Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Sección V05/P219–V05/P224

[آل عمران: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {والراسخون في العلم يقولون آمنا به} [آل عمران: 7] يعني بالراسخين في العلم العلماء الذين قد أتقنوا علمهم ووعوه فحفظوه حفظا لا يدخلهم في معرفتهم وعلمهم بما علموه شك ولا لبس، وأصل ذلك من رسوخ الشيء في الشيء، وهو ثبوته وولوجه فيه، يقال منه: رسخ الإيمان في قلب فلان فهو يرسخ رسخا ورسوخا. وقد روي في نعتهم خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما حدثنا موسى بن سهل الرملي، قال: ثنا محمد بن عبد الله، قال: ثنا فياض بن محمد الرقي، قال: ثنا عبد الله بن يزيد بن آدم، عن أبي الدرداء، وأبي أمامة، قالا: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الراسخ في العلم؟ قال: «من برت يمينه، وصدق لسانه واستقام له قلبه، وعف بطنه، فذلك الراسخ في العلم» حدثني المثنى، وأحمد بن الحسن الترمذي، قالا: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا فياض الرقي، قال: ثنا عبد الله بن يزيد الأودي، قال - وكان أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حدثنا أنس بن مالك، وأبو أمامة، وأبو 05P224 الدرداء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عن الراسخين في العلم، فقال: «من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام به قلبه، وعف بطنه وفرجه؛ فذلك الراسخ في العلم» وقد قال جماعة من أهل التأويل: إنما سمى الله عز وجل هؤلاء القوم الراسخين في العلم بقولهم: {آمنا به كل من عند ربنا} [آل عمران: 7] ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: {الراسخون في العلم يقولون آمنا به} [آل عمران: 7] قال: «الراسخون الذين يقولون آمنا به كل من عند ربنا» حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {والراسخون في العلم} [آل عمران: 7] «هم المؤمنون فإنهم» {يقولون آمنا به} [آل عمران: 7] بناسخه ومنسوخه {كل من عند ربنا} [آل عمران: 7] حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال : قال ابن جريج: قال ابن عباس: قال عبد الله بن سلام: {الراسخون في العلم} [آل عمران: 7] «وعلمهم قولهم» قال ابن جريج: {الراسخون في العلم يقولون آمنا به} [آل عمران: 7] وهم 05P225 الذين يقولون: {ربنا لا تزغ قلوبنا} [آل عمران: 8] ويقولون: {ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه} [آل عمران: 9] الآية وأما تأويل قوله: {يقولون آمنا به} [آل عمران: 7] فإنه يعني: أن الراسخين في العلم يقولون صدقنا بما تشابه من آي الكتاب وأنه حق وإن لم نعلم تأويله وقد: حدثني أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سلمة بن نبيط، عن الضحاك: {والراسخون في العلم يقولون آمنا به} [آل عمران: 7] قال: «المحكم والمتشابه» 05P225

Sección V05/P224–V05/P227

[آل عمران: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {كل من عند ربنا} [آل عمران: 7] يعني بقوله جل ثناؤه: {كل من عند ربنا} [آل عمران: 7] كل المحكم من الكتاب والمتشابه منه من عند ربنا، وهو تنزيله ووحيه إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم كما: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله: {كل من عند ربنا} [آل عمران: 7] قال: «يعني ما نسخ منه، وما لم ينسخ» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} [آل عمران: 7] قالوا: {كل من عند ربنا} [آل عمران: 7] «آمنوا بمتشابهه، وعملوا بمحكمه» حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {كل من عند ربنا} [آل عمران: 7] يقولون: «المحكم والمتشابه من عند ربنا» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا «يؤمن بالمحكم ويدين به، ويؤمن بالمتشابه ولا يدين به، وهو من عند الله كله» حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، في قوله: {والراسخون في العلم} [آل عمران: 7] " يعملون به، يقولون: نعمل بالمحكم ونؤمن به، ونؤمن بالمتشابه ولا نعمل به، وكل من عند ربنا «واختلف أهل العربية في حكم» كل " إذا أضمر فيها. فقال بعض نحويي البصريين: إذا جاز حذف المراد الذي كان معها الذي «الكل» إليه مضاف في هذا الموضع لأنها اسم، كما قال: {إنا كل فيها} [غافر: 48] بمعنى: إنا كلنا فيها، قال: ولا يكون «كل» مضمرا فيها وهي صفة، لا يقال: مررت بالقوم كل، وإنما يكون فيها مضمر إذا جعلتها اسما لو كان «إنا كلا فيها» على الصفة، لم يجز؛ لأن الإضمار فيها ضعيف لا يتمكن في كل مكان، وكان بعض نحويي الكوفيين يرى الإضمار فيها وهي صفة أو اسم سواء؛ لأنه غير جائز أن يحذف ما بعدها عنده إلا وهي كافية بنفسها عما كانت تضاف إليه من 05P227 المضمر وغير جائز أن تكون كافية منه في حال، ولا تكون كافية في أخرى، وقال: سبيل الكل والبعض في الدلالة على ما بعدهما بأنفسهما وكفايتهما منه، بمعنى واحد في كل حال، صفة كانت أو اسما، وهذا القول الثاني أولى بالقياس؛ لأنها إذا كانت كافية بنفسها مما حذف منها في حال لدلالتها عليه، فالحكم فيها أنها كلما وجدت دالة على ما بعدها، فهي كافية منه 05P226 [آل عمران: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {وما يذكر إلا أولو الألباب} [آل عمران: 7] يعني بذلك جل ثناؤه: وما يتذكر ويتعظ وينزجر عن أن يقول في متشابه آي كتاب الله ما لا علم له به إلا أولو العقول والنهى وقد: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {وما يذكر إلا أولو الألباب} يقول: «وما يذكر في مثل هذا، يعني في رد تأويل المتشابه إلى ما قد عرف من تأويل المحكم حتى يتسقا على معنى واحد، إلا أولو الألباب» 05P227

Sección V05/P227–V05/P228

[آل عمران: 8] القول في تأويل قوله تعالى: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب} [آل عمران: 8] يعني بذلك جل ثناؤه: أن الراسخين في العلم يقولون: آمنا بما تشابه من آي كتاب الله، وأنه والمحكم من آيه من تنزيل ربنا ووحيه، ويقولون أيضا : {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} [آل عمران: 8] يعني أنهم يقولون رغبة منهم إلى ربهم، في أن يصرف عنهم ما ابتلى به الذين زاغت قلوبهم من اتباع متشابه آي القرآن ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله الذي لا يعلمه غير الله، يا ربنا لا تجعلنا مثل هؤلاء الذين زاغت قلوبهم عن الحق فصدوا عن سبيلك، {لا تزغ قلوبنا} [آل عمران: 8] لا تملها فتصرفها عن هداك {بعد إذ هديتنا} [آل عمران: 8] له فوفقتنا للإيمان بمحكم كتابك ومتشابهه، {وهب لنا} [آل عمران: 8] يا ربنا {من لدنك رحمة} [آل عمران: 8] يعني من عندك رحمة، يعني بذلك: هب لنا من عندك توفيقا وثباتا للذي نحن عليه، من الإقرار بمحكم كتابك ومتشابهه؛ {إنك أنت الوهاب} [آل عمران: 8] يعني: إنك أنت المعطي عبادك التوفيق والسداد للثبات على دينك وتصديق كتابك ورسلك كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} [آل عمران: 8] " أي لا تمل قلوبنا وإن ملنا بأحداثنا، {وهب لنا من لدنك رحمة} [آل عمران: 8] " وفي مدح الله جل ثناؤه هؤلاء القوم بما مدحهم به من رغبتهم إليه في أن لا يزيغ قلوبهم، وأن يعطيهم رحمة منه، معونة لهم للثبات على ما هم عليه من حسن البصيرة بالحق الذي هم عليه مقيمون، ما أبان عن خطأ قول الجهلة من القدرية أن إزاغة الله قلب من أزاغ قلبه من عباده عن طاعته، وإمالته له عنها جور؛ لأن ذلك لو كان كما قالوا لكان الذين قالوا: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} [آل عمران: 8] بالذم أولى منهم بالمدح؛ لأن القول لو كان كما قالوا، لكان القوم إنما سألوا ربهم مسألتهم إياه أن لا يزيغ قلوبهم أن لا يظلمهم ولا يجور عليهم، وذلك من السائل جهل؛ لأن الله جل ثناؤه لا يظلم عباده ولا يجور عليهم، وقد أعلم عباده ذلك، ونفاه عن نفسه بقوله: {وما ربك بظلام للعبيد} [فصلت: 46] ولا وجه لمسألته أن يكون بالصفة التي قد أخبرهم أنه بها، وفي فساد ما قالوا من ذلك الدليل الواضح على أن عدلا من الله عز وجل إزاغة من أزاغ قلبه من عباده عن طاعته، فلذلك استحق المدح من رغب إليه في أن لا يزيغه لتوجيهه الرغبة إلى أهلها ووضعه مسألته موضعها، مع تظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم برغبته إلى ربه في ذلك مع محله منه، وكرامته عليه حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» ثم قرأ: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} [آل عمران: 8] إلى آخر الآية حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أسماء، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه حدثنا المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا عبد الحميد بن بهرام 05P230 الفزاري، قال: ثنا شهر بن حوشب، قال: سمعت أم سلمة، تحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر في دعائه أن يقول: «اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» قالت: قلت: يا رسول الله، وإن القلب ليقلب؟ قال: «نعم، ما خلق الله من بشر من بني آدم إلا وقلبه بين أصبعين من أصابعه، فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه، فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب» .

Sección V05/P228

قالت: قلت: يا رسول الله، ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: " بلى، قولي: اللهم رب النبي محمد، اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن " حدثني محمد بن منصور الطوسي، قال: ثنا محمد بن عبد الله الزبيري، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» فقال له بعض أهله: يخاف علينا وقد آمنا بك وبما جئت به؟ قال: «إن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن تبارك وتعالى» يقول به هكذا؛ وحرك أبو أحمد أصبعيه. قال أبو جعفر: وإن الطوسي وسق بين أصبعيه حدثني سعيد بن يحيى الأموي، قال: ثنا أبو معاوية، قال: ثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» قلنا: يا رسول الله قد آمنا بك، وصدقنا بما جئت به، فيخاف علينا؟ قال: «نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها تبارك وتعالى» حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا بشر بن بكر. وحدثني علي بن سهل، قال: ثنا أيوب بن بشر، جميعا، عن ابن جابر، قال: سمعت بشر بن عبيد الله، قال: سمعت أبا إدريس الخولاني، يقول: سمعت النواس بن سمعان الكلابي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من قلب إلا بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه» وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، والميزان بيد الرحمن يرفع أقواما ويخفض آخرين إلى يوم القيامة» حدثني عمر بن عبد الملك الطائي، قال: ثنا محمد بن عبيدة، قال: ثنا الجراح 05P232 بن مليح البهراني، عن الزبيدي، عن جويبر، عن سمرة بن فاتك الأسدي، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الموازين بيد الله يرفع أقواما ويضع أقواما، وقلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أزاغه وإن شاء أقامه» حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال أخبرنا ابن المبارك، عن حيوة بن شريح، قال: أخبرني أبو هانئ الخولاني، أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي، يقول سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرف كيف يشاء» ثم يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك» حدثنا الربيع بن سليمان، قال: ثنا أسد بن موسى، قال ثنا عبد الحميد بن بهرام، قال: ثنا شهر بن حوشب، قال: سمعت أم سلمة، تحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر في دعائه أن يقول: «اللهم ثبت قلبي على دينك» قالت: قلت: 05P233 يا رسول الله، وإن القلوب لتقلب؟ قال: «نعم، ما من خلق الله من بني آدم بشر إلا أن قلبه بين أصبعين من أصابع الله، إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه» فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب " 05P232

Sección V05/P228–V05/P233

[آل عمران: 9] القول في تأويل قوله تعالى: {ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد} [آل عمران: 9] يعني بذلك جل ثناؤه أنهم يقولون أيضا مع قولهم: آمنا بما تشابه من آي كتاب ربنا، كل المحكم والمتشابه الذي فيه من عند ربنا يا ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد. وهذا من الكلام الذي استغني بذكر ما ذكر منه عما ترك ذكره، وذلك أن معنى الكلام: ربنا إنك جامع الناس ليوم القيامة فاغفر لنا يومئذ، واعف عنا، فإنك لا تخلف وعدك أن من آمن بك واتبع رسولك. وعمل بالذي أمرته به في كتابك أنك غافره يومئذ. وإنما هذا من القوم مسألة ربهم أن يثبتهم على ما هم عليه من حسن بصيرتهم بالإيمان بالله ورسوله، وما جاءهم به من تنزيله، حتى يقبضهم على أحسن أعمالهم وإيمانهم، فإذا فعل ذلك بهم وجبت لهم الجنة؛ لأنه قد وعد من فعل ذلك به من عباده أنه يدخله الجنة، فالآية وإن كانت قد خرجت مخرج الخبر، فإن تأويلها من القوم مسألة ودعاء ورغبة إلى ربهم. وأما معنى قوله: {ليوم لا ريب فيه} [آل عمران: 9] فإنه لا شك فيه، وقد بينا ذلك بالأدلة على صحته فيما مضى قبل. ومعنى قوله: {ليوم} [آل عمران: 9] في يوم، وذلك يوم يجمع الله فيه خلقه لفصل القضاء بينهم في موقف العرض والحساب، والميعاد: المفعال من الوعد 05P234 [آل عمران: 10] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار} [آل عمران: 10] يعني جل ثناؤه بقوله: {إن الذين كفروا} [آل عمران: 10] إن الذين جحدوا الحق الذي قد عرفوه من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل ومنافقيهم، ومنافقي العرب وكفارهم الذين في قلوبهم زيغ، فهم يتبعون من كتاب الله المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا} [آل عمران: 10] يعني بذلك أن أموالهم وأولادهم لن تنجيهم من عقوبة الله إن أحلها بهم عاجلا في الدنيا على تكذيبهم بالحق بعد تبينهم، واتباعهم المتشابه طلب اللبس فتدفعها عنهم، ولا يغني ذلك عنهم منها شيئا، {وأولئك هم وقود النار} [آل عمران: 10] يعني بذلك حطبها 05P234

Sección V05/P233–V05/P236

[آل عمران: 11] القول في تأويل قوله تعالى: {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب} [آل عمران: 11] 05P235 يعني بذلك جل ثناؤه أن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا عند حلول عقوبتنا بهم، كسنة آل فرعون وعادتهم، والذين من قبلهم من الأمم الذين كذبوا بآياتنا، فأخذناهم بذنوبهم فأهلكناهم حين كذبوا بآياتنا، فلن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا حين جاءهم بأسنا كالذي عوجلوا بالعقوبة على تكذيبهم ربهم من قبل آل فرعون من قوم نوح وقوم هود وقوم لوط وأمثالهم. واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {كدأب آل فرعون} [آل عمران: 11] فقال بعضهم: معناه: كسنتهم ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق بن الحجاج، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {كدأب آل فرعون} [آل عمران: 11] يقول: «كسنتهم» وقال بعضهم: معناه: كعملهم ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، جميعا، عن جويبر، عن الضحاك: {كدأب آل فرعون} [آل عمران: 11] قال: «كعمل آل فرعون» حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا جويبر، عن الضحاك، في قوله: {كدأب آل فرعون} [آل عمران: 11] قال: «كعمل آل فرعون» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {كدأب آل فرعون} [آل عمران: 11] قال: «كفعلهم كتكذيبهم حين كذبوا الرسل» ، وقرأ قول الله: {مثل دأب قوم نوح} [غافر: 31] " أن يصيبكم مثل الذي أصابهم عليه من عذاب الله، قال: الدأب: العمل " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة يحيى بن واضح، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرمة، ومجاهد، في قوله: {كدأب آل فرعون} [آل عمران: 11] قال: «كفعل آل فرعون، كشأن آل فرعون» حدثت عن المنجاب، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله: {كدأب آل فرعون} [آل عمران: 11] قال: «كصنع آل فرعون» وقال آخرون: معنى ذلك: كتكذيب آل فرعون ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم} [آل عمران: 11] «ذكر الذين كفروا وأفعال تكذيبهم كمثل تكذيب الذين من قبلهم في الجحود والتكذيب» 05P237 وأصل الدأب من دأبت في الأمر دأبا: إذا أدمنت العمل والتعب فيه. ثم إن العرب نقلت معناه إلى الشأن والأمر والعادة كما قال امرؤ القيس بن حجر: [+البحر الطويل] وإن شفائي عبرة مهراقة فهل عند رسم دارس من معول كدأبك من أم الحويرث قبلها وجارتها أم الرباب بمأسل يعني بقوله كدأبك: كشأنك وأمرك وفعلك، يقال منه: هذا دأبي ودأبك أبدا، يعني به فعلي وفعلك وأمري وأمرك، وشأني وشأنك، يقال منه: دأبت دؤوبا ودأبا، وحكي عن العرب سماعا: دأبت دأبا مثقلة محركة الهمزة، كما قيل: هذا شعر وبهر، فتحرك ثانيه؛ لأنه حرف من الحروف الستة، فألحق الدأب إذ كان ثانيه من الحروف الستة، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] له نعل لا يطبي الكلب ريحها وإن وضعت بين المجالس شمت وأما قوله {والله شديد العقاب} [آل عمران: 11] فإنه يعني به: والله شديد عقابه لمن كفر به وكذب رسله بعد قيام الحجة عليه 05P236

Sección V05/P236–V05/P240

[آل عمران: 12] القول في تأويل قوله تعالى: {قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد} [آل عمران: 12] اختلفت القراء في ذلك فقرأه بعضهم: {قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون} [آل عمران: 12] بالتاء على وجه الخطاب للذين كفروا بأنهم سيغلبون واحتجوا لاختيارهم قراءة ذلك بالتاء بقوله: {قد كان لكم آية في فئتين} [آل عمران: 13] قالوا: ففي ذلك دليل على أن قوله: {ستغلبون} [آل عمران: 12] كذلك الخطاب لهم وذلك هو قراءة عامة قراء الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين وقد يجوز لمن كانت نيته في هذه الآية أن الموعودين بأن يغلبوا هم الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول ذلك لهم أن يقرأه بالياء والتاء؛ لأن الخطاب الوحي حين نزل لغيرهم، فيكون نظير قول القائل في الكلام: قلت للقوم: إنكم مغلوبون، وقلت لهم: إنهم مغلوبون. وقد ذكر أن في قراءة عبد الله: «قل للذين كفروا إن تنتهوا يغفر لكم» وهي في قراءتنا: {إن ينتهوا يغفر لهم} [الأنفال: 38] وقرأت ذلك جماعة من قراء أهل الكوفة: (سيغلبون ويحشرون) على معنى: قل لليهود: سيغلب مشركو العرب ويحشرون إلى جهنم، ومن قرأ ذلك كذلك على هذا التأويل لم يجز في قراءته غير الياء. والذي نختار من القراءة في ذلك قراءة من قرأه بالتاء، بمعنى: قل يا محمد للذين كفروا من يهود بني إسرائيل الذين يتبعون ما تشابه من آي الكتاب الذي أنزلته إليك ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد. وإنما اخترنا قراءة ذلك كذلك على قراءته بالياء لدلالة قوله: {قد كان لكم آية في فئتين} [آل عمران: 13] على أنهم بقوله {ستغلبون} [آل عمران: 12] مخاطبون خطابهم بقوله: قد كان لكم، فكان إلحاق الخطاب بمثله من الخطاب أولى من الخطاب بخلافه من الخبر عن غائب، وأخرى أن: أبا كريب حدثنا قال: ثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد، عن سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: " لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا يوم بدر فقدم المدينة جمع يهود في سوق بني قينقاع فقال: «يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشا» ، فقالوا: يا محمد لا تغرنك نفسك أنك قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تأت مثلنا، فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم: {قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد} [آل عمران: 12] إلى قوله: {لأولي الأبصار} [آل عمران: 13] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: " لما أصاب الله قريشا يوم بدر، جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود في سوق بني قينقاع حين قدم المدينة، ثم ذكر نحو حديث أبي كريب، عن يونس حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان من أمر بني 05P240 قينقاع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم بسوق بني قينقاع، ثم قال: «يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما أنزل بقريش من النقمة، وأسلموا فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم، وعهد الله إليكم» فقالوا: يا محمد، إنك ترى أنا كقومك، لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى آل زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: " ما نزلت هؤلاء الآيات إلا فيهم: {قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد} [آل عمران: 12] إلى: {لأولي الأبصار} [آل عمران: 13] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، في قوله: {قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد} [آل عمران: 12] قال فنحاص اليهودي في يوم بدر: لا يغرن محمدا أن غلب قريشا وقتلهم، إن قريشا لا تحسن القتال، فنزلت هذه الآية: {قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد} [آل عمران: 12] " قال أبو جعفر: فكل هذه الأخبار تنبئ عن أن المخاطبين بقوله: {ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد} [آل عمران: 12] هم اليهود المقول لهم : {قد كان لكم آية في فئتين} [آل عمران: 13] الآية، وتدل على أن قراءة ذلك بالتاء أولى من قراءته بالياء.

Sección V05/P240

ومعنى قوله: {وتحشرون} [آل عمران: 12] وتجمعون فتجلبون إلى جهنم. وأما قوله: {وبئس المهاد} [آل عمران: 12] وبئس الفراش جهنم التي تحشرون إليها، وكان مجاهد يقول كالذي: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وبئس المهاد} [آل عمران: 12] قال: «بئسما مهدوا لأنفسهم» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله 05P241

Sección V05/P240–V05/P241

[آل عمران: 13] القول في تأويل قوله تعالى: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} [آل عمران: 13] يعني بذلك جل ثناؤه: قل يا محمد للذين كفروا من اليهود الذين بين ظهراني بلدك: قد كان لكم آية يعني علامة ودلالة على صدق ما أقول أنكم ستغلبون وعبرة كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {قد كان لكم آية} [آل عمران: 13] «عبرة وتفكر» 05P242 حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله إلا أنه قال: " ومتفكر {في فئتين } [آل عمران: 13] يعني في فرقتين وحزبين والفئة الجماعة من الناس التقتا للحرب، وإحدى الفئتين رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كان معه ممن شهد وقعة بدر، والأخرى مشركو قريش، {فئة تقاتل في سبيل الله} [آل عمران: 13] ، جماعة تقاتل في طاعة الله وعلى دينه، وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، {وأخرى كافرة} [آل عمران: 13] وهم مشركو قريش " كما: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله} [آل عمران: 13] «أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر» ، {وأخرى كافرة} [آل عمران: 13] «فئة قريش الكفار» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله} [آل عمران: 13] «محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه» ، {وأخرى كافرة} [آل عمران: 13] «قريش يوم بدر» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي 05P243 نجيح، عن مجاهد، في قوله: {قد كان لكم آية في فئتين} [آل عمران: 13] قال: «في محمد وأصحابه ومشركي قريش يوم بدر» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله} [آل عمران: 13] قال: «ذلك يوم بدر التقى المسلمون والكفار» ورفعت {فئة تقاتل في سبيل الله} [آل عمران: 13] وقد قيل قبل ذلك في فئتين، بمعنى: إحداهما تقاتل في سبيل الله على الابتداء، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] فكنت كذي رجلين رجل صحيحة ورجل رمى فيها الزمان فشلت وكما قال ابن مفرغ: [+البحر الطويل] فكنت كذي رجلين رجل صحيحة ورجل بها ريب من الحدثان فأما التي صحت فأزد شنوءة وأما التي شلت فأزد عمان وكذلك تفعل العرب في كل مكرر على نظير له قد تقدمه إذا كان مع المكرر 05P244 خبر ترده على إعراب الأول مرة وتستأنفه ثانية بالرفع، وتنصبه في التام من الفعل والناقص، وقد جر ذلك كله، فخفض على الرد على أول الكلام، كأنه يعني إذا خفض ذلك فكنت كذي رجلين كذي رجل صحيحة ورجل سقيمة. وكذلك الخفض في قوله: {فئة} [آل عمران: 13] ، جائز على الرد على قوله: {في فئتين التقتا} [آل عمران: 13] ، في فئة تقاتل في سبيل الله، وهذا وإن كان جائزا في العربية، فلا أستجيز القراءة به لإجماع الحجة من القراء على خلافه، ولو كان قوله: {فئة} [آل عمران: 13] جاء نصبا كان جائزا أيضا على قوله: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا} [آل عمران: 13] مختلفتين 05P243

Sección V05/P241–V05/P247

[آل عمران: 13] القول في تأويل قوله تعالى: {يرونهم مثليهم رأي العين} [آل عمران: 13] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته قراء أهل المدينة: (ترونهم) بالتاء، بمعنى: قد كان لكم أيها اليهود آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله، والأخرى كافرة، ترون المشركين مثلي المسلمين رأي العين، يريد بذلك عظتهم، يقول: إن لكم عبرة أيها اليهود فيما رأيتم من قلة عدد المسلمين، وكثرة عدد المشركين، وظفر هؤلاء مع قلة عددهم بهؤلاء مع كثرة عددهم، وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة والبصرة وبعض المكيين: {يرونهم مثليهم} [آل عمران: 13] بالياء، بمعنى، يرى المسلمون الذين يقاتلون في سبيل الله الجماعة الكافرة مثلي المسلمين في القدر. فتأويل الآية على قراءتهم: قد كان لكم يا معشر اليهود عبرة ومتفكر في فئتين التقتا، فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة، يرى هؤلاء المسلمون مع قلة عددهم هؤلاء المشركين في كثرة عددهم. فإن قال قائل: وما وجه تأويل قراءة من قرأ ذلك بالياء؟ وأي الفئتين رأت صاحبتها مثليها؟ الفئة المسلمة هي التي رأت المشركة مثليها أم المشركة هي التي رأت المسلمة كذلك أم غيرهما رأت إحداهما كذلك؟ قيل: اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: الفئة التي رأت الأخرى مثلي أنفسها الفئة المسلمة رأت عدد الفئة المشركة مثلي عدد الفئة المسلمة، قللها الله عز وجل في أعينها حتى رأتها مثلي عدد أنفسها، ثم قللها في حال أخرى، فرأتها مثل عدد أنفسها ذكر من قال ذلك: حدثنا موسى، قال، ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين} [آل عمران: 13] قال: " هذا يوم بدر، قال عبد الله بن مسعود: قد نظرنا إلى المشركين، فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا، وذلك قول الله عز وجل {وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في 05P246 أعينهم} [الأنفال: 44] ، فمعنى الآية على هذا التأويل: قد كان لكم يا معشر اليهود آية في فئتين التقتا: إحداهما مسلمة، والأخرى كافرة، كثير عدد الكافرة، قليل عدد المسلمة ترى الفئة القليل عددها الكثير عددها أمثالا لها أنها تكثرها من العدد بمثل واحد، فهم يرونهم مثليهم، فيكون أحد المثلين عند ذلك العدد الذي هو مثل عدد الفئة التي رأتهم، والمثل الآخر الضعف الزائد على عددهم، فهذا أحد معنيي التقليل الذي أخبر الله عز وجل المؤمنين أنه قللهم في أعينهم، والمعنى الآخر منه: التقليل الثاني على ما قاله ابن مسعود وهو أن أراهم عدد المشركين مثل عددهم لا يزيدون عليهم، فذلك التقليل الثاني الذي قال الله جل ثناؤه: {وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا} [الأنفال: 44] " وقال آخرون من أهل هذه المقالة: إن الذين رأوا المشركين مثلي أنفسهم هم المسلمون غير أن المسلمين رأوهم على ما كانوا به من عددهم، لم يقللوا في أعينهم، ولكن الله أيدهم بنصره، قالوا: ولذلك قال الله عز وجل لليهود: قد كان لكم فيهم عبرة؛ يخوفهم بذلك أن يحل بهم منهم مثل الذي حل بأهل بدر على أيديهم ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة} [آل عمران: 13] " أنزلت في التخفيف يوم بدر، فإن المؤمنين كانوا يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، وكان المشركون مثليهم، فأنزل الله عز وجل: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين} [آل عمران: 13] وكان المشركون ستة وعشرين وستمائة، فأيد الله المؤمنين، فكان هذا الذي في التخفيف على المؤمنين " وهذه الرواية خلاف ما تظاهرت به الأخبار عن عدة المشركين يوم بدر، وذلك أن الناس إنما اختلفوا في عددهم على وجهين، فقال بعضهم: كان عددهم ألفا، وقال بعضهم: ما بين التسعمائة إلى الألف ذكر من قال: كان عددهم ألفا: حدثني هارون بن إسحاق الهمداني، قال: ثنا مصعب بن المقدام، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن حارثة، عن علي، قال: سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، فسبقنا المشركين إليها، فوجدنا فيها رجلين، منهم رجل من قريش، ومولى لعقبة بن أبي معيط؛ فأما القرشي فانفلت وأما مولى عقبة فأخذناه، فجعلنا نقول: كم القوم؟

Sección V05/P247–V05/P249

فيقول: هم والله كثير شديد بأسهم، فجعل المسلمون إذا قال ذلك صدقوه حتى انتهوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: «كم القوم؟ » فقال: هم والله كثير شديد بأسهم، فجهد النبي صلى الله عليه وسلم على أن يخبرهم كم هم، فأبى، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله: «كم تنحرون من الجزر؟ » قال: عشرة كل يوم، قال 05P248 رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القوم ألف» حدثني أبو سعيد بن يوشع البغدادي، قال: ثنا إسحاق بن منصور، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: " أسرنا رجلا منهم يعني من المشركين يوم بدر فقلنا: كم كنتم؟ " قال: ألفا ذكر من قال: كان عددهم ما بين التسعمائة إلى الألف: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: قال ابن إسحاق: ثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم نفرا من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له عليه، فأصابوا راوية من قريش فيها أسلم غلام بني الحجاج، وعريض أبو يسار غلام بني العاص، فأتوا بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما: «كم القوم؟ » قالا: كثير قال: «ما عدتهم؟ » قالا: لا ندري، قال: «كم تنحرون كل يوم؟ » قالا: يوما تسعا ويوما عشرا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القوم ما بين التسعمائة إلى الألف» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين} [آل عمران: 13] «ذلكم يوم بدر ألف المشركون، أو قاربوا، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة} [آل عمران: 13] إلى قوله: {رأي العين} [آل عمران: 13] قال: «يضعفون عليهم فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين يوم بدر» حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين} [آل عمران: 13] قال: «كان ذلك يوم بدر، وكان المشركون تسعمائة وخمسين، وكان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وثلاثة عشر» حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وبضعة عشر، والمشركون ما بين التسعمائة إلى الألف» فكل هؤلاء الذين ذكرنا مخالفون القول الذي رويناه عن ابن عباس في عدد المشركين يوم بدر، فإذا كان ما قاله من حكيناه ممن ذكر أن عددهم كان زائدا على التسعمائة، فالتأويل الأول الذي قلناه على الرواية التي روينا عن ابن مسعود أولى بتأويل الآية. وقال آخرون: كان عدد المشركين زائدا على التسعمائة، فرأى المسلمون عددهم على غير ما كانوا به من العدد، وقالوا: أرى الله المسلمين عدد المشركين قليلا آية للمسلمين، قالوا: وإنما عنى الله عز وجل بقوله: {يرونهم مثليهم} [آل عمران: 13] المخاطبين بقوله: {قد كان لكم آية في فئتين} [آل عمران: 13] قالوا: وهم اليهود غير أنه رجع من المخاطبة إلى الخبر عن الغائب، لأنه أمر من الله جل ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك لهم، فحسن أن يخاطب مرة ويخبر عنهم على وجه الخبر مرة أخرى، كما قال: {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة} [يونس: 22] وقالوا: فإن قال لنا قائل: فكيف قيل: {يرونهم مثليهم رأي العين} [آل عمران: 13] وقد علمتم أن المشركين كانوا يومئذ ثلاثة أمثال المسلمين؟

Sección V05/P249–V05/P251

قلنا لهم: كما يقول القائل وعنده عبد احتاج إلى مثله: أنا محتاج إليه وإلى مثله، ثم يقول: أحتاج إلى مثليه، فيكون ذلك خبرا عن حاجته إلى مثله وإلى مثلي ذلك المثل، وكما يقول الرجل: معي ألف وأحتاج إلى مثليه، فهو محتاج إلى ثلاثة؛ فلما نوى أن يكون الألف داخلا في معنى المثل صار المثل أشرف والاثنان ثلاثة، قال: ومثله في الكلام: أراكم مثلكم، كما يقال: إن لكم ضعفكم، وأراكم مثليكم، يعني أراكم ضعفيكم، قالوا: فهذا على معنى ثلاثة أمثالهم. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن الله أرى الفئة الكافرة عدد الفئة المسلمة مثلي عددهم، وهذا أيضا خلاف ما دل عليه ظاهر التنزيل؛ لأن الله جل ثناؤه قال في كتابه: {وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم} [الأنفال: 44] فأخبر أن كلا من الطائفتين قلل عددهم في مرأى الأخرى. وقرأ آخرون ذلك : «ترونهم» بضم التاء، بمعنى: يريكموهم الله مثليهم. وأولى هذه القراءات بالصواب قراءة من قرأ: {يرونهم} [آل عمران: 13] بالياء، بمعنى: وأخرى كافرة يراهم المسلمون مثليهم، يعني مثلي عدد المسلمين لتقليل الله إياهم في أعينهم في حال، فكان حزرهم إياهم كذلك، ثم قللهم في أعينهم عن التقليل الأول، فحزروهم مثل عدد المسلمين، ثم تقليلا ثالثا، فحزروهم أقل من عدد المسلمين كما: حدثني أبو سعيد البغدادي، قال: ثنا إسحاق بن منصور، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: " لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، قال: فأسرنا رجلا منهم، فقلنا كم كنتم؟ قال: ألفا " وقد روي عن قتادة أنه كان يقول: لو كانت «ترونهم» ، لكانت «مثليكم» حدثني المثنى، قال: ثني عبد الرحمن بن أبي حماد، عن ابن المعرك، عن معمر، عن قتادة، بذلك. ففي الخبرين اللذين روينا عن عبد الله بن مسعود، ما أبان عن اختلاف، حزر المسلمين يومئذ عدد المشركين في الأوقات المختلفة، فأخبر الله عز وجل - عما كان من اختلاف أحوال عددهم عند المسلمين - اليهود على ما كان به عندهم، مع علم اليهود بمبلغ عدد الفئتين؛ إعلاما منه لهم أنه مؤيد المؤمنين بنصره، لئلا يغتروا بعددهم وبأسهم، وليحذروا منه أن يحل بهم من العقوبة على أيدي المؤمنين مثل الذي أحل بأهل الشرك به من قريش على أيديهم ببدرهم. وأما قوله: {رأي العين} [آل عمران: 13] فإنه مصدر «رأيته» يقال: رأيته رأيا ورؤية، ورأيت في المنام رؤيا حسنة غير مجراة، يقال: هو مني رأي العين، ورأي العين بالنصب والرفع، يراد حيث يقع عليه بصري، وهو من الرائي مثله، والقوم رأوا إذا جلسوا حيث يرى بعضهم بعضا، فمعنى ذلك: يرونهم حيث تلحقهم أبصارهم، وتراهم عيونهم مثليهم 05P252

Sección V05/P251–V05/P253

[آل عمران: 13] القول في تأويل قوله تعالى: {والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} [آل عمران: 13] يعني بقوله جل ثناؤه: {والله يؤيد} [آل عمران: 13] يقوي بنصره من يشاء، من قول القائل: قد أيدت فلانا بكذا: إذا قويته وأعنته، فأنا أؤيده تأييدا، و «فعلت» منه: إدته فأنا أئيده أيدا؛ ومنه قول الله عز وجل: {واذكر عبدنا داود ذا الأيد} ، يعني ذا القوة. وتأويل الكلام: قد كان لكم آية يا معشر اليهود في فئتين التقتا: إحداهما تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة، يراهم المسلمون مثليهم رأي أعينهم، فأيدنا المسلمة وهم قليل عددهم، على الكافرة وهم كثير عددهم حتى ظفروا بهم معتبر ومتفكر، والله يقوي بنصره من يشاء، وقال جل ثناؤه: إن في ذلك: يعني إن فيما فعلنا بهؤلاء الذين وصفنا أمرهم من تأييدنا الفئة المسلمة مع قلة عددهم، على الفئة الكافرة مع كثرة عددها {لعبرة} [آل عمران: 13] يعني لمتفكرا ومتعظا لمن عقل وادكر فأبصر الحق كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} [آل عمران: 13] يقول: «لقد كان لهم في هؤلاء عبرة وتفكر، أيدهم الله ونصرهم على عدوهم» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله 05P253

Sección V05/P253–V05/P259

[آل عمران: 14] القول في تأويل قوله تعالى: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب} [آل عمران: 14] 05P254 يعني تعالى ذكره: زين للناس محبة ما يشتهون من النساء والبنين وسائر ما عد، وإنما أراد بذلك توبيخ اليهود الذين آثروا الدنيا وحب الرياسة فيها على اتباع محمد صلى الله عليه وسلم بعد علمهم بصدقه وكان الحسن يقول: «من زينها ما أحد أشد لها ذما من خالقها» حدثني بذلك أحمد بن حازم: قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا أبو الأشعث، عنه حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد، قال: قال عمر: " لما نزل: {زين للناس حب الشهوات} [آل عمران: 14] قلت: الآن يا رب حين زينتها لنا، فنزلت: {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار} [آل عمران: 15] " الآية وأما القناطير: فإنها جمع القنطار. واختلف أهل التأويل في مبلغ القنطار، فقال بعضهم: هو ألف ومائتا أوقية ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن معاذ بن جبل، قال: «القنطار ألف ومائتا أوقية» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: ثنا أبو حصين، عن سالم 05P255 بن أبي الجعد، عن معاذ، مثله حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا يعني حفص بن ميسرة، عن أبي مروان، عن أبي طيبة، عن ابن عمر، قال: «القنطار ألف ومائتا أوقية» حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا قاسم بن مالك المزني، قال: أخبرني العلاء بن المسيب، عن عاصم بن أبي النجود، قال: «القنطار ألف ومائتا أوقية» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا حماد بن زيد، عن عاصم ابن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، مثله حدثني زكريا بن يحيى الصديق، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا مخلد بن عبد الواحد، عن علي بن زيد، عن عطاء بن أبى ميمونة، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية» وقال آخرون: القنطار ألف دينار ومائتا دينار ذكر من قال ذلك: حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: ثنا يونس، عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القنطار ألف ومائتا دينار» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا يونس، عن الحسن، قال: «القنطار ألف ومائتا دينار» حدثني محمد بن سعد، قال: ثنا أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: «القنطار ألف ومائتا دينار ومن الفضة ألف ومائتا مثقال» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم، يقول: «القناطير المقنطرة، يعني المال الكثير من الذهب والفضة، والقنطار ألف ومائتا دينار، ومن الفضة ألف ومائتا مثقال» وقال آخرون: القنطار اثنا عشر ألف درهم، أو ألف دينار ذكر من قال ذلك: حدثني علي بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: «القنطار اثنا عشر ألف درهم، أو ألف دينار» حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، قال: " القنطار ألف دينار، ومن الورق: اثنا عشر ألف درهم " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، «أن القنطار، اثنا عشر ألفا» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا عوف، عن الحسن: «القنطار اثنا عشر ألفا» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عوف، عن الحسن: «اثنا عشر ألفا» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، بمثل حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن عوف، عن الحسن، قال: «القنطار ألف دينار دية أحدكم» وقال آخرون: هو ثمانون ألفا من الدراهم، أو مائة رطل من الذهب ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، قالا: ثنا يحيى بن سعيد، عن سليمان التيمي، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: «القنطار ثمانون ألفا» حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، قال: «القنطار ثمانون ألفا» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: «كنا نحدث أن القنطار، مائة رطل من ذهب، أو ثمانون ألفا من الورق» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: «القنطار مائة رطل من ذهب، أو ثمانون ألف درهم من ورق» حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالح، قال: «القنطار مائة رطل» حدثني موسى، قال ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: «القنطار يكون مائة رطل، وهو ثمانية آلاف مثقال » وقال آخرون: القنطار سبعون ألفا ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {القناطير المقنطرة} [آل عمران: 14] قال: «القنطار سبعون ألف دينار» حدثني المثنى، قال ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عمر بن حوشب، قال: سمعت عطاء الخراساني، قال: سئل ابن عمر عن القنطار، فقال: «سبعون ألفا» وقال آخرون: هي ملء مسك ثور ذهبا ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سالم بن نوح، قال: ثنا سعيد الجريري، عن أبي نضرة، قال: «ملء مسك ثور ذهبا» حدثني أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا أبو الأشعث، عن أبي نضرة: «ملء مسك ثور ذهبا» وقال آخرون: هو المال الكثير ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: {القناطير المقنطرة} [آل عمران: 14] «المال الكثير بعضه على بعض» 05P260 وقد ذكر بعض أهل العلم بكلام العرب أن العرب لا تحد القنطار بمقدار معلوم من الوزن، ولكنها تقول: هو قدر ووزن، وقد ينبغي أن يكون ذلك كذلك؛ لأن ذلك لو كان محدودا قدره عندها لم يكن بين متقدمي أهل التأويل فيه كل هذا الاختلاف.

Sección V05/P259–V05/P260

فالصواب في ذلك أن يقال: هو المال الكثير، كما قال الربيع بن أنس، ولا يحد قدر وزنه بحد على تعنف، وقد قيل ما قيل مما روينا، وأما المقنطرة: فهي المضعفة، وكأن القناطير ثلاثة والمقنطرة تسعة، وهو كما قال الربيع بن أنس: المال الكثير بعضه على بعض كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " القناطير المقنطرة من الذهب والفضة: والمقنطرة المال الكثير بعضه على بعض " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضحاك، في قوله: {القناطير المقنطرة} [آل عمران: 14] «يعني المال الكثير من الذهب والفضة» وقال آخرون: معنى المقنطرة: المضروبة دراهم أو دنانير ذكر من قال ذلك: حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: أما قوله 05P261 : {المقنطرة} [آل عمران: 14] فيقول: «المضروبة حتى صارت دنانير أو دراهم» وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وآتيتم إحداهن قنطارا} [النساء: 20] خبر لو صح سنده لم نعده إلى غيره وذلك ما: حدثنا به ابن عبد الرحمن البرقي، قال: ثني عمرو بن أبي سلمة، قال: ثنا زهير بن محمد، قال: ثني أبان بن أبي عياش، وحميد الطويل، عن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وآتيتم إحداهن قنطارا} [النساء: 20] قال: «ألفا مئين» يعني ألفين 05P261

Sección V05/P260–V05/P264

[آل عمران: 14] القول في تأويل قوله تعالى: {والخيل المسومة} [آل عمران: 14] اختلف أهل التأويل في معنى المسومة، فقال بعضهم: هي الراعية ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير: الخيل المسومة، قال: «الراعية التي ترعى» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، مثله. 05P262 حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، مثله حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير: «هي الراعية، يعني السائمة» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن طلحة القناد، قال: سمعت عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، يقول: «الراعية» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {والخيل المسومة} [آل عمران: 14] قال: «الراعية» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن: {والخيل المسومة} [آل عمران: 14] «المسرحة في الرعي» حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {والخيل المسومة} [آل عمران: 14] قال: «الخيل الراعية » حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن ليث، عن مجاهد، أنه كان يقول: «الخيل الراعية» وقال آخرون: المسمومة: الحسان ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال ثنا سفيان، عن حبيب، قال: قال مجاهد: " المسومة: المطهمة " حدثنا الحسن بن يحيى، قال أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد، في قوله: {والخيل المسومة} [آل عمران: 14] قال: «المطهمة الحسان» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {والخيل المسومة} [آل عمران: 14] قال: «المطهمة حسنا» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن حبيب، عن مجاهد: «المطهمة» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال ثنا سعيد بن أبي أيوب، عن بشير بن أبي عمرو الخولاني، قال: سألت عكرمة عن الخيل 05P264 المسومة، قال: «تسويمها حسنها» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن بشير بن أبي عمرو الخولاني، قال: سمعت عكرمة، يقول: {الخيل المسومة} [آل عمران: 14] قال: «تسويمها الحسن» حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {والخيل المسومة والأنعام} [آل عمران: 14] «الرائعة» وقد حدثني بهذا الحديث عن عمرو بن حماد غير موسى، قال: «الراعية» .

Sección V05/P264–V05/P265

وقال آخرون: {الخيل المسومة} [آل عمران: 14] المعلمة ذكر من قال ذلك: حدثني علي بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: {والخيل المسومة} [آل عمران: 14] «يعني المعلمة» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {والخيل المسومة} [آل عمران: 14] «وسيماها شيتها» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {والخيل المسومة} [آل عمران: 14] قال: «شية الخيل في وجوهها» 05P265 وقال غيرهم: المسومة المعدة للجهاد ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد {والخيل المسومة} [آل عمران: 14] قال: «المعدة للجهاد» قال أبو جعفر: أولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله: {والخيل المسومة} [آل عمران: 14] المعلمة بالشيات الحسان الرائعة حسنا من رآها؛ لأن التسويم في كلام العرب هو الإعلام فالخيل الحسان معلمة بإعلام إياها بالحسن من ألوانها وشياتها وهيئاتها، وهي المطهمة أيضا، ومن ذلك قول نابغة بني ذبيان في صفة الخيل: [+البحر الوافر] بسمر كالقداح مسومات عليها معشر أشباه جن يعني بالمسومات المعلمات؛ وقول لبيد: [+البحر الكامل] وغداة قاع القرنتين أتينهم زجلا يلوح خلالها التسويم فمعنى تأويل من تأول ذلك: المطهمة والمعلمة، والرائعة واحد، وأما قول من تأوله بمعنى الراعية فإنه ذهب إلى قول القائل: أسمت الماشية فأنا أسيمها إسامة: إذا رعيتها الكلأ والعشب، كما قال الله عز وجل: {ومنه شجر فيه تسيمون} [النحل: 10] بمعنى ترعون، ومنه قول الأخطل: [+البحر الكامل] مثل ابن بزعة أو كآخر مثله أولى لك ابن مسيمة الأجمال يعني بذلك راعية الأجمال، فإذا أريد أن الماشية هي التي رعت، قيل: سامت الماشية تسوم سوما، ولذلك قيل: إبل سائمة، بمعنى راعية، غير أنه مستفيض في كلامهم سومت الماشية، بمعنى أرعيتها، وإنما يقال إذا أريد ذلك: أسمتها فإذا كان ذلك كذلك، فتوجيه تأويل المسومة إلى أنها المعلمة بما وصفنا من المعاني التي تقدم ذكرها أصح، وأما الذي قاله ابن زيد من أنها المعدة في سبيل الله، فتأويل من معنى المسومة بمعزل 05P266

Sección V05/P265–V05/P267

[آل عمران: 14] القول في تأويل قوله تعالى: {والأنعام والحرث} [آل عمران: 14] فالأنعام جمع نعم: وهي الأزواج الثمانية التي ذكرها في كتابه من الضأن والمعز والبقر والإبل، وأما الحرث: فهو الزرع وتأويل الكلام: زين للناس حب الشهوات من النساء ومن البنين، ومن كذا 05P267 ومن كذا، ومن الأنعام والحرث 05P266 [آل عمران: 14] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب} [آل عمران: 14] يعني بقوله جل ثناؤه: ذلك جميع ما ذكر في هذه الآية من النساء والبنين، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ، والخيل المسومة، والأنعام والحرث، فكنى بقوله ذلك عن جميعهن، وهذا يدل على أن ذلك يشتمل على الأشياء الكثيرة المختلفة المعاني، ويكنى به عن جميع ذلك. وأما قوله: {متاع الحياة الدنيا} [آل عمران: 14] فإنه خبر من الله عن أن ذلك كله مما يستمتع به في الدنيا أهلها أحياء، فيتبلغون به فيها، ويجعلونه وصلة في معايشهم، وسببا لقضاء شهواتهم التي زين لهم حبها، في عاجل دنياهم، دون أن يكون عدة لمعادهم وقربة لهم إلى ربهم، إلا ما أسلك في سبيله وأنفق منه فيما أمر به وأما قوله: {والله عنده حسن المآب} [آل عمران: 14] فإنه يعني بذلك جل ثناؤه: وعند الله حسن المآب، يعني حسن المرجع. كما: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {والله عنده حسن المآب} [آل عمران: 14] يقول: «حسن المنقلب، وهي الجنة» وهو مصدر على مثال «مفعل» من قول القائل: آب الرجل إلينا: إذا رجع، فهو يئوب إيابا وأوبة وأيبة ومآبا غير أن موضع الفاء منها مهموز، والعين مبدلة من الواو 05P268 إلى الألف بحركتها إلى الفتح، فلما كان حظها الحركة إلى الفتح، وكانت حركتها منقولة إلى الحرف الذي قبلها وهو فاء الفعل انقلبت فصارت ألفا، كما قيل: قال: فصارت عين الفعل ألفا؛ لأن حظها الفتح، والمآب مثل المقال والمعاد والمحال، كل ذلك «مفعل» ، منقولة حركة عينه إلى فائه، فتصير واوه أو ياؤه ألفا لفتحة ما قبلها. فإن قال قائل: وكيف قيل: {والله عنده حسن المآب} [آل عمران: 14] وقد علمت ما عنده يومئذ من أليم العذاب وشديد العقاب؟ قيل: إن ذلك معنى به خاص من الناس، ومعنى ذلك: والله عنده حسن المآب للذين اتقوا ربهم، وقد أنبأنا عن ذلك في هذه الآية التي تليها، فإن قال: وما حسن المآب؟ قيل: هو ما وصفه به جل ثناؤه، وهو المرجع إلى جنات تجري من تحتها الأنهار مخلدا فيها، وإلى أزواج مطهرة ورضوان من الله 05P267

Sección V05/P267–V05/P271

[آل عمران: 15] القول في تأويل قوله تعالى: {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد} [آل عمران: 15] يعني جل ثناؤه: قل يا محمد، للناس الذين زين لهم حب الشهوات من النساء والبنين، وسائر ما ذكر جل ثناؤه: {أؤنبئكم} [آل عمران: 15] أأخبركم وأعلمكم {بخير من ذلكم} [آل عمران: 15] يعني بخير وأفضل لكم {من ذلكم} [آل عمران: 15] يعني مما زين لكم في الدنيا حب شهوته من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، وأنواع الأموال التي هي متاع الدنيا. ثم اختلف أهل العربية في الموضع الذي تناهى إليه الاستفهام من هذا الكلام، فقال بعضهم: تناهى ذلك عند قوله: {من ذلكم} [آل عمران: 15] ثم ابتدأ الخبر عما {للذين اتقوا عند ربهم} [آل عمران: 15] فقيل: للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، فلذلك رفع «الجنات» ، ومن قال هذا القول، لم يجز في قوله: {جنات تجري من تحتها الأنهار} [البقرة: 25] إلا الرفع، وذلك أنه خبر مبتدأ غير مردود على قوله بخير، فيكون الخفض فيه جائزا، وهو وإن كان خبرا مبتدأ عندهم، ففيه إبانة عن معنى الخير الذي أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للناس: أؤنبئكم به؟ والجنات على هذا القول مرفوعة باللام التي في قوله: {للذين اتقوا عند ربهم} [آل عمران: 15] وقال آخرون منهم بنحو من هذا القول إلا أنهم قالوا: إن جعلت اللام التي في قوله «للذين» من صلة الإنباء جاز في الجنات الخفض والرفع: الخفض على الرد على «الخير» ، والرفع على أن يكون قوله: {للذين اتقوا} [آل عمران: 15] خبر مبتدأ على ما قد بيناه قبل. وقال آخرون: بل منتهى الاستفهام قوله: {عند ربهم} [البقرة: 62] ثم ابتدأ: {جنات تجري من تحتها الأنهار} [البقرة: 25] وقالوا: تأويل الكلام: قل أؤنبئكم بخير من ذلكم؟ للذين اتقوا عند ربهم، ثم كأنه قيل: ماذا لهم؟ أو ما ذاك؟ أو على أنه يقال: ماذا لهم؟ أو ما ذاك؟ فقال: هو جنات تجري من تحتها الأنهار الآية. وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من جعل الاستفهام متناهيا عند قوله: {بخير من ذلكم} [آل عمران: 15] والخبر بعده مبتدأ عمن له الجنات بقوله: {للذين اتقوا عند ربهم جنات} [آل عمران: 15] فيكون مخرج ذلك مخرج الخبر، وهو إبانة عن معنى الخير الذي قال: أنبئكم به؟ فلا يكون بالكلام حينئذ حاجة إلى ضمير. قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: وأما قوله: {خالدين فيها} [البقرة: 162] فمنصوب على القطع؛ ومعنى قوله: {للذين اتقوا} [آل عمران: 15] للذين خافوا الله فأطاعوه، بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه. {عند ربهم} [البقرة: 62] يعني بذلك: لهم جنات تجري من تحتها الأنهار عند ربهم، والجنات: البساتين، وقد بينا ذلك بالشواهد فيما مضى، وأن قوله: {تجري من تحتها الأنهار} [البقرة: 25] يعني به: من تحت الأشجار، وأن الخلود فيها دوام البقاء فيها، وأن الأزواج المطهرة هن نساء الجنة اللواتي طهرن من كل أذى يكون بنساء أهل الدنيا من الحيض والمني والبول والنفاس وما أشبه ذلك من الأذى، بما أغنى من إعادته في هذا الموضع. وقوله: {ورضوان من الله} [آل عمران: 15] يعني ورضا الله، وهو مصدر من قول القائل: رضي الله عن فلان، فهو يرضى عنه رضا «منقوص» ورضوانا ورضوانا ومرضاة، فأما الرضوان بضم الراء فهو لغة قيس، وبه كان عاصم يقرأ. وإنما ذكر الله جل ثناؤه فيما ذكر للذين اتقوا عنده من الخير رضوانه؛ لأن رضوانه أعلى منازل كرامة أهل الجنة كما: حدثنا ابن بشار، قال: ثني أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال الله تبارك وتعالى: أعطيكم أفضل من هذا؟ فيقولون: أي ربنا، أي شيء أفضل من هذا؟

Sección V05/P271

قال «رضواني» وقوله: {والله بصير بالعباد} [آل عمران: 15] يعني بذلك والله ذو بصر بالذي يتقيه من عباده، فيخافه فيطيعه، ويؤثر ما عنده مما ذكر أنه أعده للذين اتقوه على حب ما زين له في عاجل الدنيا من شهوات النساء والبنين وسائر ما عدد منها تعالى ذكره، وبالذي لا يتقيه فيخافه، ولكنه يعصيه، ويطيع الشيطان ، ويؤثر ما زين له في الدنيا من حب شهوة النساء والبنين والأموال، على ما عنده من النعيم المقيم، عالم تعالى ذكره بكل فريق منهم، حتى يجازي كلهم عند معادهم إليه جزاءهم، المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته 05P271

Preguntas