Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

Sección V20/P152

> تفسير سورة والعاديات < > وهي مكية في قول إبن مسعود وجابر والحسن وعكرمة وعطاء ومدنية في قول إبن عباس وأنس ومالك وقتادة وهي إحدى عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم < < العاديات : ( 1 ) والعاديات ضبحا > > < > ( العاديات 1 : 2 ) <

Sección V20/P152–V20/P157

> قوله تعالى : ( والعاديات ضبحا ) أي الأفراس تعدو كذا قال عامة المفسرين وأهل اللغة أي تعدو في سبيل الله فتضبح قال قتادة : تضبح إذا عدت أي تحمحم وقال الفراء : الضبح : صوت أنفاس الخيل إذا عدون إبن عباس : ليس شيء من الدواب يضبح غير الفرس والكلب والثعلب وقيل : كانت تكعم لئلا تصهل فيعلم العدو بهم فكانت تتنفس في هذه الحال بقوة قال إبن العربي : أقسم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال : يس والقرآن الحكيم وأقسم بحياته فقال : لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون وأقسم بخيله وصهيلها وغبارها وقدح حوافرها النار من الحجر فقال : والعاديات ضبحا الآيات الخمس وقال أهل اللغة : وطعنة ذات رشاش واهية طعنتها عند صدور العادية يعني الخيل وقال آخر : والعاديات أسابي الدماء بها كأن أعناقها أنصاب ترجيب يعني الخيل وقال عنترة : والخيل تعلم حين تض بح في حياض الموت ضبحا وقال آخر : لست بالتبع اليماني إن لم تضبح الخيل في سواد العراق وقال أهل اللغة : وأصل الضبح والضباح للثعالب فأستعير للخيل وهو من قول العرب : ضبحته النار : إذا غيرت لونه ولم تبالغ فيه وقال الشاعر : فلما أن تلهوجنا شواء به اللهبان مقهورا ضبيحا وأنضبح لونه : إذا تغير إلى السواد قليلا وقال : علقتها قبل إنضباح لوني وإنما تضبح هذه الحيوانات إذا تغيرت حالها من فزع وتعب أو طمع ونصب ضبحا على المصدر أي والعاديات تضبح ضبحا والضبح أيضا الرماد وقال البصريون : ضبحا نصب على الحال وقيل : مصدر في موضع الحال قال أبو عبيدة : ضبحت الخيل ضبحا مثل ضبعت وهو السير وقال أبو عبيدة : الضبح والضبع : بمعنى العدو والسير وكذا قال المبرد : الضبح مد أضباعها في السير وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى أناس من بني كنانة فأبطأ عليه خبرها وكان أستعمل عليهم المنذر بن عمرو الأنصاري وكان أحد النقباء فقال المنافقون : إنهم قتلوا فنزلت هذه السورة إخبارا للنبي صلى الله عليه وسلم بسلامتها وبشارة له بإغارتها على القوم الذين بعث إليهم وممن قال : إن المراد بالعاديات الخيل إبن عباس وأنس والحسن ومجاهد والمراد الخيل التي يغزو عليها المؤمنون وفي الخبر : ( من لم يعرف حرمة فرس الغازي ففيه شعبة من النفاق ( وقول ثان : أنها الإبل قال مسلم : نازعت فيها عكرمة فقال عكرمة : قال إبن عباس هي الخيل وقلت : قال علي هي الإبل في الحج ومولاي أعلم من مولاك وقال الشعبي : تمارى علي وإبن عباس في العاديات فقال علي : هي الإبل تعدو في الحج وقال إبن عباس : هي الخيل ألا تراه يقول فأثرن به نقعا فهل تثير إلا بحوافرها وهل تضبح الإبل فقال علي : ليس كما قلت لقد رأيتنا يوم بدر وما معنا إلا فرس أبلق للمقداد وفرس لمرثد بن أبي مرثد ثم قال له علي : أتفتي الناس بما لا تعلم والله إن كانت لأول غزوة في الإسلام وما معنا إلا فرسان : فرس للمقداد وفرس للزبير فكيف تكون العاديات ضبحا إنما العاديات الإبل من عرفة إلى المزدلفة ومن المزدلفة إلى عرفة قال إبن عباس : فرجعت إلى قول علي وبه قال إبن مسعود وعبيد بن عمير ومحمد بن كعب والسدي ومنه قول صفية بنت عبد المطلب : فلا والعاديات غداة جمع بأيديها إذا سطع الغبار يعني الإبل وسميت العاديات لإشتقاقها من العدو وهو تباعد الأرجل في سرعة المشي وقال آخر : رأى صاحبي في العاديات نجيبة وأمثالها في الواضعات القوامس ومن قال هي الإبل فقوله ضبحا بمعنى ضبعا فالحاء عنده مبدلة من العين لأنه يقال : ضبعت الإبل وهو أن تمد أعناقها في السير وقال المبرد : الضبع مد أضباعها في السير والضبح أكثر ما يستعمل في الخيل والضبع في الإبل وقد تبدل الحاء من العين أبو صالح : الضبح من الخيل : الحمحمة ومن الإبل التنفس وقال عطاء : ليس شيء من الدواب يضبح إلا الفرس والثعلب والكلب وروي عن إبن عباس وقد تقدم عن أهل اللغة أن العرب تقول : ضبح الثعلب وضبح في غير ذلك أيضا قال توبة : ولو أن ليلى الأخيلية سلمت علي ودوني تربة وصفائح لسلمت تسليم البشاشة أو زقا إليها صدى من جانب القبر ضابح زقا الصدى يزقو زقاء : اي صاح وكل زاق صائح والزقية : الصيحة ( فالموريات قدحا ) قال عكرمة وعطاء والضحاك : هي الخيل حين توري النار بحوافرها وهي سنابكها وروي عن إبن عباس وعنه أيضا : أورت بحوافرها غبارا وهذا يخالف سائر ما روى عنه في قدح النار وإنما هذا في الإبل وروى إبن أبي نجيح عن مجاهد والعاديات ضبحا فالموريات قدحا قال قال بن عباس : هو في القتال وهو في الحج إبن مسعود : هي الإبل تطأ الحصى فتخرج منها النار وأصل القدح الإستخراج ومنه قدحت العين : إذا أخرجت منها الماء الفاسد وأقتدحت بالزند وأقتدحت المرق : غرفته وركى قدوح : تغترف باليد والقديح : ما يبقى في أسفل القدر فيغرف بجهد والمقدحة : ما تقدح به النار والقداحة والقداح : الحجر الذي يوري النار يقال : ورى الزند ( بالفتح ) يرى وريا : إذا خرجت ناره وفيه لغة أخرى : ورى الزند ( بالكسر ) يرى فيهما وقد مضى هذا في سورة الواقعة وقدحا أنتصب بما أنتصب به ضبحا وقيل : هذه الآيات في الخيل ولكن إيراءها : أن تهيج الحرب بين أصحابها وبين عدوهم ومنه يقال للحرب إذا ألتحمت : حمى الوطيس ومنه قوله تعالى : كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله وروي معناه عن إبن عباس أيضا وقاله قتادة وعن إبن عباس أيضا وقاله قتادة وعن إبن عباس أيضا : أن المراد بالموريات قدحا : مكر الرجال في الحرب وقاله مجاهد وزيد بن اسلم والعرب تقول إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه : والله لأمكرن بك ثم لأورين لك وعن إبن عباس أيضا : هم الذين يغزون فيورون نيرانهم بالليل لحاجتهم وطعامهم وعنه أيضا : أنها نيران المجاهدين إذا كثرت نارها إرهابا وكل من قرب من العدو يوقد نيرانا كثيرة ليظنهم العدو كثيرا فهذا إقسام بذلك قال محمد بن كعب : هي النار تجمع وقيل : هي أفكار الرجال توري نار المكر والخديعة وقال عكرمة : هي ألسنة الرجال توري النار من عظيم ما تتكلم به ويظهر بها من إقامة الحجج وإقامة الدلائل وإيضاح الحق وإبطال الباطل وروى إبن جريج عن بعضهم قال : فالمنجحات أمرا وعملا كنجاح الزند إذا أورى قلت : هذه الأقوال مجاز ومنه قولهم : فلان يوري زناد الضلالة والأول : الحقيقة وأن الخيل من شدة عدوها تقدح النار بحوافرها قال مقاتل : العرب تسمى تلك النار نار أبي حباحب وكان أبو حباحب شيخا من مضر في الجاهلية من أبخل الناس وكان لا يوقد نارا لخبز ولا غيره حتى تنام العيون فيوقد نويرة تقد مرة وتخمد أخرى فإن أستيقظ لها أحد أطفأها كراهية أن ينتفع بها أحد فشبهت العرب هذه النار بناره لأنه لا ينتقع بها وكذلك إذا وقع السيف على البيضة فأقتدحت نارا فكذلك يسمونها قال النابغة : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تقد السلوقي المضاعف نسجه وتوقد بالصفاح نار الحباحب < <

Sección V20/P157–V20/P159

العاديات : ( 3 ) فالمغيرات صبحا > > < > ( 3 ) < > الخيل تغير على العدو عند الصبح عن إبن عباس وأكثر المفسرين وكانوا إذا أرادوا الغارة سروا ليلا ويأتون العدو صبحا لأن ذلك وقت غفلة الناس ومنه قوله تعالى : فساء صباح المنذرين وقيل : لعزهم أغاروا نهارا وصبحا على هذا أي علانية تشبيها بظهور الصبح وقال إبن مسعود وعلي رضي الله عنهما : هي الإبل تدفع بركبانها يوم النحر من منى إلى جمع والسنة ألا تدفع حتى تصبح وقاله القرظي والإغارة : سرعة السير ومنه قولهم : اشرق ثبير كيما نغير < < العاديات : ( 4 ) فأثرن به نقعا > > < > ( 4 ) < > أي غبارا يعني الخيل تثير الغبار بشدة العدو في المكان الذي أغارت به قال عبد الله إبن رواحة : عدمت بنيتي إن لم تروها تثير النفع من كنفي كداء والكناية في به ترجع إلى المكان أو إلى الموضع الذي تقع فيه الإغارة وإذا علم المعنى جاز أن يكنى عما لم يجر له ذكر بالتصريح كما قال حتى توارت بالحجاب وقيل : فأثرن به أي بالعدو نقعا وقد تقدم ذكر العدو وقيل : النقع : ما بين مزدلفة إلى منى قاله محمد إبن كعب القرظي وقيل : إنه طريق الوادي ولعله يرجع إلى الغبار المثار من هذا الموضع وفي الصحاح : النقع : الغبار والجمع : نقاع والنقع : محبس الماء وكذلك ما أجتمع في البئر منه وفي الحديث : أنه نهى أن يمنع نقع البئر والنقع الأرض الحرة الطين يستنقع فيها الماء والجمع : نقاع وأنقع مثل بحر وبحار وأبحر قلت : وقد يكون النقع رفع الصوت ومنه حديث عمر حين قيل له : إن النساء قد أجتمعن يبكين على خالد بن الوليد فقال : وما على نساء بني المغيرة أن يسفكن من دموعهن وهن جلوس على أبي سليمان ما لم يكن نقع ولا لقلقة قال أبو عبيد : يعني بالنقع رفع الصوت على هذا رأيت قول الأكثرين من أهل العلم ومنه قول لبيد : فمتى ينقع صراخ صادق يحلبوها ذات جرس وزجل ويروى يحلبوها أيضا يقول : متى سمعوا صراخا أحلبوا الحرب أي جمعوا لها وقوله ينقع صراخ : يعني رفع الصوت وقال الكسائي : قوله نقع ولا لقلقة النقع : صنعة الطعام يعني في المأتم يقال منه : نقعت أنقع نقعا قال أبو عبيد : ذهب بالنقع إلى النقيعة وإنما النقيعة عند غيره من العلماء : صنعة الطعام عند القدوم من سفر لا في المأتم وقال بعضهم : يريد عمر بالنقع : وضع التراب على الرأس يذهب إلى أن النقع هو الغبار ولا أحسب عمر ذهب إلى هذا ولا خافه منهن وكيف يبلغ خوفه ذا وهو يكره لهن القيام فقال : يسفكن من دموعهن وهن جلوس قال بعضهم : النقع : شق الجيوب وهو الذي لا أدري ما هو من الحديث ولا أعرفه وليس النقع عندي في هذا الحديث إلا الصوت الشديد وأما اللقلقة : فشدة الصوت ولم أسمع فيه إختلافا وقرأ أبو حيوة فأثرن بالتشديد أي أرت آثار ذلك ومن خفف فهو من آثار : إذا حرك ومنه وأثاروا الأرض < < العاديات : ( 5 ) فوسطن به جمعا > > < > ( العاديات 5 ) < > جمعا مفعول ب وسطن أي فوسطن بركبانهن العدو أي الجمع الذي أغاروا عليهم وقال إبن مسعود : فوسطن به جمعا : يعني مزدلفة وسميت جمعا لإجتماع الناس ويقال : وسطت القوم أسطهم وسطا وسطة أي صرت وسطهم وقرأ علي رضي الله عنه فوسطن بالتشديد وهي قراءة قتادة وإبن مسعود وأبي رجاء لغتان بمعنى يقال : وسطت القوم ( بالتشديد والتخفيف ) وتوسطتهم : بمعنى واحد وقيل : معنى التشديد : جعلها الجمع قسمين والتخفيف : صرن في وسط الجمع وهما يرجعان إلى معنى الجمع < <

Sección V20/P159–V20/P161

العاديات : ( 6 ) إن الإنسان لربه . . . . . > > < > ( 6 ) < > هذا جواب القسم أي طبع الإنسان على كفران النعمة قال إبن عباس : لكنود لكفور جحود لنعم الله وكذلك قال الحسن وقال : يذكر المصائب وينسى النعم أخذه الشاعر فنظمه : يا أيها الظالم في فعله والظلم مردود على من ظلم إلى متى أنت وحتى متى تشكو المصيبات وتنسى النعم وروى أبو أمامة الباهلي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الكنود هو الذي يأكل وحده ويمنع رفده ويضرب عبده ( وروى إبن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألأ أنبئكم بشراركم ( قالوا بلى يا رسول الله قال : ( من نزل وحده ومنع رفده وجلد عبده ( خرجهما الترمذي الحكيم في نوادر الأصول وقد روي عن إبن عباس أيضا أنه قال : الكنود بلسان كندة وحضرموت : العاصي وبلسان ربيعة ومضر : الكفور وبلسان كنانة : البخيل السيء الملكة وقاله مقاتل وقال الشاعر : كنود لنعماء الرجال ومن يكن كنودا لنعماء الرجال يبعد أي كفور ثم قيل : هو الذي يكفر اليسير ولا يشكر الكثير وقيل : الجاحد للحق وقيل : إنما سميت كندة كندة لأنها جحدت أباها وقال إبراهيم بن هرمة الشاعر : دع البخلاء إن شمخوا وصدوا وذكرى بخل غانية كنود وقيل : الكنود : من كند إذا قطع كأنه يقطع ما ينبغي أن يواصله من الشكر ويقال : كند الحبل : إذا قطعه قال الأعشى : أميطي تميطي بصلب الفؤاد وصول حبال وكنادها فهذا يدل على القطع ويقال : كند يكند كنودا : أي كفر النعمة وجحدها فهو كنود وأمرأة كنود أيضا وكند مثله قال الأعشى : أحدث لها تحدث لوصلك إنها كند لوصل الزائر المعتاد أي كفور للمواصلة وقال إبن عباس : الإنسان هنا الكافر يقول إنه لكفور ومنه الأرض الكنود التي لا تنبت شيئا وقال الضحاك : نزلت في الوليد بن المغيرة قال المبرد : الكنود : المانع لما عليه وأنشد لكثير : أحدث لها تحدث لوصلك إنها كند لوصل الزائر المعتاد وقال أبو بكر الواسطي : الكنود : الذي ينفق نعم الله في معاصي الله وقال أبو بكر الوراق : الكنود : الذي يرى النعمة من نفسه وأعوانه وقال الترمذي : الذي يرى النعمة ولا يرى المنعم وقال ذو النون المصري : الهلوع والكنود : هو الذي إذا مسه الشر جزوع وإذا مسه الخير منوع وقيل : هو الحقود الحسود وقيل : هو الجهول لقدره وفي الحكمة : من جهل قدره : هتك ستره قلت : هذه الأقوال كلها ترجع إلى معنى الكفران والجحود وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم معنى الكنود بخصال مذمومة وأحوال غير محمودة فإن صح فهو أعلى ما يقال ولا يبقى لأحد معه مقال < < العاديات : ( 7 ) وإنه على ذلك . . . . . > > < > ( 7 ) < > أي وإن الله عز وجل ثناؤه على ذلك من إبن آدم لشهيد كذا روى منصور عن مجاهد وهو قول أكثر المفسرين وهو قول إبن عباس وقال الحسن وقتادة ومحمد إبن كعب : وإنه أي وإن الإنسان لشاهد على نفسه بما يصنع وروي عن مجاهد أيضا < < العاديات : ( 8 ) وإنه لحب الخير . . . . . > > < > ( العاديات 8 ) <

Sección V20/P161–V20/P164

> قوله تعالى : ( وإنه ) أي الإنسان من غير خلاف ( لحب الخير ) أي المال ومنه قوله تعالى : إن ترك خيرا وقال عدي : ماذا ترجى النفوس من طلب ال خير وحب الحياة كاربها ( لشديد ) أي لقوي في حبه للمال وقيل : لشديد لبخيل ويقال للبخيل : شديد ومتشدد قال طرفة : أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي عقلية مال الفاحش المتشدد يقال : إعتامه وأعتماه أي أختاره والفاحش : البخيل أيضا ومنه قوله تعالى : ويأمركم بالفحشاء أي البخل قال إبن زيد : سمى الله المال خيرا وعسى أن يكون شرا وحراما ولكن الناس يعدونه خيرا فسماه الله خيرا لذلك وسمى الجهاد سوءا فقال : فأنقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء على ما يسميه الناس قال الفراء : نظم الآية أن يقال : وإنه لشديد الحب للخير فلما تقدم الحب قال : شديد وحذف من آخره ذكر الحب لأنه قد جرى ذكره ولرؤس الآي كقوله تعالى : في يوم عاصف والعصوف : للريح لا الأيام فلما جرى ذكر الريح قبل اليوم طرح من آخره ذكر الريح كأنه قال : في يوم عاصف الريح < < العاديات : ( 9 ) أفلا يعلم إذا . . . . . > > < > ( العاديات 9 : 11 ) < > قوله تعالى : ( أفلا يعلم ) أي إبن آدم ( إذا بعثر ) أي أثير وقلب وبحث فأخرج ما فيها قال أبو عبيدة : بعثرت المتاع : جعلت أسفله أعلاه وعن محمد بن كعب قال : ذلك حين يبعثون الفراء : سمعت بعض أعراب بني أسد يقرأ : بحثر بالحاء مكان العين وحكاه الماوردي عن إبن مسعود وهما بمعنى ( وحصل ما في الصدور ) أي ميز ما فيها من خير وشر كذا قال المفسرون وقال إبن عباس : أبرز وقرأ عبيد بن عمير وسعيد بن جبير ويحيى بن يعمر ونصر بن عاصم وحصل بفتح الحاء وتخفيف الصاد وفتحها أي ظهر ( إن ربهم بهم يومئذ لخبير ) أي عالم لا يخفى عليه منهم خافية وهو عالم بهم في ذلك اليوم وفي غيره ولكن المعنى أنه يجازيهم في ذلك اليوم وقوله : إذا بعثر العامل في إذا : بعثر ولا يعمل فيه يعلم إذ لا يراد به العلم من الإنسان ذلك الوقت إنما يراد في الدنيا ولا يعمل فيه خبير لأن ما بعد إن لا يعمل فيما قبلها والعامل في يومئذ : خبير وإن فصلت اللام بينهما لأن موضع اللام الإبتداء وإنما دخلت في الخبر لدخول إن على المبتدأ ويروى أن الحجاج قرأ هذه السورة على المنبر يحضهم على الغزو فجرى على لسانه : أن ربهم بفتح الألف ثم أستدركها فقال : خبير بغير لام ولولا اللام لكانت مفتوحة لوقوع العلم عليها وقرأ أبو السمال أن ربهم بهم يومئذ خبير والله سبحانه وتعالى أعلم < > تفسير سورة القارعة < > وهي مكية بإجماع وهي عشر آيات بسم الله الرحمن الرحيم < < القارعة : ( 1 ) القارعة > > < > ( القارعه 1 : 3 ) < > قوله تعالى : ( القارعة ما القارعة ) أي القيامة والساعة كذا قال عامة المفسرين وذلك أنها تقرع الخلائق بأهوالها وأفزاعها وأهل اللغة يقولون : تقول العرب قرعتهم القارعة وفقرتهم الفاقرة إذا وقع بهم أمر فظيع قال إبن أحمر : وقارعة من الأيام لولا سبيلهم لزاحت عنك حينا وقال آخر : متى تقرع بمروتكم نسؤكم ولم توقد لنا في القدر نار وقال تعالى : ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة وهي الشديدة من شدائد الدهر قوله تعالى : ( ما القارعة ) إستفهام أي أي شيء هي القارعة وكذا ( وما أدراك ما القارعة ) كلمة إستفهام على جهة التعظيم والتفخيم لشأنها كما قال : الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة على ما تقدم < <

Sección V20/P164–V20/P167

القارعة : ( 4 ) يوم يكون الناس . . . . . > > < > ( 4 ) < > يوم منصوب على الظرف تقديره : تكون القارعة يوم يكون الناس كالفراش المبثوث قال قتادة : الفراش الطير الذي يتساقط في النار والسراج الواحدة فراشه وقاله أبو عبيدة وقال الفراء : إنه الهمج الطائر من بعوض وغيره ومنه الجراد ويقال : هو أطيش من فراشة وقال : طويش من نفر أطياش أطيش من طائرة الفراش وقال آخر : وقد كان أقوام رددت قلوبهم إليهم وكانوا كالفراش من الجهل وفي صحيح مسلم عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي ( وفي الباب عن أبي هريرة والمبثوث المتفرق وقال في موضع آخر : كأنهم جراد منتشر فأول حالهم كالفراش لا وجه له يتحير في كل وجه ثم يكونون كالجراد لأن لها وجها تقصده والمبثوث : المتفرق المنتشر وإنما ذكر على اللفظ : كقوله تعالى : أعجاز نخل منقعر ولو قال المبثوثة فهو كقوله تعالى : أعجاز نخل خاوية وقال إبن عباس والفراء : كالفراش المبثوث كغوغاء الجراد يركب بعضها بعضا كذلك الناس يجول بعضهم في بعض إذا بعثوا < < القارعة : ( 5 ) وتكون الجبال كالعهن . . . . . > > < > ( 5 ) < > أي الصوف الذي ينفش باليد أي تصير هباء وتزول كما قال جل ثناؤه في موضع آخر : هباء منبثا وأهل اللغة يقولون : العهن الصوف المصبوغ وقد مضى في سورة سأل سائل < < القارعة : ( 6 ) فأما من ثقلت . . . . . > > < > ( 6 : 11 ) < > قد تقدم القول في الميزان في الأعراف والكهف والأنبياء وأن له كفة ولسانا توزن فيه الصحف المكتوب فيها الحسانات والسيئات ثم قيل : إنه ميزان واحد بيد جبريل يزن أعمال بني آدم فعبر عنه بلفظ الجمع وقيل : موازين كما قال : فلكل حادثة لها ميزان وقد ذكرناه فيما تقدم وذكرناه أيضا في كتاب التذكرة وقيل : إن الموازين الحجج والدلائل قاله عبد العزيز بن يحيى وأستشهد بقول الشاعر : قد كنت قبل لقائكم ذا مرة عندي لكل مخاصم ميزانه ومعنى عيشة راضية أي عيش مرضي يرضاه صاحبه وقيل : عيشة راضية أي فاعلة للرضا وهو اللين والإنقياد لأهلها فالفعل للعيشة لأنها أعطت الرضا من نفسها وهو اللين والإنقياد فالعيشة كلمة تجمع النعم التي في الجنة فهي فاعلة للرضا كالفرش المرفوعة وإرتفاعها مقدار مائة عام فإذا دنا منها ولي الله أتضعت حتى يستوي عليها ثم ترتفع كهيئتها ومثل الشجرة فرعها كذلك أيضا من الإرتفاع فإذا أشتهى ولي الله ثمرتها تدلت إليه حتى يتناولها ولي الله قاعدا وقائما وذلك قوله تعالى : قطوفها دانية وحيثما مشى أو ينتقل من مكان إلى مكان جرى معه نهر حيث شاء علوا وسفلا وذلك قوله تعالى : يفجرونها تفجيرا فيروى في الخبر ( إنه يشير بقضيبه فيجري من غير أخدود حيث شاء من قصوره وفي مجالسه ( فهذه الأشياء كلها عيشة قد أعطت الرضا من نفسها فهي فاعلة للرضا وهي أنذلت وأنقادت بذلا وسماخة ومعنى ( فأمه هاوية ) يعني جهنم وسماها أما لأنه يأوي إليها كما يأوي إلى أمه قاله إبن زيد ومنه قول أمية بن أبي الصلت : فالأرض معقلنا وكانت أمنا فيها مقابرنا وفيها نولد وسميت النار هاوية لأنه يهوي فيها مع بعد قعرها ويروى أن الهاوية أسم الباب الأسفل من النار وقال قتادة : معنى فأمه هاوية فمصيره إلى النار عكرمة : لأنه يهوي فيها على أم رأسه الأخفش : أمه : مستقرة والمعنى متقارب وقال الشاعر : يا عمرو لو نالتك أرماحنا كنت كمن تهوي به الهاوية والهاوية : المهواة وتقول : هوت أمه فهي هاوية أي ثاكلة قال كعب بن سعد الغنوي : هوت أمه ما يبعث الصبح غاديا وماذا يؤدي الليل حين يئوب والمهوى والمهواة : ما بين الجبلين ونحو ذلك وتهاوى القوم في المهواة : إذا سقط بعضهم في إثر بعض ( وما أدراك ماهيه ) الأصل ما هي فدخلت الهاء للسكت وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وإبن محيصن ما هي نار بغير هاء في الوصل ووقفوا بها وقد مضى في سورة الحاقة بيانه ( نار حامية ) أي شديدة الحرارة وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ناركم هذه التي يوقد إبن آدم جزء من سبعين جزءا من حر جهنم ( قالوا : والله إن كانت لكافية يا رسول الله قال ( فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرها ( وروي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال : إنما ثقل ميزان من ثقل ميزانه لأنه وضع فيه الحق وحق لميزان يكون فيه الحق أن يكون ثقيلا وإنما خف ميزان من خف ميزانه لأنه وضع فيه الباطل وحق لميزان يكون فيه الباطل أن يكون خفيفا وفي الخبر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أن الموتى يسألون الرجل يأتيهم عن رجل مات قبله فيقول ذلك مات قبلي أما مر بكم فيقولون لا والله فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب به إلى أمه الهاوية فبئست الأم وبئست المربية ( وقد ذكرناه بكماله في كتاب التذكرة والحمد لله <

Sección V20/P167

> تفسير سورة التكاثر < > وهي مكية في قول جميع المفسرين وروى البخاري أنها مدنية وهي ثماني آيات بسم الله الرحمن الرحيم < < التكاثر : ( 1 ) ألهاكم التكاثر > > < > ( التكاثر 1 : 2 ) <

Sección V20/P167–V20/P171

> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ألهاكم التكاثر ) ألهاكم شغلكم قال : فألهيتها عن ذي تمائم مغيل أي شغلكم المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة الله حتى متم ودفنتم في المقابر وقيل ألهاكم : أنساكم التكاثر أي من الأموال والأولاد قاله إبن عباس والحسن وقال قتادة : أي التفاخر بالقبائل والعشائر وقال الضحاك : أي ألهاكم التشاغل بالمعاش والتجارة يقال : لهيت عن كذا ( بالكسر ) ألهي لهيا ولهيانا : إذا سلوت عنه وتركت ذكره وأضربت عنه وألهاه : أي شغله ولهاه به تلهية أي علله والتكاثر : المكاثرة قال مقاتل وقتادة وغيرهما : نزلت في اليهود حين قالوا : نحن أكثر من بني فلان وبنو فلان أكثر من بني فلان ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالا وقال إبن زيد : نزلت في فخذ من الأنصار وقال إبن عباس ومقاتل والكلبي : نزلت في حيين من قريش : بني عبد مناف وبني سهم تعادوا وتكاثروا بالسادة والأشراف في الإسلام فقال كل حي منهم نحن أكثر سيدا وأعز عزيزا وأعظم نفرا وأكثر عائذا فكثر بنو عبد مناف سهما ثم تكاثروا بالأموات فكثرتهم سهم فنزلت ألهاكم التكاثر بأحيائكم فلم ترضوا ( حتى زرتم المقابر ) مفتخرين بالأموات وروى سعيد عن قتادة قال : كانوا يقولون نحن أكثر من بني فلان ونحن أعد من بني فلان وهم كل يوم يتساقطون إلى آخرهم والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم وعن عمرو بن دينار : حلف أن هذه السورة نزلت في التجار وعن شيبان عن قتادة قال : نزلت في أهل الكتاب قلت : الآية تعم جميع ما ذكر وغيره وفي صحيح مسلم عن مطرف عن أبيه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ الهاكم التكاثر قال : ( يقول إبن آدم : مالي مالي وهل لك يا بن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس ( وروى البخاري عن إبن شهاب : أخبرني أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لو أن لإبن آدم واديا من ذهب لأحب أن يكون له واديان ولن يملأ فاه إلا التراب ويتوب الله على من تاب ( قال ثابت عن أنس عن أبي : كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت ألهاكم التكاثر قال إبن العربي : وهذا نص صحيح مليح غاب عن أهل التفسير فجهلوا وجهلوا والحمد لله على المعرفة وقال إبن عباس : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ألهاكم التكاثر قال : ( تكاثر الأموال : جمعها من غير حقها ومنعها من حقها وشدها في الأوعية ( الثانية قوله تعالى : ( حتى زرتم المقابر ) أي حتى أتاكم الموت فصرتم في المقابر زوارا ترجعون منها كرجوع الزائر إلى منزله من جنة أو نار يقال لمن مات : قد زار قبره وقيل : أي ألهاكم التكاثر حتى عددتم الأموات على ما تقدم وقيل : هذا وعيد أي أشتغلتم بمفاخرة الدنيا حتى تزوروا القبور فتروا ما ينزل بكم من عذاب الله عز وجل الثالث ة قوله تعالى : ( المقابر ) جمع مقبرة ومقبرة ( بفتح الباء وضمها ) والقبور : جمع القبر قال أرى أهل القصور إذا أميتوا بنوا فوق المقابر بالصخور أبوا إلا مباهاة وفخرا على الفقراء حتى في القبور وقد جاء في الشعر ( المقبر ) قال : لكل أناس مقبر بفنائهم فهم ينقصون والقبور تزيد وهو المقبري والمقبري : لأبي سعيد المقبري وكان يسكن المقابر وقبرت الميت أقبره وأقبره قبرا أي دفنته وأقبرته أي أمرت بأن يقبر وقد مضى في سورة عبس القول فيه والحمد لله الرابعة لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة وزيارتها من أعظم الدواء للقلب القاسي لأنها تذكر الموت والآخرة وذلك يحمل على قصر الأمل والزهد في الدنيا وترك الرغبة فيها قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروا القبور فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة ( رواه إبن مسعود أخرجه إبن ماجه وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة : ( فإنها تذكر الموت ( وفي الترمذي عن بريدة : ( فإنها تذكر الآخرة ( قال : هذا حديث حسن صحيح وفيه عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زوارات القبور قال : وفي الباب عن إبن عباس وحسان بن ثابت قال أبو عيسى : وهذا حديث حسن صحيح وقد راى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء وقال بعضهم : إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن قلت : زيارة القبور للرجال متفق عليه عند العلماء مختلف فيه للنساء أما الشواب فحرام عليهن الخروج وأما القواعد فمباح لهن ذلك وجائز لجميعهن ذلك إذا إنفردن بالخروج عن الرجال ولا يختلف في هذا إن شاء الله وعلى هذا المعنى يكون قوله : ( زوروا القبور ( عاما وأما موضع أو وقت يخشى فيه الفتنة من إجتماع الرجال والنساء فلا يحل ولا يجوز فبينا الرجل يخرج ليعتبر فيقع بصره على أمرأة فيفتتن وبالعكس فيرجع كل واحد من الرجال والنساء مأزورا غير مأجور والله أعلم الخامسة قال العلماء : ينبغي لمن أراد علاج قلبه وإنقياده بسلاسل القهر إلى طاعة ربه أن يكثر من ذكر هاذم اللذات ومفرق الجماعات وموتم البنين والبنات ويواظب على مشاهدة المحتضرين وزيارة قبور أموات المسلمين فهذه ثلاثة أمور ينبغي لمن قسا قلبه ولزمه ذنبه أن يستعين بها على دواء دائه ويستصرخ بها على فتن الشيطان وأعوانه فإن إنتفع بالإكثار من ذكر الموت وأنجلت به قساوة قلبه فذاك وإن عظم عليه ران قلبه وأستحكمت فيه دواعي الذنب فإن مشاهدة المحتضرين وزيارة قبور أموات المسلمين تبلغ في دفع ذلك ما لا يبلغه الأول لأن ذكر الموت إخبار للقلب بما إليه المصير وقائم له مقام التخويف والتحذير وفي مشاهدة من أحتضر وزيارة قبر من مات من المسلمين معاينة ومشاهدة فلذلك كان أبلغ من الأول قال صلى الله عليه وسلم : ( ليس الخبر كالمعاينة ( رواه إبن عباس فأما الإعتبار بحال المحتضرين فغير ممكن في كل الأوقات وقد لا يتفق لمن أراد علاج قلبه في ساعة من الساعات وأما زيارة القبور فوجودها أسرع والإنتفاع بها أليق وأجدر فينبغي لمن عزم على الزيارة أن يتأدب بآدابها ويحضر قلبه في إتيانها ولا يكون حظه منها التطواف على الأجداث فقط فإن هذه حاله تشاركه فيها بهيمة ونعوذ بالله من ذلك بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى وإصلاح فساد قلبه أو نفع الميت بما يتلو عنده من القرآن والدعاء ويتجنب المشي على المقابر والجلوس عليها ويسلم إذا دخل المقابر وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضا وأتاه من تلقاء وجهه لأنه في زيارته كمخاطبته حيا ولو خاطبه حيا لكان الأدب إستقباله بوجهه فكذلك ها هنا ثم يعتبر بمن صار تحت التراب وأنقطع عن الأهل والأحباب بعد أن قاد الجيوش والعساكر ونافس الأصحاب والعشائر وجمع الأموال والذخائر فجاءه الموت في وقت لم يحتسبه وهول لم يرتقبه فليتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه ودرج من أقرانه الذين بلغوا الآمال وجمعوا الأموال كيف إنقطعت آمالهم ولم تغن عنهم أموالهم ومحا التراب محاسن وجوههم وأفترقت في القبور أجزاؤهم وترمل من بعدهم نساؤهم وشمل ذل اليتم أولادهم وأقتسم غيرهم طريفهم وتلادهم وليتذكر ترددهم في المآرب وحرصهم على نيل المطالب وإنخداعهم لمواتاة الأسباب وركونهم إلى الصحة والشباب وليعلم أن ميله إلى اللهو واللعب كميلهم وغفلته عما بين يديه من الموت الفظيع والهلاك السريع كغفلتهم وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم وليحضر بقلبه ذكر من كان مترددا في أغراضه وكيف تهدمت رجلاه وكان يتلذذ بالنظر إلى ما خوله وقد سالت عيناه ويصول ببلاغة نطقه وقد أكل الدود لسانه ويضحك لمواتاة دهره وقد أبلى التراب أسنانه وليتحقق أن حاله كحاله ومآله كمآله وعند هذا التذكر والإعتبار تزول عنه جميع الأغيار الدنيوية ويقبل على الأعمال الأخروية فيزهد في دنياه ويقبل على طاعة مولاه ويلين قلبه وتخشع جوارحه < <

Sección V20/P171–V20/P173

التكاثر : ( 3 ) كلا سوف تعلمون > > < > ( التكاثر 3 : 4 ) < > قوله تعالى : ( كلا ) قال الفراء : أي ليس الأمر على ما أنتم عليه من التفاخر والتكاثر والتمام على هذا ( كلا سوف تعلمون ) أي سوف تعلمون عاقبة هذا ( ثم كلا سوف تعلمون ) : وعيد بعد وعيد قاله مجاهد ويحتمل أن يكون تكراره على وجه التأكيد والتغليظ وهو قول الفراء وقال إبن عباس : كلا سوف تعلمون ما ينزل بكم من العذاب في القبر ثم كلا سوف تعلمون في الآخرة إذا حل بكم العذاب فالأول في القبر والثاني في الآخرة فالتكرار للحالتين وقيل : كلا سوف تعلمون عند المعاينة أن ما دعوتكم إليه حق ثم كلا سوف تعلمون : عند البعث أن ما وعدتكم به صدق وروى زر بن حبيش عن علي رضي الله عنه قاله : كنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت هذه السورة فأشار إلى أن قوله : كلا سوف تعلمون يعني في القبور وقيل : كلا سوف تعلمون : إذا نزل بكم الموت وجاءتكم رسل لتنزع أرواحكم ( ثم كلا سوف تعلمون ) : إذا دخلتم قبوركم وجاءكم منكر ونكير وحاط بكم هول السؤال وأنقطع منكم الجواب قلت : فتضمنت السورة القول في عذاب القبر وقد ذكرنا في كتاب التذكرة أن الإيمان به واجب والتصديق به لازم حسبما أخبر به الصادق وأن الله تعالى يحيى العبد المكلف في قبره برد الحياة إليه ويجعل له من العقل في مثل الوصف الذي عاش عليه ليعقل ما يسأل عنه وما يجيب به ويفهم ما أتاه من ربه وما أعد له في قبره من كرامة وهوان وهذا هو مذهب أهل السنة والذي عليه الجماعة من أهل الملة وقد ذكرناه هناك مستوفي والحمد لله وقيل : كلا سوف تعلمون عند النشور أنكم مبعوثون ثم كلا سوف تعلمون في القيامة أنكم معذبون وعلى هذا تضمنت أحوال القيامة من بعث وحشر وسؤال وعرض إلى غير ذلك من أهوالها وأفزاعها حسب ما ذكرناه في كتاب التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة وقال الضحاك : كلا سوف تعلمون يعني الكفار ثم كلا سوف تعلمون : قال المؤمنون وكذلك كان يقرؤها الأولى بالتاء والثانية بالياء < < التكاثر : ( 5 ) كلا لو تعلمون . . . . . > > < > ( التكاثر 5 ) < > قوله تعالى : ( كلا لو تعلمون علم اليقين ) أعاد كلا وهو زجر وتنبيه لأنه عقب كل واحد بشيء آخر كأنه قال : لا تفعلوا فإنكم تندمون لا تفعلوا فإنكم تستوجبون العقاب وإضافة العلم إلى اليقين كقوله تعالى : إن هذا لهو حق اليقين وقيل : اليقين ها هنا : الموت قاله قتادة وعنه أيضا : البعث لأنه إذا جاء زال الشك أي لو تعلمون علم البعث وجواب لو محذوف أي لو تعلمون اليوم من البعث ما تعلمونه إذا جاءتكم نفخة الصور وأنشقت اللحود عن جثثكم كيف يكون حشركم لشغلكم ذلك عن التكاثر بالدنيا وقيل : كلا لو تعلمون علم اليقين أي لو قد تطايرت الصحف فشقي وسعيد وقيل : إن كلا في هذه المواضع الثلاثة بمعنى ألا قاله إبن أبي حاتم وقال الفراء : هي بمعنى حقا وقد تقدم الكلام فيها مستوفي < < التكاثر : ( 6 ) لترون الجحيم > > < > ( التكاثر 6 : 7 ) <

Sección V20/P173

> قوله تعالى : ( لترون الجحيم ) هذا وعيد آخر وهو على إضمار القسم أي لترون الجحيم في الآخرة والخطاب للكفار الذين وجبت لهم النار وقيل : هو عام كما قال : وإن منكم إلا واردها فهيء للكفار دار وللمؤمنين ممر وفي الصحيح : ( فيمر أولهم كالبرق ثم كالريح ثم كالطير ( الحديث وقد مضى في سورة مريم وقرأ الكسائي وإبن عامر لترون بضم التاء من أريته الشيء أي تحشرون إليها فترونها وعلى فتح التاء هي قراءة الجماعة أي لترون الجحيم بأبصاركم على البعد ( ثم لترونها عين اليقين ) أي مشاهدة وقيل : هو إخبار عن دوام مقامهم في النار أي هي رؤية دائمة متصلة والخطاب على هذا للكفار وقيل : معنى لو تعلمون علم اليقين أي لو تعلمون اليوم في الدنيا علم اليقين فيما أمامكم مما وصفت : لترون الجحيم بعيون قلوبكم فإن علم اليقين يريك الجحيم بعين فؤادك وهو أن تتصور لك تارات القيامة وقطع مسافاتها ثم لترونها عين اليقين : أي عند المعاينة بعين الرأس فتراها يقينا لا تغيب عن عينك ثم لتسألن يومئذ عن النعيم : في موقف السؤال والعرض < < التكاثر : ( 8 ) ثم لتسألن يومئذ . . . . . > > < > ( التكاثر 8 ) <

Sección V20/P173–V20/P177

> قوله تعالى : ( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ) روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر فقال : ( ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة ( قالا : الجوع يا رسول الله قال : ( وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما قوما ( فقاما معه فأتى رجلا من الأنصار فإذا هو ليس في بيته فلما رأته المرأة قالت : مرحبا وأهلا فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أين فلان ( قالت : يستعذب لنا من الماء إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ثم قال : الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني قال : فأنطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب فقال : كلوا من هذه وأخذ المدية فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إياك والحلوب ( فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر : ( والذي نفسي بيده لتسألن عن نعيم هذا اليوم يوم القيامة أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم ( خرجه الترمذي وقال فيه : ( هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة : ظل بارد ورطب طيب وماء بارد ( وكنى الرجل الذي من الأنصار فقال : أبو الهيثم بن التيهان وذكر قصته قلت : أسم هذا الرجل الأنصاري مالك بن التيهان ويكنى أبا الهيثم وفي هذه القصة يقول عبد الله بن رواحة يمدح بها أبا الهيثم بن التيهان : فلم أر كالإسلام عزا لأمة ولا مثل أضياف إلاراشي معشرا نبي وصديق وفاروق أمة وخير بني حواء فرعا وعنصرا فوافوا لميقات وقدر قضية وكان قضاء الله قدرا مقدرا إلى رجل نجد يباري بجوده شموس الضحى جودا ومجدا ومفخرا وفارس خلق الله في كل غارة إذا لبس القوم الحديد المسمرا ففدى وحيا ثم أدنى قراهم فلم يقرهم إلا سمينا متمرا وقد ذكر أبو نعم الحافظ عن أبي عسيب مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا فخرجت إليه ثم مر بأبي بكر فدعاه فخرج إليه ثم مر بعمر فدعاه فخرج إليه فأنطلق حتى دخل حائطا لبعض الأنصار فقال لصاحب الحائط : ( أطعمنا بسرا ( فجاء بعذق فوضعه فأكلوا ثم دعا بماء فشرب فقال : ( لتسألن عن هذا يوم القيامة ( قال : وأخذ عمر العذق فضرب به الأرض حتى تناثر البسر نحو وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا رسول الله إنا لمسئولون عن هذا يوم القيامة قال : ( نعم إلا من ثلاث : كسرة يسد بها جوعته أؤ ثوب يستر به عورته أو جحر يأوي فيه من الحر والقر ( وأختلف أهل التأويل في النعيم المسئول عنه على عشرة أقوال : أحدها : الأمن والصحة قاله إبن مسعود الثاني الصحة والفراغ قاله سعيد بن جبير وفي البخاري عنه عليه السلام : ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ ( الثالث الإدراك بحواس السمع والبصر قاله إبن عباس وفي التنزيل : إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا وفي الصحيح عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول له : ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا وولدا ( الحديث خرجه الترمذي وقال فيه : حديث حسن صحيح الرابع ملاذ المأكول والمشروب قاله جابر بن عبد الله الأنصاري وحديث أبي هريرة يدل عليه الخامس أنه الغداء والعشاء قاله الحسن السادس قول مكحول الشامي : أنه شبع البطون وبارد الشراب وظلال المساكن وإعتدال الخلق ولذة النوم ورواه زيد بن أسلم عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لتسألن يومئذ عن النعيم : يعني عن شبع البطون ( فذكره ذكره الماوردي وقال : وهذا السؤال يعم الكافر والمؤمن إلا أن سؤال المؤمن تبشير بأن يجمع له بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة وسؤال الكافر تقريع أن قابل نعيم الدنيا بالكفر والمعصية وقال قوم : هذا السؤال عن كل نعمة إنما يكون في حق الكفار فقد روي أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية قال : يا رسول الله أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعير ولحم وبسر قد ذنب وماء عذب أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه فقال عليه السلام : ( ذلك للكفار ثم قرأ : وهل يجازي إلا الكفور ( ذكره القشيري أبو نصر وقال الحسن : لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار وقال القشيري : والجمع بين الأخبار : أن الكل يسألون ولكن سؤال الكفار توبيخ لأنه قد ترك الشكر وسؤال المؤمن سؤال تشريف لأنه شكر وهذا النعيم في كل نعمة قلت : هذا القول حسن لأن اللفظ يعم وقد ذكر الفريابي قال : حدثنا ورقاء عن إبن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى : ثم لتسألن يومئذ عن النعيم قال : كل شيء من لذة الدنيا وروى أبو الأحوص عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن الله تعالى ليعدد نعمه على العبد يوم القيامة حتى يعد عليه : سألتني فلانة أن أزوجكها فيسميها بإسمها فزوجتكها ( وفي الترمذي عن أبي هريرة قال : لما نزلت هذه الآية : ثم لتسألن يومئذ عن النعيم قال الناس : يا رسول الله عن أي النعيم نسأل فإنما هما الأسودان والعدو حاضر وسيوفنا على عواتقنا قال : ( إن ذلك سيكون ( وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أول ما يسأل عنه يوم القيامة يعني العبد أن يقال له : ألم نصح لك جسمك ونرويك من الماء البارد ( قال : حديث إبن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا كان يوم القيامة دعا الله بعبد من عباده فيوقفه بين يديه فيسأله عن جاهه كما يسأله عن ماله ( والجاه من نعيم الدنيا لا محالة وقال مالك رحمه الله : إنه صحة البدن وطيب النفس وهو القول السابع وقيل : النوم مع الأمن والعافية وقال سفيان بن عيينة : إن ما سد الجوع وستر العورة من خشن الطعام واللباس لا يسأل عنه المرء يوم القيامة وإنما يسأل عن النعيم قال : والدليل عليه أن الله تعالى أسكن آدم الجنة فقال له : إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى فكانت هذه الأشياء الأربعة ما يسد به الجوع وما يدفع به العطش وما يستكن فيه من الحر ويستر به عورته لآدم عليه السلام بالإطلاق لا حساب عليه فيها لأنه لا بد له منها قلت : ونحو هذا ذكره القشيري أبو نصر قال : إن مما لا يسأل عنه العبد لباسا يواري سوأته وطعاما يقيم صلبه ومكانا يكنه من الحر والبرد قلت : وهذا منتزع من قوله عليه السلام : ( ليس لإبن آدم حق في سوى هذه الخصال : بيت يسكنه وثوب يواري عورته وجلف الخبز والماء ( خرجه الترمذي وقال النضر بن شميل : جلف الخبز : ليس معه إدام وقال محمد بن كعب : النعيم : هو ما أنعم الله علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم وفي التنزيل : لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم وقال الحسن أيضا والمفضل : هو تخفيف الشرائع وتيسير القرآن قال الله تعالى : وما جعل عليكم في الدين من حرج وقال تعالى : ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر قلت : وكل هذه نعم فيسأل العبد عنها : هل شكر ذلك أم كفر والأقوال المتقدمة أظهر والله أعلم <

Sección V20/P177–V20/P179

> تفسير سورة والعصر < > وهي مكية وقال قتادة مدنية وروي عن إبن عباس وهي ثلاث آيات بسم الله الرحمن الرحيم < < العصر : ( 1 ) والعصر > > < > ( العصر 1 ) < > فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( والعصر ) أي الدهر قاله إبن عباس وغيره فالعصر مثل الدهر ومنه قول الشاعر : سبيل الهوى وعر وبحر الهوى غمر ويوم الهوى شهر وشهر الهوى دهر أي عصر أقسم الله به عز وجل لما فيه من التنبيه بتصرف الأحوال وتبدلها وما فيها من الدلالة على الصانع وقيل : العصر : الليل والنهار قال حميد بن ثور : ولن يلبث العصران : يوم وليلة إذا طلبا أن يدركا ما تيمما والعصران أيضا : الغداة والعشي قال : وأمطله العصرين حتى يملني ويرضى بنصف الدين والأنف راغم يقول : إذا جاءني أول النهار وعدته آخره وقيل : إنه العشي وهو ما بين زوال الشمس وغروبها قاله الحسن وقتادة ومنه قول الشاعر : تروح بنا ياعمرو قد قصر العصر وفي الروحة الأولى الغنيمة والأجر وعن قتادة أيضا : هو آخر ساعة من ساعات النهار وقيل : هو قسم بصلاة العصر وهي الوسطى لأنها أفضل الصلوات قاله مقاتل يقال : أذن للعصر أي لصلاة العصر وصليت العصر أي صلاة العصر وفي الخبر الصحيح ( الصلاة الوسطى : صلاة العصر ( وقد مضى في سورة البقرة بيانه وقيل : هو قسم بعصر النبي صلى الله عليه وسلم لفضله بتجديد النبوة فيه وقيل : معناه ورب العصر الثانية قال مالك : من حلف ألا يكلم رجلا عصرا : لم يكلمه سنة قال إبن العربي : إنما حمل مالك يمين الحالف ألا يكلم أمرأ عصرا على السنة لأنه أكثر ما قيل فيه وذلك على أصله في تغليظ المعنى في الإيمان وقال الشافعي : يبر بساعة إلا أن تكون له نية وبه اقول إلا أن يكون الحالف عربيا فيقال له : ما أردت فإذا فسره بما يحتمله قبل منه إلا أن يكون الأقل ويجيء على مذهب مالك أن يحمل على ما يفسر والله أعلم < < العصر : ( 2 ) إن الإنسان لفي . . . . . > > < > ( 2 ) < > هذا جواب القسم والمراد به الكافر قاله إبن عباس في رواية أبي صالح وروى الضحاك عنه قال : يريد جماعة من المشركين : الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود إبن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى والأسود بن عبد يغوث وقيل : يعني بالإنسان جنس الناس ( لفي خسر ) : لفي غبن وقال الأخفش : هلكة الفراء : عقوبة ومنه قوله تعالى : وكان عاقبة أمرها خسرا إبن ريد : لفي شر وقيل : لفي نقص المعنى متقارب وروي عن سلام والعصر بكسر الصاد وقرأ الأعرج وطلحة وعيسى الثقفي خسر بضم السين وروى ذلك هارون عن أبي بكر عن عاصم والوجه فيهما الإتباع ويقال : خسر وخسر مثل عسر وعسر وكان علي يقرؤها والعصر ونوائب الدهر إن الإنسان لفي خسر وإنه فيه إلى آخر الدهر وقال إبراهيم : إن الإنسان إذا عمر في الدنيا وهرم لفي نقص وضعف وتراجع إلا المؤمنين فإنهم تكتب لهم أجورهم التي كانوا يعملونها في حال شبابهم نظيره قوله تعالى : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين قال : وقراءتنا والعصر إن الإنسان لفي خسر وإنه في آخر الدهر والصحيح ما عليه الأمة والمصاحف وقد مضى الرد في مقدمة الكتاب على من خالف مصحف عثمان وأن ذلك ليس بقرآن يتلى فتأمله هناك < < العصر : ( 3 ) إلا الذين آمنوا . . . . . > > < > ( العصر 3 ) <

Sección V20/P179–V20/P182

> قوله تعالى : ( إلا الذين آمنوا ) إستثناء من الإنسان إذ هو بمعنى الناس على الصحيح قوله تعالى : ( وعملوا الصالحات ) أي أدوا الفرائض المفترضة عليهم وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبي بن كعب : قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم والعصر ثم قلت : ما تفسيرها يا نبي الله قال : ( والعصر قسم من الله أقسم ربكم بآخر النهار : إن الإنسان لفي خسر : أبو جهل إلا الذين آمنوا : أبو بكر وعملوا الصالحات عمر وتواصوا بالحق عثمان وتواصوا بالصبر علي ( رضي الله عنهم أجمعين وهكذا خطب إبن عباس على المنبر موقوفا عليه ومعنى ( وتواصوا ) أي تحابوا أوصى بعضهم بعضا وحث بعضهم بعضا ( بالحق ) اي بالتوحيد كذا روى الضحاك عن إبن عباس قال قتادة : بالحق اي القرآن وقال السدي : الحق هنا هو الله عزوجل ( وتواصوا بالصبر ) على طاعة الله عز وجل والصبر عن معاصيه وقد تقدم والله أعلم < > تفسير سورة الهمزة < > مكية بإجماع وهي تسع آيات بسم الله الرحمن الرحيم < < الهمزة : ( 1 ) ويل لكل همزة . . . . . > > < > ( الهمزه 1 ) < > قد تقدم القول في الويل في غير موضع ومعناه الخزي والعذاب والهلكة وقيل : واد في جهنم ( لكل همزة لمزة ) قال إبن عباس : هم المشاءون بالنميمة المفسدون بين الأحبة الباغون للبرآء العيب فعلى هذا هما بمعنى وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( شرار عباد الله تعالى المشاءون بالنميمة المفسدون بين الأحبة الباغون للبرآء العيب ( وعن إبن عباس أن الهمزة : القتات واللمزة : العياب وقال أبو العالية والحسن ومجاهد وعطاء بن أبي رباح : الهمزة : الذي يغتاب ويطعن في وجه الرجل واللمزة : الذي يغتابه من خلفه إذا غاب ومنه قول حسان : همزتك فأختضعت بذل نفس بقافية تأجج كالشواظ وأختار هذا القول النحاس قال : ومنه قوله تعالى ومنهم من يلمزك في الصدقات وقال مقاتل ضد هذا الكلام : إن الهمزة : الذي يغتاب بالغيبة واللمزة : الذي يغتاب في الوجه وقال قتادة ومجاهد : الهمزة : الطعان في الناس واللمزة : الطعان في أنسابهم وقال إبن زيد : الهامز : الذي يهمز الناس بيده ويضربهم واللمزة : الذي يلمزهم بلسانه ويعيبهم وقال سفيان الثوري : يهمز بلسانه ويلمز بعينيه وقال إبن كيسان : الهمزة الذي يؤذي جلساءه بسوء اللفظ واللمزة : الذي يكسر عينه على جليسه ويشير بعينه ورأسه وبحاجبيه وقال مرة : هما سواء وهو القتات الطعان للمرء إذا غاب وقال زياد الأعجم : تدلي بودي إذا لاقيتني كذبا وإن أغيب فأنت الهامز اللمزة وقال آخر : إذا لقيتك عن سخط تكاشرني وإن تغيبت كنت الهامز اللمزة الشحط : البعد والهمزة : أسم وضع للمبالغة في هذا المعنى كما يقال : سخرة وضحكة : للذي يسخر ويضحك بالناس وقرأ أبو جعفر محمد بن علي والأعرج همزة لمزة بسكون الميم فيهما فإن صح ذلك عنهما فهي في معنى المفعول وهو الذي يتعرض للناس حتى يهمزوه ويضحكوا منه ويحملهم على الأغتياب وقرأ عبد الله بن مسعود وأبو وائل والنخعي والأعمش : ويل للهمزة اللمزة وأصل الهمز : الكسر والعض على الشيء بعنف ومنه همز الحرف ويقال : همزت رأسه وهمزت الجوز بكفي كسرته وقيل لأعرابي : أتهمزون ( الفارة ) فقال : إنما تهمزها الهرة الذي في الصحاح : وقيل لأعرابي أتهمز الفارة فقال السنور يهمزها والأول قاله الثعلبي وهو يدل على أن الهر يسمى الهمزة قال العجاج : ومن همزنا رأسه تهشما وقيل : أصل الهمز واللمز : الدفع والضرب لمزه يلمزه لمزا : إذا ضربه ودفعه وكذلك همزه : أي دفعه وضربه قال الراجز : ومن همزنا عزه تبركعا على أسته زوبعة أو زوبعا البركعة : القيام على أربع وبركعة فتبركع أي صرعه فوقع على استه قاله في الصحاح والآية نزلت في الأخنس بن شريق فيما روى الضحاك عن إبن عباس وكان يلمز الناس ويعيبهم مقبلين ومدبرين وقال إبن جريج : في الوليد بن المغيرة وكان يغتاب النبي صلى الله عليه وسلم من ورائه ويقدح فيه في وجهه وقيل : نزلت في أبي بن خلف وقيل : في جميل إبن عامر الثقفي وقيل : إنها مرسلة على العموم من غير تخصيص وهو قول الأكثرين قال مجاهد : ليست بخاصة لأحد بل لكل من كانت هذه صفته وقال الفراء : يجوز أن يذكر الشيء العام ويقصد به الخاص قصد الواحد إذا قال : لا أزورك ابدا فتقول : من لم يزرني فلست بزائره يعني ذلك القائل < <

Sección V20/P182–V20/P184

الهمزة : ( 2 ) الذي جمع مالا . . . . . > > < > ( 2 ) < > أي أعده زعم لنوائب الدهر مثل كرم وأكرم وقيل : أحصى عدده قاله السدي وقال الضحاك : أي أعد ماله لمن يرثه من أولاده وقيل : أي فاخر بعدده وكثرته والمقصود الذم على إمساك المال عن سبيل الطاعة كما قال : مناع للخير وقال : وجمع فأوعى وقراءة الجماعة جمع مخفف الميم وشددها إبن عامر وحمزة والكسائي علي التكثير وأختاره أبو عبيد لقوله : وعدده وقرأ الحسن ونصر بن عاصم وأبو العالية جمع مخففا وعدده مخففا أيضا فأظهروا التضعيف لأن أصله عده وهو بعيد لأنه وقع في المصحف بدالين وقد جاء مثله في الشعر لما أبرزوا التضعيف خففوه قال : مهلا أمامة قد جربت من خلقي إني أجود لأقوام وإن ضننوا أراد : ضنوا وبخلوا فأظهر التضعيف لكن الشعر موضع ضرورة قال المهدوي : من خفف وعدده فهو معطوف على المال أي وجمع عدده فلا يكون فعلا على إظهار التضعيف لأن ذلك لا يستعمل إلا في الشعر < < الهمزة : ( 3 ) يحسب أن ماله . . . . . > > < > ( الهمزه 3 : 7 ) < > قوله تعالى : ( يحسب ) أي يظن ( أن ماله أخلده ) أي يبقيه حيا لا يموت قاله السدي وقال عكرمة : أي يزيد في عمره وقيل : أحياه فيما مضى وهو ماض بمعنى المستقبل يقال : هلك والله فلان ودخل النار أي يدخل ( كلا ) رد لما توهمه الكافر أي لا يخلد ولا يبقى له مال وقد مضى القول في كلا مستوفي وقال عمر بن عبد الله مولى غفرة : إذا سمعت الله عز وجل يقول كلا فإنه يقول كذبت ( لينبذن ) أي ليطرحن وليلقين وقرأ الحسن ومحمد بن كعب ونصر بن عاصم ومجاهد وحميد وإبن محيصن : لينبذان بالتثنية أي هو وماله وعن الحسن أيضا لينبذنه على معنى لينبذن ماله وعنه أيضا بالنون لننبذنه على إخبار الله تعالى عن نفسه وأنه ينبذ صاحب المال وعنه أيضا لينبذن بضم الذال على أن المراد الهمزة واللمزة والمال وجامعه ( في الحطمة ) وهي نار الله سميت بذلك لأنها تكسر كل ما يلقى فيها وتحطمه وتهشمه قال الراجز : إنا حطمنا بالقضيب مصعبا يوم كسرنا أنفه ليغضبا وهي الطبقة السادسة من طبقات جهنم حكاه الماوردي عن الكلبي وحكى القشيري عنه : الحطمة الدركة الثانية من درك النار وقال الضحاك : وهي الدرك الرابع إبن زيد : أسم من أسماء جهنم ( وما أدراك ما الحطمة ) على التعظيم لشأنها والتفخيم لأمرها ثم فسرها ما هي فقال : ( نار الله الموقدة ) أي التي أوقد عليها ألف عام وألف عام وألف عام فهي غير خامدة أعدها الله للعصاة ( التي تطلع على الأفئدة ) قال محمد بن كعب : تأكل النار جميع ما في أجسادهم حتى إذا بلغت إلى الفؤاد خلقوا خلقا جديدا فرجعت تأكلهم وكذا روى خالد بن أبي عمران عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أن النار تأكل أهلها حتى إذا أطلعت على أفئدتهم إنتهت ثم إذا صدروا تعود فذلك قوله تعالى : نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة ( وخص الأفئدة لأن الألم إذا صار إلى الفؤاد مات صاحبه أي إنه في حال من يموت وهم لا يموتون كما قال الله تعالى : لا يموت فيها ولا يحيا فهم إذا أحياء في معنى الأموات وقيل : معنى تطلع على الأفئدة أي تعلم مقدار ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب وذلك بما أستبقاه الله تعالى من الأمارة الدالة عليه ويقال : اطلع فلان على كذا : اي علمه وقد قال الله تعالى : تدعوا من أدبر وتولى وقال تعالى : إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا فوصفها بهذا فلا يبعد أن توصف بالعلم < <

Sección V20/P184–V20/P186

الهمزة : ( 8 ) إنها عليهم مؤصدة > > < > ( 8 : 9 ) < > أي مطبقة قاله الحسن والضحاك وقد تقدم في سورة البلد القول فيه وقيل : مغلقة بلغة قريش يقولون : آصدت الباب : إذا أغلقته قاله مجاهد ومنه قول عبيد الله إبن قيس الرقيات : إن في القصر لو دخلنا غزالا مصفقا موصدا عليه الحجاب ( في عمد ممددة ) الفاءبمعنى الباء أي موصدة بعمد ممددة قاله إبن مسعود وهي في قراءته بعمد ممددة وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( ثم إن الله يبعث إليهم ملائكة بأطباق من نار ومسامير من نار وعمد من نار فتطبق عليهم بتلك الأطباق وتشد عليهم بتلك المسامير وتمد بتلك العمد فلا يبقى فيها خلل يدخل فيه روح ولا يخرج منه غم وينساهم الرحمن على عرشه ويتشاغل أهل الجنة بنعيمهم ولا يستغيثون بعدها أبدا وينقطع الكلام فيكون كلامهم زفيرا وشهيقا فذلك قوله تعالى إنها عليهم مؤصدة في عمد ممددة ( وقال قتادة : عمد يعذبون بها وأختاره الطبري وقال إبن عباس : إن العمد الممددة أغلال في أعناقهم وقيل : قيود في أرجلهم قاله أبو صالح وقال القشيري : والمعظم على أن العمد أوتاد الأطباق التي تطبق على أهل النار وتشد تلك الأطباق بالأوتاد حتى يرجع عليهم غمها وحرها فلا يدخل عليهم روح وقيل : أبواب النار مطبقة عليهم وهم في عمد اي في سلاسل وأغلال مطولة وهي أحكم وأرسخ من القصيرة وقيل : هم في عمد ممددة أي في عذابها وآلامها يضربون بها وقيل : المعنى في دهر ممدود أي لا إنقطاع له وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم في عمد بضم العين والميم : جمع عمود وكذلك عمد ايضا قال الفراء : والعمد والعمد : جمعان صحيحان لعمود مثل أديم وأدم وأدم وأفيق وأفق وأفق أبو عبيدة : عمد : جمع عماد مثل إهاب وأختار أبو عبيد عمد بفتحتين وكذلك أبو حاتم إعتبارا بقوله تعالى : رفع السماوات بغير عمد ترونها وأجمعوا على فتحها قال الجوهري : العمود : عمود البيت وجمع القلة : أعمدة وجمع الكثرة عمد وعمد وقرئ بهما قوله تعالى : في عمد ممددة وقال أبو عبيدة : العمود كل مستطيل من خشب أو حديد وهو أصل للبناء مثل العماد عمدت الشيء فأنعمد أي أقمته بعماد يعتمد عليه وأعمدته جعلت تحته عمدا والله أعلم < > تفسير سورة الفيل < > وهي مكية بإجماع وهي خمس آيات بسم الله الرحمن الرحيم < < الفيل : ( 1 ) ألم تر كيف . . . . . > > < > ( الفيل 1 ) <

Sección V20/P186–V20/P194

> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ألم تر ) أي ألم تخبر وقيل : ألم تعلم وقال إبن عباس : ألم تسمع واللفظ إستفهام والمعنى تقرير والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولكنه عام أي ألم تروا ما فعلت بأصحاب الفيل أي قد رأيتم ذلك وعرفتم موضع منتي عليكم فما لكم لا تؤمنون وكيف ) في موضع نصب بفعل ربك لابألم تر كيف من معنى الإستفهام الثانية قوله تعالى : ( بأصحاب الفيل ) الفيل معروف والجمع أفيال : وفيول وفيلة قال إبن السكيت : ولا تقل أفيلة والأنثى فيلة وصاحبه فيال قال سيبويه : يجوز أن يكون أصل فيل فعلا فكسر من أجل الياء كما قالوا : أبيض وبيض وقال الأخفش : هذا لا يكون في الواحد إنما يكون في الجمع ورجل فيل الرأي أي ضعيف الرأي والجمع أفيال ورجل فال أي ضعيف الرأي مخطئ الفراسة وقد فال الرأي يفيل فيولة وفيل رأيه تفييلا : أي ضعفه فهو فيل الرأي الثالثة في قصة أصحاب الفيل وذلك أن ( أبرهة ) بني القليس بصنعاء وهي كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشيء من الأرض وكان نصرانيا ثم كتب إلى النجاشي : إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشي غضب رجل من النسأة فخرج حتى أتى الكنيسة فقعد فيها أي أحدث ثم خرج فلحق بأرضه فأخبر بذلك أبرهة فقال : من صنع هذا فقيل : صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحج إليه العرب بمكة لما سمع قولك : أصرف إليها حج العرب غضب فجاء فقعد فيها أي أنها ليست لذلك بأهل فغضب عند ذلك أبرهة وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه وبعث رجلا كان عنده إلى بني كنانة يدعوهم إلى حج تلك الكنيسة فقتلت بنو كنانة ذلك الرجل فزاد أبرهة ذلك غضبا وحنقا ثم أمر الحبشة فتهيأت وتجهزت ثم سار وخرج معه بالفيل وسمعت بذلك العرب فأعظموه وفظعوا به ورأوا جهاده حقا عليهم حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله الحرام وما يريد من هدمه وإخرابه فأجابه من أجابه إلى ذلك ثم عرض له فقاتله فهزم ذو نفر وأصحابه وأخذ له ذو نفر فأتي به أسيرا فلما أراد قتله قال له ذو نفر : أيها الملك لا تقتلني فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيرا لك من قتلي فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاق وكان أبرهة رجلا حليما ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل إبن حبيب الخثعمي في قبيلتي خثعم : شهران وناهس ومن تبعه من قبائل العرب فقاتله فهزمه أبرهة وأخذ له نفيل أسيرا فأتي به فلما هم بقتله قال له نفيل : أيها الملك لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب وهاتان يداي لك على قبيلتي خثعم : شهران وناهس بالسمع والطاعة فخلى سبيله وخرج به معه يدله حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب في رجال من ثقيف فقالوا له : أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون ليس عندنا لك خلاف وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد يعنون اللات إنما تريد البيت الذي بمكة نحن نبعث معك من يدلك عليه فتجاوز عنهم وبعثوا معه أبا رغال حتى أنزله المغمس فلما أنزله به مات أبو رغال هناك فرجمت قبره العرب فهو القبر الذي يرجم الناس بالمغمس وفيه يقول الشاعر : وأرجم قبره في كل عام كرجم الناس قبر أبي رغال فلما نزل أبرهة بالمغمس بعث رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن مقصود على خيل له حتى إنتهى إلى مكة فساق إليه أموال أهل تهامة من قريش وغيرهم وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم وهو يومئذ كبير قريش وسيدها فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم بقتاله ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به فتركوا ذلك وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة وقال له : سل عن سيد هذا البلد وشريفهم ثم قل له : إن الملك يقول : إني لم آت لحربكم إنما جئت لهدم هذا البيت فإن لم تعرضوا لي بحرب فلا حاجة لي بدمائكم فإن هو لم يرد حربي فأتني به فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها فقيل له : عبد المطلب بن هاشم فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة فقال له عبد المطلب : والله ما نريد حربه وما لنا بذلك منه طاقة هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم عليه السلام أو كما قال فإن يمنعه منه فهو حرمه وبيته وإن يحل بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه فقال له حناطة : فأنطلق إليه فإنه قد أمرني أن آتيه بك فأنطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه حتى أتى العسكر فسأل عن ذي نفر وكان صديقا له حتى دخل عليه وهو في محبسه فقال له : يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا فقال له ذو نفر وما غناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدوا وعشيا ما عندي غناء في شيء مما نزل بك إلا أن أنيسا سائس الفيل صديق لي فسأرسل إليه وأوصيه بك وأعظم عليه حقك وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما بدا لك ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك فقال حسبي فبعث ذو نفر إلى أنيس فقال له إن عبد المطلب سيد قريش وصاحب عين مكة ويطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال وقد أصاب له الملك مائتي بعير فاستأذن له عليه وأنفعه عنده بما أستطعت فقال : أفعل فكلم أنيس أبرهة فقال له : أيها الملك هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك وهو صاحب عين مكة يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال فأذن له عليك فيكلمك في حاجته قال : فأذن له أبرهة وكان عبد المطلب أوسم الناس وأعظمهم وأجملهم فلما رآه أبرهة أجله وأعظمه عن أن يجلسه تحته فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه ثم قال لترجمانه : قل له : حاجتك فقال له ذلك الترجمان فقال : حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي فلما قال له ذلك قال أبرهة لترجمانه : قل له لقد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم قد زهدت فيك حين كلمتني أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه قال له عبد المطلب : إني أنا رب الإبل وإن للبيت ربا سيمنعه قال : ما كان ليمتنع مني قال أنت وذاك فرد عليه إبله وأنصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في شعف الجبال والشعاب تخوفا عليهم معرة الجيش ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة : لا هم إن العبد يمنع رحله فأمنع حلالك لا يغلبن صليبهم ومحالهم عدوا محالك إن يدخلوا البلد الحرام فأمر ما بدا لك يقول : أي : شيء ما بدا لك لم تكن تفعله بنا والحلال : جمع حل والمحال : القوة وقيل : إن عبد المطلب لما أخذ بحلقة باب الكعبة قال : يا رب لا أرجو لهم سواكا يا رب فأمنع منهم حماكا إن عدو البيت من عاداكا إنهم لن يقهروا قواكا وقال عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي : لا هم أخز الأسود بن مقصود الأخذ الهجمة فيها التقليد بين حراء وثبير فالبيد يحبسها وهي أولات التطريد فضمها إلى طماطم سود قد أجمعوا ألا يكون معبود ويهدموا البيت الحرام المعمود والمروتين والمشاعر السود أخفره يا رب وأنت محمود قال إبن إسحاق : ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة ثم أنطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال فتحرزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ فيله وعبأ جيشه وكان أسم الفيل محمودا وأبرهة مجمع لهدم البيت ثم الإنصراف إلى اليمن فلما وجهوا الفيل إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنب الفيل ثم أخذ بأذنه فقال له : أبرك محمود وأرجع راشدا من حيث جئت فإنك في بلد الله الحرام ثم أرسل أذنه فبرك الفيل وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل وضربوا الفيل ليقوم فأبى فضربوا في رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى فأدخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه بها ليقوم فأبى فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك ووجهوه إلى مكة فبرك وأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان مع كل طائر منها ثلاثة أحجار : حجر في منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمص والعدس لا تصيب منهم أحدا إلا هلك وليس كلهم أصابت وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق التي جاؤوا منها ويسألون عن نفيل إبن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن فقال نفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته : أين المفر والإله الطالب والأشرم المغلوب ليس الغالب وقال أيضا : حمدت الله إذ أبصرت طيرا وخفت حجارة تلقى علينا فكل القوم يسأل عن نفيل كأن على للحبشان دينا فخرجوا يتساقطون بكل طريق ويهلكون بكل مهلك على كل سهل وأصيب أبرهة في جسده وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة كلما سقطت منه أنملة أتبعتها منه مدة تمث قيحا ودما حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر فما مات حتى أنصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون وقال الكلبي ومقاتل بن سليمان يزيد أحدهما وينقص : سبب الفيل ما روى أن فتية من قريش خرجوا تجارا إلى أرض النجاشي فنزلوا على ساحل البحر إلى بيعة للنصارى تسميها النصارى الهيكل فأوقدوا نارا لطعامهم وتركوها وأرتحلوا فهبت ريح عاصف على النار فأضرمت البيعة نارا فأحترقت فأتى الصريخ إلى النجاشي فأخبره فأستشاط غضبا فأتاه أبرهة بن الصباح وحجر بن شرحبيل وأبو يكسوم الكنديون وضمنوا له إحراق الكعبة وسبي مكة وكان النجاشي هو الملك وأبرهة صاحب الجيش وأبو يكسوم نديم الملك وقيل وزير وحجر بن شرحبيل من قواده وقال مجاهد : أبو يكسوم هو أبرهة بن الصباح فساروا ومعهم الفيل قال الأكثرون : هو فيل واحد وقال الضحاك : هي ثمانية فيلة ونزلوا بذي المجاز وأستاقوا سرح مكة وفيها إبل عبد المطلب وأتى الراعي نذيرا فصعد الصفا فصاح : واصباحاه ثم أخبر الناس بمجيء الجيش والفيل فخرج عبد المطلب وتوجه إلى أبرهة وسأله في إبله وأختلف في النجاشي هل كان معهم فقال قوم كان معهم وقال الأكثرون : لم يكن معهم ونظر أهل مكة بالطير قد اقبلت من ناحية البحر فقال عبد المطلب : إن هذه الطير غريبة بأرضنا وما هي بنجدية ولا تهامية ولا حجازية وإنها أشباه اليعاسيب وكان في مناقيرها وأرجلها حجارة فلما أطلت على القوم ألقتها عليهم حتى هلكوا قال عطاء بن أبي رباح : جاءت الطير عشية فباتت ثم صبحتهم بالغداة فرمتهم وقال الكلبي : في مناقيرها حصى كحصى الخذف أمام كل فرقة طائر يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق فلما جاءت عسكر القوم وتوافت أهالت ما في مناقيرها على من تحتها مكتوب على كل حجر أسم صاحبه المقتول به وقيل : كان على كل حجر مكتوب : من أطاع الله نجا ومن عصاه غوى ثم أنصاعت راجعة من حيث جاءت وقال العوفي : سألت عنها أبا سعيد الخدري فقال : حمام مكة منها وقيل : كان يقع الحجر على بيضة أحدهم فيخرقها ويقع في دماغه ويخرق الفيل والدابة ويغيب الحجر في الأرض من شدة وقعه وكان أصحاب الفيل ستين ألفا لم يرجع منهم أحد إلا أميرهم رجع ومعه شرذمة لطيفة فلما أخبروا بما رأوا هلكوا وقال الواقدي : أبرهة جد النجاشي الذي كان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبرهة هو الأشرم سمى بذلك لأنه تفاتن مع أرياط حتى تزاحفا ثم أتفقا على أن يلتقيا بشخصيهما فمن غلب فله الأمر فتبارزا وكان أرياط جسيما عظيما في يده حربة وأبرهة قصيرا حادرا حليما ذا دين في النصرانية ومع أبرهة وزير له يقال له عتودة فلما دنوا ضرب أرياط بحربته رأس أبرهة فوقعت على جبينه فشرمت عينه وأنفه وجبينه وشفته فلذلك سمى الأشرم وحمل عتودة على أرياط فقتله فأجتمعت الحبشة لأبرهة فغضب النجاشي وحلف ليجزن ناصية أبرهة ويطأن بلاده فجز أبرهة ناصيته وملأ مزودا من تراب أرضه وبعث بهما إلى النجاشي وقال : إنما كان عبدك وأنا عبدك وأنا أقوم بأمر الحبشة وقد جززت ناصيتي وبعثت إليك بتراب أرضي لتطأه وتبر في يمينك فرضى عنه النجاشي ثم بنى أبرهة كنيسة بصنعاء ليصرف إليها حج العرب على ما تقدم الرابعة قال مقاتل : كان عام الفيل قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة وقال الكلبي وعبيد بن عمير : كان قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث وعشرين سنة والصحيح ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ولدت عام الفيل ( وروي عنه أنه قال : ( يوم الفيل ( حكاه الماوردي في التفسير له وقال في كتاب أعلام النبوة : ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأثنين الثاني عشر من ربيع الأول وكان بعد الفيل بخمسين يوما ووافق من شهور الروم العشرين من أسباط في السنة الثانية عشرة من ملك هرمز بن أنوشروان قال : وحكى أبو جعفر الطبري أن مولد النبي صلى الله عليه وسلم كان لأثنتين وأربعين سنة من ملك أنوشروان وقد قيل : إنه عليه السلام حملت به أمه آمنة في يوم عاشوراء من المحرم وولد يوم الأثنين لأثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان فكانت مدة حمله ثمانية أشهر كملا ويومين من التاسع وقيل : إنه ولد يوم عاشوراء من شهر المحرم حكاه بن شاهين أبو حفص في فضائل يوم عاشوراء له إبن العربي : قال إبن وهب عن مالك : ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل وقال قيس بن مخرمة : ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل وقد روي الناس عن مالك أنه قال من مروءة الرجل ألا يخبر بسنه لأنه إن كان صغيرا أستحقروه وإن كان كبيرا أستهرموه وهذا قول ضعيف لأن مالكا لا يخبر بسن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكتم سنه وهو من أعظم العلماء قدوة به فلا بأس بأن يخبر الرجل بسنه كان كبيرا أو صغيرا وقال عبد الملك إبن مروان لعتاب بن أسيد : أنت أكبر أم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : النبي صلى الله عليه وسلم أكبر مني وأنا أسن منه ولد النبي صلى الله عليه وسلم عام الفيل وأنا أدركت سائسه وقائده أعميين مقعدين يستطعمان الناس وقيل لبعض القضاة : كم سنك قال : سن عتاب إبن أسيد حين ولاه النبي صلى الله عليه وسلم مكة وكان سنه يومئذ دون العشرين الخامسة قال علماؤنا : كانت قصة الفيل فيما بعد من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت قبله وقبل التحدي لأنها كانت توكيدا لأمره وتمهيدا لشأنه ولما تلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه السورة كان بمكة عدد كثير ممن شهد تلك الوقعة ولهذا قال : ألم تر ولم يكن بمكة أحد إلا وقد رأى قائد الفيل وسائقه أعميين يتكففان الناس وقالت عائشة رضي الله عنها مع حداثة سنها : لقد رأيت قائد الفيل وسائقه أعميين يستطعمان الناس وقال أبو صالح : رأيت في بيت أم هانئ بنت أبي طالب نحوا من قفيزين من تلك الحجارة سودا مخططة بحمرة < <

Sección V20/P194–V20/P197

الفيل : ( 2 ) ألم يجعل كيدهم . . . . . > > < > ( الفيل 2 ) < > قوله تعالى : ( ألم يجعل كيدهم في تضليل ) أي في إبطال وتضييع لأنهم أرادوا أن يكيدوا قريشا بالقتل والسبي والبيت بالتخريب والهدم فحكى عن عبد المطلب أنه بعث إبنه عبد الله على فرس له ينظر ما لقوا من تلك الطير فإذا القوم مشدخين جميعا فرجع يركض فرسه كاشفا عن فخذه فلما رأى ذلك أبوه قال : إن إبني هذا أفرس العرب وما كشف عن فخذه إلا بشيرا أو نذيرا فلما دنا من ناديهم بحيث يسمعهم الصوت قالوا : ما وراءك قال : هلكوا جميعا فخرج عبد المطلب وأصحابه فأخذوا أموالهم وكانت أموال بني عبد المطلب منها وبها تكاملت رياسة عبد المطلب لأنه أحتمل ما شاء من صفراء وبيضاء ثم خرج أهل مكة بعده ونهبوا وقيل : إن عبد المطلب حفر حفرتين فملأهما من الذهب والجوهر ثم قال لأبي مسعود الثقفي وكان خليلا لعبد المطلب : أختر أيهما شئت ثم أصاب الناس من أموالهم حتى ضاقوا ذرعا فقال عبد المطلب عند ذلك : أنت منعت الحبش والأفيالا وقد رعوا بمكة الأجبالا وقد خشينا منهم القتالا وكل أمر لهم معضالا شكرا وحمدا لك ذا الجلالا قال إبن إسحاق : ولما رد الله الحبشة عن مكة عظمت العرب قريشا وقالوا : هم أهل الله قاتل الله عنهم وكفاهم مئونة عدوهم وقال عبد الله بن عمرو بن مخزوم في قصة أصحاب الفيل : أنت الجليل ربنا لم تدنس أنت حبست الفيل بالمغمس من بعد ما هم بشر مبلس حبسته في هيئة المكركس وما لهم من فرج ومنفس والمكركس : المنكوس المطروح < < الفيل : ( 3 ) وأرسل عليهم طيرا . . . . . > > < > ( 3 ) < > قال سعيد بن جبير : كانت طيرا من السماء لم ير قبلها ولا بعدها مثلها وروى جويبر عن الضحاك عن إبن عباس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إنها طير بين السماء والأرض تعشش وتفرخ ( وعن إبن عباس : كانت لها خراطيم كخراطيم الطير وأكف كأكف الكلاب وقال عكرمة : كانت طيرا خضرا خرجت من البحر لها رؤس كرؤس السباع ولم تر قبل ذلك ولا بعده وقالت عائشة رضي الله عنها : هي اشبه شيء بالخطاطيف وقيل : بل كانت أشباه الوطاويط حمراء وسوداء وعن سعيد بن جبير أيضا : هي طير خضر لها مناقير صفر وقيل : كانت بيضا وقال محمد إبن كعب : هي طير سود بحرية في مناقيرها وأظفارها الحجارة وقيل : إنها العنقاء المغرب التي تضرب بها الأمثال قال عكرمة : أبابيل أي مجتمعة وقيل : متتابعة بعضها في إثر بعض قاله إبن عباس ومجاهد وقيل مختلفة متفرقة تجيء من كل ناحية من ها هنا وها هنا قاله إبن مسعود وإبن زيد والأخفش قال النحاس : وهذه الأقوال متفقة وحقيقة المعنى : أنها جماعات عظام يقال : فلان يؤبل على فلان أي يعظم عليه ويكثر وهو مشتق من الإبل وأختلف في واحد ( أبابيل ) فقال الجوهري : قال الأخفش يقال : جاءت إبلك أبابيل أي فرقا وطير أبابيل قال : وهذا يجيء في معنى التكثير وهو من الجمع الذي لا واحد له وقال بعضهم : واحده إبول مثل عجول وقال بعضهم وهو المبرد : إبيل مثل سكين قال : ولم أجد العرب تعرف له واحدا في غير الصحاح وقيل في واحده إبال وقال رؤبة بن العجاج في الجمع : ولعبت طير بهم أبابيل فصيروا مثل كعصف مأكول وقال الأعشى : طريق وجبار رواء أصوله عليه أبابيل من الطير تنعب وقال آخر : كادت تهد من الأصوات راحلتي إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل وقال آخر : تراهم إلى الداعي سراعا كأنهم أبابيل طير تحت دجن مسخن قال الفراء : لا واحد له من لفظه وزعم الرؤاسي وكان ثقة أنه سمع في واحدها إبالة مشددة وحكى الفراء إبالة مخففا قال : سمعت بعض العرب يقول : ضغث على إبالة يريد : خصبا على خصب قال : ولو قال قائل إيبال كان صوابا مثل دينار ودنانير وقال إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل : الأبابيل : مأخوذ من الإبل المؤبلة وهي الأقاطيع < <

Sección V20/P197–V20/P199

الفيل : ( 4 ) ترميهم بحجارة من . . . . . > > < > ( 4 ) < > في الصحاح : حجارة من سجيل قالوا : حجارة من طين طبخت بنار جهنم مكتوب فيها أسماء القوم لقوله تعالى : لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة وقال عبد الرحمن إبن أبزي : من سجيل : من السماء وهي الحجارة التي نزلت على قوم لوط وقيل من الجحيم وهي سجين ثم أبدلت اللام نونا كما قالوا في أصيلان أصيلال قال إبن مقبل : ضربا تواصت به الأبطال سجينا وإنما هو : سجيلا وقال الزجاج : من سجيل أي مما كتب عليهم أن يعذبوا به مشتق من السجل وقد مضى القول في سجيل في هود مستوفي قال عكرمة : كانت ترميهم بحجارة معها فإذا أصاب أحدهم حجر منها خرج به الجدري لم ير قبل ذلك اليوم وكان الحجر كالحمصة وفوق العدسة وقال إبن عباس : كان الحجر إذا وقع على أحدهم نفط جلده فكان ذلك أول الجدري وقراءة العامة ترميهم بالتاء لتأنيث جماعة الطير وقرأ الأعرج وطلحة يرميهم بالياء أي يرميهم الله دليله قوله تعالى : ولكن الله رمى ويجوز أن يكون راجعا إلى الطير لخلوها من علامات التأنيث ولأن تأنيثها غير حقيقي < < الفيل : ( 5 ) فجعلهم كعصف مأكول > > < > ( 5 ) < > أي جعل الله أصحاب الفيل كورق الزرع إذا أكلته الدواب فرمت به من أسفل شبه تقطع أوصالهم بتفرق أجزائه روى معناه عن إبن زيد وغيره وقد مضى القول في العصف في سورة الرحمن ومما يدل على أنه ورق الزرع قول علقمة : تسقي مذانب قد مالت عصيفتها حدورها من أتي الماء مطموم وقال رؤبة بن العجاج : ومسهم ما مس أصحاب الفيل ترميهم حجارة من سجيل ولعبت طير بهم أبابيل فصيروا مثل كعصف مأكول العصف : جمع واحدته عصفة وعصافة وعصيفة وأدخل الكاف في كعصف للتشبيه مع مثل نحو قوله تعالى : ليس كمثله شيء ومعنى مأكول مأكول حبه كما يقال : فلان حسن أي حسن وجهه وقال إبن عباس : فجعلهم كعصف مأكول أن المراد به قشر البر يعني الغلاف الذي تكون فيه حبة القمح ويروى أن الحجر كان يقع على أحدهم فيخرج كل ما في جوفه فيبقى كقشر الحنطة إذا خرجت منه الحبة وقال إبن مسعود : لما رمت الطير بالحجارة بعث الله ريحا فضربت الحجارة فزادتها شدة فكانت لا تقع على أحد إلا هلك ولم يسلم منهم إلا رجل من كندة فقال : فإنك لو رأيت ولم تريه لدى جنب المغمس ما لقينا خشيت الله إذ قد بث طيرا وظل سحابة مرت علينا وباتت كلها تدعو بحق كأن لها على الحبشان دينا ويروى أنها لم تصبهم كلهم لكنها أصابت من شاء الله منهم وقد تقدم أن أميرهم رجع وشرذمة لطيفة معه فلما أخبروا بما رأوا هلكوا فالله أعلم وقال إبن إسحاق : لما رد الله الحبشة عن مكة عظمت العرب قريشا وقالوا : أهل الله قاتل عنهم وكفاهم مئونة عدوهم فكان ذلك نعمة من الله عليهم < > تفسير سورة قريش < > مكية في قول الجمهور ومدنية في قول الضحاك والكلبي وهي أربع آيات بسم الله الرحمن الرحيم < < قريش : ( 1 ) لإيلاف قريش > > < > ( قريش 1 ) <

Sección V20/P199–V20/P202

> قيل : إن هذه السورة متصلة بالتي قبلها في المعنى يقول : أهلكت أصحاب الفيل لإيلاف قريش أي لتأتلف أو لتتفق قريش أو لكي تأمن قريش فتؤلف رحلتيها وممن عد السورتين واحدة أبي بن كعب ولا فصل بينهما في مصحفه وقال سفيان بن عيينة : كان لنا إمام لا يفصل بينهما ويقرؤهما معا وقال عمرو بن ميمون الأودي : صلينا المغرب خلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقرأ في الأولى : والتين والزيتون وفي الثانية ألم تر كيف ولإيلاف قريش وقال الفراء : هذه السورة متصلة بالسورة الأولى لأنه ذكر أهل مكة عظيم نعمته عليهم فيما فعل بالحبشة ثم قال : لإيلاف قريش أي فعلنا ذلك بأصحاب الفيل نعمة منا على قريش وذلك أن قريشا كانت تخرج في تجارتها فلا يغار عليها ولا تقرب في الجاهلية يقولون : هم أهل بيت الله جل وعز حتى جاء صاحب الفيل ليهدم الكعبة ويأخذ حجارتها فيبني بها بيتا في اليمن يحج الناس إليه فأهلكهم الله عز وجل فذكرهم نعمته أي فجعل الله ذلك لإيلاف قريش أي ليألفوا الخروج ولا يجترأ عليهم وهو معنى قول مجاهد وإبن عباس في رواية سعيد بن جبير عنه ذكره النحاس : حدثنا أحمد إبن شعيب قال أخبرني عمرو بن علي قال : حدثني عامر بن إبراهيم وكان ثقة من خيار الناس قال حدثني خطاب بن جعفر بن أبي المغيرة قال : حدثني أبي عن سعيد بن جبير عن إبن عباس في قوله تعالى : لإيلاف قريش قال : نعمتي على قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف قال : كانوا يشتون بمكة ويصيفون بالطائف وعلى هذا القول يجوز الوقف على رؤوس الآي وإن لم يكن الكلام تاما على ما نبينه أثناء السورة وقيل : ليست بمتصلة لأن بين السورتين بسم الله الرحمن الرحيم وذلك دليل على إنقضاء السورة وإفتتاح الأخرى وأن اللام متعلقة بقوله تعالى : فليعبدوا أي فليعبدوا هؤلاء رب هذا البيت لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف للامتيار وكذا قال الخليل : ليست متصلة كأنه قال : ألف الله قريشا إيلافا فليعبدوا رب هذا البيت وعمل ما بعد الفاء فيما قبلها لأنها زائدة غير عاطفة كقولك : زيدا فأضرب وقيل : اللام في قوله تعالى : لإيلاف قريش لام التعجب أي أعجبوا لإيلاف قريش قاله الكسائي والأخفش وقيل : بمعنى إلى وقرأ إبن عامر : لإئلاف قريش مهموزا مختلسا بلا ياء وقرأ أبو جعفر والأعرج ليلاف بلا همز طلبا للخفة الباقون لإيلاف بالياء مهموزا مشبعا من آلفت أولف إيلافا قال الشاعر : المنعمين إذا النجوم تغيرت والظاعنين لرحلة الإيلاف ويقال : ألفته إلفا وإلإفا وقرأ أبو جعفر أيضا : لإلف قريش وقد جمعهما من قال : زعمتم أن إخوتكم قريش لهم إلف وليس لكم إلإف قال الجوهري : وفلان قد ألف هذا الموضع ( بالكسر ) يألفه إلفا وآلفه إياه غيره ويقال أيضا : آلفت الموضع أولفه إيلافا وكذلك : آلفت الموضع أولفه مؤالفة وإلإفا فصار صورة أفعل وفاعل في الماضي واحدة وقرأ عكرمة ليألف بفتح اللام على الأمر وكذلك هو في مصحف إبن مسعود وفتح لأم الأمر لغة حكاها إبن مجاهد وغيره وكان عكرمة يعيب على من يقرأ لإيلاف وقرأ بعض أهل مكة إلإف قريش وأستشهد بقول أبي طالب يوصي أخاه أبا لهب برسول الله صلى الله عليه وسلم : فلا تتركنه ما حييت لمعظم وكن رجلا ذا نجدة وعفاف تذود العدا عن عصبة هاشمية إلافهم في الناس خير إلإف وأما قريش فهم بنو النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر فكل من كان من ولد النضر فهو قرشي دون بني كنانة ومن فوقه وربما قالوا : قريشي وهو القياس قال الشاعر : بكل قريشي عليه مهابة فإن أردت بقريش الحي صرفته وإن أردت به القبيلة لم تصرفه قال الشاعر : وكفى قريش المعضلات وسادها والتقريش : الأكتساب وتقرشوا أي تجمعوا وقد كانوا متفرقين في غير الحرم فجمعهم قصي بن كلاب في الحرم حتى إتخذوه مسكنا قال الشاعر : أبونا قصي كان يدعى مجمعا به جمع الله القبائل من فهر وقد قيل : إن قريشا بنو فهر بن مالك بن النضر فكل من لم يلده فهر فليس بقرشي والأول أصح وأثبت وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إنا ولد النضر إبن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا ( وقال وائلة بن الأسقع : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله أصطفى كنانة من ولد إسماعيل وأصطفى من بني كنانة قريشا وأصطفى من قريش بني هاشم وأصطفاني من بني هاشم ( صحيح ثابت خرجه البخاري ومسلم وغيرهما وأختلف في تسميتهم قريشا على أقوال : أحدها لتجمعهم بعد التفرق والتقرش : التجمع والألتئام قال أبو جلدة اليشكري : إخوة قرشوا الذنوب علينا في حديث من دهرهم وقديم الثاني لأنهم كانوا تجارا يأكلون من مكاسبهم والتقرش : التكسب وقد قرش يقرش قرشا : إذا كسب وجمع قال الفراء : وبه سميت قريش الثالث لأنهم كانوا يفتشون الحاج من ذي الخلة فيسدون خلته والقرش : التفتيش قال الشاعر : أيها الشامت المقرش عنا عند عمرو فهل له إبقاء الرابع ما روي أن معاوية سأل إبن عباس لم سميت قريش قريشا فقال : لدابة في البحر من أقوى دوابه يقال لها القرش تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تعلى وأنشد قول تبع : وقريش هي التي تسكن البحر بها سميت قريش قريشا تأكل الرث والسمين ولا تترك فيها لذي جناحين ريشا هكذا في البلاد حي قريش يأكلون البلاد أكلا كميشا ولهم آخر الزمان نبي يكثر القتل فيهم والخوشا < <

Sección V20/P202

قريش : ( 2 ) إيلافهم رحلة الشتاء . . . . . > > < > ( قريش 2 ) <

Preguntas