Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

Sección V11/P032

الكهف : ( 79 ) أما السفينة فكانت . . . . . > > < > ( الكهف 79 : 82 ) <

Sección V11/P032–V11/P044

> قوله تعالى : ( أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ) استدل بهذا من قال : إن المسكين أحسن حالا من الفقير وقد مضى هذا المعنى مستوفى في سورة براءة وقد قيل : إنهم كانوا تجارا ولكن من حيث هم مسافرون عن قلة في لجة بحر وبحال ضعف عن مدافعة خطب عبر عنهم بمساكين إذ هم في حالة يشفق عليهم بسببها وهذا كما تقول لرجل غني وقع في وهلة أو خطب : مسكين وقال كعب وغيره : كانت لعشرة إخوة من المساكين ورثوها من أبيهم خمسة زمنى وخمسة يعملون في البحر وقيل : كانوا سبعة لكل واحد منهم زمانة ليست بالآخر وقد ذكر النقاش أسماءهم فأما العمال منهم فأحدهم كان مجذوما والثاني أعور والثالث أعرج والرابع آدر والخامس محموما لا تنقطع عنه الحمى الدهر كله وهو أصغرهم والخمسة الذين لا يطيقون العمل : أعمى وأصم وأخرس ومقعد ومجنون وكان البحر الذي يعملون فيه ما بين فارس والروم ذكره الثعلبي وقرأت فرقة : ( لمساكين ) بتشديد السين واختلف في ذلك فقيل : هم ملاحو السفينة وذلك أن المساك هو الذي يمسك رجل السفينة وكل الخدمة تصلح لامساكه فسمى الجميع مساكين وقالت فرقة : أراد بالمساكين دبغة المسوك وهي الجلود واحدها مسك والأظهر قراءة ( مساكين ) بالتخفيف جمع مسكين وأن معناها : إن السفينة لقوم ضعفاء ينبغي أن يشفق عليهم والله أعلم قوله تعالى : ( فأردت أن أعيبها ) أي أجعلها ذات عيب يقال : عبت الشيء فعاب إذا صار ذا عيب فهو معيب وعائب وقوله : ( وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا ) قرأ بن عباس وبن جبير ( صحيحة ) وقرأ أيضا بن عباس وعثمان بن عفان ( صالحة ) و ( وراء ) أصلها بمعنى خلف فقال بعض المفسرين : إنه كان خلفه وكان رجوعهم عليه والاكثر على أن معنى ( وراء ) هنا أمام يعضده قراءة بن عباس وبن جبير ( وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا ) قال بن عطية : ( وراءهم ) هو عندي على بابه وذلك أن هذه ألالفاظ إنما تجيء مراعى بها الزمان وذلك أن الحدث المقدم الموجود هو الأمام والذي يأتي بعده هو الوراء وهو ما خلف وذلك بخلاف ما يظهر بادي الرأي وتأمل هذه الألفاظ في مواضعها حيث وردت تجدها تطرد فهذه الآية معناها : إن هؤلاء وعملهم وسعيهم يأتي بعده في الزمان غصب هذا الملك ومن قرأ ( أمامهم ) أراد في المكان أي كأنهم يسيرون إلى بلد وقوله عليه الصلاة والسلام : ( الصلاة أمامك ( يريد في المكان وإلا فكونهم في ذلك الوقت كان أمام الصلاة في الزمان وتأمل هذه المقالة فإنها مريحة من شغب هذه الألفاظ ووقع لقتادة في كتاب الطبري ( وكان وراءهم ملك ) قال قتادة : أمامهم ألا تراه يقول : من ( ورائهم جهنم ) وهي بين أيديهم وهذا القول غير مستقيم وهذه هي العجمة التي كان الحسن بن أبي الحسن يضج منها قاله الزجاج قلت : وما اختاره هذا الامام قد سبقه إليه في ذلك بن عرفة قال الهروي قال بن عرفة : يقول القائل كيف قال ( من ورائه ) وهي أمامه فزعم أبو عبيد وأبو علي قطرب أن هذا من الأضداد وأن وراء في معنى قدام وهذا غير محصل لأن أمام ضد وراء وإنما يصلح هذا في الأوقات كقولك للرجل إذا وعد وعدا في رجب لرمضان ثم قال : ومن ورائك شعبان لجاز وإن كان أمامه لأنه يخلفه إلى وقت وعده وأشار إلى هذا القول أيضا القشيري وقال : إنما يقال هذا في الأوقات ولا يقال للرجل أمامك إنه وراءك قال الفراء : وجوزه غيره والقوم ما كانوا عالمين بخبر الملك فأخبر الله تعالى الخضر حتى عيب السفينة وذكره الزجاج وقال الماوردي : اختلف أهل العربية في استعمال وراء موضع أمام على ثلاثة أقوال : أحدها يجوز استعمالها بكل حال وفي كل مكان وهو من الأضداد قال الله تعالى : ومن ورائهم جهنم الجاثية أي من أمامهم : وقال الشاعر : أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي وقومي تميم والفلاة ورائيا يعني أمامي والثاني أن وراء تستعمل في موضع أمام في المواقيت والأزمان لأن الانسان يجوزها فتصير وراءه ولا يجوز في غيرها الثالث أنه يجوز في الأجسام التي لا وجه لها كحجرين متقابلين كل واحد منهما وراء الآخر ولا يجوز في غيرهما وهذا قول علي بن عيسى واختلف في اسم هذا الملك فقيل : هدد بن بدد وقيل : الجلندي وقاله السهيلي وذكر البخاري اسم الملك الآخذ لكل سفينة غصبا فقال : هو هدد بن بدد والغلام المقتول اسمه جيسور وهكذا قيدناه في الجامع من رواية يزيد المروزي وفي غير هذه الرواية حيسور بالحاء وعندي في حاشية الكتاب رواية ثالثة : وهي حيسون وكان يأخذ كل سفينة جيدة غصبا فلذلك عابها الخضر وخرقها ففي هذا من الفقه العمل بالمصالح إذا تحقق وجهها وجواز إصلاح كل المال بإفساد بعضه وقد تقدم وفي صحيح مسلم وجه الحكمة بخرق السفينة وذلك قوله : فإذا جاء الذي يسخرها وجدها منخرقة فتجاوزها فأصلحوها بخشبة الحديث وتحصل من هذا الحض على الصبر في الشدائد فكم في ضمن ذلك المكروه من الفوائد وهذا معنى قوله : وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم قوله تعالى : ( وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين ) جاء في صحيح الحديث : ( أنه طبع يوم طبع كافرا ( وهذا يؤيد ظاهره أنه غير بالغ ويحتمل أن يكون خبرا عنه مع كونه بالغا وقد تقدم قوله تعالى : ( فخشينا أن يرهقهما ) قيل : هو من كلام الخضر عليه السلام وهو الذي يشهد له سياق الكلام وهو قول كثير من المفسرين أي خفنا أن يرهقهما طغيانا وكفرا وكان الله قد أباح له الاجتهاد في قتل النفوس على هذه الجهة وقيل : هو من كلام الله تعالى وعنه عبر الخضر قال الطبري : معناه فعلمنا وكذا قال بن عباس أي فعلمنا وهذا كما كني عن العلم بالخوف في قوله : إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله وحكي أن أبيا قرأ ( فعلم ربك ) وقيل : الخشية بمعنى الكراهة يقال : فرقت بينهما خشية أن يقتتلا أي كراهة ذلك قال بن عطية : والأظهر عندي في توجيه هذا التأويل وإن كان اللفظ يدافعه أنها استعارة أي على ظن المخلوقين والمخاطبين لو علموا حاله لوقعت منهم خشية الرهق للأبوين وقرأ بن مسعود ( فخاف ربك ) وهذا بين في الاستعارة وهذا نظير ما وقع في القرآن في جهة الله تعالى من لعل وعسى وأن جميع ما في هذا كله من ترج وتوقع وخوف وخشية إنما هو بحسبكم أيها المخاطبون ويرهقهما يجشمهما ويكلفهما والمعنى أن يلقيهما حبه في اتباعه فيضلا ويتدينا بدينه قوله تعالى : ( فأرادنا أن يبدلهما ربهما ) قرأ الجمهور بفتح الباء وشد الدال وقرأ عاصم بسكون الباء وتخفيف الدال أي أن يرزقهما الله ولدا ( خيرا منه زكاة ) أي دينا وصلاحا يقال : بدل وأبدل مثل مهل وأمهل ونزل وأنزل ( وأقرب رحما ) قرأ بن عباس ( رحما ) بالضم قال الشاعر : وكيف بظلم جارية ومنها اللين والرحم الباقون بسكونها ومنه قول رؤبة بن العجاج : يا منزل الرحم على إدريسا ومنزل اللعن على إبليسا واختلف عن أبي عمرو و ( رحما ) معطوف على ( زكاة ) أي رحمة يقال : رحمه رحمة ورحما وألفه للتأنيث ومذكره رحم وقيل : الرحم هنا بمعنى الرحم قرأها بن عباس ( وأوصل رحما ) أي رحما وقرأ أيضا ( أزكى منه ) وعن بن جبير وبن جريج أنهما بدلا جارية قال الكلبي فتزوجها نبي من الأنبياء فولدت له نبيا فهدى الله تعالى على يديه أمة من الأمم قتادة : ولدت اثنى عشر نبيا وعن بن جريج أيضا أن أم الغلام يوم قتل كانت حاملا بغلام مسلم وكان المقتول كافرا وعن بن عباس : فولدت جارية ولدت نبيا وفي رواية : أبدلهما الله به جارية ولدت سبعين نبيا وقاله جعفر بن محمد عن أبيه قال علماؤنا : وهذا بعيد ولا تعرف كثرة الأنبياء إلا في بني إسرائيل وهذه المرأة لم تكن فيهم ويستفاد من هذه الآية تهوين المصائب بفقد الأولاد وإن كانوا قطعا من الأكباد ومن سلم للقضاء أسفرت عاقبته عن اليد البيضاء قال قتادة : لقد فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل ولو بقي كان فيه هلاكهما فالواجب على كل امريء الرضا بقضاء الله تعالى : فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه له فيما يجب قوله تعالى : ( وأما الجدار فكان لغلامين ) هذان الغلامان صغيران بقرينة وصفهما باليتم واسمهما أصرم وصريم وقد قال عليه الصلاة والسلام : ( لا يتم بعد بلوغ ( هذا هو الظاهر وقد يحتمل أن يبقى عليهما اسم اليتم بعد البلوغ إن كانا يتيمين على معنى الشفقة عليهما وقد تقدم أن اليتم في الناس من قبل فقد الأب وفي غيرهم من الحيوان من قبل فقد الأم ودل قوله : ( في المدينة ) على أن القرية تسمى مدينة ومنه الحديث : ( أمرت بقرية تأكل القرى ( وفي حديث الهجرة ( لمن أنت ( فقال الرجل : من أهل المدينة يعني مكة قوله تعالى : ( وكان تحته كنز لهما ) اختلف الناس في الكنز فقال عكرمة وقتادة : كان مالا جسيما وهو الظاهر من اسم الكنز إذ هو في اللغة المال المجموع وقد مضى القول فيه وقال بن عباس : كان علما في صحف مدفونة وعنه أيضا قال : كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه بسم الله الرحمن الرحيم عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن عجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب عجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح عجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل عجبت لمن يؤمن بالدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن لها لا إله إلا الله محمد رسول الله وروى نحوه عن عكرمة وعمر مولى غفرة ورواه عثمان بن عفان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : ( وكان أبوهما صالحا ) ظاهر اللفظ والسابق منه أنه والدهما دنية وقيل : هو الأب السابع قاله جعفر بن محمد وقيل : العاشر فحفظا فيه وإن لم يذكر بصلاح وكان يسمى كاشحا قاله مقاتل اسم أمهما دنيا ذكره النقاش ففيه ما يدل على أن الله تعالى يحفظ الصالح في نفسه وفي ولده وإن بعدوا عنه وقد روي أن الله تعالى يحفظ الصالح في سبعة من ذريته وعلى هذا يدل قوله تعالى : إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين قوله تعالى : ( وما فعلته عن أمري ) يقتضى أن الخضر نبي وقد تقدم الخلاف في ذلك ( ذلك تأويل ) أي تفسير ( ما لم تسطع عليه صبرا ) قرأت فرقة ( تستطع ) وقرأ الجمهور ( تسطع ) قال أبو حاتم : كذا نقرأ كما في خط المصحف وهنا خمس مسائل : الأولى إن قال قائل لم يسمع لفتى موسى ذكر في أول الآية ولا في آخرها قيل له : اختلف في ذلك فقال عكرمة لابن عباس : لم يسمع لفتى موسى بذكر وقد كان معه فقال : شرب الفتى من الماء فخلد وأخذه العالم فطبق عليه سفينة ثم أرسله في البحر وإنها لتموج به فيه إلى يوم القيامة وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه فشرب منه قال القشيري : وهذا إن ثبت فليس الفتى يوشع بن نون فإن يوشع بن نون قد عمر بعد موسى وكان خليفته والأظهر أن موسى صرف فتاه لما لقى الخضر وقال شيخنا الإمام أبو العباس : يحتمل أن يكون اكتفي بذكر المتبوع عن التابع والله أعلم الثانية إن قال قائل : كيف أضاف الخضر قصة استخراج كنز الغلامين لله تعالى وقال في خرق السفينة : ( فأردت أن أعيبها ) فأضاف العيب إلى نفسه قيل له : إنما أسند الارادة في الجدار إلى الله تعالى لأنها في أمر مستأنف في زمن طويل غيب من الغيوب فحسن إفراد هذا الموضع بذكر الله تعالى وإن كان الخضر قد أراد ذلك فالذي أعلمه الله تعالى أن يريده وقيل : لما كان ذلك خيرا كله أضافه إلى الله تعالى وأضاف عيب السفينة إلى نفسه رعاية للأدب لأنها لفظة عيب فتأدب بأن لم يسند الارادة فيها إلا إلى نفسه كما تأدب إبراهيم عليه السلام في قوله : وإذا مرضت فهو يشفين فأسند الفعل قبل وبعد إلى الله تعالى وأسند إلى نفسه المرض إذ هو معنى نقص ومصيبة فلا يضاف إليه سبحانه وتعالى من الألفاظ إلا ما يستحسن منها دون ما يستقبح وهذا كما قال تعالى : بيدك الخير واقتصر عليه فلم ينسب الشر إليه وإن كان بيده الخير والشر والضر والنفع إذ هو على كل شيء قدير وهو بكل شيء خبير ولا اعتراض بما حكاه عليه السلام عن ربه عز وجل أنه يقول يوم القيامة : يا بن آدم مرضت فلم تعدني واستطعمتك فلم تطعمني واستسقيتك فلم تسقني فإن ذلك تنزل في الخطاب وتلطف في العتاب مقتضاه التعريف بفضل ذي الجلال وبمقادير ثواب هذه الأعمال وقد تقدم هذا المعنى والله تعالى أعلم ولله تعالى أن يطلق على نفسه ما يشاء ولا نطلق نحن إلا ما أذن لنا فيه من الأوصاف الجميلة والأفعال الشريفة جل وتعالى عن النقائص والآفات علوا كبيرا وقال في الغلام : ( فأردنا ) فكأنه أضاف القتل إلى نفسه والتبديل إلى الله تعالى والأشد كمال الخلق والعقل وقد مضى الكلام فيه في الأنعام والحمد لله الثالثة قال شيخنا الإمام أبو العباس : ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق تلزم منه هذه الأحكام الشرعية فقالوا : هذه الأحكام الشرعية العامة إنما يحكم بها على الأنبياء والعامة وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم وقالوا : وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار وخلوها عن الأغيار فتتجلى لهم العلوم الالهية والحقائق الربانية فيقفون على أسرار الكائنات ويعلمون أحكام الجزئيات فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات كما اتفق للخضر فإنه استغنى بما تجلى له من العلوم عما كان عند موسى من تلك الفهوم وقد جاء فيما ينقلون : استفت قلبك وإن أفتاك المفتون قال شيخنا رضي الله عنه : وهذا القول زندقة وكفر يقتل قائله ولا يستتاب لأنه إنكار ما علم من الشرائع فإن الله تعالى قد أجرى سنته وأنفذ حكمته بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه وهم المبلغون عنه رسالته وكلامه المبينون شرائعه وأحكامه اختارهم لذلك وخصهم بما هنالك كما قال تعالى : الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير الحج وقال تعالى : الله أعلم حيث يجعل رسالته وقال تعالى : كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين إلى غير ذلك من الآيات وعلى الجملة فقد حصل العلم القطعي واليقين الضروري واجتماع السلف والخلف على أن لا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه ولا يعرف شيء منها إلا من جهة الرسل فمن قال : إن هناك طريقا آخر يعرف بها أمره ونهيه غير الرسل بحيث يستغنى عن الرسل فهو كافر يقتل ولا يستتاب ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا عليه الصلاة والسلام الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله فلا نبي بعده ولا رسول وبيان ذلك أن من قال يأخذ عن قلبه وأن ما يقع فيه حكم الله تعالى وأنه يعمل بمقتضاه وأنه لا يحتاج مع ذلك إلى كتاب ولا سنة فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة فإن هذا نحو ما قاله عليه الصلاة والسلام : ( إن روح القدس نفث في روعى ( الحديث الرابعة ذهب الجمهور من الناس إلى أن الخضر مات صلى الله عليه وسلم وقالت فرقة : حي لأنه شرب من عين الحياة وأنه باق في الأرض وأنه يحج البيت قال بن عطية : وقد أطنب النقاش في هذا المعنى وذكر في كتابه أشياء كثيرة عن علي بن أبي طالب وغيره وكلها لا تقوم على ساق ولو كان الخضر عليه السلام حيا يحج لكان له في ملة الاسلام ظهور والله أعلم بتفاصيل الأشياء لا رب غيره ومما يقضى بموت الخضر عليه السلام الآن قوله عليه الصلاة والسلام : ( أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد ( قلت : إلى هذا ذهب البخاري واختاره القاضي أبو بكر بن العربي والصحيح القول الثاني وهو وهو أنه حي على ما نذكره والحديث خرجه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته فلما سلم قام فقال : ( أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد قال بن عمر : فوهل الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك فيما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة وإنما قال عليه الصلاة والسلام : ( لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد ( يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن ورواه أيضا من حديث جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يموت بشهر : ( تسألوني عن الساعة وإنما علمها عند الله وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة ( وفي أخرى قال سالم : تذاكرنا أنها ( هي مخلوقة يومئذ ( وفي أخرى : ( ما من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ ( وفسرها عبد الرحمن صاحب السقاية قال : نقص العمر وعن أبي سعيد الخدري نحو هذا الحديث قال علماؤنا : وحاصل ما تضمنه هذا الحديث أنه عليه الصلاة والسلام أخبر قبل موته بشهر أن كل من كان من بني آدم موجودا في ذلك لا يزيد عمره على مائة سنة لقوله عليه الصلاة والسلام : ( ما من نفس منفوسة ( وهذا اللفظ لا يتناول الملائكة ولا الجن إذ لم يصح عنهم أنهم كذلك ولا الحيوان غير العاقل لقوله : ( ممن هو على ظهر الأرض أحد ( وهذا إنما يقال بأصل وضعه على من يعقل فتعين أن المراد بنو آدم وقد بين بن عمر هذا المعنى فقال : يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن ولا حجة لمن استدل به على بطلان قول من يقول : إن الخضر حي لعموم قوله : ( ما من نفس منفوسة ( لأن العموم وإن كان مؤكد الاستغراق فليس نصا فيه بل هو قابل للتخصيص فكما لم يتناول عيسى عليه السلام فإنه لم يمت ولم يقتل فهو حي بنص القرآن ومعناه ولا يتناول الدجال مع أنه حي بدليل حديث الجساسة فكذلك لم يتناول الخضر عليه السلام وليس مشاهدا للناس ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضا فمثل هذا العموم لا يتناوله وقد قيل : إن أصحاب الكهف أحياء ويحجون مع عيسى عليه الصلاة والسلام كما تقدم وكذلك فتى موسى في قول بن عباس كما ذكرنا وقد ذكر أبو إسحاق الثعلبي في كتاب العرائس له : والصحيح أن الخضر نبي معمر محجوب عن الأبصار وروى محمد بن المتوكل عن ضمرة بن ربيعة عن عبد الله بن شوذب قال : الخضر عليه السلام من ولد فارس وإلياس من بني إسرائيل يلتقيان كل عام في الموسم وعن عمرو بن دينار قال : إن الخضر وإلياس لا يزالان حيين في الأرض ما دام القرآن على الأرض فإذا رفع ماتا وقد ذكر شيخنا الإمام أبو محمد عبد المعطي بن محمود بن عبد المعطي اللخمي في شرح الرسالة له للقشيري حكايات كثيرة عن جماعة من الصالحين والصالحات بأنهم رأوا الخضر عليه السلام ولقوه يفيد مجموعها غاية الظن بحياته مع ما ذكره النقاش والثعلبي وغيرهما وقد جاء في صحيح مسلم : ( أن الدجال ينتهى إلى بعض السباخ التي تلي المدينة فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خير الناس ( الحديث وفي آخره قال أبو إسحاق : يعني أن هذا الرجل هو الخضر وذكر بن أبي الدنيا في كتاب الهواتف بسند يوقفه إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه لقي الخضر وعلمه هذا الدعاء وذكر أن فيه ثوابا عظيما ومغفرة ورحمة لمن قاله في أثر كل صلاة وهو : يا من لا يشغله سمع عن سمع ويا من لا تغلطه المسائل ويا من لا يتبرم من إلحاح الملحين أذقني برد عفوك وحلاوة مغفرتك وذكر أيضا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذا الدعاء بعينه نحوا مما ذكر عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في سماعه من الخضر وذكر أيضا اجتماع إلياس مع النبي عليه الصلاة والسلام وإذا جاز بقاء إلياس إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم جاز بقاء الخضر وقد ذكر أنهما يجتمعان عند البيت في كل حول وأنهما يقولان عند افتراقهما : ما شاء الله ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله ما شاء الله ما شاء الله ما يكون من نعمة فمن الله ما شاء الله ما شاء الله توكلت على الله حسبنا الله ونعم الوكيل وأما خبر إلياس فيأتي في و الصافات إن شاء الله تعالى وذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد عن علي رضي الله تعالى عنه قال : لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وسجى بثوب هتف هاتف من ناحية البيت يسمعون صوته ولا يرون شخصه : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته السلام عليكم أهل البيت كل نفس ذائقة الموت الآية إن في الله خلفا من كل هالك وعوضا من كل تالف وعزاء من كل مصيبة فبالله فثقوا وإياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب فكانوا يرون أنه الخضر عليه الصلاة والسلام يعني أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والألف واللام في قوله : ( على الأرض ( للعهد لا للجنس وهي أرض العرب بدليل تصرفهم فيها وإليها غالبا دون أرض يأجوج ومأجوج وأقاصي جزر الهند والسند مما لا يقرع السمع اسمه ولا يعلم علمه ولا جواب عن الدجال قال السهيلي : واختلف في اسم الخضر اختلافا متباينا فعن بن منبه أنه قال : أبليا بن ملكان بن فالغ بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح وقيل : هو بن عاميل بن سماقحين بن أريا بن علقما بن عيصو بن إسحاق وأن أباه كان ملكا وأن أمه كانت بنت فارس واسمها ألمى وأنها ولدته في مغارة وأنه وجد هنالك وشاة ترضعه في كل يوم من غنم رجل من القرية فأخذه الرجل فرباه فلما شب وطلب الملك أبوه كاتبا وجمع أهل المعرفة والنبالة ليكتب الصحف التي أنزلت على إبراهيم وشيث كان ممن أقدم عليه من الكتاب ابنه الخضر وهو لا يعرفه فلما استحسن خطه ومعرفته وبحث عن جلية أمره عرف أنه ابنه فضمه لنفسه وولاه أمر الناس ثم إن الخضر فر من الملك لأسباب يطول ذكرها إلى أن وجد عين الحياة فشرب منها فهو حي إلى أن يخرج الدجال وأنه الرجل الذي يقتله الدجال ويقطعه ثم يحييه الله تعالى وقيل : لم يدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا لا يصح وقال البخاري وطائفة من أهل الحديث منهم شيخنا أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى : إنه مات قبل انقضاء المائة من قوله عليه الصلاة والسلام : ( إلى رأس مائة عام لا يبقى على هذه الأرض ممن هو عليها أحد ( يعني من كان حيا حين قال هذه المقالة قلت : قد ذكرنا هذا الحديث والكلام عليه وبينا حياة الخضر إلى الآن والله أعلم الخامسة قيل : إن الخضر لما ذهب يفارق موسى قال له موسى : أوصني قال : كن بساما ولا تكن ضحاكا ودع اللجاجة ولا تمش في غير حاجة ولا تعب على الخطائين خطاياهم وابك على خطيئتك يا بن عمران < <

Sección V11/P044

الكهف : ( 83 ) ويسألونك عن ذي . . . . . > > < > ( الكهف 83 : 91 ) <

Sección V11/P044–V11/P054

> قوله تعالى : ( ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا ) قال بن إسحاق : وكان من خبر ذي القرنين أنه أوتي ما لم يؤت غيره فمدت له الأسباب حتى انتهى من البلاد إلى مشارق الأرض ومغاربها لا يطأ أرضا إلا سلط على أهلها حتى انتهى من المشرق والمغرب إلى ما ليس وراءه شيء من الخلق قال بن إسحاق : حدثني من يسوق الأحاديث عن الأعاجم فيما توارثوا من علم ذي القرنين أن ذا القرنين كان من أهل مصر اسمه مرزبان بن مردبة اليوناني من ولد يونان بن يافث بن نوح قال بن هشام : واسمه الاسكندر وهو الذي بنى الاسكندرية فنسبت إليه قال بن إسحاق : وقد حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان الكلاعي وكان خالد رجلا قد أدرك الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ذي القرنين فقال : ( ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب ( وقال خالد : وسمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رجلا يقول يا ذا القرنين فقال : اللهم غفرا أما رضيتم أن تسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة قال بن إسحاق : فالله أعلم أي ذلك كان أقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أم لا والحق ما قال قلت : وقد روى عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه مثل قول عمر سمع رجلا يدعو آخر يا ذا القرنين فقال علي : أما كفاكم أن تسميتم بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة وعنه أنه عبد ملك ( بكسر اللام ) صالح نصح الله فأيده وقيل : هو نبي مبعوث فتح الله تعالى على يديه الأرض وذكر الدارقطني في كتاب الأخبار أن ملكا يقال له رباقيل كان ينزل على ذي القرنين وذلك الملك هو الذي يطوى الأرض يوم القيامة وينقضها فتقع أقدام الخلائق كلهم بالساهرة فيما ذكر بعض أهل العلم وقال السهيلي : وهذا مشاكل بتوكيله بذي القرنين الذي قطع الأرض مشارقها ومغاربها كما أن قصة خالد بن سنان في تسخير النار له مشاكلة بحال الملك الموكل بها وهو مالك عليه السلام وعلى جميع الملائكة أجمعين ذكر بن أبي خيثمة في كتاب البدء له خالد بن سنان العبسي وذكر نبوته وذكر أنه وكل به من الملائكة مالك خازن النار وكان من أعلام نبوته أن نارا يقال لها نار الحدثان كانت تخرج على الناس من مغارة فتأكل الناس ولا يستطيعون ردها فردها خالد بن سنان فلم تخرج بعد واختلف في اسم ذي القرنين وفي السبب الذي سمى به بذلك اختلافا كثيرا فأما اسمه فقيل : هو الاسكندر الملك اليوناني المقدوني وقد تشدد قافه فيقال : المقدوني وقيل : اسمه هرمس ويقال : اسمه هرديس وقال بن هشام : هو الصعب بن ذي يزن الحميري من ولد وائل بن حمير وقد تقدم قول بن إسحاق وقال وهب بن منبه : هو رومي وذكر الطبري حديثا عن النبي عليه الصلاة والسلام أن ذا القرنين شاب من الروم وهو حديث واهي السند قاله بن عطية قال السهيلي : والظاهر من علم الأخبار أنهما اثنان : أحدهما كان على عهد إبراهيم عليه السلام ويقال : إنه الذي قضى لأبراهيم عليه السلام حين تحاكموا إليه في بئر السبع بالشام والآخر أنه كان قريبا من عهد عيسى عليه السلام وقيل : إنه أفريدون الذي قتل بيوراسب بن أرونداسب الملك الطاغي على عهد إبراهيم عليه السلام أو قبله بزمان وأما الاختلاف في السبب الذي سمي به فقيل : إنه كان ذا ضفيرتين من شعر فسمي بهما ذكره الثعلبي وغيره والضفائر قرون الرأس ومنه قول الشاعر : فلثمت فاها آخذا بقرونها شرب النزيف ببرد ماء الحشرج وقيل : إنه رأى في أول ملكه كأنه قابض على قرني الشمس فقص ذلك ففسر أنه سيغلب ما ذرت عليه الشمس فسمى بذلك ذا القرنين وقيل : إنما سمى بذلك لأنه بلغ المغرب والمشرق فكأنه حاز قرني الدنيا وقالت طائفة : إنه لما بلغ مطلع الشمس كشف بالرؤية قرونها فسمى بذلك ذا القرنين أو قرني الشيطان بها وقال وهب بن منبه : كان له قرنان تحت عمامته وسأل بن الكواء عليا رضي الله تعالى عنه عن ذي القرنين أنبيا كان أم ملكا فقال : لاذا ولاذا كان عبدا صالحا دعا قومه إلى الله تعالى فشجوه على قرنه ثم دعاهم فشجوه على قرنه الآخر فسمي ذا القرنين واختلفوا أيضا في وقت زمانه فقال قوم : كان بعد موسى وقال قوم : كان في الفترة بعد عيسى وقيل : كان في وقت إبراهيم وإسماعيل وكان الخضر عليه السلام صاحب لوائه الأعظم وقد ذكرناه في البقرة وبالجملة فإن الله تعالى مكنه وملكه ودانت له الملوك فروى أن جميع ملوك الدنيا كلها أربعة : مؤمنان وكافران فالمؤمنان سليمان بن داود وإسكندر والكافران نمرود وبختنصر وسيملكها من هذه الأمة خامس لقوله تعالى : ليظهره على الدين كله التوبة وهو المهدي وقد قيل : إنما سمي ذا القرنين لأنه كان كريم الطرفين من أهل بيت شريف من قبل أبيه وأمه وقيل : لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس وهو حي وقيل : لأنه كان إذا قاتل قاتل بيديه وركابيه جميعا وقيل : لأنه أعطى علم الظاهر والباطن وقيل : لأنه دخل الظلمة والنور وقيل : لأنه ملك فارس والروم قوله تعالى : ( إنا مكنا له في الأرض ) قال علي رضي الله عنه : سخر له السحاب ومدت له الأسباب وبسط له في النور فكان الليل والنهار عليه سواء وفي حديث عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجال من أهل الكتاب سألوه عن ذي القرنين فقال : ( إن أول أمره كان غلاما من الروم فأعطى ملكا فسار حتى أتى أرض مصر فابتنى بها مدينة يقال لها الاسكندرية فلما فرغ أتاه ملك فعرج به فقال له انظر ما تحتك قال أرى مدينتي وحدها لا أرى غيرها فقال له الملك تلك الأرض كلها وهذا السواد الذي تراه محيطا بها هو البحر وإنما أراد الله تعالى أن يريك الأرض وقد جعل لك سلطانا فيها فسر في الأرض فعلم الجاهل وثبت العالم ( الحديث قوله تعالى : ( وآتيناه من كل شيء سببا ) قال بن عباس : من كل شيء علما يتسبب به إلى ما يريد وقال الحسن : بلاغا إلى حيث أراد وقيل : من كل شيء يحتاج إليه الخلق وقيل : من كل شيء يستعين به الملوك من فتح المدائن وقهر الأعداء وأصل السبب الحبل فاستعير لكل ما يتوصل به إلى شيء ( فأتبع سببا ) قرأ بن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ( فأتبع سببا مقطوعة الألف وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو ( فاتبع سببا ) بوصلها أي اتبع سببا من الأسباب التي أوتيها قال الأخفش : تبعته وأتبعته بمعنى مثل ردفته وأردفته ومنه قوله تعالى : إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب ومنه الاتباع في الكلام مثل حسن بسن وقبيح شقيح قال النحاس : واختار أبو عبيد قراءة أهل الكوفة قال : لأنها من السير وحكى هو والأصمعي أنه يقال : تبعه واتبعه إذا سار ولم يلحقه وأتبعه إذا لحقه قال أبو عبيد : ومثله ( فأتبعوهم مشرقين ) قال النحاس : وهذا التفريق وإن كان الأصمعي قد حكاه لا يقبل إلا بعلة أو دليل وقوله عز وجل : فأتبعوهم مشرقين الشعراء ليس في الحديث أنهم لحقوهم وإنما الحديث : لما خرج موسى عليه السلام وأصحابه من البحر وحصل فرعون وأصحابه انطبق عليهم البحر والحق في هذا أن تبع واتبع وأتبع لغات بمعنى واحد وهي بمعنى السير فقد يجوز أن يكون معه لحاق وألا يكون ( حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ) قرأ بن عاصم وعامر وحمزة والكسائي ( حامية ) أي حارة الباقون ( حمئة ) أي كثيرة الحمأة وهي الطينة السوداء تقول : حمأت البئر حما بالتسكين إذا نزعت حمأتها وحمئت البئر حما بالتحريك كثرت حمأتها ويجوز أن تكون ( حامية ) من الحمأة فخففت الهمزة وقلبت ياء وقد يجمع بين القراءتين فيقال : كانت حارة وذات حمأة وقال عبد الله بن عمرو : نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشمس حين غربت فقال : ( نار الله الحامية لولا ما يزعها من أمر الله لأحرقت ما على الأرض ( وقال بن عباس : اقرأنيها أبي كما أقرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم ( في عين حمئة ) وقال معاوية : هي ( حامية ) فقال عبد الله بن عمرو بن العاص : فأنا مع أمير المؤمنين فجعلوا كعبا بينهم حكما وقالوا : يا كعب كيف تجد هذا في التوراة فقال : أجدها تغرب في عين سوداء فوافق بن عباس وقال الشاعر وهو تبع اليماني : قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ملكا تدين له الملوك وتسجد بلغ المغارب والمشارق يبتغي أسباب أمر من حكيم مرشد فرأى مغيب الشمس عند غروبها في عين ذي خلب وثأط حرمد الخلب : الطين والثأط : الحمأة والحرمد : الأسود وقال القفال قال بعض العلماء : ليس المراد أنه انتهى إلى الشمس مغربا ومشرقا حتى وصل إلى جرمها ومسها لأنها تدور مع السماء حول الأرض من غير أن تلتصق بالأرض وهي أعظم من أن تدخل في عين من عيون الأرض بل هي أكبر من الأرض أضعافا مضاعفة بل المراد أنه انتهى إلى آخر العمارة من جهة المغرب ومن جهة المشرق فوجدها في رأى العين تغرب في عين حمئة كما أنا نشاهدها في الأرض الملساء كأنها تدخل في الأرض ولهذا قال : ( وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا ) ولم يرد أنها تطلع عليهم بأن تماسهم وتلاصقهم بل أراد أنهم أول من تطلع عليهم وقال القتبي : ويجوز أن تكون هذه العين من البحر ويجوز أن تكون الشمس تغيب وراءها أو معها أو عندها فيقام حرف الصفة مقام صاحبه والله أعلم ( ووجد عندها قوما ) أي عند العين أو عند نهاية العين وهم أهل جابرس ويقال لها بالسريانية : جرجيسا يسكنها قوم من نسل ثمود بقيتهم الذين آمنوا بصالح ذكره السهيلي وقال وهب بن منبه : كان ذو القرنين رجلا من الروم بن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره وكان اسمه الاسكندر فلما بلغ وكان عبدا صالحا قال الله تعالى : يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض وهم أمم مختلفة ألسنتهم وهم أمم جميع الأرض وهم أصناف أمتان بينهما طول الأرض كله وأمتان بينهما عرض الأرض كله وأمم في وسط الأرض منهم الجن والانس ويأجوج ومأجوج فأما اللتان بينهما طول الأرض فأمة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك وأما الأخرى فعند مطلعها ويقال لها منسك وأما اللتان بينهما عرض الأرض فأمة في قطر الأرض الأيمن يقال لها هاويل وأما الأخرى التي في قطر الأرض الأيسر يقال لها تاويل فقال ذو القرنين : إلهي قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلا أنت فأخبرني عن هذه الأمم بأي قوة أكاثرهم وبأي صبر أقاسيهم وبأي لسان أناطقهم فكيف لي بأن أفقه لغتهم وليس عندي قوة فقال الله تعالى : سأظفرك بما حملتك أشرح لك صدرك فتسمع كل شيء وأثبت لك فهمك فتفقه كل شيء وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء وأسخر لك النور والظلمة فيكونان جندا من جنودك يهديك النور من أمامك وتحفظك الظلمة من ورائك فلما قيل له ذلك سار بمن اتبعه فانطلق إلى الأمة التي عند مغرب الشمس لأنها كانت أقرب الأمم منه وهي ناسك فوجد جموعا لا يحصيها إلا الله تعالى وقوة وبأسا لا يطيقه إلا الله وألسنة مختلفة وأهواء متشتتة فكاثرهم بالظلمة فضرب حولهم ثلاث عساكر من جند الظلمة قدر ما أحاط بهم من كل مكان حتى جمعتهم في مكان واحد ثم دخل عليهم بالنور فدعاهم إلى الله تعالى وإلى عبادته فمنهم من آمن به ومنهم من كفر وصد عنه فأدخل على الذين تولوا الظلمة فغشيتهم من كل مكان فدخلت إلى أفواههم وأنوافهم وأعينهم وبيوتهم وغشيتهم من كل مكان فتحيروا وماجوا وأشفقوا أن يهلكوا فعجوا إلى الله تعالى بصوت واحد : إنا آمنا فكشفها عنهم وأخذهم عنوة ودخلوا في دعوته فجند من أهل المغرب أمما عظيمة فجعلهم جندا واحدا ثم انطلق بهم يقودهم والظلمة تسوقهم وتحرسه من خلفه والنور أمامهم يقوده ويدله وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن وهي هاويل وسخر الله تعالى يده وقلبه وعقله ونظره فلا يخطئ إذا عمل عملا فإذا أتوا مخاضة أو بحرا بنى سفنا من ألواح صغار مثل النعال فنظمها في ساعة ثم جعل فيها جميع من معه من تلك الأمم فإذا قطع البحار والأنهار فتقها ودفع إلى كل رجل لوحا فلا يكترث بحمله فانتهى إلى هاويل وفعل بهم كفعله بناسك فآمنوا ففرغ منهم وأخذ جيوشهم وانطلق إلى ناحية الأرض الأخرى حتى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجند منها جنودا كفعله في الأولى ثم كر مقبلا حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى يريد تاويل وهي الأمة التي تقابل هاويل بينهما عرض الأرض ففعل فيها كفعله فيما قبلها ثم عطف إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجن والانس ويأجوج ومأجوج فلما كان في بعض الطريق مما يلي منقطع الترك من المشرق قالت له أمة صالحة من الانس : يا ذا القرنين إن بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله تعالى كثيرا ليس لهم عدد وليس فيهم مشابهة من الانس وهم أشباه البهائم يأكلون العشب ويفترسون الدواب والوحش كما تفترسها السباع ويأكلون حشرات الأرض كلها من الحيات والعقارب والوزغ وكل ذي روح مما خلق الله تعالى في الأرض وليس لله تعالى خلق ينمو نماءهم في العام الواحد فإن طالت المدة فسيملئون الأرض ويجلون أهلها فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا وذكر الحديث وسيأتي من صفة يأجوج ومأجوج والترك إذ هم نوع منهم ما فيه كفاية قوله تعالى : ( قلنا يا ذا القرنين ) قال القشيري أبو نصر : إن كان نبيا فهو وحي وإن لم يكن نبيا فهو إلهام من الله تعالى ( إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا ) قال إبراهيم بن السري : خيره بين هذين كما خير محمدا صلى الله عليه وسلم فقال : فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ونحوه وقال أبو إسحاق الزجاج : المعنى أن الله تعالى خيره بين هذين الحكمين قال النحاس : ورد علي بن سليمان عليه قوله لأنه لم يصح أن ذا القرنين نبي فيخاطب بهذا فكيف يقول لربه عز وجل : ( ثم يرد إلى ربه ) وكيف يقول : ( فسوف نعذبه ) فيخاطب بالنون قال : التقدير قلنا يا محمد قالوا يا ذا القرنين قال أبو جعفر النحاس : هذا الذي قاله أبو الحسن لا يلزم منه شيء أما قوله : ( قلنا يا ذا القرنين ) فيجوز أن يكون الله عز وجل خاطبه على لسان نبي في وقته ويجوز أن يكون قال له هذا كما قال لنبيه : فإما منا بعد وإما فداء محمد وأما إشكال ( فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه ) فإن تقديره أن الله تعالى لما خيره بين القتل في قوله تعالى إما أن تعذب وبين الاستبقاء في قوله جل وعز : ( وإما أن تتخذ فيهم حسنا ) ) قال أحمد بن يحيى : ( أن ) في موضع نصب في ( إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا ) قال : ولو رفعت كان صوابا بمعنى فاما هو كما قال : فسيرا فإما حاجة تقضيانها وإما مقيل صالح وصديق ( فله جزاء الحسنى ) قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم ( فله جزاء الحسنى ) بالرفع على الابتداء أو بالاستقرار و ( الحسنى ) في موضع خفض بالاضافة ويحذف التنوين للاضافة أي له جزاء الحسنى عند الله تعالى في الآخرة وهي الجنة فأضاف الجزاء إلى الجنة كقوله حق اليقين الواقعة ولدار الآخرة قاله الفراء ويحتمل أن يريد ب ( الحسنى ) الأعمال الصالحة ويمكن أن يكون الجزاء من ذي القرنين أي أعطيه وأتفضل عليه ويجوز أن يحذف التنوين لالتقاء الساكنين ويكون ( الحسنى ) في موضع رفع على البدل عند البصريين وعلى الترجمة عند الكوفيين وعلى هذا قراءة بن أبي إسحاق ( فله جزاء الحسنى ) إلا أنك لم تحذف التنوين وهو أجود وقرأ سائر الكوفيين ( فله جزاء الحسنى ) منصوبا منونا أي فله الحسنى جزاء قال الفراء : ( جزاء ) منصوب على التمييز وقيل : على المصدر وقال الزجاج : هو مصدر في موضع الحال أي مجزيا بها جزاء وقرأ بن عباس ومسروق ( فله جزاء الحسنى ) منصوبا غير منون وهي عند أبي حاتم على حذف التنوين لالتقاء الساكنين مثل ( فله جزاء الحسنى ) في أحد الوجهين النحاس : وهذا عند غيره خطأ لأنه ليس موضع حذف تنوين لالتقاء الساكنين ويكون تقديره : فله الثواب جزاء الحسنى قوله تعالى : ( ثم أتبع سببا ) تقدم معناه أن أتبع واتبع بمعنى أي سلك طريقا ومنازل ( حتى إذا بلغ مطلع الشمس ) وقرأ مجاهد وبن محيصن بفتح الميم واللام يقال : طلعت الشمس والكواكب طلوعا ومطلعا والمطلع والمطلع أيضا موضع طلوعها قاله الجوهري المعنى أنه انتهى إلى موضع قوم لم يكن بينهم وبين مطلع الشمس أحد من الناس والشمس تطلع وراء ذلك بمسافة بعيدة فهذا معنى قوله تعالى : ( وجدها تطلع على قوم ) وقد اختلف فيهم فعن وهب بن منبه ما تقدم وأنها أمة يقال لها منسك وهي مقابلة ناسك وقاله مقاتل وقال قتادة : يقال لهما الزنج وقال الكلبي : هم تارس وهاويل ومنسك حفاة عراة عماة عن الحق يتسافدون مثل الكلاب ويتهارجون تهارج الحمر وقيل : هم أهل جابلق وهم من نسل مؤمني عاد الذين آمنوا بهود ويقال لهم بالسريانية مرقيسا والذين عند مغرب الشمس هم أهل جابرس ولكل واحدة من المدينتين عشرة آلاف باب بين كل بابين فرسخ ووراء جابلق أمم وهم تافيل وتارس وهم يجاورون يأجوج ومأجوج وأهل جابرس وجابلق آمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام مر بهم ليلة الاسراء فدعاهم فأجابوه ودعا الأمم الآخرين فلم يجيبوه ذكره السهيلي وقال : اختصرت هذا كله من حديث طويل رواه مقاتل بن حيان عن عكرمة عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه الطبري مسندا إلى مقاتل يرفعه والله أعلم قوله تعالى : ( لم نجعل لهم من دونها سترا ) أي حجابا يستترون منها عند طلوعها قال قتادة : لم يكن بينهم وبين الشمس ستر كانوا في مكان لا يستقر عليه بناء وهم يكونون في أسراب لهم حتى إذا زالت الشمس عنهم رجعوا إلى معايشهم وحروثهم يعنى لا يستترون منها بكهف جبل ولا بيت يكنهم منها وقال أمية : وجدت رجالا بسمرقند يحدثون الناس فقال بعضهم : خرجت حتى جاوزت الصين فقيل لي : إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة فاستأجرت رجلا يرينيهم حتى صبحتهم فوجدت أحدهم يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى وكان صاحبي يحسن كلامهم فبتنا بهم فقالوا : فيم جئتم قلنا : جئنا ننظر كيف تطلع الشمس فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشى علي ثم أفقت وهم يمسحونني بالدهن فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي على الماء كهيئة الزيت وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط فلما ارتفعت أدخلوني سربا لهم فلما ارتفع النهار وزالت الشمس عن رؤوسهم خرجوا يصطادون السمك فيطرحونه في الشمس فينضج وقال بن جريج : جاءهم جيش مرة فقال لهم أهلها : لا تطلع الشمس وأنتم بها فقالوا : ما نبرح حتى تطلع الشمس ثم قالوا : ما هذه العظام قالوا : هذه والله عظام جيش طلعت عليهم الشمس ها هنا فماتوا قال : فولوا هاربين في الأرض وقال الحسن : كانت أرضهم لا جبل فيها ولا شجر وكانت لا تحمل البناء فإذا طلعت عليهم الشمس نزلوا في الماء فإذا ارتفعت عنهم خرجوا فيتراعون كما تتراعى البهائم قلت : وهذه الأقوال تدل على أن لا مدينة هناك والله أعلم وربما يكون منهم من يدخل في النهر ومنهم من يدخل في السرب فلا تناقض بين قول الحسن وقتادة < <

Sección V11/P054

الكهف : ( 92 ) ثم أتبع سببا > > < > ( الكهف 92 : 98 ) <

Sección V11/P054–V11/P063

> قوله تعالى : ( ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين ) وهما جبلان من قبل أرمينية وأذربيجان روى عطاء الخرساني عن بن عباس : ( بين السدين ) الجبلين أرمينية وأذربيجان ( وجد من دونهما ) أي من ورائهما : ( قوما لا يكادون يفقهون قولا ) وقرأ حمزة والكسائي ( يفقهون ) بضم الياء وكسر القاف من أفقه إذا أبان أي لا يفقهون غيرهم كلاما الباقون بفتح الياء والقاف أي يعلمون والقراءتان صحيحتان فلا هم يفقهون من غيرهم ولا يفقهون غيرهم قوله تعالى : ( قالوا يا ذا القرنين ) أي قالت له أمة من الانس صالحة : ( إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض ) قال الأخفش : من همز ( يأجوج ) فجعل الألفين من الأصل يقول : يأجوج يفعول ومأجوج مفعول كأنه من أجيج النار قال : ومن لا يهمز ويجعل الألفين زائدتين يقول : ( ياجوج ) من يججت وماجوج من مججت وهما غير مصروفين قال رؤبة : لو أن ياجوج وماجوج معا وعاد عاد واستجاشوا تبعا ذكره الجوهري وقيل : إنما لم ينصرفا لأنهما اسمان أعجميان مثل طالوت وجالوت غير مشتقين علتاهما في منع الصرف العجمة والتعريف والتأنيث وقالت فرقة : هو معرب من أج وأجج علتاه في منع الصرف التعريف والتأنيث وقال أبو علي : يجوز أن يكونا عربيين فمن همز ( يأجوج ) فهو على وزن يفعول مثل يربوع من قولك أجت النار أي ضويت ومنه الأجيج ومنه ملح أجاج ومن لم يهمز أمكن أن يكون خفف الهمزة فقلبها ألفا مثل راس وأما مأجوج ) فهو مفعول من ( أج ) والكلمتان من أصل واحد في الاشتقاق ومن لم يهمز فيجوز أن يكون خفف الهمزة ويجوز أن يكون فاعولا من مج وترك الصرف فيهما للتأنيث والتعريف كأنه اسم للقبيلة واختلف في إفسادهم سعيد بن عبد العزيز : إفسادهم أكل بني آدم وقالت فرقة : إفسادهم إنما كان متوقعا أي سيفسدون فطلبوا وجه التحرز منهم وقالت فرقة : إفسادهم هو الظلم والغشم والقتل وسائر وجوه الافساد المعلوم من البشر والله أعلم وقد وردت أخبار بصفتهم وخروجهم وأنهم ولد يافث روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ولد لنوح سام وحام ويافث فولد سام العرب وفارس والروم والخير فيهم وولد يافث يأجوج ومأجوج والترك والصقالبة ولا خير فيهم وولد حام القبط والبربر والسودان ( وقال كعب الأحبار : احتلم آدم عليه السلام فاختلط ماؤه بالتراب فأسف فخلقوا من ذلك الماء فهم متصلون بنا من جهة الأب لا من جهة الأم وهذا فيه نظر لأن الأنبياء صلوات الله عليهم لا يحتلمون وإنما هم من ولد يافث وكذلك قال مقاتل وغيره وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يموت رجل منهم حتى يولد لصلبه ألف رجل ( يعني يأجوج ومأجوج وقال أبو سعيد : هم خمس وعشرون قبيلة من وراء يأجوج ومأجوج لا يموت الرجل من هؤلاء ومن يأجوج ومأجوج حتى يخرج من صلبه ألف رجل ذكره القشيري وقال عبد الله بن مسعود : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن يأجوج ومأجوج فقال عليه الصلاة والسلام : ( يأجوج ومأجوج أمتان كل أمة أربعمائة ألف أمة كل أمة لا يعلم عددها إلا الله لا يموت الرجل منهم حتى يولد له ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح ( قيل : يا رسول الله صفهم لنا قال : ( هم ثلاثة أصناف صنف منهم أمثال الأرز شجر بالشام طول الشجرة عشرون ومائة ذراع وصنف عرضه وطوله سواء نحوا من الذراع وصنف يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه ويأكلون من مات منهم مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان يشربون أنهار الشرق وبحيرة طبرية فيمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس ( وقال علي رضي الله تعالى عنه : وصنف منهم في طول شبر لهم مخالب وأنياب السباع وتداعى الحمام وتسافد البهائم وعواء الذئاب وشعور تقيهم الحر والبرد وآذان عظام إحداها وبرة يشتون فيها والأخرى جلدة يصيفون فيها يحفرون السد حتى كادوا ينقبونه فيعيده الله كما كان فيقولون : ننقبه غدا إن شاء الله تعالى فينقبونه ويخرجون ويتحصن الناس بالحصون فيرمون إلى السماء فيرد السهم عليهم ملطخا بالدم ثم يهلكهم الله تعالى بالنغف في رقابهم ذكره الغزنوي وقال علي عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( يأجوج أمة لها أربعمائة أمير وكذا مأجوج لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف فارس من ولده ( قلت : وقد جاء مرفوعا من حديث أبي هريرة خرجه بن ماجة في السنن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن يأجوج ومأجوج يحفران كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا فيعيده الله أشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله تعالى أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله تعالى فاستثنوا فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس فينشفون الماء ويتحصن الناس منهم في حصونهم فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع عليها الدم الذي أحفظ فيقولون قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء فيبعث الله تعالى عليهم نغفا في أقفائهم فيقتلهم بها ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكرا من لحومهم ( قال الجوهري شكرت الناقة تشكر شكرا فهي شكرة وأشكر الضرع امتلأ لبنا وقال وهب بن منبه : رآهم ذو القرنين وطول الواحد منهم مثل نصف الرجل المربوع منا لهم مخاليب في مواضع الأظفار وأضراس وأنياب كالسباع وأحناك كأحناك الابل وهم هلب عليهم من الشعر ما يواريهم ولكل واحد منهم أذنان عظيمتان يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى وكل واحد منهم قد عرف أجله لا يموت حتى يخرج له من صلبه ألف رجل إن كان ذكرا ومن رحمها ألف أنثى إن كانت أنثى وقال السدي والضحاك : الترك شرذمة من يأجوج ومأجوج خرجت تغير فجاء ذو القرنين فضرب السد فبقيت في هذا الجانب قال السدي : بنى السد على إحدى وعشرين قبيلة وبقيت منهم قبيلة واحدة دون السد فهم الترك وقاله قتادة قلت : وإذا كان هذا فقد نعت النبي صلى الله عليه وسلم الترك كما نعت يأجوج ومأجوج فقال عليه الصلاة والسلام : ( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون الترك قوما وجوههم كالمجان المطرقة يلبسون الشعر ويمشون في الشعر ( في رواية ( ينتعلون الشعر ( خرجه مسلم وأبو داود وغيرهما ولما علم النبي صلى الله عليه وسلم عددهم وكثرتهم وحدة شوكتهم قال عليه الصلاة والسلام : ( اتركوا الترك ما تركوكم ( وقد خرج منهم في هذا الوقت أمم لا يحصيهم إلا الله تعالى ولا يردهم عن المسلمين إلا الله تعالى حتى كأنهم يأجوج ومأجوج أو مقدمتهم وروى أبو داود عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ينزل ناس من أمتي بغائط يسمونه البصرة عند نهر يقال له دجلة يكون عليه جسر يكثر أهلها وتكون من أمصار المهاجرين قال بن يحيى قال أبو معمر وتكون من أمصار المسلمين فإذا كان في آخر الزمان جاء بنو قنطوراء عراض الوجوه صغار الأعين حتى ينزلوا على شاطئ النهر فيتفرق أهلها ثلاث فرق فرقة يأخذون أذناب البقر والبرية وهلكوا وفرقة يأخذون لأنفسهم وكفروا وفرقة يجعلون ذراريهم خلف ظهورهم ويقاتلونهم وهم الشهداء ( الغائط المطمئن من الأرض والبصرة الحجارة الرخوة وبها سميت البصرة وبنو قنطوراء هم الترك يقال : إن قنطوراء اسم جارية كانت لابراهيم صلوات الله وسلامه عليه ولدت له أولادا جاء من نسلهم الترك قوله تعالى : ( فهل نجعل لك خرجا على أن نجعل بيننا وبينهم سدا ) فيه مسئلتان : الاولى قوله تعالى : ( فهل نجعل لك خرجا ) استفهام على جهة حسن الأدب ( خرجا ) أي جعلا وقرئ ( خراجا ) والخرج أخص من الخراج يقال : أدخرج رأسك وخراج مدينتك وقال الأزهري : الخراج يقع على الضريبة ويقع على مال الفيء ويقع على الجزية وعلى الغلة والخراج اسم لما يخرج من الفرائض في الأموال والخرج : المصدر وقوله تعالى : ( على أن نجعل بيننا وبينهم سدا ) أي ردما والردم ما جعل بعضه على بعض حتى يتصل وثوب مردم أي مرقع قاله الهروي يقال : ردمت الثلمة أردمها بالكسر ردما أي سددتها والردم أيضا الاسم وهو السد وقيل الردم أبلغ من السد إذ السد كل ما يسد به والردم وضع الشيء على الشيء من حجارة أو تراب أو نحوه حتى يقوم من ذلك حجاب منيع ومنه ردم ثوبه إذا رقعه برقاع متكاثفة بعضها فوق بعض ومنه قول عنترة : هل غادر الشعراء من متردم أي من قول يركب بعضه على بعض وقرئ ( سدا ) بالفتح في السين فقال الخليل وسيبويه : الضم هو الاسم والفتح المصدر وقال الكسائي : الفتح والضم لغتان بمعنى واحد وقال عكرمة وأبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة : ما كان من خلقة الله لم يشارك فيه أحد بعمل فهو بالضم وما كان من صنع البشر فهو بالفتح ويلزم أهل هذه المقالة أن يقرءوا ( سدا ) بالفتح وقبله ( بين السدين ) بالضم وهي قراءة حمزة والكسائي وقال أبو حاتم عن بن عباس وعكرمة عكس ما قال أبو عبيدة وقال بن أبي إسحاق : ما رأته عيناك فهو سد بالضم وما لا ترى فهو سد بالفتح الثانية في هذه الآية دليل على اتخاذ السجون وحبس أهل الفساد فيها ومنعهم من التصرف لما يريدونه ولا يتركون وما هم عليه بل يوجعون ضربا ويحبسون أو يكلفون ويطلقون كما فعل عمر رضي الله عنه قوله تعالى : ( قال ما مكني فيه ربي خير ) فيه مسئلتان : للأولى قوله تعالى : ( قال ما مكني فيه ربي خير ) المعنى قال لهم ذو القرنين : ما بسطه الله تعالى لي من القدرة والملك خير من خرجكم وأموالكم ولكن أعينوني بقوة الأبدان أي برجال وعمل منكم بالأبدان والآلة التي أبني بها الردم وهو السد وهذا تأييد من الله تعالى لذي القرنين في هذه المحاورة فإن القوم لو جمعوا له خرجا لم يعنه أحد ولوكلوه إلى البنيان ومعونته بأنفسهم أجمل به وأسرع في انقضاء هذا العمل وربما أربى ما ذكروه له على الخرج وقرأ بن كثير وحده ( ما مكنني ) بنونين وقرأ الباقون ( ما مكني فيه ربي ) الثانية في هذه الآية دليل على أن الملك فرض عليه أن يقوم بحماية الخلق في حفظ بيضتهم وسد فرجتهم وإصلاح ثغورهم من أموالهم التي تفيء عليهم وحقوقهم التي تجمعها خزانتهم تحت يده ونظره حتى لو أكلتها الحقوق وأنفذتها المؤن لكان عليهم جبر ذلك من أموالهم وعليه حسن النظر لهم وذلك بثلاثة شروط : الأول ألا يستأثر عليهم بشيء الثاني أن يبدأ بأهل الحاجة فيعينهم الثالث أن يسوي في العطاء بينهم على قدر منازلهم فإذا فنيت بعد هذا وبقيت صفرا فأطلعت الحوادث أمرا بذلوا أنفسهم قبل أموالهم فإن لم يغن ذلك فأموالهم تؤخذ منهم على تقدير وتصرف بتدبير فهذا ذو القرنين لما عرضوا عليه المال في أن يكف عنهم ما يحذرونه من عادية يأجوج ومأجوج قال : لست أحتاج إليه وإنما أحتاج إليكم ( فأعينوني بقوة ) أي اخدموا بأنفسكم معي فإن الأموال عندي والرجال عندكم ورأى أن الأموال لا تغني عنهم فإنه إن أخذها أجرة نقص ذلك مما يحتاج إليه فيعود بالأجر عليهم فكان التطوع بخدمة الأبدان أولى وضابط الأمر أنه لا يحل مال أحد إلا لضرورة تعرض فيؤخذ ذلك المال جهرا لا سرا وينفق بالعدل لا بالاستئثار وبرأي الجماعة لا بالاستبداد بالأمر والله تعالى الموفق للصواب قوله تعالى : ( آتوني زبر الحديد ) أي أعطوني زبر الحديد وناولونيها أمرهم بنقل الآلة وهذا كله إنما هو استدعاء العطية التي بغير معنى الهبة وإنما هو استدعاء للمناولة لأنه قد ارتبط من قوله : إنه لا يأخذ منهم الخرج فلم يبق إلا استدعاء المناولة وأعمال الأبدان ( وزبر الحديد ) قطع الحديد وأصل الكلمة الاجتماع ومنه زبرة الأسد لما اجتمع من الشعر على كاهله وزبرت الكتاب أي كتبته وجمعت حروفه وقرأ أبو بكر والمفضل ( ردما ايتوني ) من الاتيان الذي هو المجيء أي جيئوني بزبر الحديد فلما سقط الخافض انتصب الفعل على نحو قول الشاعر : أمرتك الخير حذف الجار فنصب الفعل وقرأ الجمهور ( زبر ) بفتح الباء وقرأ الحسن بضمها وكل ذلك جمع زبرة وهي القطعة العظيمة منه قوله تعالى : ( حتى إذا ساوى ) يعني البناء فحذف لقوة الكلام عليه ( بين الصدفين ) قال أبو عبيدة : هما جانبا الجبل وسميا بذلك لتصادفهما أي لتلاقيهما وقاله الزهري وبن عباس كأنه يعرض عن الآخر من الصدوف قال الشاعر : كلا الصدفين ينفذه سناها توقد مثل مصباح الظلام ويقال للبناء المرتفع صدف تشبيه بجانب الجبل وفي الحديث : كان إذا مر بصدف مائل أسرع المشي قال أبو عبيد : الصدف والهدف كل بناء عظيم مرتفع بن عطية : الصدفان الجبلان المتناوحان ولا يقال للواحد صدف وإنما يقال صدفان للأثنين لأن أحدهما يصادف الآخر وقرأ نافع وحمزة والكسائي ( الصدفين ) بفتح الصاد وشدها وفتح الدال وهي قراءة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وعمر بن عبد العزيز وهي اختيار أبي عبيدة لأنها أشهر اللغات وقرأ بن كثير وبن عامر وأبو عمرو ( الصدفين ) بضم الصاد والدال وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ( الصدفين ) بضم الصاد وسكون الدال نحو الجرف والجرف فهو تخفيف وقرأ بن الماجشون بفتح الصاد وضم الدال وقرأ قتادة ( بين الصدفين ) بفتح الصاد وسكون الدال وكل ذلك بمعنى واحد وهما الجبلان المتناوحان قوله تعالى : ( قال انفخوا ) إلى آخر الآية أي على زبر الحديد بالأكيار وذلك أنه كان يأمر بوضع طاقة من الزبر والحجارة ثم يوقد عليها الحطب والفحم بالمنافخ حتى تحمى والحديد إذا أوقد عليه صار كالنار فذلك قوله تعالى : ( حتى إذا جعله نارا ) ثم يؤتى بالنحاس المذاب أو بالرصاص أو بالحديد بحسب الخلاف في القطر فيفرغه على تلك الطاقة المنضدة فإذا التأم واشتد ولصق البعض بالبعض استأنف وضع طاقة أخرى إلى أن استوى العمل فصار جبلا صلدا قال قتادة : هو كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه رجل فقال : يا رسول الله إني رأيت سد يأجوج ومأجوج قال : ( كيف رأيته ( قال : رأيته كالبرد المحبر طريقة صفراء وطريقة حمراء وطريقة سوداء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قد رأيته ( ومعنى ( حتى إذا جعله نارا ) أي كالنار ومعنى ( آتوني أفرغ عليه قطرا ) أي أعطوني قطرا أفرغ عليه على التقديم والتأخير ومن قرأ ( ائتوني ) فالمعنى عنده تعالوا أفرغ عليه نحاسا والقطر عند أكثر المفسرين النحاس المذاب وأصله من القطر لأنه إذا أذيب قطر كما يقطر الماء وقالت فرقة : القطر الحديد المذاب وقالت فرقة منهم بن الأنباري الرصاص المذاب وهو مشتق من قطر يقطر قطرا ومنه ( وأسلنا له عين القطر ) قوله تعالى : ( فما اسطاعوا أن يظهروه ) أي ما استطاع يأجوج ومأجوج أن يعلوه ويصعدوا فيه لأنه أملس مستو مع الجبل والجبل عال لا يرام وارتفاع السد مائتا ذراع وخمسون ذراعا وروي : في طوله ما بين طرفي الجبلين مائة فرسخ وفي عرضه خمسون فرسخا قاله وهب بن منبه ( وما استطاعوا له نقبا ) لبعد عرضه وقوته وروى في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ( وعقد وهب بن منبه بيده تسعين وفي رواية وحلق بإصبعه الابهام والتي تليها وذكر الحديث وذكر يحيى بن سلام عن سعد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن يأجوج ومأجوج يخرقون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستخرقونه غدا فيعيده الله كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه إن شاء الله فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيخرقونه ويخرجون على الناس ( الحديث وقد تقدم قوله تعالى : ( فما اسطاعوا ) بتخفيف الطاء على قراءة الجمهور وقيل : هي لغة بمعنى استطاعوا وقيل : بل استطاعوا بعينه كثر في كلام العرب حتى حذف بعضهم منه التاء فقالوا : اسطاعوا وحذف بعضهم منه الطاء فقال : استاع يستيع بمعنى استطاع يستطيع وهي لغة مشهورة وقرأ حمزة وحده ( فما اسطاعوا ) بتشديد الطاء كأنه أراد استطاعوا ثم أدغم التاء في الطاء فشددها وهي قراءة ضعيفة الوجه قال أبو علي : هي غير جائزة وقرأ الأعمش ( فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا ) بالتاء في الموضعين قوله تعالى : ( قال هذا رحمة من ربي ) القائل ذو القرنين وأشار بهذا إلى الردم والقوة عليه والانتفاع به في دفع ضرر يأجوج ومأجوج وقرأ بن أبي عبلة ( هذه رحمة من ربي ) قوله تعالى : ( فإذا جاء وعد ربي ) أي يوم القيامة وقيل : وقت خروجهم ( جعله دكا ) أي مستويا بالأرض ومنه قوله تعالى : ( إذا دكت الأرض الفجر ) قال بن عرفة : أي جعلت مستوية لا أكمة فيها ومنه قوله تعالى : ( جعله دكاء ) قال اليزيدي : أي مستويا يقال : ناقة دكاء إذا ذهب سنامها وقال القتبي : أي جعله مدكوكا ملصقا بالأرض وقال الكلبي : قطعا متكسرا قال : هل غير غاد دك غارا فانهدم وقال الأزهري : يقال دككته أي دققته ومن قرأ ( دكاء ) أراد جعل الجبل أرضا دكاء وهي الرابية التي لا تبلغ أن تكون جبلا وجمعها دكاوات قرأ حمزة وعاصم والكسائي ( دكاء ) بالمد على التشبيه بالناقة الدكاء وهي التي لا سنام لها وفي الكلام حذف تقديره : جعله مثل دكاء ولا بد من تقدير هذا الحذف لأن السد مذكر فلا يوصف بدكاء ومن قرأ ( دكا ) فهو مصدر دك يدك إذا هدم ورض ويحتمل أن يكون ( جعل ) بمعنى خلق وينصب ( دكا ) على الحال وكذلك النصب أيضا في قراءة من مد يحتمل الوجهين < <

Sección V11/P063

الكهف : ( 99 ) وتركنا بعضهم يومئذ . . . . . > > < > ( الكهف 99 : 110 ) <

Sección V11/P063–V11/P067

> قوله تعالى : ( وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ) الضمير في ( تركنا ) لله تعالى أي تركنا الجن والانس يوم القيامة يموج بعضهم في بعض وقيل : تركنا يأجوج ومأجوج ( يومئذ ) أي وقت كمال السد يموج بعضهم في بعض واستعارة الموج لهم عبارة عن الحيرة وتردد بعضهم في بعض كالمولهين من هم وخوف فشبههم بموج البحر الذي يضطرب بعضه في بعض وقيل : تركنا يأجوج ومأجوج يوم انفتاح السد يموجون في الدنيا مختلطين لكثرتهم قلت : فهذه ثلاثة أقوال أظهرها أوسطها وأبعدها آخرها وحسن الأول لأنه تقدم ذكر القيامة في تأويل قوله تعالى : ( فإذا جاء وعد ربي ) والله أعلم قوله تعالى : ( ونفخ في الصور ) تقدم في ! الأنعام فجمعناهم جمعا يعني الجن والانس في عرصات القيامة ( وعرضنا جهنم ) أي أبرزناها لهم ( يومئذ للكافرين عرضا ) ( الذين كانت أعينهم ) في موضع خفض نعت ( للكافرين ) ( في غطاء عن ذكري ) أي هم بمنزلة من عينه مغطاة فلا ينظر إلى دلائل الله تعالى ( وكانوا لا يستطيعون سمعا ) أي لا يطيقون أن يسمعوا كلام الله تعالى فهم بمنزلة من صم قوله تعالى : ( أفحسب الذين كفروا ) أي ظن وقرأ علي وعكرمة ومجاهد وبن محيصن ( أفحسب ) بإسكان السين وضم الباء أي كفاهم ( أن يتخذوا عبادي ) يعني عيسى والملائكة وعزيرا ( من دوني أولياء ) ولا أعاقبهم ففي الكلام حذف وقال الزجاج : المعنى أفحسبوا أن ينفعهم ذلك ( إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا ) قوله تعالى : ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ) إلى قوله : ( وزنا ) فيه مسئلتين : الأولى قوله تعالى : ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ) الآية فيه دلالة على أن من الناس من يعمل العمل وهو يظن أنه محسن وقد حبط سعيه والذي يوجب إحباط السعي إما فساد الإعتقاد أو المراءاة والمراد هنا الكفر روى البخاري عن مصعب قال سألت : أبي ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ) أهم الحرورية قال : لا هم اليهود والنصارى أما اليهود فكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم وأما النصارى فكفروا بالجنة فقالوا : لا طعام فيها ولا شراب والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه وكان سعد يسميهم الفاسقين والآية معناها التوبيخ أي قل لهؤلاء الكفرة الذين عبدوا غيري : يخيب سعيهم وآمالهم غدا فهم الأخسرون أعمالا وهم ( الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) في عبادة من سواي قال بن عباس : يريد كفار أهل مكة وقال علي : هم الخوارج أهل حروراء وقال مرة : هم الرهبان أصحاب الصوامع وروى أن بن الكواء سأله عن الأخسرين أعمالا فقال له : أنت وأصحابك قال بن عطية : ويضعف هذا كله قوله تعالى بعد ذلك : ( أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم ) وليس من هذه الطوائف من يكفر بالله ولقائه والبعث والنشور وإنما هذه صفة مشركي مكة عبدة الأوثان وعلي وسعد رضي الله عنهما ذكرا أقواما أخذوا بحظهم من هذه الآية و ( أعمالا ) نصب على التمييز و ( حبطت ) قراءة الجمهور بكسر الباء وقرأ بن عباس ( حبطت ) بفتحها الثانية قوله تعالى : ( فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ) قراءة الجمهور ( نقيم ) بنون العظمة وقرأ مجاهد بياء الغائب يريد فلا يقيم الله عز وجل وقرأ عبيد بن عمير ( فلا يقوم ) ويلزمه أن يقرأ ( وزن ) وكذلك قرأ مجاهد ( فلا يقوم لهم يوم القيامة وزن ) قال عبيد بن عمير : يؤتى يوم القيامة بالرجل العظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن عند الله جناح بعوضة قلت : هذا لا يقال مثله من جهة الرأي وقد ثبت معناه مرفوعا في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة اقرؤوا إن شئتم ( فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ) والمعنى أنهم لا ثواب لهم وأعمالهم مقابلة بالعذاب فلا حسنة لهم توزن في موازين القيامة ومن لا حسنة له فهو في النار وقال أبو سعيد الخدري : يؤتى بأعمال كجبال تهامة فلا تزن شيئا وقيل : يحتمل أن يريد المجاز والاستعارة كأنه قال : فلا قدر لهم عندنا يومئذ والله أعلم وفي هذا الحديث من الفقه ذم السمن لمن تكلفه لما في ذلك من تكلف المطاعم والاشتغال بها عن المكارم بل يدل على تحريم الأكل الزائد على قدر الكفاية المبتغى به الترفه والسمن وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( إن أبغض الرجال إلى الله تعالى الحبر السمين ( ومن حديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خيركم قرني ثم الذين يلونهم قال عمران فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة ثم إن من بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن ( وهذا ذم وسبب ذلك أن السمن المكتسب إنما هو من كثرة الأكل والشره والدعة والراحة والأمن والاسترسال مع النفس على شهواتها فهو عبد نفسه لا عبد ربه ومن كان هذا حاله وقع لا محالة في الحرام وكل لحم تولد عن سحت فالنار أولى به وقد ذم الله تعالى الكفار بكثرة الأكل فقال : ( والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الانعام والنار مثوى لهم محمد ) فإذا كان المؤمن يتشبه بهم ويتنعم بتنعمهم في كل أحواله وأزمانه فأين حقيقة الايمان والقيام بوظائف الاسلام ومن كثر أكله وشربه كثر نهمه وحرصه وزاد بالليل كسله ونومه فكان نهاره هائما وليله نائما وقد مضى في الأعراف هذا المعنى وتقدم فيها ذكر الميزان وأن له كفتين توزن فيهما صحائف الأعمال فلا معنى للاعادة وقال عليه الصلاة والسلام حين ضحكوا من حمش ساق بن مسعود وهو يصعد النخلة : ( تضحكون من ساق توزن بعمل أهل الأرض ( فدل هذا على أن الأشخاص توزن ذكره الغزنوي قوله تعالى : ( ذلك جزاؤهم ) ( ذلك ) إشارة إلى ترك الوزن وهو في موضع رفع بالابتداء ( جزاؤهم ) خبره و ( جهنم ) يدل على المبتدإ الذي هو ( ذلك ) و ( ما ) في قوله : ( بما كفروا ) مصدرية والهزء الاستخفاف والسخرية وقد تقدم

Sección V11/P067–V11/P071

قوله تعالى : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا ) قال قتادة : الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأعلاها وأفضلها وأرفعها وقال أبو أمامة الباهلي : الفردوس سرة الجنة وقال كعب : ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس فيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها ( قالوا : يا رسول الله أفلا نبشر الناس قال : ( إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة أراه قال وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة ( وقال مجاهد : والفردوس البستان بالرومية الفراء : هو عربي والفردوس حديقة في الجنة وفردوس اسم روضة دون اليمامة والجمع فراديس قال أمية بن أبي الصلت الثقفي : كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة فيها الفراديس والفومان والبصل والفراديس موضع بالشام وكرم مفردس أي معرش ( خالدين فيها ) أي دايمين ( لا يبغون عنها حولا ) أي لا يطلبون تحويلا عنها إلى غيرها والحول بمعنى التحويل قاله أبو علي وقال الزجاج : حال من مكانه حولا كما يقال : عظم عظما قال : ويجوز أن يكون من الحيلة أي لا يحتالون منزلا غيرها قال الجوهري : التحول التنقل من موضع إلى موضع والاسم الحول ومنه قوله تعالى : ( خالدين فيها لا يبغون عنها حولا ) قوله تعالى : ( قل لو كان البحر مدادا لكمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ) نفد الشيء إذا تم وفرغ وقد تقدم ( ولو جئنا بمثله مددا ) أي زيادة على البحر عددا أو وزنا وفي مصحف أبي ( مدادا ) وكذلك قرأها مجاهد وبن محيصن وحميد وانتصب ( مددا ) على التمييز أو الحال وقال بن عباس : قالت اليهود لما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) قالوا : وكيف وقد أوتينا التوراة ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا فنزلت ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر ) الآية وقيل : قالت اليهود إنك أوتيت الحكمة ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ثم زعمت أنك لا علم لك بالروح فقال الله تعالى قل : وإن أوتيت القرآن وأوتيتم التوراة فهي بالنسبة إلى كلمات الله تعالى قليلة قال بن عباس : ( كلمات ربي ) أي مواعظ ربي وقيل : عنى بالكلمات الكلام القديم الذي لا غاية له ولا منتهى وهو وإن كان واحدا فيجوز أن يعبر عنه بلفظ الجمع لما فيه من فرائد الكلمات ولأنه ينوب منابها فجازت العبارة عنها بصيغة الجمع تفخيما وقال الأعشى : ووجه نقي اللون صاف يزينه مع الجيد لبات لها ومعاصم فعبر باللبات عن اللبة وفي التنزيل ( نحن أولياؤكم ) و ( إنا نحن نزلنا الذكر الحجر ) ( وإنا لنحن نحيي ونميت الحجر ) وكذلك ( إن إبراهيم كان أمة ) لأنه ناب مناب أمة وقيل : أي ما نفدت العبارات والدلالات التي تدل على مفهومات معاني كلامه سبحانه وتعالى وقال السدي : أي إن كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد صفات الجنة التي هي دار الثواب وقال عكرمة : لنفد البحر قبل أن ينفد ثواب من قال لا إله إلا الله ونظير هذه الآية ( ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله لقمان ) وقرأ حمزة والكسائي ( قبل أن ينفد ) بالياء لتقدم الفعل قوله تعالى : ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي ) أي لا أعلم إلا ما يعلمني الله تعالى وعلم الله تعالى لا يحصى وإنما أمرت بأن أبلغكم بأنه لا إله إلا الله ( فمن كان يرجو لقاء ربه ) أي يرجو رؤيته وثوابه ويخشى عقابه ( فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) قال بن عباس : نزلت في جندب بن زهير العامري قال : يا رسول الله إني أعمل العمل لله تعالى وأريد وجه الله تعالى إلا أنه إذا اطلع عليه سرني فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب ولا يقبل ما شورك فيه ( فنزلت الآية وقال طاوس قال رجل : يا رسول الله إني أحب الجهاد في سبيل الله تعالى وأحب أن يرى مكاني فنزلت هذه الآية وقال مجاهد : جاء رجل للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني أتصدق وأصل الرحم ولا أصنع ذلك إلا لله تعالى فيذكر ذلك مني وأحمد عليه فيسرني ذلك وأعجب به فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا فأنزل الله تعالى ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) قلت : والكل مراد والآية تعم ذلك كله وغيره من الأعمال وقد تقدم في سورة هود حديث أبي هريرة الصحيح في الثلاثة الذين يقضى عليهم أول الناس وقد تقدم في سورة النساء الكلام على الرياء وذكرنا من الأخبار هناك ما فيه كفاية وقال الماوردي وقال جميع أهل التأويل : معنى قوله تعالى : ( ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) إنه لا يرائي بعمله أحدا وروى الترمذي الحكيم رحمه الله تعالى في [ نوادر الأصول ] قال : حدثنا أبي رحمه الله تعالى قال : حدثنا مكي بن إبراهيم قال : حدثنا عبد الواحد بن زيد عن عبادة بن نسي قال : أتيت شداد بن أوس في مصلاه وهو يبكي فقلت : ما الذي أبكاك يا أبا عبد الرحمن قال : حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما إذ رأيت بوجهه أمرا ساءني فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما الذي أرى بوجهك قال : ( أمرا أتخوفه على أمتي من بعدي ( قلت : ما هو يا رسول الله قال : ( الشرك والشهوة الخفية ( قلت : يا رسول الله وتشرك أمتك من بعدك قال : ( يا شداد أما إنهم لا يعبدون شمسا ولا قمرا ولا حجرا ولا وثنا ولكنهم يراءون بأعمالهم ( قلت : والرياء شرك هو قال : ( نعم ( قلت : فما الشهوة الخفية قال : ( يصبح أحدهم صائما فتعرض له شهوات الدنيا فيفطر ( قال عبد الواحد : فلقيت الحسن فقلت : يا أبا سعيد أخبرني عن الرياء أشرك هو قال : نعم أما تقرأ ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) وروى إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا محمد بن أبي بكر قال حدثنا المعتمر بن سليمان عن ليث عن شهر بن حوشب قال : كان عبادة بن الصامت وشداد بن أوس جالسين فقالا : إنا نتخوف على هذه الأمة من الشرك والشهوة الخفية فأما الشهوة الخفية فمن قبل النساء وقالا : سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من صلى صلاة يرائي بها فقد أشرك ومن صام صياما يرائي به فقد أشرك ( ثم تلا ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) قلت : وقد جاء تفسير الشهوة الخفية بخلاف هذا وقد ذكرناه في النساء وقال سهل بن عبد الله : وسئل الحسن عن الاخلاص والرياء فقال : من الاخلاص أن تحب أن تكتم حسناتك ولا تحب أن تكتم سيئاتك فإن أظهر الله عليك حسناتك تقول هذا من فضلك وإحسانك وليس هذا من فعلي ولا من صنيعي وتذكر قوله تعالى : ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) والذين يؤتون ما آتوا الآية يؤتون الاخلاص وهم يخافون ألا يقبل منهم وأما الرياء فطلب حظ النفس من عملها في الدنيا قيل له : كيف يكون هذا قال : من طلب بعمل بينه وبين الله تعالى سوى وجه الله تعالى والدار الآخرة فهو رياء وقال علماؤنا رضي الله تعالى عنهم : وقد يفضي الرياء بصاحبه إلى استهزاء الناس به كما يحكى أن طاهر بن الحسين قال لأبي عبد الله المروزى منذ كم صرت إلى العراق يا أبا عبد الله قال : دخلت العراق منذ عشرين سنة وأنا منذ ثلاثين سنة صائم فقال يا أبا عبد الله سألناك عن مسألة فأجبتنا عن مسألتين وحكى الأصمعي أن أعرابيا صلى فأطال وإلى جانبه قوم فقالوا : ما أحسن صلاتك فقال : وأنا مع ذلك صائم أين هذا من قول الأشعث بن قيس وقد صلى فخفف فقيل له إنك خففت فقال : إنه لم يخالطها رياء فخلص من تنقصهم بنفي الرياء عن نفسه والتصنع من صلاته وقد تقدم في النساء دواء الرياء من قول لقمان وأنه كتمان العمل وروى الترمذي الحكيم حدثنا أبي رحمه الله تعالى قال : أنبأنا الحماني قال : أنبأنا جرير عن ليث عن شيخ عن معقل بن يسار قال قال أبو بكر وشهد به على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرك قال : ( هو فيكم أخفى من دبيب النمل وسأدلك على شيء إذا فعلته أذهب عنك صغار الشرك وكباره تقول اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم تقولها ثلاث مرات ( وقال عمر بن قيس الكندي سمعت معاوية تلا هذه الآية على المنبر ( فمن كان يرجو لقاء ربه ) فقال : إنها لآخر آية نزلت من السماء وقال عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أوحي إلي أنه من قرأ ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ) رفع له نور ما بين عدن إلى مكة حشوه الملائكة يصلون عليه ويستغفرون له ( وقال معاذ بن جبل قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه ومن قرأها كلها كانت له نورا من الأرض إلى السماء ( وعن بن عباس أنه قال له رجل : إني أضمر أن أقوم ساعة من الليل فيغلبني النوم فقال : إذا أردت أن تقوم أي ساعة شئت من الليل فاقرأ إذا أخذت مضجعك ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي ) إلى آخر السورة فإن الله تعالى يوقظك متى شئت من الليل ذكر هذه الفضائل الثعلبي رضي الله تعالى عنه وفي مسند الدارمي أبي محمد أخبرنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن عبدة عن زر بن حبيش قال : من قرأ آخر سورة الكهف لساعة يريد أن يقوم من الليل قامها قال عبدة فجربناه فوجدناه كذلك قال بن العربي : كان شيخنا الطرطوشي الأكبر يقول : لا تذهب بكم الأزمان في مصاولة الأقران ومواصلة الاخوان وقد ختم سبحانه وتعالى البيان بقوله : ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) نهاية سورة الكهف الجزء الحادي عشر للقرطبي <

Sección V11/P071–V11/P072

> تفسير سورة مريم عليها السلام < > وهي مكية بإجماع وهي تسعون وثمان آيات ولما كانت وقعة بدر وقتل الله فيها صناديد الكفار قال كفار قريش : إن ثأركم بأرض الحبشة فأهدوا إلى النجاشي وابعثوا إليه رجلين من ذوي رأيكم لعله يعطيكم من عنده من قريش فتقتلونهم بمن قتل منكم ببدر فبعث كفار قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعثهما فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري وكتب معه إلى النجاشي فقدم على النجاشي فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين وأرسل إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم ثم أمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ سورة مريم ( كهيعص ) وقاموا تفيض أعينهم من الدمع فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بان منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون وقرأ إلى قوله : الشاهدين ذكره أبو داود وفي السيرة فقال النجاشي : هل معك مما جاء به عن الله شيء قال جعفر : نعم فقال له النجاشي : اقرأه علي قال : فقرأ ( كهيعص ) فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكت أساقفتهم حتى أخضلوا لحاهم حين سمعوا ما يتلى عليهم فقال النجاشي : هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكما أبدا وذكر تمام الخبر < < مريم : ( 1 ) كهيعص > > < > ( مريم 1 : 15 ) <

Sección V11/P072–V11/P088

> قوله تعالى : ( كهيعص ) تقدم الكلام في أوائل السور وقال بن عباس في ( كهيعص ) : إن الكاف من كاف والهاء من هاد والياء من حكيم والعين من عليم والصاد من صادق ذكره بن عزيز القشيري عن بن عباس معناه كاف لخلقه هاد لعباده يده فوق أيديهم عالم بهم صادق في وعده ذكره الثعلبي عن الكلبي والسدي ومجاهد والضحاك وقال الكلبي أيضا : الكاف من كريم وكبير وكاف والهاء من هاد والياء من رحيم والعين من عليم وعظيم والصاد من صادق والمعنى واحد وعن بن عباس أيضا : هو اسم من أسماء الله تعالى وعن علي رضي الله عنه هو اسم الله عز وجل وكان يقول : يا كهيعص اغفر لي ذكره الغزنوي السدي : هو اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعى به أجاب قتادة : هو اسم من أسماء القرآن ذكره عبد الرزاق عن معمر عنه وقيل : هو اسم للسورة وهو اختيار القشيري في أوائل الحروف وعلى هذا قيل : تمام الكلام عند قوله : ( كهيعص ) كأنه إعلام باسم السورة كما تقول : كتاب كذا أو باب كذا ثم تشرع في المقصود وقرأ بن جعفر هذه الحروف متقطعة ووصلها الباقون وأمال أبو عمرو الهاء وفتح الياء وبن عامر وحمزة بالعكس وأمالهما جميعا الكسائي وأبو بكر وخلف وقرأهما بين اللفظين أهل المدينة نافع وغيره وفتحهما الباقون وعن خارجة أن الحسن كان يضم كاف وحكى غيره أنه كان يضم ها وحكى إسماعيل بن إسحاق أنه كان يضم يا قال أبو حاتم : ولا يجوز ضم الكاف والهاء والياء قال النحاس : قراءة أهل المدينة من أحسن ما في هذا والامالة جائزة في هاويا وأما قراءة الحسن فأشكلت على جماعة حتى قالوا : لا تجوز منهم أبو حاتم والقول فيها ما بينه هارون القارئ قال : كان الحسن يشم الرفع فمعنى هذا أنه كان يومئ كما حكى سيبويه أن من العرب من يقول : الصلاة والزكاة يومئ إلى الواو ولهذا كتبها في المصحف بالواو وأظهر الدال من هجاء ص نافع وبن كثير وعاصم ويعقوب وهو اختيار أبي عبيد وأدغمها الباقون قوله تعالى : ( ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا ) فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ذكر رحمة ربك ) في رفع ( ذكر ) ثلاثة أقوال قال الفراء : هو مرفوع ب ( كهيعص ) قال الزجاج : هذا محال لأن ( كهيعص ) ليس هو مما أنبأنا الله عز وجل به عن زكريا وقد خبر الله تعالى عنه وعن ما بشر به وليس ( كهيعص ) من قصته وقال الأخفش : التقدير فيما يقص عليكم ذكر رحمة ربك والقول الثالث : أن المعنى هذا الذي يتلوه عليكم ذكر رحمة ربك وقيل ذكر رحمة ربك رفع بإضمار مبتدإ أي هذا ذكر رحمة ربك وقرأ الحسن : ( ذكر رحمة ربك ) أي هذا المتلو من القرآن ذكر رحمة ربك وقريء ( ذكر ) على الأمر ( ورحمة ) تكتب ويوقف عليها بالهاء وكذلك كل ما كان مثلها لا اختلاف فيها بين النحويين واعتلوا في ذلك أن هذه الهاء لتأنيث الأسماء فرقا بينها وبين الأفعال الثانية قوله تعالى : ( عبده ) قال الأخفش : هو منصوب ب ( رحمة ) ( زكريا ) بدل منه كما تقول : هذا ذكر ضرب زيد عمرا فعمرا منصوب بالضرب كما أن ( عبده ) منصوب بالرحمة وقيل : هو على التقديم والتأخير معناه : ذكر ربك عبده زكريا برحمة ف ( عبده ) منصوب بالذكر ذكره الزجاج والفراء وقرأ بعضهم ( عبده زكريا ) بالرفع وهي قراءة أبي العالية وقرأ يحيى بن يعمر ( ذكر ) بالنصب على معنى هذا القرآن ذكر رحمة عبده زكريا وتقدمت اللغات والقراءة في ( زكريا ) في آل عمران الثالثة قوله تعالى : ( إذ نادى ربه نداء خفيا ) مثل قوله : ( ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ) وقد تقدم والنداء الدعاء والرغبة أي ناجى ربه بذلك في محرابه دليله قوله : ( فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب ) فبين أنه استجاب له في صلاته كما نادى في الصلاة واختلف في إخفائه هذا النداء فقيل : أخفاه من قومه لئلا يلام على مسألة الولد عند كبر السن ولأنه أمر دنيوي فإن أجيب فيه نال بغيته وإن لم يجب لم يعرف بذلك أحد وقيل : مخلصا فيه لم يطلع عليه إلا الله تعالى وقيل : لما كانت الأعمال الخفية أفضل وأبعد من الرياء أخفاه وقيل : ( خفيا ) سرا من قومه في جوف الليل والكل محتمل والأول أظهر والله أعلم وقد تقدم أن المستحب من الدعاء الاخفاء في سورة الأعراف وهذه الآية نص في ذلك لأنه سبحانه أثنى بذلك على زكريا وروى إسماعيل قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن أسامة بن زيد عن محمد بن عبد الرحمن وهو بن أبي كبشة عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي ( وهذا عام قال يونس بن عبيد : كان الحسن يرى أن يدعو الامام في القنوت ويؤمن من خلفه من غير رفع صوت وتلا يونس ( إذ نادى ربه نداء خفيا ) قال بن العربي : وقد أسر مالك القنوت وجهر به الشافعي والجهر به أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو به جهرا قوله تعالى : ( قال رب إني وهن العظم مني ) فيه مسئلتان : الأولى قوله تعالى : ( قال رب إني وهن ) قرئ ( وهن ) بالحركات الثلاث أي ضعف يقال : وهن يهن وهنا إذا ضعف فهو واهن وقال أبو زيد يقال : وهن يهن ووهن يوهن وإنما ذكر العظم لأنه عمود البدن وبه قوامه وهو أصل بنائه فإذا وهن تداعى وتساقط سائر قوته ولأنه أشد ما فيه وأصلبه فإذا وهن كان ما وراءه أوهن منه ووحده لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية وقصده إلى أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن ولو جمع لكان قصد إلى معنى آخر وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها الثانية قوله تعالى : ( واشتعل الرأس شيبا ) أدغم السين في الشين أبو عمرو وهذا من أحسن الاستعارة في كلام العرب والاشتعال انتشار شعاع النار شبه به انتشار الشيب في الرأس يقول : شخت وضعفت وأضاف الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا عليه السلام ( وشيبا ) في نصبه وجهان : أحدهما أنه مصدر لأن معنى اشتعل شاب وهذا قول الأخفش وقال الزجاج : وهو منصوب على التمييز النحاس : قول الأخفش أولى لأنه مشتق من فعل فالمصدر أولى به والشيب مخالطة الشعر الأبيض الأسود الثالثة قال العلماء : يستحب للمرء أن يذكر في دعائه نعم الله تعالى عليه وما يليق بالخضوع لأن قوله تعالى : ( وهن العظم مني ) إظهار للخضوع وقوله : ( ولم أكن بدعائك رب شقيا ) إظهار لعادات تفضله في إجابته أدعيته أي لم أكن بدعائي إياك شقيا أي لم تكن تخيب دعائي إذا دعوتك أي إنك عودتني الاجابة فيما مضى يقال : شقي بكذا أي تعب فيه ولم يحصل مقصوده وعن بعضهم أن محتاجا سأله وقال : أنا الذي أحسنت إليه في وقت كذا فقال : مرحبا بمن توسل بنا إلينا وقضى حاجته قوله تعالى : ( وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا ) فيه سبع مسائل : الأولى قوله تعاى : ( وإني خفت الموالي ) قرأ عثمان بن عفان ومحمد بن علي وعلي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما ويحيى بن يعمر ( خفت ) بفتح الخاء وتشديد الفاء وكسر التاء وسكون الياء من ( الموالي ) لأنه في موضع رفع ( بخفت ) ومعناه انقطعت بالموت وقرأ الباقون ( خفت ) بكسر الخاء وسكون الفاء وضم التاء ونصب الياء من ( الموالي ) لأنه في موضع نصب ب ( خفت ) و ( الموالي ) هنا الأقارب وبنو العم والعصبة الذين يلونه في النسب والعرب تسمي بني العم الموالي قال الشاعر : مهلا بني عمنا مهلا موالينا لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا قال بن عباس ومجاهد وقتادة : خاف أن يرثوا ماله وأن ترثه الكلالة فأشفق أن يرثه غير الولد وقالت طائفة : إنما كان مواليه مهملين للدين فخاف بموته أن يضيع الدين فطلب وليا يقوم بالدين بعده حكى هذا القول الزجاج وعليه فلم يسل من يرث ماله لأن الأنبياء لا تورث وهذا هو الصحيح من القولين في تأويل الآية وأنه عليه الصلاة والسلام أراد وراثة العلم والنبوة لا وراثة المال لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة ( وفي كتاب أبي داود : ( إن العلماء ورثة الأنبياء وأن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ورثوا العلم ( وسيأتي في هذا مزيد بيان عند قوله : ( يرثني ) الثانية هذا الحديث يدخل في التفسير المسند لقوله تعالى : ( وورث سليمان داود ) وعبارة عن قول زكريا : ( فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب ) وتخصيص للعموم في ذلك وأن سليمان لم يرث من داود مالا خلفه داود بعده وإنما ورث منه الحكمة والعلم وكذلك ورث يحيى من آل يعقوب هكذا قال أهل العلم بتأويل القرآن ما عدا الروافض وإلا ما روى عن الحسن أنه قال : ( يرثني ) مالا ( ويرث من آل يعقوب ) النبوة والحكمة وكل قول يخالف قول النبي صلى الله عليه وسلم فهو مدفوع مهجور قاله أبو عمر قال بن عطية : والأكثر من المفسرين على أن زكريا إنما أراد وراثة المال ويحتمل قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنا معشر الأنبياء لا نورث ( ألا يريد به العموم بل على أنه غالب أمرهم فتأمله والأظهر الأليق بزكريا عليه السلام أن يريد وراثة العلم والدين فتكون الوراثة مستعارة ألا ترى أنه لما طلب وليا ولم يخصص ولدا بلغه الله تعالى أمله على أكمل الوجوه وقال أبو صالح وغيره : قوله ( من آل يعقوب ) يريد العلم والنبوة الثالثة قوله تعالى : ( من ورائي ) قرأ بن كثير بالمد والهمز وفتح الياء وعنه أنه قرأ أيضا مقصورا مفتوح الياء مثل عصاي الباقون بالهمز والمد وسكون الياء والقراء على قراءة ( خفت ) مثل نمت إلا ما ذكرنا عن عثمان وهي قراءة شاذة بعيدة جدا حتى زعم بعض العلماء أنها لا تجوز قال كيف يقول : خفت الموالي من بعدي أي من بعد موتي وهو حي النحاس : والتأويل لها ألا يعنى بقوله : ( من ورائي ) أي من بعد موتي ولكن من ورائي في ذلك الوقت وهذا أيضا بعيد يحتاج إلى دليل أنهم خفوا في ذلك الوقت وقلوا وقد أخبر الله تعالى بما يدل على الكثرة حين قالوا : ( أيهم يكفل مريم ) بن عطية : ( من ورائي ) من بعدي في الزمن فهو الوراء على ما تقدم في الكهف الرابعة قوله تعالى : ( وكانت امرأتي عاقرا ) امرأته هي إيشاع بنت فاقوذا بن قبيل وهي أخت حنة بنت فاقوذا قاله الطبري وحنة هي أم مريم حسب ما تقدم في آل عمران بيانه وقال القتبي : امرأة زكريا هي إيشاع بنت عمران فعلى هذا القول يكون يحيى بن خالة عيسى عليهما السلام على الحقيقة وعلى القول الآخر يكون بن خالة أمه وفي حديث الاسراء قال عليه الصلاة والسلام : ( فلقيت ابنى الخالة يحيى وعيسى ( شاهدا للقول الأول والله أعلم والعاقر التي لا تلد لكبر سنها وقد مضى بيانه في آل عمران والعاقر من النساء أيضا التي لا تلد من غير كبر ومنه قوله تعالى : ( ويجعل من يشاء عقيما الشورى ) وكذلك العاقر من الرجال ومنه قول عامر بن الطفيل : لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا جبانا فما عذري لدى كل محضر الخامسة قوله تعالى : ( فهب لي من لدنك وليا ) سؤال ودعاء ولم يصرح بولد لما علم من حاله وبعده عنه بسبب المرأة قال قتادة : جرى له هذا الأمر وهو بن بضع وسبعين سنة مقاتل : خمس وتسعين سنة وهو أشبه فقد كان غلب على ظنه أنه لا يولد له لكبره ولذلك قال : ( وقد بلغت من الكبر عتيا ) وقالت طائفة : بل طلب الولد ثم طلب أن تكون الاجابة في أن يعيش حتى يرثه تحفظا من أن تقع الاجابة في الولد ولكن يحترم ولا يتحصل منه الغرض السادسة قال العلماء : دعاء زكريا عليه السلام في الولد إنما كان لاظهار دينه وإحياء نبوته ومضاعفة لأجره لا للدنيا وكان ربه قد عوده الاجابة ولذلك قال : ( ولم أكن بدعائك رب شقيا ) أي بدعائي إياك وهذه وسيلة حسنة أن يتشفع إليه بنعمه يستدر فضله بفضله يروى أن حاتم الجود لقيه رجل فسأله فقال له حاتم : من أنت قال : أنا الذي أحسنت إليه عام أول فقال : مرحبا بمن تشفع إلينا بنا فإن قيل : كيف أقدم زكريا على مسألة ما يخرق العادة دون إذن فالجواب أن ذلك جائز في زمان الأنبياء وفي القرآن ما يكشف عن هذا المعنى فإنه تعالى قال : ( كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ) فلما رأى خارق العادة استحكم طمعه في إجابة دعوته فقال تعالى : ( هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ) الآية السابعة إن قال قائل : هذه الآية تدل على جواز الدعاء بالولد والله سبحانه وتعالى قد حذرنا من آفات الأموال والأولاد ونبه على المفاسد الناشئة من ذلك فقال : ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة التغابن ) وقال : ( إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم التغابن ) فالجواب أن الدعاء بالولد معلوم من الكتاب والسنة حسب ما تقدم في آل عمران بيانه ثم إن زكريا عليه السلام تحرز فقال : ( ذرية طيبة ) وقال : ( واجعله رب رضيا ) والولد إذا كان بهذه الصفة نفع أبويه في الدنيا والآخرة وخرج من حد العداوة والفتنة إلى حد المسرة والنعمة وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لأنس خادمه فقال : ( اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته ( فدعا له بالبركة تحرزا مما يؤدي إليه الاكثار من الهلكة وهكذا فليتضرع العبد إلى مولاه في هداية ولده ونجاته في أولاه وأخراه اقتداء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام والفضلاء وقد تقدم في آل عمران بيانه قوله تعالى : ( يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا ) فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( يرثني ) قرأ أهل الحرمين والحسن وعاصم وحمزة ( يرثني ويرث ) بالرفع فيهما وقرأ يحيى بن يعمر وأبو عمرو ويحيى بن وثاب والأعمش والكسائي بالجزم فيهما وليس هما جواب ( هب ) على مذهب سيبويه إنما تقديره إن تهبه يرثني ويرث والأول أصوب في المعنى لأنه طلب وارثا موصوفا أي هب لي من لدنك الولي الذي هذه حاله وصفته لأن الأولياء منهم من لا يرث فقال : هب لي الذي يكون وارثي قاله أبو عبيد ورد قراءة الجزم قال : لأن معناه إن وهبت ورث وكيف يخبر الله عز وجل بهذا وهو أعلم به منه النحاس : وهذه حجة متقصاة لأن جواب الأمر عند النحويين فيه معنى الشرط والمجازاة تقول أطع الله يدخلك الجنة أي إن تطعه يدخلك الجنة الثانية قال النحاس : فأما معنى ( يرثني ويرث من آل يعقوب ) فللعلماء فيه ثلاثة أجوبة قيل : هي وراثة نبوة وقيل : هي وراثة حكمة وقيل : هي وراثة مال فأما قولهم وراثة نبوة فمحال لأن النبوة لا تورث ولو كانت تورث لقال قائل : الناس ينتسبون إلى نوح عليه السلام وهو نبي مرسل ووراثة العلم والحكمة مذهب حسن وفي الحديث ( العلماء ورثة الأنبياء ( وأما وراثة المال فلا يمتنع وإن كان قوم قد أنكروه لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا نورث ما تركنا صدقة ( فهذا لا حجة فيه لأن الواحد يخبر عن نفسه بإخبار الجمع وقد يؤول هذا بمعنى : لا نورث الذي تركناه صدقة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخلف شيئا يورث عنه وإنما كان الذي أباحه الله عز وجل إياه في حياته بقوله تبارك اسمه : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ) لأن معنى ( لله ) لسبيل الله ومن سبيل الله ما يكون في مصلحة الرسول صلى الله عليه وسلم ما دام حيا فإن قيل : ففي بعض الروايات ( إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة ( ففيه التأويلان جميعا أن يكون ( ما ) بمعنى الذي والآخر لا يورث من كانت هذه حاله وقال أبو عمر : واختلف العلماء في تأويل قوله عليه السلام : ( لا نورث ما تركنا صدقة ( على قولين : أحدهما وهو الأكثر وعليه الجمهور أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يورث وما ترك صدقة والآخر أن نبينا عليه الصلاة والسلام لم يورث لأن الله تعالى خصه بأن جعل ماله كله صدقة زيادة في فضيلته كما خص في النكاح بأشيأء أباحها له وحرمها على غيره وهذا القول قاله بعض أهل البصرة منهم بن علية وسائر علماء المسلمين على القول الأول الثالثة قوله تعالى : ( من آل يعقوب ) قيل : هو يعقوب إسرائيل وكان زكريا متزوجا بأخت مريم بنت عمران ويرجع نسبها إلى يعقوب لأنها من ولد سليمان بن داود وهو من ولد يهوذا بن يعقوب وزكريا من ولد هارون أخي موسى وهارون وموسى من ولد لاوى بن يعقوب وكانت النبوة في سبط يعقوب بن إسحاق وقيل : المعنى بيعقوب ها هنا يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان أبي مريم أخوان من نسل سليمان بن داود عليهما السلام لأن يعقوب وعمران ابنا ماثان وبنو ماثان رؤساء بني إسرائيل قاله مقاتل وغيره وقال الكلبي : وكان آل يعقوب أخواله وهو يعقوب بن ماثان وكان فيهم الملك وكان زكريا من ولد هارون بن عمران أخي موسى وروى قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يرحم الله تعالى زكريا ما كان عليه من ورثته ( ولم ينصرف يعقوب لأنه أعجمي الرابعة قوله تعالى : ( واجعله رب رضيا ) أي مرضيا في أخلاقه وأفعاله وقيل : راضيا بقضائك وقدرك وقيل : رجلا صالحا ترضى عنه وقال أبو صالح : نبيا كما جعلت أباه نبيا قوله تعالى : ( يا زكريا ) في الكلام حذف أي فاستجاب الله دعاءه فقال : ( يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى ) فتضمنت هذه البشرى ثلاثة أشياء : أحدها إجابة دعائه وهي كرامة الثاني إعطاؤه الولد وهو قوة الثالث أن يفرد بتسميته وقد تقدم معنى تسميته في آل عمران وقال مقاتل : سماه يحيى لأنه حيى بين أب شيخ وأم عجوز وهذا فيه نظر لما تقدم من أن امرأته كانت عقيما لا تلد والله أعلم قوله تعالى : ( لم نجعل له من قبل سميا ) أي لم نسم أحدا قبل يحيى بهذا الاسم قاله بن عباس وقتادة وبن أسلم والسدي ومن عليه تعالى بأن لم يكل تسميته إلى الأبوين وقال مجاهد وغيره : ( سميا ) معناه مثلا ونظيرا وهو مثل قوله تعالى : ( هل تعلم له سميا ) معناه مثلا ونظيرا كأنه من المساماة والسمو وهذا فيه بعد لأنه لا يفضل على إبراهيم وموسى اللهم إلا أن يفضل في خاص كالسؤدد والحصر حسب ما تقدم بيانه في آل عمران وقال بن عباس أيضا : معناه لم تلد العواقر مثله ولدا وقيل : إن الله تعالى اشترط القبل لأنه أراد أن يخلق بعده أفضل منه وهو محمد صلى الله عليه وسلم وفي هذه الآية دليل وشاهد على أن الأسامي السنع جديرة بالأثرة وإياها كانت العرب تنتحى في التسمية لكونها أنبه وأنزه عن النبز حتى قال قائل : سنع الأسامى مسبلى أزر حمر تمس الأرض بالهدب وقال رؤبة للنسابة البكري وقد سأله عن نسبه : أنا بن العجاج فقال : قصرت وعرفت قوله تعالى : ( قال رب أنى يكون لي غلام ) ليس على معنى الانكار لما أخبر الله تعالى به بل على سبيل التعجب من قدرة الله تعالى أن يخرج ولدا من امرأة عاقر وشيخ كبير وقيل : غير هذا مما تقدم في آل عمران بيانه ( وقد بلغت من الكبر عتيا ) يعني النهاية في الكبر واليبس والجفاف ومثله العسي قال الأصمعي : عسا الشيء يعسو عسوا وعساء ممدود أي يبس وصلب وقد عسا الشيخ يعسو عسيا ولى وكبر مثل عتا يقال : عتا الشيخ يعتو عتيا وعتيا كبر وولى وعتوت يا فلان تعتو عتوا وعتيا والأصل عتو لأنه من ذوات الواو فأبدلوا من الواو ياء لأنها أختها وهي أخف منها والآيات على الياءات ومن قال : ( عتيا ) كره الضمة مع الكسرة والياء وقال الشاعر : إنما يعذر الوليد ولا يع ذر من كان في الزمان عتيا وقرأ بن عباس ( عسيا ) وهو كذلك في مصحف أبي وقرأ يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وحفص ( عتيا ) بكسر العين وكذلك ( جثيا ) وصليا حيث كن وضم حفص ( بكيا ) خاصة وكذلك الباقون في الجميع وهما لغتان وقيل : ( عتيا ) قسيا يقال : ملك عات إذا كان قاسي القلب قوله تعالى : ( قال كذلك قال ربك هو علي هين ) أي قال له الملك ( كذلك قال ربك ) والكاف في موضع رفع أي الأمر كذلك أي كما قيل لك : ( هو علي هين ) قال الفراء : خلقه علي هين ( وقد خلقتك من قبل ) أي من قبل يحيى وهذه قراءة أهل المدينة والبصرة وعاصم وقرأ سائر الكوفيين ( وقد خلقناك ) بنون وألف بالجمع على التعظيم والقراءة الأولى أشبه بالسواد ( ولم تك شيئا ) أي كما خلقك الله تعالى بعد العدم ولم تك شيئا موجودا فهو القادر على خلق يحيى وإيجاده قوله تعالى : ( قال رب اجعل لي آية ) طلب آية على حملها بعد بشارة الملائكة إياه وبعد قوله تعالى : ( وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا ) زيادة طمأنينة أي تمم النعمة بأن تجعل لي آية وتكون تلك الآية زيادة نعمة وكرامة وقيل : طلب آية تدله على أن البشرى منه بيحيى لا من الشيطان لأن إبليس أوهمه ذلك قاله الضحاك وهو معنى قول السدي وهذا فيه نظر لإخبار الله تعالى بأن الملائكة نادته حسب ما تقدم في آل عمران قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا تقدم في آل عمران بيانه فلا معنى للاعادة قوله تعالى : ( فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا ) فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فخرج على قومه من المحراب ) أي أشرف عليهم من المصلى والمحراب أرفع المواضع وأشرف المجالس وكانوا يتخذون المحاريب فيما ارتفع من الأرض دليله محراب داود عليه السلام على ما يأتي واختلف الناس في اشتقاقه فقالت فرقة هو مأخوذ من الحرب كأن ملازمه يحارب الشيطان والشهوات وقالت فرقة : هو مأخوذ من الحرب ( بفتح الراء ) كأن ملازمه يلقى منه حربا وتعبا ونصبا الثانية هذه الآية تدل على أن ارتفاع إمامهم على المأمومين كان مشروعا عندهم في صلاتهم وقد اختلف في هذه المسألة فقهاء الأمصار فأجاز ذلك الامام أحمد وغيره متمسكا بقصة المنبر ومنع مالك ذلك في الارتفاع الكثير دون اليسير وعلل أصحابه المنع بخوف الكبر على الامام قلت : وهذا فيه نظر وأحسن ما فيه ما رواه أبو داود عن همام أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه فلما فرغ من صلاته قال : ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن هذا أو ينهى عن ذلك قال : بلى قد ذكرت حين مددتني وروى أيضا عن عدي بن ثابت الأنصاري قال : حدثني رجل أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن فأقيمت الصلاة فتقدم عمار بن ياسر وقام على دكان يصلي والناس أسفل منه فتقدم حذيفة فأخذ على يديه فاتبعه عمار حتى أنزل حذيفة فلما فرغ عمار من صلاته قال له حذيفة : ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا أم الرجل القوم فلا يقم في مكان أرفع من مقامهم ( أو نحو ذلك فقال عمار : لذلك اتبعتك حين أخذت على يدي قلت : فهؤلاء ثلاثة من الصحابة قد أخبروا بالنهي عن ذلك ولم يحتج أحد منهم على صاحبه بحديث المنبر فدل على أنه منسوخ ومما يدل على نسخه أن فيه عملا زائدا في الصلاة وهو النزول والصعود فنسخ كما نسخ الكلام والسلام وهذا أولى مما اعتذر به أصحابنا من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معصوما من الكبر لأن كثيرا من الأئمة يوجد لا كبر عندهم ومنهم من علله بأن ارتفاع المنبر كان يسيرا والله أعلم قوله تعالى : ( فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا ) قال الكلبي وقتادة وبن منبه : أوحى إليهم أشار القتبي : أومأ مجاهد : كتب على الأرض عكرمة : كتب في كتاب والوحي في كلام العرب الكتابة ومنه قول ذي الرمة سوى الأربع الدهم اللواتي كأنها بقية وحي في بطون الصحائف وقال عنترة : كوحي صحائف من عهد كسرى فأهداها لأعجم طمطمى و ( بكرة وعشيا ) ظرفان وزعم الفراء أن العشي يؤنث ويجوز تذكيره إذا أبهمت قال : وقد يكون العشي جمع عشية الرابعة قد تقدم الحكم في الاشارة في آل عمران واختلف علماؤنا فيمن حلف ألا يكلم إنسانا فكتب إليه كتابا أو أرسل إليه رسولا فقال مالك : إنه يحنث إلا أن ينوي مشافهته ثم رجع فقال : لا ينوي في الكتاب ويحنث إلا أن يرتجع الكتاب قبل وصوله قال بن القاسم : إذا قرأ كتابه حنث وكذلك لو قرأ الحالف كتاب المحلوف عليه وقال أشهب : لا يحنث إذا قرأه الحالف وهذا بين لأنه لم يكلمه ولا ابتداه بكلام إلا أن يريد ألا يعلم معنى كلامه فإنه يحنث وعليه يخرج قول بن القاسم فإن حلف ليكلمنه لم يبر إلا بمشافهته وقال بن الماجشون : وإن حلف لئن علم كذا ليعلمنه أو ليخبرنه فكتب إليه أو أرسل إليه رسولا بر ولو علماه جميعا لم يبر حتى يعلمه لأن علمهما مختلف الخامسة واتفق مالك والشافعي والكوفيون أن الأخرس إذا كتب الطلاق بيده لزمه قال الكوفيون : إلا أن يكون رجل أصمت أياما فكتب لم يجز من ذلك شيء قال الطحاوي : الخرس مخالف للصمت العارض كما أن العجز عن الجماع العارض لمرض ونحوه يوما أو نحوه مخالف للعجز المأيوس منه الجماع نحو الجنون في باب خيار المرأة في الفرقة قوله تعالى : ( يا يحيى خذ الكتاب بقوة ) في الكلام حذف المعنى فولد له ولد وقال الله تعالى للمولود : ( يا يحيى خذ الكتاب بقوة ) وهذا اختصار يدل الكلام عليه و ( الكتاب ) التوراة بلا خلاف ( بقوة ) أي بجد واجتهاد قاله مجاهد وقيل : العلم به والحفظ له والعمل به وهو الالتزام لأوامره والكف عن نواهيه قاله زيد بن أسلم وقد تقدم في البقرة وآتيناه الحكم صبيا قيل : الأحكام والمعرفة بها وروى معمر أن الصبيان قالوا ليحيى : اذهب بنا نلعب فقال : ما للعب خلقت فأنزل الله تعالى ( وآتيناه الحكم صبيا ) وقال قتادة : كان بن سنتين أو ثلاث سنين وقال مقاتل : كان بن ثلاث سنين و ( صبيا ) نصب على الحال وقال بن عباس : من قرأ القرآن قبل أن يحتلم فهو ممن أوتي الحكم صبيا وروى في تفسير هذه الآية من طريق عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكريا ( وقال قتادة : إن يحيى عليه السلام لم يعص الله قط بصغيرة ولا كبيرة ولا هم بامرأة وقال مجاهد : وكان طعام يحيى عليه السلام العشب وكان للدمع في خديه مجار ثابتة وقد مضى الكلام في معنى قوله : ( سيدا وحصورا ) في آل عمران قوله تعالى : ( وحنانا من لدنا ) ( حنانا ) عطف على ( الحكم ) وروى عن بن عباس أنه قال : والله ما أدري ما ( الحنان ) وقال جمهور المفسرين : الحنان الشفقة والرحمة والمحبة وهو فعل من أفعال النفس النحاس : وفي معنى الحنان عن بن عباس قولان : أحدهما قال : تعطف الله عز وجل عليه بالرحمة والقول الآخر ما أعطيه من رحمة الناس حتى يخلصهم من الكفر والشرك وأصله من حنين الناقة على ولدها ويقال : حنانك وحنانيك قيل : هما لغتان بمعنى واحد وقيل : حنانيك تثنية الحنان وقال أبو عبيدة : والعرب تقول : حنانك يا رب وحنانيك يا رب بمعنى واحد تريد رحمتك وقال امرؤ القيس : ويمنحها بنو شمجى بن جرم معيزهم حنانك ذا الحنان وقال طرفة : أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض وقال الزمخشري : ( حنانا ) رحمة لأبويه وغيرهما وتعطفا وشفقة وأنشد سيبويه : فقالت حنان ما أتى بك ها هنا أذو نسب أم أنت بالحي عارف قال بن الأعرابي : الحنان من صفة الله تعالى مشددا الرحيم والحنان مخفف : العطف والرحمة والحنان : الزرق والبركة بن عطية : والحنان في كلام العرب أيضا ما عظم من الأمور في ذات الله تعالى ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل في حديث بلال : والله لئن قتلتم هذا العبد لأتخذن قبره حنانا وذكر هذا الخبر الهروي فقال : وفي حديث بلال ومر عليه ورقة بن نوفل وهو يعذب فقال : والله لئن قتلتموه لأتخذنه حنانا أي لأتمسحن به وقال الأزهري : معناه لأتعطفن عليه ولأترحمن عليه لأنه من أهل الجنة قلت : فالحنان العطف وكذا قال مجاهد و ( جنانا ) أي تعطفا منا عليه أو منه على الخلق قال الحطيئة : تحنن علي هداك المليك فإن لكل مقام مقالا عكرمة : محبة وحنة الرجل امرأته لتوادهما قال الشاعر : فقالت حنان ما أتي بك ها هنا أذو نسب أم أنت بالحي عارف قوله تعالى : ( وزكاة ) ( الزكاة ) التطهير والبركة والتنمية في وجوه الخير والبر أي جعلناه مباركا للناس يهديهم وقيل : المعنى زكيناه بحسن الثناء عليه كما تزكى الشهود إنسانا وقيل : ( زكاة ) صدقة به على أبويه قاله بن قتيبة ( وكان تقيا ) أي مطيعا لله تعالى ولهذا لم يعمل خطيئة ولم يلم بها قوله تعالى : ( وبرا بوالديه ) البر بمعنى البار وهو الكثير البر و ( جبارا ) متكبرا وهذا وصف ليحيى عليه السلام بلين الجانب وخفض الجناح قوله تعالى : ( وسلام عليه يوم ولد ) قال الطبري وغيره : معناه أمان بن عطية : والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة فهي أشرف وأنبه من الأمان لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه وهي أقل درجاته وإنما الشرف في أن سلم الله عليه وحياه في المواطن التي الانسان فيها في غاية الضعف والحاجة وقلة الحيلة والفقر إلى الله تعالى عظيم الحول قلت : وهذا قول حسن وقد ذكرنا معناه عن سفيان بن عيينة في سورة سبحان عند قتل يحيى وذكر الطبري عن الحسن أن عيسى ويحيى التقيا وهما ابنا الخالة فقال يحيى لعيسى : ادع الله لي فأنت خير مني فقال له عيسى : بل أنت ادع الله لي فأنت خير مني سلم الله عليك وأنا سلمت على نفسي فانتزع بعض العلماء من هذه الآية في التسليم فضل عيسى بأن قال : إدلاله في التسليم على نفسه ومكانته من الله تعالى التي اقتضت ذلك حين قرر وحكى في محكم التنزيل أعظم في المنزلة من أن يسلم عليه قال بن عطية : ولكل وجه < <

Sección V11/P088

مريم : ( 16 ) واذكر في الكتاب . . . . . > > < > ( مريم 16 : 26 ) <

Sección V11/P088–V11/P098

> قوله تعالى : ( واذكر في الكتاب مريم ) القصة إلى آخرها هذا ابتداء قصة ليست من الأولى والخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم أي عرفهم قصتها ليعرفوا كمال قدرتنا ( إذ انتبذت ) أي تنحت وتباعدت والنبذ الطرح والرمي قال الله تعالى : ( فنبذوه وراء ظهورهم ) ( من أهلها ) أي ممن كان معها و ( إذ ) بدل من ( مريم ) بدل اشتمال لأن الأحيان مشتملة على ما فيها والانتباذ الاعتزال والانفراد واختلف الناس لم انتبذت فقال السدي : انتبذت لتطهر من حيض أو نفاس وقال غيره : لتعبد الله وهذا حسن وذلك أن مريم عليها السلام كانت وقفا على سدانة المعبد وخدمته والعبادة فيه فتنحت من الناس لذلك ودخلت في المسجد إلى جانب المحراب في شرقيه لتخلو للعبادة فدخل عليها جبريل عليه السلام فقوله : ( مكانا شرقيا ) أي مكانا من جانب الشرق والشرق بسكون الراء المكان الذي تشرق فيه الشمس والشرق بفتح الراء الشمس وإنما خص المكان بالشرق لأنهم كانوا يعظمون جهة المشرق ومن حيث تطلع الأنوار وكانت الجهات الشرقية من كل شيء أفضل من سواها حكاه الطبري وحكى عن بن عباس أنه قال : إني لأعلم الناس لم اتخذ النصارى المشرق قبلة لقول الله عز وجل : ( إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا ) فاتخذوا ميلاد عيسى عليه السلام قبلة وقالوا : لو كان شيء من الأرض خيرا من المشرق لوضعت مريم عيسى عليه السلام فيه واختلف الناس في نبوة مريم فقيل : كانت نبية بهذا الإرسال والمحاورة للملك وقيل : لم تكن نبية وإنما كلمها مثال بشر ورؤيتها للملك كما رؤى جبريل في صفة دحية حين سؤاله عن الايمان والاسلام والأول أظهر وقد مضى الكلام في هذا المعنى مستوفى في آل عمران والحمد لله قوله تعالى : ( فأرسلنا إليها روحنا ) قيل : هو روح عيسى عليه السلام لأن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد فركب الروح في جسد عيسى عليه السلام الذي خلقه في بطنها وقيل : هو جبريل وأضيف الروح إلى الله تعالى تخصيصا وكرامة والظاهر أنه جبريل عليه السلام لقوله : ( فتمثل لها ) أي تمثل الملك لها ( بشرا ) تفسير أو حال ( سويا ) أي مستوى الخلقة لأنها لم تكن لتطيق أو تنظر جبريل في صورته ولما رأت رجلا حسن الصورة في صورة البشر قد خرق عليها الحجاب ظنت أنه يريدها بسوء ف ( قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ) أي ممن يتقي الله البكالي : فنكص جبريل عليه السلام فزعا من ذكر الرحمن تبارك وتعالى الثعلبي : كان رجلا صالحا فتعوذت به تعجبا وقيل تقي فعيل بمعنى مفعول أي كنت ممن يتقى منه في البخاري قال أبو وائل علمت مريم أن التقي ذو نهية حين قالت إن كنت تقيا وقيل : تقي اسم فاجر معروف في ذلك الوقت قاله وهب بن منبه حكاه مكي وغيره بن عطية : وهو ضعيف ذاهب مع التخرص فقال لها جبريل عليه السلام : ( إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ) جعل الهبة من قبله لما كان الاعلام بها من قبله وقرأ ورش عن نافع ( ليهب لك ) على معنى أرسلني الله ليهب لك وقيل معنى لأهب بالهمز محمول على المعنى أي قال أرسلته لأهب لك ويحتمل ( ليهب ) بلا همز أن يكون بمعنى المهموز ثم خففت الهمزة فلما سمعت مريم ذلك من قوله استفهمت عن طريقه ف ( قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ) أي بنكاح ( ولم أك بغيا ) أي زانية وذكرت هذا تأكيدا لأن قولها لم يمسسني بشر يشمل الحلال والحرام وقيل : ما استبعدت من قدرة الله تعالى شيئا ولكن أرادت كيف يكون هذا الولد من قبل الزوج في المستقبل أم يخلقه الله ابتداء وروى أن جبريل عليه السلام حين قال لها هذه المقالة نفخ في جيب درعها وكمها قاله بن جريج بن عباس أخذ جبريل عليه السلام ردن قميصها بإصبعه فنفخ فيه فحملت من ساعتها بعيسى قال الطبري : وزعمت النصارى أن مريم حملت بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة وأن عيسى عاش إلى أن رفع اثنتين وثلاثين سنة وأياما وأن مريم بقيت بعد رفعه ست سنين فكان جميع عمرها نيفا وخمسين سنة وقوله : ( ولنجعله ) متعلق بمحذوف أي ونخلقه لنجعله : ( آية ) دلالة على قدرتنا عجيبة ( ورحمة ) لمن آمن به ( وكان أمرا مقضيا ) مقدرا في اللوح مسطورا قوله تعالى : ( فانتبذت به مكانا قصيا ) أي تنحت بالحمل إلى مكان بعيد قال بن عباس : إلى أقصى الوادي وهو وادي بيت لحم بينه وبين إيلياء أربعة أميال وإنما بعدت فرارا من تعيير قومها إياها بالولادة من غير زوج قال بن عباس : ما هو إلا أن حملت فوضعت في الحال وهذا هو الظاهر لأن الله تعالى ذكر الانتباذ عقب الحمل وقيل : غير ذلك على ما يأتي : قوله تعالى : ( فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة ) ( أجاءها ) اضطرها وهو تعدية جاء بالهمز يقال : جاء به وأجاءه إلى موضع كذا كما يقال : ذهب به وأذهبه وقرأ شبيل ورويت عن عاصم ( فاجأها ) من المفاجأة وفي مصحف أبي ( فلما أجاءها المخاض ) وقال زهير : وجار سار معتمدا إلينا أجاءته المخافة والرجاء وقرأ الجمهور ( المخاض ) بفتح الميم وبن كثير فيما روى عنه بكسرها وهو الطلق وشدة الولادة وأوجاعها مخضت المرأة تمخض مخاضا ومخاضا وناقة ما خض أي دنا ولادها ( إلى جذع النخلة ) كأنها طلبت شيئا تستند إليه وتتعلق به كما تتعلق الحامل لشدة وجع الطلق والجذع ساق النخلة اليابسة في الصحراء الذي لا سعف عليه ولا غصن ولهذا لم يقل إلى النخلة ( قالت ياليتني مت قبل هذا ) تمنت مريم عليها السلام الموت من جهة الدين لوجهين : أحدهما أنها خافت أن يظن بها الشر في دينها وتعير فيفتنها ذلك الثاني لئلا يقع قوم بسببها في البهتان والنسبة إلى الزنى وذلك مهلك وعلى هذا الحد يكون تمنى الموت جائزا وقد مضى هذا المعنى مبينا في سورة يوسف عليه السلام والحمد لله قلت : وقد سمعت أن مريم عليها السلام سمعت نداء من يقول : اخرج يا من يعبد من دون الله فحزنت لذلك و ( قالت ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا ) النسي في كلام العرب الشيء الحقير الذي شأنه أن ينسى ولا يتألم لفقده كالوتد والحبل للمسافر ونحوه وحكي عن العرب أنهم إذا أرادوا الرحيل عن منزل قالوا : احفظوا أنساءكم الأنساء جمع نسي وهو الشيء الحقير يغفل فينسى ومنه قول الكميت رضي الله تعالى عنه : أتجعلنا جسرا لكلب قضاعة ولست بنسي في معد ولا دخل وقال الفراء : النسي ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها فقول مريم : ( نسيا منسيا ) أي حيضة ملقاة وقريء ( نسيا ) بفتح النون وهما لغتان مثل الحجر والحجر والوتر والوتر وقرأ محمد بن كعب القرظي بالهمز ( نسئا ) بكسر النون وقرأ نوف البكالي ( نسئا ) بفتح النون من نسأ الله تعالى في أجله أي أخره وحكاها أبو الفتح والداني عن محمد بن كعب وقرأ بكر بن حبيب ( نسا ) بتشديد السين وفتح النون دون همز وقد حكى الطبري في قصصها أنها لما حملت بعيسى عليه السلام حملت أيضا أختها بيحيى فجاءتها أختها زائرة فقالت : يا مريم أشعرت أنت أني حملت فقالت لها : وإني أجد ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك أنه روى أنها أحست بجنينها يحر برأسه إلى ناحية بطن مريم قال السدي فذلك قوله : ( مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ) وذكر أيضا من قصصها أنها خرجت فارة مع رجل من بني إسرائيل يقال له يوسف النجار كان يخدم معها في المسجد وطول في ذلك قال الكلبي : قيل ليوسف وكانت سميت له أنها حملت من الزنى فالآن يقتلها الملك فهرب بها فهم في الطريق بقتلها فأتاه جبريل عليه السلام وقال له : إنه من روح القدس قال بن عطية : وهذا كله ضعيف وهذه القصة تقتضي أنها حملت واستمرت حاملا على عرف النساء وتظاهرت الروايات بأنها ولدته لثمانية أشهر قاله عكرمة ولذلك قيل : لا يعيش بن ثمانية أشهر حفظا لخاصة عيسى وقيل : ولدته لتسعة وقيل : لستة وما ذكرناه عن بن عباس أصح وأظهر والله أعلم قوله تعالى : ( فناداها من تحتها ) قرئ بفتح الميم وكسرها قال بن عباس : المراد ب ( من ) جبريل ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها وقاله علقمة والضحاك وقتادة ففي هذا لها آية وأمارة أن هذا من الأمور الخارقة للعادة التي لله فيها مراد عظيم وقوله ( ألا تحزني ) تفسير النداء ( وأن ) مفسرة بمعنى أي المعنى : فلا تحزني بولادتك ( قد جعل ربك تحتك سريا ) يعني عيسى والسري من الرجال العظيم الخصال السيد قال الحسن : كان والله سريا من الرجال ويقال : سرى فلان على فلان أي تكرم وفلان سري من قوم سراة وقال الجمهور : أشار لها إلى الجدول الذي كان قريب جذع النخلة قال بن عباس : كان ذلك نهرا قد انقطع ماؤه فأجراه الله تعالى لمريم والنهر يسمى سريا لأن الماء يسري فيه قال الشاعر : سلم ترى الدالي منه أزورا إذا يعب في السري هرهرا وقال لبيد : فتوسطا عرض السري وصدعا مسجورة متجاورا قلامها وقيل : ناداها عيسى وكان ذلك معجزة وآية وتسكينا لقلبها والأول أظهر وقرأ بن عباس ( فناداها ملك من تحتها ) قالوا : وكان جبريل عليه السلام في بقعة من الأرض أخفض من البقعة التي كانت هي عليها قوله تعالى : ( وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا ) فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وهزي ) أمرها بهز الجذع اليابس لترى آية أخرى في إحياء موات الجذع والباء في قوله ( بجذع ) زائدة مؤكدة كما يقال : خذ بالزمام وأعط بيدك قال الله تعالى : ( فليمدد بسبب إلى السماء الحج ) أي فليمدد سببا وقيل : المعنى وهزي إليك رطبا على جذع النخلة و ( تساقط ) أي تتساقط فأدغم التاء في السين وقرأ حمزة ( تساقط ) مخففا فحذف التي أدغمها غيره وقرأ عاصم في رواية حفص ( تساقط ) بضم التاء مخففا وكسر القاف وقريء ( تتساقط ) بإظهار التاءين ( ويساقط ) بالياء وإدغام التاء و ( تسقط ) و ( يسقط ) و ( تسقط ) و ( يسقط ) بالتاء للنخلة وبالياء للجذع فهذه تسع قراءات ذكرها الزمخشري رحمة الله تعالى عليه ( رطبا ) نصب بالهز أي إذا هززت الجذع هززت بهزه ( رطبا جنيا ) وعلى الجملة ف ( رطبا ) يختلف نصبه بحسب معاني القراءات فمرة يستند الفعل إلى الجذع ومرة إلى الهز ومرة إلى النخلة و ( جنيا ) معناه قد طابت وصلحت للاجتناء وهي من جنيت الثمرة ويروى عن بن مسعود ولا يصح أنه قرأ ( تساقط عليك رطبا جنيا برنيا ) وقال مجاهد : ( رطبا جنيا ) قال : كانت عجوة وقال عباس بن الفضل : سألت أبا عمرو بن العلاء عن قوله : ( رطبا جنيا ) فقال : لم يذو قال وتفسيره : لم يجف ولم ييبس ولم يبعد عن يدي مجتنيه وهذا هو الصحيح قال الفراء : الجني والمجني واحد يذهب إلى أنهما بمنزلة القتيل والمقتول والجريح والمجروح وقال غير الفراء : الجني المقطوع من نخلة واحدة والمأخوذ من مكان نشأته وأنشدوا : وطيب ثمار في رياض أريضة وأغصان أشجار جناها على قرب يريد بالجني ما يجنى منها أي يقطع ويؤخذ قال بن عباس : كان جذعا نخرا فلما هزت نظرت إلى أعلى الجذع فإذا السعف قد طلع ثم نظرت إلى الطلع قد خرج من بين السعف ثم اخضر فصار بلحا ثم احمر فصار زهوا ثم رطبا كل ذلك في طرفة عين فجعل الرطب يقع بين يديها لا ينشدخ منه شيء الثانية استدل بعض الناس من هذه الآية على أن الرزق وإن كان محتوما فإن الله تعالى قد وكل بن آدم إلى سعي ما فيه لأنه أمر مريم بهز النخلة لترى آية وكانت الآية تكون بألا تهز الثالثة الأمر بتكليف الكسب في الرزق سنة الله تعالى في عباده وأن ذلك لا يقدح في التوكل خلافا لما تقوله جهال المتزهدة وقد تقدم هذا المعنى والخلاف فيه وقد كانت قبل ذلك يأتيها رزقها من غير تكسب كما قال ( كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا ) الآية فلما ولدت أمرت بهز الجذع قال علماؤنا : لما كان قلبها فارغا فرغ الله جارحتها عن النصب فلما ولدت عيسى وتعلق قلبها بحبه واشتغل سرها بحديثه وأمره وكلها إلى كسبها وردها إلى العادة بالتعلق بالأسباب في عباده وحكى الطبري عن بن زيد أن عيسى عليه السلام قال لها : لا تحزني فقالت له وكيف لا أحزن وأنت معي لا ذات زوج ولا مملوكة أي شيء عذري عند الناس ( يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا ) فقال لها عيسى : أنا أكفيك الكلام الرابعة قال الربيع بن خيثم : ما للنفساء عندي خير من الرطب لهذه الآية ولو علم الله شيئا هو أفضل من الرطب للنفساء لأطعمه مريم ولذلك قالوا : التمر عادة للنفساء من ذلك الوقت وكذلك التحنيك وقيل : إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب ولا للمريض خير من العسل ذكره الزمخشري قال بن وهب قال مالك قال الله تعالى : ( رطبا جنيا ) الجني من التمر ما طاب من غير نقش ولا إفساد والنقش أن ينقش من أسفل البسرة حتى ترطب فهذا مكروه يعني مالك أن هذا تعجيل للشيء قبل وقته فلا ينبغي لأحد أن يفعله وإن فعله فاعل ما كان ذلك مجوزا لبيعه ولا حكما بطيبه وقد مضى هذا القول في الأنعام والحمد لله عن طلحة بن سليمان ( جنيا ) بكسر الجيم للأتباع أي جعلنا لك في السري والرطب فائدتين : إحداهما الأكل والشرب الثانية سلوة الصدر لكونهما معجزتين وهو معنى قوله تعالى : ( فكلي واشربي وقرني عينا ) أي فكلي من الجنى واشربي من السرى وقري عينا برؤية الولد النبي وقريء بفتح القاف وهي قراءة الجمهور وحكى الطبري قراءة ( وقري ) بكسر القاف وهي لغة نجد يقال : قر عينا يقر ويقر بضم القاف وكسرها وأقر الله عينه فقرت وهو مأخوذ من القر والقرة وهما البرد ودمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة وضعف فرقة هذا وقالت : الدمع كله حار فمعنى أقر الله عينه أي سكن الله عينه بالنظر إلى من يحبه حتى تقر وتسكن وفلان قرة عيني أي نفسي تسكن بقربه وقال الشيباني : ( وقري عينا ) معناه نامي حضها على الأكل والشرب والنوم قال أبو عمرو : أقر الله عينه أي أنام عينه وأذهب سهره و ( عينا ) نصب على التمييز كقولك : طب نفسا والفعل في الحقيقة إنما هو للعين فنقل ذلك إلى ذي العين وينصب الذي كان فاعلا في الحقيقة على التفسير ومثله طبت نفسا وتفقأت شحما وتصببت عرقا ومثله كثير قوله تعالى : ( فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما ) فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فإما ترين ) الأصل في ترين ترأيين فحذفت الهمزة كما حذفت من ترى ونقلت فتحتها إلى الراء فصار ( تريين ) ثم قلبت الياء الأولى ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فاجتمع ساكنان الألف المنقلبة عن الياء وياء التأنيث فحذفت الألف لالتقاء الساكنين فصار ترين ثم حذفت النون علامة للجزم لأن إن حرف شرط وما صلة فبقي تري ثم دخله نون التوكيد وهي مثقلة فكسر ياء التأنيث لالتقاء الساكنين لأن النون المثقلة بمنزلة نونين الأولى ساكنة فصار ترين وعلى هذا النحو قول بن دريد : إما ترى رأسي حاكى لونه وقول الأفوه : إما ترى رأسي أزرى به وإنما دخلت النون هنا بتوطئة ( ما ) كما يوطيء لدخولها أيضا لام القسم وقرأ طلحة وأبو جعفر وشيبة ( ترين ) بسكون الياء وفتح النون خفيفة قال أبو الفتح : وهي شاذة الثانية قوله تعالى : ( فقولي إني نذرت ) هذا جواب الشرط وفيه إضمار أي فسألك عن ولدك ( فقولي إني نذرت للرحمن صوما ) أي صمتا قاله بن عباس وأنس بن مالك وفي قراءة أبي بن كعب ( إني نذرت للرحمن صوما صمتا ) وروى عن أنس وعنه أيضا ( وصمتا ) بواو واختلاف اللفظين يدل على أن الحرف ذكر تفسيرا لا قرآنا فإذا أتت معه واو فممكن أن يكون غير الصوم والذي تتابعت به الأخبار عن أهل الحديث ورواة اللغة أن الصوم هو الصمت لأن الصوم إمساك والصمت إمساك عن الكلام وقيل : هو الصوم المعروف وكان يلزمهم الصمت يوم الصوم إلا بالاشارة وعلى هذا تخرج قراءة أنس ( وصمتا ) بواو وأن الصمت كان عندهم في الصوم ملتزما بالنذر كما أن من نذر منا المشي إلى البيت اقتضى ذلك الاحرام بالحج أو العمرة ومعنى هذه الآية أن الله تعالى أمرها على لسان جبريل عليه السلام أو ابنها على الخلاف المتقدم بأن تمسك عن مخاطبة البشر وتحيل على ابنها في ذلك ليرتفع عنها خجلها وتتبين الآية فيقوم عذرها وظاهر الآية أنها أبيح لها أن تقول هذه الألفاظ التي في الآية وهو قول الجمهور وقالت فرقة : معنى ( قولي ) بالاشارة لا بالكلام الزمخشري : وفيه أن السكوت عن السفيه واجب ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها الثالثة من التزم بالنذر ألا يكلم أحدا من الآدميين فيحتمل أن يقال إنه قربة فيلزم بالنذر ويحتمل أن يقال : ذلك لا يجوز في شرعنا لما فيه من التضييق وتعذيب النفس كنذر القيام في الشمس ونحوه وعلى هذا كان نذر الصمت في تلك الشريعة لا في شريعتنا وقد تقدم وقد أمر بن مسعود من فعل ذلك بالنطق بالكلام وهذا هو الصحيح لحديث أبي إسرائيل خرجه البخاري عن بن عباس وقال بن زيد والسدي : كانت سنة الصيام عندهم الامساك عن الأكل والكلام قلت : ومن سنتنا نحن في الصيام الامساك عن الكلام القبيح قال عليه الصلاة والسلام : ( إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم وقال عليه الصلاة والسلام : ( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه < <

Sección V11/P098

مريم : ( 27 ) فأتت به قومها . . . . . > > < > ( مريم 27 : 28 ) <

Sección V11/P098–V11/P100

> قوله تعالى : ( فأتت به قومها تحمله ) روى أن مريم لما اطمأنت بما رأت من الآيات وعلمت أن الله تعالى سيبين عذرها أتت به تحمله من المكان القصي الذي كانت انتبذت فيه قال بن عباس : خرجت من عندهم حين أشرقت الشمس فجاءتهم عند الظهر ومعها صبي تحمله فكان الحمل والولادة في ثلاث ساعات من النهار وقال الكلبي : ولدت حيث لم يشعر بها قومها ومكثت أربعين يوما للنفاس ثم أتت قومها تحمله فلما رأوها ومعها الصبي حزنوا وكانوا أهل بيت صالحين فقالوا منكرين : ( لقد جئت شيئا فريا ) أي جئت بأمر عظيم كالآتي بالشيء يفتريه قال مجاهد : ( فريا ) عظيما وقال سعيد بن مسعدة : أي مختلقا مفتعلا يقال : فريت وأفريت بمعنى واحد والولد من الزنى كالشيء المفترى قال الله تعالى : ( ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن الممتحنة ) أي بولد بقصد إلحاقه بالزوج وليس منه يقال : فلان يفري الفري أي يعمل العمل البالغ وقال أبو عبيدة : الفري العجيب النادر وقاله الأخفش قال : فريا عجيبا والفري القطع كأنه مما يخرق العادة أو يقطع القول بكونه عجيبا نادرا وقال قطرب : الفري الجديد من من الأسقية أي جئت بأمر جديد بديع لم تسبقى إليه وقرأ أبو حيوة : ( شيئا فريا ) بسكون الراء وقال السدي ووهب بن منبه : لما أتت به قومها تحمله تسامع بذلك بنو إسرائيل فاجتمع رجالهم ونساؤهم فمدت امرأة يدها إليها لتضربها فأجف الله شطرها فحملت كذلك وقال آخر : ما أراها إلا زنت فأخرسه الله تعالى فتحامى الناس من أن يضربوها أو يقولوا لها كلمة تؤذيها وجعلوا يخفضون إليها القول ويلينون فقالوا : ( يا مريم لقد جئت شيئا فريا ) أي عظيما قال الراجز قد أطعمتني دقلا حوليا مسوسا مدودا حجريا قد كنت تفرين به الفريا أي تعظمينه قوله تعالى : ( يا أخت هارون ) اختلف الناس في معنى هذه الأخوة ومن هارون فقيل : هو هارون أخو موسى والمراد من كنا نظنها مثل هارون في العبادة تأتي بمثل هذا وقيل : على هذا كانت مريم من ولد هارون أخي موسى فنسبت إليه بالاخوة لأنها من ولده كما يقال للتميمي : يا أخا تميم وللعربي يا أخا العرب وقيل : كان لها أخ من أبيها اسمه هارون لأن هذا الاسم كان كثيرا في بني إسرائيل تبركا باسم هارون أخي موسى وكان أمثل رجل في بني إسرائيل قاله الكلبي وقيل : هارون هذا رجل صالح في ذلك الزمان تبع جنازته يوم مات أربعون ألفا كلهم اسمه هارون وقال قتادة : كان في ذلك الزمان في بني إسرائيل عابد منقطع إلى الله عز وجل يسمى هارون فنسبوها إلى أخوته من حيث كانت على طريقته قبل إذ كانت موقوفة على خدمة البيع أي يا هذه المرأة الصالحة ما كنت أهلا لذلك وقال كعب الأحبار بحضرة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها : إن مريم ليست بأخت هارون أخي موسى فقالت له عائشة : كذبت فقال لها : يا أم المؤمنين إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله فهو أصدق وأخبر وإلا فإني أجد بينهما من المدة ستمائة سنة قال : فسكتت وفي صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة قال : لما قدمت نجران سألوني فقال إنكم تقرؤون ( يا أخت هارون ) وموسى قبل عيسى بكذا وكذا فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن ذلك فقال : ( إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم ( وقد جاء في بعض طرقه في غير الصحيح أن النصارى قالوا له : إن صاحبك يزعم أن مريم هي أخت هارون وبينهما في المدة ستمائة سنة قال المغيرة : فلم أدر ما أقول وذكر الحديث والمعنى أنه اسم وافق اسما ويستفاد من هذا جواز التسمية بأسماء الأنبياء والله أعلم قلت : فقد دل الحديث الصحيح أنه كان بين موسى وعيسى وهارون زمان مديد الزمخشري : كان بينهما وبينه ألف سنة أو أكثر فلا يتخيل أن مريم كانت أخت موسى وهارون وإن صح فكما قال السدي لأنها كانت من نسله وهذا كما تقول للرجل من قبيلة : يا أخا فلان ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : ( إن أخا صداء قد أذن فمن أذن فهو يقيم ( وهذا هو القول الأول بن عطية : وقالت فرقة بل كان في ذلك الزمان رجل فاجر اسمه هارون فنسبوها إليه على جهة التعيير والتوبيخ ذكره الطبري ولم يسم قائله قلت : ذكره الغزنوي عن سعيد بن جبير أنه كان فاسقا مثلا في الفجور فنسبت إليه والمعنى : ما كان أبوك ولا أمك أهلا لهذه الفعلة فكيف جئت أنت بها وهذا من التعريض الذي يقوم مقام التصريح وذلك يوجب عندنا الحد وسيأتي في سورة النور القول فيه إن شاء الله تعالى وهذا القول الأخير يرده الحديث الصحيح وهو نص صريح فلا كلام لأحد معه ولا غبار عليه والحمد لله وقرأ عمر بن لجأ التيمي ( ما كان أباك امرؤ سوء ) < <

Sección V11/P100

مريم : ( 29 ) فأشارت إليه قالوا . . . . . > > < > ( مريم 29 : 33 ) <

Sección V11/P100–V11/P104

> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا ) التزمت مريم عليها السلام ما أمرت به من ترك الكلام ولم يرد في هذه الآية أنها نطقت ب ( إني نذرت للرحمن صوما ) وإنما ورد بأنها أشارت فيقوى بهذا قول من قال : إن أمرها ب ( قولي ) إنما أريد به الاشارة ويروى أنهم لما أشارت إلى الطفل قالوا : استخفافها بنا أشد علينا من زناها ثم قالوا لها على جهة التقرير : ( كيف نكلم من كان في المهد صبيا ) و ( كان ) هنا ليس يراد بها الماضي لأن كل واحد قد كان في المهد صبيا وإنما هي في معنى هو الآن وقال أبو عبيدة : ( كان ) هنا لغو كما قال : وجيران لنا كانوا كرام وقيل : هي بمعنى الوجود والحدوث كقوله : وإن كان ذو عسرة وقد تقدم وقال بن الأنباري : لا يجوز أن يقال زائدة وقد نصبت ( صبيا ) ولا أن يقال ( كان ) بمعنى حدث لأنه لو كانت بمعنى الحدوث والوقوع لاستغنى فيه عن الخبر تقول : كان الحر وتكتفى به والصحيح أن ( من ) في معنى الجزاء و ( كان ) بمعنى يكن التقدير من يكن في المهد صبيا فكيف نكلمه كما تقول كيف أعطي من كان لا يقبل عطية أي : من يكن لا يقبل والماضي قد يذكر بمعنى المستقبل في الجزاء كقوله تعالى : تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار أي إن يشأ يجعل وتقول : من كان إلى منه إحسان كان إليه منى مثله اي من يكن منه إلى إحسان يكن إليه منى مثله ( والمهد ) قيل : كان سريرا كالمهد وقيل : ( المهد ) ها هنا حجر الأم وقيل : المعنى كيف نكلم من كان سبيله أن ينوم في المهد لصغره فلما سمع عيسى عليه السلام كلامهم قال لهم من مرقده ( إني عبد الله ) وهي : الثانية فقيل : كان عيسى عليه السلام يرضع فلما سمع كلامهم ترك الرضاعة وأقبل عليهم بوجهه واتكأ على يساره وأشار إليهم بسبابته اليمنى و ( قال إني عبد الله ) فكان أول ما نطق به الاعتراف بعبوديته لله تعالى وربوبيته ردا على من غلا من بعده في شأنه والكتاب الانجيل قيل : آتاه في تلك الحالة الكتاب وفهمه وعلمه وآتاه النبوة كما علم آدم الأسماء كلها وكان يصوم ويصلي وهذا في غاية الضعف على ما نبينه في المسألة بعد هذا وقيل : أي حكم لي بإيتاء الكتاب والنبوة في الأزل وإن لم يكن الكتاب منزلا في الحال وهذا أصح ( وجعلني مباركا ) أئ ذا بركات ومنافع في الدين والدعاء إليه ومعلما له التستري : وجعلني آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأرشد الضال وأنصر المظلوم وأغيث الملهوف ( وأوصاني بالصلاة والزكاة ) أي لأؤديهما إذا أدركني التكليف وأمكنني أداؤهما على القول الأخير الصحيح ( ما دمت حيا ) في موضع نصب على الظرف أي دوام حياتي ( وبرا بوالدتي ) قال بن عباس : لما قال ( وبرا بوالدتي ) ولم يقل بوالدي علم أنه شيء من جهة الله تعالى ( ولم يجعلني جبارا ) أي متعظما متكبرا يقتل ويضرب على الغضب وقيل : الجبار الذي لا يرى لأحد عليه حقا قط ( شقيا ) أي خائبا من الخير بن عباس : عاقا وقيل : عاصيا لربه وقيل : لم يجعلني تاركا لأمره فأشقى كما شقى إبليس لما ترك أمره الثالثة قال مالك بن أنس رحمه الله تعالى في هذه الآية : ما أشدها على أهل القدر أخبر عيسى عليه السلام بما قضى من أمره وبما هو كائن إلى أن يموت وقد روى في قصص هذه الآية عن بن زيد وغيره أنهم لما سمعوا كلام عيسى أذعنوا وقالوا : إن هذا لأمر عظيم وروى أن عيسى عليه السلام إنما تكلم في طفولته بهذه الآية ثم عاد إلى حالة الأطفال حتى مشى على عادة البشر إلى أن بلغ مبلغ الصبيان فكان نطقه إظهار براءة أمه لا أنه كان ممن يعقل في تلك الحالة وهو كما ينطق الله تعالى الجوارح يوم القيامة ولم ينقل أنه دام نطقه ولا أنه كان يصلي وهو بن يوم أو شهر ولو كان يدوم نطقه وتسبيحه ووعظه وصلاته في صغره من وقت الولادة لكان مثله مما لا ينكتم وهذا كله مما يدل على فساد القول الأول ويصرح بجهالة قائله ويدل أيضا على أنه تكلم في المهد خلافا لليهود والنصارى والدليل على ذلك إجماع الفرق على أنها لم تحد وإنما صح براءتها من الزنى بكلامه في المهد ودلت هذه الآية على أن الصلاة والزكاة وبر الوالدين كان واجبا على الأمم السالفة والقرون الخالية الماضية فهو مما يثبت حكمه ولم ينسخ في شريعة أمره وكان عيسى عليه السلام في غاية التواضع يأكل الشجر ويلبس الشعر ويجلس على التراب ويأوى حيث جنه الليل لا مسكن له صلى الله عليه وسلم الرابعة الاشارة بمنزلة الكلام وتفهم ما يفهم القول كيف لا وقد أخبر الله تعالى عن مريم فقال : ( فأشارت إليه ) وفهم منها القوم مقصودها وغرضها فقالوا : ( كيف نكلم ) وقد مضى هذا في آل عمران مستوفى الخامسة قال الكوفيون : لا يصح قذف الأخرس ولا لعانه وروى مثله عن الشعبي وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق وإنما يصح القذف عندهم بصريح الزنى دون معناه وهذا لا يصح من الأخرس ضرورة فلم يكن قاذفا ولا يتميز بالاشارة بالزنى من الوطء الحلال والشبهة قالوا : واللعان عندنا شهادات وشهادة الأخرس لا تقبل بالاجماع قال بن القصار : قولهم إن القذف لا يصح إلا بالتصريح فهو باطل بسائر الألسنة ما عدا العربية فكذلك إشارة الأخرس وما ذكروه من الاجماع في شهادة الأخرس فغلط وقد نص مالك أن شهادته مقبولة إذا فهمت إشارته وأنها تقوم مقام اللفظ بالشهادة وأما مع القدرة باللفظ فلا تقع منه إلا باللفظ قال بن المنذر : والمخالفون يلزمون الأخرس الطلاق والبيوع وسائر الأحكام فينبغي أن يكون القذف مثل ذلك قال المهلب : وقد تكون الاشارة في كثير من أبواب الفقه أقوى من الكلام مثل قوله عليه الصلاة والسلام : ( بعثت أنا والساعة كهاتين ( نعرف قرب ما بينهما بمقدار زيادة الوسطى على السبابة وفي إجماع العقول على أن العيان أقوى من الخبر دليل على أن الاشارة قد تكون في بعض المواضع أقوى من الكلام مثل قوله عليه الصلاة والسلام : ( بعثت أنا والساعة كهاتين ( نعرف قرب ما بينهما بمقدار زيادة الوسطى على السبابة وفي إجماع العقول على أن العيان أقوى من الخبر دليل على أن الاشارة قد تكون في بعض المواضع أقوى من الكلام ( والسلام علي ) أي السلامة علي من الله تعالى قال الزجاج : ذكر السلام قبل هذا بغير ألف ولام فحسن في الثانية ذكر الألف واللام وقوله : ( يوم ولدت ) يعني في الدنيا وقيل من : همز الشيطان كما تقدم في آل عمران ويوم أموت يعني في القبر و ( يوم أبعث حيا ) يعني في الآخرة لأن له أحوالا ثلاثة : في الدنيا حيا وفي القبر ميتا وفي الآخرة مبعوثا فسلم في أحواله كلها وهو معنى قول الكلبي ثم انقطع كلامه في المهد حتى بلغ مبلغ الغلمان وقال قتادة : ذكر لنا أن عيسى عليه السلام رأته امرأة يحيى الموتى ويبريء الأكمه والأبرص في سائر آياته فقالت : طوبى للبطن الذي حملك والثدي الذي أرضعك فقال لها عيسى عليه السلام : طوبى لمن تلا كتاب الله تعالى واتبع ما فيه وعمل به < <

Sección V11/P104

مريم : ( 34 ) ذلك عيسى ابن . . . . . > > < > ( مريم 34 : 40 ) <

Sección V11/P104–V11/P109

> قوله تعالى : ( ذلك عيسى بن مريم ) أي ذلك الذي ذكرناه عيسى بن مريم فكذلك اعتقدوه لا كما تقول اليهود إنه لغير رشدة وأنه بن يوسف النجار ولا كما قالت النصارى : إنة الإله أو بن الإله ( قول الحق ) قال الكسائي : ( قول الحق ) نعت لعيسى أي ذلك عيسى بن مريم قول الحق وسمى قول الحق كما سمى كلمة الله والحق هو الله عز وجل وقال أبو حاتم : المعنى هو قول الحق وقيل : التقدير هذا الكلام قول الحق قال بن عباس : يريد هذا كلام عيسى صلى الله عليه وسلم قول الحق ليس بباطل وأضيف القول إلى الحق كما قال : وعد الصدق الذي كانوا يوعدون أي الوعد الصدق وقال ولدار الآخرة خير أي ولا الدار الآخرة وقرأ عاصم وعبد الله بن عامر ( قول الحق ) بالنصب على الحال أي أقول قولا حقا والعامل معنى الاشارة في ( ذلك ) الزجاج : هو مصدر أي أقول قول الحق لأن ما قبله يدل عليه وقيل : مدح وقيل : إغراء وقرأ عبد الله ( قال الحق ) وقرأ الحسن ( قول الحق ) بضم القاف وكذلك في الأنعام قوله الحق والقول والقال والقول بمعنى واحد كالرهب والرهب والرهب ( الذي ) من نعت عيسى ( فيه يمترون ) أي يشكون أي ذلك عيسى بن مريم الذي فيه يمترون القول الحق وقيل : ( يمترون ) يختلفون ذكر عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى : ( ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ) قال : اجتمع بنو إسرائيل فأخرجوا منهم أربعة نفر أخرج كل قوم عالمهم فامتروا في عيسى حين رفع فقال أحدهم : هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات من أمات ثم صعد إلى السماء وهم اليعقوبية فقالت الثلاثة : كذبت ثم قال اثنان منهم للثالث : قل فيه قال : هو بن الله وهم النسطورية فقال الاثنان كذبت ثم قال أحد الاثنين للآخر قل فيه فقال : هو ثالث ثلاثة الله إله وهو إله وأمه إله وهم الاسرائيلية ملوك النصارى قال الرابع : كذبت بل هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته وهم المسلمون فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قال فاقتتلوا فظهر على المسلمين فذلك قول الله تعالى : ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس وقال قتادة : وهم الذين قال الله تعالى فيهم : ( فاختلف الأحزاب من بينهم ) اختلفوا فيه فصاروا أحزابا فهذا معنى قوله : ( الذي فيه تمترون ) بالتاء المعجمة من فوق وهي قراءة أبي عبد الرحمن السلمي وغيره قال بن عباس : فمر بمريم بن عمها ومعها ابنها إلى مصر فكانوا فيها اثنتي عشرة سنة حتى مات الملك الذي كانوا يخافونه ذكره الماوردي قلت : ووقع في تاريخ مصر فيما رأيت وجاء في الانجيل الظاهر أن السيد المسيح لما ولد في بيت لحم كان هيرودس في ذلك الوقت ملكا وأن الله تعالى أوحى إلى يوسف النجار في الحلم وقال له : قم فخذ الصبي وأمه واذهب إلى مصر وكن هناك حتى أقول لك فإن هيرودس مزمع أن يطلب عيسى ليهلكه فقام من نومه : وامتثل أمر ربه وأخذ السيد المسيح ومريم أمه وجاء إلى مصر وفي حال مجيئه إلى مصر نزل ببئر البلسان التي بظاهر القاهرة وغسلت ثيابه على ذلك البئر فالبلسان لا يطلع ولا ينبت إلا في تلك الأرض ومنه يخرج الدهن الذي يخالط الزيت الذي تعمد به النصارى ولذلك كانت قارورة واحدة في أيام المصريين لها مقدار عظيم وتقع في نفوس ملوك النصارى مثل ملك القسطنطينية وملك صقلية وملك الحبشة وملك النوبة وملك الفرنجة وغيرهم من الملوك عندما يهاديهم به ملوك مصر موقعا جليلا جدا وتكون أحب إليهم من كل هدية لها قدر وفي تلك السفرة وصل السيد المسيح إلى مدينة الأشمونين وقسقام المعروفة الآن بالمحرقة فلذلك يعظمها النصارى إلى الآن ويحضرون إليها في عيد الفصح من كل مكان لأنها نهاية ما وصل إليها من أرض مصر ومنها عاد إلى الشام والله أعلم قوله تعالى : ( ماكان لله ) أي ما ينبغي له ولا يجوز ( أن يتخذ من ولد ) ( من ) صلة للكلام أي أن يتخذ ولدا و ( أن ) في موضع رفع اسم ( كان ) أي ما كان لله أن يتخذ ولدا أي ما كان من صفته اتخاذ الولد ثم نزه نفسه تعالى عن مقالتهم فقال : ( سبحانه ) أن يكون له ولد ( إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) تقدم في البقرة مستوفى ( وأن الله ربي وربكم ) قرأ أهل المدينة وبن كثير وأبو عمرو بفتح ( أن ) وأهل الكوفة ( وإن ) بكسر الهمزة على أنه مستأنف تدل عليه قراءة أبي ( كن فيكون إن الله ) بغير واو على العطف على ( قال إني عبد الله ) وفي الفتح أقوال : فمذهب الخليل وسيبويه أن المعنى ولأن الله ربي وربكم وكذا ( وأن المساجد لله ) ف ( أن ) في موضع نصب عندهما وأجاز الفراء أن يكون في موضع خفض على حذف اللام وأجاز أن يكون أيضا في موضع خفض بمعنى وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبأن الله ربي وربكم وأجاز الكسائي أن يكون في موضع رفع بمعنى والأمر أن الله ربي وربكم وفيها قول خامس : حكى أبو عبيد أن أبا عمرو بن العلاء قاله وهو أن يكون المعنى : وقضى أن الله ربي وربكم فهي معطوفة على قوله : ( أمرا ) من قوله : ( إذا قضى أمرا ) والمعنى إذا قضى أمرا وقضى أن الله ولا يبتدأ ب ( أن ) على هذا التقدير ولا على التقدير الثالث ويجوز الابتداء بها على الأوجه الباقية ( فاعبدوه هذا صراط مستقيم ) أي دين قويم لا اعوجاج فيه قوله تعاى : ( فاختلف الأحزاب من بينهم ) ( من ) زائدة أي اختلف الأحزاب بينهم وقال قتادة : أي ما بينهم فاختلفت الفرق من أهل الكتاب في أمر عيسى عليه السلام فاليهود بالقدح والسحر والنصارى قالت النسطورية منهم : هو بن الله والملكانية ثالث ثلاثة وقالت اليعقوبية : هو الله فأفرطت النصارى وغلت وفرطت اليهود وقصرت وقد تقدم هذا في النساء وقال بن عباس : المراد من الأحزاب الذين تحزبوا على النبي صلى الله عليه وسلم وكذبوه من المشركين ( فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم ) أي من شهود يوم القيامة والمشهد بمعنى المصدر والشهود الحضور ويجوز أن يكون الحضور لهم ويضاف إلى الظرف لوقوعه فيه كما يقال : ويل لفلان من قتال يوم كذا أي من حضوره ذلك اليوم وقيل : المشهد بمعنى الموضع الذي يشهده الخلائق كالمحشر للموضع الذي يحشر إليه الخلق وقيل : فويل للذين كفروا من حضورهم المشهد العظيم الذي اجتمعوا فيه للتشاور فأجمعوا على الكفر بالله وقولهم : إن الله ثالث ثلاثة قوله تعالى : ( أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا ) قال أبو العباس : العرب تقول هذا في موضع التعجب فتقول : أسمع بزيد وأبصر بزيد أي ما أسمعه وأبصره قال : فمعناه أنه عجب نبيه منهم قال الكلبي : لا أحد أسمع منهم يوم القيامة ولا أبصر حين يقول الله تبارك وتعالى لعيسى : أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله وقيل : ( أسمع بمعنى الطاعة أي ما أطوعهم لله في ذلك اليوم ( لكن الظالمون اليوم ) يعني في الدنيا ( في ضلال مبين ) وأي ضلال أبين من أن يعتقد المرء في شخص مثله حملته الأرحام وأكل وشرب وأحدث واحتاج أنه إله ومن هذا وصفه فهو أصم أعمى ولكنه سيبصر ويسمع في الآخرة إذا رأى العذاب ولكنه لا ينفعه ذلك قال معناه قتادة وغيره قوله تعالى : ( وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر ) روى عن عبد الله بن مسعود أنه قال : ما من أحد يدخل النار إلا وله بيت في الجنة فيتحسر عليه وقيل : تقع الحسرة إذا أعطي كتابه بشماله ( إذ قضي الأمر ) أي فرغ من الحساب وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار فيقال يا أهل الجنة هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون ويقولون نعم هذا الموت قال ثم يقال يا أهل النار هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون ويقولون نعم هذا الموت قال فيؤمر به فيذبح ثم يقال يأهل الجنة خلود فلا موت ويأهل النار خلود فلا موت ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون ) ( خرجه البخاري بمعناه عن بن عمر وبن ماجة من حديث أبي هريرة والترمذي عن أبي سعيد يرفعه وقال فيه حديث حسن صحيح وقد ذكرنا ذلك في كتاب ( التذكرة ) وبينا هناك أن الكفار مخلدون بهذه الأحاديث والآي ردا على من قال : إن صفة الغضب تنقطع وإن إبليس ومن تبعه من الكفرة كفرعون وهامان وقارون وأشباههم يدخلون الجنة قوله تعالى : ( إنا نحن نرث الأرض ومن عليها ) أي نميت سكانها فنرثها ( وإلينا يرجعون ) يوم القيامة فنجازي كلا بعمله وقد تقدم هذا في الحجر وغيرها < <

Sección V11/P109

مريم : ( 41 ) واذكر في الكتاب . . . . . > > < > ( مريم 41 : 50 ) <

Preguntas