Taberî — Câmiü'l-Beyân
[النساء: 28] القول في تأويل قوله تعالى: {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} [النساء: 28] يعني جل ثناؤه بقوله: {يريد الله أن يخفف عنكم} [النساء: 28] يريد الله أن ييسر عليكم بإذنه لكم في نكاح الفتيات المؤمنات إذا لم تستطيعوا طولا لحرة. {وخلق الإنسان ضعيفا} [النساء: 28] يقول: " يسر ذلك عليكم إذا كنتم غير مستطيعي الطول للحرائر، لأنكم خلقتم ضعفاء عجزة عن ترك جماع النساء قليلي الصبر عنه، فأذن لكم في نكاح فتياتكم المؤمنات، عند خوفكم العنت على أنفسكم، ولم تجدوا طولا لحرة لئلا تزنوا، لقلة صبركم على ترك جماع النساء. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {يريد الله أن يخفف، عنكم} [النساء: 28] في نكاح الأمة، وفي كل شيء فيه يسر " حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه: {وخلق الإنسان ضعيفا} [النساء: 28] قال: «في أمر الجماع» حدثنا ابن بشار قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه: {وخلق الإنسان ضعيفا} [النساء: 28] قال: «في أمر النساء» حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه: {وخلق الإنسان ضعيفا} [النساء: 28] قال: «في أمور النساء ، ليس يكون الإنسان في شيء أضعف منه في النساء» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {يريد الله أن يخفف عنكم} [النساء: 28] قال: " رخص لكم في نكاح هؤلاء الإماء حين اضطروا إليهن {وخلق الإنسان ضعيفا} [النساء: 28] قال: «لو لم يرخص له فيها لم يكن إلا الأمر الأول إذا لم يجد حرة» 06P625
[النساء: 29] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم 06P626 بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} [النساء: 29] يعني بقوله جل ثناؤه: {يا أيها الذين آمنوا} [البقرة: 104] صدقوا الله ورسوله {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [النساء: 29] يقول: " لا يأكل بعضكم أموال بعض بما حرم عليه من الربا والقمار، وغير ذلك من الأمور التي نهاكم الله عنها، إلا أن تكون تجارة. كما حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] نهى عن أكلهم أموالهم بينهم بالباطل وبالربا والقمار والبخس والظلم، إلا أن تكون تجارة، ليربح في الدرهم ألفا إن استطاع " حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا خالد الطحان ، قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله تعالى: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [النساء: 29] قال: «الرجل يشتري السلعة ، فيردها ويرد معها درهما» حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا عبد الوهاب قال: ثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس: في الرجل يشتري من الرجل الثوب، فيقول: «إن رضيته أخذته، وإلا رددته ورددت معه درهما» قال: هو الذي قال الله: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [النساء: 29] " وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية بالنهي عن أن يأكل بعضهم طعام بعض إلا بشراء، فأما قرى فإنه كان محظورا بهذه الآية، حتى نسخ ذلك بقوله في سورة النور: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم} [النور: 61] الآية ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الحسن بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، والحسن البصري، قالا في قوله: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] الآية، فكان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس بعدما نزلت هذه الآية، فنسخ ذلك بالآية التي في سورة النور، فقال: ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم إلى قوله: {جميعا أو أشتاتا} [النور: 61] فكان الرجل الغني يدعو الرجل من أهله إلى الطعام، فيقول: إني لأتجنح ، والتجنح: التحرج، ويقول: المساكين أحق مني به. فأحل من ذلك أن يأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ، وأحل طعام أهل الكتاب " قال أبو جعفر: وأولى هذين القولين بالصواب في ذلك قول السدي: وذلك أن الله تعالى ذكره حرم أكل أموالنا بيننا بالباطل، ولا خلاف بين المسلمين أن أكل ذلك حرام علينا، فإن الله لم يحل قط أكل الأموال بالباطل، وإذا كان ذلك كذلك فلا معنى لقول من قال: كان ذلك نهيا عن أكل الرجل طعام أخيه قرى على وجه ما أذن له، ثم نسخ ذلك لنقل علماء الأمة جميعا وجها لها أن قرى الضيف، وإطعام الطعام كان من حميد أفعال أهل الشرك والإسلام، التي حمد الله أهلها عليه وندبهم إليها، وأن الله لم يحرم ذلك في عصر من العصور، بل ندب الله عباده، وحثهم عليه، وإذ كان ذلك كذلك فهو من معنى الأكل بالباطل خارج، ومن أن يكون ناسخا أو منسوخا بمعزل، لأن النسخ إنما يكون لمنسوخ، ولم يثبت النهي عنه، فيجوز أن يكون منسوخا بالإباحة. وإذ كان ذلك كذلك، صح القول الذي قلناه، من أن الباطل الذي نهى الله عن أكل الأموال به، هو ما وصفنا مما حرمه على عباده في تنزيله، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وشذ ما خالفه.
واختلفت القراء في قراءة قوله: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] فقرأها بعضهم: (إلا أن تكون تجارة)، رفعا بمعنى: إلا أن توجد تجارة، أو تقع تجارة عن تراض منكم، فيحل لكم أكلها حينئذ بذلك المعنى. ومذهب من قرأ ذلك على هذا الوجه: أن تكون تامة ههنا لا حاجة بها إلى خبر على ما وصفت؛ وبهذه القراءة قرأ أكثر أهل الحجاز وأهل البصرة. وقرأ ذلك آخرون، وهم عامة قراء الكوفيين: {إلا أن تكون تجارة} [البقرة: 282] نصبا، بمعنى: إلا أن تكون الأموال التي تأكلونها بينكم تجارة عن تراض منكم، فيحل لكم هنالك أكلها، فتكون الأموال مضمرة في قوله: {إلا أن تكون} [البقرة: 282] والتجارة منصوبة على الخبر. وكلتا القراءتين عندنا صواب جائز القراءة بهما، لاستفاضتهما في قراءة الأمصار مع تقارب معانيهما. غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن قراءة ذلك بالنصب أعجب إلي من قراءته بالرفع، لقوة النصب من وجهين: أحدهما: أن في تكون ذكرا من الأموال، والآخر: أنه لو لم يجعل فيها ذكر منها ثم أفردت بالتجارة وهي نكرة، كان فصيحا في كلام العرب النصب، إذ كانت مبنية على اسم وخبر، فإذا لم يظهر معها إلا نكرة واحدة نصبوا ورفعوا، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] إذا كان طعنا بينهم وعناقا ففي هذه الآية إبانة من الله تعالى ذكره عن تكذيب قول الجهلة من المتصوفة المنكرين طلب الأقوات بالتجارات والصناعات، والله تعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] اكتسابا أحل ذلك لها. كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: قوله {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] قال: «التجارة رزق من رزق الله، وحلال من حلال الله لمن طلبها بصدقها وبرها، وقد كنا نحدث أن التاجر الأمين الصدوق مع السبعة في ظل العرش يوم القيامة» وأما قوله: {عن تراض} [البقرة: 233] فإن معناه كما: حدثني محمد بن عمرو ، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تبارك وتعالى: {عن تراض منكم} [النساء: 29] في تجارة أو بيع أو عطاء يعطيه أحد أحدا " حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {عن تراض منكم} [النساء: 29] في تجارة أو بيع أو عطاء يعطيه أحد أحدا " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن القاسم، عن سليمان الجعفي، عن أبيه ، عن ميمون بن مهران، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البيع عن تراض ، والخيار بعد الصفقة، ولا يحل لمسلم أن يغش مسلما» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: 06P631 قلت لعطاء: المماسحة بيع هي؟ قال: «لا، حتى يخيره التخيير بعدما يجب البيع، إن شاء أخذ وإن شاء ترك» واختلف أهل العلم في معنى التراضي في التجارة، فقال بعضهم: هو أن يخير كل واحد من المتبايعين بعد عقدهما البيع بينهما فيما تبايعا فيه من إمضاء البيع أو نقضه، أو يتفرقا عن مجلسهما الذي تواجبا فيه البيع بأبدانهما، عن تراض منهما بالعقد الذي تعاقداه بينهما قبل التفاسخ ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثني أبي عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن شريح، قال: اختصم رجلان، باع أحدهما من الآخر برنسا، فقال: إني بعت من هذا برنسا، فاسترضيته فلم يرضني. فقال: أرضه كما أرضاك. قال: إني قد أعطيته دراهم ولم يرض. قال: أرضه كما أرضاك. قال: قد أرضيته فلم يرض.
فقال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» حدثنا ابن بشار قال: ثنا مؤمل قال: ثنا سفيان، عن عبد الله بن أبى السفر ، عن الشعبي، عن شريح قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» 06P632 حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم، عن شريح، مثله حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد، قال: ثنا شعبة، عن جابر، قال: ثني أبو الضحى، عن شريح، أنه قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» قال: قال أبو الضحى: كان شريح يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه وحدثني الحسن بن يزيد الطحان، قال: ثنا إسحاق بن منصور، عن عبد السلام ، عن رجل، عن أبي حوشب، عن ميمون، قال: اشتريت من ابن سيرين سابريا فسام علي سومه، فقلت: أحسن. فقال: إما أن تأخذ وإما أن تدع. فأخذت منه، فلما زنت الثمن وضع الدراهم، فقال: «اختر إما الدراهم وإما المتاع. فاخترت المتاع فأخذته» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن الشعبي، أنه كان يقول في البيعين: «إنهما بالخيار ما لم يتفرقا، فإذا تصادرا فقد وجب البيع» حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال: ثنا محمد بن عبيد، قال: ثنا 06P633 سفيان بن دينار، عن طيسلة، قال: كنت في السوق، وعلي رضي الله عنه في السوق، فجاءته جارية إلى بيع فاكهة بدرهم، فقالت: أعطني هذا، فأعطاها إياه، فقالت: لا أريده أعطني درهمي. فأبى، فأخذه منه علي فأعطاها إياه " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، أنه: أتي في رجل اشترى من رجل برذونا ووجب له، ثم إن المبتاع رده قبل أن يتفرقا، فقضى أنه قد وجب عليه. فشهد عنده أبو الضحى أن شريحا قضى في مثله أن يرده على صاحبه، فرجع الشعبي إلى قضاء شريح " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا هشام، عن ابن سيرين ، عن شريح، أنه كان يقول في البيعين: " إذا ادعى المشتري أنه قد أوجب له البيع، وقال البائع: لم أوجب له قال شاهدان عدلان أنكما افترقتما عن تراض بعد بيع أو تخاير، وإلا فيمين البائع: أنكما ما افترقتما عن بيع ولا تخاير " حدثني يعقوب قال: ثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد قال: كان شريح يقول: «شاهدان ذوا عدل أنكما افترقتما عن تراض بعد بيع وتخاير، وإلا فيمينه بالله 06P634 ما تفرقتما عن تراض بعد بيع أو تخاير» حدثنا حميد بن مسعدة قال: ثنا بشر بن المفضل قال: ثنا ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن شريح أنه كان يقول: «شاهدان ذوا عدل أنهما تفرقا عن تراض بعد بيع أو تخاير» وعلة من قال هذه المقالة ما: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد ، عن عبد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل بيعين فلا بيع بينهما حتى يتفرقا إلا أن يكون خيارا» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مروان بن معاوية، قال: ثني يحيى بن أيوب قال: كان أبو زرعة إذا بايع رجلا يقول له: خيرني، ثم يقول: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يفترق إلا عن رضا» حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا أيوب، عن أبي قلابة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أهل البقيع» فسمعوا صوته، ثم قال: «يا أهل البقيع» فاشرأبوا ينظرون حتى عرفوا أنه صوته، ثم قال: «يا أهل البقيع لا يتفرقن بيعان إلا عن رضا» حدثني أحمد بن محمد الطوسي، قال: ثنا أبو داود الطيالسي، قال: ثنا سليمان بن معاذ، قال: ثنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع رجلا ثم قال له: «اختر» فقال: قد اخترت، فقال: «هكذا البيع» قالوا: فالتجارة عن تراض هو ما كان على بينة النبي صلى الله عليه وسلم من تخيير كل واحد من المشتري والبائع في إمضاء البيع فيما يتبايعانه بينهما، أو نقضه بعد عقد البيع بينهما وقبل الافتراق، أو ما تفرقا عنه بأبدانهما، عن تراض منهما بعد مواجبة البيع فيه عن مجلسهما، فما كان بخلاف ذلك فليس من التجارة التي كانت بينهما عن تراض منهما.
وقال آخرون: بل التراضي في التجارة يوجب عقد البيع فيما تبايعه المتبايعان بينهما عن رضا من كل واحد منهما ما ملك عليه صاحبه وملك صاحبه عليه، افترقا عن مجلسهما ذلك أو لم يفترقا، تخايرا في المجلس أو لم يتخايرا فيه بعد عقده. وعلة من قال هذه المقالة: أن البيع إنما هو بالقول، كما أن النكاح بالقول، ولا خلاف بين أهل العلم في الإجبار في النكاح لأحد المتناكحين على صاحبه ، افترقا أو لم يفترقا عن مجلسهما الذي جرى ذلك فيه. قالوا: فكذلك حكم البيع. وتأولوا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» على أنه ما لم يتفرقا بالقول. وممن قال هذه المقالة مالك بن أنس، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ومحمد. 06P636 قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب في ذلك عندنا قول من قال: إن التجارة التي هي عن تراض بين المتبايعين: ما تفرق المتبايعان على المجلس الذي تواجبا فيه بينهما عقدة البيع بأبدانهما، عن تراض منهما بالعقد الذي جرى بينهما، وعن تخيير كل واحد منهما صاحبه؛ لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، وحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يكون بيع خيار» وربما قال: " أو يقول أحدهما للآخر: اختر " فإذ كان ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحا، فليس يخلو قول أحد المتبايعين لصاحبه: اختر، من أن يكون قبل عقد البيع، أو معه، أو بعده. فإن يكن قبله ، فذلك الخلف من الكلام الذي لا معنى له، لأنه لم يملك قبل عقد البيع أحد المتبايعين على صاحبه، ما لم يكن له مالكا، فيكون لتخييره صاحبه فيما يملك عليه وجه مفهوم، ولا فيهما من يجهل، أنه بالخيار في تمليك صاحبه ما هو له غير مالك بعوض يعتاضه منه، فيقال له: أنت بالخيار فيما تريد أن تحدثه من بيع أو شراء. أو يكون إن بطل هذا المعنى تخيير كل واحد منهما صاحبه مع عقد البيع، ومعنى التخيير في تلك الحال، نظير معنى التخيير قبلها، لأنها حالة لم يزل فيها عن أحدهما ما كان مالكه قبل ذلك إلى صاحبه ، فيكون للتخيير وجه مفهوم. أو يكون ذلك بعد 06P637 عقد البيع، إذا فسد هذان المعنيان. وإذا كان ذلك كذلك صح أن المعنى الآخر من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعني قوله: «ما لم يتفرقا» إنما هو التفرق بعد عقد البيع، كما كان التخيير بعده، وإذا صح ذلك، فسد قول من زعم أن معنى ذلك: إنما هو التفرق بالقول الذي به يكون البيع. وإذا فسد ذلك صح ما قلنا من أن التخيير والافتراق إنما هما معنيان بهما يكون تمام البيع بعد عقده، وصح تأويل من قال: معنى قوله: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] إلا أن يكون أكلكم الأموال التي يأكلها بعضكم لبعض عن ملك منكم عمن ملكتموها عليه بتجارة تبايعتموها بينكم، وافترقتم عنها ، عن تراض منكم بعد عقد البيع بينكم بأبدانكم، أو يخير بعضكم بعضا 06P636
[النساء: 29] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} [النساء: 29] يعني بقوله جل ثناؤه: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] ولا يقتل بعضكم بعضا، وأنتم أهل ملة واحدة ودعوة واحدة ودين واحد، فجعل جل ثناؤه أهل الإسلام كلهم بعضهم من بعض، وجعل القاتل منهم قتيلا في قتله إياه منهم بمنزلة قتله نفسه، إذ كان القاتل والمقتول أهل يد واحدة على من خالف ملتهما وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن 06P638 السدي: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] يقول: «أهل ملتكم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] قال: «قتل بعضكم بعضا» وأما قوله جل ثناؤه: {إن الله كان بكم رحيما} [النساء: 29] فإنه يعني أن الله تبارك وتعالى لم يزل رحيما بخلقه، ومن رحمته بكم كف بعضكم عن قتل بعض أيها المؤمنون، بتحريم دماء بعضكم على بعض إلا بحقها، وحظر أكل مال بعضكم على بعض بالباطل، إلا عن تجارة يملك بها عليه برضاه وطيب نفسه، لولا ذلك هلكتم وأهلك بعضكم بعضا قتلا وسلبا وغصبا 06P638 [النساء: 30] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا} [النساء: 30] اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {ومن يفعل ذلك عدوانا} [النساء: 30] فقال بعضهم: معنى ذلك: ومن يقتل نفسه، بمعنى: ومن يقتل أخاه المؤمن عدوانا وظلما {فسوف نصليه نارا} [النساء: 30] ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء أرأيت قوله: {ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا} [النساء: 30] في كل ذلك، أو في قوله: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] قال: " بل في قوله : {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] وقال آخرون: بل معنى ذلك: ومن يفعل ما حرمته عليه من أول هذه السورة إلى قوله: {ومن يفعل ذلك} [البقرة : 231] من نكاح من حرمت نكاحه، وتعدى حدوده، وأكل أموال الأيتام ظلما، وقتل النفس المحرم قتلها ظلما بغير حق. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ومن يأكل مال أخيه المسلم ظلما بغير طيب نفس منه وقتل أخاه المؤمن ظلما، فسوف نصليه نارا " قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال معناه: ومن يفعل ما حرم الله عليه من قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها} [النساء: 19] إلى قوله: {ومن يفعل ذلك} [البقرة: 231] من نكاح المحرمات، وعضل المحرم عضلها من النساء، وأكل المال بالباطل، وقتل المحرم قتله من المؤمنين، لأن كل ذلك مما وعد الله عليه أهله العقوبة. فإن قال قائل: فما منعك أن تجعل قوله: {ذلك} [النساء: 30] : معنيا به جميع ما أوعد الله عليه العقوبة من أول السورة؟ قيل: منع ذلك أن كل فصل من ذلك قد قرن بالوعيد، إلى قوله: {أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما} [النساء: 18] ولا ذكر للعقوبة من بعد ذلك على ما حرم الله في الآية التي بعده، إلى قوله: {فسوف نصليه نارا} [النساء: 30] فكان قوله: {ومن يفعل ذلك} [البقرة: 231] معنيا به ما قلنا مما لم يقرن بالوعيد مع إجماع الجميع على أن الله تعالى قد توعد على كل ذلك أولى من أن يكون معنيا به ما سلف فيه الوعيد بالنهي مقرونا قبل ذلك. وأما قوله: {عدوانا} [النساء: 30] فإنه يعني به: تجاوزا لما أباح الله له إلى ما حرمه عليه {وظلما} [النساء: 30] يعني: " فعلا منه ذلك بغير ما أذن الله به، وركوبا منه ما قد نهاه الله عنه. وقوله: {فسوف نصليه نارا} [النساء: 30] يقول: " فسوف نورده نارا يصلى بها فيحترق فيها. {وكان ذلك على الله يسيرا} [النساء: 30] يعني: " وكان إصلاء فاعل ذلك النار وإحراقه بها على الله سهلا يسيرا، لأنه لا يقدر على الامتناع على ربه مما أراد به من سوء. وإنما يصعب الوفاء بالوعيد لمن توعده على من كان إذا حاول الوفاء به قدر المتوعد من الامتناع منه، فأما من كان في قبضة موعده فيسير عليه إمضاء حكمه فيه والوفاء له بوعيده، غير عسير عليه أمر أراده به 06P640
[النساء: 31] القول في تأويل قوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} [النساء: 31] اختلف أهل التأويل في معنى الكبائر التي وعد الله جل ثناؤه عباده باجتنابها تكفير سائر سيئاتهم عنهم، فقال بعضهم: الكبائر التي قال الله تبارك وتعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} [النساء: 31] هي ما تقدم الله إلى عباده بالنهي عنه من أول سورة النساء إلى رأس الثلاثين منها ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، قال: «الكبائر من أول سورة النساء إلى ثلاثين منها» حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله بمثله حدثني المثنى قال: ثنا حجاج قال: ثنا حماد، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، مثله حدثنا أبو هشام الرفاعي قال: ثنا وكيع قال: ثنا الأعمش، عن إبراهيم قال: ثني علقمة، عن عبد الله قال: " الكبائر من أول سورة النساء، إلى قوله: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} [النساء: 31] حدثنا الرفاعي قال: ثنا أبو معاوية وأبو خالد، عن الأعمش، عن إبراهيم ، عن علقمة، عن عبد الله قال: " الكبائر من أول سورة النساء، إلى قوله: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} [النساء: 31] " حدثني أبو السائب قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق قال: سئل عبد الله عن الكبائر قال: «ما بين فاتحة سورة النساء إلى رأس 06P642 الثلاثين» حدثنا ابن حميد قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد، عن إبراهيم، عن ابن مسعود قال: الكبائر: ما بين فاتحة سورة النساء إلى ثلاثين آية منها: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} [النساء: 31] " حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم ، عن عبد الله، أنه قال: الكبائر من أول سورة النساء إلى الثلاثين منها. {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} [النساء: 31] حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ابن عون، عن إبراهيم، قال: كانوا يرون أن الكبائر، فيما بين أول هذه السورة، سورة النساء، إلى هذا الموضع. {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} [النساء: 31] " حدثني المثنى قال: ثنا آدم العسقلاني قال: ثنا شعبة، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود قال: الكبائر من أول سورة النساء إلى ثلاثين آية منها. ثم تلا: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} [النساء: 31] " حدثني المثنى قال: ثنا ابن وكيع قال: ثنا مسعر، عن عاصم بن أبي النجود، 06P643 عن زر بن حبيش قال: قال عبد الله: الكبائر: ما بين أول سورة النساء إلى رأس الثلاثين " وقال آخرون: الكبائر سبع ذكر من قال ذلك: حدثني تميم بن المنتصر، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن سهل بن أبي حثمة، عن أبيه، قال: إني لفي هذا المسجد مسجد الكوفة، وعلي رضي الله عنه يخطب الناس على المنبر، فقال: يا أيها الناس: إن الكبائر سبع، فأصاخ الناس، فأعادها ثلاث مرات، ثم قال: ألا تسألوني عنها؟ قالوا: يا أمير المؤمنين ما هي؟ قال: الإشراك بالله ، وقتل النفس التي حرم الله، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا ، والفرار يوم الزحف، والتعرب بعد الهجرة. فقلت لأبي: يا أبت التعرب بعد الهجرة، كيف لحق هاهنا؟
فقال: يا بني، وما أعظم من أن يهاجر الرجل، حتى إذا وقع سهمه في الفيء ووجب عليه الجهاد، خلع ذلك من عنقه فرجع أعرابيا كما كان " حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا أبو الأحوص سلام بن سليم، عن ابن إسحاق، عن عبيد بن عمير، قال: " الكبائر سبع ليس منهن كبيرة 06P644 إلا وفيها آية من كتاب الله، الإشراك بالله منهن: {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء} [الحج: 31] و {الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا} [النساء: 10] و {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} [البقرة: 275] و {الذين يرمون} [النور: 23] المحصنات الغافلات المؤمنات والفرار من الزحف: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار} [الأنفال: 15] والتعرب بعد الهجرة: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى} [محمد: 25] وقتل النفس " حدثنا ابن حميد قال: ثنا جرير، عن منصور، عن ابن إسحاق، عن عبيد بن عمير الليثي قال: " الكبائر سبع: الإشراك بالله: {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} [الحج: 31] وقتل النفس: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم} [النساء: 93] الآية، وأكل الربا: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} [البقرة: 275] الآية، وأكل أموال اليتامى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} [النساء: 10] الآية، وقذف المحصنة: {إن الذين يرمون} [النور: 23] المحصنات الغافلات المؤمنات الآية، والفرار من الزحف: {ومن يولهم يومئذ دبره} [الأنفال: 16] إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة الآية. والمرتد أعرابيا بعد هجرته: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى} [محمد: 25] الآية " حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد ، قال: سألت عبيدة عن الكبائر، فقال: " الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله بغير 06P645 حقها، وفرار يوم الزحف، وأكل مال اليتيم بغير حقه، وأكل الربا ، والبهتان. قال: ويقولون أعرابية بعد هجرة. قال ابن عون: فقلت لمحمد فالسحر؟ قال: إن البهتان يجمع شرا كثيرا " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا منصور، وهشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، أنه قال: " الكبائر: الإشراك، وقتل النفس الحرام ، وأكل الربا، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، والمرتد أعرابيا بعد هجرته " حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم قال: ثنا هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، بنحوه وعلة من قال هذه المقالة ما: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: أخبرني الليث، قال: ثني خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر ، قال: أخبرني صهيب، مولى العتواري أنه سمع من أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري يقولان: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، فقال: «والذي نفسي بيده» ثلاث مرات، ثم أكب، فأكب كل رجل منا يبكي لا يدري على ماذا حلف. ثم رفع رأسه وفي وجهه البشر، فكان أحب إلينا من حمر النعم، فقال: " ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فتحت له أبواب الجنة، ثم قيل: ادخل بسلام " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء، قال: " الكبائر سبع: قتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم ، ورمي المحصنة، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، والفرار يوم الزحف " وقال آخرون: هي تسع ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا زياد بن مخراق، عن طيسلة بن مياس، قال: كنت مع الحدثان، فأصبت ذنوبا لا أراها إلا من الكبائر، فلقيت ابن عمر، فقلت: إني أصيب ذنوبا لا أراها إلا من الكبائر قال: وما هي؟ قلت: كذا وكذا.
قال: ليس من الكبائر ، قال: لشيء لم يسمعه طيسلة، قال: هي تسع، وسأعدهن عليك: الإشراك بالله ، وقتل النسمة بغير حلها، والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ظلما، وإلحاد في المسجد الحرام، والذي يستسحر وبكاء الوالدين من العقوق. قال ابن زياد: وقال طيسلة: لما رأى ابن عمر فرقي قال: أتخاف النار أن تدخلها؟ قلت: نعم. قال: وتحب أن تدخل الجنة؟ قلت: نعم. قال: أحي والدك؟ 06P647 قلت: عندي أمي. قال: فوالله لئن أنت ألنت لها الكلام، وأطعمتها الطعام ، لتدخلن الجنة ما اجتنبت الموجبات " حدثنا سليمان بن ثابت الخراز الواسطي قال: أخبرنا سلم بن سلام قال: أخبرنا أيوب بن عتبة، عن طيسلة بن علي النهدي قال: أتيت ابن عمر، وهو في ظل أراك يوم عرفة، وهو يصب الماء على رأسه ووجهه. قال: قلت: أخبرني عن الكبائر . قال: «هي تسع»، قلت: ما هن؟ قال: «الإشراك بالله، وقذف المحصنة ،» قال: قلت: قبل القتل؟ قال: «نعم، ورغما، وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، والإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا» حدثنا سليمان بن ثابت الخراز، قال: أخبرنا سلم بن سلام، قال: أخبرنا أيوب بن عتبة، عن يحيى، عن عبيد بن عمير، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بمثله ، إلا أنه قال: بدأ بالقتل قبل القذف 06P648 وقال آخرون: هي أربع ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلم، عن عنبسة، عن مطرف، عن وبرة، عن ابن مسعود، قال: " الكبائر: الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، والإياس من روح الله، والأمن من مكر الله " حدثني يعقوب بن إبراهيم. قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا مطرف، عن وبرة بن عبد الرحمن، عن أبي الطفيل قال: قال عبد الله بن مسعود: " أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والإياس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله " حدثنا أبو كريب قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن وبرة بن عبد الرحمن قال: قال عبد الله: إن الكبائر: الشرك بالله، والقنوط من رحمة الله ، والأمن من مكر الله، والإياس من روح الله " حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا: ثنا ابن إدريس قال: سمعت مطرفا عن وبرة ، عن أبي الطفيل قال: قال عبد الله: " الكبائر أربع: الإشراك بالله ، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله " حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبد الله، قال: أخبرنا شيبان، 06P649 عن الأعمش، عن وبرة، عن أبي الطفيل، قال: سمعت ابن مسعود يقول: " أكبر الكبائر: الإشراك بالله " حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبد الله قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن وبرة، عن أبي الطفيل، عن عبد الله بنحوه حدثني ابن المثنى، قال: ثني وهب بن جرير قال: ثنا شعبة، عن عبد الملك ، عن أبي الطفيل، عن عبد الله، قال: " الكبائر أربع: الإشراك بالله ، والأمن من مكر الله، والإياس من روح الله، والقنوط من رحمة الله " وبه قال: شعبة، عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل، عن عبد الله، بمثله حدثنا ابن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل، عن عبد الله بن مسعود، بنحوه حدثنا ابن حميد قال: ثنا جرير، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي الطفيل ، عن ابن مسعود قال: " الكبائر أربع: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، والأمن لمكر الله، والإياس من روح الله " حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن المسعودي، عن فرات القزاز، عن أبي الطفيل، عن عبد الله قال: " الكبائر: القنوط من رحمة الله، والإياس من روح الله، والأمن لمكر الله، والشرك بالله " وقال آخرون: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا هشيم، عن منصور، عن ابن سيرين، عن ابن عباس، قال: ذكرت عنده الكبائر، فقال: «كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة» حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، عن محمد، قال: أنبئت أن ابن عباس، كان يقول: " كل ما نهى الله عنه كبيرة ، وقد ذكرت الطرفة قال: هي النظرة " حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا معتمر، عن أبيه، عن طاوس، قال: قال رجل لعبد الله بن عباس: أخبرني بالكبائر السبع، قال: فقال ابن عباس: «هي أكثر من سبع وتسع.
فما أدري كم قالها من مرة» حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن طاوس قال: ذكروا عند ابن عباس الكبائر، فقالوا: هي سبع قال: «هي أكثر من 06P651 سبع وتسع» . قال سليمان: فلا أدري كم قالها من مرة " حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، وابن أبي عدي، عن عوف ، قال: قام أبو العالية الرياحي على حلقة أنا فيها، فقال: إن ناسا يقولون: «الكبائر سبع، وقد خفت أن تكون الكبائر سبعين، أو يزدن على ذلك» حدثنا علي، قال: ثنا الوليد، قال: سمعت أبا عمرو، يخبر عن الزهري، عن ابن عباس، أنه سئل عن الكبائر، سبع هي؟ قال: هي إلى السبعين أقرب " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن قيس بن سعد، عن سعيد بن جبير أن رجلا قال لابن عباس: كم الكبائر أسبع هي؟ قال: «إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار» حدثنا ابن حميد قال: ثنا جرير، عن ليث، عن طاوس قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: أرأيت الكبائر السبع التي ذكرهن الله ما هن؟ قال: «هن إلى السبعين أدنى منها إلى السبع» حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: قيل لابن عباس: الكبائر سبع؟ قال: «هي إلى السبعين أقرب» حدثنا أحمد بن حازم، قال: أخبرنا أبو نعيم، قال: ثنا عبد الله بن سعدان ، عن أبي الوليد، قال: سألت ابن عباس، عن الكبائر، قال: " كل شيء عصي الله فيه فهو كبيرة. وقال آخرون: هي ثلاث " ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن مسعود، قال: الكبائر ثلاث: اليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله " وقال آخرون: كل موجبة وكل ما أوعد الله أهله عليه النار فكبيرة ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} [النساء: 31] قال: " الكبائر: كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب ، أو لعنة، أو عذاب " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا هشام بن حسان ، عن محمد بن واسع، قال: قال سعيد بن جبير: «كل موجبة في القرآن كبيرة» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن محمد بن مهرم الشعاب، عن محمد بن واسع الأزدي، عن سعيد بن جبير، قال: «كل ذنب نسبه الله إلى النار، فهو من الكبائر» حدثنا علي بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن سالم، أنه سمع الحسن، يقول: «كل موجبة في القرآن كبيرة» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} [النساء: 31] قال: «الموجبات» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا جويبر، عن الضحاك ، قال: " الكبائر: كل موجبة أوجب الله لأهلها النار، وكل عمل يقام به الحد فهو من الكبائر " قال أبو جعفر: والذي نقول به في ذلك ما ثبت به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك ما حدثنا به، أحمد بن الوليد القرشي قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة ، قال: ثني عبيد الله بن أبي بكر قال: سمعت أنس بن مالك، قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر، أو سئل عن الكبائر، فقال: «الشرك بالله ، وقتل النفس، 06P654 وعقوق الوالدين» فقال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟
» قال: «قول الزور» ، أو قال: «شهادة الزور» قال شعبة: وأكبر ظني أنه قال: «شهادة الزور» حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي قال: حدثنا خالد بن الحارث قال: حدثنا شعبة قال: أخبرنا عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكبائر قال: «الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وقول الزور» حدثنا ابن المثنى قال: ثنا يحيى بن كثير قال: ثنا شعبة، عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس قال: ذكروا الكبائر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «الإشراك بالله وعقوق الوالدين، وقتل النفس، ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور» حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن فراس ، عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، أو قتل النفس «شعبة الشاك» واليمين الغموس " حدثنا أبو هشام الرفاعي قال: ثنا عبيد الله بن موسى قال: ثنا 06P655 شيبان، عن فراس، عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما الكبائر؟ قال: «الشرك بالله» قال: ثم مه؟ قال: «وعقوق الوالدين» . قال: ثم مه؟ قال: «واليمين الغموس» . قلت للشعبي: ما اليمين الغموس؟ قال: الذي يقتطع مال امرئ مسلم بيمينه وهو فيها كاذب " حدثني المثنى، قال: ثنا ابن أبي السري، محمد بن المتوكل العسقلاني قال: ثنا محمد بن سعد، عن خالد بن معدان، عن أبي رهم، عن أبي أيوب الأنصاري ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أقام الصلاة، وآتى الزكاة وصام رمضان، واجتنب الكبائر، فله الجنة»، قيل: وما الكبائر؟ قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار يوم الزحف» حدثني عباس بن أبي طالب قال: ثنا سعد بن عبد الحميد، عن جعفر، عن ابن أبي جعفر، عن ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن سلمان الأغر، عن أبيه أبي عبد الله سلمان الأغر قال: قال أبو أيوب خالد بن 06P656 أيوب الأنصاري، عقبي بدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من عبد يعبد الله لا يشرك به شيئا، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصوم رمضان، ويجتنب الكبائر، إلا دخل الجنة ". فسألوه: ما الكبائر؟ قال: «الإشراك بالله، والفرار من الزحف، وقتل النفس» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عباد بن عباد ، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة: أن ناسا، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا الكبائر، وهو متكئ، فقالوا: الشرك بالله ، وأكل مال اليتيم، وفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين، وقول الزور، والغلول، والسحر، وأكل الربا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فأين تجعلون {الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} [آل عمران: 77] «إلى آخر الآية» حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي، قال: ثنا سفيان، عن أبي معاوية، عن أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله، قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: ما الكبائر؟ قال: «أن تدعو لله ندا وهو خلقك، وأن تقتل ولدك من أجل أن يأكل معك، وأن تزني بحليلة جارك» . وقرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق 06P657 ولا يزنون} [الفرقان: 68] " حدثني هذا الحديث عبد الله بن محمد الزهري، فقال: ثنا سفيان، قال: ثنا أبو معاوية النخعي، وكان على السجن سمعه من أبي عمرو، عن عبد الله بن مسعود: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: أي العمل شر؟
قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك، وأن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك، وأن تزني بجارتك» وقرأ علي: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} [الفرقان: 68] قال أبو جعفر: وأولى ما قيل في تأويل الكبائر بالصحة، ما صح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم دون ما قاله غيره، وإن كان كل قائل فيها قولا من الذين ذكرنا أقوالهم، قد اجتهد وبالغ في نفسه، ولقوله في الصحة مذهب. فالكبائر إذن: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس المحرم قتلها ، وقول الزور، وقد يدخل في قول الزور، شهادة الزور، وقذف المحصنة ، واليمين الغموس، والسحر. ويدخل في قتل النفس المحرم قتلها: قتل الرجل ولده من أجل أن يطعم معه، والفرار من الزحف، والزنا بحليلة الجار وإذ كان ذلك كذلك صح كل خبر روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في معنى الكبائر ، وكان بعضه مصدقا بعضا، وذلك أن الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هي سبع» يكون معنى قوله حينئذ «هي سبع» على التفصيل، ويكون معنى قوله في الخبر الذي روي عنه أنه قال: «هي الإشراك بالله، وقتل 06P658 النفس، وعقوق الوالدين، وقول الزور» على الإجمال، إذ كان قوله: «وقول الزور» يحتمل معاني شتى، وأن يجمع جميع ذلك: قول الزور. وأما خبر ابن مسعود الذي حدثني به الفريابي على ما ذكرت، فإنه عندي غلط من عبيد الله بن محمد، لأن الأخبار المتظاهرة من الأوجه الصحيحة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو الرواية التي رواها الزهري عن ابن عيينة، ولم يقل أحد منهم في حديثه عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الكبائر؛ فنقلهم ما نقلوا من ذلك عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالصحة من نقل الفريابي. فمن اجتنب الكبائر التي وعد الله مجتنبها تكفير ما عداها من سيئاته، وإدخاله مدخلا كريما، وأدى فرائضه التي فرضها الله عليه ، وجد الله لما وعده من وعد منجزا، وعلى الوفاء به دائبا. وأما قوله: {نكفر عنكم سيئاتكم} [النساء: 31] فإنه يعني به: نكفر عنكم أيها المؤمنون باجتنابكم كبائر ما ينهاكم عنه ربكم صغائر سيئاتكم، يعني: صغائر ذنوبكم. كما: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {نكفر عنكم سيئاتكم} [النساء: 31] الصغائر " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن ابن عون، عن الحسن: أن ناسا، لقوا عبد الله بن عمرو بمصر، فقالوا: نرى أشياء من كتاب الله أمر أن يعمل بها، لا يعمل بها، فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك؟ فقدم وقدموا معه، فلقيه عمر رضي الله عنه، فقال: متى قدمت؟ قال: منذ كذا وكذا قال: أبإذن قدمت؟ قال: فلا أدري كيف رد عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن ناسا لقوني بمصر، فقالوا: إنا نرى أشياء من كتاب الله تبارك وتعالى أمر أن يعمل بها ولا يعمل بها، فأحبوا أن يلقوك في ذلك. فقال: اجمعهم لي. قال: فجمعتهم له - قال ابن عون: أظنه قال في نهر - فأخذ أدناهم رجلا، فقال: أنشدكم بالله وبحق الإسلام عليك، أقرأت القرآن كله؟ قال: نعم قال: فهل أحصيته في نفسك؟ قال: اللهم لا. - قال: ولو قال نعم لخصمه -. قال: فهل أحصيته في بصرك؟ هل أحصيته في لفظك؟ هل أحصيته في أثرك؟ قال: ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم، فقال: ثكلت عمر أمه، أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله؟ قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات. قال: وتلا: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} [النساء: 31] هل علم أهل المدينة؟ أو قال: " هل علم أحد بما قدمتم؟ قالوا: لا.
قال: لو علموا لوعظت بكم " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا زياد بن مخراق، عن معاوية بن قرة، قال: أتينا أنس بن مالك، فكان فيما حدثنا قال: لم نر مثل الذي بلغنا عن ربنا، ثم لم نخرج له عن كل، أهل ومال. ثم سكت هنيهة، ثم قال: والله لقد كلفنا ربنا 06P660 أهون من ذلك، لقد تجاوز لنا عما دون الكبائر، فما لنا ولها؟ ثم تلا: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} [النساء: 31] الآية " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} [النساء: 31] الآية، إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر، وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا الكبائر، وسددوا، وأبشروا» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن رجل، عن ابن مسعود، قال: في خمس آيات من سورة النساء لهن أحب إلي من الدنيا جميعا: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} [النساء: 31] وقوله: {إن الله لا يظلم مثقال} [النساء: 40] ذرة وإن تك حسنة يضاعفها وقوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] وقوله: {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما} [النساء: 110] وقوله: {والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما} [النساء: 152] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين ، قال: ثني أبو النضر، عن صالح المري ، عن قتادة، عن ابن عباس، قال: ثمان آيات نزلت في سورة النساء، هي خير لهذه 06P661 الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، أولاهن: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم} [النساء: 26] والثانية: {والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} [النساء: 27] والثالثة: {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} [النساء: 28] ثم ذكر مثل قول ابن مسعود سواء، وزاد فيه: ثم أقبل يفسرها في آخر الآية: {وكان الله} [النساء: 96] للذين عملوا الذنوب {غفورا رحيما} [النساء: 23] وأما قوله: {وندخلكم مدخلا كريما} [النساء: 31] فإن القراء اختلفت في قراءته، فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض الكوفيين: (وندخلكم مدخلا كريما) بفتح الميم، وكذلك الذي في الحج: (ليدخلنهم مدخلا يرضونه) فمعنى: (وندخلكم مدخلا) فيدخلون دخولا كريما. وقد يحتمل على مذهب من قرأ هذه القراءة أن يكون المعنى في المدخل: المكان والموضع، لأن العرب ربما فتحت الميم من ذلك بهذا المعنى، كما قال الراجز: [+البحر الرجز] بمصبح الحمد وحيث يمس وقد أنشدني بعضهم سماعا من العرب: [+البحر البسيط] الحمد لله ممسانا ومصبحنا بالخير صبحنا ربي ومسانا وأنشدني آخر غيره: 06P662 الحمد لله ممسانا ومصبحنا لأنه من أصبح وأمسى. وكذلك تفعل العرب فيما كان من الفعل بناؤه على أربعة تضم ميمه في مثل هذا، فتقول: دحرجته مدحرجا فهو مدحرج، ثم تحمل ما جاء على أفعل يفعل على ذلك، لأن يفعل من يدخل، وإن كان على أربعة، فإن أصله أن يكون على يؤفعل: يؤدخل، ويؤخرج، فهو نظير يدحرج. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين والبصريين: {مدخلا} [النساء: 31] بضم الميم، يعني: وندخلكم إدخالا كريما.
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ ذلك: {وندخلكم مدخلا كريما} [النساء: 31] بضم الميم لما وصفنا من أن ما كان من الفعل بناؤه على أربعة في فعل فالمصدر منه مفعل، وأن أدخل ودحرج فعل منه على أربعة، فالمدخل مصدره أولى من مفعل مع أن ذلك أفصح في كلام العرب في مصادر ما جاء على أفعل، كما يقال: أقام بمكان فطاب له المقام، إذا أريد به الإقامة، 06P663 وقام في موضعه فهو في مقام واسع، كما قال جل ثناؤه: {إن المتقين في مقام أمين} [الدخان: 51] من قام يقوم، ولو أريد به الإقامة لقرئ: إن المتقين في مقام أمين كما قرئ: {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق} [الإسراء: 80] بمعنى الإدخال والإخراج، ولم يبلغنا عن أحد، أنه قرأ: مدخل صدق، ولا مخرج صدق، بفتح الميم. وأما المدخل الكريم: فهو الطيب الحسن، المكرم بنفي الآفات والعاهات عنه، وبارتفاع الهموم والأحزان ودخول الكدر في عيش من دخله، فلذلك سماه الله كريما. كما: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وندخلكم مدخلا كريما} [النساء: 31] قال: " الكريم: هو الحسن في الجنة " 06P663
[النساء: 32] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما} [النساء: 32] يعني بذلك جل ثناؤه: ولا تشتهوا ما فضل الله به بعضكم على بعض. وذكر أن ذلك نزل في نساء تمنين منازل الرجال، وأن يكون لهم ما لهم، فنهى الله عباده عن الأماني الباطلة، وأمرهم أن يسألوه من فضله، إذ كانت الأماني تورث أهلها الحسد والبغي بغير الحق ذكر الأخبار بما ذكرنا: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله لا نعطى الميراث، ولا نغزو في 06P664 سبيل الله فنقتل؟ فنزلت: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} [النساء: 32] " حدثنا أبو كريب قال: ثنا معاوية بن هشام، عن سفيان الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله: تغزو الرجال ولا نغزو ، وإنما لنا نصف الميراث؟ فنزلت: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} [النساء: 32] ونزلت: {إن المسلمين والمسلمات} [الأحزاب: 35] " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} [النساء: 32] يقول: " لا يتمنى الرجل يقول: ليت أن لي مال فلان وأهله، فنهى الله سبحانه عن ذلك، ولكن ليسأل الله من فضله " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، في قوله: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} [النساء: 32] قال: " قول النساء: ليتنا رجال فنغزو، ونبلغ ما يبلغ الرجال " حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} [النساء: 32] قول النساء يتمنين: ليتنا رجال فنغزو؛ ثم ذكر مثل حديث محمد بن عمرو " حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قالت أم سلمة: أي رسول الله، أتغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث؟ فنزلت {ولا تتمنوا ما فضل الله} [النساء: 32] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن شيخ، من أهل مكة، قوله: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} [النساء: 32] قال: " كان النساء يقلن: ليتنا رجال فنجاهد كما يجاهد الرجال ، ونغزو في سبيل الله. فقال الله: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} [النساء: 32] حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، قال: «تتمنى مال فلان ومال فلان، وما يدريك لعل هلاكه في ذلك المال» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، ومجاهد، أنهما قالا: «نزلت في أم سلمة ابنة أبي أمية بن المغيرة» وبه قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: هو الإنسان يقول: وددت أن لي مال فلان.
قال: " واسألوا الله من فضله، وقول النساء: ليتنا رجال فنغزو، ونبلغ ما يبلغ الرجال " وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يتمن بعضكم ما خص الله بعضا من منازل الفضل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} [النساء: 32] فإن الرجال قالوا: نريد أن يكون لنا من الأجر الضعف على أجر النساء، كما لنا في السهام سهمان، فنريد أن يكون لنا في الأجر أجران ، وقالت النساء: نريد أن يكون لنا أجر مثل الرجال، فإنا لا نستطيع أن نقاتل ، ولو كتب علينا القتال لقاتلنا. فأنزل الله تعالى الآية، وقال لهم: سلوا الله من فضله، يرزقكم الأعمال، وهو خير لكم " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد، قال: «نهيتم عن الأماني، ودللتم، على ما هو خير منه، واسألوا الله من فضله» حدثني المثنى، قال: ثنا عارم، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، قال: كان محمد إذا سمع الرجل، يتمنى في الدنيا قال: " قد نهاكم الله عن هذا {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} [النساء: 32] ودلكم على خير منه ، واسألوا 06P667 الله من فضله " قال أبو جعفر: فتأويل الكلام على هذا التأويل: ولا تتمنوا أيها الرجال والنساء الذي فضل الله به بعضكم على بعض من منازل الفضل ، ودرجات الخير وليرض أحدكم بما قسم الله له من نصيب، ولكن سلوا الله من فضله 06P666
[النساء: 32] القول في تأويل قوله تعالى: {للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} [النساء: 32] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: للرجال نصيب مما اكتسبوا من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وللنساء نصيب من ذلك مثل ذلك ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} [النساء: 32] كان أهل الجاهلية لا يورثون المرأة شيئا ولا الصبي شيئا، وإنما يجعلون الميراث لمن يحترف وينفع ويدفع ، فلما لحق للمرأة نصيبها وللصبي نصيبه، وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين قال النساء: لو كان جعل أنصباءنا في الميراث كأنصباء الرجال. وقال الرجال: إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة، كما فضلنا عليهن في الميراث ، فأنزل الله: {للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} [النساء: 32] يقول: " المرأة تجزى بحسنتها عشر أمثالها كما يجزى الرجل قال الله تعالى: {واسألوا الله من فضله} [النساء: 32] " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، قال: ثني أبو ليلى قال: سمعت أبا جرير، يقول: لما نزل: {للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] قالت النساء: كذلك عليهم نصيبان من الذنوب، كما لهم نصيبان من الميراث. فأنزل الله: {للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} [النساء: 32] يعني الذنوب، واسألوا الله يا معشر النساء من فضله " وقال آخرون: بل معنى ذلك: للرجال نصيب مما اكتسبوا من ميراث موتاهم، وللنساء نصيب منهم ذكر من قال ذلك: حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} [النساء: 32] يعني: " ما ترك الوالدان والأقربون، يقول: {للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن أبي إسحاق، عن عكرمة، أو غيره ، في قوله: {للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} [النساء: 32] قال: «في الميراث كانوا لا يورثون النساء» قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بتأويل الآية قول من قال معناه: للرجال نصيب من ثواب الله وعقابه مما اكتسبوا، فعملوه من خير أو شر، وللنساء نصيب مما اكتسبن من ذلك كما للرجال وإنما قلنا إن ذلك أولى بتأويل الآية من قول من قال تأويله: للرجال نصيب من الميراث، وللنساء نصيب منه، لأن الله جل ثناؤه أخبر أن لكل فريق من الرجال والنساء نصيبا مما اكتسب، وليس الميراث مما اكتسبه الوارث ، وإنما هو مال أورثه الله عن ميته بغير اكتساب، وإنما الكسب العمل ، والمكتسب: المحترف، فغير جائز أن يكون معنى الآية، وقد قال الله: {للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن} [النساء: 32] للرجال نصيب مما ورثوا، وللنساء نصيب مما ورثن؛ لأن ذلك لو كان كذلك لقيل: للرجال نصيب مما لم يكتسبوا، وللنساء نصيب مما لم يكتسبن 06P669
[النساء: 32] القول في تأويل قوله تعالى: {واسألوا الله من فضله} [النساء: 32] يعني بذلك جل ثناؤه: واسألوا الله من عونه وتوفيقه للعمل بما يرضيه عنكم من طاعته، ففضله في هذا الموضع: توفيقه ومعونته. كما: حدثنا محمد بن مسلم الرازي، قال: ثنا أبو جعفر النفيلي، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن أشعث، عن سعيد: {واسألوا الله من فضله} [النساء: 32] قال: «العبادة ليست من أمر الدنيا» حدثنا محمد بن مسلم، قال: ثني أبو جعفر قال: ثنا موسى، عن ليث، قال: «فضله العبادة ليس من أمر الدنيا» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هشام، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: {واسألوا الله من فضله} [النساء: 32] قال: «ليس بعرض الدنيا» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {واسألوا الله من فضله} [النساء: 32] يرزقكم الأعمال، وهو خير لكم " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي قال: ثنا إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن رجل، لم يسمه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سلوا الله من فضله فإنه يحب أن يسأل، وإن من أفضل العبادة انتظار الفرج» 06P670 [النساء: 32] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الله كان بكل شيء عليما} [النساء: 32] يعني بذلك جل ثناؤه: إن الله كان بما يصلح عباده فيما قسم لهم من خير، ورفع بعضهم فوق بعض في الدين والدنيا، وبغير ذلك من قضائه وأحكامه فيهم عليما يقول: " ذا علم، ولا تتمنوا غير الذي قضى لكم، ولكن عليكم بطاعته والتسليم لأمره، والرضا بقضائه ومسألته من فضله 06P670 [النساء: 33] القول في تأويل قوله تعالى: {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا} [النساء: 33] 06P671 يعني جل ثناؤه بقوله: {ولكل جعلنا موالي} [النساء: 33] ولكلكم أيها الناس جعلنا موالي، يقول: ورثة من بني عمه وإخوته وسائر عصبته غيرهم. والعرب تسمي ابن العم المولى، ومنه قول الشاعر: [+البحر الطويل] ومولى رمينا حوله وهو مدغل بأعراضنا والمنديات سروع يعني بذلك: وابن عم رمينا حوله. ومنه قول الفضل بن العباس: [+البحر البسيط] مهلا بني عمنا مهلا موالينا لا تظهرن لنا ما كان مدفونا وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنا إدريس ، قال: ثنا طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: {ولكل جعلنا موالي} [النساء: 33] قال: «ورثة» حدثني المثنى قال: ثنا عبد الله بن صالح قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة. عن ابن عباس: {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان} [النساء: 33] قال: " الموالي: العصبة، يعني: الورثة " حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: {ولكل جعلنا موالي} [النساء: 33] قال: " الموالي: العصبة " حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري، عن منصور. عن مجاهد قوله: {ولكل جعلنا موالي} [النساء: 33] قال: «هم الأولياء» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ولكل جعلنا موالي} [النساء: 33] يقول: «عصبة» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {ولكل جعلنا موالي} [النساء: 33] قال: " الموالي: أولياء الأب أو الأخ أو ابن الأخ أو غيرهما من العصبة " حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ولكل جعلنا موالي} [النساء: 33] أما موالي: فهم أهل الميراث " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ولكل جعلنا موالي} [النساء: 33] قال: " الموالي: العصبة هم كانوا في الجاهلية الموالي ، فلما دخلت العجم على العرب لم يجدوا لهم اسما، فقال الله تبارك وتعالى: {فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم} [الأحزاب: 5] فسموا 06P673 الموالي. قال: والمولى اليوم موليان: مولى يرث ويورث فهؤلاء ذوو الأرحام ، ومولى يورث ولا يرث فهؤلاء العتاقة؛ وقال: ألا ترون قول زكرياء: {وإني خفت الموالي من ورائي} [مريم: 5] فالموالي ههنا: الورثة ويعني بقوله: {مما ترك الوالدان والأقربون} [النساء: 7] مما تركه والده وأقرباؤه من الميراث فتأويل الكلام: ولكلكم أيها الناس جعلنا عصبة يرثون به مما ترك والده وأقرباؤه من ميراثهم " 06P672
[النساء: 33] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} [النساء: 33] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: {والذين عقدت أيمانكم} [النساء: 33] بمعنى: والذين عقدت أيمانكم الحلف بينكم وبينهم، وهي قراءة عامة قراء الكوفيين. وقرأ ذلك آخرون: (والذين عاقدت أيمانكم)، بمعنى: والذين عاقدت أيمانكم وأيمانهم الحلف بينكم وبينهم قال أبو جعفر: والذي نقول به في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قراءة أمصار المسلمين بمعنى واحد وفي دلالة قوله: {أيمانكم} [البقرة: 225] على أنها أيمان العاقدين والمعقود عليهم الحلف، مستغنى عن الدلالة على ذلك بقراءة قوله {عقدت} [النساء: 33]، عاقدت، وذلك أن الذين قرءوا ذلك: عاقدت، قالوا: لا يكون عقد الحلف إلا من فريقين، ولا بد لنا من دلالة في الكلام على أن ذلك كذلك، وأغفلوا موضع دلالة قوله: {أيمانكم} [البقرة: 225] على أن معنى ذلك: أيمانكم وأيمان المعقود عليهم، وأن العقد إنما هو صفة للإيمان دون العاقدين الحلف، حتى زعم بعضهم أن ذلك إذا قرئ: {عقدت أيمانكم} [النساء: 33] فالكلام محتاج إلى ضمير صلة في الكلام حتى يكون الكلام معناه: والذين عقدت لهم أيمانكم ذهابا منه عن الوجه الذي قلنا في ذلك من أن الأيمان معني بها أيمان الفريقين وأما عاقدت أيمانكم، فإنه في تأويل: عاقدت أيمان هؤلاء أيمان هؤلاء الحلف، فهما متقاربان في المعنى ، وإن كانت قراءة من قرأ ذلك: {عقدت أيمانكم} [النساء: 33] بغير ألف، أصح معنى من قراءة من قرأه: عاقدت؛ للذي ذكرنا من الدلالة على المعني في صفة الأيمان بالعقد على أنها أيمان الفريقين من الدلالة على ذلك بغيره وأما معنى قوله: {عقدت أيمانكم} [النساء: 33] فإنه وصلت وشدت ووكدت أيمانكم، يعني: مواثيقكم التي واثق بعضهم بعضا، فآتوهم نصيبهم. ثم اختلف أهل التأويل في معنى النصيب الذي أمر الله أهل الحلف أن يؤتي بعضهم بعضا في الإسلام، فقال بعضهم: هو نصيبه من الميراث لأنهم في الجاهلية كانوا يتوارثون، فأوجب الله في الإسلام من بعضهم لبعض بذلك الحلف، وبمثله في الإسلام من الموارثة مثل الذي كان لهم في الجاهلية، ثم نسخ ذلك بما فرض من الفرائض لذوي الأرحام والقرابات ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الحسن بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، والحسن البصري، في قوله: (والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا) . قال: كان الرجل يحالف الرجل، ليس بينهما نسب، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ الله ذلك في الأنفال، فقال: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} [الأحزاب: 6] " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير، في قول الله: (والذين عاقدت أيمانكم) . قال: «كان الرجل يعاقد الرجل فيرثه، وعاقد أبو بكر رضي الله عنه مولى فورثه» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: (والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) . فكان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، فأنزل الله: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا} [الأحزاب: 6] يقول: «إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية فهو لهم جائز من ثلث مال الميت، وذلك هو المعروف» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا) . كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية، فيقول: دمي دمك، وهدمي هدمك، وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك. فجعل له السدس من جميع المال في الإسلام، ثم يقسم أهل الميراث ميراثهم، فنسخ ذلك بعد في سورة الأنفال، فقال الله: وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: (والذين عاقدت أيمانكم) .
قال: كان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك، وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك؛ فلما جاء الإسلام، بقي منهم 06P677 ناس، فأمروا أن يؤتوهم نصيبهم من الميراث وهو السدس، ثم نسخ ذلك بالميراث، فقال: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض} [الأحزاب: 6] " حدثني المثنى قال: ثنا الحجاج بن المنهال قال: ثنا همام بن يحيى قال: سمعت قتادة، يقول في قوله: (والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) وذلك أن الرجل كان يعاقد الرجل في الجاهلية، فيقول: هدمي هدمك، ودمي دمك، وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك. فجعل له السدس من جميع المال، ثم يقتسم أهل الميراث ميراثهم، فنسخ ذلك بعد في الأنفال، فقال: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} [الأحزاب: 6] فصارت المواريث لذوي الأرحام " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة، قال: هذا حلف كان في الجاهلية، كان الرجل يقول للرجل: ترثني وأرثك وتنصرني وأنصرك، وتعقل عني وأعقل عنك " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: (والذين عاقدت أيمانكم) كان الرجل يتبع الرجل فيعاقده: إن مت فلك مثل ما يرث بعض ولدي وهذا منسوخ " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس، قوله: (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) فإن الرجل في الجاهلية قد كان 06P678 يلحق به الرجل، فيكون تابعه، فإذا مات الرجل صار لأهله وأقاربه الميراث ، وبقي تابعه ليس له شيء، فأنزل الله: (والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) فكان يعطى من ميراثه، فأنزل الله بعد ذلك: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} [الأحزاب: 6] " وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في الذين آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار ، فكان بعضهم يرث بعضا بتلك المؤاخاة ثم نسخ الله ذلك بالفرائض، وبقوله: {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون} [النساء: 33] ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنا إدريس بن يزيد، قال: ثنا طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: (والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) قال: كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت هذه الآية: {ولكل جعلنا موالي} [النساء: 33] نسخت " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (والذين 06P679 عاقدت أيمانكم) الذين عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم {فآتوهم نصيبهم} [النساء: 33] إذا لم يأت رحم يحول بينهم قال: وهو لا يكون اليوم، إنما كان في نفر آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانقطع ذلك، ولا يكون هذا لأحد إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، كان آخى بين المهاجرين والأنصار واليوم لا يؤاخى بين أحد " وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في أهل العقد بالحلف، ولكنهم أمروا أن يؤتي بعضهم بعضا أنصباءهم من النصرة والنصيحة وما أشبه ذلك دون الميراث ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنا إدريس الأودي، قال: ثنا طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} [النساء: 33] من النصر والنصيحة والرفادة ، ويوصي لهم، وقد ذهب الميراث " حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور ، عن مجاهد: {والذين عقدت أيمانكم} [النساء: 33] قال: «كان حلف في الجاهلية ، فأمروا في الإسلام أن يعطوهم نصيبهم من العقل والنصرة والمشورة، ولا ميراث» حدثنا ابن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال : ثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد أنه قال في هذه الآية: (والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) من العون والنصر والحلف " حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد في قول الله: (والذين عاقدت أيمانكم) قال: كان هذا حلفا في الجاهلية، فلما كان الإسلام أمروا أن يؤتوهم نصيبهم من النصر والولاء والمشورة، ولا ميراث " حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال ابن جريج: (والذين عاقدت أيمانكم) أخبرني عبد الله بن كثير، أنه سمع مجاهدا، يقول: هو الحلف عقدت أيمانكم قال: وآتوهم نصيبهم قال: النصر " حدثني زكريا بن يحيى، قال: ثنا حجاج، قال ابن جريج.
Preguntas
- ¿Qué enseña el islam sobre la vida después de la muerte?
- ¿Qué creen los musulmanes acerca de los profetas?
- ¿Cómo se realizan las cinco oraciones diarias (salat)?
- ¿Cuáles son las reglas del ayuno en Ramadán?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?