Taberî — Câmiü'l-Beyân
[آل عمران: 174] القول في تأويل قوله تعالى: {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم} [آل عمران: 174] يعني جل ثناؤه بقوله: {فانقلبوا بنعمة من الله} [آل عمران: 174] فانصرف الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح من وجههم الذي توجهوا فيه، وهو سيرهم في أثر عدوهم إلى حمراء الأسد {بنعمة من الله} [آل عمران: 171] يعني : بعافية من ربهم لم يلقوا بها عدوا {وفضل} [آل عمران: 171] يعني: أصابوا فيها من الأرباح بتجارتهم التي اتجروا بها، والأجر الذي اكتسبوه {لم يمسسهم سوء} [آل عمران: 174] يعني: لم ينلهم بها مكروه من عدوهم ولا أذى {واتبعوا رضوان الله} [آل عمران: 174] يعني بذلك أنهم أرضوا الله بفعلهم ذلك واتباعهم رسوله إلى ما دعاهم إليه من اتباع أثر العدو وطاعتهم. {والله ذو فضل عظيم} [آل عمران: 174] يعني: والله ذو إحسان وطول عليهم بصرف عدوهم الذي كانوا قد هموا بالكرة إليهم، وغير ذلك من أياديه عندهم، وعلى غيرهم بنعمة، عظيم عند من أنعم به عليه من خلقه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل} [آل عمران: 174] قال: " والفضل: ما أصابوا من 06P254 التجارة والأجر " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: " وافقوا السوق فابتاعوا، وذلك قوله: {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل} [آل عمران: 174] قال: الفضل ما أصابوا من التجارة والأجر " قال ابن جريج: «ما أصابوا من البيع نعمة من الله وفضل، أصابوا عفوه وعزته، لا ينازعهم فيه أحد» . قال: وقوله: {لم يمسسهم سوء} [آل عمران: 174] قال: «قتل» {واتبعوا رضوان الله} [آل عمران: 174] قال: «طاعة النبي صلى الله عليه وسلم» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {والله ذو فضل عظيم} [آل عمران: 174] «لما صرف عنهم من لقاء عدوهم» حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: «أطاعوا الله، وابتغوا حاجتهم، ولم يؤذهم أحد» {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم} [آل عمران: 174] حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني: حين خرج إلى غزوة بدر الصغرى ببدر دراهم ابتاعوا بها من موسم بدر، فأصابوا تجارة؛ فذلك قول الله: {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله} [آل عمران: 174] " أما النعمة: فهي العافية، 06P255 وأما الفضل: فالتجارة، والسوء: القتل " 06P254
[آل عمران: 175] القول في تأويل قوله تعالى: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 175] يعني بذلك تعالى ذكره: إنما الذي قال لكم أيها المؤمنون: إن الناس قد جمعوا لكم، فخوفوكم بجموع عدوكم، ومسيرهم إليكم، من فعل الشيطان، ألقاه على أفواه من قال ذلك لكم، يخوفكم بأوليائه من المشركين أبي سفيان وأصحابه من قريش، لترهبوهم، وتجبنوا عنهم كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه} [آل عمران: 175] «يخوف والله المؤمن بالكافر، ويرهب المؤمن بالكافر» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه} [آل عمران: 175] قال: «يخوف المؤمنين بالكفار» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه} [آل عمران: 175] يقول: «الشيطان يخوف المؤمنين بأوليائه» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه} [آل عمران: 175] : «أي أولئك الرهط، يعني النفر من عبد القيس الذين قالوا 06P256 لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما قالوا، وما ألقى الشيطان على أفواههم» {يخوف أولياءه} [آل عمران: 175] «أي يرهبكم بأوليائه» حدثني يونس، قال: أخبرنا علي بن معبد، عن عتاب بن بشير، مولى قريش، عن سالم الأفطس، في قوله: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه} [آل عمران: 175] قال: «يخوفكم بأوليائه» وقال آخرون: معنى ذلك: إنما ذلكم الشيطان يعظم أمر المشركين أيها المنافقون في أنفسكم فتخافونه ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: «ذكر أمر المشركين وعظمهم في أعين المنافقين» فقال: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه} [آل عمران: 175] «يعظم أولياءه في صدوركم فتخافونهم» فإن قال قائل: وكيف قيل: {يخوف أولياءه} [آل عمران: 175] وهل يخوف الشيطان أولياءه؟ قيل: إن كان معناه يخوفكم بأوليائه يخوف أولياءه، قيل ذلك نظير قوله: {لينذر بأسا شديدا} [الكهف: 2] ، بمعنى: لينذركم بأسه الشديد، وذلك أن البأس لا ينذر، وإنما ينذر به، وقد كان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: معنى ذلك: يخوف الناس 06P257 أولياءه، كقول القائل: هو يعطي الدراهم، ويكسو الثياب، بمعنى: هو يعطي الناس الدراهم، ويكسوهم الثياب، فحذف ذلك للاستغناء عنه، وليس الذي شبه ذلك بمشبه، لأن الدراهم في قول القائل: هو يعطي الدراهم معلوم أن المعطى هي الدراهم، وليس كذلك الأولياء في قوله: {يخوف أولياءه} [آل عمران: 175] مخوفين، بل التخويف من الأولياء لغيرهم، فلذلك افترقا 06P256 [آل عمران: 175] القول في تأويل قوله تعالى: {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 175] يقول: فلا تخافوا أيها المؤمنون المشركين، ولا يعظمن عليكم أمرهم، ولا ترهبوا جمعهم مع طاعتكم إياي، ما أطعتموني، واتبعتم أمري، وإني متكفل لكم بالنصر والظفر، ولكن خافون، واتقوا أن تعصوني وتخالفوا أمري، فتهلكوا إن كنتم مؤمنين، يقول: ولكن خافوني دون المشركين، ودون جميع خلقي أن تخالفوا أمري إن كنتم مصدقي رسولي وما جاءكم به من عندي 06P257 [آل عمران: 176] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم} [آل عمران: 176] يقول جل ثناؤه: ولا يحزنك يا محمد كفر الذين يسارعون في الكفر مرتدين على أعقابهم من أهل النفاق، فإنهم لن يضروا الله بمسارعتهم في الكفر شيئا، كما أن مسارعتهم لو سارعوا إلى الإيمان لم تكن بنافعته، كذلك مسارعتهم إلى الكفر غير ضارته كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} [آل عمران: 176] يعني: «هم المنافقون» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} [آل عمران: 176] «أي المنافقون » 06P258
[آل عمران: 176] القول في تأويل قوله تعالى: {يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم} [آل عمران: 176] يعني بذلك جل ثناؤه: يريد الله أن لا يجعل لهؤلاء الذين يسارعون في الكفر نصيبا في ثواب الآخرة، فلذلك خذلهم، فسارعوا فيه، ثم أخبر أنهم مع حرمانهم ما حرموا من ثواب الآخرة، لهم عذاب عظيم في الآخرة، وذلك عذاب النار. وقال ابن إسحاق في ذلك بما: حدثني ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة} [آل عمران: 176] «أن يحبط أعمالهم» 06P258 [آل عمران: 177] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم} [آل عمران: 177] يعني بذلك جل ثناؤه المنافقين الذين تقدم إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فيهم أن لا يحزنه مسارعتهم إلى الكفر، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء الذين ابتاعوا الكفر بإيمانهم، فارتدوا عن إيمانهم بعد دخولهم فيه، ورضوا بالكفر بالله وبرسوله، عوضا من الإيمان، لن يضروا الله بكفرهم وارتدادهم، عن إيمانهم شيئا، بل إنما يضرون بذلك أنفسهم بإيجابهم بذلك لها من عقاب الله ما لا قبل لها به. وإنما حث الله جل ثناؤه بهذه الآيات من قوله: {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله} [آل عمران: 166] إلى هذه الآية عباده المؤمنين على إخلاص اليقين، والانقطاع إليه في أمورهم، والرضا به ناصرا وحده دون غيره من سائر خلقه، ورغب بها في جهاد أعدائه وأعداء دينه، وشجع بها قلوبهم، وأعلمهم أن من وليه بنصره فلن يخذل ولو اجتمع عليه جميع من خالفه وحاده، وأن من خذله فلن ينصره ناصر ينفعه نصره ولو كثرت أعوانه أو نصراؤه كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان} [آل عمران: 177] «أي المنافقين» {لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم} [آل عمران: 177] «أي موجع» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: «هم المنافقون» 06P259 [آل عمران: 178] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين} [آل عمران: 178] يعني بذلك تعالى ذكره: ولا يظنن الذين كفروا بالله ورسوله، وما جاء به من عند الله أن إملاءنا لهم خير لأنفسهم. ويعني بالإملاء: الإطالة في العمر والإنساء في الأجل؛ ومنه قوله جل ثناؤه : {واهجرني مليا} [مريم: 46] أي حينا طويلا؛ ومنه قيل: عشت طويلا وتمليت حينا والملا نفسه الدهر، والملوان: الليل والنهار، ومنه قول تميم بن مقبل: [+البحر الطويل] ألا يا ديار الحي بالسبعان أمل عليها بالبلى الملوان يعني بالملوان الليل والنهار. وقد اختلفت القراء في قراءة قوله: {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم} [آل عمران: 178] فقرأ ذلك جماعة منهم: (ولا يحسبن) بالياء وفتح الألف من قوله {أنما} [آل عمران: 178] على المعنى الذي وصفت من تأويله، وقرأه آخرون: ولا تحسبن بالتاء و {أنما} [آل عمران: 178] أيضا بفتح الألف من «أنما» بمعنى: ولا تحسبن يا محمد الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم. فإن قال قائل: فما الذي من أجله فتحت الألف من قوله: {أنما} [آل عمران: 178] في قراءة من قرأ بالتاء، وقد علمت أن ذلك إذا قرئ بالتاء فقد أعملت تحسبن في الذين كفروا، وإذا أعملتها في ذلك لم يجز لها أن تقع على «أنما» لأن «أنما» إنما يعمل فيها عامل يعمل في شيئين نصبا؟ قيل: أما الصواب في العربية ووجه الكلام المعروف من كلام العرب كسر إن إذا قرئت تحسبن بالتاء، لأن تحسبن إذا قرئت بالتاء، فإنها قد نصبت الذين كفروا، فلا يجوز أن تعمل وقد نصبت اسما في أن، ولكني أظن أن من قرأ ذلك بالتاء في تحسبن وفتح الألف من أنما، إنما أراد تكرير تحسبن على أنما، كأنه قصد إلى أن معنى الكلام: ولا تحسبن يا محمد أنت الذين كفروا، لا تحسبن أنما نملي لهم خير لأنفسهم، كما قال جل ثناؤه: {فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة} [محمد: 18] ، بتأويل: هل ينظرون إلا الساعة، هل ينظرون إلا أن تأتيهم بغتة؟ وذلك وإن كان وجها جائزا في العربية، فوجه كلام العرب ما وصفنا قبل. والصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأ: {ولا يحسبن الذين كفروا} [آل عمران: 178] بالياء من (يحسبن) ، وبفتح الألف من «أنما» ، على معنى الحسبان للذين كفروا دون غيرهم، ثم يعمل في «أنما» نصبا؛ لأن (يحسبن) حينئذ لم يشغل بشيء عمل فيه، وهي تطلب منصوبين، وإنما اخترنا ذلك لإجماع القراء على فتح الألف من «أنما» الأولى، فدل ذلك على أن القراءة الصحيحة في {يحسبن} [آل عمران: 178] بالياء لما وصفنا؛ وأما ألف «إنما» الثانية فالكسر على الابتداء بالإجماع من القراء عليه. وتأويل قوله: {إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} [آل عمران: 178] إنما نؤخر آجالهم فنطيلها ليزدادوا إثما، يقول: يكتسبوا المعاصي فتزداد آثامهم وتكثر {ولهم عذاب مهين} [آل عمران: 178] يقول: ولهؤلاء الذين كفروا بالله ورسوله في الآخرة عقوبة لهم مهينة مذلة. وبنحو ما قلنا في ذلك جاء الأثر حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن خيثمة، عن الأسود، قال: قال عبد الله: «ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموت خير لها» وقرأ: {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} [آل عمران: 178] وقرأ: {نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار} [آل عمران: 198] 06P262
[آل عمران: 179] القول في تأويل قوله تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم} [آل عمران: 179] يعني بقوله: {ما كان الله ليذر المؤمنين} [آل عمران: 179] ما كان الله ليدع المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن منكم بالمنافق، فلا يعرف هذا من هذا {حتى يميز الخبيث من الطيب} [آل عمران: 179] يعني بذلك: حتى يميز الخبيث، وهو المنافق المستسر للكفر من الطيب، وهو المؤمن المخلص الصادق الإيمان بالمحن والاختبار، كما ميز بينهم يوم أحد عند لقاء العدو عند خروجهم إليه. واختلف أهل التأويل في الخبيث الذي عنى الله بهذه الآية، فقال بعضهم فيه مثل قولنا 06P263 ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثني أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} [آل عمران: 179] قال: «ميز بينهم يوم أحد، المنافق من المؤمن» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال ثني حجاج، عن ابن جريج: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} [آل عمران: 179] قال ابن جريج: يقول: «ليبين الصادق بإيمانه من الكاذب» قال: ابن جريج: قال مجاهد: «يوم أحد ميز بعضهم عن بعض، المنافق عن المؤمن» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} [آل عمران: 179] «أي المنافق» وقال آخرون: معنى ذلك: حتى يميز المؤمن من الكافر بالهجرة والجهاد ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه} [آل عمران: 179] يعني: " الكفار، يقول: لم يكن الله ليدع المؤمنين على ما أنتم عليه من الضلالة " {حتى يميز الخبيث من الطيب} [آل عمران: 179] «يميز 06P264 بينهم في الجهاد والهجرة» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {حتى يميز الخبيث من الطيب} [آل عمران: 179] قال: «حتى يميز الفاجر من المؤمن» حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} [آل عمران: 179] قالوا: «إن كان محمد صادقا فليخبرنا بمن يؤمن بالله ومن يكفر» فأنزل الله: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} [آل عمران : 179] «حتى يخرج المؤمن من الكافر» والتأويل الأول أولى بتأويل الآية، لأن الآيات قبلها في ذكر المنافقين وهذه في سياقتها، فكونها بأن تكون فيهم أشبه منها بأن تكون في غيرهم 06P264
[آل عمران: 179] القول في تأويل قوله تعالى: {وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء} [آل عمران: 179] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم بما: حدثنا به محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وما كان الله ليطلعكم على الغيب} [آل عمران: 179] «وما كان الله ليطلع محمدا على الغيب، ولكن الله اجتباه فجعله رسولا» وقال آخرون بما: حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {وما 06P265 كان الله ليطلعكم على الغيب} [آل عمران: 179] «أي فيما يريد أن يبتليكم به، لتحذروا ما يدخل عليكم فيه» : {ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء} [آل عمران: 179] «يعلمه» وأولى الأقوال في ذلك بتأويله: وما كان الله ليطلعكم على ضمائر قلوب عباده، فتعرفوا المؤمن منهم من المنافق والكافر، ولكنه يميز بينهم بالمحن والابتلاء كما ميز بينهم بالبأساء يوم أحد، وجهاد عدوه، وما أشبه ذلك من صنوف المحن، حتى تعرفوا مؤمنهم وكافرهم ومنافقهم، غير أنه تعالى ذكره يجتبي من رسله من يشاء، فيصطفيه، فيطلعه على بعض ما في ضمائر بعضهم بوحيه ذلك إليه ورسالته كما: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء} [آل عمران: 179] قال: «يخلصهم لنفسه» وإنما قلنا هذا التأويل أولى بتأويل الآية؛ لأن ابتداءها خبر من الله تعالى ذكره أنه غير تارك عباده، يعني بغير محن، حتى يفرق بالابتلاء بين مؤمنهم وكافرهم وأهل نفاقهم، ثم عقب ذلك بقوله: {وما كان الله ليطلعكم على الغيب} [آل عمران: 179] ، 06P266 فكان فيما افتتح به من صفة إظهار الله نفاق المنافق وكفر الكافر، دلالة واضحة على أن الذي ولي ذلك هو الخبر عن أنه لم يكن ليطلعهم على ما يخفى عنهم من باطن سرائرهم إلا بالذي ذكر أنه مميز به نعتهم إلا من استثناه من رسله الذي خصه بعلمه 06P265 [آل عمران: 179] القول في تأويل قوله تعالى: {فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم} [آل عمران: 179] يعني بذلك جل ثناؤه بقوله: {وإن تؤمنوا} [آل عمران: 179] وإن تصدقوا من اجتبيته من رسلي بعلمي، وأطلعته على المنافقين منكم، وتتقوا ربكم بطاعته فيما أمركم به نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم وفيما نهاكم عنه {فلكم أجر عظيم} [آل عمران: 179] يقول: فلكم بذلك من إيمانكم واتقائكم ربكم ثواب عظيم كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا} [آل عمران: 179] «أي ترجعوا وتتوبوا» {فلكم أجر عظيم} [آل عمران: 179] 06P266
[آل عمران: 180] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السموات والأرض والله بما تعملون خبير} [آل عمران: 180] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه جماعة من أهل الحجاز والعراق: {ولا يحسبن الذين يبخلون} [آل عمران: 180] بالياء من «يحسبن» وقرأته جماعة أخر: (ولا تحسبن) بالتاء. ثم اختلف أهل العربية في تأويل ذلك، فقال بعض نحويي الكوفة: معنى ذلك: لا يحسبن الباخلون البخل هو خيرا لهم، فاكتفى بذكر يبخلون من البخل، كما تقول: قدم فلان فسررت به، وأنت تريد فسررت بقدومه، وهو عماد. وقال بعض نحويي أهل البصرة: إنما أراد بقوله: (ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم) لا تحسبن البخل هو خيرا لهم، فألقى الاسم الذي أوقع عليه الحسبان به وهو البخل؛ لأنه قد ذكر الحسبان، وذكر ما آتاهم الله من فضله، فأضمرهما إذ ذكرهما، قال: وقد جاء من الحذف ما هو أشد من هذا، قال: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل} [الحديد: 10] ولم يقل: ومن أنفق من بعد الفتح؛ لأنه لما قال: {أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد} [الحديد: 10] كان فيه دليل على أنه قد عناهم. وقال بعض من أنكر قول من ذكرنا قوله من أهل البصرة أن {من} [البقرة: 4] في قوله: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح} [الحديد: 10] في معنى جمع، ومعنى الكلام: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح في منازلهم وحالاتهم، فكيف من أنفق من بعد الفتح؟ فالأول مكتف، وقال في قوله: {لا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم} [آل عمران: 180] محذوف، غير أنه لم يحذف إلا وفي الكلام ما قام مقام المحذوف، لأن {هو} [البقرة: 29] عائد البخل، و {خيرا لهم} [آل عمران: 110] عائد الأسماء، فقد دل هذان العائدان على أن قبلهما اسمين، واكتفى بقوله: يبخلون، من البخل، قال: وهذا إذا قرئ بالتاء، فالبخل قبل الذين، وإذا قرئ بالياء، فالبخل بعد الذين، وقد اكتفى بالذين يبخلون من البخل، كما قال الشاعر: [+البحر الوافر] إذا نهي السفيه جرى إليه وخالف والسفيه إلى خلاف كأنه قال: جرى إلى السفه، فاكتفى عن السفه بالسفيه، كذلك اكتفى بالذين يبخلون من البخل. وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي، قراءة من قرأ: (ولا تحسبن الذين يبخلون) بالتاء بتأويل: ولا تحسبن أنت يا محمد بخل الذين يبخلون بما أتاهم الله من فضله، هو خيرا لهم، ثم ترك ذكر البخل، إذ كان في قوله {هو خيرا لهم} [آل عمران: 180] ، دلالة على أنه مراد في الكلام، إذ كان قد تقدمه قوله: {الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله} [آل عمران: 180] وإنما قلنا: قراءة ذلك بالتاء أولى بالصواب من قراءته بالياء؛ لأن المحسبة من شأنها طلب اسم وخبر، فإذا قرئ قوله: {ولا يحسبن الذين يبخلون} [آل عمران: 180] بالياء لم يكن للمحسبة اسم يكون قوله: {هو خيرا لهم} [آل عمران: 180] خبرا عنه، وإذا قرئ ذلك بالتاء كان قوله: {الذين يبخلون} [آل عمران: 180] اسما له، قد أدى عن معنى البخل الذي هو اسم المحسبة المتروك، وكان قوله: {هو خيرا لهم} [آل عمران: 180] خبرا لها، فكان جاريا مجرى المعروف من كلام العرب الفصيح، فلذلك اخترنا القراءة بالتاء في ذلك على ما بيناه، وإن كانت القراءة بالياء غير خطأ، ولكنه ليس بالأفصح ولا الأشهر من كلام العرب.
وأما تأويل الآية الذي هو تأويلها على ما اخترنا من القراءة في ذلك: ولا تحسبن يا محمد بخل الذين يبخلون بما أعطاهم الله في الدنيا من الأموال، فلا يخرجون منه حق الله الذي فرضه عليهم فيه من الزكوات هو خيرا لهم عند الله يوم القيامة، بل هو شر لهم عنده في الآخرة كما: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: (ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم) : «هم الذين آتاهم الله من فضله، فبخلوا أن ينفقوها في سبيل الله، ولم يؤدوا زكاتها» 06P270 وقال آخرون: بل عنى بذلك اليهود الذين بخلوا أن يبينوا للناس ما أنزل الله في التوراة من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله) إلى {سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} [آل عمران: 180] «يعني بذلك أهل الكتاب أنهم بخلوا بالكتاب أن يبينوه للناس» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: (ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله) قال: «هم يهود، إلى» قوله: {والكتاب المنير} [آل عمران: 184] وأولى التأويلين بتأويل هذه الآية التأويل الأول وهو أنه معنى بالبخل في هذا الموضع: منع الزكاة لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تأول قوله: {سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} [آل عمران: 180] قال: البخيل الذي منع حق الله منه أنه يصير ثعبانا في عنقه، ولقول الله عقيب هذه الآية: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} [آل عمران: 181] فوصف جل ثناؤه قول المشركين 06P271 من اليهود الذين زعموا عند أمر الله إياهم بالزكاة أن الله فقير 06P270
[آل عمران: 180] القول في تأويل قوله تعالى: {سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} [آل عمران: 180] يعني بقوله جل ثناؤه: {سيطوقون} [آل عمران: 180] سيجعل الله ما بخل به المانعون الزكاة طوقا في أعناقهم، كهيئة الأطواق المعروفة كالذي: حدثني الحسن بن قزعة، قال: ثنا مسلمة بن علقمة، قال: ثنا داود، عن أبي قزعة، عن أبي مالك العبدي، قال: «ما من عبد يأتيه ذو رحم له يسأله من فضل عنده فيبخل عليه إلا أخرج له الذي بخل به عليه شجاعا أقرع» وقال: وقرأ: (ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة) إلى آخر الآية حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن أبي قزعة، عن رجل، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من ذي رحم يأتي رحمه فيسأله من فضل جعله الله عنده فيبخل به عليه إلا أخرج له من جهنم شجاع يتلمظ حتى يطوقه» حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو معاوية محمد بن خازم، قال: ثنا داود، عن أبي قزعة حجر بن بيان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من ذي رحم 06P272 يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل أعطاه الله إياه فيبخل به عليه، إلا أخرج له يوم القيامة شجاع من النار يتلمظ حتى يطوقه» ثم قرأ: {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله} [آل عمران: 180] حتى انتهى إلى قوله: {سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} [آل عمران: 180] حدثني زياد بن عبيد الله المري، قال: ثنا مروان بن معاوية، وحدثني محمد بن عبد الله الكلابي، قال: ثنا عبد الله بن بكر السهمي، وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا عبد الواحد بن واصل أبو عبيدة الحداد واللفظ ليعقوب جميعا، عن بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يأتي رجل مولاه فيسأله من فضل مال عنده فيمنعه إياه إلا دعا له يوم القيامة شجاعا يتلمظ فضله الذي منع» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود: {سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} [آل عمران: 180] قال: " ثعبان ينقر رأس أحدهم، يقول: أنا مالك الذي بخلت به " حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت أبا وائل، يحدث أنه سمع عبد الله، قال في هذه الآية: سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة قال: «شجاع يلتوي برأس أحدهم» حدثني ابن المثنى قال: ثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، قال: ثنا خلاد بن أسلم، قال أخبرنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل، عن عبد الله، بمثله، إلا أنهما قالا: «قال شجاع أسود» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: " يجيء ماله يوم القيامة ثعبانا، فينقر رأسه فيقول: أنا مالك الذي بخلت به، فينطوي على عنقه " حدثت عن سفيان بن عيينة، قال: ثنا جامع بن شداد، وعبد الملك بن أعين، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله إلا مثل له شجاع أقرع يطوقه» ثم قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم} [آل عمران: 180] الآية " حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثني أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: أما {سيطوقون ما بخلوا به} [آل عمران: 180] «فإنه يجعل ماله يوم القيامة شجاعا أقرع يطوقه، فيأخذ بعنقه، فيتبعه حتى يقذفه في النار» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا خلف بن خليفة، عن أبي هاشم، عن أبي وائل، قال : " هو الرجل الذي يرزقه الله مالا، فيمنع قرابته الحق الذي جعل الله لهم في ماله، فيجعل حية فيطوقها، فيقول: ما لي ولك؟
فيقول: أنا مالك " حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق، قال: سألت ابن مسعود عن قوله: {سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} [آل عمران: 180] قال: «يطوقون شجاعا أقرع، ينهش رأسه» وقال آخرون: معنى ذلك: {سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} [آل عمران: 180] «فيجعل في أعناقهم طوقا من نار» ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: {سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} [آل عمران: 180] قال: «طوقا من النار» حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم أنه قال في هذه الآية: سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة قال: «طوقا من نار» حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، في قوله: {سيطوقون} [آل عمران: 180] قال: «طوقا من نار» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة قال: «طوق من نار» وقال آخرون: معنى ذلك: سيحمل الذين كتموا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من أحبار اليهود ما كتموا من ذلك ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} [آل عمران: 180] ألم تسمع أنه قال: {يبخلون ويأمرون الناس 06P276 بالبخل} [آل عمران: 180] " يعني أهل الكتاب، يقول: يكتمون ويأمرون الناس بالكتمان " قال آخرون: معنى ذلك: سيكلفون يوم القيامة أن يأتوا بما بخلوا به في الدنيا من أموالهم ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة } [آل عمران: 180] قال: «سيكلفون أن يأتوا بما بخلوا به» إلى قوله: {والكتاب المنير} [آل عمران: 184] حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {سيطوقون} [آل عمران: 180] «سيكلفون أن يأتوا بمثل ما بخلوا به من أموالهم يوم القيامة» وأولى الأقوال بتأويل هذه الآية التأويل الذي قلناه في ذلك في مبدأ قوله: {سيطوقون ما بخلوا به} [آل عمران: 180] للأخبار التي ذكرنا في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحد أعلم بما عنى الله تبارك وتعالى بتنزيله منه عليه الصلاة والسلام 06P276
[آل عمران: 180] القول في تأويل قوله تعالى: {ولله ميراث السموات والأرض والله بما تعملون خبير} [آل عمران: 180] 06P276 يعني بذلك جل ثناؤه: أنه الحي الذي لا يموت، والباقي بعد فناء جميع خلقه. فإن قال قائل: فما معنى قوله: {ولله ميراث السموات والأرض} والميراث المعروف: هو ما انتقل من ملك مالك إلى وارثه بموته ولله الدنيا قبل فناء خلقه وبعده؟ قيل: إن معنى ذلك ما وصفنا من وصفه نفسه بالبقاء، وإعلام خلقه أنه كتب عليهم الفناء وذلك أن ملك المالك إنما يصير ميراثا بعد وفاته، فإنما قال جل ثناؤه: {ولله ميراث السموات والأرض} إعلاما بذلك منه عباده أن أملاك جميع خلقه منتقلة عنهم بموتهم، وأنه لا أحد إلا وهو فان سواء، فإنه الذي إذا هلك جميع خلقه، فزالت أملاكهم عنهم لم يبق أحد يكون له ما كانوا يملكونه غيره. وإنما معنى الآية: لا تحسبن الذي يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم، بل هو شر لهم، سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة، بعد ما يهلكون، وتزول عنهم أملاكهم في الحين الذي لا يملكون شيئا، وصار لله ميراثه وميراث غيره من خلقه، ثم أخبر تعالى ذكره أنه بما يعمل هؤلاء الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضل، وغيرهم من سائر خلقه، ذو خبرة وعلم، محيط بذلك كله، حتى يجازي كلا منهم على قدر استحقاقه المحسن بالإحسان، والمسيء على ما يرى تعالى ذكره 06P277
[آل عمران: 181_182] القول في تأويل قوله تعالى: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد} [آل عمران: 181_182] ذكر أن هذه الآية وآيات بعدها نزلت في بعض اليهود، الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الآثار بذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثنا محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أنه حدثه، عن ابن عباس، قال: دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه بيت المدارس، فوجد من يهود ناسا كثيرا قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص، كان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر يقال له أشيع فقال أبو بكر رضي الله عنه لفنحاص: ويحك يا فنحاص، اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله، قد جاءكم بالحق من عند الله، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل، قال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان عنا غنيا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطيناه، ولو كان غنيا عنا ما أعطانا الربا، فغضب أبو بكر، فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة، وقال: والذي نفسي بيده، لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدو الله، فأكذبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين، فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «وما حملك على ما صنعت؟ » فقال: يا رسول الله إن عدو الله قال قولا عظيما، زعم أن الله فقير، وأنهم عنه أغنياء، فلما قال ذلك غضبت لله مما قال، فضربت وجهه، فجحد ذلك فنحاص، وقال: ما قلت ذلك، فأنزل الله تبارك وتعالى فيما قال فنحاص ردا عليه وتصديقا لأبي بكر : {لقد سمع 06P279 الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق} [آل عمران: 181] وفي قول أبي بكر وما بلغه في ذلك من الغضب: {لتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} [آل عمران: 186] حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة مولى ابن عباس، قال: دخل أبو بكر، فذكر نحوه، غير أنه قال: «وإنا عنه لأغنياء، وما هو عنا بغني، ولو كان غنيا؛ ثم ذكر سائر الحديث نحوه» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} [آل عمران: 181] " قالها فنحاص اليهودي من بني مرثد، لقيه أبو بكر فكلمه، فقال له: يا فنحاص، اتق الله وآمن وصدق، وأقرض الله قرضا حسنا، فقال فنحاص: يا أبا بكر، تزعم أن ربنا فقير، يستقرضنا أموالنا، وما يستقرض إلا الفقير من الغني، إن كان ما تقول حقا، فإن الله إذا لفقير، فأنزل الله عز وجل هذا، فقال أبو بكر: فلولا هدنة كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين بني مرثد لقتلته " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: " صك أبو بكر رجلا منهم {الذين قالوا: إن الله فقير ونحن 06P280 أغنياء} [آل عمران: 181] لم يستقرضنا وهو غني وهم يهود؟ " حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، قال {الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} [آل عمران: 181] " لم يستقرضنا وهو غني؟
قال شبل: بلغني أنه فنحاص اليهودي، وهو الذي قال: إن الله ثالث ثلاثة، ويد الله مغلولة " حدثنا ابن حميد، قال: ثني يحيى بن واضح، قال: حدثت عن عطاء، عن الحسن، قال: لما نزلت: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} [البقرة: 245] ، " قالت اليهود: إن ربكم يستقرض منكم " فأنزل الله: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} [آل عمران: 181] حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن الحسن البصري، قال: لما نزلت: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} [البقرة: 245] قال: " عجبت اليهود فقالت: إن الله فقير يستقرض " فنزلت: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} [آل عمران: 181] حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} [آل عمران: 181] " ذكر لنا أنها نزلت في حيي بن أخطب لما أنزل الله: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة} [البقرة: 245] قال: يستقرضنا ربنا، إنما يستقرض الفقير الغني " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن 06P281 قتادة، قال: لما نزلت: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} [البقرة: 245] " قالت اليهود: إنما يستقرض الفقير من الغني " قال: فأنزل الله: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} [آل عمران: 181] حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد، يقول في قوله: {لقد سمع الله، قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} [آل عمران: 181] قال: " هؤلاء اليهود، فتأويل الآية إذا: لقد سمع الله قول الذين قالوا من اليهود: إن الله فقير إلينا ونحن أغنياء عنه، سنكتب ما قالوا من الإفك والفرية على ربهم وقتلهم أنبياءهم بغير حق " واختلفت القراء في قراءة قوله: {سنكتب ما قالوا وقتلهم} [آل عمران: 181] فقرأ ذلك قراء الحجاز وعامة قراء العراق: {سنكتب ما قالوا} [آل عمران: 181] بالنون {وقتلهم الأنبياء بغير حق} [آل عمران: 181] بنصب القتل. وقرأ ذلك بعض قراء الكوفيين: (سيكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق) بالياء من (سيكتب) وبضمها ورفع القتل على مذهب ما لم يسم فاعله، اعتبارا بقراءة يذكر أنها من قراءة عبد الله في قوله: {ونقول ذوقوا} [آل عمران : 181] ، يذكر أنها في قراءة عبد الله: «ويقال» فأغفل قارئ ذلك وجه الصواب فيما قصد إليه من تأويل القراءة التي تنسب إلى عبد الله، وخالف الحجة من قراء الإسلام، وذلك أن الذي ينبغي لمن قرأ : (سيكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء) على وجه ما لم يسم فاعله، أن يقرأ: «ويقال» ، لأن قوله: {ونقول} [آل عمران: 181] عطف على قوله: {سنكتب} [آل عمران: 181] . فالصواب من القراءة أن يوفق بينهما في المعنى بأن يقرأ جميعا على مذهب ما لم يسم فاعله، أو على مذهب ما يسمى فاعله، فأما أن يقرأ أحدهما على مذهب ما لم يسم فاعله، والآخر على وجه ما قد سمي فاعله من غير معنى ألجأه على ذلك، فاختيار خارج عن الفصيح من كلام العرب. والصواب من القراءة في ذلك عندنا: {سنكتب} [آل عمران: 181] بالنون {وقتلهم} [آل عمران: 181] بالنصب لقوله: {ونقول} [آل عمران: 181] ، ولو كانت القراءة في (سيكتب) بالياء وضمها، لقيل: «ويقال» ، على ما قد بينا. فإن قال قائل: كيف قيل: {وقتلهم الأنبياء بغير حق} [آل عمران: 181] وقد ذكرت الآثار التي رويت أن الذين عنوا بقوله: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير} [آل عمران: 181] بعض اليهود الذين كانوا على عهد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يكن من أولئك أحد قتل نبيا من الأنبياء؛ لأنهم لم يدركوا نبيا من أنبياء الله فيقتلوه؟
قيل: إن معنى ذلك على غير الوجه الذي ذهبت إليه، وإنما قيل ذلك كذلك؛ لأن الذين عنى الله تبارك وتعالى بهذه الآية كانوا راضين بما فعل أوائلهم من قتل من قتلوا من الأنبياء، وكانوا منهم وعلى منهاجهم، من استحلال ذلك واستجازته، فأضاف جل ثناؤه فعل ما فعله من كانوا على منهاجه وطريقته إلى جميعهم، إذ كانوا أهل ملة واحدة، ونحلة واحدة، وبالرضا من جميعهم، فعل ما فعل فاعل ذلك منهم على ما بينا من نظائره فيما مضى قبل 06P283
[آل عمران: 181_182] القول في تأويل قوله: {ونقول ذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد} [آل عمران: 181_182] يعني بذلك جل ثناؤه: ونقول للقائلين بأن الله فقير ونحن أغنياء، القاتلين أنبياء الله بغير حق، يوم القيامة: ذوقوا عذاب الحريق، يعني بذلك: عذاب نار محرقة ملتهبة، والنار اسم جامع للملتهبة منها وغير الملتهبة، وإنما الحريق صفة لها، يراد أنها محرقة، كما قيل: «عذاب أليم» يعني: مؤلم، و «وجيع» يعني: موجع. وأما قوله: {ذلك بما قدمت أيديكم} [آل عمران: 182] أي قولنا لهم يوم القيامة: ذوقوا عذاب الحريق بما أسلفت أيديكم، واكتسبتها أيام حياتكم في الدنيا، وبأن الله عدل لا يجور، فيعاقب عبدا له بغير استحقاق منه العقوبة، ولكنه يجازي كل نفس بما كسبت، ويوفي كل عامل جزاء ما عمل، فجازى الذين قال لهم يوم القيامة من اليهود الذين وصف صفتهم، فأخبر عنهم أنهم قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، وقتلوا الأنبياء بغير حق، بما جازاهم به من عذاب الحريق، بما اكتسبوا من الآثام، واجترحوا من السيئات، وكذبوا على الله بعد الإعذار إليهم بالإنذار، فلم يكن تعالى ذكره بما عاقبهم به من إذاقتهم عذاب الحريق ظالما ولا واضعا عقوبته في غير أهلها، وكذلك هو جل ثناؤه غير ظلام أحدا من خلقه، ولكنه العادل بينهم، والمتفضل على جميعهم بما أحب من فواضله ونعمه [آل عمران: 183] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين} [آل عمران: 183] يعني بذلك جل ثناؤه: لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول، وقوله: {الذين قالوا إن الله} [آل عمران: 181] في موضع خفض ردا على قوله: {الذين قالوا إن الله فقير} [آل عمران: 181] ويعني بقوله: {قالوا إن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول} أوصانا وتقدم إلينا في كتبه وعلى ألسن أنبيائه أن لا نؤمن لرسول، يقول: أن لا نصدق رسولا فيما يقول إنه جاء به من عند الله، من أمر ونهي وغير ذلك {حتى يأتينا بقربان تأكله النار} [آل عمران: 183] يقول: حتى يجيئنا بقربان، وهو ما تقرب به العبد إلى ربه من صدقة، وهو مصدر مثل العدوان والخسران من قولك: قربت قربانا، وإنما قال: {تأكله النار} [آل عمران: 183] ؛ لأن أكل النار ما قربه أحدهم لله في ذلك الزمان كان دليلا على قبول الله منه ما قرب له، ودلالة على صدق المقرب فيما ادعى أنه محق فيما نازع أو قال كما: حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {حتى يأتينا بقربان تأكله النار} [آل عمران: 183] «كان الرجل يتصدق، فإذا تقبل منه أنزلت عليه نار من السماء فأكلته» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {بقربان تأكله النار} [آل عمران: 183] «كان الرجل إذا تصدق بصدقة، فتقبلت منه بعث الله نارا من السماء، فنزلت على القربان فأكلته» فقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات} [آل عمران: 183] يعني: بالحجج الدالة على صدق نبوتهم وحقيقة قولهم؛ {وبالذي قلتم} [آل عمران: 183] يعني: وبالذي ادعيتم أنه إذا جاء به لزمكم تصديقه، والإقرار بنبوته من أكل النار قربانه إذا قرب لله دلالة على صدقه؛ {فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين} [آل عمران: 183] يقول له: قل لهم: قد جاءتكم الرسل الذي كانوا من قبلي بالذي زعمتم أنه حجة لهم عليكم، فقتلتموهم، فلم قتلتموهم وأنتم مقرون بأن الذي جاءوكم به من ذلك كان حجة لهم عليكم إن كنتم صادقين في أن الله عهد إليكم أن تؤمنوا بمن أتاكم من رسله بقربان تأكله النار حجة له على نبوته؟ وإنما أعلم الله عباده بهذه الآية، أن الذين وصف صفتهم من اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لن يفروا، وأن يكونوا في كذبهم على الله، وافترائهم على ربهم، وتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم وهم يعلمونه صادقا محقا، وجحودهم نبوته ، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في عهد الله تعالى إليهم أنه رسوله إلى خلقه، مفروضة طاعته إلا كمن مضى من أسلافهم الذين كانوا يقتلون أنبياء الله بعد قطع الله عذرهم بالحجج التي أيدهم الله بها، والأدلة التي أبان صدقهم بها، افتراء على الله، واستخفافا بحقوقه 06P286
[آل عمران: 184] القول في تأويل قوله تعالى: {فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير} [آل عمران: 184] وهذا تعزية من الله جل ثناؤه نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم على الأذى الذي كان يناله من اليهود وأهل الشرك بالله من سائر أهل الملل، يقول الله تعالى له: لا يحزنك يا محمد كذب هؤلاء الذين قالوا: إن الله فقير، وقالوا: إن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، وافتراؤهم على ربهم اغترارا بإمهال الله إياهم، ولا يعظمن عليك تكذيبهم إياك، وادعاؤهم الأباطيل من عهود الله إليهم، فإنهم إن فعلوا ذلك بك فكذبوك كذبوا على الله، فقد كذبت أسلافهم من رسل الله قبلك من جاءهم بالحجج القاطعة العذر، والأدلة الباهرة العقل، والآيات المعجزة الخلق، وذلك هو البينات، وأما الزبر: فإنه جمع زبور: وهو الكتاب، وكل كتاب فهو زبور، ومنه قول امرئ القيس: [+البحر الطويل] لمن طلل أبصرته فشجاني كخط زبور في عسيب يماني ويعني بالكتاب: التوراة والإنجيل، وذلك أن اليهود كذبت عيسى وما جاء به وحرفت ما جاء به موسى عليه السلام من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وبدلت عهده إليهم فيه، وأن النصارى جحدت ما في الإنجيل من نعته وغيرت ما أمرهم به في أمره وأما قوله: {المنير} [آل عمران: 184] فإنه يعني: الذي ينير فيبين الحق لمن التبس عليه ويوضحه، وإنما هو من النور والإضاءة، يقال: قد أنار لك هذا الأمر، بمعنى: أضاء لك وتبين، فهو ينير إنارة، والشيء المنير وقد: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك} [آل عمران: 184] قال: «يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك} [آل عمران: 184] قال: «يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم» وهذا الحرف في مصاحف أهل الحجاز والعراق: {والزبر} [آل عمران: 184] بغير باء، وهو في مصاحف أهل الشام: (وبالزبر) بالباء مثل الذي في سورة فاطر 06P287 [آل عمران: 185] القول في تأويل قوله تعالى: {كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} [آل عمران: 185] يعني بذلك تعالى ذكره أن مصير هؤلاء المفترين على الله من اليهود المكذبين برسوله، الذين وصف صفتهم، وأخبر عن جراءتهم على ربهم، ومصير غيرهم من جميع خلقه تعالى ذكره، ومرجع جميعهم إليه، لأنه قد حتم الموت على جميعهم، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: لا يحزنك تكذيب من كذبك يا محمد من هؤلاء اليهود وغيرهم، وافتراء من افترى علي، فقد كذب قبلك رسل جاءوا من الآيات والحجج من أرسلوا إليه بمثل الذي جئت من أرسلت إليه، فلك فيهم أسوة تتعزى بهم، ومصير من كذبك، وافترى علي وغيرهم، ومرجعهم إلي، فأوفي كل نفس منهم جزاء عمله يوم القيامة، كما قال جل ثناؤه: {وإنما توفون أجوركم يوم القيامة} [آل عمران: 185] يعني أجور أعمالكم إن خيرا فخير، وإن شرا فشر {فمن زحزح عن النار} [آل عمران: 185] ، يقول: فمن نحي عن النار وأبعد منها {فقد فاز} [آل عمران: 185] يقول: فقد نجا وظفر بحاجته، يقال منه: فاز فلان بطلبته يفوز فوزا ومفازا ومفازة: إذا ظفر بها. وإنما معنى ذلك: فمن نحي عن النار فأبعد منها، وأدخل الجنة، فقد نجا وظفر بعظيم الكرامة {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} [آل عمران: 185] يقول: وما لذات الدنيا وشهواتها، وما فيها من زينتها وزخارفها، إلا متاع الغرور، يقول: إلا متعة يمتعكموها الغرور والخداع المضمحل، الذي لا حقيقة له عند الامتحان، ولا صحة له عند الاختبار، فأنتم تلتذون بما متعكم الغرور من دنياكم، ثم هو عائد عليكم بالفجائع والمصائب والمكاره، يقول تعالى ذكره: لا تركنوا إلى الدنيا فتسكنوا إليها، فإنما أنتم منها في غرور تمتعون، ثم أنتم عنها بعد قليل راحلون وقد روي في تأويل ذلك ما: حدثني به المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا 06P289 جرير، عن الأعمش، عن بكير بن الأخنس، عن عبد الرحمن بن سابط، في قوله: {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} [آل عمران: 185] قال: «كزاد الراعي، تزوده الكف من التمر، أو الشيء من الدقيق، أو الشيء يشرب عليه اللبن» فكأن ابن سابط ذهب في تأويله هذا إلى أن معنى الآية: وما الحياة الدنيا إلا متاع قليل، لا يبلغ من تمتعه ولا يكفيه لسفره. وهذا التأويل وإن كان وجها من وجوه التأويل، فإن الصحيح من القول فيه هو ما قلنا، لأن الغرور إنما هو الخداع في كلام العرب، وإذ كان ذلك كذلك فلا وجه لصرفه إلى معنى القلة؛ لأن الشيء قد يكون قليلا وصاحبه منه في غير خداع ولا غرور؛ وأما الذي هو في غرور فلا القليل يصح له ولا الكثير مما هو منه في غرور. والغرور مصدر من قول القائل: غرني فلان، فهو يغرني غرورا بضم الغين؛ وأما إذا فتحت الغين من الغرور فهو صفة للشيطان الغرور الذي يغر ابن آدم حتى يدخله من معصية الله فيما يستوجب به عقوبته وقد: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبدة، وعبد الرحيم، قالا: ثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، واقرءوا إن شئتم {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} [آل عمران: 185] " 06P289
[آل عمران: 186] القول في تأويل قوله تعالى: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} [آل عمران: 186] يعني بذلك تعالى ذكره: {لتبلون في أموالكم} [آل عمران: 186] لتختبرن بالمصائب في أموالكم وأنفسكم، يعني: وبهلاك الأقرباء والعشائر من أهل نصرتكم وملتكم {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [آل عمران: 186] يعني: من اليهود وقولهم {إن الله فقير ونحن أغنياء} [آل عمران: 181] وقولهم {يد الله مغلولة} [المائدة: 64] وما أشبه ذلك من افترائهم على الله {ومن الذين أشركوا} [البقرة: 96] يعني النصارى، {أذى كثيرا} [آل عمران: 186] والأذى من اليهود ما ذكرنا، ومن النصارى قولهم: المسيح ابن الله، وما أشبه ذلك من كفرهم بالله {وإن تصبروا وتتقوا} [آل عمران: 120] يقول: وإن تصبروا لأمر الله الذي أمركم به فيهم وفي غيرهم من طاعته وتتقوا، يقول: وتتقوا الله فيما أمركم ونهاكم، فتعملوا في ذلك بطاعته. {فإن ذلك من عزم الأمور} [آل عمران: 186] يقول: فإن ذلك الصبر والتقوى مما عزم الله عليه وأمركم به. وقيل: إن ذلك كله نزل في فنحاص اليهودي سيد بني قينقاع كالذي: حدثنا به القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عكرمة في قوله: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا} [آل عمران: 186] قال: نزلت هذه الآية في النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أبي بكر رضوان الله عليه، وفي فنحاص اليهودي سيد بني قينقاع، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رحمه الله إلى فنحاص يستمده، وكتب إليه بكتاب، وقال لأبي بكر: «لا تفتاتن علي بشيء حتى ترجع» فجاء أبو بكر وهو متوشح بالسيف، فأعطاه الكتاب، فلما قرأه قال: قد احتاج ربكم أن نمده، فهم أبو بكر أن يضربه بالسيف، ثم ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تفتاتن علي بشيء حتى ترجع» فكف؛ ونزلت: {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم} [آل عمران: 180] وما بين الآيتين إلى قوله: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم} [آل عمران: 186] نزلت هذه الآيات في بني قينقاع، إلى قوله: {فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك} [آل عمران: 184] قال ابن جريج: يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم، قال: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم} [آل عمران : 186] قال: أعلم الله المؤمنين أنه سيبتليهم فينظر كيف صبرهم على دينهم، ثم قال: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [آل عمران: 186] يعني: اليهود والنصارى، {ومن الذين أشركوا أذى كثيرا} [آل عمران: 186] فكان المسلمون يسمعون من اليهود قولهم: عزير ابن الله، ومن النصارى: المسيح ابن الله، فكان المسلمون ينصبون لهم الحرب، ويسمعون إشراكهم، فقال الله: {وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} [آل عمران: 186] يقول: «من القوة مما عزم الله عليه وأمركم به» وقال آخرون: بل نزلت في كعب بن الأشرف، وذلك أنه كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتشبب بنساء المسلمين ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن 06P292 الزهري، في قوله: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا} [آل عمران: 186] قال: " هو كعب بن الأشرف، وكان يحرض المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في شعره، ويهجو النبي صلى الله عليه وسلم، فانطلق إليه خمسة نفر من الأنصار فيهم محمد بن مسلمة، ورجل يقال له أبو عبس، فأتوه وهو في مجلس قومه بالعوالي؛ فلما رآهم ذعر منهم، فأنكر شأنهم، وقالوا: جئناك لحاجة، قال: فليدن إلي بعضكم، فليحدثني بحاجته فجاءه رجل منهم فقال: جئناك لنبيعك أدراعا عندنا لنستنفق بها، فقال: والله لئن فعلتم لقد جهدتم منذ نزل بكم هذا الرجل فواعدوه أن يأتوه عشاء حين هدأ عنهم الناس، فأتوه، فنادوه، فقالت امرأته: ما طرقك هؤلاء ساعتهم هذه لشيء مما تحب، قال: إنهم حدثوني بحديثهم وشأنهم " قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه أشرف عليهم فكلمهم، فقال: «أترهنوني أبناءكم؟
وأرادوا أن يبيعهم تمرا» قال: فقالوا إنا نستحيي أن تعير أبناؤنا فيقال هذا رهينة وسق، وهذا رهينة وسقين، فقال: «أترهنوني نساءكم؟ » قالوا: أنت أجمل الناس، ولا نأمنك، وأي امرأة تمتنع منك لجمالك؟ ولكنا نرهنك سلاحنا، فقد علمت حاجتنا إلى السلاح اليوم، فقال: «ائتوني بسلاحكم، واحتملوا ما شئتم» قالوا: فانزل إلينا نأخذ عليك، وتأخذ علينا، فذهب ينزل، فتعلقت به امرأته وقالت: أرسل إلى أمثالهم من قومك يكونوا معك، قال: «لو 06P293 وجدني هؤلاء نائما ما أيقظوني» قالت: فكلمهم من فوق البيت، فأبى عليها، فنزل إليهم يفوح ريحه، قالوا: ما هذه الريح يا فلان؟ قال: «هذا عطر أم فلان امرأته» فدنا إليه بعضهم يشم رائحته، ثم اعتنقه، ثم قال: اقتلوا عدو الله، فطعنه أبو عبس في خاصرته، وعلاه محمد بن مسلمة بالسيف، فقتلوه، ثم رجعوا. فأصبحت اليهود مذعورين، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: قتل سيدنا غيلة، فذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم صنيعه، وما كان يحض عليهم، ويحرض في قتالهم، ويؤذيهم، ثم دعاهم إلى أن يكتب بينه وبينهم صلحا، فقال: فكان ذلك الكتاب مع علي رضوان الله عليه 06P292
[آل عمران: 187] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون} [آل عمران: 187] يعني بذلك تعالى ذكره: واذكر أيضا من هؤلاء اليهود وغيرهم من أهل الكتاب منهم يا محمد إذ أخذ الله ميثاقهم، ليبينن للناس أمرك الذي أخذ ميثاقهم على بيانه للناس في كتابهم الذي في أيديهم، وهو التوراة والإنجيل، وأنك لله رسول مرسل بالحق، ولا يكتمونه، {فنبذوه وراء ظهورهم} [آل عمران: 187] يقول فتركوا أمر الله وضيعوه، ونقضوا ميثاقه الذي أخذ عليهم بذلك، فكتموا أمرك، وكذبوا بك {واشتروا به ثمنا قليلا} [آل عمران: 187] يقول وابتاعوا بكتمانهم ما أخذ عليهم الميثاق أن لا يكتموه من أمر نبوتك، عوضا منه، خسيسا قليلا من عرض الدنيا، ثم ذم جل ثناؤه شراءهم ما اشتروا به من ذلك، فقال {فبئس ما يشترون} [آل عمران: 187] واختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية، فقال بعضهم: عني بها اليهود خاصة ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أنه حدثه، عن ابن عباس: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} [آل عمران: 187] إلى قوله: {عذاب أليم} [آل عمران: 188] «يعني فنحاص وأشيع وأشباههما من الأحبار» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة مولى ابن عباس، مثله حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم) «كان أمرهم أن يتبعوا النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته» وقال: {اتبعوه لعلكم تهتدون} [الأعراف: 158] « 06P295 فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم قال» : {أوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون} [البقرة: 40] " عاهدهم على ذلك، فقال حين بعث محمدا: صدقوه وتلقون الذي أحببتم عندي " حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس} [آل عمران: 187] الآية، قال: «إن الله أخذ ميثاق اليهود ليبيننه للناس محمدا صلى الله عليه وسلم، ولا يكتمونه، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنا قليلا» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن أبي الجحاف، عن مسلم البطين، قال: سأل الحجاج بن يوسف جلساءه عن هذه الآية: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب} [آل عمران: 187] فقام رجل إلى سعيد بن جبير فسأله، فقال: «وإذ أخذ الله ميثاق أهل الكتاب يهود (ليبيننه للناس) محمدا صلى الله عليه وسلم ولا يكتمونه، فنبذوه» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه) قال: «وكان فيه أن الإسلام دين الله الذي افترضه على عباده، وأن محمدا يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل» 06P296 وقال آخرون: عني بذلك كل من أوتي علما بأمر الدين ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم) الآية " هذا ميثاق أخذ الله على أهل العلم، فمن علم شيئا فليعلمه، وإياكم وكتمان العلم، فإن كتمان العلم هلكة، ولا يتكلفن رجل ما لا علم له به، فيخرج من دين الله، فيكون من المتكلفين، كان يقال: مثل علم لا يقال به كمثل كنز لا ينفق منه، ومثل حكمة لا تخرج كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب " وكان يقال: طوبى لعالم ناطق، وطوبى لمستمع واع.
هذا رجل علم علما فعلمه وبذله ودعا إليه، ورجل سمع خيرا فحفظه ووعاه، وانتفع به حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، قال: " جاء رجل إلى قوم في المسجد وفيه عبد الله بن مسعود فقال: إن أخاكم كعبا يقرئكم السلام، ويبشركم أن هذه الآية ليست فيكم: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه) فقال له عبد الله: «وأنت فأقرئه السلام، وأخبره أنها نزلت وهو يهودي» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة بنحوه، عن عبد الله وكعب 06P297 وقال آخرون: معنى ذلك: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: ثني يحيى بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: إن أصحاب عبد الله يقرءون: «وإذ أخذ ربك من الذين أوتوا الكتاب ميثاقهم» قال: «من النبيين على قومهم» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا قبيصة، قال: ثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد، قال: قلت لابن عباس: إن أصحاب عبد الله يقرءون {وإذ أخذ الله ميثاق} [آل عمران: 187] الذين أوتوا الكتاب «وإذ أخذ الله ميثاق النبيين» قال: فقال: «أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم» وأما قوله: (ليبيننه للناس) فإنه كما: حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثني أبي، قال: ثنا محمد بن ذكوان، قال: ثنا أبو نعامة السعدي، قال: كان الحسن يفسر قوله: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه) ليتكلمن بالحق وليصدقنه بالعمل " واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: {لتبيننه للناس ولا تكتمونه} [آل عمران: 187] بالتاء، وهي قراءة عظم قراء أهل المدينة والكوفة على وجه المخاطب، بمعنى: قال لهم: لتبيننه للناس ولا تكتمونه وقرأ ذلك آخرون: (ليبيننه للناس ولا يكتمونه) بالياء جميعا على وجه الخبر عن الغائب؛ لأنهم في وقت إخبار الله نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك عنهم كانوا غير موجودين، فصار الخبر عنهم كالخبر عن الغائب. والقول في ذلك عندنا: أنهما قراءتان صحيحة وجوههما، مستفيضتان في قراءة الإسلام، غير مختلفتي المعاني، فبأيتهما قرأ القارئ فقد أصاب الحق والصواب في ذلك، غير أن الأمر في ذلك وإن كان كذلك، فإن أحب القراءتين إلي أن أقرأ بها: (ليبيننه للناس ولا يكتمونه) بالياء جميعا استدلالا بقوله: {فنبذوه} [آل عمران: 187] أنه إذا كان قد خرج مخرج الخبر عن الغائب على سبيل قوله: {فنبذوه} [آل عمران: 187] حتى يكون متسقا كله على معنى واحد ومثال واحد، ولو كان الأول بمعنى الخطاب لكان أن يقال: فنبذتموه وراء ظهوركم، أولى من أن يقال: فنبذوه وراء ظهورهم. وأما قوله: {فنبذوه وراء ظهورهم} [آل عمران: 187] فإنه مثل لتضييعهم القيام بالميثاق، وتركهم العمل به. وقد بينا المعنى الذي من أجله قيل ذلك كذلك فيما مضى من كتابنا هذا، فكرهنا إعادته.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب البجلي، عن الشعبي، في قوله: {فنبذوه وراء ظهورهم} [آل عمران: 187] قال: «إنهم قد كانوا يقرءونه إنما نبذوا العمل به» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {فنبذوه وراء ظهورهم} [آل عمران: 187] قال: «نبذوا الميثاق» حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا مالك بن مغول، قال: نبئت عن الشعبي في هذه الآية: {فنبذوه وراء ظهورهم} [آل عمران: 187] قال: «قذفوه بين أيديهم، وتركوا العمل به» وأما قوله {واشتروا به ثمنا قليلا} [آل عمران: 187] فإن معناه ما قلنا من أخذهم ما أخذوا على كتمانهم الحق وتحريفهم الكتاب كما: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {واشتروا به ثمنا قليلا} [آل عمران: 187] «أخذوا طمعا، وكتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم» وقوله: {فبئس ما يشترون} [آل عمران: 187] يقول: فبئس الشراء يشترون في تضييعهم الميثاق وتبديلهم الكتاب كما: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي 06P300 نجيح، عن مجاهد: {فبئس ما يشترون} [آل عمران: 187] قال: «تبديل اليهود التوراة» 06P299
Preguntas
- ¿Qué enseña el islam sobre la vida después de la muerte?
- ¿Qué creen los musulmanes acerca de los profetas?
- ¿Cómo se realizan las cinco oraciones diarias (salat)?
- ¿Cuáles son las reglas del ayuno en Ramadán?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?