛ كمثل استضاءة الموقد النار بالنار، حتى إذا ارتفق بضيائها وأبصر ما حوله مستضيئا بنوره من الظلمة، خمدت النار وانطفأت، فذهب نوره، وعاد المستضيء به في ظلمة وحيرة. وذلك أن المنافق لم يزل مستضيئا بضوء القول الذي دافع عنه في حياته القتل والسباء مع استبطانه ما كان مستوجبا به القتل وسلب المال لو أظهره بلسانه، تخيل إليه بذلك نفسه أنه بالله ورسوله والمؤمنين مستهزئ مخادع، حتى سولت له نفسه، إذ ورد على ربه في الآخرة، أنه ناج منه بمثل الذي نجا به في الدنيا من الكذب والنفاق. أوما تسمع الله جل ثناؤه يقول إذ نعتهم ثم أخبرهم عند ورودهم عليه: {يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون} [المجادلة: 18] ظنا من القوم أن نجاتهم من عذاب الله في الآخرة في مثل الذي كان به نجاتهم من القتل والسباء وسلب المال في الدنيا من الكذب والإفك وأن خداعهم نافعهم هنالك نفعه إياهم في الدنيا. حتى عاينوا من أمر الله ما أيقنوا به أنهم كانوا من ظنونهم في غرور وضلال، واستهزاء بأنفسهم وخداع، إذ أطفأ الله نورهم يوم القيامة فاستنظروا المؤمنين ليقتبسوا من نورهم، فقيل لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا واصلوا سعيرا. فذلك حين ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون، كما انطفأت نار المستوقد النار بعد إضاءتها له، فبقي في ظلمته حيران تائها؛ يقول الله جل ثناؤه: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير} [الحديد: 14] فإن قال لنا قائل: إنك ذكرت أن معنى قول الله تعالى ذكره: {كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله} [البقرة: 17] خمدت وانطفأت، وليس ذلك بموجود في القرآن، فما دلالتك على أن ذلك معناه؟ قيل: قد قلنا إن من شأن العرب الإيجاز والاختصار إذا كان فيما نطقت به الدلالة الكافية على ما حذفت وتركت، كما قال أبو ذؤيب الهذلي: [+البحر الطويل] عصيت إليها القلب إني لأمرها سميع فما أدري أرشد طلابها يعني بذلك: فما أدري أرشد طلابها أم غي، فحذف ذكر أم غي، إذ كان فيما نطق به الدلالة عليها. وكما قال ذو الرمة في نعت حمير: [+البحر الطويل] فلما لبسن الليل أو حين نصبت له من خذا آذانها وهو جانح يعني: أو حين أقبل الليل. في نظائر لذلك كثيرة كرهنا إطالة الكتاب بذكرها.
فكذلك قوله: {كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله} [البقرة: 17] لما كان فيه وفيما بعده من قوله: {ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون } [البقرة: 17] دلالة على المتروك كافية من ذكره اختصر الكلام طلب الإيجاز. وكذلك حذف ما حذف واختصار ما اختصر من الخبر عن مثل المنافقين بعده، نظير ما اختصر من الخبر عن مثل المستوقد النار؛ لأن معنى الكلام: فكذلك المنافقون ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون بعد الضياء الذي كانوا فيه في الدنيا بما كانوا يظهرون بألسنتهم من الإقرار بالإسلام وهم لغيره مستبطنون، كما ذهب ضوء نار هذا المستوقد بانطفاء ناره وخمودها فبقي في ظلمة لا يبصر، والهاء والميم في قوله: {ذهب الله بنورهم} [البقرة: 17] عائدة على الهاء والميم في قوله: {مثلهم} [البقرة: 17] 01P345
[البقرة: 18] القول في تأويل قوله تعالى: {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} [البقرة: 18] قال أبو جعفر: وإذ كان تأويل قول الله جل ثناؤه: {ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون} [البقرة: 17] هو ما وصفنا من أن ذلك خبر من الله جل ثناؤه عما هو فاعل بالمنافقين في الآخرة، عند هتك أستارهم، وإظهاره فضائح أسرارهم، وسلبه ضياء أنوارهم من تركهم في ظلم أهوال يوم القيامة يترددون، وفي حنادسها لا يبصرون؛ فبين أن قوله جل ثناؤه: {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} [البقرة: 18] من المؤخر الذي معناه التقديم، وأن معنى الكلام: أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين، صم بكم عمي فهم لا يرجعون؛ مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون، أو كمثل صيب من السماء. وإذ كان ذلك معنى الكلام، فمعلوم أن قوله: {صم بكم عمي} [البقرة: 18] يأتيه الرفع من وجهين، والنصب من وجهين. فأما أحد وجهي الرفع، فعلى الاستئناف لما فيه من الذم، وقد تفعل العرب ذلك في المدح والذم، فتنصب وترفع وإن كان خبرا عن معرفة ، كما قال الشاعر: [+البحر السريع] لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك والطيبين معاقد الأزر فيروى: النازلون والنازلين؛ وكذلك الطيبون والطيبين، على ما وصفت من المدح. والوجه الآخر على نية التكرير من أولئك، فيكون المعني حينئذ: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} [البقرة: 16] أولئك {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} [البقرة: 18] . وأما أحد وجهي النصب، فأن يكون قطعا مما في مهتدين، من ذكر أولئك، لأن الذي فيه من ذكرهم معرفة، والصم نكرة. والآخر أن يكون قطعا من الذين، لأن الذين معرفة والصم نكرة. وقد يجوز النصب فيه أيضا على وجه الذم فيكون ذلك وجها من النصب ثالثا. فأما على تأويل ما روينا عن ابن عباس من غير وجه رواية علي بن أبي طلحة عنه، فإنه لا يجوز فيه الرفع إلا من وجه واحد وهو الاستئناف. وأما النصب فقد يجوز فيه من وجهين: أحدهما الذم، والآخر القطع من الهاء والميم اللتين في {وتركهم} [البقرة: 17] أو من ذكرهم في لا يبصرون. وقد بينا القول الذي هو أولى بالصواب في تأويل ذلك. والقراءة التي هي القراءة الرفع دون النصب لأنه ليس لأحد خلاف رسوم مصاحف المسلمين، وإذا قرئ نصبا كانت قراءة مخالفة رسم مصاحفهم. قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن المنافقين، أنهم باشترائهم الضلالة بالهدى، لم يكونوا للهدى والحق مهتدين، بل هم صم عنهما فلا يسمعونهما لغلبة خذلان الله عليهم، بكم عن القيل بهما، فلا ينطقون بهما، والبكم: الخرس، وهو جمع أبكم عمي عن أن يبصروهما فيعقلوهما؛ لأن الله قد طبع على قلوبهم بنفاقهم فلا يهتدون. وبمثل ما قلنا في ذلك قال علماء أهل التأويل حدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {صم بكم عمي} [البقرة: 18] عن الخير " حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " {صم بكم عمي} [البقرة: 18] يقول: لا يسمعون الهدى، ولا يبصرونه ولا يعقلونه " وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {بكم} [البقرة: 18] هم الخرس " حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، قوله: " {صم بكم عمي} [البقرة: 18] صم عن الحق فلا يسمعونه، عمي عن الحق فلا يبصرونه، بكم عن الحق فلا ينطقون به " 01P348
[البقرة: 18] القول في تأويل قوله تعالى: {فهم لا يرجعون} [البقرة: 18] قال أبو جعفر: وقوله: {فهم لا يرجعون} [البقرة: 18] إخبار من الله جل ثناؤه عن هؤلاء المنافقين الذين نعتهم الله باشترائهم الضلالة بالهدى، وصممهم عن سماع الخير والحق، وبكمهم عن القيل بهما، وعماهم عن إبصارهما؛ أنهم لا يرجعون إلى 01P349 الإقلاع عن ضلالتهم، ولا يتوبون إلى الإنابة من نفاقهم، فآيس المؤمنين من أن يبصر هؤلاء رشدا، ويقولوا حقا، أو يسمعوا داعيا إلى الهدى، أو أن يذكروا فيتوبوا من ضلالتهم، كما آيس من توبة قادة كفار أهل الكتاب والمشركين وأحبارهم الذين وصفهم بأنه قد ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وغشى على أبصارهم. وبمثل الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة: " {فهم لا يرجعون} [البقرة: 18] أي لا يتوبون ولا يذكرون " وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {فهم لا يرجعون} [البقرة: 18] إلى الإسلام " وقد روي عن ابن عباس قول يخالف معناه معنى هذا الخبر وهو ما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، 01P350 مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {فهم لا يرجعون} [البقرة: 18] أي فلا يرجعون إلى الهدى ولا إلى خير، فلا يصيبون نجاة ما كانوا على ما هم عليه " وهذا تأويل ظاهر التلاوة بخلافه، وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر عن القوم أنهم لا يرجعون عن اشترائهم الضلالة بالهدى إلى ابتغاء الهدى وإبصار الحق من غير حصر منه جل ذكره ذلك من حالهم إلى وقت دون وقت وحال دون حال. وهذا الخبر الذي ذكرناه عن ابن عباس ينبئ عن أن ذلك من صفتهم محصور على وقت وهو ما كانوا على أمرهم مقيمين، وأن لهم السبيل إلى الرجوع عنه. وذلك من التأويل دعوى باطلة لا دلالة عليها من ظاهر ولا من خبر تقوم بمثله الحجة فيسلم لها 01P349
[البقرة: 19_20] القول في تأويل قوله تعالى: {أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 19_20] قال أبو جعفر: والصيب الفيعل، من قولك: صاب المطر يصوب صوبا: إذا انحدر ونزل، كما قال الشاعر [+البحر الطويل] فلست لإنسي ولكن لملأك تنزل من جو السماء يصوب وكما قال علقمة بن عبدة: كأنهم صاب عليهم سحابة صواعقها لطيرهن دبيب فلا تعدلي بيني وبين مغمر سقيت روايا المزن حين تصوب يعني: حين تنحدر. وهو في الأصل: صيوب، ولكن الواو لما سبقتها ياء ساكنة صيرتا جميعا ياء مشددة، كما قيل: سيد من ساد يسود، وجيد من جاد يجود. وكذلك تفعل العرب بالواو إذا كانت متحركة وقبلها ياء ساكنة تصيرهما جميعا ياء مشددة. وبما قلنا من القول في ذلك قال أهل التأويل حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال: حدثنا محمد بن عبيد، قال: 01P352 حدثنا هارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس، " في قوله: {أو كصيب من السماء} [البقرة: 19] قال: القطر " وحدثني عباس بن محمد قال: حدثنا حجاج، قال: قال ابن جريج، قال لي عطاء: " الصيب: المطر " وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس، قال: " الصيب: المطر " وحدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " الصيب: المطر " وحدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي سعد، قال: حدثني عمي الحسين، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس مثله وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة: " {أو كصيب} [البقرة: 19] قال: المطر " 01P353 وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة مثله وحدثني محمد بن عمرو الباهلي، وعمرو بن علي، قالا: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " الصيب: المطر " وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " الصيب: المطر " حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: " الصيب: المطر " وحدثت عن المنجاب، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: " الصيب: المطر " وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال عبد الرحمن بن زيد: " {أو كصيب من السماء} [البقرة: 19] قال: أو كغيث من السماء " وحدثنا سوار بن عبد الله العنبري، قال: قال سفيان: " الصيب: الذي فيه المطر " حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا معاوية، قال: حدثنا ابن جريج، عن عطاء " في قوله: {أو كصيب من السماء} [البقرة: 19] قال: المطر " قال أبو جعفر: وتأويل ذلك: مثل استضاءة المنافقين بضوء إقرارهم بالإسلام مع استسرارهم الكفر، مثل إضاءة موقد النار بضوء ناره على ما وصف جل ثناؤه من صفته، أو كمثل مطر مظلم ودقه تحدر من السماء تحمله مزنة ظلماء في ليلة مظلمة، وذلك هو الظلمات التي أخبر الله جل ثناؤه أنها فيه. فإن قال لنا قائل: أخبرنا عن هذين المثلين، أهما مثلان للمنافقين أو أحدهما؟ فإن يكونا مثلين للمنافقين فكيف قيل: {أو كصيب} [البقرة: 19] وأو تأتي بمعنى الشك في الكلام، ولم يقل: وكصيب، بالواو التي تلحق المثل الثاني بالمثل الأول؟
أو يكون مثل القوم أحدهما، فما وجه ذكر الآخر بأو، وقد علمت أن أو إذا كانت في الكلام فإنما تدخل فيه على وجه الشك من المخبر فيما أخبر عنه، كقول القائل: لقيني أخوك أو أبوك، وإنما لقيه أحدهما، ولكنه جهل عين الذي لقيه منهما، مع علمه أن أحدهما قد لقيه؛ وغير جائز في الله جل ثناؤه أن يضاف إليه الشك في شيء أو عزوب علم شيء عنه فيما أخبر أو ترك الخبر عنه. قيل له: إن الأمر في ذلك بخلاف الذي ذهبت إليه، وأو وإن كانت في بعض الكلام تأتي بمعنى الشك، فإنها قد تأتي دالة على مثل ما تدل عليه الواو إما بسابق من الكلام قبلها، وإما بما يأتي بعدها كقول توبة بن الحمير: [+البحر الطويل] وقد زعمت ليلى بأني فاجر لنفسي تقاها أو عليها فجورها ومعلوم أن ذلك من توبة على غير وجه الشك فيما قال، ولكن لما كانت أو في هذا الموضع دالة على مثل الذي كانت تدل عليه الواو لو كانت مكانها، وضعها موضعها. وكذلك قول جرير: [+البحر البسيط] جاء الخلافة أو كانت له قدرا كما أتى ربه موسى على قدر وكما قال الآخر: [+البحر الوافر] فلو كان البكاء يرد شيئا بكيت على جبير أو عناق على المرأين إذ مضيا جميعا لشأنهما بحزن واشتياق فقد دل بقوله: على المرأين إذ مضيا جميعا، أن بكاءه الذي أراد أن يبكيه لم يرد أن يقصد به أحدهما دون الآخر، بل أراد أن يبكيهما جميعا. فكذلك ذلك في قول الله جل ثناؤه: {أو كصيب من السماء} [البقرة: 19] لما كان معلوما أن أو دالة في ذلك على مثل الذي كانت تدل عليه الواو، ولو كانت مكانها كان سواء نطق فيه بأو أو بالواو. وكذلك وجه حذف المثل من قوله: {أو كصيب} [البقرة: 19] لما كان قوله: {كمثل الذي استوقد نارا} [البقرة: 17] دالا على أن معناه: كمثل صيب، حذف المثل واكتفى بدلالة ما مضى من الكلام في قوله: {كمثل الذي استوقد نارا} [البقرة: 17] على أن معناه: أو كمثل صيب، من إعادة ذكر المثل طلب الإيجاز والاختصار
[البقرة: 19] القول في تأويل قوله تعالى: {فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا} [البقرة: 19] قال أبو جعفر: فأما الظلمات فجمع، واحدها ظلمة؛ وأما الرعد فإن أهل العلم اختلفوا فيه؛ فقال بعضهم: هو ملك يزجر السحاب ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، قال: «الرعد ملك يزجر السحاب بصوته» وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة عن الحكم عن مجاهد مثله وحدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: حدثنا فضيل بن عياض، عن ليث، عن مجاهد مثله وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: أنبأنا إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح، قالا: «الرعد ملك من الملائكة يسبح» وحدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال: حدثنا محمد بن يعلى، عن أبي الخطاب البصري، عن شهر بن حوشب، قال: " الرعد: ملك موكل بالسحاب، يسوقه كما يسوق الحادي الإبل، يسبح كلما خالفت سحابة سحابة صاح بها، فإذا اشتد غضبه طارت النار من فيه فهي الصواعق التي رأيتم " وحدثت عن المنجاب بن الحارث، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، 01P357 عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: " الرعد: ملك من الملائكة اسمه الرعد، وهو الذي تسمعون صوته " حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا عبد الملك بن حسين، عن السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس، قال: " الرعد: ملك يزجر السحاب بالتسبيح والتكبير " وحدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا علي بن عاصم، عن ابن جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: " الرعد: اسم ملك، وصوته هذا تسبيحه، فإذا اشتد زجره السحاب اضطرب السحاب واحتك فتخرج الصواعق من بينه " حدثنا الحسن، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا أبو عوانة، عن موسى البزار، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس، قال: " الرعد: ملك يسوق السحاب 01P358 بالتسبيح، كما يسوق الحادي الإبل بحدائه " حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا يحيى بن عباد وشبابة قالا: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، قال: " الرعد: ملك يزجر السحاب " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا عتاب بن زياد، عن عكرمة، قال: " الرعد: ملك في السحاب يجمع السحاب كما يجمع الراعي الإبل " وحدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: " الرعد: خلق من خلق الله جل وعز سامع مطيع لله جل وعز " حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قال: «إن الرعد ملك يؤمر بإزجاء السحاب فيؤلف بينه، فذلك الصوت تسبيحه» وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: " الرعد: ملك " 01P359 وحدثني المثنى، قال: حدثنا الحجاج بن المنهال، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن المغيرة بن سالم، عن أبيه، أو غيره، أن علي بن أبي طالب قال: " الرعد: ملك " حدثنا المثنى، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا حماد، قال: أخبرنا موسى بن سالم أبو جهضم، مولى ابن عباس قال كتب ابن عباس إلى أبي الجلد يسأله عن الرعد؟
فقال: " الرعد: ملك " حدثنا المثنى، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا عمر بن الوليد السني، عن عكرمة، قال: " الرعد: ملك يسوق السحاب كما يسوق الراعي الإبل " حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة ، قال: كان ابن عباس إذا سمع الرعد قال: «سبحان الذي سبحت له» قال: وكان يقول: «إن الرعد ملك ينعق بالغيث كما ينعق الراعي بغنمه» 01P360 وقال آخرون: إن الرعد: ريح تختنق تحت السحاب، فتصاعد فيكون منه ذلك الصوت ذكر من قال ذلك حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا بشر بن إسماعيل، عن أبي كثير، قال: " كنت عند أبي الجلد، إذ جاءه رسول ابن عباس بكتاب إليه، فكتب إليه: " كتبت تسألني عن الرعد، فالرعد: الريح " حدثني إبراهيم بن عبد الله، قال: حدثنا عمران بن ميسرة، قال: حدثنا ابن إدريس، عن الحسن بن الفرات، عن أبيه، قال كتب ابن عباس إلى أبي الجلد يسأله عن الرعد، فقال: " الرعد: ريح " قال أبو جعفر: فإن كان الرعد ما ذكره ابن عباس ومجاهد، فمعنى الآية: أو كصيب من السماء فيه ظلمات وصوت رعد؛ لأن الرعد إن كان ملكا يسوق السحاب، فغير كائن في الصيب؛ لأن الصيب إنما هو ما تحدر من صوب السحاب؛ والرعد: إنما هو في جو السماء يسوق السحاب، على أنه لو كان فيه يمر لم يكن له صوت مسموع، فلم يكن هنالك رعب يرعب به أحد؛ لأنه قد قيل: إن مع كل قطرة من قطر المطر ملكا، فلا يعدو الملك الذي اسمه الرعد لو كان مع الصيب إذا لم يكن مسموعا صوته أن يكون كبعض تلك الملائكة التي تنزل مع القطر إلى الأرض في أن لا رعب على أحد بكونه فيه. فقد علم إذ كان الأمر على ما وصفنا من قول ابن عباس أن معنى الآية: أو كمثل غيث تحدر من السماء فيه ظلمات وصوت رعد؛ إن كان الرعد هو ما قاله ابن عباس، وإنه استغنى بدلالة ذكر الرعد باسمه على المراد في الكلام من ذكر صوته. وإن كان الرعد ما قاله أبو الجلد فلا شيء في قوله: {فيه ظلمات ورعد} [البقرة: 19] متروك لأن معنى الكلام حينئذ: فيه ظلمات ورعد الذي هو وما وصفنا صفته. وأما البرق ، فإن أهل العلم اختلفوا فيه فقال بعضهم بما حدثنا مطر بن محمد الضبي، قال: حدثنا أبو عاصم، ح وحدثني محمد بن بشار، قال: حدثني عبد الرحمن بن مهدي، ح وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قالوا جميعا: حدثنا سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن أشوع، عن ربيعة بن الأبيض، عن علي، قال: " البرق: مخاريق الملائكة " 01P362 حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا عبد الملك بن الحسين، عن السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس: «البرق مخاريق بأيدي الملائكة يزجرون بها السحاب» حدثني المثنى، قال: حدثنا الحجاج، قال: حدثنا حماد، عن عميرة بن سالم، عن أبيه أو غيره أن علي بن أبي طالب قال: " الرعد: الملك، والبرق: ضربه السحاب بمخراق من حديد.
وقال آخرون: هو سوط من نور يزج به الملك السحاب " حدثت عن المنجاب بن الحارث، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، بذلك وقال آخرون: هو ماء ذكر من قال ذلك حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا بشر بن إسماعيل، عن أبي كثير، قال: كنت عند أبي الجلد إذ جاءه رسول ابن 01P363 عباس بكتاب إليه، فكتب إليه: " تسألني عن البرق، فالبرق: الماء " حدثنا إبراهيم بن عبد الله، قال: حدثنا عمران بن ميسرة، قال: حدثنا ابن إدريس، عن الحسن بن الفرات، عن أبيه، قال كتب ابن عباس إلى أبي الجلد يسأله عن البرق، فقال: «البرق ماء» حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن عطاء، عن رجل من أهل البصرة من قرائهم، قال: كتب ابن عباس إلى أبي الجلد، رجل من أهل هجر، يسأله عن البرق، فكتب إليه: " كتبت إلي تسألني عن البرق: وإنه من الماء " وقال آخرون: هو مصع ملك حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد، قال: " البرق: مصع 01P365 ملك " حدثني المثنى ، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا هشام، عن محمد بن مسلم الطائفي، قال: " بلغني أن البرق، ملك له أربعة أوجه: وجه إنسان، ووجه ثور، ووجه نسر، ووجه أسد، فإذا مصع بأجنحته فذلك البرق " حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن وهب بن سليمان، عن شعيب الجبائي، قال: «في كتاب الله الملائكة حملة العرش، لكل ملك منهم وجه إنسان، وثور، وأسد، فإذا حركوا أجنحتهم فهو البرق» وقال أمية بن أبي الصلت: [+البحر الطويل] زحل وثور تحت رجل يمينه والنسر للأخرى وليث مرصد حدثنا الحسين بن محمد، قال: حدثنا علي بن عاصم، عن ابن جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس: " البرق: ملك " وقد حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: «الصواعق ملك يضرب السحاب بالمخاريق يصيب منه من يشاء» قال أبو جعفر: وقد يحتمل أن يكون ما قاله علي بن أبي طالب وابن عباس ومجاهد بمعنى واحد؛ وذلك أن تكون المخاريق التي ذكر علي رضي الله عنه أنها هي البرق هي السياط التي هي من نور التي يزجي بها الملك السحاب، كما قال ابن عباس. ويكون إزجاء الملك السحاب: مصعه إياه بها، وذاك أن المصاع عند العرب أصله المجالدة بالسيوف، ثم تستعمله في كل شيء جولد به في حرب وغير حرب، كما قال أعشى بني ثعلبة وهو يصف جواري يلعبن بحليهن ويجالدن به: [+البحر المتقارب] إذا هن نازلن أقرانهن وكان المصاع بما في الجون يقال منه: ماصعه مصاعا. وكأن مجاهدا إنما قال: مصع ملك، إذ كان السحاب لا يماصع الملك، وإنما الرعد هو المماصع له، فجعله مصدرا من مصعه يمصعه مصعا، وقد ذكرنا ما في معنى الصاعقة ما قال شهر بن حوشب فيما مضى. وأما تأويل الآية، فإن أهل التأويل مختلفون فيه.
فروي عن ابن عباس في ذلك أقوال أحدها ما حدثنا به، محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت} [البقرة: 19] أي هم من ظلمات ما هم فيه من الكفر والحذر من القتل، على الذي هم عليه من الخلاف والتخوف منكم، على مثل ما وصف من الذي هو في ظلمة الصيب، فجعل أصابعه في أذنيه من الصواعق حذر الموت {يكاد البرق يخطف أبصارهم} [البقرة: 20] أي لشدة ضوء الحق {كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا} [البقرة: 20] أي يعرفون الحق ويتكلمون به، فهم من قولهم به على استقامة، فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر قاموا متحيرين " والآخر ما حدثني به، موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق} [البقرة: 19] إلى: {إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 20] أما الصيب والمطر كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة هربا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله فيه رعد شديد وصواعق وبرق، فجعلا كلما أضاء لهما الصواعق جعلا أصابعهما في آذانهما من الفرق أن تدخل الصواعق في مسامعهما فتقتلهما، وإذ لمع البرق مشيا في ضوئه، وإذا لم يلمع لم يبصرا وقاما مكانهما لا يمشيان، فجعلا يقولان: ليتنا قد أصبحنا فنأتي محمدا فنضع أيدينا في يده. فأصبحا فأتياه فأسلما ووضعا أيديهما في يده وحسن إسلامهما. فضرب الله شأن هذين المنافقين الخارجين مثلا للمنافقين الذين بالمدينة. وكان المنافقون إذا حضروا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، جعلوا أصابعهم في آذانهم فرقا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل فيهم شيء أو يذكروا بشيء فيقتلوا، كما كان ذانك المنافقان الخارجان يجعلان أصابعهما في آذانهما، وإذا أضاء لهم مشوا فيه. فإذا كثرت أموالهم وولد لهم الغلمان وأصابوا غنيمة أو فتحا مشوا فيه، وقالوا: إن دين محمد صلى الله عليه وسلم دين صدق فاستقاموا عليه، كما كان ذانك المنافقان يمشيان إذا أضاء لهم البرق مشوا فيه، وإذا أظلم عليهم قاموا. فكانوا إذا هلكت أموالهم، وولد لهم الجواري، وأصابهم البلاء قالوا هذا من أجل دين محمد، فارتدوا كفارا كما قام ذانك المنافقان حين أظلم البرق عليهما " والثالث ما حدثني به، محمد بن سعد؛ قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس: " {أو كصيب من السماء} [البقرة: 19] كمطر {فيه ظلمات ورعد وبرق} [البقرة: 19] إلى آخر الآية، هو مثل المنافق في ضوء ما تكلم بما معه من كتاب الله وعمل، مراءاة للناس، فإذا خلا وحده عمل بغيره. فهو في ظلمة ما أقام على ذلك. وأما الظلمات فالضلالة، وأما البرق فالإيمان، وهم أهل الكتاب.
Preguntas
- ¿Qué enseña el islam sobre la vida después de la muerte?
- ¿Qué creen los musulmanes acerca de los profetas?
- ¿Cómo se realizan las cinco oraciones diarias (salat)?
- ¿Cuáles son las reglas del ayuno en Ramadán?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?