Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
التين : ( 6 ) إلا الذين آمنوا . . . . . > > < > ( التين 6 ) < > قوله تعالى : ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) فإنه تكتب لهم حسناتهم وتمحى عنهم سيئاتهم قاله إبن عباس قال : وهم الذين أدركهم الكبر لا يؤاخذون بما عملوه في كبرهم وروى الضحاك عنه قال : إذا كان العبد في شبابه كثير الصلاة كثير الصيام والصدقة ثم ضعف عما كان يعمل في شبابه أجرى الله عز وجل له ما كان يعمل في شبابه وفي حديث قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا سافر العبد أو مرض كتب الله له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا ( وقيل : إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإنه لا يخرف ولا يهرم ولا يذهب عقل من كان عالما عاملا به وعن عاصم الأحول عن عكرمة قال : من قرأ القرآن لم يرد إلى ارذل العمر وروي عن إبن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( طوبى لمن طال عمره وحسن عمله ( وروي : إن العبد المؤمن إذا مات أمر الله ملكيه أن يتعبدا على قبره إلى يوم القيامة ويكتب له ذلك قوله تعالى : ( فلهم أجر غير ممنون ) قال الضحاك : أجر بغير عمل وقيل مقطوع < < التين : ( 7 ) فما يكذبك بعد . . . . . > > < > ( 7 ) < > قيل : الخطاب للكافر توبيخا وإلزاما للحجة أي إذا عرفت أيها الإنسان أن الله خلقك في أحسن تقويم وأنه يردك إلى ارذل العمر وينقلك من حال إلى حال فما يحملك على أن تكذب بالبعث والجزاء وقد أخبرك محمد صلى الله عليه وسلم به وقيل : الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي أستيقن مع ما جاءك من الله عز وجل أنه أحكم الحاكمين روي معناه عن قتادة وقال قتادة أيضا والفراء : المعنى فمن يكذبك أيها الرسول بعد هذا البيان بالدين وأختاره الطبري كأنه قال : فمن يقدر على ذلك أي على تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ما ظهر من قدرتنا على خلق الإنسان والدين والجزاء قال الشاعر : دنا تميما كما كانت أوائلنا دانت أوائلهم في سالف الزمن < < التين : ( 8 ) أليس الله بأحكم . . . . . > > < > ( 8 ) < > أي أتقن الحاكمين صنعا في كل ما خلق وقيل : بأحكم الحاكمين قضاء بالحق وعدلا بين الخلق وفيه تقدير لمن أعترف من الكفار بصانع قديم وألف الإستفهام إذا دخلت على النفي وفي الكلام معنى التوقيف صار إيجابا كما قال : ألستم خير من ركب المطايا وقيل : فما يكذبك بعد بالدين أليس الله بأحكم الحاكمين : منسوخة بآية السيف وقيل : هي ثابتة لأنه لا تنافي بينهما وكان إبن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما إذا قرأ أليس الله بأحكم الحاكمين قالا : بلى وأنا على ذلك من الشاهدين فيختار ذلك والله أعلم ورواه الترمذي عن أبي هريرة قال : من قرأ سورة والتين والزيتون فقرأ أليس الله بأحكم الحاكمين فليقل : بلى وأنا على ذلك من الشاهدين والله أعلم < > تفسير سورة العلق < > وهي مكية بإحماع وهي أول ما نزل من القرآن في قول أبي موسى وعائشة رضي الله عنهما وهي تسع عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم < < العلق : ( 1 ) اقرأ باسم ربك . . . . . > > < > ( العلق 1 ) <
> هذه السورة أول ما نزل من القرآن في قول معظم المفسرين نزل بها جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم على حراء فعلمه خمس آيات من هذه السورة وقيل : إن أول ما نزل يا أيها المدثر قاله جابر بن عبد الله وقد تقدم وقيل : فاتحة الكتاب أول ما نزل قاله أبو ميسرة الهمداني وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أول ما نزل من القرآن قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم والصحيح الأول قالت عائشة : أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة فجاءه الملك فقال : أقرأ بإسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق أقرأ وربك الأكرم خرجه البخاري وفي الصحيحين عنها قالت : أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى فجئه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال : ( أقرأ ( : فقال : ( ما أنا بقارئ قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني ( فقال : ( أقرأ ( فقلت : ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني ( فقال : ( أقرأ بإسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق أقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ( الحديث بكماله وقال أبو رجاء العطاردي : وكان أبو موسى الأشعري يطوف علينا في هذا المسجد : مسجد البصرة فيقعدنا حلقا فيقرئنا القرآن فكأني أنظر إليه بين ثوبين له أبيضين وعنه أخذت هذه السورة : أقرأ بإسم ربك الذي خلق وكانت أول سورة أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وسلم وروت عائشة رضي الله عنها أنها أول سورة أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بعدها ن والقلم ثم بعدها ياأيها المدثر ثم بعدها والضحى ذكره الماوردي وعن الزهري : أول ما نزل سورة : أقرأ بإسم ربك إلى قوله ما لم يعلم فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يعلو شواهق الجبال فأتاه جبريل فقال له : ( إنك نبي الله ( فرجع إلى خديجة وقال : ( دثروني وصبوا علي ماء باردا ( فنزل يا أيها المدثر ومعنى أقرأ بإسم ربك أي أقرأ ما أنزل إليك من القرآن مفتتحا بإسم ربك وهو أن تذكر التسمية في إبتداء كل سورة فمحل الباء من بإسم ربك النصب على الحال وقيل : الباء بمعنى على أي أقرأ على أسم ربك يقال : فعل كذا بإسم الله وعلى أسم الله وعلى هذا فالمقروء محذوف أي أقرأ القرآن وأفتتحه بإسم الله وقال قوم : أسم ربك هو القرآن فهو يقول : أقرأ بإسم ربك أي أسم ربك والباء زائدة كقوله تعالى تنبت بالدهن وكما قال : سود المحاجر لا يقرأن بالسور أراد : لا يقرأن السور وقيل : معنى أقرأ بإسم ربك أي أذكر أسمه أمره أن يبتدئ القراءة بإسم الله < < العلق : ( 2 ) خلق الإنسان من . . . . . > > < > ( العلق 2 ) <
> قوله تعالى : ( خلق الإنسان ) يعني إبن آدم ( من علق ) أي من دم جمع علقة والعلقة الدم الجامد وإذا جرى فهو المسفوح وقال : من علق فذكره بلفظ الجمع لأنه أراد بالإنسان الجمع وكلهم خلقوا من علق بعد النطفة والعلقة : قطعة من دم رطب سميت بذلك لأنها تعلق لرطوبتها بما تمر عليه فإذا جفت لم تكن علقة قال الشاعر : تركناه يخر على يديه يمج عليهما علق الوتين وخص الإنسان بالذكر تشريفا له وقيل : أراد أن يبين قدر نعمته عليه بأن خلقه من علقة مهينة حتى صار بشرا سويا وعاقلا مميزا < < العلق : ( 3 ) اقرأ وربك الأكرم > > < > ( 3 ) < > قوله تعالى : ( أقرأ تأكيد وتم الكلام ثم أستأنف فقال : ( وربك الأكرم ) أي الكريم وقال الكلبي : يعني الحليم عن جهل العباد فلم يعجل بعقوبتهم والأول أشبه بالمعنى لأنه لما ذكر ما تقدم من نعمه دل بها على كرمه وقيل : إقرأ وربك أي إقرأ يا محمد وربك يعينك ويفهمك وإن كنت غير القارئ والأكرم بمعنى المتجاوز عن جهل العباد < < العلق : ( 4 ) الذي علم بالقلم > > < > ( 4 ) <
> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( الذي علم بالقلم ) يعني الخط والكتابة أي علم الإنسان الخط بالقلم وروى سعيد عن قتادة قال : القلم نعمة من الله تعالى عظيمة لولا ذلك لم يقم دين ولم يصلح عيش فدل على كمال كرمه سبحانه بأنه علم عباده ما لم يعلموا ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو وما دونت العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة ولولا هي ما أستقامت أمور الدين والدنيا وسمي قلما لأنه يقلم أي يقطع ومنه تقليم الظفر وقال بعض الشعراء المحدثين يصف القلم : فكأنه والحبر يخضب رأسه شيخ لوصل خريدة يتصنع لم لا ألاحظه بعين جلالة وبه إلى الله الصحائف ترفع وعن عبد الله بن عمر قال : يا رسول الله أأكتب ما أسمع منك من الحديث قال : ( نعم فأكتب فإن الله علم بالقلم ( وروى مجاهد عن أبي عمر قال : خلق الله عز وجل أربعة أشياء بيده ثم قال لسائر الحيوان : كن فكان : القلم والعرش وجنة عدن وآدم عليه السلام وفيمن علمه بالقلم ثلاثة أقاويل : أحدها أنه آدم عليه السلام لأنه أول من كتب قاله كعب الأحبار الثاني أنه إدريس وهو أول من كتب قاله الضحاك والثالث : أنه أدخل كل من كتب بالقلم لأنه ما علم إلا بتعليم الله سبحانه وجمع بذلك نعمته عليه في خلقه وبين نعمته عليه في تعليمه إستكمالا للنعمة عليه الثانية صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة قال : لما خلق الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش : إن رحمتي تغلب غضبي وثبت عنه عليه السلام أنه قال : ( أول ما خلق الله : القلم فقال له أكتب فكتب ما يكون إلى يوم القيامة فهو عنده في الذكر فوق عرشه ( وفي الصحيح من حديث إبن مسعود : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها ثم يقول يا رب أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول : يا رب أجله فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول يا رب رزقه ليقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص وقال تعالى إن عليكم لحافظين كراما كاتبين ( قال علماؤنا : فالأقلام في الأصل ثلاثة : القلم الأول الذي خلقه الله بيده وأمره أن يكتب والقلم الثاني أقلام الملائكة جعلها الله بأيديهم يكتبون بها المقادير والكوائن والأعمال والقلم الثالث أقلام الناس جعلها الله بأيديهم يكتبون بها كلامهم ويصلون بها مآربهم وفي الكتابة فضائل جمة والكتابة من جملة البيان والبيان مما أختص به الآدمي الثالثة قال علماؤنا : كانت العرب أقل الخلق معرفة بالكتاب وأقل العرب معرفة به المصطفى صلى الله عليه وسلم صرف عن علمه ليكون ذلك أثبت لمعجزته وأقوى في حجته وقد مضى هذا مبينا في سورة العنكبوت وروى حماد بن سلمة عن الزبير بن عبد السلام عن أيوب بن عبد الله الفهري عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تسكنوا نساءكم الغرف ولا تعلموهن الكتابة ( قال علماؤنا : وإنما حذرهم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لأن في إسكانهن الغرف تطلعا إلى الرجل وليس في ذلك تحصين لهن ولا تستر وذلك أنهن لا يملكن أنفسهن حتى يشرفن على الرجل فتحدث الفتنة والبلاء فحذرهم أن يجعلوا لهن غرفا ذريعة إلى الفتنة وهو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليس للنساء خير لهن من ألا يراهن الرجال ولا يرين الرجال ( وذلك أنها خلقت من الرجل فنهمتها في الرجل والرجل خلقت فيه الشهوة وجعلت سكنا له فغير مأمون كل واحد منهما في صاحبه وكذلك تعليم الكتابة ربما كانت سببا للفتنة وذلك إذا علمت الكتابة كتبت إلى من تهوى والكتابة عين من العيون بها يبصر الشاهد الغائب والخط هو آثار يده وفي ذلك تعبير عن الضمير بما لا ينطلق به اللسان فهو أبلغ من اللسان فأحب رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينقطع عنهن أسباب الفتنة تحصينا لهن وطهارة لقلوبهن < <
العلق : ( 5 ) علم الإنسان ما . . . . . > > < > ( 5 ) < > قيل : الإنسان هنا آدم عليه السلام علمه أسماء كل شيء حسب ما جاء به القرآن في قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها فلم يبق شيء إلا وعلم سبحانه آدم أسمه بكل لغة وذكره آدم للملائكة كما علمه وبذلك ظهر فضله وتبين قدره وثبتت نبوته وقامت حجة الله على الملائكة وحجته وأمتثلت الملائكة الأمر لما رأت من شرف الحال ورأت من جلال القدرة وسمعت من عظيم الأمر ثم توارثت ذلك ذريته خلفا بعد سلف وتناقلوه قوما عن قوم وقد مضى هذا في سورة البقرة مستوفي والحمد لله وقيل : الإنسان هنا الرسول محمد صلى الله عليه وسلم دليله قوله تعالى : وعلمك ما لم تكن تعلم وعلى هذا فالمراد بعلمك المستقبل فإن هذا من أوائل ما نزل وقيل : هو عام لقوله تعالى : والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا < < العلق : ( 6 ) كلا إن الإنسان . . . . . > > < > ( العلق 6 : 7 ) < > قوله تعالى : ( كلا إن الإنسان ليطغى ) إلى آخر السورة قيل : إنه نزل في أبي جهل وقيل : نزلت السورة كلها في أبي جهل نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي في المسجد ويقرأ بإسم الرب وعلى هذا فليست السورة من أوائل ما نزل ويجوز أن يكون خمس آيات من أولها أول ما نزلت ثم نزلت البقية في شأن أبي جهل وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بضم ذلك إلى أول السورة لأن تأليف السور جرى بأمر من الله ألا ترى أن قوله تعالى : وأتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله آخر ما نزل ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل وكلا بمعنى حقا إذ ليس قبله شيء والإنسان هنا أبو جهل والطغيان : مجاوزة الحد في العصيان ( أن رآه ) أي لأن رأى نفسه أستغنى أي صار ذا مال وثروة وقال إبن عباس في رواية أبي صالح عنه قال : لما نزلت هذه الآية وسمع بها المشركون أتاه أبو جهل فقال : يا محمد تزعم أنه من أستغنى طغى فأجعل لنا جبال مكة ذهبا لعلنا نأخذ منها فنطغى فندع ديننا ونتبع دينك قال فأتاه جبريل عليه السلام فقال : ( يا محمد خيرهم في ذلك فآن شاؤوا فعلنا بهم ما أرادوه : فإن لم يسلموا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب المائدة ( فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن القوم لا يقبلون ذلك فكف عنهم إبقاء عليهم وقيل : أن رآه أستغنى بالعشيرة والأنصار والأعوان وحذف اللام من قوله أن رآه كما يقال : إنكم لتطغون إن رأيتم غناكم وقال الفراء : لم يقل رأى نفسه كما قيل قتل نفسه لأن رأى من الأفعال التي تريد أسما وخبرا نحو الظن والحسبان فلا يقتصر فيه على مفعول واحد والعرب تطرح النفس من هذا الجنس تقول : رأيتني وحسبتني ومتى تراك خارجا ومتى تظنك خارجا وقرأ مجاهد وحميد وقنبل عن إبن كثير أن رأه أستغنى بقصر الهمزة الباقون رآه بمدها وهو الإختيار < < العلق : ( 8 ) إن إلى ربك . . . . . > > < > ( 8 ) < > أي مرجع من هذا وصفه فنجازيه والرجعي والمرجع والرجوع : مصادر يقال : رجع إليه رجوعا ومرجعا ورجعي على وزن فعلي < < العلق : ( 9 ) أرأيت الذي ينهى > > < > ( العلق 9 : 10 ) <
> قوله تعالى : ( أرأيت الذي ينهى ) وهو أبو جهل ( عبدا ) وهو محمد صلى الله عليه وسلم فإن أبا جهل قال : إن رأيت محمدا يصلي لأطأن على عنقه قاله أبو هريرة فأنزل الله هذه الآيات تعجبا منه وقيل : في الكلام حذف والمعنى : أمن هذا الناهي عن الصلاة من العقوبة < < العلق : ( 11 ) أرأيت إن كان . . . . . > > < > ( 11 : 12 ) < > أي أرأيت يا أبا جهل إن كان محمد على هذه الصفة أليس ناهيه عن التقوى والصلاة هالكا < < العلق : ( 13 ) أرأيت إن كذب . . . . . > > < > ( العلق 13 : 14 ) < > يعني أبا جهل كذب بكتاب الله عز وجل وأعرض عن الإيمان وقال الفراء : المعنى أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى وهو على الهدى وآمر بالتقوى والناهي مكذب متول عن الذكر أي فما أعجب هذا ثم يقول : ويله ألم يعلم أبو جهل بأن الله يرى أي يراه ويعلم فعله فهو تقرير وتوبيخ وقيل : كل واحد من أرأيت بدل من الأول وألم يعلم بأن الله يرى الخبر < < العلق : ( 15 ) كلا لئن لم . . . . . > > < > ( العلق 15 : 16 ) < > قوله تعالى : ( كلا لئن لم ينته ) أي أبو جهل عن أذاك يا محمد ( لنسفعا ) أي لنأخذن ( بالناصية ) فلنذلنه وقيل : لنأخذن بناصيته يوم القيامة وتطوى مع قدميه ويطرح في النار كما قال تعالى : فيؤخذ بالنواصي والأقدام فالآية وإن كانت في أبي جهل فهي عظة للناس وتهديد لمن يمتنع أو يمنع غيره عن الطاعة وأهل اللغة يقولون : سفعت بالشيء : إذا قبضت عليه وجذبته جذبا شديدا ويقال : سفع بناصية فرسه قال : قوم إذا كثر الصياح رأيتهم من بين ملجم مهره أو سافع وقيل : هو مأخوذ من سفعته النار والشمس : إذا غيرت وجهه إلى حال تسويد كما قال : أثافي سفعا في معرس مرجل ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع والناصية : شعر مقدم الرأس وقد يعبر بها عن جملة الإنسان كما يقال : هذه ناصية مباركة إشارة إلى جميع الإنسان وخص الناصية بالذكر على عادة العرب فيمن أرادوا إذلاله وإهانته أخذوا بناصيته وقال المبرد : السفع : الجذب بشدة أي لنجرن بناصيته إلى النار وقيل : السفع الضرب أي لنلطمن وجهه وكله متقارب المعنى أي يجمع عليه الضرب عند الأخذ ثم يجر إلى جهنم ثم قال على البدل : ( ناصية كاذبة خاطئة ) أي ناصية أبي جهل كاذبة في قولها خاطئة في فعلها والخاطيء معاقب مأخوذ والمخطيء غير مأخوذ ووصف الناصية بالكاذبة الخاطئة كوصف الوجوه بالنظر في قوله تعالى : إلى ربها ناظرة وقيل : أي صاحبها كاذب خاطيء كما يقال : نهاره صائم وليله قائم أي هو صائم في نهاره ثم قائم في ليله < < العلق : ( 17 ) فليدع ناديه > > < > ( العلق 17 : 18 ) <
> قوله تعالى : ( فليدع ناديه ) أي أهل مجلسه وعشيرته فليستنصر بهم ( سندع الزبانية ) أي الملائكة الغلاظ الشداد عن إبن عباس وغيره وأحدهم زبني قاله الكسائي وقال الأخفش : زابن أبو عبيدة : زبنية وقيل : زباني وقيل : هوأسم للجمع كالأبابيل والعباديد وقال قتادة : هم الشرط في كلام العرب وهو مأخوذ من الزبن وهو الدفع ومنه المزابنة في البيع وقيل : إنما سموا الزبانية لأنهم يعملون بأرجلهم كما يعملون بأيديهم حكاه أبو الليث السمرقندي رحمه الله قال : وروي في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه السورة وبلغ إلى قوله تعالى : لنسفعا بالناصية قال أبو جهل : أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عني ربك فقال الله تعالى : فليدع ناديه سندع الزبانية فلما سمع ذكر الزبانية رجع فزعا فقيل له : خشيت منه قال لا ولكن رأيت عنده فارسا يهددني بالزبانية فما أدري ما الزبانية ومال إلي الفارس فخشيت منه أن يأكلني وفي الأخبار أن الزبانية رؤسهم في السماء وأرجلهم في الأرض فهم يدفعون الكفار في جهنم وقيل : إنهم أعظم الملائكة خلقا وأشدهم بطشا والعرب تطلق هذا الأسم على من أشتد بطشه قال الشاعر : مطاعيم في القصوى مطاعين في الوغى زبانية غلب عطام حلومها وعن عكرمة عنإبن عباس : سندع الزبانية قال : قال أبو جهل : لئن رايت محمدا يصلي لأطأن على عنقه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو فعل لأخذته الملائكة عيانا ( قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح غريب وروى عكرمة عن إبن عباس قال : مر أبو جهل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي عند المقام فقال : ألم أنهك عن هذا يامحمد فأغلظ له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو جهل : بأي شيء تهددني يا محمد والله إني لأكثر أهل الوادي هذا ناديا فأنزل الله عز وجل : فليدع ناديه سندع الزبانية قال إبن عباس : والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب من ساعته أخرجه الترمذي بمعناه وقال : حسن غريب صحيح والنادي في كلام العرب : المجلس الذي ينتدى فيه القوم أي يجتمعون والمراد أهل النادي كما قال جرير : لهم مجلس صهب السبال أذلة وقال زهير : وفيهم مقامات حسان وجوههم وقال آخر : وأستب بعدك ياكليب المجلس وقد ناديت الرجل أناديه إذا جالسته قال زهير : وجار البيت والرجل المنادي أمام الحي عقدهما سواء < > ( العلق 19 ) <
> ( كلا ) أي ليس الأمر على ما يظنه أبو جهل ( لا تطعه ) أي فيما دعاك إليه من ترك الصلاة ( وأسجد ) أي صل لله ( وأقترب ) أي تقرب إلى الله جل ثناؤه بالطاعة والعبادة وقيل : المعنى : إذا سجدت فأقترب من الله بالدعاء روى عطاء عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أقرب مايكون العبد من ربه وأحبه إليه جبهته في الأرض ساجدا لله ( قال علماؤنا : وإنما ] كان [ ذلك لأنها نهاية العبودية والذلة ولله غاية العزة وله العزة التي لا مقدار لها فكلما بعدت من صفته قربت من جنته ودنوت من جواره في داره وفي الحديث الصحيح : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فأجتهدوا في الدعاء فإنه قمن أن يستجاب لكم ( ولقد أحسن من قال : وإذا تذللت الرقاب تواضعا منا إليك فعزها في ذلها وقال زيد بن أسلم : أسجد أنت يامحمد مصليا وأقترب أنت ياأبا جهل من النار قوله تعالى : ( وأسجد ) هذا من السجود يحتمل أن يكون بمعنى السجود في الصلاة ويحتمل أن يكون سجود التلاوة في هذه السورة قال إبن العربي : والظاهر أنه سجود الصلاة لقوله تعالى : أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى إلى قوله كلا لا تطعه وأسجد وأقترب لولا ما ثبت في الصحيح من رواية مسلم وغيره من الأئمة عن أبي هريرة أنه قال : سجدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في إذا السماء أنشقت وفي أقرأ بأسم ربك الذي خلق سجدتين فكان هذا نصا على أن المراد سجود التلاوة وقد روى إبن وهب عن حماد إبن زيد عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : عزائم السجود أربع : ألم وحم تنزيل من الرحمن الرحيم والنجم وأقرأ بإسم ربك وقال إبن العربي : وهذا إن صح يلزم عليه السجود الثاني من سورة الحج وإن كان مقترنا بالركوع لأنه يكون معناه أركعوا في موضع الركوع وأسجدوا في موضع السجود وقد قال إبن نافع ومطرف : وكان مالك يسجد في خاصة نفسه بخاتمة هذه السورة من أقرأ بإسم ربك وإبن وهب يراها من العزائم قلت : وقد روينا من حديث مالك بن أنس عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن نافع عن إبن عمر قال : لما أنزل الله تعالى أقرأ بإسم ربك الذي خلق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ ( أكتبها يامعاذ ( فأخذ معاذ اللوح والقلم والنون وهي الدواة فكتبها معاذ فلما بلغ كلا لا تطعه وأسجد وأقترب سجد اللوح وسجد القلم وسجدت النون وهم يقولون : اللهم أرفع به ذكرا اللهم أحطط به وزرا اللهم أغفر به ذنبا قال معاذ : سجدت وأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد ختمت السورة والحمد لله على ما فتح ومنح وأعطى وله الحمد والمنة < > تفسير سورة القدر < > وهي مدنية في قول أكثر المفسرين ذكره الثعلبي وحكى الماوردي عكسه قلت : وهي مدنية في قول الضحاك وأحد قولي إبن عباس وذكر الواقدي أنها أول سورة نزلت بالمدينة وهي خمس آيات بسم الله الرحمن الرحيم < < القدر : ( 1 ) إنا أنزلناه في . . . . . > > < > ( القدر 1 ) <
> قوله تعالى : ( إنا أنزلناه ) يعني القرآن وإن لم يجر له ذكر في هذه السورة لأن المعنى معلوم والقرآن كله كالسورة الواحدة وقد قال : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وقال : حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة يريد : في ليلة القدر وقال الشعبي : المعنى إنا إبتدأنا إنزاله في ليلة القدر وقيل : بل نزل به جبريل عليه السلام جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا إلى بيت العزة وأملأه جبريل على السفرة ثم كان جبريل ينزله على النبي صلى الله عليه وسلم نجوما نجوما وكان بين أوله وآخره ثلاث وعشرون سنة قاله إبن عباس وقد تقدم في سورة البقرة وحكى الماوردي عن إبن عباس قال : نزل القرآن في شهر رمضان وفي ليلة القدر في ليلة مباركة جملة واحدة من عند الله من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا فنجمته السفرة الكرام الكاتبون على جبريل عشرين سنة ونجمه جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم عشرين سنة قال إبن العربي : وهذا باطل ليس بين جبريل وبين الله واسطة ولا بين جبريل ومحمد عليهما السلام واسطة قوله تعالى : ( في ليلة القدر ) قال مجاهد : في ليلة الحكم ( وما أدراكما ليلة القدر ) قال : ليلة الحكم والمعنى ليلة التقدير سميت بذلك لأن الله تعالى يقدر فيها ما يشاء من أمره إلى مثلها من السنة القابلة من أمر الموت والأجل والرزق وغيره ويسلمه إلى مدبرات الأمور وهم أربعة من الملائكة : إسرافيل وميكائيل وعزرائيل وجبريل عليهم السلام وعن إبن عباس قال : يكتب من أم الكتاب ما يكون في السنة من رزق ومطر وحياة وموت حتى الحاج قال عكرمة : يكتب حاج بيت الله تعالى في ليلة القدر بأسمائهم وأسماء آبائهم ما يغادر منهم أحد ولا يزاد فيهم وقاله سعيد بن جبير وقد مضى في أول سورة الدخان هذا المعنى وعن إبن عباس أيضا : أن الله تعالى يقضي الأقضية في ليلة نصف شعبان ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر وقيل : إنما سميت بذلك لعظمها وقدرها وشرفها من قولهم : لفلان قدر أي شرف ومنزلة قاله الزهري وغيره وقيل : سميت بذلك لأن للطاعات فيها قدرا عظيما وثوابا جزيلا وقال أبو بكر الوراق سميت بذلك لأن من لم يكن له قدر ولا خطر يصير في هذه الليلة ذا قدر إذا أحياها وقيل : سميت بذلك لأنه أنزل فيها كتابا ذا قدر على رسول ذي قدر على أمة ذات قدر وقيل : لأنه ينزل فيها ملائكة ذوو قدر وخطر وقيل : لأن الله تعالى ينزل فيها الخير والبركة والمغفرة وقال سهل : سميت بذلك لأن الله تعالى قدر فيها الرحمة على المؤمنين وقال الخليل : لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة كقوله تعالى : ومن قدر عليه رزقه أي ضيق < < القدر : ( 2 ) وما أدراك ما . . . . . > > < > ( 2 : 3 ) <
> قال الفراء : كل ما في القرآن من قوله تعالى : وما أدراك فقد أدرأه وما كان من قوله : وما يدريك فلم يدره وقاله سفيان وقد تقدم ( ليلة القدر خير من ألف شهر ) بين فضلها وعظمها وفضيلة الزمان إنما تكون بكثرة ما يقع فيه من الفضائل وفي تلك الليلة يقسم الخير الكثير الذي لا يوجد مثله في ألف شهر والله أعلم وقال كثير من المفسرين : أي العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر وقال أبو العالية : ليلة القدر خير من ألف شهر لا تكون فيه ليلة القدر وقيل : عني بألف شهر جميع الدهر لأن العرب تذكر الألف في غاية الأشياء كما قال تعالى : يود أحدهم لو يعمر ألف سنة يعني جميع الدهر وقيل : إن العابد كان فيما مضى لا يسمى عابدا حتى يعبد الله ألف شهر ثلاثا وثمانين سنة وأربعة أشهر فجعل الله تعالى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم عبادة ليلة خيرا من ألف شهر كانوا يعبدونها وقال أبو بكر الوراق : كان ملك سليمان خمسمائة شهر وملك ذي القرنين خمسمائة شهر فصار ملكهما ألف شهر فجعل الله تعالى العمل في هذه الليلة لمن أدركها خيرا من ملكهما وقال إبن مسعود : إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر فعجب المسلمون من ذلك فنزلت إنا أنزلناه الآية خير من ألف شهر التي لبس فيها الرجل سلاحه في سبيل الله ونحوه عن إبن عباس وهب بن منبه : إن ذلك الرجل كان مسلما وإن أمه جعلته نذرا لله وكان من قرية قوم يعبدون الأصنام وكان سكن قريبا منها فجعل يغزوهم وحده ويقتل ويسبي ويجاهد وكان لا يلقاهم إلا بلحيي بعير وكان إذا قاتلهم وقاتلوه وعطش إنفجر له من اللحيين ماء عذب فيشرب منه وكان قد أعطى قوة في البطش لا يوجعه حديد ولا غيره : وكان أسمه شمسون وقال كعب الأحبار : كان رجلا ملكا في بني إسرائيل فعل خصلة واحدة فأوحى الله إلى نبي زمانهم : قل لفلان يتمنى فقال : يا رب أتمنى أن أجاهد بمالي وولدي ونفسي فرزقه الله ألف ولد فكان يجهز الولد بماله في عسكر ويخرجه مجاهدا في سبيل الله فيقوم شهرا ويقتل ذلك الولد ثم يجهز آخر في عسكر فكان كل ولد يقتل في الشهر والملك مع ذلك قائم الليل صائم النهار فقتل الألف ولد في ألف شهر ثم تقدم فقاتل فقتل فقال الناس : لا أحد يدرك منزلة هذا الملك فأنزل الله تعالى : ليلة القدر خير من ألف شهر من شهور ذلك الملك في القيام والصيام والجهاد بالمال والنفس والأولاد في سبيل الله وقال علي وعروة : ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أربعة من بني إسرائيل فقال ( عبدوا الله ثمانين سنة لم يعصوه طرفة عين ( فذكر أيوب وزكريا وحزقيل بن العجوز ويوشع بن نون فعجب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فأتاه جبريل فقال : يا محمد عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة لم يعصوا الله طرفة عين فقد أنزل الله عليك خيرا من ذلك ثم قرأ : إنا أنزلناه في ليلة القدر فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال مالك في الموطأ من رواية إبن القاسم وغيره : سمعت من أثق به يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أعمار الأمم قبله فكأنه تقاصر أعمار أمته ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر فأعطاه الله تعالى ليلة القدر وجعلها خيرا من ألف شهر وفي الترمذي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري بني أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت إنا أعطيناك الكوثر يعني نهرا في الجنة ونزلت إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر يملكها بعدك بنو أمية قال القاسم بن الفضل الحداني : فعددناها فإذا هي ألف شهر لا تزيد يوما ولا تنقص يوما قال : حديث غريب < <
القدر : ( 4 ) تنزل الملائكة والروح . . . . . > > < > ( القدر 4 ) < > قوله تعالى : ( تنزل الملائكة ) أي تهبط من كل سماء ومن سدرة المنتهى ومسكن جبريل على وسطها فينزلون إلى الأرض ويؤمنون على دعاء الناس إلى وقت طلوع الفجر فذلك قوله تعالى : تنزل الملائكة ( والروح فيها بإذن ربهم ) أي جبريل عليه السلام وحكى القشيري : أن الروح صنف من الملائكة جعلوا حفظة على سائرهم وأن الملائكة لا يرونهم كما لا نرى نحن الملائكة وقال مقاتل : هم أشرف الملائكة وأقربهم من الله تعالى وقيل : إنهم جند من جند الله عز وجل من غير الملائكة رواه مجاهد عن إبن عباس مرفوعا ذكره الماوردي وحكى القشيري : قيل هم صنف من خلق الله يأكلون الطعام ولهم أيد وأرجل وليسوا ملائكة وقيل : الروح خلق عظيم يقوم صفا والملائكة كلهم صفا وقيل : الروح الرحمة ينزل بها جبريل عليه السلام مع الملائكة في هذه الليلة على أهلها دليله : ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أي بالرحمة ( فيها ) أي في ليلة القدر ( بإذن ربهم ) أي بأمره ( من كل أمر ) : أمر بكل أمر قدره الله وقضاه في تلك السنة إلى قابل قاله إبن عباس كقوله تعالى : يحفظونه من أمر الله أي بأمر الله وقراءة العامة تنزل بفتح التاء إلا أن البزي شدد التاء وقرأ طلحة بن مصرف وإبن السميقع بضم التاء على الفعل المجهول وقرأ علي وإبن عباس وعكرمة والكلبي من كل امرئ وروي عن إبن عباس أن معناه : من كل ملك وتأولها الكلبي على أن جبريل ينزل فيها مع الملائكة فيسلمون على كل امرئ مسلم فمن بمعنى على وعن أنس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان ليلة القدر نزل جبريل في كبكبة من الملائكة يصلون ويسلمون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله تعالى < < القدر : ( 5 ) سلام هي حتى . . . . . > > < > ( 5 ) <
> قيل : إن تمام الكلام من كل أمر ثم قال سلام روي ذلك عن نافع وغيره أي ليلة القدر سلامة وخير كلها لا شر فيها ( حتى مطلع الفجر ) أي إلى طلوع الفجر قال الضحاك : لا يقدر الله في تلك الليلة إلا السلامة وفي سائر الليالي يقضي بالبلايا والسلامة وقيل : أي هي سلام أي ذات سلامة من أن يؤثر فيها شيطان في مؤمن ومؤمنة وكذا قال مجاهد : هي ليلة سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا ولا أذى وروي مرفوعا وقال الشعبي : هو تسليم الملائكة على أهل المساجد من حين تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر يمرون على كل مؤمن ويقولون : السلام عليك أيها المؤمن وقيل : يعني سلام الملائكة بعضهم على بعض فيها وقال قتادة : سلام هي : خير هي حتى مطلع الفجر أي إلى مطلع الفجر وقرأ الكسائي وإبن محيصن مطلع بكسر اللام الباقون بالفتح والفتح والكسر : لغتان في المصدر والفتح الأصل في فعل يفعل نحو المقتل والمخرج والكسر على أنه مما شذ عن قياسه نحو المشرق والمغرب والمنبت والمسكن والمنسك والمحشر والمسقط والمجزر حكى في ذلك كله الفتح والكسر على أن يراد به المصدر لا الأسم وهنا ثلاث مسائل : الأولى في تعيين ليلة القدر وقد أختلف العلماء في ذلك والذي عليه المعظم أنها ليلة سبع وعشرين لحديث زر بن حبيش قال : قلت لأبي بن كعب : إن أخاك عبد الله إبن مسعود يقول : من يقم الحول يصب ليلة القدر فقال : يغفر الله لأبي عبد الرحمن لقد علم أنها في العشر الأواخر من رمضان وأنها ليلة سبع وعشرين ولكنه أراد ألا يتكل الناس ثم حلف لا يستثنى : أنها ليلة سبع وعشرين قال قلت : بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر قال : بالآية التي أخبرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بالعلامة أن الشمس تطلع يومئذ لا شعاع لها قال الترمذي : حديث حسن صحيح وخرجه مسلم وقيل : هي في شهر رمضان دون سائر العام قاله أبو هريرة وغيره وقيل : هي في ليالي السنة كلها فمن علق طلاق أمرأته أو عتق عبده بليلة القدر لم يقع العتق والطلاق إلا بعد مضي سنة من يوم حلف لأنه لا يجوز إيقاع الطلاق بالشك ولم يثبت إختصاصها بوقت فلا ينبغي وقوع الطلاق إلا بمضي حول وكذلك العتق وما كان مثله من يمين أو غيره وقال إبن مسعود : من يقم الحول يصبها فبلغ ذلك إبن عمر فقال : يرحم الله أبا عبد الرحمن أما إنه علم أنها في العشر الأواخر من شهر رمضان ولكنه أراد ألا يتكل الناس وإلى هذا القول ذهب أبو حنيفة أنها في جميع السنة وقيل عنه : إنها رفعت يعني ليلة القدر وأنها إنما كانت مرة واحدة والصحيح أنها باقية وروي عن إبن مسعود أيضا : أنها إذا كانت في يوم من هذه السنة كانت في العام المقبل في يوم آخر والجمهور على أنها في كل عام من رمضان ثم قيل : إنها الليلة الأولى من الشهر قاله أبو رزين العقيلي وقال الحسن وإبن إسحاق وعبد الله بن الزبير : هي ليلة سبع عشرة من رمضان وهي الليلة التي كانت صبيحتها وقعة بدر كأنهم نزعوا بقوله تعالى : وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم ألتقى الجمعان وكان ذلك ليلة سبع عشرة وقيل هي ليلة التاسع عشر والصحيح المشهور : أنها في العشر الأواخر من رمضان وهو قول مالك والشافعي والأوزاعي وأبي ثور وأحمد ثم قال قوم : هي ليلة الحادي والعشرين ومال إليه الشافعي رضي الله عنه لحديث الماء والطين ورواه أبو سعيد الخدري خرجه مالك وغيره وقيل ليلة الثالث والعشرين لما رواه إبن عمر أن رجلا قال : يا رسول الله إني رأيت ليلة القدر في سابعة تبقى فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أرى رؤياكم قد تواطأت على ثلاث وعشرين فمن أراد أن يقوم من الشهر شيئا فليقم ليلة ثلاث وعشرين ( قال معمر : فكان أيوب يغتسل ليلة ثلاث وعشرين ويمس طيبا وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إني رأيت أني أسجد في صبيحتها في ماء وطين ( قال عبد الله بن أنيس : فرأيته في صبيحة ليلة ثلاث وعشرين في الماء والطين كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل : ليلة خمس وعشرين لحديث أبي سعيد الخدري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ألتمسوها في العشر الأواخر في تاسعة تبقى في سابعة تبقى في خامسة تبقى ( رواه مسلم قال مالك : يريد بالتاسعة ليلة إحدى وعشرين والسابعة ليلة ثلاث وعشرين والخامسة ليلة خمس وعشرين وقيل : ليلة سبع وعشرين وقد مضى دليله وهو قول علي رضي الله عنه وعائشة ومعاوية وأبي بن كعب وروى إبن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من كان متحريا ليلة القدر فليتحرها ليلة سبع وعشرين ( وقال أبي بن كعب : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ليلة القدر ليلة سبع وعشرين ( وقال أبو بكر الوراق : إن الله تعالى قسم ليالي هذا الشهر شهر رمضان على كلمات هذه السورة فلما بلغ السابعة والعشرين أشار إليها فقال : هي وأيضا فإن ليلة القدر كرر ذكرها ثلاث مرات وهي تسعة أحرف فتجيء سبعا وعشرين وقيل : هي ليلة تسع وعشرين لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليلة القدر التاسعة والعشرون أو السابعة والعشرون وأن الملائكة في تلك الليلة بعدد الحصى ( وقد قيل : إنها في الأشفاع قال الحسن : أرتقبت الشمس ليلة أربع وعشرين عشرين سنة فرأيتها تطلع بيضاء لا شعاع لها يعني من كثرة الأنوار في تلك الليلة وقيل إنها مستورة في جميع السنة ليجتهد المرء في إحياء جميع الليالي وقيل : أخفاها في جميع شهر رمضان ليجتهدوا في العمل والعبادة ليالي شهر رمضان طمعا في إدراكها كما أخفى الصلاة الوسطى في الصلوات وأسمه الأعظم في أسمائه الحسنى وساعة الإجابة في ساعات الجمعة وساعات الليل وغضبه في المعاصي ورضاه في الطاعات وقيام الساعة في الأوقات والعبد الصالح بين العباد رحمة منه وحكمة الثانية في علاماتها : منها أن الشمس تطلع في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها وقال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر : ( إن من أماراتها : أنها ليلة سمحة بلجة لا حارة ولا باردة تطلع الشمس صبيحتها ليس لها شعاع ( وقال عبيد بن عمير : كنت ليلة السابع والعشرين في البحر فأخذت من مائه فوجدته عذبا سلسا الثالثة في فضائلها وحسبك بقوله تعالى : ليلة القدر خير من ألف شهر وقوله تعالى : تنزل الملائكة والروح فيها وفي الصحيحين : ( من قام ليلة القدر إيمانا وأحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه ( رواه أبو هريرة وقال إبن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان ليلة القدر تنزل الملائكة الذين هم سكان سدرة المنتهى منهم جبريل ومعهم ألوية ينصب منها لواء على قبري ولواء على بيت المقدس ولواء على المسجد الحرام ولواء على طور سيناء ولا تدع فيها مؤمنا ولا مؤمنة إلا تسلم عليه إلا مدمن الخمر وآكل الخنزير والمتضمخ بالزعفران ( : وفي الحديث : ( إن الشيطان لا يخرج في هذه الليلة حتى يضيء فجرها ولا يستطيع أن يصيب فيها أحدا بخبل ولا شيء من الفساد ولا ينفذ فيها سحر ساحر ( وقال الشعبي : وليلها كيومها ويومها كليلها وقال الفراء لا يقدر الله في ليلة القدر إلا السعادة والنعم ويقدر في غيرها البلايا والنقم وقد تقدم عن الضحاك ومثله لا يقال من جهة الرأي فهو مرفوع والله أعلم وقال سعيد بن المسيب في الموطأ : ] من شهد العشاء من ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها [ ومثله لا يدرك بالرأي وقد روى عبيد الله إبن عامر بن ربيعة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من صلى صلاة المغرب والعشاء الآخرة من ليلة القدر في جماعة فقد أخذ بحظه من ليلة القدر ( ذكره الثعلبي في تفسيره وقالت عائشة رضي الله عنها : قلت : يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر فما أقول قال : ( قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فأعف عني ( <
> تفسير سورة لم يكن < > وهي مكية في قول يحيى بن سلام ومدنية في قول إبن عباس والجمهور وهي تسع آيات وقد جاء في فضلها حديث لا يصح رويناه عن محمد بن عبد الله الحضرمي قال : قال لي أبو عبد الرحمن بن نمير : أذهب إلى أبي الهيثم الخشاب فأكتب عنه فإنه قد كتب فذهب إليه فقال : حدثنا مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو يعلم الناس ما في لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب لعطلوا الأهل والمال فتعلموها ( فقال رجل من خزاعة : وما فيها من الأجر يا رسول الله قال : ( لا يقرؤها منافق أبدا ولا عبد في قلبه شك في الله والله إن الملائكة المقربين يقرءونها منذ خلق الله السماوات والأرض ما يفترون من قراءتها وما من عبد يقرؤها إلا بعث الله إليه ملائكة يحفظونه في دينه ودنياه ويدعون له بالمغفرة والرحمة ( قال الحضرمي : فجئت إلى أبي عبد الرحمن بن نمير فألقيت هذا الحديث عليه فقال : هذا قد كفانا مئونته فلا تعد إليه قال إبن العربي : روى إسحاق بن بشر الكاهلي عن مالك إبن أنس عن يحيى بن سعيد عن إبن المسيب : عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو يعلم الناس ما في لم يكن الذين كفروا لعطلوا الأهل والمال ولتعلموها ( حديث باطل وإنما الحديث الصحيح ما روي عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب : ( إن الله أمرني أن أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا ( قال : وسماني لك قال ( نعم ( فبكى قلت : خرجه البخاري ومسلم وفيه من الفقه قراءة العالم على المتعلم قال بعضهم : إنما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على أبي ليعلم الناس التواضع لئلا يأنف أحد من التعلم والقراءة على من دونه في المنزلة وقيل : لأن أبيا كان أسرع أخذا لألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد بقراءته عليه أن يأخذ ألفاظه ويقرأ كما سمع منه ويعلم غيره وفيه فضيلة عظيمة لأبي إذ أمر الله رسوله أن يقرأ عليه قال أبو بكر الأنباري : وحدثنا أحمد بن الهيثم بن خالد قال حدثنا علي بن الجعد قال حدثنا عكرمة عن عاصم عن زر بن حبيش قال : في قراءة أبي بن كعب : إبن آدم لو أعطي واديا من مال لألتمس ثانيا ولو أعطى واديين من مال لا لتمس ثالثا ولا يملأ جوف إبن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب قال عكرمة : قرأ علي عاصم لم يكن ثلاثين آية هذا فيها قال أبو بكر : هذا باطل عند أهل العلم لأن قراءتي إبن كثير وأبي عمرو متصلتان بأبي بن كعب لا يقرأ فيهما هذا المذكور في لم يكن مما هو معروف في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه من كلام الرسول عليه السلام لا يحكيه عن رب العالمين في القرآن وما رواه إثنان معهما الإجماع : أثبت مما يحكيه واحد مخالف مذهب الجماعة < > بسم الله الرحمن الرحيم < > < < البينة : ( 1 ) لم يكن الذين . . . . . > > < > ( البينه 1 : 3 ) <
> قوله تعالى : ( لم يكن الذين كفروا ) كذا قراءة العامة وخط المصحف وقرأ إبن مسعود لم يكن المشركون وأهل الكتاب منفكين وهذه قراءة على التفسير قال إبن العربي : وهي جائزة في معرض البيان لا في معرض التلاوة فقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم في رواية الصحيح فطلقوهن لقبل عدتهن وهو تفسير فإن التلاوة : هو ما كان في خط المصحف قوله تعالى : ( من أهل الكتاب ) يعني اليهود والنصارى ( والمشركين ) في موضع جر عطفا على أهل الكتاب قال إبن عباس : أهل الكتاب : اليهود الذين كانوا بيثرب وهم قريظة والنضير وبنو قينقاع والمشركون : الذين كانوا بمكة وحولها والمدينة والذين حولها وهم مشركو قريش ( منفكين ) أي منتهين عن كفرهم مائلين عنه ( حتى تأتيهم ) أي أتتهم البينة أي محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : الإنتهاء بلوغ الغاية أي لم يكونوا ليبلغوا نهاية أعمارهم فيموتوا حتى تأتيهم البينة فالأنفكاك على هذا بمعنى الإنتهاء وقيل : منفكين زائلين أي لم تكن مدتهم لتزول حتى يأتيهم رسول والعرب تقول : ما أنفككت أفعل كذا : أي ما زلت وما أنفك فلان قائما : أي ما زال قائما وأصل الفك : الفتح ومنه فك الكتاب وفك الخلخال وفك السالم قال طرفة : فآليت لا ينفك كشحي بطانة لعضب رقيق الشفرتين مهند وقال ذو الرمة : حراجيج ما تنفك إلا مناخة على الخف أو نرمي بها بلدا قفرا يريد : ما تنفك مناخة فزاد إلا وقيل : منفكين : بارحين أي لم يكونوا ليبرحوا ويفارقوا الدنيا حتى تأتيهم البينة وقال إبن كيسان : أي لم يكن أهل الكتاب تاركين صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتابهم حتى بعث فلما بعث حسدوه وجحدوه وهو كقوله : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ولهذا قال : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب الآية وعلى هذا فقوله : والمشركين أي ما كانوا يسيئون القول في محمد صلى الله عليه وسلم حتى بعث فإنهم كانوا يسمونه الأمين حتى أتتهم البينة على لسانه وبعث إليهم فحينئذ عادوه وقال بعض اللغويين : منفكين : هالكين من قولهم : أنفك صلا المرأة عند الولادة وهو أن ينفصل فلا يلتئم فتهلك المعنى : لم يكونوا معذبين ولا هالكين إلا بعد قيام الحجة عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب وقال قوم في المشركين : إنهم من أهل الكتاب فمن اليهود من قال : عزير إبن الله ومن النصارى من قال : عيسى هو الله ومنهم من قال : هو إبنه ومنهم من قال : ثالث ثلاثة وقيل : أهل الكتاب كانوا مؤمنين ثم كفروا بعد أنبيائهم والمشركون ولدوا على الفطرة فكفروا حين بلغوا فلهذا قال : والمشركين وقيل : المشركون وصف أهل الكتاب أيضا لأنهم لم ينتفعوا بكتابهم وتركوا التوحيد فالنصارى مثلثة وعامة اليهود مشبهة والكل شرك وهو كقولك : جاءني العقلاء والظرفاء وأنت تريد أقواما بأعيانهم تصفهم بالأمرين فالمعنى : من أهل الكتاب المشركين وقيل : إن الكفر هنا هو الكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم أي لم يكن الذين كفروا بمحمد من اليهود والنصارى الذين هم أهل الكتاب ولم يكن المشركون الذين هم عبدة الأوثان من العرب وغيرهم وهم الذين ليس لهم كتاب منفكين قال القشيري : وفيه بعد لأن الظاهر من قوله : حتى تأتيهم البينة رسول من الله أن هذا الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم فيبعد أن يقال : لم يكن الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم منفكين حتى يأتيهم محمد إلا أن يقال : أراد : لم يكن الذين كفروا الآن بمحمد وإن كانوا من قبل معظمين له بمنتهين عن هذا الكفر إلى أن يبعث الله محمدا إليهم ويبين لهم الآيات فحينئذ يؤمن قوم وقرأ الأعمش وإبراهيم والمشركون رفعا عطفا على الذين والقراءة الأولى أبين لأن الرفع يصير فيه الصنفان كأنهم من غير أهل الكتاب وفي حرف أبي : فما كان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركون منفكين وفي مصحف إبن مسعود : لم يكن المشركون وأهل الكتاب منفكين وقد تقدم ( حتى تأتيهم البينة ) قيل حتى أتتهم والبينة : محمد صلى الله عليه وسلم ( رسول من الله ) أي بعيث من الله جل ثناؤه قال الزجاج : رسول رفع على البدل من البينة وقال الفراء : أي هي رسول من الله أو هو رسول من الله لأن البينة قد تذكر فيقال : بينتي فلان وفي حرف أبي وإبن مسعود رسولا بالنصب على القطع ( يتلو ) أي يقرأ يقال : تلا يتلو تلاوة ( صحفا ) جمع صحيفة وهي ظرف المكتوب ( مطهرة ) قال إبن عباس : من الزور والشك والنفاق والضلالة وقال قتادة : من الباطل وقيل : من الكذب والشبهات والكفر والمعنى واحد أي يقرأ ما تتضمن الصحف من المكتوب ويدل عليه أنه كان يتلو عن ظهر قلبه لا عن كتاب لأنه كان أميا لا يكتب ولا يقرأ ومطهرة : من نعت الصحف وهو كقوله تعالى : في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة فالمطهرة نعت للصحف في الظاهر وهي نعت لما في الصحف من القرآن وقيل : مطهرة أي ينبغي ألا يمسها إلا المطهرون كما قال في سورة الواقعة حسب ما تقدم بيانه وقيل : الصحف المطهرة : هي التي عند الله في أم الكتاب الذي منه نسخ ما أنزل على الأنبياء من الكتب كما قال تعالى : بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ قال الحسن : يعني الصحف المطهرة في السماء ( فيها كتب قيمة ) أي مستقيمة مستوية محكمة من قول العرب : قام يقوم : إذا أستوى وصح وقال بعض أهل العلم : الصحف هي الكتب فكيف قال في صحف فيها كتب فالجواب : أن الكتب هنا : بمعنى الأحكام قال الله عز وجل : كتب الله لأغلبن بمعنى حكم وقال صلى الله عليه وسلم : ( والله لأقضين بينكما بكتاب الله ( ثم قضى بالرجم وليس ذكر الرجم مسطورا في الكتاب فالمعنى لأقضين بينكما بحكم الله تعالى وقال الشاعر : وما الولاء بالبلاء فملتم وما ذاك قال الله إذ هو يكتب وقيل : الكتب القيمة : هي القرآن فجعله كتبا لأنه يشتمل على أنواع من البيان < <
البينة : ( 4 ) وما تفرق الذين . . . . . > > < > ( البينه 4 ) < > قوله تعالى : ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ) أي من اليهود والنصارى خص أهل الكتاب بالتفريق دون غيرهم وإن كانوا مجموعين مع الكافرين لأنهم مظنون بهم علم فإذا تفرقوا كان غيرهم ممن لا كتاب له أدخل في هذا الوصف ( إلا من بعد ما جاءتهم البينة ) أي أتتهم البينة الواضحة والمعني به محمد صلى الله عليه وسلم أي القرآن موافقا لما في أيديهم من الكتاب بنعته وصفته وذلك أنهم كانوا مجتمعين على نبوته فلما بعث جحدوا نبوته وتفرقوا فمنهم من كفر : بغيا وحسدا ومنهم من آمن كقوله تعالى : وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم وقيل : البينة : البيان الذي في كتبهم أنه نبي مرسل قال العلماء : من أول السورة إلى قوله قيمة : حكمها فيمن آمن من أهل الكتاب والمشركين وقوله : وما تفرق : حكمه فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب بعد قيام الحجج < < البينة : ( 5 ) وما أمروا إلا . . . . . > > < > ( البينه 5 ) < > فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وما أمروا ) أي وما أمر هؤلاء الكفار في التوراة والإنجيل ( إلا ليعبدوا الله ) أي ليوحدوه واللام في ليعبدوا بمعنى أن كقوله : يريد الله ليبين لكم أي أن يبين ويريدون ليطفئوا نور الله وأمرنا لنسلم لرب العالمين وفي حرف عبد الله : وما أمروا إلا أن يعبدوا الله ( مخلصين له الدين ) أي العبادة ومنه قوله تعالى : قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وفي هذا دليل على وجوب النية في العبادات فإن الإخلاص من عمل القلب وهو الذي يراد به وجه الله تعالى لا غيره الثانية قوله تعالى : ( حنفاء ) أي مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام وكان إبن عباس يقول : حنفاء : على دين إبراهيم عليه السلام وقيل : الحنيف : من أختتن وحج قاله سعيد بن جبير قال أهل اللغة : واصله أنه تحنف إلى الإسلام أي مال إليه الثالثة قوله تعالى : ( ويقيموا الصلاة ) أي بحدودها في أوقاتها ( ويؤتوا الزكاة ) أي يعطوها عند محلها ( وذلك دين القيمة ) أي ذلك الدين الذي أمروا به دين القيمة أي الدين المستقيم وقال الزجاج : أي ذلك دين الملة المستقيمة والقيمة : نعت لموصوف محذوف أو يقال : دين الأمة القيمة بالحق أي القائمة بالحق وفي حرف عبد الله وذلك الدين القيم قال الخليل : القيمة جمع القيم والقيم والقائم : واحد وقال الفراء : أضاف الدين إلى القيمة وهو نعته لإختلاف اللفظين وعنه أيضا : هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه ودخلت الهاء للمدح والمبالغة وقيل : الهاء راجعة إلى الملة أو الشريعة وقال محمد بن الأشعث الطالقاني : القيمة ها هنا : الكتب التي جرى ذكرها والدين مضاف إليها < < البينة : ( 6 ) إن الذين كفروا . . . . . > > < > ( البينه 6 : 7 ) <
> قوله تعالى : ( إن الذين كفروا منأهل الكتاب والمشركين ) المشركين : معطوف على الذين أو يكون مجرورا معطوفا على أهل ( في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية ) قرأ نافع وإبن ذكوان بالهمز على الأصل في الموضعين من قولهم : برأ الله الخلق وهو البارئ الخالق وقال : من قبل أن نبرأها الباقون بغير همز وشد الياء عوضا منه قال الفراء : إن أخذت البرية من البري وهو التراب فأصله غير الهمز تقول منه : براه الله يبروه بروا أي خلقه قال القشيري : ومن قال البرية من البري وهو التراب قال : لا تدخل الملائكة تحت هذه اللفظة وقيل : البرية : من بريت القلم أي قدرته فتدخل فيه الملائكة ولكنه قول ضعيف لأنه يجب منه تخطئة من همز وقوله شر البرية أي شر الخليقة فقيل يحتمل أن يكون على التعميم وقال قوم : أي هم شر البرية الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى : وأني فضلتكم على العالمين أي على عالمي زمانكم ولا يبعد أن يكون في كفار الأمم قبل هذا من هو شر منهم مثل فرعون وعاقر ناقة صالح وكذا خير البرية : إما على التعميم أو خير برية عصرهم وقد أستدل بقراءة الهمز من فضل بني آدم على الملائكة وقد مضى في سورة البقرة القول فيه وقال أبو هريرة رضي الله عنه : المؤمن أكرم على الله عز وجل من بعض الملائكة الذين عنده < < البينة : ( 8 ) جزاؤهم عند ربهم . . . . . > > < > ( البينه 8 ) < > قوله تعالى : ( جزاؤهم ) أي ثوابهم ( عند ربهم ) أي خالقهم ومالكهم ( جنات ) أي بساتين ( عدن ) أي إقامة والمفسرون يقولون : جنات عدن بطنان الجنة أي وسطها تقول : عدن بالمكان يعدن ] عدنا وعدونا [ : أقام ومعدن الشيء : مركزه ومستقره قال الأعشى : وإن يستضافوا إلى حكمه يضافوا إلى راجح قد عدن ( تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ) لا يظعنون ولا يموتون ( رضيالله عنهم ) أي رضي أعمالهم كذا قال إبن عباس ( ورضوا عنه ) أي رضوا هم بثواب الله عز وجل ( ذلك ) أي الجنة ( لمن خشي ربه ) أي خاف ربه فتناهى عن المعاصي < > تفسير سورة الزلزلة < > مدنية في قول إبن عباس وقتادة ومكية في قول إبن مسعود وعطاء وجابر وهي تسع آيات قال العلماء : وهذه السورة فضلها كثير وتحتوي على عظيم : روى الترمذي عن أنس إبن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ إذا زلزلت عدلت له بنصف القرآن ومن قرا قل يا أيها الكافرون عدلت له بربع القرآن ومن قرأ قل هو الله أحد عدلت له بثلث القرآن ( قال : حديث غريب وفي الباب عن إبن عباس وروي عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ إذا زلزلت أربع مرات كان كمن قرأ القرآن كله ( وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال : لما نزلت إذا زلزلت بكى أبو بكر فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لولا أنكم تخطئون وتذنبون ويغفر الله لكم لخلق أمة يخطئون ويذنبون ويغفر لهم إنه هو الغفور الرحيم < < الزلزلة : ( 1 ) إذا زلزلت الأرض . . . . . > > < > ( 1 ) <
> إذا زلزلت الأرض زلزالها أي حركت من أصلها كذا روى عكرمة عن إبن عباس وكان يقول : في النفخة الأولى يزلزلها وقاله مجاهد لقوله تعالى : يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة ثم تزلزل ثانية فتخرج موتاها وهي الأثقال وذكر المصدر للتأكيد ثم أضيف إلى الأرض كقولك : لأعطينك عطيتك أي عطيتي لك وحسن ذلك لموافقة رؤوس الآي بعدها وقراءة العامة بكسر الزاي من الزلزال وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر بفتحها وهو مصدر أيضا كالوسواس والقلقال والجرجار وقيل : الكسر المصدر والفتح الأسم < < الزلزلة : ( 2 ) وأخرجت الأرض أثقالها > > < > ( 2 ) < > قال أبو عبيدة والأخفش : إذا كان الميت في بطن الأرض فهو ثقل لها وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها وقال إبن عباس ومجاهد : أثقالها : موتاها تخرجهم في النفخة الثانية ومنه قيل للجن والإنس : الثقلان وقالت الخنساء : أبعد إبن عمرو من آل الشر يد حلت به الأرض أثقالها تقول : لما دفن عمرو صار حلية لأهل القبور من شرفه وسؤدده وذكر بعض أهل العلم قال : كانت العرب تقول : إذا كان الرجل سفاكا للدماء : كان ثقلا على ظهر الأرض فلما مات حطت الأرض عن ظهرها ثقلها وقيل : أثقالها كنوزها ومنه الحديث : ( تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة < < الزلزلة : ( 3 ) وقال الإنسان ما . . . . . > > < > ( الزلزله 3 ) < > قوله تعالى : ( وقال الإنسان ) أي إبن آدم الكافر فروى الضحاك عن إبن عباس قال : هو الأسود بن عبد الأسد وقيل : أراد كل إنسان يشاهد ذلك عند قيام الساعة في النفخة الأولى : من مؤمن وكافر وهذا قول من جعلها في الدنيا من أشراط الساعة لأنهم لا يعلمون جميعا من أشراط الساعة في إبتداء أمرها حتى يتحققوا عمومها فلذلك سأل بعضهم بعضا عنها وعلى قول من قال : إن المراد بالإنسان الكفار خاصة جعلها زلزلة القيامة لأن المؤمن معترف بها فهو لا يسأل عنها والكافر جاحد لها فلذلك يسأل عنها ومعنى ( مالها ) أي ما لها زلزلت وقيل : ما لها أخرجت أثقالها وهي كلمة تعجيب أي لأي شيء زلزلت ويجوز أن يحيي الله الموتى بعد وقوع النفخة الأولى ثم تتحرك الأرض فتخرج الموتى وقد رأوا الزلزلة وإنشقاق الأرض عن الموتى أحياء فيقولون من الهول : مالها < < الزلزلة : ( 4 ) يومئذ تحدث أخبارها > > < > ( الزلزله 4 : 6 ) <
> قوله تعالى : ( يومئذ تحدث أخباترها ) يومئذ منصوب بقوله إذا زلزلت وقيل : بقوله تحدث أخبارها أي تخبر الأرض بما عمل عليها من خير أو شر يومئذ ثم قيل : هو من قول الله تعالى وقيل : من قول الإنسان أي يقول الإنسان ما لها تحدث أخبارها متعجبا وفي الترمذي عن أبي هريرة قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية يومئذ تحدث أخبارها قال : ( أتدرون ما أخبارها قالوا الله ورسوله أعلم قال : فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها تقول عمل يوم كذا كذا وكذا قال : فهذه أخبارها ( قال : هذا حديث حسن صحيح قال الماوردي قوله يومئذ تحدث أخبارها : فيه ثلاثة أقاويل : أحدها تحدث أخبارها بأعمال العباد على ظهرها قاله أبو هريرة ورواه مرفوعا وهو قول من زعم أنها زلزلة القيامة الثاني تحدث أخبارها بما أخرجت من أثقالها قاله يحيى بن سلام وهو قول من زعم أنها زلزلة أشراط الساعة قلت : وفي هذا المعنى حديث رواه إبن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه قال : ( إذا كان أجل العبد بأرض أوثبته الحاجة إليها حتى إذا بلغ أقصى أثره قبضه الله فتقول الأرض يوم القيامة : رب هذا ما أستودعتني ( أخرجه إبن ماجه في سننه وقد تقدم الثالث أنها تحدث بقيام الساعة إذا قال الإنسان ما لها قاله إبن مسعود فتخبر أن أمر الدنيا قد إنقضى وأمر الآخرة قد أتى فيكون ذلك منها جوابا لهم عند سؤالهم ووعيدا للكافر وإنذارا للمؤمن وفي حديثها بأخبارها ثلاثة أقاويل : أحدها أن الله تعالى يقلبها حيوانا ناطقا فتتكلم بذلك الثاني أن الله تعالى يحدث فيها الكلام الثالث أنه يكون منها بيان يقوم مقام الكلام قال الطبري : تبين أخبارها بالرجة والزلزلة وإخراج الموتى ( بأن ربك أوحى لها ) أي إنها تحدث أخبارها بوحي الله لها إي إليها والعرب تضع لام الصفة موضع إلى قال العجاج يصف الأرض : وحى لها القرار فأستقرت وشدها بالراسيات الثبت وهذا قول أبي عبيدة : أوحى لها أي إليها وقيل : أوحى لها أي أمرها قاله مجاهد وقال السدي : أوحى لها أي قال لها وقيل : سخرها وقيل : المعنى يوم تكون الزلزلة وإخراج الأرض أثقالها تحدث الأرض أخبارها ما كان عليها من الطاعات والمعاصي وما عمل على ظهرها من خير وشر وروي ذلك عن الثوري وغيره ( يومئذ يصدر الناس أشتاتا ) أي فرقا جمع شت قيل : عن موقف الحساب فريق يأخذ جهة اليمين إلى الجنة وفريق آخر يأخذ جهة الشمال إلى النار كما قال تعالى يومئذ يتفرقون يومئذ يصدعون وقيل : يرجعون عن الحساب بعد فراغهم من الحساب ( أشتاتا يعني فرقا فرقا ( ليروا أعمالهم ) يعني ثواب أعمالهم وهذا كما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما من أحد يوم القيامة إلا ويلوم نفسه فإن كان محسنا فيقول : لم لا أزددت إحسانا وإن كان غير ذلك يقول : لم لا نزعت عن المعاصي ( وهذا عند معاينة الثواب والعقاب وكان إبن عباس يقول : أشتاتا متفرقين على قدر أعمالهم أهل الإيمان على حدة وأهل كل دين على حدة وقيل : هذا الصدور إنما هو عند النشور يصدرون أشتاتا من القبور فيصار بهم إلى موقف الحساب ليروا أعمالهم في كتبهم أؤ ليروا جزاء أعمالهم فكأنهم وردوا القبور فدفنوا فيها ثم صدروا عنها والوارد : الجائي والصادر : المنصرف ( أشتاتا ) أي يبعثون من أقطار الأرض وعلى القول الأول فيه تقديم وتأخير مجازه : تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها ليروا أعمالهم وأعترض قوله يومئذ يصدر الناس أشتاتا متفرقين عن موقف الحساب وقراءة العامة ليروا بضم الياء أي ليريهم الله أعمالهم وقرأ الحسن والزهري وقتادة والأعرج ونصر إبن عاصم وطلحة بفتحها وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم < <
الزلزلة : ( 7 ) فمن يعمل مثقال . . . . . > > < > ( الزلزله 7 : 8 ) <
> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) كان إبن عباس يقول : من يعمل من الكفار مثقال ذرة خيرا يره في الدنيا ولا يثاب عليه في الآخرة ومن يعمل مثقال ذرة من شر عوقب عليه في الآخرة مع عقاب الشرك ومن يعمل مثقال ذرة من شر من المؤمنين يره في الدنيا ولا يعاقب عليه في الآخرة إذا مات ويتجاوز عنه وإن عمل مثقال ذرة من خير يقبل منه ويضاعف له في الآخرة وفي بعض الحديث : ( الذرة لا زنة لها ( وهذا مثل ضربه الله تعالى : أنه لا يغفل من عمل إبن آدم صغيرة ولا كبيرة وهو مثل قوله تعالى إن الله لا يظلم مثقال ذرة وقد تقدم الكلام هناك في الذر وأنه لا وزن له وذكر بعض أهل اللغة أن الذر : أن يضرب الرجل بيده على الأرض فما علق بها من التراب فهو الدر وكذا قال إبن عباس : إذا وضعت يدك على الأرض ورفعتها فكل واحد مما لزق به من التراب ذرة وقال محمد بن كعب القرظي : فمن يعمل مثقال ذرة من خير من كافر يرى ثوابه في الدنيا في نفسه وماله وأهله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير ومن يعمل مثقال ذرة من شر من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في نفسه وماله وولده وأهله حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله شر دليله ما رواه العلماء الأثبات من حديث أنس : أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يأكل فأمسك وقال : يا رسول الله وإنا لنرى ما عملنا من خير وشر قال : ( ما رأيت مما تكره فهو مثاقيل ذر الشر ويدخر لكم مثاقيل ذر الخير حتى تعطوه يوم القيامة ( قال أبو إدريس : إن مصداقه في كتاب الله : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير وقال مقاتل : نزلت في رجلين وذلك أنه لما نزل ويطعمون الطعام على حبه كان أحدهم يأتيه السائل فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة والجوزة وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير كالكذبة والغيبة والنظرة ويقول : إنما أوعد الله النار على الكبائر فنزلت ترغبهم في القليل من الخير أن يعطوه فإنه يوشك أن يكثر ويحدرهم اليسير من الذنب فإنه يوشك أن يكثر وقاله سعيد بن جبير والإثم الصغير في عين صاحبه يوم القيامة أعظم من الجبال وجميع محاسنه أقل في عينه من كل شيء الثانية قراءة العامة يره بفتح الياء فيهما وقرأ الجحدري والسلمي وعيسى بن عمر وأبان عن عاصم : يره بضم الياء أي يريه الله إياه والأولى الإختيار لقوله تعالى : يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا الآية وسكن الهاء في قوله يره في الموضعين هشام وكذلك رواه الكسائي عن أبي بكر وابي حيوة والمغيرة وأختلس يعقوب والزهري والجحدري وشيبة وأشبع الباقون وقيل يره أي يرى جزاءه لأن ما عمله قد مضى وعدم فلا يرى وأنشدوا : إن من يعتدي ويكسب إثما وزن مثقال ذرة سيراه ويجازي بفعله الشر شرا وبفعل الجميل أيضا جزاه هكذا قوله تبارك ربي في إذا زلزلت وجل ثناه الثالثة قال إبن مسعود : هذه أحكم آية في القرآن وصدق وقد أتفق العلماء على عموم هذه الآية القائلون بالعموم ومن لم يقل به وروى كعب الأحبار أنه قال : لقد أنزل الله على محمد آيتين أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره قال الشيخ أبو مدين في قوله تعالى : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره قال : في الحال قبل المآل وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمى هذه الآية الآية الجامعة الفاذة كما في الصحيح لما سئل عن الحمر وسكت عن البغال والجواب فيهما واحد لأن البغل والحمار لا كر فيهما ولا فر فلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ما في الخيل من الأجر الدائم والثواب المستمر سأل السائل عن الحمر لأنهم لم يكن عندهم يومئذ بغل ولا دخل الحجاز منها إلا بغلة النبي صلى الله عليه وسلم الدلدل التي أهداها له المقوقس فأفتاه في الحمير بعموم الآية وإن في الحمار مثاقيل ذر كثيرة قاله إبن العربي وفي الموطأ : أن مسكينا أستطعم عائشة أم المؤمنين وبين يديها عنب فقالت لإنسان : خذ حبة فأعطه إياها فجعل ينظر إليها ويعجب فقالت : أتعجب كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة وروي عن سعد بن أبي وقاص : أنه تصدق بتمرتين فقبض السائل يده فقال للسائل : ويقبل الله منا مثاقيل الذر وفي التمرتين مثاقيل ذر كثيرة وروى المطلب بن حنطب : أن أعرابيا سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها فقال : يا رسول الله أمثقال ذرة قال ( نعم ( فقال الأعرابي : واسوأتاه مرارا : ثم قام وهو يقولها فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لقد دخل قلب الأعرابي الإيمان ( وقال الحسن : قدم صعصعة عم الفرزدق على النبي صلى الله عليه وسلم فلما سمع فمن يعمل مثقال ذرة الآيات قال : لا أبالي ألا أسمع من القرآن غيرها حسبي فقد أنتهت الموعظة ذكره الثعلبي ولفظ الماوردي : وروى أن صعصة بن ناجية جد الفرزدق أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستقرئه فقرأ عليه هذه الآية فقال صعصعة : حسبي حسبي إن عملت مثقال ذرة شرا رأيته وروى معمر عن زيد إبن اسلم : أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : علمني مما علمك الله فدفعه إلى رجل يعلمه فعلمه إذا زلزلت حتى إذا بلغ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره قال : حسبي فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( دعوه فإنه قد فقه ( ويحكى أن أعرابيا أخر خيرا يره فقيل : قدمت وأخرت فقال : خذا بطن هرشي أو قفاها فإنه كلا جانبي هرشي لهن طريق <
Preguntas
- ¿Qué creen los musulmanes acerca de los profetas?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Qué enseñó el Profeta Muhammad (la paz sea con él) sobre el buen carácter?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?
- ¿Qué es el ikhlas (la sinceridad) y por qué es importante?