Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Sección V07/P162

07P166 قالوا: وذلك نظير قول العرب للصائغ إذا استصاغته خاتما من خاتم مصوغ ، بتحويله عن صياغته التي هو بها إلى صياغة أخرى: صغ لي من هذا الخاتم خاتما غيره. فيكسره ويصوغ له منه خاتما غيره والخاتم المصوغ بالصياغة الثانية هو الأول، ولكنه لما أعيد بعد كسره خاتما قيل هو غيره. قالوا: فكذلك معنى قوله: {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها} [النساء: 56] لما احترقت الجلود ثم أعيدت جديدة بعد الاحتراق، قيل هي غيرها على ذلك المعنى. وقال آخرون: معنى ذلك: {كلما نضجت جلودهم} [النساء: 56] سرابيلهم، بدلناهم سرابيل من قطران غيرها. فجعلت السرابيل القطران لهم جلودا، كما يقال للشيء الخاص بالإنسان: هو جلدة ما بين عينيه ووجهه لخصوصه به. قالوا: فكذلك سرابيل القطران التي قال الله في كتابه: {سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار} [إبراهيم: 50] لما صارت لهم لباسا لا تفارق أجسامهم جعلت لهم جلودا ، فقيل: كلما اشتعل القطران في أجسامهم واحترق بدلوا سرابيل من قطران آخر. قالوا: وأما جلود أهل الكفر من أهل النار فإنها لا تحرق، لأن في احتراقها إلى حال إعادتها فناءها، وفي فنائها راحتها. قالوا: وقد أخبرنا الله تعالى ذكره عنها أنهم لا يموتون ولا يخفف عنهم من عذابها. قالوا: وجلود الكفار أحد أجزاء أجسامهم، ولو جاز أن يحترق منها شيء فيفنى ثم يعاد بعد الفناء في النار، 07P167 جاز ذلك في جميع أجزائها، وإذا جاز ذلك وجب أن يكون جائزا عليهم الفناء ثم الإعادة والموت ثم الإحياء، وقد أخبر الله عنهم أنهم لا يموتون. قالوا: وفي خبره عنهم أنهم لا يموتون دليل واضح أنه لا يموت شيء من أجزاء أجسامهم ، والجلود أحد تلك الأجزاء. وأما معنى قوله: {ليذوقوا العذاب} [النساء: 56] فإنه يقول: فعلنا ذلك بهم ليجدوا ألم العذاب وكربه وشدته بما كانوا في الدنيا يكذبون آيات الله ويجحدونها 07P164

Sección V07/P162–V07/P167

[النساء: 56] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الله كان عزيزا حكيما} [النساء: 56] يقول: إن الله لم يزل عزيزا في انتقامه ممن انتقم منه من خلقه، لا يقدر على الامتناع منه أحد أراده بضر، ولا الانتصار منه أحد أحل به عقوبة، حكيما في تدبيره وقضائه 07P167 [النساء: 57] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا} [النساء: 57] يعني بقوله جل ثناؤه: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} [البقرة: 82] والذين آمنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وصدقوا بما أنزل الله على محمد مصدقا لما معهم من يهود بني إسرائيل وسائر الأمم غيرهم {وعملوا الصالحات} [البقرة: 25] يقول: " وأدوا ما أمرهم الله به من فرائضه، واجتنبوا ما حرم الله عليهم من معاصيه، وذلك هو الصالح من أعمالهم {سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار} [النساء: 57] يقول: سوف يدخلهم الله يوم القيامة جنات، يعني: بساتين {تجري من تحتها الأنهار} [البقرة: 25] يقول: " تجري من تحت تلك الجنات الأنهار. {خالدين فيها أبدا} [النساء: 57] يقول: " باقين فيها أبدا بغير نهاية ولا انقطاع، دائم ذلك لهم فيها أبدا. {لهم فيها أزواج} [النساء: 57] يقول: لهم في تلك الجنات التي وصف صفتها {أزواج مطهرة} [البقرة: 25] يعني: بريئات من الأدناس والريب الحيض والغائط والبول والحبل والبصاق، وسائر ما يكون في نساء أهل الدنيا. وقد ذكرنا ما في ذلك من الآثار فيما مضى قبل، وأغنى ذلك عن إعادتها. وأما قوله: {وندخلهم ظلا ظليلا} [النساء: 57] فإنه يقول: وندخلهم ظلا كنينا، كما قال جل ثناؤه: {وظل ممدود} [الواقعة: 30] وكما: حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن، وحدثنا ابن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قالا جميعا: ثنا شعبة قال: سمعت أبا الضحاك، يحدث عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، شجرة الخلد» 07P168

Sección V07/P167–V07/P171

[النساء: 58] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا} [النساء: 58] اختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية، فقال بعضهم: عني بها: ولاة أمور المسلمين ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا أبو أسامة ، عن أبي مكين، عن زيد بن أسلم، قال: نزلت هذه الآية: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58] في ولاة الأمر " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا ليث، عن شهر، قال: نزلت في الأمراء خاصة {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} [النساء: 58] " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا إسماعيل، عن مصعب بن سعد، قال: قال علي رضي الله عنه: «كلمات أصاب فيهن حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدي الأمانة، وإذا فعل ذلك فحق على الناس أن يسمعوا وأن يطيعوا وأن يجيبوا إذا دعوا» حدثنا أبو كريب قال: ثنا جابر بن نوح قال: ثنا إسماعيل عن مصعب بن سعد، عن علي بنحوه حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا موسى بن عمير، عن مكحول، في قول الله: {وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] قال: " هم أهل الآية التي قبلها : {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58] إلى آخر الآية " حدثني يونس، قال؛ أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا ابن زيد، قال: قال أبي: هم الولاة، أمرهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها " وقال آخرون: أمر السلطان بذلك أن يعطوا الناس ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58] قال: " يعني: السلطان يعطون الناس " وقال آخرون: الذي خوطب بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في مفاتيح الكعبة أمر بردها على عثمان بن طلحة ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58] قال: " نزلت في 07P171 عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، قبض منه النبي صلى الله عليه وسلم مفاتيح الكعبة، ودخل بها البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان فدفع إليه المفتاح. قال: وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو هذه الآية: فداؤه أبي وأمي، ما سمعته يتلوها قبل ذلك " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا الزنجي بن خالد، عن الزهري ، قال: " دفعه إليه وقال: أعينوه " وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي قول من قال: هو خطاب من الله إلى ولاة أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من ولوا في فيئهم وحقوقهم، وما ائتمنوا عليه من أمورهم بالعدل بينهم في القضية. والقسم بينهم بالسوية، يدل على ذلك ما وعظ به الرعية في: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] فأمرهم بطاعتهم ، وأوصى الراعي بالرعية، وأوصى الرعية بالطاعة. كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] قال: " قال أبي: هم السلاطين. وقرأ ابن زيد: {تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء} [آل عمران: 26] ألا ترى أنه أمر فقال: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58] والأمانات: هي الفيء الذي استأمنهم على جمعه وقسمه، والصدقات التي استأمنهم على جمعها وقسمها.

Sección V07/P171

{وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} [النساء: 58] الآية كلها فأمر بهذا الولاة ، ثم أقبل علينا نحن، فقال: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] " وأما الذي قال ابن جريج من أن هذه الآية نزلت في عثمان بن طلحة فإنه جائز أن تكون نزلت فيه، وأريد به كل مؤتمن على أمانة فدخل فيه ولاة أمور المسلمين وكل مؤتمن على أمانة في دين أو دنيا، ولذلك قال من قال: عني به قضاء الدين ورد حقوق الناس، كالذي: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس، قوله: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58] فإنه لم يرخص لموسر ولا معسر أن يمسكها " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58] عن الحسن: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» 07P173 فتأويل الآية إذا، إذ كان الأمر على ما وصفنا: إن الله يأمركم يا معشر ولاة أمور المسلمين أن تؤدوا ما ائتمنتكم عليه رعيتكم من فيئهم وحقوقهم وأموالهم وصدقاتهم إليهم على ما أمركم الله، بأداء كل شيء من ذلك إلى من هو له بعد أن تصير في أيديكم، لا تظلموها أهلها ولا تستأثروا بشيء منها ولا تضعوا شيئا منها في غير موضعه، ولا تأخذوها إلا ممن أذن الله لكم بأخذها منه قبل أن تصير في أيديكم؛ ويأمركم إذا حكمتم بين رعيتكم أن تحكموا بينهم بالعدل والإنصاف، وذلك حكم الله الذي أنزله في كتابه وبينه على لسان رسوله، لا تعدوا ذلك فتجوروا عليهم 07P172

Sección V07/P171

[النساء: 58] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا} [النساء: 58] يعني بذلك جل ثناؤه: يا معشر ولاة أمور المسلمين إن الله نعم الشيء يعظكم به، ونعمت العظة يعظكم بها في أمره إياكم، أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وأن تحكموا بين الناس بالعدل {إن الله كان سميعا} [النساء: 58] يقول: " إن الله لم يزل سميعا بما تقولون وتنطقون، وهو سميع لذلك منكم 07P174 إذا حكمتم بين الناس ولم تحاوروهم به {بصيرا} [النساء: 58] بما تفعلون فيما ائتمنتكم عليه من حقوق رعيتكم وأموالهم، وما تقضون به بينهم من أحكامكم بعدل تحكمون أو جور، لا يخفى عليه شيء من ذلك، حافظ ذلك كله ، حتى يجازي محسنكم بإحسانه ومسيئكم بإساءته، أو يعفو بفضله 07P173

Sección V07/P171–V07/P175

[النساء: 59] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء: 59] يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ربكم فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، وأطيعوا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ، فإن في طاعتكم إياه لربكم طاعة، وذلك أنكم تطيعونه لأمر الله إياكم بطاعته. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصا أميري فقد عصاني» 07P175 واختلف أهل التأويل في معنى قوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [النساء: 59] فقال بعضهم: ذلك أمر من الله باتباع سنته ذكر من قال ذلك: حدثنا المثنى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا هشيم، عن عبد الملك، عن عطاء، في قوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [النساء: 59] قال: " طاعة الرسول: اتباع سنته " حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا يعلى بن عبيد، عن عبد الملك، عن عطاء: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [النساء: 59] قال: " طاعة الرسول: اتباع الكتاب والسنة " وحدثني المثنى قال: ثنا سويد قال: أخبرنا ابن المبارك، عن عبد الملك، عن عطاء، مثله وقال آخرون: ذلك أمر من الله بطاعة الرسول في حياته ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [النساء: 59] إن كان حيا " والصواب من القول في ذلك أن يقال: هو أمر من الله بطاعة رسوله في 07P176 حياته فيما أمر ونهى، وبعد وفاته في اتباع سنته؛ وذلك أن الله عم بالأمر بطاعته ولم يخصص ذلك في حال دون حال، فهو على العموم حتى يخص ذلك ما يجب التسليم له. واختلف أهل التأويل في أولي الأمر الذين أمر الله عباده بطاعتهم في هذه الآية، فقال بعضهم هم الأمراء ذكر من قال ذلك: حدثني أبو السائب سلم بن جنادة قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، في قوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] قال: «هم الأمراء» حدثنا الحسن بن الصباح البزار، قال: ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج ، قال: أخبرني يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه قال: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] نزلت في رجل بعثه النبي صلى الله عليه وسلم على سرية " حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبيد الله بن مسلم بن هرمز، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في السرية " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، قال: سأل مسلمة ميمون بن مهران، عن قوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] قال: «أصحاب السرايا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } [النساء: 59] قال: " قال أبي: هم السلاطين. قال: وقال ابن زيد في قوله: {وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] قال أبي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطاعة الطاعة، وفي الطاعة بلاء» . وقال: «ولو شاء الله لجعل الأمر في الأنبياء» يعني: لقد جعل إليهم والأنبياء معهم، ألا ترى حين حكموا في قتل يحيى بن 07P178 زكريا؟

Sección V07/P175–V07/P181

" حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، ثنا أسباط، عن السدي: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] قال: " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية عليها خالد بن الوليد، وفيها عمار بن ياسر، فساروا قبل القوم الذين يريدون، فلما بلغوا قريبا منهم عرسوا ، وأتاهم ذو العيينتين، فأخبرهم فأصبحوا وقد هربوا غير رجل أمر أهله ، فجمعوا متاعهم. ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل، حتى أتى عسكر خالد، فسأل عن عمار بن ياسر فأتاه، فقال: يا أبا اليقظان، إني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وإن قومي لما سمعوا بكم هربوا، وإني بقيت فهل إسلامي نافعي غدا وإلا هربت؟ قال عمار: بل هو ينفعك فأقم. فأقام ، فلما أصبحوا أغار خالد، فلم يجد أحدا غير الرجل، فأخذه وأخذ ماله، فبلغ عمارا الخبر، فأتى خالدا فقال: خل عن الرجل فإنه قد أسلم، وهو في أمان مني. فقال خالد: وفيم أنت تجير؟ فاستبا وارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأجاز أمان عمار ونهاه أن يجير الثانية على أمير. فاستبا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال خالد: يا رسول الله أتترك هذا العبد الأجدع يسبني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا خالد لا تسب عمارا، فإنه من سب عمارا سبه الله، ومن أبغض عمارا أبغضه الله، ومن لعن عمارا لعنه الله» . فغضب عمار، فقام فتبعه خالد حتى أخذ بثوبه فاعتذر إليه، فرضي عنه ، فأنزل الله تعالى قوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر 07P179 منكم} [النساء: 59] وقال آخرون: هم أهل العلم والفقه ذكر من قال ذلك : حدثني سفيان بن وكيع، قال: ثنا أبي، عن علي بن صالح ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله. . . . قال: ثنا جابر بن نوح، عن الأعمش، عن مجاهد، في قوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] قال: «أولي الفقه منكم» حدثنا أبو كريب قال: ثنا ابن إدريس قال: أخبرنا ليث، عن مجاهد، في 07P180 قوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] قال: «أولي الفقه والعلم» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح: {وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] قال: «أولي الفقه في الدين والعقل» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] يعني: «أهل الفقه والدين» حدثني أحمد بن حازم قال: ثنا أبو نعيم قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن مجاهد: {وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] قال: «أهل العلم» حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الملك، عن عطاء بن السائب، في قوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] قال: «أولي العلم 07P181 والفقه» حدثني المثنى قال: ثنا عمرو بن عون قال: ثنا هشيم، عن عبد الملك، عن عطاء: {وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] قال: «الفقهاء والعلماء» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله: {وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] قال: «هم العلماء» قال: وأخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ، قوله: {وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] قال: «هم أهل الفقه والعلم» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله: {وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] قال: " هم أهل العلم، ألا ترى أنه يقول: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83] ؟

Sección V07/P181–V07/P182

وقال آخرون: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] قال: " كان مجاهد يقول: أصحاب محمد. قال: وربما قال: أولي الفضل والفقه ودين الله " وقال آخرون: هم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن عمرو البصري، قال: ثنا حفص بن عمر العدني ، قال: ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] قال: «أبو بكر وعمر» وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الأمراء والولاة، لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان طاعة وللمسلمين مصلحة. 07P183 كالذي: حدثني علي بن مسلم الطوسي، قال: ثنا ابن أبي فديك، قال: ثني عبد الله بن محمد بن عروة، عن هشام بن عروة، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البر ببره والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق، وصلوا وراءهم فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساءوا فلكم وعليهم» حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع ، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «على المرء المسلم الطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فمن أمر بمعصية فلا طاعة» حدثني ابن المثنى قال: ثني خالد عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، 07P184 عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه فإذا كان معلوما أنه لا طاعة واجبة لأحد غير الله أو رسوله أو إمام عادل، وكان الله قد أمر بقوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] بطاعة ذوي أمرنا، كان معلوما أن الذين أمر بطاعتهم تعالى ذكره من ذوي أمرنا هم الأئمة ومن ولاه المسلمون دون غيرهم من الناس، وإن كان فرضا القبول من كل من أمر بترك معصية الله، ودعا إلى طاعة الله، وأنه لا طاعة تجب لأحد فيما أمر ونهى فيما لم تقم حجة وجوبه إلا للأئمة الذين ألزم الله عباده طاعتهم فيما أمروا به رعيتهم مما هو مصلحة لعامة الرعية، فإن على من أمروه بذلك طاعتهم ، وكذلك في كل ما لم يكن لله معصية. وإذ كان ذلك كذلك كان معلوما بذلك صحة ما اخترنا من التأويل دون غيره 07P183

Sección V07/P182–V07/P185

[النساء: 59] القول في تأويل قوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} [النساء: 59] يعني بذلك جل ثناؤه: فإن اختلفتم أيها المؤمنون في شيء من أمر دينكم أنتم فيما بينكم أو أنتم وولاة أمركم فاشتجرتم فيه {فردوه إلى الله} [النساء: 59] يعني بذلك: فارتادوا معرفة حكم الذي اشتجرتم أنتم بينكم أو أنتم وأولو أمركم من عند الله، يعني بذلك: من كتاب الله، فاتبعوا ما وجدتم. وأما قوله: {والرسول} [آل عمران: 32] فإنه يقول: فإن لم تجدوا إلى علم ذلك في كتاب الله سبيلا، فارتادوا معرفة ذلك أيضا من عند الرسول إن كان حيا، وإن كان ميتا فمن سنته: {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} [النساء: 59] يقول: " افعلوا ذلك إن كنتم تصدقون بالله واليوم الآخر. يعني: بالمعاد الذي فيه الثواب والعقاب، فإنكم إن فعلتم ما أمرتم به من ذلك فلكم من الله الجزيل من الثواب، وإن لم تفعلوا ذلك فلكم الأليم من العقاب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا ليث ، عن مجاهد، في قوله: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59] قال: " فإن تنازع العلماء ردوه إلى الله والرسول. قال: يقول: فردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله. ثم قرأ مجاهد هذه الآية: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه 07P186 منهم} [النساء: 83] " حدثني المثنى ، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: {فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59] قال: «كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم» حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري، عن ليث ، عن مجاهد في قوله: {فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59] قال: " إلى الله: إلى كتابه، وإلى الرسول: إلى سنة نبيه " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، قال: سأل مسلمة ميمون بن مهران عن قوله: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59] قال: " الله: كتابه ورسوله: سنته. فكأنما ألقمه حجرا " حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: أخبرنا جعفر بن برقان ، عن ميمون بن مهران: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59] قال: " الرد إلى الله: الرد إلى كتابه، والرد إلى رسوله إن كان حيا ، فإن قبضه الله إليه فالرد إلى السنة " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59] يقول: " ردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} [النساء: 59] " حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59] إن كان الرسول حيا و {إلى الله} [النساء: 59] قال: «إلى كتابه» 07P187

Sección V07/P185–V07/P187

[النساء: 59] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء: 59] يعني بقوله جل ثناؤه: {ذلك} [البقرة: 2] فرد ما تنازعتم فيه من شيء إلى الله والرسول، خير لكم عند الله في معادكم، وأصلح لكم في دنياكم، لأن ذلك يدعوكم إلى الألفة، وترك التنازع والفرقة. {وأحسن تأويلا} [النساء: 59] يعني: " وأحمد موئلا ومغبة، وأجمل عاقبة. وقد بينا فيما مضى أن التأويل: التفعيل من تأول، وأن قول القائل تأول: تفعل، من قولهم آل هذا الأمر إلى كذا: أي رجع؛ بما أغنى عن إعادته وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وأحسن تأويلا} [النساء: 59] قال: «حسن جزاء» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء: 59] يقول: «ذلك أحسن ثوابا وخير عاقبة» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وأحسن تأويلا} [النساء: 59] قال: «عاقبة» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء: 59] قال: " وأحسن عاقبة. قال: والتأويل: التصديق " 07P188

Sección V07/P187–V07/P189

[النساء: 60] القول في تأويل قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} [النساء: 60] يعني بذلك جل ثناؤه: {ألم تر} [البقرة: 243] يا محمد بقلبك فتعلم إلى الذين يزعمون أنهم صدقوا بما أنزل إليك من الكتاب، وإلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من قلبك من الكتب {يريدون أن يتحاكموا} [النساء: 60] في خصومتهم {إلى الطاغوت} [النساء: 60] يعني: " إلى من يعظمونه، ويصدرون عن قوله، ويرضون بحكمه من دون حكم الله، {وقد أمروا أن يكفروا به} [النساء: 60] يقول: " وقد أمرهم الله أن يكذبوا بما جاءهم به الطاغوت الذي يتحاكمون إليه، فتركوا أمر الله، واتبعوا أمر الشيطان. {ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} [النساء: 60] يعني أن الشيطان يريد أن يصد هؤلاء المتحاكمين إلى الطاغوت عن سبيل الحق والهدى، فيضلهم عنها ضلالا بعيدا، يعني: فيجور بهم عنها جورا شديدا، وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في رجل من المنافقين دعا رجلا من اليهود في خصومة كانت بينهما إلى بعض الكهان ليحكم بينهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر، في هذه الآية: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} [النساء: 60] قال: " كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فكان المنافق يدعو إلى اليهود لأنه يعلم أنهم يقبلون الرشوة، وكان اليهودي يدعو إلى المسلمين لأنه يعلم أنهم لا يقبلون الرشوة، فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جهينة ، فأنزل الله فيه هذه الآية: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك} [النساء: 60] حتى بلغ: {ويسلموا تسليما} [النساء: 65] " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر، في هذه الآية: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك} [النساء: 60] فذكر نحوه، وزاد فيه: فأنزل الله {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك} [النساء: 60] يعني المنافقين {وما أنزل من قبلك} [البقرة: 4] يعني اليهود {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} [النساء: 60] يقول: " إلى الكاهن {وقد أمروا أن يكفروا به} [النساء: 60] أمر هذا في كتابه، وأمر هذا في كتابه أن يكفر بالكاهن " حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي قال: كانت بين رجل ممن يزعم أنه مسلم، وبين رجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: أحاكمك إلى أهل دينك، أو قال: إلى النبي؛ لأنه قد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأخذ الرشوة في الحكم. فاختلفا، فاتفقا على أن يأتيا كاهنا في جهينة قال: فنزلت: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك} [النساء: 60] يعني: " الذي من الأنصار {وما أنزل من قبلك} [البقرة: 4] يعني: " اليهودي {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} [النساء: 60] إلى الكاهن {وقد أمروا أن يكفروا به} [النساء: 60] يعني: " أمر هذا في كتابه، وأمر هذا في كتابه. وتلا: {ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} [النساء: 60]، وقرأ: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} [النساء: 65] إلى: {ويسلموا تسليما} [النساء: 65] " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: زعم حضرمي أن رجلا، من اليهود كان قد أسلم، فكانت بينه وبين رجل 07P191 من اليهود مدارأة في حق، فقال اليهودي له: انطلق إلى نبي الله. فعرف أنه سيقضي عليه. قال: فأبى، فانطلقا إلى رجل من الكهان، فتحاكما إليه.

Sección V07/P189

قال الله: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} [النساء: 60] " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} [النساء: 60] الآية، حتى بلغ: {ضلالا بعيدا} [النساء: 60] ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في رجلين: رجل من الأنصار يقال له بشر، وفي رجل من اليهود في مدارأة كانت بينهما في حق، فتدارءا بينهما فيه، فتنافرا إلى كاهن بالمدينة يحكم بينهما، وتركا نبي الله صلى الله عليه وسلم. فعاب الله عز وجل ذلك. وذكر لنا أن اليهودي كان يدعوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهما، وقد علم أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لن يجور عليه ، فجعل الأنصاري يأبى عليه وهو يزعم أنه مسلم ويدعوه إلى الكاهن، فأنزل الله تبارك وتعالى ما تسمعون، فعاب ذلك على الذي زعم أنه مسلم، وعلى اليهودي الذي هو من أهل الكتاب، فقال: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك} [النساء: 60] إلى قوله: {صدودا} [النساء: 61] " حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} [النساء: 60] قال: " كان ناس من اليهود قد أسلموا ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل الرجل من بني النضير قتلته بنو قريظة قتلوا به منهم، فإذا قتل الرجل من بني قريظة قتلته النضير، أعطوا ديته ستين وسقا من تمر. فلما أسلم ناس من بني قريظة والنضير، قتل رجل من بني النضير رجلا من بني قريظة، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النضيري: يا رسول الله، إنا كنا نعطيهم في الجاهلية الدية، فنحن نعطيهم اليوم ذلك. فقالت قريظة: لا ، ولكنا إخوانكم في النسب والدين، ودماؤنا مثل دمائكم، ولكنكم كنتم تغلبوننا في الجاهلية، فقد جاء الله بالإسلام فأنزل الله يعيرهم بما فعلوا. فقال: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} [المائدة: 45] فعيرهم ، ثم ذكر قول النضيري: كنا نعطيهم في الجاهلية ستين وسقا ونقتل منهم ولا يقتلون، فقال: {أفحكم الجاهلية يبغون} [المائدة: 50] وأخذ النضيري فقتله بصاحبه. فتفاخرت النضير وقريظة، فقالت النضير: نحن أكرم منكم، وقالت قريظة: نحن أكرم منكم، ودخلوا المدينة إلى أبي برزة الكاهن الأسلمي، فقال المنافق من قريظة والنضير: انطلقوا إلى أبي برزة ينفر بيننا. وقال المسلمون من قريظة والنضير: لا، بل النبي صلى الله عليه وسلم ينفر بيننا، فتعالوا إليه. فأبى المنافقون، 07P193 وانطلقوا إلى أبي برزة فسألوه، فقال: أعظموا اللقمة. يقول: أعظموا الخطر.

Sección V07/P189–V07/P192

فقالوا: لك عشرة أوساق قال: لا، بل مائة وسق ديتي، فإني أخاف أن أنفر النضير فتقتلني قريظة، أو أنفر قريظة فتقتلني النضير فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوساق، وأبى أن يحكم بينهم، فأنزل الله عز وجل: {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} [النساء: 60] وهو أبو برزة، وقد أمروا أن يكفروا به ، إلى قوله: {ويسلموا تسليما} [النساء: 65] وقال آخرون: الطاغوت في هذا الموضع: هو كعب بن الأشرف ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {يريدون أن يتحاكموا، إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به} [النساء: 60] والطاغوت: رجل من اليهود كان يقال له كعب بن الأشرف، وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا: بل نحاكمكم إلى كعب؛ فذلك قوله: {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} [النساء: 60] الآية " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، في قول الله: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما 07P194 أنزل إليك وما أنزل من قبلك} [النساء: 60] قال: " تنازع رجل من المنافقين ورجل من اليهود، فقال المنافق: اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف. وقال اليهودي: اذهب بنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال الله تبارك وتعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون} [النساء: 60] الآية والتي تليها فيهم أيضا " حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك} [النساء: 60] فذكر مثله، إلا أنه قال: وقال اليهودي: اذهب بنا إلى محمد حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، في قوله: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} [النساء: 60] إلى قوله: {ضلالا بعيدا} [النساء: 60] قال: " كان رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بينهما خصومة، أحدهم مؤمن، والآخر منافق. فدعاه المؤمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، فأنزل الله: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} [النساء: 61] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} [النساء: 60] قال: " تنازع رجل من المؤمنين 07P195 ورجل من اليهود، فقال اليهودي: اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف، وقال المؤمن: اذهب بنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الله: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك} [النساء: 60] إلى قوله: {صدودا} [النساء: 61] قال ابن جريج: يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك قال: القرآن ، وما أنزل من قبلك قال: التوراة. قال: يكون بين المسلم والمنافق الحق ، فيدعوه المسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليحاكمه إليه، فيأبى المنافق ويدعوه إلى الطاغوت. قال ابن جريج: قال مجاهد : الطاغوت: كعب بن الأشرف " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} [النساء: 60] هو كعب بن الأشرف " وقد بينا معنى الطاغوت في غير هذا الموضع، فكرهنا إعادته 07P195

Sección V07/P192–V07/P196

[النساء: 61] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} [النساء: 61] يعني بذلك جل ثناؤه: ألم تر يا محمد إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك من المنافقين، وإلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من قبلك من أهل الكتاب، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله} [النساء: 61] يعني بذلك: وإذا قيل لهم: تعالوا هلموا إلى حكم الله الذي أنزله في كتابه، {وإلى الرسول} [النساء: 61] ليحكم بيننا 07P196 {رأيت المنافقين يصدون عنك} [النساء: 61] يعني بذلك: يمتنعون من المصير إليك لتحكم بينهم، ويمنعون من المصير إليك كذلك غيرهم صدودا وقال ابن جريج في ذلك بما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول} [النساء: 61] قال: " دعا المسلم المنافق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم قال: رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا " وأما على تأويل قول من جعل الداعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم اليهودي والمدعو إليه المنافق على ما ذكرت من أقوال من قال ذلك في تأويل قوله: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك} [النساء: 60] فإنه على ما بينت قبل. 07P196 [النساء: 62] القول في تأويل قوله تعالى: {فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا} [النساء: 62] يعني بذلك جل ثناؤه: فكيف بهؤلاء الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وهم يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك {إذا أصابتهم مصيبة} [البقرة: 156] يعني: " إذا نزلت بهم نقمة من الله {بما قدمت أيديهم} [البقرة: 95] يعني: " بذنوبهم التي سلفت منهم {ثم جاءوك يحلفون بالله} يقول: " ثم جاءوك يحلفون بالله كذبا وزورا {إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا} [النساء: 62] وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المنافقين أنهم لا يردعهم عن النفاق العبر والنقم، وأنهم وإن تأتهم عقوبة من الله على تحاكمهم إلى الطاغوت ، لم ينيبوا ولم يتوبوا، ولكنهم يحلفون بالله كذبا وجرأة على الله ما أردنا باحتكامنا إليه إلا الإحسان من بعضنا إلى بعض، والصواب فيما احتكمنا فيه إليه 07P197 [النساء: 63] القول في تأويل قوله تعالى: {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} [النساء: 63] يعني جل ثناؤه بقوله: {أولئك} [النساء: 63] هؤلاء المنافقون الذين وصفت لك يا محمد صفتهم، يعلم الله ما في قلوبهم، في احتكامهم إلى الطاغوت، وتركهم الاحتكام إليك، وصدودهم عنك، من النفاق والزيغ، وإن حلفوا بالله ما أردنا إلا إحسانا وتوفيقا {فأعرض عنهم وعظهم} [النساء: 63] يقول: " فدعهم فلا تعاقبهم في أبدانهم وأجسامهم، ولكن عظهم بتخويفك إياهم بأس الله أن يحل بهم، وعقوبته أن تنزل بدارهم، وحذرهم من مكروه ما هم عليه من الشك في أمر الله وأمر رسوله {وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} [النساء: 63] يقول: " مرهم باتقاء الله والتصديق به وبرسوله ووعده ووعيده 07P197

Sección V07/P196

[النساء: 64] القول في تأويل قوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} [النساء: 64] 07P197 يعني بذلك جل ثناؤه: لم نرسل يا محمد رسولا إلا فرضت طاعته على من أرسلته إليه، يقول تعالى ذكره: فأنت يا محمد من الرسل الذين فرضت طاعتهم على من أرسلته إليه. وإنما هذا من الله توبيخ للمحتكمين من المنافقين الذين كانوا يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيما اختصموا فيه إلى الطاغوت، صدودا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول لهم تعالى ذكره: ما أرسلت رسولا إلا فرضت طاعته على من أرسلته إليه، فمحمد صلى الله عليه وسلم من أولئك الرسل، فمن ترك طاعته والرضا بحكمه واحتكم إلى الطاغوت ، فقد خالف أمري وضيع فرضي. ثم أخبر جل ثناؤه أن من أطاع رسله، فإنما يطيعهم بإذنه، يعني بتقديره ذلك وقضائه السابق في علمه ومشيئته. كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، في قول الله: {إلا ليطاع بإذن الله} [النساء: 64] واجب لهم أن يطيعه من شاء الله، ولا يطيعهم أحد إلا بإذن الله " حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى قال: ثنا سويد بن نصر قال: أخبرنا ابن المبارك، عن شبل، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله وإنما هذا تعريض من الله تعالى ذكره لهؤلاء المنافقين بأن تركهم طاعة الله وطاعة رسوله والرضا بحكمه، إنما هو للسابق لهم من خذلانه وغلبة الشقاء عليهم، ولولا ذلك لكانوا ممن أذن له في الرضا بحكمه والمسارعة إلى طاعته 07P198 [النساء: 64] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} [النساء: 64] يعني بذلك جل ثناؤه: ولو أن هؤلاء المنافقين الذين وصف صفتهم في هاتين الآيتين، الذين إذا دعوا إلى حكم الله وحكم رسوله صدوا صدودا، إذ ظلموا أنفسهم باكتسابهم إياها العظيم من الإثم في احتكامهم إلى الطاغوت وصدودهم عن كتاب الله وسنة رسوله، إذا دعوا إليها جاءوك يا محمد حين فعلو ما فعلوا من مصيرهم إلى الطاغوت راضين بحكمه دون حكمك، جاءوك تائبين منيبين، فسألوا الله أن يصفح لهم عن عقوبة ذنبهم بتغطيته عليهم، وسأل لهم الله رسوله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك. وذلك هو معنى قوله: {فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول} [النساء: 64] وأما قوله: {لوجدوا الله توابا رحيما} [النساء: 64] فإنه يقول: لو كانوا فعلوا ذلك فتابوا من ذنوبهم لوجدوا الله توابا، يقول: راجعا لهم مما يكرهون إلى ما يحبون، رحيما بهم في تركه عقوبتهم على ذنبهم الذي تابوا منه وقال مجاهد: عنى بذلك: اليهودي والمسلم اللذان تحاكما إلى كعب بن الأشرف حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، في قول الله: {ظلموا أنفسهم} [آل عمران: 117] إلى قوله: {ويسلموا تسليما} [النساء: 65] قال: «إن هذا في الرجل اليهودي والرجل المسلم اللذين تحاكما إلى كعب بن 07P200 الأشرف» 07P199

Sección V07/P196–V07/P201

[النساء: 65] القول في تأويل قوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65] يعني جل ثناؤه بقوله: {فلا} [النساء: 65] فليس الأمر كما يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل إليك، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدون عنك إذا دعوا إليك يا محمد. واستأنف القسم جل ذكره، فقال: {وربك} [النساء: 65] يا محمد {لا يؤمنون} [البقرة: 6] أي لا يصدقون بي وبك، وبما أنزل إليك {حتى يحكموك فيما شجر بينهم} [النساء: 65] يقول: " حتى يجعلوك حكما بينهم فيما اختلط بينهم من أمورهم، فالتبس عليهم حكمه، يقال: شجر يشجر شجورا وشجرا ، وتشاجر القوم إذا اختلفوا في الكلام والأمر مشاجرة وشجارا {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت} [النساء: 65] يقول: " لا يجدوا في أنفسهم ضيقا مما قضيت، وإنما معناه: ثم لا تحرج أنفسهم مما قضيت: أي لا تأثم بإنكارها ما قضيت وشكها في طاعتك وأن الذي قضيت به بينهم حق لا يجوز لهم خلافه. كما: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: {حرجا مما قضيت} [النساء: 65] قال: «شكا» حدثنا ابن حميد قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله: {حرجا مما قضيت} [النساء: 65] يقول: «شكا» حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، في قوله: {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت} [النساء: 65] قال: " إثما {ويسلموا تسليما} [النساء: 65] يقول: «ويسلموا لقضائك وحكمك ، إذعانا منهم بالطاعة، وإقرارا لك بالنبوة تسليما» واختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية وفيمن نزلت، فقال بعضهم: نزلت في الزبير بن العوام وخصم له من الأنصار، اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور ذكر الرواية بذلك: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب ، قال: أخبرني يونس، والليث بن سعد، عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير، 07P202 حدثه أن عبد الله بن الزبير حدثه، عن الزبير بن العوام: أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج من الحرة كانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر. فأبى عليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك» فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله، إن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ثم أرسل الماء إلى جارك» واستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه قال أبو جعفر: والصواب: «استوعب» . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه الشفقة له وللأنصاري ، فلما أحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصاري استوعب للزبير حقه في صريح الحكم. قال: فقال الزبير: ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} [النساء: 65] الآية حدثني يعقوب، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن الزهري، عن عروة، قال: خاصم الزبير رجل من الأنصار في شرج من شراج الحرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا زبير، اشرب ثم خل سبيل الماء» فقال الذي من الأنصار: اعدل يا نبي الله وإن كان ابن عمتك.

Sección V07/P201–V07/P203

قال: فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف أن قد ساءه ما قال، ثم قال: «يا زبير، احبس الماء إلى الجدر أو إلى الكعبين، ثم خل سبيل الماء» قال: ونزلت: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} [النساء: 65] " حدثني عبد الله بن عمير الرازي، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا عمرو بن دينار، عن سلمة، رجل من ولد أم سلمة، عن أم سلمة: أن الزبير، خاصم رجلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير، فقال الرجل لما قضى للزبير: إن كان ابن عمتك؟ فأنزل الله: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65] 07P204 وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في المنافق واليهودي اللذين وصف الله صفتهما في قوله: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} [النساء: 60] ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65] قال: «هذا الرجل اليهودي والرجل المسلم اللذان تحاكما إلى كعب بن الأشرف» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، مثله حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي ، بنحوه، إلا أنه قال: إلى الكاهن قال أبو جعفر: وهذا القول، أعني قول من قال: عني به المحتكمان إلى الطاغوت اللذان وصف الله شأنهما في قوله: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} [النساء: 60] أولى بالصواب، لأن قوله: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} [النساء: 65] في سياق قصة الذين ابتدأ الله الخبر عنهم بقوله: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك} [النساء: 60] ولا دلالة تدل على انقطاع قصتهم، فإلحاق بعض ذلك ببعض ما لم تأت دلالة على 07P205 انقطاعه أولى فإن ظن ظان أن في الذي روي عن الزبير وابن الزبير من قصته وقصة الأنصاري في شراج الحرة، وقول من قال في خبرهما، فنزلت: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} [النساء: 65] ما ينبئ عن انقطاع حكم هذه الآية وقصتها من قصة الآيات قبلها، فإنه غير مستحيل أن تكون الآية نزلت في قصة المحتكمين إلى الطاغوت، ويكون فيها بيان ما احتكم فيه الزبير وصاحبه الأنصاري، إذ كانت الآية دالة على ذلك. وإذ كان ذلك غير مستحيل ، كان إلحاق معنى بعض ذلك ببعض أولى ما دام الكلام متسقة معانيه على سياق واحد، إلا أن تأتي دلالة على انقطاع بعض ذلك من بعض، فيعدل به عن معنى ما قبله. وأما قوله: {ويسلموا} [النساء: 65] فإنه منصوب عطفا على قوله: {ثم لا يجدوا في أنفسهم} [النساء: 65] وقوله: {ثم لا يجدوا في أنفسهم} [النساء: 65] نصب عطفا على قوله: {حتى يحكموك فيما شجر بينهم} [النساء: 65] 07P204

Sección V07/P203–V07/P207

[النساء: 66] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا} [النساء: 66] 07P206 يعني جل ثناؤه بقوله: {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم} [النساء: 66] ولو أنا فرضنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك المحتكمين إلى الطاغوت أن يقتلوا أنفسهم، وأمرناهم بذلك، أو أن يخرجوا من ديارهم مهاجرين منها إلى دار أخرى سواها ما فعلوه، يقول: ما قتلوا أنفسهم بأيديهم، ولا هاجروا من ديارهم فيخرجوا عنها إلى الله ورسوله طاعة لله ولرسوله، إلا قليل منهم. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى: {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم} [النساء: 66] هم يهود يعني: والعرب، كما أمر أصحاب موسى عليه السلام " حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم} [النساء: 66] كما أمر أصحاب موسى أن يقتل بعضهم بعضا بالخناجر لم يفعلوا إلا قليل منهم " حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ولو أنا كتبنا، عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه 07P207 إلا قليل منهم} [النساء: 66] افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من يهود ، فقال اليهودي: والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم، فقتلنا أنفسنا. فقال ثابت: والله لو كتب علينا أن اقتلوا أنفسكم لقتلنا أنفسنا. فأنزل الله في هذا: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا} [النساء: 66] " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن إسماعيل، عن أبي إسحاق السبيعي، قال: لما نزلت: {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم} [النساء: 66] قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: «إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي» واختلف أهل العربية في وجه الرفع في قوله: {إلا قليل منهم} [النساء: 66] فكان بعض نحويي البصرة يزعم أنه رفع قليل لأنه جعل بدلا من الأسماء المضمرة في قوله: {ما فعلوه} [النساء: 66] لأن الفعل لهم. وقال بعض نحويي الكوفة: إنما رفع على نية التكرير، كأن معناه: ما فعلوه ما فعله إلا قليل منهم ، كما قال عمرو بن معد يكرب: [+البحر الوافر] وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: رفع القليل بالمعنى الذي دل عليه قوله: {ما فعلوه إلا قليل منهم} [النساء: 66] وذلك أن معنى الكلام: ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعله إلا قليل منهم. فقيل: ما فعلوه على الخبر عن الذين مضى ذكرهم في قوله: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} [النساء: 60]، ثم استثنى القليل، فرفع بالمعنى الذي ذكرنا، إذ كان الفعل منفيا عنه. وهي في مصاحف أهل الشام: «ما فعلوه إلا قليلا منهم» . وإذا قرئ كذلك، فلا مرد به على قارئه في إعرابه، لأنه المعروف في كلام العرب، إذ كان الفعل مشغولا بما فيه كناية من قد جرى ذكره، ثم استثني منهم القليل " 07P208

Sección V07/P207–V07/P209

[النساء: 66] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا} [النساء: 66] يعني جل ثناؤه بذلك: ولو أن هؤلاء المنافقين الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدون عنك صدودا، {فعلوا ما يوعظون به} [النساء: 66] يعني: " ما يذكرون به من طاعة الله والانتهاء إلى أمره {لكان خيرا لهم} [آل عمران: 110] في عاجل دنياهم وآجل معادهم، {وأشد تثبيتا} [النساء: 66] وأثبت لهم في أمورهم ، وأقوم لهم عليها. وذلك أن المنافق يعمل على شك، فعمله يذهب باطلا، وغناؤه يضمحل فيصير هباء، وهو بشكه يعمل على وناء وضعف، ولو عمل على بصيرة لاكتسب بعمله أجرا ولكان له عند الله ذخرا وكان على عمله الذي يعمل أقوى لنفسه وأشد تثبيتا لإيمانه بوعد الله على طاعته وعمله الذي يعمله. ولذلك قال من قال: معنى قوله: {وأشد تثبيتا} [النساء: 66] تصديقا. كما: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا} [النساء: 66] قال: " تصديقا، لأنه إذا كان مصدقا كان لنفسه أشد تثبيتا ولعزمه فيه أشد تصحيحا وهو نظير قوله جل ثناؤه: {ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم} وقد أتينا على بيان ذلك في موضعه بما فيه كفاية من إعادته 07P209 [النساء: 67_68] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما} [النساء: 67_68] يعني بذلك جل ثناؤه: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم} [النساء: 66] لإيتائنا إياهم على فعلهم ما وعظوا به من طاعتنا والانتهاء إلى أمرنا. {أجرا} [النساء: 40] يعني: " جزاء وثوابا عظيما، وأشد تثبيتا لعزائمهم وآرائهم، وأقوى لهم على أعمالهم لهدايتنا إياهم صراطا مستقيما ، يعني: طريقا لا اعوجاج فيه، وهو دين الله القويم الذي اختاره لعباده وشرعه لهم، وذلك الإسلام. ومعنى قوله: {ولهديناهم} [النساء: 68] ولوفقناهم للصراط المستقيم. ثم ذكر جل ثناؤه ما وعد أهل طاعته وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام من الكرامة الدائمة لديه والمنازل الرفيعة عنده. فقال: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} [النساء: 69] الآية 07P210

Sección V07/P209–V07/P211

[النساء: 69_70] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما} [النساء: 69_70] يعني بذلك جل ثناؤه: ومن يطع الله والرسول بالتسليم لأمرهما، وإخلاص الرضا بحكمهما، والانتهاء إلى أمرهما، والانزجار عما نهيا عنه من معصية الله، فهو مع الذين أنعم الله عليهم بهدايته والتوفيق لطاعته في الدنيا من أنبيائه وفي الآخرة إذا دخل الجنة. {والصديقين} [النساء: 69] وهم جمع صديق. واختلف في معنى الصديقين، فقال بعضهم: الصديقون: تباع الأنبياء الذين صدقوهم واتبعوا منهاجهم بعدهم حتى لحقوا بهم. فكأن الصديق فعيل على مذهب قائلي هذه المقالة من الصدق، كما يقال رجل سكير من السكر، إذا كان مدمنا على ذلك، وشريب وخمير. وقال آخرون: بل هو فعيل من الصدقة. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو تأويل من قال ذلك؛ وهو ما: حدثنا به، سفيان بن وكيع قال: ثنا خالد بن مخلد، عن موسى بن يعقوب ، قال: أخبرتني عمتي، قريبة بنت عبد الله بن وهب بن زمعة، عن أمها، كريمة بنت المقداد، عن ضباعة بنت الزبير، وكانت تحت المقداد عن المقداد، قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: شيء سمعته منك شككت فيه. قال: «إذا شك أحدكم في الأمر فليسألني عنه» قال: قلت: قولك في أزواجك: إني لأرجو لهن من بعدي الصديقين؟ قال: «من تعنون الصديقين؟ » قلت: أولادنا الذين يهلكون صغارا. قال : «لا، ولكن الصديقين هم المصدقون» وهذا خبر لو كان إسناده صحيحا لم نستجز أن نعدوه إلى غيره، ولو كان في 07P212 إسناده بعض ما فيه. فإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بالصديق أن يكون معناه المصدق قوله بفعله، إذ كان الفعيل في كلام العرب إنما يأتي إذا كان مأخوذا من الفعل بمعنى المبالغة، إما في المدح وإما في الذم، ومنه قوله جل ثناؤه في صفة مريم: {وأمه صديقة} [المائدة: 75] وإذا كان معنى ذلك ما وصفنا، كان داخلا من كان موصوفا بما قلنا في صفة المتصدقين والمصدقين؛ {والشهداء} [النساء: 69] وهم جمع شهيد: وهو المقتول في سبيل الله، سمي بذلك لقيامه بشهادة الحق في جنب الله حتى قتل. {والصالحين} [النساء: 69] وهم جمع صالح: وهو كل من صلحت سريرته وعلانيته. وأما قوله جل ثناؤه: {وحسن أولئك رفيقا} [النساء: 69] فإنه يعني: وحسن هؤلاء الذين نعتهم ووصفهم رفقاء في الجنة. والرفيق في لفظ الواحد بمعنى الجميع، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا بأسهم أعداء وهن صديق 07P213 بمعنى: وهن صدائق. وأما نصب الرفيق، فإن أهل العربية مختلفون فيه، فكان بعض نحويي البصرة يرى أنه منصوب على الحال، ويقول: هو كقول الرجل: كرم زيد رجلا، ويعدل به عن معنى: نعم الرجل، ويقول: إن نعم لا تقع إلى على اسم فيه ألف ولام أو على نكرة. وكان بعض نحويي الكوفة يرى أنه منصوب على التفسير وينكر أن يكون حالا، ويستشهد على ذلك بأن العرب تقول: كرم زيد من رجل، وحسن أولئك من رفقاء؛ وأن دخول من دلالة على أن الرفيق مفسرة. قال: وقد حكي عن العرب: نعمتم رجالا، فدل على أن ذلك نظير قوله: وحسنتم رفقاء. وهذا القول أولى بالصواب للعلة التي ذكرنا لقائليه. وقد ذكر أن هذه الآية نزلت لأن قوما حزنوا على فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم حذرا أن لا يروه في الآخرة ذكر الرواية بذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجل من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محزون، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا فلان مالي أراك محزونا» ؟ قال: يا نبي الله شيء فكرت فيه. فقال: «ما هو؟ » قال: نحن نغدو عليك ونروح، ننظر في وجهك ونجالسك، غدا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك. فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم شيئا.

Preguntas

Taberî — Câmiü'l-Beyân · 92 · Qur'an & Sunnah